← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إن تعذر غسله كحريق ومن أصيب بمرض في جلده لا يمكن تغسيله فإنه ييمم؛ لأن التيمم يقوم مقام الأغسال الشرعية ومن ذلك غسل الميت، فكما أنه يقوم مقام غسل الجنابة، فكذلك يقوم مقام غسل الميت لأن كليهما تطهير فكلاهما يفعل من باب التعبد والتطهير. - وعن الإمام أحمد: أنه لا ييمم، لأن المقصود من غُسل الميت تنظيفه والتيمم لا يستفاد منه تنظيفاً. والقول الأول هو الراجح؛ لأن غسل الميت لا يقصد منه التنظيف فحسب بل يقصد منه التعبد لله بتطهير الميت هذا التطهير الشرعي، بدليل أن النبي ﷺ قد غسل ولم يكن محتاجاً إلى التنظيف. وقد تقدم أثران أنه لا بأس بتحسينهما بمجموعهما في مسألة متشابهة لهذه المسألة - وهي إذا مات رجل بين نسوة أو عكسه فإنهما ييممان – وهي أصل في مشروعية التيمم في غسل الأموات. قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً) الغاسل وهو الأمين العدل يجب عليه إذا رأى من الميت ما يكون فيه شيء من العيب أو الفضيحة أن يستر ذلك، وقد قال ﷺ : (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة) (١) رواه أحمد بإسناد صحيح. وروى الحاكم بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ قال: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر له [الله] أربعين مرة - وعند الطبراني: أربعين كبيرة - ومن حفر له [فأجنّه] أجري عليه كأجر (٢) مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله من سندس وإستبرق الجنة) (٣) والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا فالحديث إسناده صحيح. إذن: الواجب عليه أن يستر ما رآه، هذا إن كان الميت من أهل السنة.

стр. 1297

وأما إن كان من أهل البدعة ورأى أن في بيان أمره ما يجعل الناس يبتعدون عما هو عليه من البدعة والضلالة فإنه يسن ذلك لمصلحة المسلمين (١) . كما أنه إذا رأى ممن هو معروف بالبدعة - إذا رأى منه - ما هو من بشارات الخير، فلا يخبر بذلك؛ لئلا يغتر المسلمون من الإغرار به. وأما من كان من أهل السنة فإنه إن رئي منه خير أُظهر ليكون ذلك سبباً للاقتداء به، وإن رأى منه شراً فإنه يخفي ستراً عليه. والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والأربعون بعد المئة (يوم الثلاثاء: ١٨ / ٧ / ١٤١٥ هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب تكفينه في ماله مقدَّماً على دينٍ وغيره) التكفين واجب، وهو من فروض الكفاية، كما تقدم في قوله ﷺ : (وكفنوه في ثوبيه) (٢) وهذا أمر والأمر للوجوب. وهنا قال: (مقدماً على دين وغيره) وإرث ووصية وغير ذلك. فأول ما يقدم من تركة الميت ما يكون في تجهيزه وتكفينه وأجرة غاسله ونحو ذلك، ومن ذلك الكفن، فإنه يقدم على الدين والإرث والوصية ونحو ذلك. ولو كان الدين برهن فكذلك يقدم عليه الكفن، فلو كان له دين وقد رهنه واحتيج إلى هذا المال المرهون في تغسيله وتكفينه فإنه يقدم؛ لأن تكفينه يقوم مقام كسوته في الحياة، ومعلوم أن الكسوة في الحياة مقدمة على حق الدائن وغيره، فإن من كان عليه دين وكان له شيء يحتاج إليه في كسوة وغيرها فإنه يقدم على حق الدائن. والنبي ﷺ لما أمر بتكفين المحرم في ثوبيه وأمر بتكفين الشهداء في ثيابهم لم يستفصل ولم يستثن إن كان عليهم دين، ولا شك أن الدين في مثل هذا العدد الكثير لا يخلو.

стр. 1298

فعلى ذلك أول ما يقدم من التركة ما يكون في شأن ما يحتاج إليه الميت من تغسيل وتكفين ونحو ذلك. لكن الطيب والحنوط ليس بواجب بل هو مستحب فعلى ذلك يقدم عليه غيره إلا إن رضي بذلك صاحب الحق. قال: (فإن لم يكن مال فعلى من تلزمه نفقته) فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته في الحياة. فالوالد مثلاً ينفق على ولده فيجب أن يتكفل الوالد بتكفين ولده وما يحتاج من تجهيزه. قال: (إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن امرأته) هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الأحناف. قالوا: لأنه لما ماتت زوجته قد امتنع الانتفاع بها فلم يجب الإنفاق عليها كالبائن والناشز. وقال الشافعية في الأشهر عندهم وهو قول في مذهب الإمام مالك وقول في مذهب الإمام أحمد وحكي رواية عن الإمام أحمد: أن تجهيز المرأة واجب على زوجها – وهذا القول أرجح –؛ وذلك لأن إنفاق الزوج على زوجته واجب ما دامت زوجة له، وقد قال ﷺ لعائشة: (لو مت لغسلتك ثم كفنتك) (١) الحديث، فدل هذا على بقاء معنى الزوجية. ولأن من وجبت عليه النفقة في الحياة فيجب عليه الكفن والتجهيز بعد الممات، كما يجب على السيد تجاه رقيقه وهذا بالاتفاق، ولأن النشوز فعل من الزوجة اقتضى أن تؤدب بمنعها من النفقة، وأما البينونة فهو انفصال تام بحيث أن المرأة قد انتقلت إلى نفقة غيره إما بزواج أو بأن ترجع إلى من ينفق عليها سابقاً، أما هنا فإن معنى الزوجية باق بدليل جواز تغسيلها باتفاق العلماء وبالأحاديث السابقة. فعلى ذلك الأرجح – وهو الأشهر في مذهب الشافعية -: أن الزوج يلزمه الإنفاق على زوجته في تكفينها وتجهيزها. ثم بعد ذلك – أي بعد من تلزمه النفقة في الحياة - يكون ذلك إلى بيت المال؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين وهذا من المسلمين وهو محتاج إلى ذلك.

стр. 1299

فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يقم بيت المال بهذا، فيجب على من علم حاله من المسلمين أن يقوم بتجهيزه ويتعين ذلك. قال ابن تيميه: " ومن علم حاله وعلم أنه ليس هناك من يقوم به فإن ذلك يتعين عليه ". ومثل ذلك لو بلغ طائفة من الناس موته وعلم أنه ليس هناك من ينفق عليه فيجب عليهم بمجموعهم أن يقوموا بالنفقة عليه في تجهيزه وتكفينه فإن قام بعضهم فإنه يسقط الإثم عن باقيهم. قال: (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحولية "، ضبطت " سُحولية " وهي نسبة إلى بلدة في اليمن تصنع فيها هذه اللفائف " من كرسف - من قطن - ليس فيها قميص ولا عمامة) (١) ، وفي مسند أحمد: (جدد يمانية) (٢) . فهذا هو المستحب أن تكون بيضاً جدداً وأن تكون من قطن. ومما يدل على استحباب كونها بيضاً ما ثبت في سنن الأربعة إلا النسائي وهو ثابت في مسند أحمد وصححه الترمذي وهو كما قال أن النبي ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) (٣) وفي النسائي من حديث سمرة: (فإنها أطيب وأطهر) (٤) . قال: (تُجمّر)

стр. 1300

أي تبخر، فتبخر هذه اللفائف بالبخور، ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً) (١) ، وثبت في الموطأ بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (أجمروا ثيابي إذا مت ثم حنطوني ولا تذروا على كفني حِناطاً " أي طيباً " ولا تتبعوني بنار) (٢) والشاهد قولها: " أجمروا ثيابي إذا مت) . ويستحسن أن يرش عليها ماء ورد أو نحوه من المياه التي تسبب علوق البخور بالثوب. قال: (ثم تبسط بعضها فوق بعض) أي توضع ثلاث طبقات على الأرض. قال: (ويجعل الحنوط فيما بينها) الحنوط: أخلاط من طيب ولا يسمى حنوطاً إلا إذا أعد للميت، والذي يدل على استحباب الحنوط قوله ﷺ – في الصحيحين – فيمن وقصته ناقته فمات: (ولا تحنطوه) (٣) فدل على أن المتقرر عندهم هو تحنيط الميت أي تطييبه. وقال ﷺ : (ولا تمسوه بطيب) ولقول أسماء: (ثم حنطوني) (٤) فالحنوط مستحب. (فيما بينها) أي توضع الحنوط فيما بين هذه اللفائف. قال: (ثم يوضع عليها مستلقياً) أي يوضع عليها الميت مستلقياً على ظهره. قال: (ويجعل منه في قطن بين أليتيه ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع أليته ومثانته) أي يجعل من الحنوط في قطن بين أليته ليسد الخارج وليطيب هذا المحل الذي خرج منه الخارج الخبث. (ويشد فوقها خرقة) : أي يشد فوق الأليتين خرقة مشقوقة الطرف أي في كل طرف من الخرقة شقان حتى تكون كالتبان وهو السروال القصير، ويربط كل طرف بالآخر من الخلف مستوي من الإمام، وطرف الخلف فيربط على الفخذ الأيمن وهكذا على الفخذ الأيسر. " المثانة " هي مخرج البول.

стр. 1301

قال: (ويجعل الباقي على منافذ وجهه) أي يجعل الباقي من هذا القطن الذي جعل فيه الحنوط. فيجعل على منافذ وجهه يعنى في منخريه وفي عينيه وفمه لتمنع دخول الهوام فيها ولتسترها من الأذى. قال: (ومواضع سجوده) يعني الركبتين وأطراف القدمين والجبهة واليدين، نطيب هذه (١) المواضع تشريفاً لها، وكذلك المغابن وهي مواضع ثني اليدين كطي الركبتين والإبطين. قال: (وإن طيب كله فحسن) . وهذه اجتهادات لا بأس فهي من تطييب الميت ووضع الطيب في المواضع التي يستحسن أن يوضع فيها الطيب، فالمقصود إنما هو تطييبه. فإن طيبه بما ذكر المؤلف فحسن، وإن طيبه بطريقة أخرى نافعة فكذلك، وإن طيبه كله فهذا أيضاً حسن إن شاء الله. قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر من فوقه ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك) فإذا وضع بين اللفائف مستلقياً على ظهره، يرد طرف اللفافة اليمنى على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوقه. ثم الثانية والثالثة كذلك. ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد من حديث عائشة المتقدم وفيه: (ثم أدرج فيها أدراجاً) وهذا هو الإدراج، والإدراج هو الطي. فالصفة: أن يوضع الميت وسط اللفائف ثم يرد الشق الأيمن من العليا ثم الشق الأيسر ويكون فوقه الشق الأيمن ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك. قال: (ويجعل أكثر الفاضل على (٢) رأسه) .

стр. 1302

ما يفضل من اللفائف علواً وسفلاً يكون أكثره من جهة الرأس تشريفاً له. وقد قال خباب بن الأرت كما في الصحيحين: (قتل مصعب بن عمير فلم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمر النبي ﷺ أن تغطى رأسه وأن يجعل على رجليه من الإذخر) (١) فهذا يدل على تقديم الرأس على الرجلين. قال: (ثم يعقدها وتحل في القبر) فإذا انتهى من التكفين وجعل الفاضل من جهة الرأس فإنه يعقدها يعني بحبل، فيعقد من الأعلى بحبل ومن الأسفل بحبل أيضاً؛ وذلك لئلا تنشر هذه اللفائف أثناء حمل الميت فالمقصود من هذه اللفائف إنما هو لئلا تنشر أثناء حملة، لذا قال: (وتحل في القبر) فتنتهي الفائدة من عقدها إذا وضع في قبره فحينئذ تفك هذه الحبال. قال: (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز) إذا لم يكفن على الطريقة السابقة بل كفن في قميص، وهو الثوب المعروف عندنا، فإذا لبس قميصاً، ولبس إزاراً ثم غطى بخرقة أديرت على بدنه فلا بأس بذلك. وقد ثبت في موطأ مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (الميت يقمَّص ويؤزر ويلف في الثوب الثاني (٢) فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه) . وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (لما توفى عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه النبي ﷺ فقال: [يا رسول الله] أعطني قميصك أكفنه فيه [وصل عليه واستغفر له] ، فأعطاه قميصه) (٣) فلا بأس بذلك لكن الأفضل ما فعل بالنبي ﷺ . قال: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار وخمار وقميص ولفافتين)

стр. 1303

المرأة المستحب أن تكفن في خمسة أثواب. إزار – وتقوم مقامه السروال –. وخمار يغطى به الوجه والرأس. وقميص وهو الثوب المعروف. ولفافتين. وذلك لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى الثقفية: (أنها كانت فيمن غسَّل ابنة النبي ﷺ قالت: فكان أول ما أعطاه النبي ﷺ – يعني لتكفينها – الحِقاء وهو الإزار - ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم بعد ثوب) (١) أي كان النبي ﷺ يعطيهن لابنته وهي تغسل – الكفن فكان أول ما أعطاهن الحقاء وهو الإزار، ثم الدرع وهو القميص ثم الخمار ثم الملحفة وهي مثل العباءة ثم ثوب آخر، والملحفة في الحقيقة تقوم مقام اللفافة فحينئذ قال المؤلف " لفافتين "، لكن الحديث فيه: نوح بن حكيم الثقفي وهو مجهول.

стр. 1304

لكن ذكر الحافظ في الفتح أن الجوزقي – هو إمام نيسابوري – له مستخرج على صحيح مسلم وكان إماماً حافظاً متقناً توفي سنة ٣٨٨ هـ: أنه روى بسنده عن أم عطية أنها قالت في تكفين بنت النبي ﷺ – ولعلها أم كلثوم أو غيرها على اختلاف بين العلماء – قالت: (فكفناها بخمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي) قال الحافظ: " وهذه زيادة صحيحة الإسناد " (١) . فهذا يشهد لما ورد في أبي داود من رواية نوح بن حكيم وهو مجهول، لكن هذا السند يشهد لروايته وهو كما قال الحافظ " سند صحيح ". ويشهد لها المعنى، فإن الأولى في المرأة أن تكون في تكفينها أكثر من الرجل لأنها أولى بالستر منه، بدليل أنها تحتاج إلى الستر في الحياة والتغطية أكثر من الرجل، فكذلك في الممات، ولهذا ذهب جماهير العلماء إلى هذا فاستحبوا أن تكفن المرأة في خمسة أثواب. ويخفف في الجارية والصبي. فالصبي – كما ذكر فقهاء الحنابلة وغيرهم -: يكفي أن يكفن في ثوب واحد، وأما الجارية فإنه يكفي أن تلبس قميصاً وتوضع عليها لفافتين، وذلك للتخفيف في عورتهما، فهنا محل للتخفيف فلم يتشدد فيهما كما يتشدد في الرجل والمرأة. قال: (والواجب ثوب يستر جميعه) فالواجب: أن يغطى بثوب يستر جميعه؛ لأن هذه هي حقيقة التكفين. فكونه مُجْزءاً؛ لأن حقيقة التكفين التي أمر بها الشارع تثبت به. وأما ما ورد من الفعل المتقدم فهو مجرد فعل والفعل لا يدل على الوجوب فهو يدل على الاستحباب. فإذن: القدر المجزئ من التكفين أن تدار عليه لفافة تغطي بدنه. أما المستحب فهو ما تقدم في حق المرأة والرجل والصبي والجارية. فإن كان هناك ثوب لا يستر بدنه كله، فإنه يقدم ستر العورة ثم يدفن على تلك الحال ويغطى سائر بدنه بشيء من الأعشاب الطيبة كالإذخر ونحوه.

стр. 1305

وإن كان يستر فيه عورته ومنه فضل فإنه يكون من نصيب الرأس وتكون القدمان مكشوفتين ويوضع عليهما شيء من الإذخر ونحوه لما تقدم في حديث خباب ﵁ (١) . والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والأربعون بعد المئة (يوم الجمعة: ٢١ / ٧ / ١٤١٥هـ) فصل في حكم الصلاة على الميت وصفتها، وما في ذلك من المسائل. الصلاة على الميت فرض كفاية – كما تقدم في درس سابق –. والمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء: أنه إذا صلى عليه مكلف واحد ذكراً كان أو أنثى فإن هذا الواجب الكفائي يسقط بذلك، لأن الواجب الكفائي متى قام به من يفعله فإنه يسقط الإثم عن الباقين. وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا ثلاثة، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي. وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا جماعة، واثنان فما فوق جماعة. وما ذكره الحنابلة – من أنه إن صلى عليه مكلف فإنه يكفي – قوي، لكن هذا القول يتردد في قبوله لقوله ﷺ : (صلوا على صاحبكم) (٢) كما ثبت ذلك في الصحيحين في قصة المدين، ومثل هذا الأمر موجه إلى جماعة فكان الواجب أن يصلى عليه جماعة ولم يقل: ليصل عليه أحد منكم فدل ذلك على أنه واجب على جماعة منهم، فإذا صلى عليه من يثبت أنه جماعة فإنه يسقط الإثم عن الباقين – والله أعلم –.

стр. 1306

ويستحب أن يقسم المصلون عليه ثلاث صفوف إن كان المصلون عليه فيهم قلة. لما روى الترمذي في سننه أن النبي ﷺ قال: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب) (١) لكن الحديث فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن. لكن للتقسيم إلى ثلاثة صفوف شاهد عند الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يشهد لما قبله ولفظه أن النبي ﷺ : (صلى ومعه سبعة فجعل ثلاثة صفاً واثنين صفاً واثنين صفاً) (٢) من حديث أبي أمامة. أما إن كانوا كثرة فإنه لا يقسمهم، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (نعى النجاشي فخرج بهم إلى المصلى) (٣) الحديث وفيه قال جابر: (فصففنا صفين) (٤) .

стр. 1307

وقد قال ﷺ – في مسلم من حديث ابن عباس: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) (١) ، وهو ثابت في مسلم من حديث عائشة إلا أنها قالت: (مائة) (٢) . والعدد لا مفهوم له، فمن صلى عليه طائفة من المسلمين يبلغون أربعين أو أكثر من ذلك أو مئة فصلوا عليه ودعوا الله له إلا شفعهم الله فيه. ويأمرهم بتسوية الصفوف لأنها صلاة كغيرها من الصلوات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسْطها) هذه السنة: أن يقوم عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة. أما كونه يقوم عند وسط المرأة فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسْطها) (٣) . وأما كونه يقوم عند صدر الرجل فذكروا أثراً عن ابن عباس يبين ذلك – من غير أن يعزوه، ومن غير ذكر سند يمكن أن ينظر فيه.

стр. 1308

ومع ذلك فلو ثبت فإنه مخالف بما ثبت وصح عن النبي ﷺ فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي عن أنس: (أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند وسطها فقيل له: أهكذا يقوم النبي ﷺ عند الرجل كما قمت ويقوم عند المرأة كما قمت؟ فقال: نعم) (١) . وهذا القول: رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة – وهو القول الراجح –، فالمستحب أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسط المرأة. والمستحب له أن يقوم عند وسطها مطلقاً سواء كان بدنها مغطى بنعش أو لم يكن ذلك. ودليل ذلك: ما ورد في رواية لأبي داود الطيالسي في حديث أنس المتقدم – أنه صلى على امرأة فقام عند وسطها – في رواية لأبي داود الطيالسي: (وعليها نعش أخضر) (٢) . أما ما في أبي داود: من أن ذلك – أي صلاة عند وسطها " قبل أن تكون النعوش " فإن هذا قول من بعض الرواة، وأنس قد خالفه في فعله ونسب ذلك إلى النبي ﷺ . فالمستحب مطلقاً أن يقوم عند وسطها وإن كانت مغطاة بنعش لا يبدي شيئاً منها، فليس المقصود من ذلك تغطية بدنها، بل لو كان عليها نعش فإنه يستحب ذلك. فإن كانت هناك جنائز كثيرة فإنه يساوي بين الرجال والنساء فتكون رؤوسهم سواء.

стр. 1309

ودليل ذلك: ما ثبت في النسائي عن نافع أن ابن عمر: (صلى على تسع جنائز فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة وصفهم صفاً واحداً) (١) ، وعند عبد الرزاق: (وجعل رؤوسهم واحدة) (٢) . وفيه سنة أخرى وهي أن الرجال يكونون فيما يلي الإمام، والنساء فيما يلي القبلة، وإن كانوا غلماناً. ويدل على ذلك تمام الأثر، وتمامه: (ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي ومعها غلام لها يقال له: زيد، فجعل الغلام مما يلي الإمام وفي الناس ابن عمرو وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، قال رجل: فنظرت إليهم وقلت: ما هذا؟ فقالوا: هي السنة) (٣) . قال: (ويكبر أربعاً) لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر بهم أربعاً) (٤) وسيأتي ما ورد عنه من التكبيرات الأخر. قال: (يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) أي ولا يستفتح فلا يشرع له الاستفتاح، وهذا هو مذهب أكثر العلماء خلافاً للأحناف – لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ ، ولأن صلاة الجنازة ينبغي فيها التخفيف. فلا يسن له أن يستفتح بل يستعيذ ويبسمل ثم يشرع بالفاتحة.

стр. 1310

ودليل مشروعيتها ما ثبت في البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة) (١) ، وفي النسائي: (لتعلموا أنها سنة وحق) (٢) وفي النسائي – أيضاً: (أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة) (٣) . وينبغي – كما قال النووي – أن تكون هذه السورة خفيفة؛ لأن المقام يقتضي التخفيف من التعجل بالميت بدفنه، فإن قرأ سورة فهو حسن لثبوت ذلك عن ابن عباس ورفعه ذلك إلى النبي ﷺ ، فإن اكتفى بالفاتحة فكذلك. قال: (ويصلي على النبي ﷺ في الثانية كالتشهد) وقد ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف قال: (من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثاً ثم يسلم في الآخرة) (٤) .

стр. 1311

وفي رواية للحاكم والبيهقي – بعد أن ذكر التكبيرة الأولى - قال: (ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث) (١) فدل على أن المشروع في الصلاة على النبي ﷺ أن يكون ذلك بعد التكبيرة الثانية. (كالتشهد) : لأن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد ...) (٢) وتقدم الحديث في صفة الصلاة. فيصلي على النبي ﷺ كصفة صلاته في تشهده. وإن صلى عليه على كيفية أخرى، كأن يقول اللهم صل على النبي، أجزأه ذلك.

стр. 1312

والذي يظهر لي أن الأولى أن يقتصر في الصلاة على النبي ﷺ بما يتوسع له به الدعاء للميت فلا يطيل من الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن المقام مقام الدعاء للميت، فقد قال النبي ﷺ – فيما ثبت في أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (١) أي لا تشوبوه بغيره، فاجعلوا الدعاء له. قال: (ويدعو في الثالثة) إذا كبر الثالثة دعا. والذي يظهر لي – ما تقدم - وأنه لا يكتفي بالصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية بل يدعو للميت، فيصلي على النبي ﷺ ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، فقد قال أبو أمامة فيما تقدم قال: (ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) . ولذا قال النووي: " لا أعلم لتخصيص الفقهاء الدعاء في التكبيرة الثالثة دليلاً " (٢) . وظاهر حديث أبي أمامة المتقدم أنه بعد التكبيرة الثانية يكون للميت نصيب من الدعاء وبعد الثالثة كذلك، وبعد الرابعة كذلك. قال: (فيقول ...) فيدعو بما ورد استحباباً، فإن دعا بأي دعاء من الدعاء المباح للميت فلا بأس باتفاق أهل العلم، لكن الأفضل له أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ . قال: (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه على عليهما) ولفظة " السنة " ولفظة " وأنت على كل شيء قدير " زادهما الموفق رحمه الله تعالى.

стр. 1313

وأما لفظة " إنك تعلم منقلبنا ومثوانا " فلم أقف على شيء يدل عليها في سنة النبي ﷺ لكنها من الدعاء المباح. لكن الذي يظهر لي: إنا وإن قلنا بأن الدعاء بما شاء مباح لكن الذي ينبغي له إذا دعا بما ورد عن النبي ﷺ أن يكتفي به؛ لئلا يقع في القلب أن في دعائه قصوراً، بل دعوته دعوة جامعة مانعة، فإذا دعا بدعاء النبي ﷺ فيأتي به بلفظه ثم يزيد بعد ذلك ما شاء من الدعاء المباح. والوارد عنه فيما رواه الأربعة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة " (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) (١) . قال: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدْخله " وهو القبر " واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)

стр. 1314

الوارد من ذلك ما ثبت في مسلم من حديث عوف بن مالك قال: (صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسّع مدْخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً من زوجه) ولا يقال مثل هذا اللفظ للأنثى (اللهم أدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار) (١) . وأما ما ذكره المؤلف سوى الوارد فهو من الدعاء المباح كما تقدم. قال: (وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرَطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثَقِّل به موازينهما وأعظم به أجورها وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم)

стр. 1315

هذا من الدعاء المباح، وقد قال ﷺ في السقط: (ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (١) يعني في الصلاة عليه يشتغل بالدعاء لوالديه بالمغفرة والرحمة. وثبت عن أبي هريرة – بإسناد حسن – أنه صلى على طفل فقال: (اللهم اجعله سلفاً وفرطاً وأجراً) (٢) . فالمقصود: أنه يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة ويدعو للطفل بنحو ما تقدم من كونه بكفالة إبراهيم ونحو ذلك من الدعاء المباح المناسب للمقام فإن النبي ﷺ أطلق الدعاء للميت فقال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (٣) قال: (ويقف بعد الرابعة قليلاً ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه) وتقدم – وقال المجد ابن تيمية بجواز ذلك – تقدم أن المستحب له بعد التكبيرة الرابعة أن يدعو للميت كما في حديث أبي أمامة: (ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) (٤) فالتكبيرات الثلاث كلها دعاء للميت، فإذا كبر الرابعة دعا قليلاً للميت ثم سلم. (ثم يسلم واحدة عن يمينه) : - هذا هو المستحب وهو المشهور في مذهب الحنابلة وأن المستحب أن يسلم واحدة عن يمينه.

стр. 1316

ودليل ذلك: ما رواه الدارقطني بإسناد حسن ورواه الحاكم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ : (صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً وسلم تسليمة واحدة) (١) . وهو مذهب أكثر الصحابة بل لا يعلم – لمن سيأتي ذكرهم – مخالف من الصحابة، قال الحاكم: " وبه صحت الرواية عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة، وأنهم كلهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة " (٢) ووافقه الذهبي. وروى غالب هذه الآثار مسندة البيهقي في سننه (٣) – وهو آثار لا يعلم لها مخالف صريح من الصحابة. - وقال الشافعية: يستحب أن يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره. واستدلوا بما روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: (ثلاث خلال كان النبي ﷺ يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) (٤) وهذا الأثر محتمل، فيحتمل أن يكون مراده أنه يجهر بالسلام فيجهر بالتسليم كما يجهر بالتسليم في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد أصل السلام أي أنه كان يسلم وأن الناس قد تركوا السلام في صلاة الجنازة. أو أن المراد: أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله. ويحتمل أن يكون يسلم عن يمينه وشماله.

стр. 1317

وظاهر هذا اللفظ دخول هذه الاحتمالات كلها فيكون قد جهر بسلامه، وقد سلم بالألفاظ الواردة في الصلاة، وأن يكون ذلك عن يمينه وعن شماله، لكن هذه أضعفها؛ لأنها مخالفة لما ورد في الحديث المتقدم وهو حديث الدارقطني، ولكونها مخالفة لما ورد عن أصحاب النبي ﷺ صريحاً. ومع ذلك فيحسن القول بجواز هذه الصورة وأنه إن سلم تسليمتين عن يمينه وشماله فلا بأس، وإن كان الأولى له أن يسلم واحد [اً] عن يمينه. وهل يستحب له أن يجهر بالتسليم أم يخافت؟ أثر ابن مسعود المتقدم يدل على أن المستحب له أن يجهر فإنه قال: " مثل التسليم في الصلاة " والتسليم في الصلاة يجهر به، وهو ثابت عن ابن عمر – في البيهقي – بإسناد صحيح: (أنه كان إذا سلم على الجنازة يسمع سلامه من يليه) (١) . وقد ورد في الحاكم في حديث أبي أمامة المتقدم قال: (ويسلم سراً) ، وهو ثابت عن ابن عباس بإسناد حسن: (أنه كان إذا سلم على الجنازة سلم خُفية) (٢) . فهذه الآثار تدل على أنه لا بأس بالجهر ولا بأس بالمخافتة، فيلتفت عن يمينه ويسر بالسلام، فسواء جهر أو أسر فلا بأس بذلك. ولا يستحب له أن يجهر بفاتحة الكتاب، وفي أثر أبي أمامة المتقدم أن النبي ﷺ : (كان يقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب مخافتة) (٣) فلا يستحب الجهر بها إلا للتعليم. قال: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) حكم رفع الأيدي في تكبيرات الجنائز؟ أجمع أهل العلم على استحباب رفع اليدين في التكبيرة الأولى، كما حكاه ابن المنذر وغيره.

стр. 1318

وورد عن النبي ﷺ حديث في ذلك لكنه لا يثبت، فلا يصح عنه حديث في هذا الباب لكن الإجماع ثابت. وأما في سائر التكبيرات سوى التكبيرة الأولى: فمذهب الجمهور: استحباب ذلك. ومذهب الأحناف: عدم استحبابه، واستدلوا بعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ . وأما دليل الجمهور فقالوا: هذا تكبير عن قيام، والتكبير عن القيام في الصلاة يستحب أن ترفع فيه الأيدي، كما تقدم في غير ما حديث عن النبي ﷺ – في الكلام على صفة صلاة العيد. وقد ورد هذا صريحاً عن ابن عمر، فقد ثبت عنه فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح: (أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنائز كلها) (١) ، فهذا فعل صاحب لا يعلم له مخالف، وظاهر السنة يوافقه كما تقدم في الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها عند ذكر تكبيرات العيد الزوائد. إذن يستحب له أن يرفع يديه مع كل تكبيرة. فعلى ذلك صفة صلاة الجنازة – في المشهور في المذهب –: يكبر رافعاً يديه، ويقرأ فاتحة الكتاب سراً ثم يكبر ثانية رافعاً يديه، ويصلي على النبي ﷺ ثم يكبر ثالثة رافعاً يديه ثم يدعو للميت بما تقدم سواء كان بدعاء من عنده من الدعاء المباح أو كان ذلك بما ورد عن النبي ﷺ ، ثم يرفع يديه مكبراً الرابعة ولا يدعو ولا يسبح ولا يستغفر بل يسكت ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.

стр. 1319

وأما صفتها على الطريقة التي وردت عن النبي ﷺ : (فيكبر رافعاً يديه ويقرأ بفاتحة الكتاب وإن شاء سورة قصيرة وتقرأ مخافتة، ثم يكبر الثانية والثالثة والرابعة في كل ذلك يرفع يديه ويشتغل بالصلاة على النبي ﷺ في هذه التكبيرات الثلاث، والأولى أن تكون بعد التكبيرة الثانية ويخلص الدعاء للميت، وإذا كبر للرابعة دعا للميت ثم سلم عن يمينه، وإن سلم عن يمينه ويساره فذلك حسن أيضاً، والله أعلم. مسألة: الأولى بأن يصلي على الميت وصيه إن كان عدلاً صالحاً للإمامة قال الإمام أحمد: " وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلى عليه صهيب، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي " (١) ﵃ أجمعين، وذكر بعض أهل العلم غير ذلك وهذه قضايا اشتهرت وانتشرت ولم يعلم لها مخالف، ومع ذلك فهي الأحب إلى الميت. ثم ثانياً: إمام الناس، فإمام المسجد هو أولى الناس بعده؛ لعموم حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) (٢) وهذا عام في صلاة الجنازة وغيرها، وقال عمرو بن سلمة – وتقدم حديثه، وفي أبي داود: (وكنت أؤمهم في الجنائز) (٣) . وقال الحسن: " أدركت الناس وأخصهم بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم " (٤) ، وفي الحاكم بإسناد حسن: " أن الحسين قدَّم سعيد بن العاص -وكان أمير المدينة – للصلاة على الحسن بن علي وقال: (قدمتك ولولا أنها سنة ما قدمتك) " (٥) . ثم أولياء الميت على حسب ترتيبهم المتقدم في غُسله. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والأربعون بعد المئة

стр. 1320

(يوم السبت: ٢٢ / ٧ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وواجباتها قيام) هنا يذكر المؤلف رحمه الله تعالى واجبات صلاة الجنازة وأركانها فقال: " قيام " فالقيام ركن فيها كما هو ركن في الصلاة لقوله ﷺ : (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) (١) وقد صلاها النبي ﷺ قائماً، فالواجب أن يصليها قائماً؛ لأنها فريضة، فهي من فروض الكفاية والواجب في الصلاة التي يصليها فريضة أن يصليها قائماً. لكن إن كانت نافلة فإن له أن يصليها قاعداً، والسنة أن يصليها قائماً، فلو تكررت الصلاة على الجنازة فصلى عليها مراراً فالصلاة الأولى فرض والصلوات الأخر نافلة فيجوز له في الصلوات الأخر أن يصلي قاعداً مع أن السنة القيام. فإذن: يجب القيام مع كونها فرضاً – أي فرض كفاية – وذلك إنما يكون في الصلاة الأولى، أما إذا تكررت فصلى أحد من المصلين قعوداً فلا بأس بذلك. قال: (والتكبيرات) أي يجب أن يصلي بأربع تكبيرات؛ لأن الثابت عن النبي ﷺ أنه قد كبر أربع تكبيرات فأكثر، ولم يصح عنه أن كبر على الجنائز ثلاثاً. وروى ابن حزم في كتابه بسنده وقال: - هو سند صحيح – وهو كما قال: (أن ابن عباس كبر على الجنائز ثلاثاً) (٢) ، والسنة أن يكبر أربعاً ولا يشرع له أن يكبر ثلاثاً لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .

стр. 1321

قالوا: وإذا كبر أربعاً أجزأه ذلك، أما إذا كبر ثلاثاً فإن كان عمداً بطلت صلاته وإن كان سهواً كبر رابعة كما صح ذلك عن أنس في البخاري (١) . إذن: الواجب أن يكبر أربعاً ولا يجزئه أقل من ذلك. ولكن هل يشرع أن يكبر أكثر من أربع؟ ١- المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يشرع ذلك. وهل يتابعه المأموم إن كبر أم لا؟ المشهور في المذهب أنه إن كبر خامسة تابعه، وإن كبر أكثر من خمس لم يتابعه. وعن الإمام أحمد: أنه يتابعه إلى سبع، وهو اختيار طائفة من أصحابه، وهذا القول أرجح. ودليل ذلك: أن الراجح خلاف ما ذهب إليه الحنابلة، فالراجح هو أن التكبير فوق الأربع مشروع؛ لما ثبت في مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً فصلى على جنازة فكبر خمساً فسئل عن ذلك فقال: كان النبي ﷺ يكبرها) (٢)

стр. 1322

وثبت في سنن الدارقطني بإسناد صحيح: (أن علي بن أبي طالب صلى على سهل بن أبي حنيف فكبر ستاً وقال: إنه بدري) (١) ، وثبت عند الطحاوي بإسناد صحيح – أنه أي علي -: (صلى على أبي قتادة فكبر سبعاً وكان بدرياً) (٢) . وكان من طريقته – أي علي – ما ثبت في الطحاوي بإسناد صحيح: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى أصحاب النبي ﷺ خمساً وعلى سائر الناس أربعاً) (٣) . فثبت أن النبي ﷺ كبر أربعاً وخمساً، وأن علياً كبر ستاً وسبعاً ولم يثبت له مخالف من الصحابة، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أكثر من سبع.

стр. 1323

إلا ما روى الطحاوي بإسناد حسن: (أن عبد الله بن الزبير قال: صلى النبي ﷺ على حمزة فكبر عليه تسعاً) (١) لكن الحديث تقدم أنه منكر – كما أنكره الشافعي وابن القيم وغيرهما فالحديث منكر لأن النبي ﷺ لم يصل على حمزة بل دفنه كسائر الشهداء كما في المتفق عليه. وهناك أثر ثابت عن ابن مسعود رواه ابن حزم بإسناد صحيح أنه قال: (كبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد) (٢) لما ذكر له أن أهل الشام من أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمساً. والذي يقتضيه هذا الأثر أنه لو زاد على السبع فإنه لا بأس بذلك ونحن ليس عندنا في الزيادة على الخمس إلا أثر علي وهذا أثر عن ابن مسعود فيه أن التكبير للجنائز ليس له وقت ولا عدد فلو كبر تسعاً أو عشراً فلا بأس لكن المستحب له أن يكبر أربعاً أو خمساً وإن زاد على ذلك فلا يتجاوز السبع فإن ذلك هو صريح فعل النبي ﷺ إلى الخمس، وفعل أصحابه كعلي إلى السبع، لكن إن زاد على ذلك فلا حرج لقول ابن مسعود: (لا وقت ولا عدد) والله أعلم. فعلى ذلك: السنة أن يكبر على الجنازة أربعاً، ويستحب له أحياناً أن يكبر خمساً فإن زاد ستاً أو سبعاً فلا بأس به. قال: (والفاتحة) الفاتحة ركن في صلاة الجنازة، لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (٣) وصلاة الجنازة صلاة فهذا دليل ركنيتها. وقد ثبت في البخاري ما تقدم عن ابن عباس أنه كان: يقرأ بفاتحة الكتاب ويقول: (ليعلموا أنها سنة) (٤) وتقدم غير ما حديث عن النبي ﷺ أنه يقرأ الفاتحة. قال: (والصلاة على النبي ﷺ

стр. 1324

تقدم ثبوتها في صلاة الجنازة، وهنا قال: هي واجب فيها، ولم أر دليلاً صريحاً يدل على إيجابها. والوارد عن النبي ﷺ في هذا الباب فعل، والفعل لا يدل على الوجوب كما هو مقرر في علم أصول الفقه. ولذا قال المجد بن تيمية – في هذه المسألة كقول أهل العلم في مسألة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة " فإذا قلنا بوجوبها في الصلاة قلنا بوجوبها في الصلاة على الجنازة، وإن قلنا باستحبابها قلنا باستحبابها في الصلاة على الجنازة " (١) . وقد تقدم ترجيح قول جمهور العلماء في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة وأنها ليست بواجبة فكذلك هنا، فهي ليست بواجبة بل سنة، وليس فيه إلا مجرد الفعل، والفعل لا يدل على الوجوب وهو مذهب طائفة من فقهاء الحنابلة. فالراجح: أنه لا يجب عليه أن يصلي على النبي ﷺ بل يستحب. قال: (ودعوة للميت) لا شك أنها ركن فهي مقصد الصلاة على الميت وقد قال النبي ﷺ : (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (٢) وكان النبي ﷺ يخلص الصلاة – أي الدعاء – على الجنائز في التكبيرات الثلاث كلها. فالدعاء للميت فرض في الصلاة على الجنازة بل هو المقصود منها، وإنما شرعت الصلاة للدعاء للميت. قال: (والسلام)

стр. 1325

والسلام كما هو ركن في الصلاة فهو ركن في صلاة الجنازة فإنها من باب الصلاة، وفي الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (١) وصلاة الجنازة صلاة. قال: (ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته) . فإذا سلم الإمام كبر ما فاته وقضاه. لعموم قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٢) وهل هذا على وجه الإيجاب أو الاستحباب؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك على وجه الاستحباب، فلو فاته شيء فسلم مع الإمام فلا بأس ويجزئه ذلك. واستدلوا: بما رواه ابن أبي شيبة أن ابن عمر: (وكان لا يقضي ما فاته من التكبير) (٣) فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، فالحديث ضعيف. والمشهور عند جمهور الفقهاء أنه يجب ذلك، ولا يجزئه إلا أن يكبرها؛ للحديث المتقدم: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) . والصحيح مذهب الجمهور وأنه يجب عليه أن يقضي التكبيرات الفوائت لعموم الحديث. فإذن يشرع أن يأتي بما فاته اتفاقاً، لكن هل يجب ذلك؟

стр. 1326

قولان والصحيح الوجوب. قال: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على قبره) ففيه مشروعية الصلاة على القبر، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي ﷺ : (فقيل: ماتت فقال: أفلا كنتم آذنتموني فكأنهم صغروا أمرها فقال النبي ﷺ : دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها) (١) . وهنا قال المؤلف: (إلى شهر) . وهذا عند الحنابلة ليس للتحديد وإنما للتقريب يعني شهر وما يقاربه. فإذا دفن الميت فمر على دفنه شهر ونحوه فإنه لا يصلى عليه. واستدلوا: بما رواه الترمذي من مراسيل سعيد بن المسيب ﵀: أن النبي ﷺ : (لما توفيت أم سعد بن عبادة وهو غائب صلى عليها وكان ذلك لشهر) (٢) قالوا: فهذا يدل على أن أمد ذلك ومنتهاه إلى الشهر وما قاربه. وقال ابن عقيل من الحنابلة: بل يصلي عليه أبداً، وهو اختيار ابن القيم حيث قال: " ولم يوقت النبي ﷺ وقتاً " (٣) . والأثر المتقدم الذي رواه سعيد بن المسيب ليس فيه أنه لو كان ذلك بعد شهرين أو ستة لا يصلى عليها، بل فيه جواز الصلاة عليها لشهر وليس مانعاً أن نصلي عليها بعد شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك.

стр. 1327

ويشهد له ما تقدم من أن النبي ﷺ : (صلى على أهل أحد صلاته على الميت كالمودع للأحياء الأموات) (١) – كما رواه البخاري – على ظاهره في أن المقصود الصلاة على الميت كالصلاة على الجنازة وكان ذلك بعد ثماني سنوات ولا مانع من ذلك فإن المقصود من الصلاة هو الدعاء للميت، فسواء كان ذلك بعد شهر أو سنة أوسنتين أو أكثر من ذلك. لكن بشرط: ١ - أن يكون ممن هو أهل للصلاة أثناء موته. ٢- وأن يكون غير مفرط في ترك الصلاة عليه. فمثلاً: رجل قدم من سفر فعلم بموت فلان ولم يكن مفرطاً لأنه كان مسافراً فله أن يصلي على قبره. وكونه أهل للصلاة: بأن يكون مكلفاً، أو مميزاً تصح الصلاة منه. وإلا فإنه لم يرد عن التابعين أو أتباعهم أنهم صلوا على أحد من الصحابة ﵃، فيدل ذلك على أنه ليس مطلقاً بل هو حيث كان أهلاً للصلاة ولم يقع منه تفريط كما تقدم. قال: (وعلى غائب بالنية إلى شهر) والمراد بالغائب أن يكون في بلد أخرى، وليس المراد من كان في طرف البلد مما يتمكن أن يصلى عليه صلاة الغائب (٢) . فيشرع صلاة الغائب مطلقاً سواء صلي عليه في بلده أم لم يصل عليه كما هو المشهور في المذهب. واستدلوا بحديث أبي هريرة المتفق عليه: (أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً) (٣) . واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول الخطابي وابن عبد القوي من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يشرع ذلك إلا إذا لم يصل عليه في بلده. فإذا لم يصل عليه في بلده شرع أن يصلى عليه في غير بلده ممن بلغه خبره من المسلمين.

стр. 1328

وهذا القول هو الراجح، وذلك أنه لم يكن من هدي النبي ﷺ الصلاة على كل غائب، فقد مات أناس كثير من أصحابه خارج المدينة فلم يثبت أن النبي ﷺ صلى على أحد منهم. والنجاشي لم يكن يظهر إسلامه، ولم يكن في بلده من يمكنه أن يصلي عليه فمات فلم يصل عليه، فصلى عليه النبي ﷺ . * وهل تشرع الصلاة على من مات ولم تبق جثته كأن يموت غريقاً في بحر لا يمكن أن يحضر جثته أو أن يموت مفترساً مأكولاً أو محترقاً لا يبقى منه شيء، فهل يشرع أن يصلى عليه كما يصلى على الغائب؟ المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يصلى عليه. وقال طائفة من الحنابلة: بل يصلى عليه. وهذا القول هو الراجح؛ قياساً على الصلاة على الغائب فإن هذا الميت الغائب صلى عليه النبي ﷺ لكونه لم يصل عليه، وهذا كذلك فإنه لا يمكن أن تحضر جثته فيصلى عليه فهو في حكم الغائب فكان المشروع أن يصلى عليه. قال: (ولا يصلي الإمام على الغال) من غَلَّ شيئاً من الغنيمة فأخذها، فإنه لا يصلي عليه الإمام زجراً للناس عن هذه المعصية.

стр. 1329

واستدلوا بما روى النسائي عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني قال: (توفي رجل من أصحاب النبي ﷺ يوم خيبر فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم قال: فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال النبي ﷺ : إنه قد غل في سبيل الله، قال: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين) (١) . والأثر فيه أبو عمرة تابعي مجهول، وهو الراوي عن زيد بن خالد، لكن الحديث احتج به الإمام أحمد وغيره. والنظر يقتضي أنه ليس بمنكر فإن النبي ﷺ من سنته ترك الصلاة على بعض العصاة الذين في ترك الصلاة عليهم زجراً لغيرهم عن فعل هذه المعصية كما سيأتي. وقد ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين – كما تقدم في المتفق عليه – وقال: (صلوا على صاحبكم) (٢) وذلك قبل أن تفتح الفتوح ويكثر المال في بيت المال، فلما كثر ذلك في عهده صلى على المدينين وقضى عنهم ديونهم. قال: (ولا على قاتل نفسه) . وثبت في مسلم: أن النبي ﷺ : (أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص " وهو نصل السهم " فلم يصل عليه) (٣) .

стр. 1330

وفي النسائي أن النبي ﷺ قال: (أما أنا فلا أصلي عليه) (١) فلم يمنعهم من الصلاة عليه فإن قاتل نفسه مسلم وليس بكافر، فيصلي عليه طائفة من المسلمين، أما الأئمة في الدين ومن يقتدى بهم من أهل العلم والتقوى فإنهم يتركون الصلاة عليه زجراً له. ومثل ذلك سائر المعاصي الظاهرة التي يحتاج إلى زجر الناس عنها بترك الصلاة عليهم أمواتاً، فليس مختصاً بقاتل النفس والغال، بل إذا ظهرت معصية وحدث فيها فساد عظيم فرجى أهل التقوى وأهل العلم أنهم إذا تركوا الصلاة عليهم أن يكون زجراً لغيرهم عن المعصية فإن ذلك يفعل كما كان من سنته. ومن ذلك ترك الصلاة على المبتدعة كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب السلف الصالح وذلك لزجر الناس عن فعلهم. لكن كما قال شيخ الإسلام: من صلى عليهم وهو يرجو لهم الرحمة وليس في امتناعه عن الصلاة عليهم مصلحة فذلك حسن. قال: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد) والسنة أن يصلي عليه في موضع خاص بالجنائز، كما ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد) (٢) . وتقدم حديث أبي هريرة في نعي النبي ﷺ للنجاشي وفيه: (فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم) (٣) . فالمستحب أن يصلي عليها في مصلى خاص بالجنائز.

стр. 1331

لكن إن صلى عليها في المسجد مع أمن تلويث المسجد بها فلا بأس بذلك، ودليله: لما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد) (١) . أما ما رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (من صلى على الميت في المسجد فلا شيء له) (٢) ، فالحديث من حديث صالح مولى التوأمة ويروى عنه عبد الله بن أبي ذئب. وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتفرد صالح مولى التوأمه وصالح هذا مختلط الحديث، لكن عبد الله بن أبي ذئب قد روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حسن جيد، كما حسنه ابن القيم. لكن الحديث – حينئذ – يكون منكراً؛ لأنه يكون مخالفاً لما ثبت في مسلم من صلاة النبي ﷺ على ابني بيضاء. ومثل صالح لا يخالف حديثه ما ثبت في مسلم وغيره. لكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصحيح فيه – كما قرر ذلك ابن عبد البر وابن القيم، الصحيح فيه -: (فلا شيء عليه) (٣) كما ثبت ذلك في نسخة صحيحة لسنن أبي داود. فعلى أن هذا اللفظ هو الصحيح لا نحتاج إلى تضعيف الحديث بتفرد صالح. وأما إذا قلنا إنه على لفظه، فإن هذا لا يقبل منه مع مخالفته لما ثبت في مسلم. * في مسألة الصلاة على القبر: قال بعض أهل العلم: هي خاصة بالنبي ﷺ .

стр. 1332

واستدلوا: بما ثبت في مسلم في حديث المرأة التي كانت تقم المسجد وأن النبي ﷺ قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) (١) . قالوا: فهذا يدل على أن الصلاة على القبر خاص بالنبي ﷺ ، والحديث قد أعله بعض أهل العلم المتقدمين، ولكن الصحيح أن سنده صحيح وليس بمعل. والجواب عنه أن يقال: إن هذا التخصيص إنما هو في الأثر لا في الفعل، فأثر صلاته في الأموات سواء كانوا في قبورهم أو قبل ذلك – أن تكون صلاته عليهم رحمة لهم. وقد قال النبي ﷺ – كما في النسائي – لما صلى على جنازة رجل: (إن صلاتي عليه رحمة) (٢) وقد صلى عليه قبل أن يدفن. فمن خاصية صلاته على الأموات قبل دفنهم أو وهم في قبورهم – أن يكون ذلك رحمة لهم وإنارة لهم في قبورهم. وأما أن يكون الحكم – وهو الفعل – خاصاً بالنبي ﷺ فلا، كما أنه خلاف الأصل. فالحديث ليس فيه إلا أن صلاة النبي ﷺ مختصة بأن تكون نوراً لأهل القبور، وليس فيه أن هذا الفعل خاص بالنبي صلى النبي ﷺ ، والله أعلم. حكم الصلاة على الجنازة بين القبور – (انظر الكلام على هذه المسألة في الدرس الحادي والخمسين بعد المائة الذي سيأتي) -: لا يجوز ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما روى الضياء في المختارة والطبراني في الأوسط أن النبي ﷺ : (نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور) (٣) وإسناده حسن. والمشهور في المذهب: جواز ذلك وتخصيص النهي بالصلوات ذوات الركوع والسجود. لكن الصحيح النهي مطلقاً؛ للحديث الصحيح المتقدم وأحاديث الضياء أصح من أحاديث الحاكم – كما ذكر شيخ الإسلام – وقد اشترط فيها الصحة. مسألة:

стр. 1333

الأظهر أنه بعد التكبيرات فوق الأربع يشتغل بالدعاء؛ ذلك لأن النبي ﷺ كان يدعو بين هذه التكبيرات الأربع الثابتة عنه، والمقصود من الصلاة هو الدعاء للميت بل كان يدعو حتى بعد التكبيرة الرابعة، فالذي ينبغي أن يدعو بين هذه التكبيرات. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخمسون بعد المئة (يوم الأحد: ٢٣ / ٧ / ١٤١٥هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يسن التربيع في حمله) التربيع في حمل الجنازة: أن يأتي المتبع للجنازة فيحملها من مقدمة الجنازة من جانبها الأيسر واضعاً له على عاتقه الأيمن ثم ينتقل منه إلى جهته اليسرى المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم ينتقل إلى الجهة اليمنى من الجنازة فيضع مقدمتها الأيمن على عاتقه الأيسر ثم مؤخرها على عاتقه الأيسر – فهكذا يكون التربيع. وذلك بالنظر إلى الميت فإنه وإن كان الأيسر بالنسبة إلى السرير المحمول إليه الميت فإنه هو الأيمن بالنسبة إلى الميت فبدأ بالجهة اليمنى من الميت. ودليل ذلك: ما روى أحمد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن مسعود عن ابن مسعود قال: (من اتبع الجنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإن ذلك السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع) (١) ، وأبو عبيده لم يسمع من أبيه فعلى ذلك الإسناد فيه انقطاع.

стр. 1334

لكن يشهد له ما ثبت عن أبي الدرداء في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (من تمام أجر الجنازة أن يتبعها من أهلها وأن يحمل بأركانها الأربعة وأن يحثو في القبر) (١) ، وهذا له حكم الرفع فإنه متعلق بالأجر فكان هذا القول من هذا الصحابي له حكم الرفع. وثبت عن ابن عمر – كما في مصنف ابن أبي شيبة: (أنه حمل جنازة في أركانها الأربعة فبدأ بالميامن) . وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس أن يتحول من جهة الجنازة اليسرى المؤخرة إلى جهتها اليمنى المؤخرة ثم ينتقل إلى اليمنى المقدمة فيبدأ برأسه وينتهي برأسه؛ لأن ذلك أسهل. وهذا أولى لما فيه من اليسر ولأنه أبعد عن اختلاط الناس بعضهم ببعض. فهذا أولى ويحصل به ما حصل من السنة من البداءة باليمنى – كما يحصل في الأول. هكذا يكون التربيع وهو الأفضل عند الحنابلة. - واستحب الشافعية أن يحمله بين العمودين. وقال المؤلف هنا: (ويباح بين العمودين) أي أن يضع رأسه بين العمودين ويجعل الجنازة على كاهله وقد صح ذلك عن سعد بن أبي وقاص، فقد ثبت في سنن البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (رأيت سعد بن أبي وقاص مع جنازة عبد الرحمن بن عوف قائماً بين العمودين واضعاً الجنازة على كاهله) (٢) . وذكر ابن المنذر ذلك عن عثمان وسعد بن مالك " وهو سعد بن أبي وقاص " وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير. - وعن الإمام أحمد: أنهما سواء. والذي يظهر أن الأفضل أن يحمل بجوانبها كلها وهو التربيع؛ وذلك لأن ما تقدم أقوى؛ لأن فيه ما تقدم في الحديث الثابت عن ابن مسعود وفيه أن ذلك من السنة، ويشهد له الأثر الوارد عن أبي الدرداء وله حكم الرفع، ففي ذلك رفع إلى النبي ﷺ ، وهذا أثر موقوف عن سعد فكان الأول أولى.

стр. 1335

فالسنة أن يربع فيحمل بجوانب السرير كلها، لكن إن قام بين العمودين حاملاً للجنازة – على كاهله فذلك حسن إن شاء الله. قال: (ويسن الإسراع بها) يستحب له أن يسرع بالجنازة. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة فإنها إن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (١) ، قال أبو بكرة: (والذي كرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتنا على عهد النبي ﷺ وإنا لنكاد أن نرمل بها رملاً) (٢) والرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطى. " إنا لنكاد ": فهم لا يرملون لكنهم يكادون ذلك، وذلك لأن في الرمل أذى للجنازة وأذى للمتبع، ففي الإسراع الشديد أذى للجنازة فقد يخرج شيء من الخارج بسبب هذا الإسراع، وقد يحدث شيء من الانفصال في بعض الأعضاء، وكذلك المتبعون يتأذون بذلك. قال: (وكون المشاة أمامها والركبان خلفها) يستحب – في المشهور من المذهب – أن يكون الماشي أمام الجنازة.
следующие страницы →