← Акыда

Акыда · id 8529

القول السديد شرح كتاب التوحيد ط النفائس

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (189 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب قول ما شاء الله وشئت عن قُتَيْلَة: "أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" رواه النسائي وصححه١. وله أيضا عن ابن عباس: "أن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ٢ ولابن ماجه، عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت. ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته. قال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا

стр. 142

وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "١. فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر. الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. الثالثة: قوله ﷺ : "أجعلتني لله ندا؟ ". فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك والبيتين بعده؟ الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: "يمنعني كذا وكذا". الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام. [التعليق:] باب: قول: ما شاء الله وشئت هذه الترجمة داخلة في الترجمة السابقة ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٢

стр. 143

باب من سب الدهر فقد آذى الله وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ١. وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار٢". وفي رواية: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر "٣. فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسميته أذى لله. الثالثة: التأمل في قوله:"فإن الله هو الدهر". الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه. [التعليق:] باب: من سب الدهر فقد سب الله وهذا واقع كثير في الجاهلية، وتبعهم على هذا كثير من الفساق والمجان والحمقى، إذا جرت تصاريف الدهر على خلاف مرادهم جعلوا يسبون الدهر

стр. 144

والوقت، وربما لعنوه. وهذا ناشئ من ضعف الدين ومن الحمق والجهل العظيم، فإن الدهر ليس عنده من الأمر شيء، فإنه مدبر مصرف، والتصاريف الواقعة فيه تدبير العزيز الحكيم، ففي الحقيقة يقع العيب والسب على مدبره. وكما أنه نقص في الدين فهو نقص في العقل، فيه تزداد المصائب ويعظم وقعها، ويغلق باب الصبر الواجب، وهذا مناف للتوحيد. أما المؤمن فإنه يعلم أن التصاريف واقعة بقضاء الله وقدره وحكمته، فلا يتعرض لعيب ما لم يعبه الله ولا رسوله، بل يرضى بتدبير الله ويسلم لأمره، وبذلك يتم توحيده وطمأنينته.

стр. 145

باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوها ... باب التسمي بقاضي القضاه ونحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن أَخْنَعَ اسْمٍ عند الله، رَجُلٌ تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله"١. قال سفيان: مثل شَاهَانْ شَاهْ. وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" ٢ قوله: "أخنع" يعني: أوضع. فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله سبحانه.

стр. 146

باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح" رواه أبو داود وغيره١. فيه مسائل: الأولى: احترام صفات الله وأسماء الله ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. [التعليق:] باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه وباب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لذلك وهاتان الترجمتان من فروع الباب السابق، وهو أنه يجب أن لا يجعل لله ند في النيات والأقوال والأفعال، فلا يسمى أحد باسم فيه نوع مشاركة لله في أسمائه وصفاته، كقاضي القضاة وملك الملوك ونحوها، وحاكم الحكام، أو بأبي الحكم

стр. 147

ونحوه، وكل هذا حفظ للتوحيد ولأسماء الله وصفاته، ودفع لوسائل الشرك حتى في الألفاظ التي يخشى أن يتدرج منها إلى أن يظن مشاركة أحد لله في شيء من خصائصه وحقوقه.

стр. 148

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. وعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض- "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته. فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه" ٢. فيه مسائل: الأولى: - وهي العظيمة- أن من هزل بهذا، أنه كافر. الثانية: أن هذا تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.

стр. 149

الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله، والغلظة على أعداء الله. الخامسة: أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل. [التعليق:] باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول أي فإن هذا مناف للإيمان بالكلية، ومخرج من الدين ; لأن أصل الدين الإيمان بالله وكتبه ورسله. ومن الإيمان تعظيم ذلك، ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه أشد من الكفر المجرد ; لأن هذا كفر وزيادة احتقار وازدراء. فإن الكفار نوعان: معرضون ومعارضون. فالمعارض المحارب لله ورسوله، القادح بالله وبدينه ورسوله أغلظ كفرا وأعظم فسادا. والهازل بشيء منها من هذا النوع.

стр. 150

باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ١ قال مجاهد: "هذا بعملي، وأنا محقوق به". وقال ابن عباس: "يريد من عندي". وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢ قال قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب". وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. وعن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر- شك إسحاق- فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها. قال: وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي

стр. 151

المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال- بعيرا أتبلغ به في سفري -، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله (المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: ثم إنه أتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك" أخرجاه.١ فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ?﴾ ٢.

стр. 152

الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ١. الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة. [التعليق:] باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ ٢. مقصود هذه الترجمة أن كل من زعم أن ما أوتيه من النعم والرزق فهو بكده وحذقه وفطنته، أو أنه مستحق لذلك لما يظن له على الله من الحق، فإن هذا مناف للتوحيد؛ لأن المؤمن حقا من يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة ويثني على الله بها، ويضيفها إلى فضله وإحسانه، ويستعين بها على طاعته، ولا يرى له حقا على الله، وإنما الحق كله لله، وأنه عبد محض من جميع الوجوه، فبهذا يتحقق الإيمان والتوحيد، وبضده يتحقق كفران النعم، والعجب بالنفس والإدلال الذي هو من أعظم العيوب.

стр. 153

باب قول الله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ قال ابن حزم: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب"٢. وعن ابن عباس في الآية: قال: "لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا" رواه ابن أبي حاتم٣. وله بسند صحيح عن قتادة قال: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته". وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحا﴾ ٤.

стр. 154

قال: "أشفقا أن لا يكون إنسانا". وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة. [التعليق:] باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١. مقصود الترجمة أن من أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم أن يشكروا الله على إنعامه، وأن لا يعبدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد.

стр. 155

باب قول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ١ الآية. ذكر ابن أبي حاتم٢ عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ٣ يشركون. وعنه: "سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز". وعن الأعمش: "يدخلون فيها ما ليس منها". فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد. [التعليق:] باب: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤ إلى آخر الآية أصل التوحيد إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من الأسماء الحسنى، ومعرفة ما احتوت عليه من المعاني الجليلة، والمعارف الجميلة، والتعبد لله بها ودعاؤه بها.

стр. 156

فكل مطلب يطلبه العبد من ربه من أمور دينه ودنياه. فليتوسل إليه باسم مناسب له من أسماء الله الحسنى، فمن دعاه لحصول رزق فليسأله باسمه الرزاق، ولحصول رحمة ومغفرة فباسمه الرحيم الرحمن البر الكريم العفو الغفور التواب ونحو ذلك. وأفضل من ذلك أن يدعوه بأسمائه وصفاته دعاء العبادة، وذلك باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها، وتمتلئ بأجل المعارف. فمثلا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيما لله وإجلالا له. وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقا له وحمدا له وشكرا. وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعا لله وخشوعا وانكسارا بين يديه. وأسماء العلم والخبرة والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات، وحراسة للخواطر عن الأفكار الردية والإرادات الفاسدة. وأسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقارا واضطرارا إليه، والتفاتا إليه كل وقت، في كل حال. فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته، وتعبده بها لله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها، وهي أفضل العطايا من الله لعبده، وهي روح التوحيد وروحه. ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخالص، والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا لِلْكُمَّل من الموحدين.

стр. 157

وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى. وأما الإلحاد في أسماء الله وصفاته فإنه ينافي هذا المقصد العظيم أعظم منافاة. والإلحاد أنواع: إما أن ينفي الملحد معانيها كما تفعله الجهمية ومن تبعهم. وإما بتشبيهها بصفات المخلوقين كما يفعله المشبهة من الرافضة وغيرهم. وإما بتسمية المخلوقين بها كما يفعله المشركون حيث سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فاشتقوا لها من أسماء الله الحسنى، فشبهوها بالله ثم جعلوا لها من حقوق العبادة ما هو من حقوق الله الخاصة. فحقيقة الإلحاد في أسماء الله: هو الميل بها عن مقصودها لفظا أو معنى، تصريحا أو تأويلا أو تحريفا، وكل ذلك مناف للتوحيد والإيمان.

стр. 158

باب لا يقال السلام على الله في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام" ١. فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي لا تصلح لله. [التعليق:] باب: لا يقال السلام علي الله وقد بين ﷺ هذا المعنى بقوله: "فإن الله هو السلام" فهو تعالى السلام السالم من كل عيب ونقص، وعن مماثلة أحد من خلقه له، وهو المسلم لعباده من الآفات والبليات، فالعباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، بل هم الفقراء إليه، المحتاجون إليه في جميع أحوالهم، وهو الغني الحميد.

стр. 159

باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" ١. ولمسلم: "وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه"٢. فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله:"ليعزم المسألة". الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر. [التعليق:] باب: قول: اللهم اغفر لي إن شئت الأمور كلها وإن كانت بمشيئة الله وإرادته، فالمطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كسؤال العافية والرزق وتوابع ذلك، قد أمر العبد أن يسألها من ربه طلبا ملحا جازما، وهذا الطلب عين العبودية ومحلها.

стр. 160

ولا يتم ذلك إلا بالطلب الجازم الذي ليس فيه تعليق بالمشيئة؛ لأنه مأمور به، وهو خير محض لا ضرر فيه، والله تعالى لا يتعاظمه شيء. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين سؤال بعض المطالب المعينة التي لا يتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أن حصولها خير للعبد. فالعبد يسأل ربه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كالدعاء المأثور: "اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي"١ وكدعاء الاستخارة. فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأن الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبد عن عواقبها، ولا رجحان نفعها على ضررها، فالداعي يعلقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة ورحمة ولطفا.

стр. 161

باب: لا يقول: عبدي وأمتي في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي "١. فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي. الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. [التعليق:] باب: لا يقل عبدي وأمتي وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي، تحفظا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد، وليس حراما، وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورا بوجه. فإن الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص، خصوصا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام.

стр. 162

باب: لا يرد من سأل الله ... باب لا يرد من سأل بالله عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح١. فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: "حتى تروا أنكم قد كافأتموه".

стр. 163

باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" رواه أبو داود١. فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه. [التعليق:] باب: لا يرد من سأل بالله وباب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة الباب الأول خطاب للمسئول: وأنه إذا أدلى على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بأعظم الوسائل، وهو السؤال بالله، أن يجيبه احتراما وتعظيما لحق الله، وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم. والباب الثاني خطاب للسائل: وأن عليه أن يحترم أسماء الله وصفاته، وأن لا يسأل شيئا من المطالب الدنيوية بوجه الله، بل لا يسأل بوجهه إلا أهم المطالب وأعظم المقاصد وهي الجنة بما فيها من النعيم المقيم، ورضا الرب والنظر

стр. 164

إلى وجهه الكريم والتلذذ بخطابه، فهذا المطلب الأسنى هو الذي يسأل بوجه الله. وأما المطالب الدنيوية والأمور الدنيئة وإن كان العبد لا يسألها إلا من ربه، فإنه لا يسألها بوجهه.

стр. 165

باب: ما جاء في "لو " ... باب ما جاء في اللَّوْ وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢. في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان٣". فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: "لو" إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز. [التعليق:] باب: ما جاء في اللَّوْ اعلم أن استعمال العبد للفظة: "لو" تقع على قسمين: مذموم ومحمود

стр. 166

أما المذموم فأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فهذا من عمل الشيطان؛ لأن فيه محذورين: أحدهما: أنها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه، وليس فيها نفع. الثاني: أن في ذلك سوء أدب على الله وعلى قدره، فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، فكان في قوله: لو كان كذا أو لو فعلت كذا كان كذا، نوع اعتراض ونوع ضعف إيمان بقضاء الله وقدره. ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما. وأما المحمود من ذلك فأن يقولها العبد تمنيا للخير. كقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأهللت بالعمرة"١. وقوله في الرجل المتمني للخير: "لو أن لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل عمل فلان"٢. و"لو صبر أخي موسى لقص الله علينا من نبأهما"٣ أي في قصته مع الخضر.

стр. 167

وكما أن (لو) إذا قالها متمنيا للخير فهو محمود. فإذا قالها متمنيا للشر فهو مذموم. فاستعمال (لو) تكون بحسب الحال الحامل عليها. إن حمل عليها الضجر والحزن وضعف الإيمان بالقضاء والقدر أو تمنى الشر كان مذموما. وإن حمل عليها الرغبة في الخير والإرشاد والتعليم كان محمودا، ولهذا جعل المصنف الترجمة محتملة للأمرين.

стр. 168

باب النهي عن سب الريح عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" صححه الترمذي١. فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر. [التعليق:] باب: النهي عن سب الريح وهذا نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح، ومع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفة مدبرة بتدبير الله وتسخيره، فالساب لها يقع سبه على من صرفها، ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر هذا المعنى في قلبه غالبا لكان الأمر أفظع من ذلك، ولكن لا يكاد يخطر بقلب مسلم.

стр. 169

باب قول الله تعالى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١. وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ٢. قال ابن القيم في الآية الأولى: "فسر هذا بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء، الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.

стр. 170

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟ وإلا فإني لا إخالك ناجيا". فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه. [التعليق:] باب: قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾ ١ وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر إليه به من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان. وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد ; لأنها سوء ظن بالله ونفي لكماله وتكذيب لخبره وشك في وعده. والله أعلم.

стр. 171

باب ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" رواه مسلم١. وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني"٢. وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة"٣. وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار"٤.

стр. 172

وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء، لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: "لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار". قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه١. فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار بأن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.

стр. 173

[التعليق:] باب: ما جاء في منكري القدر قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن لم يؤمن بهذا فإنه ما آمن بالله حقيقة. فعلينا أن نؤمن بجميع مراتب القدر: فنؤمن أن الله بكل شيء عليم، وأنه كتب في اللوح المحفوظ جميع ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأن الأمور كلها بخلقه وقدرته وتدبيره. ومن تمام الإيمان بالقدر: العلم بأن الله لم يجبر العباد على خلاف ما يريدون، بل جعلهم مختارين لطاعتهم ومعاصيهم.

стр. 174

باب ما جاء في المصورين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" أخرجاه١. ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" ٢. ولهما عن ابن عباس، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم" ٣. ولهما عنه مرفوعا: "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ"٤.

стр. 175

ولمسلم عن أبي الهياج: قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ "أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"١. فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. الثانية: التنبيه على العلة وهو ترك الأدب مع الله لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي". الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم لقوله: (فليخلقوا ذرة) أو (شعيرة) . الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. [التعليق:] باب: ما جاء في المصورين وهذا من فروع الباب السابق أنه لا يحل أن يجعل لله ندا في النيات والأقوال والأفعال، والند المشابه ولو بوجه بعيد. فاتخاذ الصور الحيوانية تشبه بخلق الله، وكذب على الخلقة الإلهية، وتمويه وتزوير، فلذلك زجر الشارع عنه.

стр. 176

باب ما جاء في كثرة الحلف وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" أخرجاه٢. وعن سلمان، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" رواه الطبراني بسند صحيح٣. وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثة؟ - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" ٤.

стр. 177

وفيه عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" ١. وقال إبراهيم: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار". فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد. [التعليق:] باب: ما جاء في كثرة الحلف أصل اليمين إنما شرعت تأكيدا للأمر المحلوف عليه، وتعظيما للخالق، ولهذا وحب أن لا يحلف إلا لله، وكان الحلف بغيره من الشرك. ومن تمام هذا التعظيم أن لا يحلف بالله إلا صادقا. ومن تمام هذا التعظيم أن يحترم اسمه العظيم عن كثرة الحلف بالكذب، وكثرة الحلف تنافي التعظيم الذي هو روح التوحيد.

стр. 178

بلب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ... باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١. عن بريدة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية أوصاه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال- أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ " رواه مسلم٢.

стр. 179

فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. الثالثة: قوله: "اغزوا بسم الله في سبيل الله". الرابعة: قوله:"قاتلوا من كفر بالله". الخامسة: قوله:"استعن بالله وقاتلهم". السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟. [التعليق:] باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه المقصود من هذه الترجمة البعد والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها، بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله. فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركا لتعظيم الله، وارتكابا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه ﷺ . وفي ذلك أيضا تهوين للدين والإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى تفضيله واتباعه.

стр. 180

باب ما جاء في الإقسام على الله عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله (من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك" رواه مسلم١. وفي حديث أبي هريرة٢: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته". فيه مسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة"إلى آخره. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
следующие страницы →