← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8506

إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (212 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذا كله غير ما أفرِد بالتصنيف من الكتب والرسائل التي لا تحصى في مسائلَ من القرآن وفي مُشكلهِ وغريبه ومجازِه ومعانيه وضميره وشواهده وأسلوبِ نظمه والمتشابه من آياته وأمثاله وحروفه وإعرابه وأسمائه وأعلامه وناسخهِ ومنسوخه وأسباب نزوله، إلى كثير من مثل ذلك مما حَفِيَت فيه أقلامُ العلماء، بحيث لا يعلم إلا الله وحده كم يبلَغ ما وُضِع لخدمة كتابه الكريم؛ ولا يعلم الناس من ذلك إلا أنه معجزة من معجزات التاريخ العلمي في الأرض لم يتفق له في ذلك شبيه من أول الدنيا إلى اليوم، ولن يتفق. وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع وما يحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية، وبسطوا كل ذلك بسطاً ليس هو من غرضنا فنستقصي فيه على أن هذا ومثله إنما يكون فيه إشارة ولمحة ولعل متحققاً بهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن وأحكم النظرَ فيه وكان بحيث لا تُعْوِزُهُ أداةُ الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره. . لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط من أنبائها، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها، بلى وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعَوناً على تفسير بعض معاني القرآن والكشفِ عن حقائقه، وإن فيها لجِمَاماً ودُرْبة لمن يتعاطى ذلك؛ يُحكِمُ بها من الصواب ناحية، وُيحرز من الرأي جانباً؛ وهي تَفتِق لها الذهن، وتؤاتيه بالمعرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه، وتُخرج له البرهانَ وإن كان في طبقات الأرض، وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طباق السماء. ولا جَرَمَ أن هذه العلوم ستدفع بعد تمحيصها واتصال آثارها الصحيحة بالنفوس الإنسانية إلى غاية واحدة، وهي تحقيق الإسلام، وأنه الحق الذي لا مرية فيه، وأنه فِطرةُ الله التي فطر الناس عليها، وأنه لذلك هو الدين الطبيعي للإنسانية؛ وسيكون العقلُ الإنساني آخر نبي في الأرض، لأن

стр. 72

الذي جاء بالقرآن كان آخر الأنبياء من الناس، إذ جاءهم بهذا الدين الكامل، ولا حاجة بالكمال الإنساني لغير العقول ينبه إليه بعضها بعضاً، ومن لا يُجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض! . وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفاً، وذلك قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) . ولو جمعتَ أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى: (فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) هذه آفاق، وهذه آفاق أخرى، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة فليس يصح في الأفهام شيء. ذلك وأن من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس في بعض تفسيره على اختلاف العصور، لضعف وسائلهم العلمية ولقصَر حبالهم أن تعلقَ بأطراف السموات أو تحيطَ بالأرض، ثم تصيب الطبيعة نفسها في كشف معانيه؛ فكلما تقدم النظر، وجمعت العلوم، ونازعت إلى الكشف والاختراع، واستكملت آلات البحث، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة حتى كأنه غاية لا يزال عقل الإنسان يَقطَعُ إليها، حتى كأن تلك الآلات حينما توجَّه لآيات السماء والأرض توجه لآيات القرآن أيضاً (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) . ذلك هو الأمرُ في العلوم الألى (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) .

стр. 73

سرائر القرآن بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابنا هذا خرج في الآستانة القديمة. . كتاب جليل للقائد العظيم والعالم الرياضي الفلكي المشهور الغازي أحمد مختار باشا ﵀، أسماه (سرائر القرآن) وبناه على سبعين آية من كتاب الله تعالى فسَّرها بآخر ما انتهى إليه العلم الحديث في الطبيعة والفلك، فإذا هي في القرآن منْطَبق السماء عن نفسها، لا يتكذَّبُ ولا يَزيغ ولا يلتوي، وإذا هي تثبت أن هذا الكتاب الكريم سبقَ العقلَ الإنساني ومخترعاته بأربعة عشر قرناً إلى زمننا، وما ذاك إلا فصل من الدهر، وستعقبه فصول بعد فصول. ومعلوم أن الزمن تقسيم إنساني محض يلائم وجود الإنسان وفناءه عن هذه الأرض المحدودة بمادتها وأجلها، وإلا فليس في الحقيقة أزمان تبتدئ أو تنتهي، فإذا ثبت للقرآن المجيد سبقه ما تتوهمه زمناً وتقدمهُ حدوداً من آخر حدود العقل الإنساني، على حين أنه أنزل في حدود غيرها بعيدة ضعيفة لا علم فيها ولا آلات علم - فحسبك بذلك وحده برهاناً على أن هذا الكتاب جملة من الأزَل تحولت في معنى ومنطق، وجاءت لغرض وغاية، ولامَسَت الناس لتكون فيهم سبباً لرسوخ الإيمان، ثم نظاماً للإيمان نفسه، ومتى رسخ الإيمان فقد رسخ العالم كله في النفس الإنسانية. وهذا عندنا من بعض السر فيما جاء في الكتاب الكريم من آيات السموات والأرض والنظر والاستدلال، ومن طُرق التعبير، التعبير النفسي بالأمثال والقصص ونحوها. ثم إن في ذكر الآيات الكونية والعلمية في القرآن دليلاً على إعجاز آخر فهو بذلك يومئ إلى أن الزمن متجه في سيره إلى الجهة العلمية القائمة على البحث والدليل، وأن الإنسانية ذاهبة في أرقى عصورها إلى هذا المذهب، وأن الدين سيكون عقلياً، وأن العقل هو آخر أنبياء الأرض، فوجود ذلك فيه قبل أن يوجد ذلك في الزمن بأربعة عشر قرناً، شهادة ناطقة من الغيب لا يبقى عليها موضع شبهة، فإن أسفر الصبح وبقي بعض الناس نياماً لا يرونه وقد ملأ الدنيا فذلك من عَمَى النوم في أعينهم. وآخرون لا يرونه من نوم العمى في أعينهم والصبح فوق هؤلاء وهؤلاء. فـ (مَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) . قال الغازي في مقدمة كتابه: " وفي القرآن غير ما يكفل للهيئة الاجتماعية سعادتها وسلامتها في معاشها ومعادها مما حواه من الدساتير الأخلاقية والقضائية والإدارية والسياسية وعظةِ الأمثال والقصص - فيه إشارات وآيات بينات في مسائل ما برحت العلوم الطبيعية تحاول الكشف

стр. 74

عن كنهها منذ عصور، ولا سيما في علم التكوين والتخريب (القيامة) الذي دل الآن بنظريات الإخصائيين من علماء الفلك ومباحثهم ومشاهداتهم في طور التقدم والارتقاء وإنك لا تكاد تقلب من المصحف الشريف بضع صفحات حتى تجد آية في أسرار الكائنات وأحوال السماء منظومة في نسَقها بمناسبة من أبدع المناسبات. قال: " وقد فهموا من علم الهيئة السماوية عَظمة الله تعالى بعظمة الأجرام التي كانوا يحسبونها نقطاً صغيرة منثورة في السماء. خذ لذلك مثلاً: إدراك عظمة الشمس وكوكب الشعرَى بالنسبة إلى الأرض، فإن هذه الأرض إذا نحن فرضناها فرضاً بحجم الحمصَةِ، تكون مساحة الشمس بالنسبة إليها كمساحة مائدة مستديرة طول قطرها ذراع فرنسية، ومساحة سطح كوكب الشعرى الذي قال الله فيه (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) . تبلغ مائة ذراع فرنسية بالقياس إلى تلك الحمصة. " ومما أفدناه من تلك المباحث أن عالمنا الناسوتي الذي نسميه (العالم الشمسي) - وتؤلفه طائفة مستقلة من الأجرام السماوية تعد بالمئات أهمها شمسنا المنيرة وأرضُنا وأخَواتها من السيارات وما يتبعهن من النجوم ذوات الأذناب - يدور بسرعة عشرين ألف ذراع فرنسية في الثانية الواحدة، مجتازاً فضاء الله الذي لا نهاية له، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) وأن المجرَّةَ العظمى المحيطة بالسماء تحتوي مئات الألوف من العوالم الأخرى. . . إلى أن قال " إن القرآن الكريم آيات بينات عن تكوين العالم، وكيف كان هذا التكوين، وعن الأطوار التي تنقل فيها، وعن خلقة الموجودات، وأسباب الحياة، وعن آخرة كرتنا الأرضية وعاقبتها التي ستصير إليها في النهاية، ولقد كانت معاني هذه الآيات الشريفة منظوراً إليها فيما مضى من جهة العقائد حَسبَ، ولم يكن أحد يستطيع أن يذهب في تأويلها مذهباً يصدر فيه عن علم، ولكن هذه الحالة قد تغيرت الآن، لأن الحكماء الذين نبغوا في العصرين الأخيرين قد أبانوا بمباحثهم العلمية وما كشفوه من الغوامض الدقيقة عن قدرة الله بأجلى بيان، حتى أصبحت نظريات علم التكوين صالحة لتفسير آيات الله تفسسيراً بديعاً، مع أنها هي في حالتها الراهنة لم تبلغ بعدُ حدَّ الكمال ". وبعد أن وصف همم علماء الفلك والرياضة، ووسائلهم ومعرفتهم المسائل الدقيقة، عن الكواكب والشموس والعوالم، وعن حقيقة هذه الكرة التي نعيش عليها، وما أفاده المجتمع البشري

стр. 75

من ذلك، قال: " وأفدنا نحن معشر المسلمين فوائد عظيمة خاصة بنا، لأن هذه المخترعات والمستحدَثات وما أدَّت إليه من أدلة ونظريات - قد جاءتنا ببرهان جديد على إعجاز القرآن الذي نَدينُ الله عليها فقرَّت بذلك أعينُ المؤمنين، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. . ". قال: " وسيرجع الفلكيين موحدين إذا علموا أن الأسرار العلمية التي يحسبونها جديدة، هي في القرآن كما ظهرت لهم ومثَل من ذلك أن العالِم الفلكي م. بوانكاريه، قال في مقدمة كتابه المطبوع في سنة ١٩١١ وهو يبحث في دقة نظام هذه الكائنات وما فيها من مظاهر الكمال، " ليس ذلك من الأمور التي يمكن حملها على المصادفة والاتفاق، وأحسب أن القدرة التي لا أول لها ولا آخر سنَّت للكائنات هذا النظام في عهد ما على أن يستمر حكمه إلى الأبد، فأذعنت الكائنات لإرادتها راضية طائعة،. قال الغازي ﵀: فأمعن أنت النظر في هذه الكلمات وسياقها، ثم اقرأ قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) . وتأمل ما في الآية من معانٍ ورموز؛ ثم تصور ما في ذلك من ذوق وجداني لأهل العرفان، وقل: "تبارك الله والمنةُ لله ". كتابُ " سرائر القرآن " ثلاثة فصول: الأول في كيفية تكوين العالم ووجود الحياة. والثاني في يوم القيامة أو خاتمة عمر الأرض. والثالث في المباحث والآيات القرآنية المتعلقة بإعادة الخلق وكل ذلك مطبق على نظريات وآراء الحكماء الأولين والآخرين إلى عصرنا، ثم ما يؤيد حقيقة ما انتهوا إليه من آيات القرآن الكريم. وكان الغازي يفكر في هذا الكتاب خمسة وعشرين عاماً فرحمة الله عليه كفاء ما أحسن إلى أمته. ***

стр. 76

تفسير آية وقد رأينا أن نسوق هنا تفسير آية من القرآن الكريم أصبناه في بعض كتب الحكيم العلامة داود الأنطاكي المتوفى سنة ١٠٠٨ للهجرة، فُتح عليه به وهو في أضعف الأزمنة وأشدها انحطاطاً وفقراً من الوسائل العلمية. ولا تنسَ أن الآية أنزلت على نبى أمِّي في قوم لا يعرفون كثيراً ولا قليلاً من علم التشريح أو علم التكوين، ثم إنها كذلك ليس في صناعتها البيانية شيء مما تتحسن به البلاغة فيبين بنفسه ويجعل للكلام شأناً في تمييزه واستخراج معانيه، كالاستعارة والكناية ونحوها؛ ولكنها قائمة على دقائق التركيب العلمي والملاءمة بينها وبين دقائق التعبير؛ ففيها إعجاز في المعنى، ثم إعجاز في الصورة؛ مع أنها في غرضها وسياقِها مَظِنة أن لا يكون فيها من ذلك شيء؛ إذ هي عبارة علمية تُسْرَد سَرداً على التقرير والحكاية هذا مما يسمو بإعجازها سمواً على حِدة، فإنه يضع فوق البلاغة ما تكون البلاغةُ في العادة والطبيعة فوقه. وكل ما هذه سبيله من الآيات العلمية في القرآن الكريم فأنت لا بد واجدٌ فيه من قوة المعاني أكثر مما في العقل العربي من قوة الفهم وقوة التعبير؛ لتكون قوة الدلالة فيه يوم تتهيأ للأمم وسائلها العلمية دليلاً من أقوى أدلة الإعجاز. أما الآية فهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) . والتفسير: قال جل من قائل (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) ، يعني إيجاداً واختراعاً، لعدم سبق المادة الأصلية " من سُلالة " هي الخلاصة المختارة من الكيفيات الأصلية بعد الامتزاج بالتفعيل الثاني مما ركب منها بعد امتزاج القوى والصور، والتنويه باسمه إما للصورة والرطوبات الحسية، أو لأنه

стр. 77

السبب الأقوى في تحجر الطين وانقلابه وكسر سَؤرَة الحرارة وإحياء النبات والحيوان اللذين هما الغذاء الكائنة عنه النطَفُ، وهذا الماء هو المرتبة الأولى والطور الأول، وقوله (مِنْ سُلَالَةٍ) يشير إلى أن المواليد كلها أصول للإنسان وأنه المقصود بالذات الجامع لطباعها، ثم جعله نطقة بالإنضاج والتلخيص الصادر عن القوى المعدة لذلك، ففي قوله (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً) تحقيق لما صار إليه الماء من خلع الصور البعيدة؛ والضمير إما للماء حقيقة أو للإنسان بالمجاز الأولى. وقوله (فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) يعني الرحم، وهذا هو الطور الثاني، ثم قال مشيراً إلى الطور الثالث: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) أي صيرناها وإً قابلاً للتمدد والتخلق باللزوجة والتماسك، ولما كان بين هذه المراتب من المهلة والبعد ما سنقرره، عطفهاب (ثم) المقتضية للمهلة - كما بيَّن أدوار كواكبها، فإن زُحَل يلي أيام السلالة المائية لبردها، والمشتري يلي النطفة لرطوبتها، والمريخ يلي العَلقة لحرارتها وهذه الثلاثة هي أصحاب الأدوار الطوال. ثم شرع في المراتب القريبة التحويل والانقلاب التي يليها الكواكب المتقاربة في الدورة وهي ثلاثة: (أحدها) ما أشار إليه بقوله (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) أي حوَّلنا الدم جسماً صلباً قابلاً للتفصيل والتخليط والتصوير والحفظ وجعل مرتبة المضغة في الوسط، وقبلها ثلاث حالات وبعدها كذلك. لأنها الواسطة بين الرطوبة السيالة والجسم الحافظ للصور؛ وقابلها بالشمس، لأنها بين العلوي والسفلي كذلك، وجعل التي قبلها علوية، لأن الطور الإنساني فيها لا حركة له ولا اختيار، فكأنه هو المُتوَليه أصالة لمان كان في الحالات كلها كذلك لكن هو أظهر، فانظر إلى دقائق مَطاوي هذا الكتاب المعجز وتحويله العلقة إلى المضغة يقع في دون الأسبوع. (وثانيها) مرتبة العظام المشار إليها بقوله: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) أي صَلَّبنا تلك الأجسام بالحرارة الإلهية حتى اشتدت وقبلت التوثيق والربط والإحكام والضبط، وهذه مرتبة الزهرة، وفيها تتخلق الأعضاء المنوية المشاكلة للعظام أيضاً ويتحول دم الحيض غاذِياً كما هو شأن

стр. 78

الزهرة في أحوال النساء. وقوله (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) أي حال تحويل الدم غاذياً للعظام لا يكون عنهُ إلا اللحم والشحم وكل ما يزيد وينقص، وهذا شأن عطارد، تارة يتقدم وتارة يتاخر ويعتدل، وكذا في اللحم البدن، وهذه المرتبة هي التي يكون فيها الإنسان كالنبات، ثم يطول الأمر حتى يشتد، ثم يتم إنساناً يفيض الحياة والحركة بنفخ الروح، فلذلك قال مُغلماً للتعجب والتنزيه عند مشاهدة دقيق هذه الصناعة (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) وهذا هو الطور السابع الواقع في حَيِّز القمر. وفي هذه الآية دقائق: (الأولى) عبر في الأول ب (خلقنا) ، لصدقه على الاختراع، وفي الثاني ب (جعلنا) لصدقه على تحويل المادة، ثم عبر في الثالثة وما بعدها كالأول لأنه أيضاً إيجاد ما لم يسبق، (الثانية) مطابقة هذه المراتب لأيام الكواكب المذكورة ومقتضياتها للمناسبة الظاهرة وحكمة الربط الواقع بين العوالم، (الثالثة) قوله (فَكَسَوْنَا) وهي إشارة إلى أن اللحم ليس من أصل الخلقة اللازمة للصورة، بل كالثياب المتخذة للزينة والجمال؛ وأن الاعتماد على الأعضاء والنفس خاصة، (الرابعة) قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ) سماه بعد نفخ الروح إنشاء لأنه حينئذ قد تحقق بالصورة الجامعة، (الخامسة) قوله (خَلْقًا) ولم يقل إنساناً ولا آدمياً ولا بشراً لأن النظر فيه حينئذ لما سيُفاضُ عليه من خلع الأسرار الإلهية، فقد آن خروجه من السجن وإلباسه المواهب، فقد يتخلق بالملكيات فيكون خلقاً ملكياً قدسياً، أو بالبهيمية فيكون كذلك، أو بالحجرية إلى غير ذلك؛ فلذلك أبهمَ الأمرَ وأحاله على اختياره وأمر بتنزيهه على هذا الأمر الذي لا يشاركه فيه غيره. وفي الآية من العجائب ما لا يمكن بسطه هنا، وكذلك سائر آيات هذا الكتاب الأقدس: ينبغي أن تفهم على هذا النمط. انتهى كلام الحكيم المفسر. وأنت لو عرضت ألفاظَ هذه الآية على ما انتهى إليه علماء تكوين الأجنة وعلماء التشريح وعلماء الوراثة النفسية، لرأيت فيها دقائق علومهم، كان هذه الألفاظ إنما خرجت من هذه العلوم نفسها، وكأن كل علم وضع في الآية كلمته الصادقة، فلا تملك بعد هذا أن تجد ختام الآية إلا ما ختمت هي به من هذا التسبيح العظيم (فَتَبَارَكَ اللَّهُ) .

стр. 79

إعجاز القرآن فصل وهذا هو الغرضُ الذي أردنا إليه الكلامَ في كل ما مرَّ من هذا الباب جهة إلى جهة، وأرَغْنا معانيه فصلاً إلى فصل، وخُضنا في ضروبه معنى إلى معنى، وقد وقَّفناك منه على وجوه عدة، من سر كان مكتوماً، وخبء كان مجهولاً، ومقطع من الحق كان مشتبهاً، وكلها خارج عن طوق الإنسان عندما يتعاطى وعندما يتوهم وعندما يثبت، وكلها لم يشهده الزمن إلا مرة واحدة. وإنما الإعجاز شيئان: ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته على شدة الإنسان واتصال عنايته، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه؛ فكأن العالم كله في العجز إنسان واحد ليس له غير مدته المحدودة بالغة ما بلغت؛ فيصير من الأمر المعجز إلى ما يشبه في الرأي مقابلة أطول الناس عمراً بالدهر على مداه كله. فإن المعمر دهرَ صغير، وإن لكليهما مدة في العمر هي من جنس الأخرى؛ غير أن واحدة منهما قد استغرقت الثانيةَ؛ فإن شاركتها الصغرى إلى حد فما عسى أن يشركهما فيما بقي. ونحن الآن قائلون فيما هو الإعجاز عند علمائنا ﵏ وما وضعوه فيه من الكتب؛ ثم ما هي حقيقته عندنا؛ ثم تبسط الكلام فضلاً من البسط في إعجاز القرآن بأسلوبه وبيانه مما يماسُّ اللغةَ ويستطرق إليها - نستتم بذلك القول فيما انتهى إليه جهدنا من قليل ما استَطفَّ (١) لنا من أسراره العجيبة، وإن قليلَها لكثير على الإنسان بالغة ما بلغت قوته. ولسنا ندعي أننا أشرفنا على الأمَد وأوفينا على معجزة الأبد، فإن هذا أمر ضيق كثير الالتواء لمن تلمس جوانبه، واقتحم مصاعبه، وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه، وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتَنَفه العلماء من كل جهة، وتعاوَرُوه من كل ناحية، وأخلقوا جوانبه بحثاً وتفتيشاً. ثم هو بعدُ لا يزال عندهم على ذلك خَلقاً جديداً، ومراماً بعيداً، وصعباً شديداً، وإنما بلغوا منه إذ بلغوا منه نزراً تهيأت لضعفه أسبابه، وقليلاً عرِفَ لقتله حسابُه، وبقي ما وراء ذلك من الأمر المتعذر الذي وقفت عنده الأعذار؛ والابتغاء المعجز الذي انحط عنده قدرُ الإنسان لأنه مما سمحت به الأقدار.

стр. 80

الأقوال في الإعجاز واعلم أننا لسنا نلتمسُ بما نتأتى إليه من هذا الفصل، ونستأتي به تعبَ الكتابة في سرده، ونصبنا له من استقراء مذاهب القوم وآرائهم - أن نقيم من ذلك برهاناً صحيحاً، أو نقدم رأياً صريحاً، فإن هذا بعض ما لا يُطمع فيه ولا يَرد التعب منه شيئاً على المباحث يكون فيه مطمع فلقد أبعدَ القوم في المقايسة وأمعنوا في المذاكرة، وأطالوا في الخصومة، وفخموا ما شاءوا، ومضغوا من الكلام ما ملأ أفواههم، وجاءوا بما هو لعَمَري فلسفة ومنطق؛ بيد أنهم في كل ذلك إنما توافوا على صنيع واحد من الرد بعضهم على بعض فمن فَلَجَ بحجته فقطع خصمه عن المعارضة، وأفحمه دون المناضلة كان الرأي في الإعجاز ما رآه هو، وكان أكبر البرهان على صوابه عجز خصمه عن تخطئته. . وهذه سبيل من الكلام لا يزال أذاها حاضراً، وسالكها حائراً، فإنه ما يندفع إليها رأيان متناقضان إلا كان أقواهما معتبراً صواباً بحتاً، لا بقوته ولكن بضعف الآخر، وإن كان هو في نفسه خطأ صراحاً وفساداً صرفاً أو جهلاً وإحالة. وقد مضى أكثر المتكلمين من رؤوس الفرق الإسلامية على أن لا يبالوا أن يُضرَبوا بآرائهم صَفحاً، ولهم في ذلك صلابة يوهِمون أنها صلابة أهل الحق وعناد يلتبس باليقين على العامة وأشباه العامة من أتباعهم فلا تنفعهم نافعة حتى يأخذوا بآرائهم وينتحلوها، ثم لا تكون لهم الخِيرَة من أمرهم بعد ذلك فيما يأخذون وما يَدَعون. وقد أسلفنا في غير هذا الموضع أن كل فرقة انشعبت في الإسلام وانبسط لها ظل - فإنما هي عقلُ رجل ذكي واحد؛ بالغاً ما بلغ أتباعُها ومنتحِلو عقائدها؛ فإن نبغ في هؤلاء عقل آخر انصدعت الفرقةُ فخرجت منها فرقة ثانية، وهلم جراً. فالمقِرُّ من أولئك كالمنكر من هؤلاء، ما دام سبيل جميعهم من صناعة الكلام، وعلى ناحية المكابرة، وما دام نفي الشك بقوة المنطق كأنه في المنطق إقرار اليقين بقوة الحق فإن سقت الشبهة وبَطلَ الاعتراض - ولو من عجز أو عي أو ما هو في حكمها من عوارض المنطق - فلذلك هو العلم المحض والرأي الصريح، وإلا فما دام للشبهة ظل، وللاعتراض وجه - ولو من المعارضة والمكابرة - فلا قرار لذلك الرأي، ولا ثبوت لذلك العلم، ولا يبلغ الجدال منهما رأياً ولا علماً. وعلى هذه الجهة رأينا كل أقوالهم في إعجاز القرآن: لا يصنعون شيئاً دون أن يُنكر ويدفعَ من ينكر من يدفع، فإما أن تتعارض الحجج الكلامية فتُسقِط بعضها بعضاً، وإما أن تقوى واحدة منهن فتُسقط الباقيات وتبقى هي كلاماً من الكلام لا تصلح لنفي ولا إثبات. وليس مَن طلب الحق ليعرفه كالذي يطلبه ليعرَف به، فإن الأول يُنصف من نفسه كما

стр. 81

ينتصف لها، ولكن الثانيَ خصم لا يريده إلا جدلاً وله مع الجدل قوة الحرص على المؤاربة، وشدة الصريحة في المراوغة؛ كيما تنتهي إليه الحجة ويقف عنده البرهان فيكون له الصوت المردد ويصير إليه مرجع القول في النحلة أو المذهب، فهو يَعتسف لذلك ولا جَرَم كل طريق، ويركب كل صعب، ويتحمل من كل وجه، ويتعنت بكل آية، وليس له هم دون قوة الإقناع المنطقية، ودون الإفحام والتعجيز ومن ثم لا يبالي أن يتورد خصمه بالسفه، أو يقر له بالسخف، أو يتبسط على الباطل أو يحتجز دون الحق، ما دامت هذه كلها أدوات في صناعة الكلام، وما دام الكلام قادراً بأدواته على أن يصنع الحق أو ما يسمى حقاً، وإن كانت الصنعة فاسدة أو سقيمة، وكانت التسمية من خطإٍ أو ضلال. من أجل ذلك قلنا إنه لا يستقيم لنا برهان صحيح مما نصبنا لاستقرائه في هذا الفصل، ولكن أكبر غرضنا منه أن ندل على تاريخ الكلام في القرآن وإعجازه؛ فإن ذلك واضح النسق بين السرد فيما تهيأ لنا من هذاه الآراء التي نؤديها كما هي: وفاء بحق التاريخ وتوفية لفائدة ما نحن بسبيله. كان أول ما ظهر من الكلام في القرآن، مقالة تُعزى إلى رجل يهودي يسمى لَبيد بن الأعصم فكان يقول: إن التوراة مخلوقة، فالقرآن كذلك مخلوق، ثم أخذها عنه طالوت ابن أخته وأشاعها، فقال بها بَنَان بن سمعان الذي إليه تُحْسب البنانية، وتلقاها عنه الجعْد بن درهم (مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية) وكان زنديقاً فاحش الرأي واللسان، وهو أول من صرَّح بالإنكار على القرآن والرد عليه، وجَحَدَ أشياء مما فيه. وأضاف إلى القول بخلقه أن فصاحته غير معجزة،

стр. 82

وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها، ولم يقل بذلك أحد قبله، ولا فشت المقالة بخلق القرآن إلا من بعده، إذ كان أول من تكلم بها في دمشق عاصمة الأمويين، وكان مَروان (ويلقب بالحمار) يتبع رأيه، حتى نسب إليه، فقيل مروان الجعدي. ولم تظهر بعده فتنة القول بخلق القرآن إلا زمن أحمد بن أبي دُؤاد وزير المعتصم (سنة ٢٢٠ هـ) وكان أول من بالغ في القول بذلك عيسى بن صَبيح الملقب بالمُزدار الذي إليه تنسب المزدارية كما سيأتي. ثم لما نجَمَت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام، فمزجوا بين تلك الفلسفة على كونها نظراً صرفاً، وبين الدين على كونه يقيناً محضاً وتغلغوا في ذلك حتى خالف بعضهم بعضاً بمقدار ما يختلفون في الذكاء وبعد النظر، فتفرقوا عشر فرق، واختلفت بهذا آراؤهم في وجه إعجاز القرآن اختلافاً يقوم بعضه على بعض، فيبدأ فارغاً وينتهي كما بدأ وإن كثر في ذات نفسه. فذهب شيطانُ المتكلمين أبو إسحاق إبراهيم النَّظام إلى أن الإعجاز كان بالصرفة، وهي أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الضرف خارقاً للمادة. قلنا وكأنه من هذا القبيل هو المعجزة لا القرآن. وهذا الذي يروون عنه أحد شطرين من رأيه، أما الشطر الآخر فهو الإعجاز إنما كان من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية. وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أن الله سلبهم العلوم. . التي يُحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعاني؛ إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم، وهذا رأي بيِّن الخلط كما ترى. غير أن النطام هو الذي بالغ في القول بالصرفة حتى عرفت به، وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام، على بلاغة ولَسَن وحسن تصرف، بيدَ أنه شب في ناشئة الفتنة الكلامية، فلم ينتفع بيقين. وقال فيه الجاحظ وهو تلميذه وصاحبه وأخبر الناس به: " إنما كان عيبه الذي لا يفارقه، سوء ظنه وجَودَة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يُوثق بمثله، فلو كان بَدَلَ تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه، كان أمرُه على الخلاف. ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بَدءَ أمره ظناً، فإذا أتقن ذلك وأيقن، جَزَم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصِر في صحة معناه؛ ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت، وكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته " اهـ. قلنا: وهذا بعض ما ذهب بفضل بلاغته، وغطى على أثره، ونقض أمرَهُ عُروة عروة، وجعله

стр. 83

في أكثر آرائه بعيداً عما هو من غايته، مُدفعاً إلى ما ينزل عن حقه؛ حتى جاء رأيه الذي علمتَ في مذهب الصرفة دون قدره بل دون علمه، بل دون لسانه، وهو عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه، لكان ذلك مذهباً من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليُوهِموا أنهم قد عرفوا! وإلا فإن من سُلبَ القدرة على شيء بانصراف وهمِهِ عنه، وهو بعدُ قادر عليه مُقرِن له، لا يكون تعجيزه بذلك في البرهان إلا كعجزه هو عن البرهان، إذ كان لم يعجزه عدم القدرة. ولكن أعجزه القدر وهو لا يغالب والمرء ينسى ويذكر، وقد يتراجع طبعه فترة لا عجزاً، وقد يعتريه السأم ويتخوَّنه الملال، فينصرف عن الشيء وهو له مطيق، وذلك ليس أحق بأن يسمى عجزاً من أن يسمى تهاوناً، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه فضل الثقة. على أن القول بالصرفة هو المذهب الفاشي من لدن قال به النظام، يصوبه فيه قوم ويشايعه عليه آخرون، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحته، وقيامه عليه، وتقلده أمره، لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك، ولكن القوم - عفا الله عنهم - أخرجوا أنفسهم من هذا كله، وكفوها مؤنته بكلمة واحدة تعلقوا عليها، فكانوا فيها جميعاً كقول هذا الشاعر الظريف الذي يقول: كأننا والماء من حولنا ... قومْ جلوس حولهم ماء. . . . ولم نرَ أحداً فسَّر هذه الكلمة (الصرفة) كابن حزم الظاهري، فإنه قال في كتابه (الفِصل) في سبب الإعجاز: "لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز، لكن لما قالها لله تعالى وجعله كلاماً له، أصاره معجزاً ومنع من مماثلته. . . قال: وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره ". نقول: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من أن يكون كافياً أيضاً؛ لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رأياً له، أصاره كافياً لا يحتاج إلى غيره. .! وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام الله تعالى؛ وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) . وهذا زعئم رده الله على أهله وأكذَبهم فيه وجعل القول به ضرباً من العمى (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) . فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد. أما الجاحظ فإن رأيه في الإعجاز كرأي أهل العربية، وهو أن القرآن في الدرجة العليا من البلاغة التي لم يعهد مثلها، وله في ذلك أقوال نشير إلى بعضها في موضعه غير أن الرجل كثير الاضطراب، فإن هؤلاء المتكلمين كأنما كانوا من عصرهم في مُنخُل. . . ولذلك لم يسلم هو

стр. 84

أيضاً من القول بالصرفة، وإن كان قد أخفاها وأومأ إليها عن عُرض، فقد سرد في موضع من كتاب (الحيوان) طائفة من أنواع العجز، وردها في العلة إلى أن الله صرف أوهام الناس عنها ورفع ذلك القصد من صدورهم، ثم عد منها: " ما رَفعَ من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحداهم الرسول بنُظمه " وقد يكون استرسل بهذه العبارة لما في نفسه من أثر إستاذه، وهو شيء ينزل على حكم الملابسة، ويعتري أكثر الناس إلا من تنبه له أو نبه عليه، أو هو يكون ناقلاً، ولا ندري. . . . وبعض الفِرَق، فإنهم يقولون: إن وجه الإعجاز في القرآن هو ما اشتمل عليه من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم، في مطالعه ومقاطعه وفواصله؛ أي فكأنه بدعٌ من ترتيب الكلام لا أكثر. وبعضهم يقول: إن وجه الإعجاز في سلامة ألفاظه مما يَشين اللفظَ: كالتعقيد والاستكراه ونحوهما مما عرفه علماء البيان، وهو رأي سخيف يدل على أن القائلين به لم يُلابسوا صناعة المعاني. وآخرون يقولون: بل ذلك في خُلُؤه من التناقض واشتماله على المعاني الدقيقة. وجماعة يذهبون إلى أن الإعجاز مجتمع من بعض الوجوه التي ذكرناها كثرة أو قلة، وهذا الرأي حسن في ذاته، لا لأنه الصواب، ولكن لأنه يدل على أن كل وجه من تلك الوجوه ليس في نفسه الوجه المتقبَّل. أما الرأي المشهور في الإعجاز البياني الذي ذهب إليه عبد القادر الجُرجاني صاحب (دلائل الإعجاز) المتوفى سنة ٤٧١ هـ (وقيل ٤٧٤ هـ) فكثير من المتوسمين بالأدب يظنون أنه أول من صنف فيه ووضع من أجله كتابه المعروف، وذلك وهم، فإن أول من جوَّد الكلام في هذا المذهب وصنف فيه، أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتولى سنة ٣٠٦ هـ، ثم أبو عيسى الرمّاني المتوفى سنة ٣٨٢ هـ، ثم عبد القادر، وهذا الرأي كان هو السبب في وضع علم البيان، كما نبسطه في موضعه من تاريخ آداب العرب إن شاء الله.

стр. 85

ومذهب آخر لطائفة من المتأخرين: وهو أن وجه الإعجاز ما تضمنه القرآن من المزايا الظاهرة والبدانع الرائقة، في الفواتح والمقاصد والخواتيم في كل سورة وفي مبادئ الآيات وفواصلها قالوا: والمعول على ثلاث خواص: (١) الفصاحة في ألفاظه كأنها السَّلسال. (٢) البلاغة في المعاني بالإضافة إلى مضرب كل مثل ومساق كل قصة وخبر في الأوامر والنواهي وأنواع الوعيد ومحاسن المواعظ والأمثال وغيرها مما اشتمل عليه؛ فإنها مسوقة على أبلغ سياق. (٣) صورة النظم، فإن كل ما ذكره من هذه العلوم مَسُوق على أتم نظام وأحسنه وأكمله. ومحصل هذا المذهب أن الإعجاز في القرآن كله لأن القرآن كله معجز. . وهو معجز لأنه ولجماعة من المتكلمين وأهل التقسيمات المنطقية على اختلاف بينِهم شُبَة ومَطاعن يوردونها على القرآن. وهي نحو عشرين وجهاً، كلها سخيف ركيك وكلها واهٍ مضطرب، وكلها غَث بارد، منها قولهم: إن معارضته التي يُقطع بأنها مستحيلة، حاصلة فعلاً: فإن الله يقول: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) قالوا: وكل من قرأ سورة منه فقد أتى بمثلها، أي لأن من قرأها مثل التي هي في المصحف حرفاً حرفاً لا تختلف ولا تزيد ولا تنقص. . . فصار الإعجاز عند العلماء من المتأخرين يثبت بنفي هذه الشبَه ونقضها، لأن سقوط الشبهة الواردة على الدليل، هو نفسه دليل صحته. وهذا برهان لم يكن لهم بدَّ منه؛ فإن إنكار الإعجاز لم يقل به أحد من المتأخرين؛ وإنَّما وقع إليهم على هيئته في كتب الكلام وكتب التفسير التي يدرسونها؛ فهو رأيْ ميت، لو أنكروه بكل دليل في العلم لم يزده ذلك موتاً في الأرض ولا في السماء. تلك هي أصولُ الأدلة لمن يقولون بالإعجاز، لا نظن أنه فاتنا منها شيء إلا أن يكون

стр. 86

قبيلاً مما زعمه بعضهم من أن حقيقة هذا الإعجاز هي أن العرب لم يعلموا وجه الترتيب الذي لو تعلموه لوصلوا به إلى المعارضة. . وهو دليل لا يُثبت شيئاً إلا عجز قائله وحده. فإن قلت: أتنكر أن ما زعموه هو الدليل على الإعجاز، وأنه لا ينهض دليلاً ولا يتماسك إذا نهضَ وأنه زعم على الهاجس ورأي على ما يتفق، وأن مسألة الإعجاز لا تحل بصناعة الأقيسة ومُلابَسةِ الجدال، وأن هذه التقسيمات وَصحل لا يُغني وحَشو لا يسمِن؛ قلتُ في ذلك: لَشَدَّ ما. . .! أما الذين يقولون إن القرآن غيرُ معجز، لا بقوة القدَر ولا بضعف القدرة، فقد ذكرنا من أمرهم طرفاً، وأشدهم بعد الجعد بن درهم: عيسى بنُ صَبيح المُزدارُ وأصحابه المزدارية، وكان عيسى هذا تلميذاً لبِشر بن المعتمر - من أكبر شيوخ المعتزلة وأفراد بلغائهم - ثم كان مبتلى بجنون التكفير، حتى سأله إبراهيم بن السِّندي مرة عن أهل الأرض جميعاً، فكفرهم، فأقبل عليه وقال: الجنة التي عَرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت، وثلاثة وافقوك؛. . . ومع هذا فكان الرجل من الزهد والورَع بمكانِ حتى لقبوه راهب المعتزلة. وقد زعم أن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحةَ ونظماً وبلاغة؛ وعلى ذلك أصحابه، وهو جنون بلا ريب ليس أقبح منه إلا جنون الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني الذين يزعمون أن كتبهم وكلامهم أبلغ وأهدى وأبين من القرآن. وذلك زعم يكثر أن يكون جهلاً وسخفاً من قوم شاهدين على أنفسهم بالكفر، وإنما هو بعض يزينه شيطان النفاق (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) . مؤلفاتهم في الإعجاز: قد رأيتَ أن أقوال الأولين في إعجاز القرآن وأدلتهم عليه مما لا يَحتمل البسطَ والاتساع إلى ما تُفْرد له الكتبُ وتوضع فيه الدواوين. وتلك آراء كانوا يتوارَدون في المناظرة عليها ويتجارَؤن الكلامَ في تصويبها والاحتجاج له في مجامع سمرهم وحلقات دروسهم، إذ كان الناس إجماعاً على القول بالإعجاز والمشايعة فيه وكانت الكلمة لا تزال متخففة فيهم عن العرب، فهم على علم مذكور من أوليتهم وسلفهم الذين أعزهم القرآن الكريم، وعلى عيان حاضر من فصحاء البادية الذين يختلفون إليهم، ومن أهل العربية وطائفة الرواة وهذا كله مما يتسند إليه الطبع وإن كان طبع العامة الذين فسدت لغتُهم والتَوَت ألسنتهم. ومر الناس على ذلك إلى أوائل المائة الثالثة، فلما فشت مقالة بعض المعتزلة بأن فصاحة

стр. 87

القرآن غير معجزة؛ وخيف أن يلتبس ذلك على العامة بالتقليد أو العادة، وعلى الحُشْوَة من أهل الكلام الذين لا رسوخَ لهم في اللغة ولا سَليقةَ لهم في الفصاحة ولا عرق لهم في البيان، مسَّت الحاجة إلى بسط القول في فنون من فصاحته ونظمه ووجهِ تأليف الكلام فيه، فصنفَ أديبنا الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ كتابه (نظم القرآن) وهو فيما ارتقى إليه بحثنا أولُ كتاب أفراد لبعض القول في الإعجاز أو فيما يهيئ القولَ به، وقد غض منه الباقلاني بقوله: إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله؛ ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى (أي الإبانة عن وجه المعجزة) وذهب عن الباقلاني ﵀ أن ما دعا الجاحظ إلى وضع كتابه في أوائل القرن الثالث، غير الذي دعاهُ هو إلى التصنيف في أواخر القرن الرابع، فلم يحاول الجاحظ أكثر من توكيظ القول في الفصاحة والكشف عنها على ما بقي بالابتداء في هذا المعنى، إذ كان هو الذي ابتدأ التأليف فيه ولم تكن علوم البلاغة قد وُضعت بعد. بَيدَ أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف، إنما هو فيما نعلم كتاب (إعجاز القرآن) لأبي عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفي سنة ٣٠٦ هـ، وهو كتاب شرحه عبد القاهر الجرجاني شرحاً كبيراً سماه (المعتضد) ، وشرحاً آخر أصغر منه. ولا نظن الواسطي بنى إلا على ما ابتدأه الجاحظ، كما بنى عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) على الواسطي، ثم وضع أبو عيسى الرماني المتوفى سنة ٣٨٢ هـ كتابه في الإعجاز، فرفع بذلك درجة ثالثة، وجاء القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ فوضع كتابه المشهور (إعجاز القرآن) الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على حدة، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابي الذي كان يعاصره، وسنشير إليه، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ بالتأليف في الإعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفي ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يُرَد في نشأته إلى غير الجاحظ. على أن كتاب الباقلاني وإن كان فيه الجيًد الكثير، وكان الرجل قد هذبه وصفاه وتصنَّع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجهاً من التأليف لم يرضَهُ من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " لم يكشف عما يَلتبِس في أكثر هذا المعنى ".

стр. 88

فإن مرجع الإعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شيء من المعارضة البيانية بين جنس وجنسٍ من القوم، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنثر، ذهبت بأكثره وغمرت جملته، وعدها في محاسنه وهي من عيوبه. وكان الباقلاني ﵀ وأثابه - واسعَ الحيلة في العبارة؛ مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على بصرٍ وتمكن وحسنِ تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من الإغراق في الحشد، والمبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل، إذ كان أكبر غرضه في هذا الكتاب أن " ينبه على الطريقة ويدل على الوجه، ويَهدي إلى الحجة " وهذه ثلاثة لو بُسط لها كل علوم البلاغة وفنون الأدب لوسعتها، وهي مع ذلك حشوٌ ووَصل. على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الإعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والأصول التي أوقع الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده؛ لا يشرِك العلماء معه كتاباً آخر في خطره ومنزلته وبعد غوره وإحكام ترتيبه وقوة حجته وبسط عبارته وتوثيق سَردِه، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه. وما زاد الباقلاني ﵀ على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله في هذا الباب كالمستحِث للخواطر الوانية والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الأدب، ولم يَغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيوبه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها، وقد كانت علوم البلاغة لم تهذب لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي، ولم تجرد فيها الأمهات والأصول: ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك شيئاً، وأجمل شيئاً؛ وهذب شيئاً ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة

стр. 89

بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة. وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره، بيدَ أن القرآن كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز ونحن قد قلنا في غير الجهات التي كتبت فيها كل من قبلنا، وسيقول من بعدنا فيما يفتح الله به؛ إن ذلك على الله يسير. وممن ألَّفوا في الإعجاز أيضاً على وجوه مختلفة من البلاغة والكلام وما إليهما: الإمام الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ، وفخر الدين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، والأديب البليغ ابن أبي الإصبع المتوفى سنة ٤ ٦٥ هـ، والزملكاني المتوفى سنة ٧٢٧ هـ وهي كتب بعضها من بعض. ومن أعجب ما رأيناه أن لابن سراقة كتاباً في الإعجاز لامن حيث الأعداد ذكر فيه من واحد إلى ألوف " وهي عبارة مقتضبة رأيناها في (كشف الظنون) ولم يكشف لنا عن معناها، فلا ندري أبلغت وجوه الإعجاز في كتابه ألوفاً، أم هذه الألوف غير معجزة، أو هي يحصي ألوفاً من آيات القرآن والقرآن كله معجزة؛ على أننا رأينا في بعض الكتب نقلاً عن كتاب ابن سراقة هذا ما يأتي: " اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوهاً كثيرة كلها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءاً واحداً من عشر معشاره! . قلنا: ولعل المؤلف بلغ في كتابه نهاية هذا الحساب العشري؛ على أن كتابه لو كان مما ينفع الناس لمكث في الأرض. . . والله أعلم.

стр. 90

حقيقة الإعجاز أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن، وما حققناه بعد البحث، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد أسلوبه؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التي يقصَد إليها، والجهات التي يعمل عليها، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة، حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك واستقر معنا، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يُفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه، حين ينفى الإمكان بالعجز عن غير الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغاً وليس إلى ذلك ماتى ولا جهة؛ وإنَّما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بان له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغاً من ذوْب تلك المواد كلها. وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة آلروحية للعالم كله. فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني؛ ومعجز كذلك في حقائقه؛ وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء؛ فهي باقية ما بقيت، وقد أشرنا إليها في بعض الفصول المتقدمة؛ على أنها ليست من غرضنا في هذا الباب وإنَّما مذهبنا بيانُ إعجازه في نفسه من حيث هو كلام عربي. لأننا إنما نكتب في هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير. ونحن في كل ما نضعه من هذا الكتاب إنما نسلك الجانب الضيقَ من الطريق، ونقتصُّ الأثرَ الطامِسَ، ونلتزم الخطة التي تُحمل عليها النفس حملاً. وقد كان فيما قدمناه، بل فيما دونه، مقنَع، لو آثرنا ما تستوطنه النفس، عطفاً على ما تنازع إليه من السكر كلما انتهت إلى حجة واضحة، أو استبانَت لائحة مُفسرَة؛ ولكننا نمضي ما اعتزَمنا؛ فاللهم عَونَكَ! واللهمْ عَونَكَ! هذا، ولا بد لنا قبل الترسل في بيان ذلك الإعجاز، أن نَوطئ بنبذٍ من الكلام في الحالة اللغوية التي كان عليها العربُ عندما نزل القرآن، فسنقلبُ من كتاب الدهر ثلاثَ عشرةَ صفحة تحتوي ثلاثةَ عشر قرناً؛ لنتصل بذلك العهد حتى نُخبر عنه كأننا من أهله وكأنه رأيُ العين؛ وإنَّما سبيل الصحة فيما نحن فيه أن يشهد عليه الشاهدان: العين، والأذن؛ إذ كان من شأنهما أن لا تثبت دعوى في حادثة دون أن يشهد عليهما أحدهما أو كلاهما. بلغ العرب في عقد القرآن مبلغاً من الفصاحة لم يعرف في تاريخهم من قبل، فإن كل ما

стр. 91

وراءه إنما كان أدواراً من نشوء اللغة وتهذيبها وتنقيحها واطرادها على سنن الاجتماع، فكانوا قد أطالوا الشعر وافتنوا فيه، وتوافى عليه من شعرائهم أفراد معدودون كان كل واحد منهم كأنه عصر في تاريخه بما زاد من محاسنه وابتدع من أغراضه ومعانيه. وما نفض عليه من الصبغ والرونق؛ ثم كان لهم من تهذيب اللغة، واجتماعهم على نمط من القرشية يرونه مثالاً لكمال الفطرة الممكن أن يكون: وأخذِهم في هذا السْمت - ما جعل (الكلمة) نافذة في أكثرها لا يصدها اختلاف من اللسان، ولا يعترضها تناكُر في اللغة؛ فقامت فيهم بذلك دولة الكلام؛ ولكنها بقيت بلا مَلِك، حتى جاءهم القرآن. وكل من يبحث في تاريخ العرب وآدابهم، وينفذ إلى ذلك من حيث تنفذ به الفطنة وتتأتى حكمة الأشياء فإنه يرى كل ما سبق على القرآن - من أمر الكلام العربي وتاريخه - إنما كان توطيداً له وتهيئة لظهوره وتناهياً إليه ودُرية لإصلاحهم به وليس في الأرض أمة كانت تربيتها لغوية غيرَ أهل هذه الجزيرة، فما كان فيهم كالبيان آنق منظراً وأبدعَ مظهراً وأمدَّ سبباً إلى النفس وأرد عليها بالعاقبة؛ ولا كان لهم كذلك البيان أزكى في أرضهم فرعاً، وأقوم في سمائهم شرعاً، وأوفرَ في أنفسهم ريْعاً وأكثر في سوقهم شراة وبيعاً، وهذا موضع عجيب للتأمل، ما ينفد عجبهُ على طرح النظر وإبعاده، وإطالة الفكر وترداده، وأي شيء في تاريخ الأمم أعجب من نشأة لغوية تنتهي بمعجزة لغوية، ثم يكون الدين والعلم والسياسة وسائر مقومات الأمه مما تنطوي عليه هذه المعجزة، وتأتي به على أكمل وجوهه وأحسنها، وتخرج به للدهر خير أمة كان عملها في الأمم صورة أخرى من تلك المعجزة. هذا على أنه - كما علمت - أنشاهم على الكبر، ولم يجر معهم على المألوف من مذاهب تربية الأمم؛ ولا هو كان طباقاً لروح الأخلاق التاريخية فيهم التي تظهرها العادات على كل دين وشريعة وسياسة، إذ كانت ميراث الدهر، وكانت مستقرة على عِرق سار؛ وفي كل شبه نازع، وكانت روح المجموع لا تكون إلا منها، ولا تعرف إلا بها ولا تظهر إلا فيها فما عدا أن سفه أحلامهم، ونكَّس أصنامهم، وأزرى عليهم وعلى آبائهم الأولين، وقام على رؤوسهم بالتقريع والتأنيب، وهم أهل الحمية والحفاظ، وأهل النفوس التي تصبُّ كالمعاني في الألفاظ؛ ثم ذهب بطريقة كانت لهم معروفة، وعادات كانت لهم مألوفة، وأرسلهم في طريق العمر إلى الفناء فكأنما طلع بهم من أولها، وكأنهم بعد ذلك على آدابه نشأوا وهم أغفال وأحداث، بل كأنهم سلالة أجيالٍ كان القرآن في أوليتهم المتقادمة، فكانوا هم الوارثين لا الموروثين، والناشئين لا المنشئين، مِصداقاً للحديث الشريف: " خير القرون قرني ثم الذي يليه ". ولعمرك إن هذا لعجيب، وليس أعجب منه إلا أن أول جيل أنسل من هؤلاء القوم كان هو الذي تناول مفتاح العالم فأداره في أقفال الأرض وقد خرج للغاية التي جاء بها القرآن وكأنه دار

стр. 92

معها في الأصلاب دهراً طويلاً حتى أحكمته الوراثة الزمنية، وردت عليه من الطباع ما لا يتهيأ إلا في سلالة بعد سلالة، وجيل بعد جيل، من قوم قد مروا منذ أولهم في أدوار الارتقاء على سنن واضح وطريق نهج، لم ينتقض لهم في أثناء ذلك طبغ من طباع الاجتماع، ولا رذلت شِيمة، ولا التوت طريقة، ولا سقطت مروءة، ولا ضل عقل، ولا غوت نفس ولا عرض لهم بغى، ولا أفسدتهم عادة. وأين هذا كله أو بعضه من قوم كانوا بالأمس عاكفين على الأوثان فأكل بعضهم بعضاً، ولهم العادات المرذولة، والعقائد السخيفة، والطباع الممزوجة، إلى غيرها مما يحمل عليه الإفراط فيما زعموه فضيلة: كحمية الأنف، واستقلال النفس، ومما كان من عكس ذلك: كالتسليم للعادة والانقياد لطبيعة التاريخ، والمضي على ما وجدوا، ثم الموت على ما ولدوا؛ لا جَرم أن في ذلك سراً من أسرار الفطرة، فلولا أن أكبر الأمر بينهم كان للفصاحة وأساليبها، بما استقام لهم من شأن الفطرة اللغوية وما بلغوا منها كما فصلناه في بابه، حتى صارت هذه الأساليب كأنها أعصاب نفسية في أذهانهم، تنبعث فيها الإرادة بأخلاق من معاني الكلام الذي يجري فيها. وتعتزُّهم على أخلاقهم وطباعهم فتصرفهم في كل وجه، كأنها إرادة جبار معتزم لا يلوي ولا يستأني ولا يتئد. . . ولولا أن القرآن الكريم قد ملك سر هذه الفصاحة وجاءهم منها بما لا قبل لهم برده، ولا حيلة لهم معه، مما يشبه على التمام أساليب الاستهواء في علم النفس، فاستبد بإرادتهم، وغلب على طباعهم، وحال بينهم وبين ما نزعوا إليه من خلافه، حتى انعقدت قلوبهم عليه وهم يجهدون في نقضها واستقاموا لدعوته وهم يبالغون في رفضها. . فكانوا يفرون منه في كل وجه ثم لا ينتهون إلا إليه، إذ يرونه أخذ عليهم بفصاحته وإحكام أساليبه جهات النفس العربية. والمكابرة في الأمور النفسية لا تتجاوز أطراف الألسنة، فإن اللسان وحده هو الذي يستطيع أن يتبرأ من الشعور ويكابر فيه، إذ هو أداة مغلبة تتعاورها الألفاظ، والألفاظ كما يرمى بها في حق أو باطل تمتنع على من أرادها لأحدهما أو لهما جميعاً. . . . . . قلنا: لولا ذلك على الوجه الذي عرفت، لما صار أمر القرآن إلى أكثر مما ينتهي إليه أمر كل كتاب في الأرض؛ بل لما كان له في أولئك العرب أمر ألبتة؛ لأنهم قوم أميون، قد تأثلت فيهم طباع هذه الأمية، وكان لهم الشيء الكثير من العادات والأخبار والتواريخ، وبينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ثم هم لم يعدموا الحكماء من خطبائهم وشعرائهم ومَن جَنحَ إلى التأله منهم: كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة، وغيرهما. وما جاءهم القرآن بشيء لا يفهمونه، ولا يثبتون معناه على مقدار ما يفهمون، ولا كان هذا القرآن كتاب سياسة ولا نظام دولة، ولو كان أمراً من ذلك ما حفلوا به؛ ولا استدعى هو منهم الإجابة؛ لأن لهم منزعاً في الحرية لم تغلبهم عليه دولة من دول الأرض، ولا أفلح في ذلك من حاوله من ملوك هذه الدولة في الأكاسرة والقياصرة والتبابعة. بل خُلقوا عرباً يشرِقون ويغرِبون مع

стр. 93

الشمس حيث أرادوا وحيث ارتادوا؛ وهم على ذلك لم يجمعهم ولم يخرجهم إلى الدنيا ولم يقلبهم على تصاريف الأمور غير القرآن. فلو أن هذا القرآن غير فصيح، أو كانت فصاحته غير معجزة في أساليبها التي ألقيت إليهم، لما نال منهم على الدهر منالاً، ولخلا منه موضعه الذي هو فيه، ثم لكانت سبيله بينهم سبيل القصائد والخطب والأقاصيص، وهو لم يخرج عن كونه في الجملة كأنه موجود فيهم بأكثر معانيه، قبل أن يوجد بألفاظه وأساليبه، ثم لنقضوه كلمة كلمة، وآية آية، دون أن تتخاذل أرواحهم، أو تتراجع طباعهم، ولكان لهم وله شأن غير ما عرف؛ ولكن الله بالغ أمره، وكان أمر الله قدَراً مقدوراً. وقد أومأنا في بعض ما سلف إلى أن هذا القرآن يكبر أن يكون حياً بروح عصره الذي أنزل فيه، فلا يستطيع من لا يقول بإعجازه أن يقصره على زمن الجاهلية أو يتعلل في ذلك، وهو بعد من الإحكام والسمو شرف الغاية وحسن المطابقة بحيث تتعرف منه روح كل أمة قد فرعت الأمم، واستولت على الأمد التاريخي، ونالت ما لا ينال إلا مع بسطة في العلم، وزيادة في المعرفة بوجوه العمل، وفضل من القوة، ومع كمال المنزلة في كل ذلك وأشباهه من مقومات الأمة. فذلك ما علمت. وإن ههنا وجهاً آخر هو أعجب مما أومأنا إليه، على أنه ضريبه في الحكمة وقسيمه في الاعتبار؛ إذ هو متعلق بطبيعة الأرض، كما أن ذلك متعلق بطبيعة أهلها، فإن من الثابت البيِّن أن لهيئة الطبيعة جهة من التأثير في تهيئة الأخلاق؛ فترى في الجهات المقفرة أو المخفوفة أو التي يلقي منظرها في نفسك الرهبة دون المحبة، والفزع دون الاطمئنان - أقواماً كأنما نشأوا في المعابد، وولدوا في الصوامع؛ فليس في أخلاقهم إلا الاستسلام للوهم والتخيل، وإلا الخوف من كل شيء تكون فيه روح الطبيعة، كما زعم العرب من البيات مع الغيلان، وتزوج السَّعالي، ومجاوبة الهواتف، والروَغان عن الحِن إلى الجِن، واصطياد الشق، ومحاربة النسناس، وصحبة الرئي، وما كان لهم من خدَعِ الكاهن، وتدليس العرَّاف، ومن العيافة والتنجيم والزجر والطرق بالحصى وغيرها من خرافاتهم المعروفة، ثم الخوف من كل شيء تعرف فيه روح الطبيعة، كالأوثان وسائر ما قدسته العادات والشعائر، وإن كانوا في غير ذلك أهل جَلدٍ ونجدة ومضاء

стр. 94

وبديهة وعارضة، لأن هذه الصفات وأمثالها تَكتسب من طبيعة الخيال حدة وشدة وأنت واجد عكس ذلك فيمن تكون طبيعة أرضهم ساكنة مطمئنة لا تجتاح أهلها ولا ترميهم بالفزع فإنهم لا يقرون على خوف وتوَثب، ولا يكون في أخلاقهم الجنوح إلى عبادة ما يخيفهم أو تقديس ما اتصلت به روح الطبيعة، ثم لا يكونون إلا أهلَ عمل بالحواس دون التخيل، قد غَبر أحدهم دهره عاملاً فليس يبالي إلا بالحاضر الذي تتعلق به روح العمل، دون الماضي الذي يجتمع عليه حرص أولئك لأنه غيب الطبيعة التي يقدسونها، فكان من أخلاق العرب ما هو مشهور عنهم: من التفاخر بالآباء والأجداد، والذهاب مع الوهم في كل مذهب، وعدم المبالاة إلا بما يُلحقهم بآبائهم ويجعلهم في عداد الماضين، ليكون لهم فيمن يخلفهم من الشأن والتقديس والتعظئم بهم ما كان فيهم لمن تقدمهم فيتقون سوء القالة وخبث الأحدُوثة، وسائر ما يفسد عليهم هذا الشأن، بكل ما وسِعَهم، لا يألون في ذلك جهداً، ولا يُغمِضُونَ فيه ولا يتقدمون في سد غيره قبل إحكامه واستفراغ قوتهم له، إلى غير هذا مما هو معروف متظاهر عنهم. ثم كان هواهم كله في الشعر، لأنه عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم، وهو الصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم؛ فجاء القرآن يسفه تلك الطباع منهم، ويحول بينهم وبين ذلك الماضي، ويصرفهم إلى العمل، ويُذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، ويأتيهم بالبصائر من ربهم، ويهديهم بالعقل إلى أسرار الطبيعة ليعلموا أنها مسخرة لهم فلا يسخروا أنفسهم لها، وحرَّم عليهم التقديس وما في حكمه، وبصرهم بما مسَّهم من طائف الشيطان وما نزغهم من أمره، خيالاً أو وهماً أو شعراً أو عبادة، وجعل أفضل الفضائل في الذي قام يدعو وهو النبي ﷺ أنه ابن يومه، وابن عمله، وابن عقله، فلا هو مفاخر ولا واهم ولا شاعر، وتلك أخص فضائلهم الاصطلاحية، وخاطبه بهذه الآية الكريمة التي هي روح النبات في أمم العلم والعمل، وهي قوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) . فكيف يمكن أن يكون هذا القرآن مع ذلك كله مما يطابق أرض العرب في طبيعتها وهي ما علمت؛ وكيف يتفق أن يكون كل ذلك من صنعة رجل قد نشأ فيهم واتصل بهم وذهبت عروقه بينهم واشجة، وهو من صميمهم نسباً ووراثة، يعرفونه ويحققون جملة أمره. . . ولم يخرج عنهم قط للعلم أو الطلب، ولا طرأ عليهم من غير أرضهم، ولا أنكروا عليه أمراً من لدن نشأته إلى حد الكهولة، وإلى أن دلت الشيب في عذاريه وهم مستيقنون أنه ما كان يتلو من قلبه من كتاب ولا يخطه؛ وما عهدنا رجلاً من علماء التاريخ قد أهاب بأمة طبيعية كالعرب، ذات بأس وصرامة وحمية

стр. 95

وحفاظ وذات خيال وتصور - يدعوها أن تخلع نفسها مما هي فيه وأن تضع أعناقها للحق الذي لم تألفهم حقاً، وأن تعطيه مع ذلك محض ضمائرها، وتسوغه تاريخها وعاداتها وما هو أكبر من تاريخها وعاداتها! وهم لا يرونه في ذلك إلا مسخوط الرأي ذاهب الوهم، بعيداً منهم ومن نفسه ومن الحقيقة جميعاً، ولا يرون من أمره ذلك إلا قلة وضرعاً وهواناً واستخفافاً وإن كانوا يعرفونه بحسن الخلق وصفاء الذمة وتخشع السمت، ويعرفون أنه لا يريد ملكاً لا يبغي دولة لا يتصنع لحدث من الأحداث السياسية ولا يهتبل غرة ذاهلة ولا يستعد لنهزة سانحة (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) . ثم هو على هذا كله من أمره وأمرهم لا يتأتى إليهم بالتمويه، ولا يداخلهم بالنفاق، ولا يتألفهم على باطلهم، ولا ينزل في العقيدة على حكمهم، ولا يداهن في خطابهم، ولا يرفق بهم فيما يتخيلون وما يعبدون، ولا يحكم ذلك الأمر من ناحية الدهاء والمخاتلة، فيقرهم على طباعهم وعاداتهم، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويمد لهم في الغي مداً من أمر أعجبهم ومن شأن ما استخفهم كما يصنع ودهاة السياسة وقادة الأمم، وكما صنع داهية أوروبا نابليون؛ الذي انتحل الكثلكة في حرب الفنديين، وأسلم في مصر، وجهر بعصمة البابا في حرب إيطاليا؛ وقال مع ذلك: لو كنت أحكم شعباً يهودياً لأعدت هيكل سليمان! ثم يكون مع هذا كله من فعله وفعلهم أن يثوب إليه الأمر ويستوسق على ما أراد، وأن تعطيه تلك الأمة عن يَدٍ وهي صاغرة للحق وتبذل نصرها له بعد التخذيل عنه، وتسكن إليه بعواطفها المستنفِرة وتعطف عليه بقلوبها الجامحة، وهو الراغب عن سننهم، والمسفه لأحلامهم، والطاعن عليهم وعلى آبائهم، والمفارق لشرائعهم وعاداتهم، وهو الذي خرج من الأمة أولاً، ثم أخرج الأمة كلها من نفسها آخراً كما اتفق للنبي ﷺ . ما عهدنا ذلك، ولا عهدنا أن الأمم تخرج من طبائعها النفسية وتستقيم لمن يتلوى لها مثل هذا الالتواء، وتدخل في أمر، وتثبت على طاعته ومحبته وهو أضعف ناصراً وأقل عداً؛ إلا أن يغلبها على أنفسها، ويمتلك خيالها، ويستبد بتصورها؛ كيف له أن يغلب على النفس بتنفيرها، ويمتلك الخيال بالعنف عليه، ويستبد بالتصور وهو يسترذله؛ ومن أين له ذلك إلا أن يأتي الفطرة التي هي أساس هذه كلها، فيملكها، ثم يصوغها، ثم يصرفها، فإن الذي لا يدفع الطبعَ لا يدفع الرغبة، ومن لم يقُد الأمة من رغائبها لم يقُد في زمامه غير نفسه، وإن كان بعد ذلك من كان، وإ جهَد وإن بالغ! وهذا الذي وصفناه، أمر لو ذهبتَ تلتمسه في تاريخ الأرض كلها ما رأيت أسبابها الفطرية في غير أولئك العرب، ولا رأيت تحقيقه في العرب إلا من ناحية القرآن وإعجازه، بنظمه وأساليبه

стр. 96

وافتنانه على هذه الوجوه المعجزة، التي أقل ما توصف به أنها السحرُ، بل السحر بعضها وكان ذلك فيهم فيكونوا هم دليله من بعد. وليت شعري ما هو أمر المعجزة في العقل، إن لم يكن هذا من أمره؛ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) . *** التحدي والمعارضة: كان العرب قد بالغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة، ومن دقة الحس البياني، حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلاً واحداً باجتماعهم على بلاغة الكلمة وفصاحة المنطق، وأنهم لأول دعوة من بلغائهم وفصحائهم، مع تباعد ديارهم بعضهم عن بعض، وتعاديهم واختلافهم في غير هذا الحس باختلاف قبائلهم ومعايشهم، لأن الكلام هو يدفعهم إلى المنافرة، ويبعثهم على المفاخرة، وما كان الكلام صناعة قوم إلا أصبتهم معه كالجُمَل المؤلفة يردُ بعضها بعضاً ويدور بعضها على بعض، فيكون كل فرد منهم كأنه لفظ حي، وكأن معنى حياته في الألفاظ وفيه معاً.

стр. 97

وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء، ولم يظهر في أمة ظهورَه في جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام، وفي جاهليتهم الثانية من بعده، لا حين استفحل أمر الفِرق الإسلامية واستحرَّ الجدالُ بينهم، فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خَواص واقتحموا تلك الخصومات حتى يَبس ما بين بعضهم إلى بعض، وإن كان ليس بينهم إلا الدينُ والعقل. فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغَه لفظاً وأسلوباً ومعنى، ليجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى امتلكها استطاع أن يصرفها، وأن يحدث منها، وكانت رأسَ أمره وقِوَامَ تدبيره، إذ هي بصبغتها العقلية ومعناها النفسي؛ وهو لا ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فبما هي قوية به، بحيث يَشعر أهلها بالعجز والضعف والاضطراب، شعوراً لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس والتضريب بين الشك واليقين. ومن طباع النفس التي خُبِلت عليها، أنها متى خذلت وكان خذلانُها من قِبَل ما تعده أكبر فخرها وأجملَ صتعِها وأعظمَ همها وأصابها الوَهن في ذلك، وضربها الخذلانُ باليأس، فقلما تنفعها نافعة بعد ذلك أو تجزثئها قوة أخرى؛ وقلما تصنع شيئاً دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه ومجاوَزةِ ما لا تستطيع إلى ما تستطيع. فمن ثم لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآنُ من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم، ومن جهة الكلام الذي هو سيدُ عملهم، بل تصدعوا عنه وهم أهلُ البسالة والبأس وهم مَساعير الحروب ومغاويرها، وهم كالحصى عدداً وكثرة، وليس لرسول الله جمتِ إلا نفسهُ، وإلا نفرٌ قليل معه، لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مفادَتهم ونصرَهم إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم وكاثرَهم وغلبهم على أنفسهم؛ فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإن لها ما يكون للخطبة الطويلة والقصيدة العجيبة في قبيلة بأجمعها، ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي ﷺ وكأنه في نفسه قبيلة في مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها، وهذا هو حق الشعور الذي كان يشعر به كل مسلم في السرايا والجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح، حتى نصروا بالرعب من بعيد وقريب، وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم، وتُعد المراصد لعدوهم من نفسه، وتسلبه ما لا يسلبه إلا الموت وحده، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا، ويريد أعداؤهم أن يحيوا فيموتوا. . وإلا فاين تلك الشراذم العربية القليلة، من جيوش الروم والفرس، وهي فيها كالشامة

стр. 98

في جلد البعير، ولو قعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها! على أن من أعجب ما في أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي ﷺ وجماعته على كثرة ما استنفرتهم قريش لحربه، وما اعترضتهم في حجهم ومواسمهم، وعلى ما كانوا يعرفون من مغبَّة هذا الأمر، وأنه ذاهب بطريقتهم لا محالة، فلم يُجمعوا كيدهم، ولم يصدموه، بل استأنوا به ولبسوه على أمر، وسرحوا فرصة كانت لهم ممكنة، وتركوا أسباباً كانت منهم قريبة، وليس في ذلك سبب وراء القرآن؛ فإن كل آية يسمعونها كانت تصيبهم بالشلل الاجتماعي، وتخذلهم في أنفسهم، فلا يحسون منها إلا تراجُعَ الطبع وفتور العزيمة. ويكسر ذلك عليهم أمرهم. فتقع الحرب في أنفسهم بديئاً بين الوهم واليقين، فإن نصبوها له بعد ذلك أقدموا عليها بنفوس مخذولة، وعزائم واهية، وأمور منتشرة، وخواطر متقسمة، وقاموا فيها وهم يعرفون آخرة النزوة وعاقبة الجولة، وتلك حربْ سبيلها في القتال سبيل المكابرة الواهنة في الجدال: من أقدم عليها مرة كان آية لنفسه، وكان عبرة لغيره، حتى ما يعتزمُ لهولها كرةَ أخرى، فمن سكَن بعدها فقد سَكَن! ونزل القرآن على الوجه الذي بيناه، فظنه العرب أول وهلة من كلام النبي ﷺ وروحوا عن قلوبهم بانتظار ما أمَّلوا أن يَطلِعوا عليه في آياته البينات، كما يعتري الطبع الإنساني من الفترة بعد الاستمرار، والتراجع بعد الاستقرار، ومن اضطراب القوة البيانية بعد إمعانها، وجماحِها الذي لا بد منه بعد إذعانها، ثم ما هو في طبع كل بليغ من الاختلاف في درجات البلاغة علوا ونزولاً، على حسب ما لا بد منه في اختلاف المعاني، وتباين الأحوال النفسية المجتمعة عليها، والتفاوت في أغراضها وطرق أدائها، مما ينقسم إليه الخطابُ ويتصرف القول فيه. ومروا ينتظرون وهم مُعدون له التكذيب، متربصون به حالة من تلك الأحوال، فإذا هو قبيل غير قبيل الكلام، وطبع غير طبع الأجسام، وديباجة كالسماء في استوائها: لا وهن ولا صدع، وإذا عصمة قوية، وجمرَة متوقدة، وأمرٌ فوق الأمر وكلام يحاورن فيه بدءاً وعاقبة. وقد كان من عادتهم أن يتحدى بعضهم بعضاً في المساجلة والمقارضة بالقَصيد والخطب، ثقةَ منهم بقوة الطبع، ولأن ذلك مذهب من مفاخرهم، يستَعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلو الكلمة؛ وهم مجبولون عليه فطرة. ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم، فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه، وسلك إلى ذلك طريقاً كأنها قضية من

стр. 99

قضايا المنطق التاريخي، فإن حكمة هذا التحدي وذكرهِ في القرآن، إنما هي أن يشهد التاريخ في كل عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللدُّ والفصحاء اللسن، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوة، فكانوا مَظنةَ المعارضة والقدرة عليها - حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن، مُولد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة، فيزعم أن العرب كانوا قادرين على مثله، وأنه غير معجز، وأن عسى أن لا يعجز عنه إلا الضعيف وبالله من سموّ هذه الحكمة وبراعة هذه السياسة التاريخية لأهل الدهر. أما الطريقة التي سلكها إلى ذلك، فهي أن التحدي كان مقصوراً على طلب المعارضة بمثل القرآن، ثم بعشر سوَر مثله مفتريات لا يلتزمون فيها الحكمة ولا الحقيقة، وليس إلا النظم والأسلوب، وهم أهل الله ولن تضيق أساطيرهم وعلومهم أن تسعها عشر سور. . . ثم قرَن التحدي بالتأنيب والتقريع، ثم استفزَّهم بعد ذلك جملة واحدة كما ينفجُ الرَّمادُ الهامدُ، فقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) . فقطع لهم أنهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من الله، ولا يقولها عربي في العرب أبداً، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفياً وتعجزهم آخر الأبد فما فعلوا ولا طمعوا قط أن يفعلوا. وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلما رأوا هممهم لا تسمو إلى ذلك ولا تُقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كل سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السيف، كما يبذل المُحرَجُ آخر وُسْعه، وأخطروا بأنفسهم وأموالهم، وانصرفوا عن توهن حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام فقالوا: ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتِب أساطير الأولين، وإنما يعلِّمه بشر وأمثال ذلك مما

стр. 100

أخِذَتِ به الحجة عليهم وكان إقراراً منهم بالعجز، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطباع والعادات، تلميحاً كما تقدم، وتصرِيحاً كقولهم: (أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) . وأمر العادة مما تخدع به النفس عن الحق، لأنها أعراق ضاربة في القلوب، ملتفة بالطبائع، وخاصة في قوم كالعرب كان شأن الماضي عندهم على ما رأيت في موضع سَلَف، وكانت العادة عندهم ديناً حين لم يكن الدين إلا عادة. قال الجاحظ: بعث الله محمداً ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً، وأحكم ما كانت لغة، وأشدَّ ما كانت عُدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته؛ فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذرَ وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف. فنصب لهم الحرب ونصبوا، وقتل من عليِّهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحاً ومساة إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة؛ أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدياً لهم بها، وتقريعاً لعجزهم عنها، تكشف من نقصهم ما كان مستوراً، وظهر منه ما كان خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات. فلم يَرُمْ ذلك خطيبٌ ولا طمع فيه شاعر ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارضَ وقابلَ وناقضَ، فدل ذلك العاقلَ على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم؛ وكثرة شعرائهم؛ وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقضَ لقوله؛ وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه؛ وأسرعَ في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على مَن هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات؛ ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطبُ الطوال البليغة والقِصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم تحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم. فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البيِّن مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفةَ، وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر

стр. 101

الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه. اهـ. على أن التاريخ لا يخلو من أسماء قوم قد زعموا أنهم عارضوا القرآن، فمنهم من ادّعى النبوة وجعل ما يلقيه من ذلك قرآناً كيلا تكون صنعته بلا أداة. .. على أنه لا أتباع له من غير قومه، ولا يشايعه من قومه طائفةَ يستنفرون لأمره ويعطفون عليه جنبات الناس حتى يجمعوا له أخلاطاً وضروباً، وقد تبعوه وشمَّروا في ذلك حمية وعصبية، وحدباً من الطباع على الطباع فهم في غنى عن نبوته وقرآنه، وإنما رأيهم الخطار بالأنفس والأموال على ما تنزعهم إليه الطبيعة، مقاربة لمن قارب صاحبهم، ومباعدة لمن باعد، وعسى أن يرد ذلك مغنماً، أو ينفلهم من غيرهم، أو يجدي عليهم بالعزة والغلبة، أو يكونُ لهم سبيل منه إلى التوثب إذا صادفوا غزَة وأصابوا مضطرباً، إلى غير ذلك مما تزينه المطمعة، ويغز به الغرور، وُيقصَد إليه بالسبب الواهي وبالحادث الضئيل، وبكل طائفة من الرأي وبقية من الوهم وتستوي فيه الشمال واليمين، وتتقدم فيه الرؤوس والأرجل مبادَرة لا يُدرى أيهما حامل وأيهما محمول. . . ومنهم من تعاطى معارضة القرآن صناعة وظن أنه قادر عليها يضع لسانه منها حيث شاء، وهؤلاء وأولئك لا يتجاوزون في كل أرض دخلها الإسلام من بلاد العرب والعجم إلى اليوم عدد ما تراه من عانة ضئيلة تعرض لك من حُمر الوحش في جانب البر الواسع ثم تغيب وتسفي الريح على آثارها وسنعد لك عداً، لتصدر في هذه الدعوى عن روية، وتحكم في تاريخ المعارضة عن بينة، وتعلم القدْر الذي بلغوه أو قيل أنهم بلغوه، فإن حصر ذلك وبيانه على جهته يشبه أن يكون بعض ما يشهد به التاريخ من إعجاز القرآن. وإن الحق ليُجمع عليه الناس كافة ثم يكابر فيه الواحد والاثنان والنفرُ والرهط، فتكون مكابرتهم فيه وجهاً من الوجوه التي يثبت بها ويغلب: (١) فمن أولئك مسيلمة بن حبيب الكذاب، تنبأ باليمامة في بني حنيفة على عهد رسول الله ﷺ بعد أن وفد عليه وأسلم، كان يصانع كل إنسان ويتألفه، ولا يبالي أن يطلع أحد منه

стр. 102

على قبيح، لأنه إنما يتخذ النبوة سبباً إلى الملك، حتى عرض على رسول الله ﵌ أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده، وكتب إليه في سنة عشر للهجرة: " أما بعد: فإني قد شوركت في الأرض معك، وإنما لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، لكن قريشاً قوم يعتدون. . .!! . وكان من المسلمين رجلٌ يقال له نهار الرَّجَّال قد هاجر إلى النبي ﷺ وقرأ القرآن وفقه في الدين، فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة وليشد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، إذ شهد أنه سمع محمداً ﷺ يقول إن مسيلمة قد أشرك معه! فصدقوه واستجابوا له؛ وأمروه بمكاتبة النبي ﷺ ووعدوه - إن هو لم يقبل - أن يجنوه عليه، فكان الرجال لا يقول شيئاً إلا تابعه مسيلمة؛ وكان ينتهي إلى أمره ويستعين به على تعرف أحوال رسول الله ﷺ ومعجزاته في العرب، ليحكيه ويتشبه به، وما قط عارضه في شيء إلا انقلبت الآية معه وأخزاه الله، وفي " تاريخ الطبري " من ذلك أشياء لا حاجة لنا بها صحت أو لم تصح. وقد زعم مسيلمة أن له قرآناً نزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن. . . بيد أن قرآنه إنما كان فصولاً وجملاً، بعضها مما يُرسله، وبعضها مما يترسل به في أمر إن عرض له، وحادثة إن اتفقت، ورأي إذا سئل فيه وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه، ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان، لأنه كان يحسب النبوة ضرباً من الكهانة، فيسجع كما يسجعون، وقد مضى العرب على أن يسمعوا للكهان ويطيعوا، ووقر ذلك في أنفسهم واستناموا إليه، ولم يجدوا كلام الكهان إلا سجعاً فكانت هذه بعض ما استدرجهم به مسيلمة وتأتي إلى أنفسهم منها. ومن قرآنه الذي زعمه قوله - أخزاه الله -: والمُبذرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمنا. . . لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه. . .

стр. 103

وقوله: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المَذق فما لكم لا تمجعون. وقوله: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل. . . وقال الجاحظ في (الحيوان) عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. . . وكل كلامه على هذا النمط واهٍ سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى، ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البَصَر بمواضعه ولكن لذلك سبباً نحن ذاكروه متى انتهى بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به. (٢) ومنهم عَبَهلة بن كعب الذي يقال له الأسود العتسي، يلقب ذا الخمار لأنه كان يقول: يأتيني ذو خمار، وكان رجلاً فصيحاً معروفاً بالكهانة والسجع والخطابة والشعر والنسب! وقد تنبأ على عهد النبي ﷺ وخرج باليمن، ولا يذكرون له قرآناً غير أنه كان يزعم أن الوحي ينزل عليه، وكان إذا ذهب مذهب التنبؤ أكب ثم رفع رأسه وقال: يقول لي كيت وكيت، يعني شيطانه، وهذا الأسود كان جباراً، وقتل قبل وفاة رسول الله ﷺ بيوم وليلة. (٣) وطليحة بن خويلد الأسدي، وكان من أشجع العرب، يعدُّ بألف فارس، قدم على النبي ﷺ في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ثم لما رجعوا تنبأ طليحة، وعظم أمره بعد أن توفي رسول الله ﷺ . وكان يزعم أن ذا النون يأتيه بالوحي - وقيل بل يزعمه جبريل - ولكنه لم يدع لنفسه قرآناً: لأن قومه من الفصحاء، ولم يتابعوه إلا عصبية وطلباً لأمر يحسبونه كائناً في العرب من غلبة بعضهم على جماعتهم، وإنَّما كانت كلمات يزعم أنها أنزلت عليه، ولم نظفر منها بغير هذه الكلمة، رأيناها في معجم البلدان لياقوت، وهي قوله: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئاً، فاذكروا الله قياماً فإن الرغوة فوق الصريح.

стр. 104

وقد بعث أبو بكر ﵁ خالداً بن الوليد لقتاله وكان مع طليحة عيينة بن حصن في سبعمائة من بني فزارة. فلما التقى الجمعان تزمَّل طليحة في كساء له ينتظر بزعمه الوحي وطال ذلك منه، وألح المسلمون على أصحابه بالسيف، فقال عيينة: هل أتاك بعد؟ قال طليحة من تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد! فأعاد إليه مرتين، كل ذلك يقول: لا. فقال عيينة: لقد تركك أحوج ما كنت إليه! فقال طليحة: قاتلوا عن أحسابكم، فأما دين فلا دين! ثم انهزم ولحق بنواحي الشام. أسلم بعد ذلك، وكان له في واقعة القادسية بلاء حسن. (٤) وسجاح بنت الحارث بن سويد التميمية. وكانت في بني تغلب (وهم أخوالها) راسخة في النصرانية، وقد علمت من علمهم وتنبأت فيهم بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر، فاستجاب لها بعضهم وترك التنصر ومالأها جماعة من رؤساء القبائل، وكانت تقول لهم: إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان مُلك فالملك ملككم. وقد خرجت بهم تريد غزو أبي بكر ﵁، ومرت تقاتل بعض القبائل وتوادع بعضها. وكان أمر مسيلمة الكذاب قد غَلَظ واشتدت شوكة أهل اليمامة، فنهدَت له بجمعها؛ وخافها مسيلمة، ثم اجتمعا وعرض عليها أن يتزوجها. قال: " ليأكلَ بقومه وقومها العرب " فأجابت، وانصرفت إلى قومها؛ فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته. ولم تدع قرآناً، وإنَّما كانت تزعم أنه يوحى إليها بما تأمر وتسجع في ذلك سجعاً، كقولها حين أرادت مسيلمة: عليكم باليمامة، ودفوا دَفيفَ الحمامة، فإنها غزوة صُرامة، لا يلحقكم بعدما ملامة. وفي رواية صاحب الأغاني: أنه كان فيما ادعت، أنه أنزل عليها: يا أيها المؤمنون

стр. 105

المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشاً قوم يبغون. وهي كلمة مسيلمة، وقد مرت آنفاً. ثم أسلمت هذه المرأة بعد وحَسُن إسلامها، وما كانت نبوتها إلا زفافاً على مسيلمة. وما كانت هي إلا امرأة! (٥) والنضر بن الحارث، وهذا ومن يجيء بعده لم يدعوا النبوة ولا الوحي ولكنهم زعموا أنهم يعارضون القرآن، فلفق النضر هذا شيئاً من أخبار الفرس وملوك العجم، ومخرق بذلك لأنه جاء بأخبار يجهلها العرب. . . ولم يحفل أحد من المؤرخين ولا الأدباء بهذا الرجل، لحماقته فيما زعم، وإنَّما ذكرناه نحن إذ كنا لا نرى الباقين أعقل منه. . .! (٦) وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور: زعموا أنه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثم مزَّق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره. وهذا عندنا إنما هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أن كتاب " الدرة اليتيمة " لابن المقفع هو في معارضة القرآن فكأن الكذب لا يدفع إلا بالكذب، وإذا قال هؤلاء إن الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوته وفصاحته، وأنه في ذلك من وزن القرآن وطبقته، وابن المقفع هو مَن هو في هذا الأمر، قال أولئك: بل عارض ومزق واستحيا لنفسه. . .! أما نحن فنقول: إن الروايتين مكذوبتان جميعاً، وإن ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة؛ لا لشيء من الأشياء إلا لأنه من أبلغ الناس. وإذا قيل لك إن فلاناً يزعم إمكان المعارضة ويحتج لذلك وينازع فيه، فاعلم أن فلاناً هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين: إما جاهلٌ

стр. 106

يصدق في نفسه، وإما عالم يكذب على الناس؛ ولن يكون (فلان) ثالث ثلاثة! وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس، لأن فتنة الفرق الملحدة إنما كانت بعده، وكان البلغاء كافة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه؛ ثم كان ابن المقفع متهماً عند الناس في دينه فدفع بعض ذلك إلى بعض، وتهيأت النسبة من الجملة. ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب، وكان متهماً بها أو كان له عرق في المجوسية، لما أخلَتهُ إحدى الروايات من زعم المعارضة: لا لأنه زنديق، ولكن لأنه بليغ يصلح دليلاً للزنادقة. وزعم هؤلاء الملحدة أيضاً أن حكم قابوس بن وشمكير وقصصه، هي من بعض المعارضة للقرآن؛ فكأنهم يحسبون أن كل ما فيه أدب وحكمة وتاريخ وأخبار فتلك سبيله؛ وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا؛ ومثل قولهم: إن القصائد السبع المسماة بالمعلقات هي عندهم معارضة للقرآن بفصاحتها. (٧) وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي وكان رجلاً غلبت عليه شِقوة الكلام؛ فبسط لسانه في مناقضة الشريعة، وذهب يزعم ويفتري، وليس أدل على جهله وفساد قياسه وأنه يمضي في قضية لا برهان له بها - من قوله في كتاب (الفريد) : " إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي فلم تقدر على معارضته؛ فيقال لهم: أخبرونا:

стр. 107

لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة. . . مثل دعواكم في القرآن فقال: الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس، إن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوته تثبت؟ قلنا: فاعجب لهذا الجهل الذي يكون قياساً من أقيسة العلم. . . واعجب (للكلام) الذي يقال فيه: إن هذا كتاب وذلك كتاب فكلاهما كتاب؛ ولما كان كذلك فأحدهما مثل الآخر؛ ولما كان أحدهما معجزاً فالثاني معجز لا محالة. وما ثبت لصاحب الأول يثبت بالطبع لصاحب الثاني. وما دمنا نعرف أن صاحب الكتاب الثاني لم تثبت له نبوة فنبوة صاحب الأول لا تثبت. . . لعمري إن مثل هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي سبيلاً من الحجة وباباً من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشد هذيان عرفه الأطباء قط؛ وإلا فأين كتابَ من كتاب؛ وأين وضعَ من وضع؛ وأين قومَ من قوم؛ وأين رجل من رجل؛ ولو أن الإعجاز كان في ورق القرآن وفيما يخط عليه، لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض ولاطَّرد ذلك القياس كله على ما وصفه كما يطرد القياس عينه في قولنا: إن كل حمار يتنفس، وابن الراوندي يتنفس، فابن الراوندي يكون ماذا. . .؟ ولو أن مثل هذه السخافة تسمى علماً تقوم به الحجة فيما يُحتج له ويبطل به البرهان فيما يُحتج عليه، لما بقيت في الأرض حقيقة صريحة ولا حق معروف ولا شيء يسمى باسمه، ولكان هذا اللسان المتكلم قد عبدته أمم كثيرة، لأن فيه قوة من قوى الخلق، ولأنك لا تجد سخيفاً من سخفاء المتكلمين الذين يعتدون من ذلك علماً - كابن الراوندي مثلاً - إلا وجدته قد أمعن في سخفه فلا تدري أجعل إلهه هواه، أم جعل إلهه في فمه. . وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه (التاج) ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب، مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء قد أجابوا على كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من (كفرياته) وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة. والذي نظنه أن كتاب ابن الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة، كما صنع في سائر كتبه؛ كالفريد، والزمرّدة، وقضيب الذهب، والمرجان فإنها فيما وصفت به ظلمات بعضها

стр. 108

فوق بعض، وكلها اعتراض على الشريعة والنبوة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح، ولا يقيم وزنها علم راجح. وقد ذكر المعري هذه الكتب في (رسالة الغفران) ، ووفى الرجل حسابه عليها، وبصق على كتبه مقدار دلوٍ من السجع! . وناهيك من سجع المعري الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى! . ومما قاله في " التاج "، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلاً. . . وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة: أف وتُف وجَورب وخف. قيل: وما جورب وخف؟ قالت: واديان بجهنم! وهذا يشير إلى أن الكتاب كذب واختلاق وصرفٌ لحقائق الكلام كما فعلت الكاهنة؛ وإلا - فلو كانت معارضته لنقض التحدي وقد زعم أنه جاء بمثله لما خلت كتب التاريخ والأدب والكلام من الإشارة إلى بعض كلامه في المعارضة، كما أصبنا من ذلك لغيره. (٨) وشاعر الإسلام أبو الطيب المتنبي المتوفى قتيلاً سنة ٣٥٤ هـ فقد ادعى النبوة في حدثان أمره، وكان ذلك في بادية السمَّاوة (بين الكوفة والشام) ، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، وكان يمخرق على الناس بأشياء وصف المعري بعضها في (رسالة الغفران) ، وقيل إنه تلا على البوادي كلاماً زعم أنه قرآناً أنزل عليه يحكمون منه سوراً كثيرة، قال علي بن حامد: نسخت واحدة منها فضاعت مني وبقي في حفظي من أولها: " والنجم السيار، والفلك الدوَّار، والليل

стр. 109

والنهار، إن الكافر لفي أخطار. امض على سنتك، واقف أثر من قبلك من المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغَ من ألحد في دينه، وضل عن سبيل ". ونحن لا نمنع أن يكون للرجل شيء من هذا ومثله، وإن لم يكن في طبقة شعره ولا في وزن ما يؤثر عنه من فصول النثر، كقوله وقد كتب به إلى صديق له في مصر كان يغشاه في علته حين مرض، فلما أبَل انقطع عنه فكتب إليه: " وصلتَني - وصلك الله - معتلاً؛ وقطعتني مُبِلا؛ فإن رأيت أن لا تحببَ العلةَ إليَّ ولا تكدر الصحة على، فعلتَ إن شاء الله " فإن هذا وشبهه إنما هو بعض شعره منثوراً، وهي المعاني التي تقع في خواطر الشعراء قبل النظم، وما من شاعر بليغ إلا هو يحسن أن يقول هذا وأحسن منه، وإن كان فيما وراء ذلك من صناعة الترسل ودواوين الكتابة لا يغني قليلاً ولا كثيراً. ولم يكن المتنبي كاتباً، ولا بصيراً بأساليب الكتابة وصناعتها ووجوهها، ولا هو عربي قُح من فصحاء البادية، وإن كان في حفظ اللغة ما هو؛ فليس يمنع سقوط ذلك الكلام الذي نسبَ إليه من أن تكون نسبته إليه صحيحة لأنه لو أراده في معارضة القرآن ما جاء بابلغ منه؛ وما المتنبي بأفصح عربية من العنسي ولا مسيلمة، وقد كان في قوم أجلاف من أهل البادية، اجتمعت لهم رخاوة الطباع، واضطراب الألسنة، فلا تعرفهم من صميم الفصحاء بطبيعة أرضهما ولا تعرفهم في زمن الفصاحة الخالصة، لأنهم في القرن الرابع، وإذا كانت حماقات مسيلمة قد جازت على أهل اليمامة والقرآنُ لم يزل غضاً طرياً ونور الوحي مشرق على الأرض بعد، فكيف بالمتنبي في بادية السماوة وقويم من بني كلب! وهل عرف الناس نبياً بغير وحي ولا قرآن؛ (٩) وأبو العلاء المعري المتوفى سنة ٤٤٩ هـ، فقد زعم بعضهم أنه عارَض القرآن بكتاب سماه (الفصول والغايات، في مجاراة السور والآيات) وأنه قيل له: ما هذا إلا جيد، غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن! فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا كيف يكون. . . وقيل: إن من كتابه هذا قوله: " أقسم بخالق الخيل، والريح الهابَّة بلَيل، بين الشرط مطلع سُهَيل، إن الكافر لطويل الويل وإن العمر لمكفوف الذيل؛ تَعَذ مدارج السيل؛ وطالع التوبة من قبَيل، تنج وما إخالك بناج ". فلفظة (ناج) هي الغاية، وما قبلها فصل مسجوع، فيبتدئ بالفصل ثم ينتهي إلى الغاية، وهذا كما ترى عكس الفواصل في القرآن الكريم، لأنها تأتي خواتم لآياته، فكأن المعارضة نقضٌ للوضع ومجاراة للموضوع، وكأنها صنعة وطبع.

стр. 110

وتلك لا ريب فرية على المعري أراده بها عدو حاذق، لأن الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه، وما نراه إلا أعرف الناس باضطراب أسلوبه والتواء مذهبه، وأن البلاغة لا تكون مراغمة للغة، واغتصاباً لألفاظها، وتوطيناً لغرائبها كما يصنع؛ وأن الفصاحة شيء غير صلابة الحنجرة، وإفاضة الإملاء، ودفع الكلمة في قفا الكلمة حتى يخرج الأسلوب متعثراً يسقط بعضه في جهة وينهض بعضه في جهة، ويستقيم من ناحية ويلتوي من ناحية؛ وأنه عسى أن لا يكون في اضطراب النسق وتوعر اللفظ واستهلاك المعنى فساد المذهب الكتابي وضعف الطريقة البيانية شر من هذا كله، وما أسلوب المعري إلا من هذا كله. على أن المعري ﵀ قد أثبت إعجاز القرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي، فقال: " وأجمعُ ملحد ومهتدي، وناكب عن المحجة ومقتدي. أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ كتاب بَهرَ بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذيَ على مثال، ولا أشبه غريبَ الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سَهَل وحُزون، ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. . . وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق " اهـ. ولا يعقل أن يكون الرجل قد أسز في نفسه غير ما أبدى من هذا القول ولم يضطره شيء إليه، ولا أعجله أمر عن نفسه ولا كان خلو رسالته منه تضييعاً ولا ضعفاً، ولا نشك في أنه كان يستسر بهنات مما يضعف اعتقاده ولكن أمرَ القرآن أمر على حدة؛ فما هو عند البرهان عليه وراء القبر ولا وراء الطبيعة. وبعد، فهذا الذي وقفناك عليه هو كل ما صدقوا وكذبوا فيه من خبر المعارضة؛ أما إن القرآن الكريم لا يعارض بمثل فصاحته وتركيبه، وبمثل ما احتواه، ولو اجتمعت الإنس بما يعرفونه، وأمدهم الجن بما لا يعرفونه، وكان بعضهم لبعض ظهيراً فهو ما نبسطه فيما يلي، وذلك هو الحق الذي لا جمجمة فيه، ولا يستعجم على كل بليغ له بصر بمذاهب العرب في لغتها وحكمة مذاهبها في أساليب هذه اللغة، وقد تفقه بالبحث في ذلك والكشف عن دقائقه، وكان يجري من هذه الصناعة البيانية على أصل ويرجع فيها إلى طبع. وإن شعور أبلغ الناس بضعفه عن أسلوب القرآن ليكون على مقدار شعوره من نفسه بقوة الطبع واستفاضة المادة وتمكنه من فنون القول وتقدمه في مذاهب البيان؛ فكلما تناهى في علمه
следующие страницы →