والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كلام " شاخت " أن كتب التراجم كلها ليست جديرة بالثقة (١) .
وقد تولى الدكتور الأعظمي (٢) تفنيد هذا الرأي بأسلوب علمي رصين، حيث بيَّن أن محاولة زرع الشك في قلوب الباحثين حول قيمة كتب التراجم استناداً إلى التراجم المقتضبة لموسى بن عقبة لا يستند إلى أي دليل علمي؛ لأنه لا أحد من أولئك العلماء زعم أنه سيحاول استقصاء كافة المعلومات عن كل شخص يترجم له.
ثم ساق الأعظمي مثالاً وازن فيه ترجمة شعبة بن الحجاج في ثلاثة مصادر من كتب التراجم هي: " الطبقات " لابن سعد (ت ٢٣٠ ?) ، وكتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (ت ٢٤١ ?) ، وكتاب "التاريخ الكبير" للبخاري (ت ٢٥٦ ?) .
فكانت النتيجة أن ابن سعد (٣) ترجم له في تسعة أسطر ولم يذكر من شيوخه أو تلاميذه أحداً، أما البخاري (٤) فترجم له في ثمانية أسطر ذاكراً اثنين من شيوخه، وكذلك تلامذته لم يذكر إلا اثنين فقط، أما الإمام أحمد (٥) الذي توفي بعد ابن سعد، وقبل البخاري فيذكر لشعبة مائة وخمسين شيخاً.
стр. 37
وطبقاً لنظرية " شاخت " لنا أن نتساءل: إذا كانت الأحاديث الموضوعة والأسانيد المختلقة كانت وراء تكاثر أسماء شيوخ شعبة في مدة أحد عشر عاماً، هي الفاصل الزمني بين وفاتي ابن سعد وابن حنبل، بحيث ارتفع العدد من الصفر عند الأول إلى مائة وخمسين عند الثاني، فما الطريقة التي استعملها البخاري بحيث تمكن من إرجاع ذلك العدد الكبير إلى اثنين فقط، وبعد مضي خمسة عشر عاماً أخرى؟
وكيف تقلصت القائمة عند البخاري عن قائمة ابن حنبل، وكان من المفروض بناءً على نظرية " شاخت " أن تنمو أكثر فأكثر؟
ومثال آخر على استعمال هذا المستشرق للشك بصورة غير علمية ألبتة: وهي طعنه في "سلسلة الذهب "عند المحدثين أعني حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، فقد شكك في ثبوت سماع مالك من نافع مولى ابن عمر، وهذه نص عبارته المترجمة: (بما أن نافعاً مات في سنة ١١٧ ? أو قريباً منها، ومات مالك في سنة ١٧٩?، فعلاقتهما ممكنة الوقوع عندما كان مالك فتى. بل ربما كان موضع شك أيضاً ما إذا لم يأخذ مالك - الذي يتهمه الشافعي في موضع آخر بالتدليس - مروياته من أحاديث مدونة يزعم مجيئها عن نافع) ثم يذكر في الحاشية: ((ليس هناك تاريخ موثوق معروف لميلاد مالك)) (١) .
وقد نص جمهور العلماء على أن مالكاً ﵀ قد ولد سنة ٩٣? وهذا أصح الأقوال، وذهب البعض إلى أن ولادته كانت سنة ٩٠، وقيل ٩٤،
стр. 38
وقيل ٩٥، وقيل ٩٦، وقيل ٩٧ ? (١) . فعلى الرأي الراجح يكون عمره حين مات نافع في الرابعة والعشرين، وعلى أبعد الأقوال يكون عمره في العشرين، ومالك كنافع كلاهما من أهل المدينة، فهل يمتنع في العقل أن يكون تتلمذ عليه وسمع منه، أليس في زمننا أناس كثر يتخرجون في الجامعة وهم في الثانية والعشرين من عمرهم أو أقل؟!
إن المثالين اللذين ذكرتهما عن استعمال " شاخت " للشك غير المنهجي هما غيض من فيض شكوك تفتقر لمقومات الشروط المعتبرة في الشك المنهجي، ولكن المقام لا يحتمل الاسترسال في ذكر الشواهد والرد عليها.
ولابد هنا من التذكير بأن المنهج العلمي الصحيح لا يقر الخلط بين الشك المنهجي والرفض العلمي المبني على دليل؛ لأن الشك يكون مشروعاً ومطلوباً في البحث العلمي بوصفه خطوة أولى هدفها هو التثبت في الأمر، ولا يحق للباحث أن يرفض كل -أو بعض- ما يدَّعيه مخالفه من أدلة تدعم رأيه لا لشيء إلا؛ لأنها تؤيد رأيه، ذلك لأن للمخالف أيضاً أن يعامله بالمثل فيقول له: إنما رفضت دليلي؛ لأن قبوله يضعف رأيك، ونصرت غيره؛ لأنه يؤيد وجهة نظرك، فلابد للشك حتى يكون علمياً من معايير موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز (٢) .
стр. 39
المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة
من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم ((مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال)) (١) .
ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة (٢) .
ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها (٣) .
ولبيان خطورة الأدلة المضادة على نتائج أي بحث علمي، سنقتطف هذين النصين، أحدهما للدكتور توفيق الطويل يقول فيه: ((إن الأمثلة الإيجابية - أي التي تؤيد صحة فرض من الفروض - لا تكفي لإثبات صدقه؛ لأن الشواهد السلبية التي تنفي صحته أهم في مجال الاختبار والتمحيص من الشواهد المؤيدة
стр. 40
له، بل إن مثالاً واحداً يتنافى مع الفرض يكفي لهدمه، وبيان فساده بإلغاء عدد الشواهد المؤيدة لصدقه)) (١) .
والآخر لأحد رواد علماء المنهجية في العصر الحديث وهو فان دالين (٢) ، يقول فيه: ((وبصرف النظر عن مقدار الأدلة التي أمكن التوصل إليها لتأييد فرض من الفروض، فإن بنداً واحداً يحمل دليلاً معارضاً، يمكن أن يثبت بطلان ذلك الفرض)) (٣) .
بعد أن قررنا هذا الأمر من الكتب المختصة، يأتي الآن دور النظر في مخالفات " شاخت " لهذا الأصل الخطير من أصول المنهجية العلمية مع ذكر بعض الأمثلة.
سبق معنا أنَّ " شاخت " يرى أن الرسول ﷺ لم يكن مبالياً بأمور الشريعة - أي القانون كما ورد في تعبيراته - ولهذا فلم تكن سلطته في المدينة النبوية لمَّا هاجر إليها سلطة تشريعية (٤) .
إن " شاخت " أهمل هنا الأدلة المعارضة، وهي الأدلة القرآنية التي تذكر بجلاء وجوب اتِّباع النبي ﷺ في كل شيء، ومن ذلك مثلاً:
стр. 41
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: ٥٩) .
وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥) .
وقوله تعالى: ﴿ِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ (النساء: ١٠٥) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب: ٣٦) .
إن تدبُّر هذه الآيات يعطينا نتيجة مخالفة كلياً لرأي " شاخت " الآنف، تدحض خيالاته بصورة أكيدة.
ولفداحة هذا الخطأ المنهجي، تخلى بعض المستشرقين (١) عن رأي "شاخت" السابق، وعارضوه فيما توصل إليه من نفي السلطة التشريعية عن
стр. 42
المصطفى ﷺ ، ومن هؤلاء تلميذه المستشرق " كولسون " الذي صرح بمعارضته لرأي أستاذه مستدلاً على رأيه بقوله: ((إن القرآن كان قد أثار قضايا اهتم بها المجتمع الإسلامي اهتماماً مباشراً بطبيعة الحال، ولا بد أن النبي ﷺ نفسه اضطر لتناولها بحكم سلطته السياسية والتشريعية في المدينة ... وحينما يجحد - يعني " شاخت " - صحة كل حكم منسوب في الواقع للنبي ﷺ فإن فجوة ستنشأ - أو تختلق بالأحرى - في تصور تطور التشريع الإسلامي في المجتمع المسلم الباكر، ومن منطلق واقعي، بأخذ الظروف التاريخية السائدة آنذاك في الحسبان، فإنه يبدو من الصعب التسليم بهذا الفهم المؤدِّي لمثل هذه الفجوة ... واقتراحي هو أن مادة أحاديث كثيرة-وبخاصة تلك التي تتناول مشكلات يتكرر ظهورها وتثيرها التشريعات القرآنية- قد تعبر حقيقة في أقل تقدير عما يقترب من حكم النبي ﷺ الذي حفظه النقل الشفهي العام في أول الأمر)) (١) .
لا يمكن لأحد أن يزعم أن " شاخت " لم يكن مطلعاً على القرآن، وملماً بكلياته العامة ومبادئه الأساسية، ولذا كان تجاهله لنصوص القرآن في تقرير تلك المسألة خطأ منهجياً مرفوضاً حتى مِنْ قِبَلِ معجبيه ومؤيديه كما رأينا.
ومن أمثلة تجاهل هذا المستشرق للأدلة المضادة لآرائه، قاعدته التي ذكرناها فيما تقدم وفحواها: ((السكوت عن الحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده)) (٢) .
стр. 43
وقد أهمل الأدلة المضادة لهذه القاعدة بصورة فاضحة جداً، مع أنه يتكلم على قاعدة عامة يستعملها لبيان الأحاديث الموضوعة والمكذوبة في زعمه، وقد تولى الدكتور ظفر إسحاق الأنصاري (١) مناقشة هذه القاعدة بأسلوب علمي رفيع جداً، وسأقوم بتلخيص كلامه مبرزاً جانب تجاهل الأدلة المضادة.
يرى الدكتور ظفر أنه من غير الممكن ادعاء صحة حجة شاخت إلا إذا كوَّنَّا الافتراضات التالية:
١ - كلما ذكرت الأحكام الشرعية في القرنين الأول والثاني، ذكرت معها أدلتها المؤيدة، ولا سيما الأحاديث.
٢ - إن الأحاديث المعروفة لأحد الفقهاء أو المحدثين ينبغي أن تُعرف بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه.
٣ - إن كل الأحاديث المتداولة في فترة زمنية معينة كانت مدونة ومعروفة على نطاق واسع، ومن ثم حفظت بحيث إذا لم نُوفق في إيجاد حديث ما ضمن أعمال عالم معروف، فإن ذلك يعني عدم وجوده في عصره، أو عدم وجوده في بلده أو في أي مكان آخر من العالم الإسلامي.
هذه الافتراضات وإن لم يصرح بها " شاخت "، إلا أنها لازمة لقاعدته المذكورة آنفاً وهي الأسس الداعمة لتكوينها التي لولاها لانهارت. ولا يشك العارف بتاريخ التشريع الإسلامي فقهاً وحديثاً في عدم صحة هذه الافتراضات، بل إن الأدلة تنقضها، وأحسن طريقة لمعرفة سلامة قاعدة "شاخت" هي أن نقوم بما يمكن تسميته " بالاستدلال العكسي " الذي سيظهر من خلاله إهمال هذا المستشرق للأدلة المضادة.
стр. 44
إن الطريقة التي طبق بها " شاخت " قاعدته السابقة كانت تعتمد على أن الحديث الذي يُذكر في مصدر متأخر، وليس في مصدر متقدم عليه زمناً يدل على أنه قد تم اختلاقه ووضعه في الفترة الزمنية الواقعة بعد حياة المؤلف الذي لم يذكره.
و" الاستدلال العكسي " لقاعدة " شاخت " يكمن في الإجابة عن تساؤل مهم مفاده: هل يمكن أن توجد أحاديث نبوية في مصدر متقدم ثم لا توجد في مصدر متأخر؟ فإن ثبت وجود ذلك انهارت قاعدة " شاخت "، وإن لم يثبت شيء من ذلك كانت قاعدته صحيحة، وكان من الواجب عليه أن يتحقق من صحة هذه القاعدة ببيان سلامتها من الأدلة المضادة، وهنا يجب علينا استحضار كلام أساتذة المنهجية المتقدم الذي يؤكد أن وجود شاهد واحد مخالف للفرض العلمي يكون كافياً في نقضه.
ولقد تمكن الدكتور ظفر الأنصاري من بيان أن عدداً كبيراً من الأحاديث الموجودة ضمن المصنفات الأولى، لم تكن ضمن مصنفات الفترة الزمنية اللاحقة لها بغض النظر عن المصنفات المعاصرة، وهذا مما يؤكد أن فقهاء ذلك العصر - في القرنين الأول والثاني الهجريين - كان من عاداتهم عدم الالتزام بذكر كل الأحاديث التي يعلمونها، بما في ذلك الأحاديث التي تدعم أحكامهم الفقهية.
ولبيان ذلك قام الدكتور ظفر الأنصاري بإجراء موازنة بين كتابي " آثار أبي يوسف القاضي "، وكتاب " الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني " موضحاً بالأمثلة أن عدداً كبيراً من الأحاديث المدونة في الكتاب الأول ليست في الثاني، على الرغم من أن محمد بن الحسن الشيباني كان أصغر سناً من أبي
стр. 45
يوسف الذي كان في الواقع شيخه أيضاً، وفضلاً عن ذلك فقد دوّن الشيباني كتب أبي يوسف، وألف هو نفسه كتباً، وهي إما أنها كانت مبنية على مؤلفات أبي يوسف أو مشابهة لها من حيث الموضوع، وبإثبات وجود عدد كبير من الأحاديث التي يذكرها أبو يوسف القاضي، وليست في مؤلفات الشيباني المشابهة، فإن ذلك يقوض صلاحية تلك الافتراضات المذكورة آنفاً، وهي وحدها التي تثبت صحة قاعدة " شاخت ".
كما قام الدكتور ظفر الأنصاري أيضاً بإجراء موازنة بين " الموطأ " للإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، و" الموطأ " برواية محمد بن الحسن الشيباني على اعتبار أن موطأ الشيباني هو المتأخر، وموطأ مالك برواية الليثي هو المتقدم، وذلك التزاماً بطريقة " شاخت " نفسه؛ لأنه يعامل " الموطأ " برواية الشيباني على أنه المصنف المتأخر بالنظر إلى وفاته، و" الموطأ " برواية الليثي هو المتقدم بالنظر إلى وفاة مالك. ثم وضح بالأمثلة أن عدداً كبيراً من الأحاديث الموجودة في موطأ مالك، ليست في موطأ الشيباني على الرغم أنه كان الأصغر سناً، بل أكثر من ذلك وجد بعض الأمثلة التي توجد في موطأ مالك، وهي مؤيدة لبعض أحكام المذهب الحنفي الذي ينتمي له محمد بن الحسن الشيباني، وليست في روايته للموطأ.
ثم ختم الدكتور ظفر الأنصاري بحثه بقوله: ((إن هذا يبين أنه على الرغم من عدم وجود سبب للاعتقاد بأن الشيباني لم يكن عارفاً بهذه الأحاديث، فإن مصنفه لم يسجلها، وهي حقيقة تبطل الافتراض الذي يقوم عليه منهج " شاخت " في محاولته لإثبات نشوء الأحاديث.
стр. 46
وبهذا الصدد فإن الاحتمالات التالية التي يبدو كل واحد منها مقنعاً قد تم تجاهلها كلية:
١ - أن الشخص المعني ربما يكون قد سمع الحديث ثم نسيه.
٢ - أنه ربما يكون سمع الحديث، ولم يره صحيحاً.
٣ - أنه ربما يكون قد علم بحديث ما، ولكن ... لم تصلنا كل الأحاديث المعروفة عند الفقهاء ...
إن تجاهل كل هذه الاعتبارات، وكثيراً من البراهين المضادة، والإصرار على شك مفرط، لا يمكن أن يعد من شيم المؤرخين الحصيفي الرأي)) (١) .
وبقي أن نلفت الأنظار إلى أن مجرد الاعتماد على سكوت المصادر في نفي صحة المعلومات التي تثبتها مصادر أخرى، لا يعد عملاً مقبولاً علمياً عند أساتذة المنهجية الغربيين المتخصصين في التاريخ من أمثال " وودي " الذي يقول: ((لا تحكم على المؤلف بأنه يجهل أحداثاً معينة بالضرورة؛ لأنه أغفل ذكرها، ولا تظن للسبب نفسه أن تلك الحوادث لم تقع فعلاً)) (٢) .
وفيما تقدم تجلية لتهافت منهجية " شاخت " الذي يبدو أن من أساسيات طريقته في البحوث التي يجريها حول السنة النبوية، تجاهل إن لم يكن "حجب" الأدلة المضادة التي تخالف أحكامه التعسفية الجائرة.
стр. 47
المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص
يمكن لأي باحث مبتدئ في قضايا التاريخ أن يقع في سوء فهم لبعض العبارات أو المصطلحات الموجودة في النصوص القديمة، ولكن أساتذة المنهجية وضعوا قواعد في فهم العبارات، أوجبوا على كل باحث في التاريخ أن يراعيها، يقول: "لانجلوا" ((ينبغي أن نتعلم كيف نقاوم الغريزة التي تدفعنا إلى تفسير كل عبارات النص بالمعنى الكلاسيكي أو المعنى العادي ...
ويقضي المنهج بتعيين المعنى الخاص للكلمات في الوثيقة، ويقوم على بعض مبادئ بسيطة جداً:
١ - إن اللغة في تطور مستمر من شأنه أن يفسدها، ولكل عصر لغته الخاصة التي ينبغي النظر إليها على أنها نظام خاص من الرموز والعلامات، وعلى هذا فإنه لفهم وثيقة ما، ينبغي معرفة لغة العصر، أعني معنى الألفاظ والصيغ في العصر التي كتبت فيه الوثيقة. ومعنى اللفظ يتعين بجمع المواضع التي استعمل فيها ...
٢ - والاستعمال اللغوي يمكن أن يختلف من إقليم إلى آخر، ولهذا ينبغي معرفة لغة الإقليم الذي كتبت فيه الوثيقة، أعني المعاني الخاصة المستعملة بها الألفاظ في الأقاليم المختلفة.
٣ - ولكل مؤلف طريقته الخاصة في الكتابة، ولهذا يجب أن ندرس لغة المؤلف، والمعنى الخاص الذي استعمل به الكلمات ...
٤ – ويختلف معنى التعبير بحسب الموضع الذي يوجد فيه، ولهذا ينبغي ألاّ تفسر كل كلمة وكل جملة، مفردة بل بحسب المعنى العام (السياق) ، وقاعدة
стр. 48
السياق هذه قاعدة أساسية في التفسير، وتقضي بأنه قبل أن أستعمل جملة من نص أن أقرأ النص كله أولاً ...
وهذه القواعد لو طبقت بدقة تؤلف منهجاً دقيقاً في التفسير، لا يكاد يترك مجالاً للخطأ) (١) .
إن طبيعة كتابات " شاخت " المتعلقة بالسنة النبوية تنتمي إلى نوعية البحوث التاريخية بحسب المقاييس الغربية، كما أن النص الذي نقلناه آنفاً هو لمؤرخ فرنسي توفي سنة ١٩٢٩م، وقد صدر كتابه الذي نقلنا منه في سنة ١٨٩٨م (٢) ، وهو معتمد على مراجع ألمانية منها كتاب " متن في المنهج التاريخي " لأرنست مانهايم، فلذلك أستبعد أن يكون " شاخت " - الذي هو من أصل ألماني ويكتب باللغة الفرنسية كما ورد معنا في ترجمته -، لم يطلع على القواعد المذكورة آنفاً في أحد المراجع، إلا أن يكون كتب بحوثه التاريخية من دون أن يتعلم منهج البحث التاريخي!.
لقد خالف " شاخت " تلك القواعد في عدد من كتاباته، ومن ذلك مثلاً أنه فسر كلمة " الفتنة " التي وردت في كلام ابن سيرين الذي يقول فيه: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت " الفتنة "، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)) (٣) ، بقوله: ((الفتنة التي بدأت بمقتل الوليد بن يزيد " ت ١٢٦ ? "، على مقربة من نهاية الدولة الأموية، كان تاريخاً مصطلحاً عليه، لاعتباره
стр. 49
نهاية الأيام الجميلة القديمة ... وبما أن تاريخ وفاة ابن سيرين هو ١١٠ ?، لذلك لا بد أن نعد نسبة هذا الكلام إلى ابن سيرين غير صحيحة، والأثر موضوع. وعلى كل فليس هناك ما يدعو إلى أن نقبل أن بداية الإسناد تسبق في وجودها بداية القرن الثاني الهجري)) (١) .
وبناء على مقتضى القواعد التي تقدم ذكرها في منهجية الفهم من النصوص التاريخية، سنرى أن تفسير " شاخت " متعسف جداً لما يلي:
١ - من المعلوم أن ابن سيرين ولد عام ٣٣ ?، وتوفي عام ١١٠ ?، وله من العمر ٧٧ سنة (٢) ، فالزعم أن معنى الفتنة يقصد بها مقتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦ ?، مصادم لتاريخ وفاة ابن سيرين.
٢ - بالنظر في مصطلح الفتنة عند ابن سيرين وجدناه يطلقها على ما جرى بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلممن قتال بسبب مقتل عثمان ﵁، ففي نص صحيح السند عن ابن سيرين نفسه يقول فيه: ((هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمعشرة آلاف، فما خف لها منهم مائة)) (٣) .
ومن المعروف أنه يستحيل أن يكون هذا العدد الكبير من الصحابة على قيد الحياة سنة ١٢٦ ? حين مات الوليد بن يزيد، مما يرجح أن المقصود هو ما حدث من قتال بين معسكري علي ومعاوية ﵄ بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁.
стр. 50
وفي نص آخر عن ابن سيرين قال: ((عن عبيدة السلماني قال: سمعت علياً يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن.
قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. أو قال في الفتنة. قال فضحك علي)) (١) . ففي هذا النص دلالة واضحة على أن مصطلح الفتنة في هذه الرواية التي جاءت من طريق ابن سيرين نفسه المراد بها قتال علي ﵁ لخصومه.
وفي نص آخر أيضاً قال ابن سيرين: ((قال: قال رجل: ما منا أحد أدركته الفتنة إلا لو شئت لقلت فيه، غير ابن عمر)) (٢) . ومن المعروف أن ابن عمر ﵄ قد اعتزل الحرب بين علي ومعاوية ﵄، فلم يشارك مع أحدهما ضد الآخر.
٣ - النظر في سياق النص يعطينا دلالة واضحة على أن ابن سيرين يتحدث عن عادة ظهرت قبل أيامه، لذلك يستعمل ضمير الغائب في النص كله: " كانوا لا يسألون ... قالوا: سموا لنا ... "، ولم يستعمل ضمير المتكلم، فعدوله عن استعماله إلى ضمير الغائب مع صيغة الماضي يشير في الواقع إلى أن هذا الاتجاه سابق له، ومتقدم عليه (٣) .
ومثال آخر على تعسف " شاخت " وتحكمه في فهم النصوص التاريخية وتفسيرها، فقد علق على حديث أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه، ونص
стр. 51
الحديث كما يلي: ((حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار" وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار)) (١) .
فقال: ((يمدح هذا الحديث حزب الأنصار، الذي كان موالياً للحكام، وفي صف العباسيين، وعلى هذا الأساس لا تصح نسبة هذه الأحاديث إلى النبي ﷺ ) (٢) .
وقد فَنَّد الأعظمي (٣) هذا الفهم العجيب من " شاخت " بما ملخصه:
١-لا نجد كلمة واحدة في هذا الحديث في مدح الأنصار كما يظهر من سياق الحديث وعباراته، وإنما يوجد فيه استغفار للأنصار ودعاء لهم، والله هو الذي أمر نبيه بالاستغفار، قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) .
٢-أثنى الله على الأنصار في غير ما موضع في كتابه الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
стр. 52
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠) .
فالقرآن يعطي الأنصار أكثر مما أُعطوا في الحديث الآنف، فإذا كان قد اخترع في منتصف القرن الثاني أو بعده لمصلحة الأنصار الموالين للعباسيين والمعادين للعلويين، فلا ندري من الذي اخترعه واخترع معه تلك الآية وما يشبهها من آيات تثني على الأنصار وتعطيهم منزلة تفوق ما ورد في الحديث.
٣-مما يؤكد أنَّ الحديث لا يفهم منه أنه ضد العلويين أننا نجد الشيعة قد أخرجوه في كتبهم كالمجلسي في ((بحار الأنوار)) وغيره من كتبهم، ولو كانوا يشتمون منه أنه موجه ضد العلويين لما نقلوه في كتبهم.
وبما تقدم يعلم تجاهل " شاخت " لعبارات النص وسياقه، مما يؤكد تعسفه في فهم النصوص وتفسيرها.
стр. 53
المبحث السادس: التعميم الفاسد
من مسلَّمات المنهج العلمي أن التعميم بدون استقراء وأدلة كافية يعد مزلة قدم تفقد الثقة بالباحث الذي يقع منه ذلك، يقول " لانسون ": ((إن اليقين يأخذ في التناقص كلما أخذ التعميم في التزايد، وهذه حقيقة تصدق على كل العلوم)) (١) .
وفي نص آخر له يقول: ((نأخذ من المناهج العلمية: الحذر ... وأن نكون أقل استسلاماً لأهوائنا، وأقل تسرعاً إلى الجزم)) (٢) .
ويقول الدكتور شوقي ضيف: ((ينبغي الاستقراء الكامل ... حتى لا يقع الباحث في تعميمات وأحكام خاطئة)) (٣) .
والملاحظ على " شاخت " أنه كان يعمم في كثير من الأحيان في بحوثه معتمداً على نص أو نصوص قليلة جداً، ومن ذلك مثلاً زعمه بأن الفقهاء في مدرستي المدينة والعراق كانوا يقدمون قول الصحابي على السنة النبوية، ولننظر كيف يستدل على هذا التعميم الفاسد؟ يقول: ((إن موقف العراقيين وأهل المدينة من أحاديث الأحكام موقف متماثل، وهو يختلف جوهرياً عن موقف الشافعي، وفي كتاب " اختلاف الحديث " (ص ٣٠) نجد أن
стр. 54
العراقيين وأهل المدينة جميعهم يهملون الأحاديث النبوية، ويقدمون عليها ما يستنبطونه من القواعد أو أقوال الصحابة)) (١) .
ثم يذكر بضعة نصوص عن الإمام الشافعي يخالف فيها أتباع الإمام مالك، ويضيف إليها نصين استعمل فيهما الإمام مالك الاحتجاج بفهم بعض الصحابة، فيقفز " شاخت " فجأة إلى التعميم فيقرر بكل طمأنينة: ((وإجمالاً يمكننا القول بأن أهل المدينة يفضلون أقوال الصحابة على الأحاديث النبوية)) (٢) .
وأما ما يتعلق بالمدرسة الفقهية في العراق، فيقول: " شاخت ": ((إن رأي العراقيين في حجية الحديث النبوي قد تدنّت بلا ريب، إلى مرتبة أدنى بفعل الأهمية التي أعطاها العراقيون لأقوال الصحابة نظرياً وعملياً، ونحن نرى بوضوح التعبير عن هذا المبدأ في مواضع عديدة، ومن ذلك ما جاء في كتاب "اختلاف العراقيين" (الأم ٧/١١٠) : " وهم يزعمون أنهم لا يخالفون الواحد من أصحاب النبي ﷺ "، ومن ذلك أيضاً (٧/١٣٥) : " وقد زعم الذي قال فيه قيمة - يعني أبا حنيفة - أنه لا يخالف واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ "، ويخاطب الشافعي محمد بن الحسن الشيباني قائلاً (٧/٢٨٦) : " وأصل ما تذهبون إليه ألا تخالفوا الواحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا لم يعلم أن أحداً من الصحابة خالف في ذلك ")) (٣) .
стр. 55
ثم يصل " شاخت " بناء على النصوص الثلاثة السابقة المنقولة من حوارات الإمام الشافعي مع مخالفيه؛ ليقرر لنا هذا التعميم الآتي: ((فليس من الغريب إذن أن تُقدّم أقوال الصحابة على أحاديث النبي، وأن يذكر كلاهما في مستوى واحد من الحجية، وأن تفسّر أحاديث النبي بأقوال الصحابة)) (١) .
وهذا العيب المنهجي لاحظه بصورة جلية الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، فقال موضحاً لهذا الخلل في كتابات هذا المستشرق: ((أما البروفسور " شاخت " فله منهج لا يمت إلى ميدان العلم بصلة. ففي بحثه عن موقف تلك المدارس الفقهية من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلملا يقبل كلام أصحاب تلك المدارس بأنهم ملزمون بسنة رسول الله ﷺ ، ولا يقبل كلام خصوم تلك المدارس الفقهية بحيث إنهم ينقلون اتفاق أصحاب تلك المدارس على هيمنة سنة رسول الله ﷺ . كما أنه يتجاهل ٩٩? من القضايا التي تدل على أخذهم بسنة رسول الله ﷺ .
ويأخذ اعتراضات الخصوم بأن صاحب مدرسة ما خالف السنة النبوية في المسألة الفلانية، فيأخذ هذه الجزئية الضئيلة التي لا تمثل ١?، وهي اعتراض من قبل الخصوم ثم يعمم النتيجة، فيحولها إلى مائة في المائة.
ومن ناحية أخرى يلتقط " شاخت " بعض الأمثلة - ولتكن صحيحة ودالة على مطلبه - من مالك، ثم يعمم تلك النتيجة على المدنيين كافة، وكأنه لم يكن في المدينة غير مالك، وكأنه لم يكن هناك اختلاف بين علماء المدينة في مسألة ما.
стр. 56
وفي قضية العراق المسألة أغرب، إذ يأخذ بعض الأمثلة من مدرسة الأحناف، ثم لا يعمم على الكوفة فقط، بل يعمم على العراق بأكملها، وهكذا يفعل مع الأوزاعي)) (١) .
وفي موضع آخر يستدل " شاخت " على نظريته في تحديد معيار لمعرفة تاريخ اختلاق الحديث بأنه الراوي المشترك - أي الراوي الذي عليه مدار الإسناد - بحديث واحد فقط، ويقرر هذا التعميم الخطير جداً بقوله: ((إن وجود رابط مهم مشترك في كل أو أكثر الأسانيد لحديث معين هو إشارة قوية تدعم كون الحديث وجد في وقت ذلك الناشر الأصلي (٢) ... يوجد مثال نموذجي لظاهرة الراوي المشترك ... )) (٣) . ثم ساق حديثاً واحداً فقط من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر ﵁ مرفوعاً: ((لحم الصيد حلال لكم في الإحرام، ما لم تصيدوه)) (٤) ؛ ليؤكد نظريته العامة عن الوضع في السنة النبوية!
ورد عليه الأعظمي مبيناً أخطاءه في الاستدلال بذلك الحديث، ثم قال: (يُلاحظ أن " شاخت " لإثبات نظريته جاء بمثال واحد فقط، مع ادعائه أن هذه ظاهرة عامة في الأحاديث ... ولا يبدو إطلاقاً أن " شاخت" بذل وقتاً كافياً في بحث أسانيد أكثر الأحاديث الفقهية، الأمر اللازم لتكوين نظرية ما
стр. 57
من هذا النوع، فضلاً عن دراسة لظاهرة كافة أسانيد الأحاديث الفقهية. وإلا فتكوين نظرية وإعطاؤها صبغة الوقوع الغالبي والاعتيادي بناءً على هذه الدراسة الضئيلة الهزيلة ليس ذا قيمة في مجال البحث العلمي)) (١) .
والذي يبدو أن " التعميم الفاسد " لا يقتصر على " شاخت " فقط، بل هو سمة عامة في كثير من الدراسات الاستشراقية المتعلقة بالإسلام، فالقوم لا يتبصرون في المضمون، ولا في التفاصيل، بل يقفزون إلى التعميمات التي لا تثبت للاختبار قفزاً، بناء على تخمين، أو شواهد قليلة ضعيفة الدلالة.
стр. 58
الخاتمة:
ظهر لنا مما سبق أنه لا يمكن لأحد أن يثق بنتائج باحث كالمستشرق "شاخت" تتصف بحوثه بتلك العيوب المنهجية الخطيرة التي حددنا أهمها كما سبق في الأمور الآتية:
١ - التحيز العنصري في المسلمات الأولية.
٢ - الانتقائية في اختيار المصادر.
٣ - الشك غير المنهجي.
٤ - إهمال الأدلة المعارضة.
٥ - التفسير المتعسف للنصوص.
٦ - التعميم الفاسد.
وغني عن القول أن كل هذه العيوب لها اتصال وثيق بانعدام الموضوعية والنزاهة العلمية المقترنة بالكذب والتدليس والتعصب العنصري ضد المسلمين، كما أنها توقع في التناقض الفاضح بوصفه نتيجة لسوء المنهج المتبع.
أمر آخر لا بد من الإشارة إليه أن نتائج كتابات " شاخت " حول السنة النبوية تهدف إلى تثبيط أبناء المسلمين في سعيهم لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلادهم، ذلك لأن الأنظمة القانونية - كما يزعم شاخت - خارج نطاق الدين الإسلامي حيث كان الرسول ﷺ غير مهتم بذلك، وأن مفهوم "السنة" كان عند الفقهاء القدماء يعني مجرد أعراف فقهاء البلد، وكل الأحاديث الفقهية المتصلة إلى رسول الله ﷺ موضوعة، والنتيجة كما يريدها "شاخت": ما الذي يمنع المسلمين اليوم من أن يستبدلوا بشريعتهم قوانين غربية إذا كانت الأمور كذلك؟!.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 59
مصادر ومراجع
...
فهرس المراجع:
- أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة، جمع يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة، تحقيق مشهور حسن سلمان، ط ١، دار ابن حزم، بيروت، ١٤١٢ ?.
- أسس الصحة النفسية، عبد العزيز القوصي، ط ٧، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٨٢م.
- أصول الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس، مازن المطبقاني، ط ١، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ١٤١٦ ?.
- أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، ط ٤، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٧٨م.
- أصول الفقه المحمدي لجوزيف شاخت في كتابات الغربيين، ترجمة الصديق بشير نصر، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد الحادي عشر، ليبيا، ١٩٩٤م.
- أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية، د. محمد مصطفى الأعظمي، ترجمة د. عبد الحكيم المطرودي، (لم ينشر بعد) .
- الأبطال، توماس كارليل، ترجمة محمد السباعي، ط بدون، دار الكاتب العربي، بيروت.
- الأخلاق النظرية، د. عبد الرحمن بدوي، ط ٢، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٧٦م.
стр. 60
- الإسلام على مفترق الطرق، محمد أسد، ترجمة: عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٧م.
- الإسلام وأوربا: تعايش أم مجابهة؟، انجمار كارلسون، ترجمة: سمير بوتاني، ط١، صوت اسكندنافيا، ستوكهولم، ١٩٩٨م.
- الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، د. محمود حمدي زقزوق، ط ٢، دار المنار، القاهرة، ١٤٠٩?.
- البحث الأدبي، د. شوقي ضيف، ط ٤، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٩م.
- البحث في التاريخ، د. عاصم الدسوقي، ط ١، دار الجيل، بيروت، ١٤١١ ?.
- التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري، علق عليه عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، مصور عن طبعة حيدرآباد، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ١٤٠٧?.
- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض، تحقيق د. أحمد بكيرمحمود، دار مكتبة الحياة، بيروت.
- التفكير العلمي، د. فؤاد زكريا، ط. بدون، مكتبة مصر، القاهرة، ١٤١٢ ?.
- التفكير المستقيم والتفكير الأعوج، روبرت ثاولس، ترجمة حسن سعيد الكرمي، ط ١، سلسلة كتب عالم المعرفة، الكويت، ١٣٩٩ ?.
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين يوسف المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف، ط ١، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٣?.
стр. 61
- توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت " السكوت عن الاستدلال بالحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده "، د. ظفر إسحاق الأنصاري، ترجمة جمال محمد جابر، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد الحادي عشر، ليبيا، ١٩٩٤م.
- جوزيف شاخت، برنارد لويس، ترجمة الصديق بشير نصر، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد الحادي عشر، ليبيا، ١٩٩٤م.
- دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، د. محمد مصطفى الأعظمي، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٢ ?.
- الرد على سير الأوزاعي، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، تحقيق أبي الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت.
-الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق أحمد شاكر، ط١، القاهرة.
- رؤية إسلامية للاستشراق، د. أحمد عبد الحميد غراب، ط ١، دار الأصالة للثقافة والنشر والإعلام، الرياض، ١٤٠٨ ?.
- السنن، سعيد بن منصور، حبيب الرحمن الأعظمي، ط ١، الدار السلفية، الهند، ١٤٠٢?.
- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د مصطفى السباعي، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٨?.
- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، محمد ناصر الدين الألباني، ط ١، دار المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٩?.
- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
стр. 62
- صورة العرب في عقول الأمريكيين، سليمان ميخائيل، ط١، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ١٩٨٧م.
- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، دار صادر، بيروت.
- عبد الرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام، د. سعيد اللاوندي، ط ١، مركز الحضارة العربية، القاهرة، ٢٠٠١م.
- العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن الحجاج المروزي وغيره، تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس، ط١، الدار السلفية، الهند، ١٤٠٨?.
- فلسفة العلوم، د. بدوي عبد الفتاح محمد، ط ١، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ٢٠٠١م.
- فلسفة العلوم الميثودولوجيا (علم المناهج) ، د. ماهر عبد القادر محمد علي، ط ١، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٩٧م.
- فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة، ريمون بودون، ترجمة نبيل سعد، ط ١، دار العالم الثالث، القاهرة، ٢٠٠٢م.
- في تاريخ التشريع الإسلامي، ن. ج. كولسون، ترجمة د. محمد أحمد سراج، ط ١، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤١٢?.
- كيف تكتب بحثاً أو رسالة، د. أحمد شلبي، ط ١٣، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٨١م.
- كيف تكتب بحثاً وكيف تفهم أسس البحث العلمي؟ د. محمد توهيل فايز عبد أسعيد، ط ١، مكتبة الفلاح، الكويت، ١٤١٨ ?.
стр. 63
- المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية، صالح بن حمد العساف، ط ١، الرياض، ١٤٠٩ ?.
- المدخل إلى الدراسات التاريخية، مطبوع ضمن كتاب النقد التاريخي، لانجلوا وسينوبوس، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط ٤، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٨١م.
- المدخل إلى مناهج البحث العلمي، د. محمد محمد قاسم، ط ١، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٩٩م.
- مزالق في طريق البحث اللغوي والأدبي وتوثيق النصوص، د. عبد المجيد عابدين، ط ١، دار النهضة العربية، بيروت، ٢٠٠١م.
- المستشرق شاخت والسنة النبوية، د. محمد مصطفى الأعظمي، مطبوع ضمن كتاب مناهج المستشرقين: الدراسات العربية الإسلامية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، ١٤٠٣ ?.
- المستشرقون، نجيب العقيقي، ط٤، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٠م.
- المستشرقون الناطقون بالإنجليزية دراسة نقدية، عبد اللطيف المناوي، ترجمة د. قاسم السامرائي، ط ١، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤١١?.
- مسائل فلسفية للصف الثالث الثانوي، د. توفيق الطويل وآخرون، وزارة التربية والتعليم، جمهورية مصر العربية، ١٣٨٠?.
- المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ط ٢، دار المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣ ?.
стр. 64
- المعجم الأدبي، جبور عبد النور، ط ٢، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٤ م.
- المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية في جمهورية مصر العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٤٠٣?.
- مناهج البحث العلمي، د. عبد الرحمن بدوي، ط ٣، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٧٧م.
- مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ديوبولد ب فان دالين، ترجمة د. محمد نبيل نوفل وزملائه، ط ٧، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٩٧م
- مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية والعربية، مجموعة من الباحثين، ط١، مكتب التربية لدول الخليج العربي، الرياض، ١٤٠٣ ?.
- المنطق وفلسفة العلوم، بول موي، ترجمة د. فؤاد حسن زكريا، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، ١٤٠١?.
- المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، رينيه ديكارت، ترجمة فواز الملاح ومحمود الصالح، ط ١، دمشق، ١٩٨٨م.
- منهج البحث التاريخي، د. حسن عثمان، ط ٤، دار المعارف، القاهرة.
- منهج البحث في الأدب واللغة، لانسون وماييه، ترجمة د. محمد مندور، ط ٢، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٢م.
- منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخ، د. محمد مصطفى الأعظمي، ط ٢، بدون ناشر، ١٤٠٢ ?
стр. 65
- موقف الاستشراق من السيرة والسنة النبوية، د. أكرم ضياء العمري، ط ١، مركز الدراسات والإعلام دار إشبيليا، الرياض، ١٤١٧ ?.
- نسيج الإنسان الفاسد، إيزايا برلين، ترجمة: سمية فلو عبود، ط١، دار الساقي، لندن، ١٩٩٣م.
- يوسف شاخت حياته وآثاره، روبير برونشفيج، ترجمة عبد الحكيم الأربد، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد الحادي عشر، ليبيا، ١٩٩٤م.