← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

كأن يقول: أبيع عليك كذا وكذا صاعا من البر، وصفته كذا وكذا - أي من جيده أو رديئه ونحو ذلك - بألف ريال حاضرة الآن، فهنا قد باع موصوفا في الذمة مؤجلا بثمن مقبوض في مجلس العقد، إذن فهو عقد على موصوف في الذمة، ولك أن تقول: هو تعجيل الثمن وتأخير المثمن، والمسلِم - بكسر اللام - هو دافع الثمن، وهو في الغالب التاجر، والمسلَم إليه - بفتح اللام - هو صاحب الحاجة، وهو دافع السلعة، وغالبا ما يكون صاحب حاجة، فإن السلم من بديلات الربا، والمسلَم فيه - بفتح اللام - هي السلعة المؤجلة الموصوفة في الذمة. قوله [ويصح بألفاظ البيع والسلف والسلم] يصح بألفاظ البيع - كل لفظ من ألفاظ البيع -، فلو قال: بعتك مائة صاع من البر إلى سنة بمائة دينار حاضرة، فهذا يعتبر سلما، لأن السلم من أنواع البيع، فيصح بأي لفظ من ألفاظ البيع، وقد تقدمت ألفاظ البيع، فلو قال: بعت أو اشتريت أو نحو ذلك صح، ويصح أيضا بلفظ السلم، كأن يقول: أسلمتك مائة ريال في هذا المجلس على أن تعطيني كذا صاعا من البر إلى سنة، ويصح بلفظ السلف كأن يقول أسلفك كذا وكذا من الدنانير على أن تعطيني مائة صاع من البر إلى سنة. قوله [بشروط سبعة] وهذه الشروط سوى شروط البيع التي تقدم ذكرها. قوله [أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع] الصواب أن يقول: من مكيل وموزون ومذروع، أو كمكيل وموزون ومذروع. فالشرط في المسلم فيه وهي السلعة أن تكون مما تنضبط صفاتها، من مكيل كالبر، أو موزون كالحديد مثلا، أو مذروع كالقماش، فهذه تنضبط صفاتها، أما إذا كانت لا تنضبط صفاتها، فهذا لا يجوز السلم فيه، لأنه يفضي إلى المنازعة، وما يفضي إلى المنازعة فهو ممنوع شرعا. قوله [وأما المعدود المختلف كالفواكه] الفواكه معدودة، وتتفاوت تفاوتا ظاهرا يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا. قوله [والبقول]

стр. 2172

أي من الخضروات ونحوها كذلك، فالبقول مما يباع جزافا فهو كذلك، لأنه يتفاوت تفاوتا ظاهرا يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا، ولو قالوا: تعد بالحزمة ونحوها فإن الحزمة تختلف عن بعضها البعض اختلافا ظاهرا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن ذلك جائز، وأنه يوزن وزنا، وهذا هو الراجح، فإنه إذا وصف الفاكهة أو البقول ثم اتفقا على الوزن فإن ذلك جائز، ثم أيضا الحزم ونحوها أو الفواكه وإن اختلفت فإن هذا الاختلاف يسير وهو معفو عنه دفعا للحرج والمشقة، فالذي يظهر أن مثل هذا التفاوت اليسير لا بأس به، ودليل هذا أن النبي ﷺ قال فيما ثبت عنه في الصحيحين: (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) [خ ٢٢٣٩، م ١٦٠٤] وفي رواية البخاري: (من أسلف في شيء) [خ ٢٢٤١] وهي لفظة عامة تدخل فيها الفواكه والبقول وغيرها. قوله [والجلود] فالجلود لا يجوز فيها السلم، لأنه يحصل فيها التفاوت، وذلك لأن أطرفها تتفاوت، فإن أطرافها ليست منضبطة كما يكون هذا القماش ونحوه، بل تكون متفاوتة. قوله [والرؤوس] أي رؤوس الحيوانات كذلك، لأنه يقع فيها التفاوت، ومذهب مالك وهو رواية عن أحمد أن هذا يجوز فيه السلم، وذلك لأن مثل هذا التفاوت في الحقيقة تفاوت معلوم لا تقع بمثله المنازعة، فهو تفاوت يسير. قوله [والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم] القماقم: جمع قمقم، وهو ما يسخن به الماء، فهذا كذلك لا يجوز فيه السلم، والوجه الثاني في المذهب أنه يجوز، لأن التفاوت في الحقيقة تفاوت يسير، ولأنه يمكن أن ينضبط في الوصف. قوله [والأسطال الضيقة الرؤوس والجواهر]

стр. 2173

فالجواهر لا يجوز فيها السلم، لأنها تختلف اختلافا ظاهرا وتتفاوت تفاوتا بينا، وذلك في شكلها وعددها وصفتها وضوئها ونحو ذلك، وعن الإمام أحمد أن السلم في الجواهر جائز، ومرجع هذا ما تقدم: فإذا أمكن ضبطها فإنه لا إشكال في جواز السلم فيها، وتدخل في عموم قول النبي ﷺ : (من أسلف فليسلف في شيء معلوم) ، ومرجع هذا إلى أهل الخبرة بالجواهر، فإذا كانت الجواهر يمكن أن تنضبط ولا يقع النزاع في السلم فيها فلا مانع منه. قوله [والحامل من الحيوان] فالحامل من الحيوان لا يجوز السلم فيه، فلا يجوز أن يقول مثلا: اشتريت منك ناقة حاملا إلى كذا بكذا، قالوا: لأن الحمل مجهول غير متحقق، فقد تلد وقد لا تلد، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أن السلم في الحيوان الحامل جائز، وهذا هو الراجح، وذلك لأن السلم بيع، وكما جاز بيع الناقة أو الشاة أو غيرها وهي حامل مع الجهالة، فكذلك هنا، لأنه ثبت تبعا، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، والأصل معلوم فلا عبرة بجهالة الحمل. قوله [وكل مغشوش] كاللبن المشوب، والجواهر المشوبة، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز السلم فيه، وهذا ظاهر، فإن وجود الغش فيه يجعله غير منضبط، وليس المقصود الغش الممنوع، وإنما المقصود أنه مشوب فيه شيء، أي أن تكون العين غير خالصة، بل قد أضيف إليها شيء آخر، فهذا لا ينضبط ويقع الخلاف في مثله، لكن لو ثبت لنا أنه يخلط به غيره بطريقة ثابتة في العرف متميزة ظاهرة فحينئذ لا يقال إن هناك ما يمنع، فلو أسلم في لبن مشوب، وكان العرف يقضي بقدر ما يكون من الخلط، فإنه لا مانع حينئذ من السلم فيه للقاعدة العامة. قوله [وما يجمع أخلاطا غير متميزة كالغالية والمعاجين فلا يصح السلم فيه]

стр. 2174

أي يجمع أخلاطا غير متميزة، والغالية: هي أخلاط الطيب، فإن هذا لا يجوز السلم فيه لعدم الانضباط، والذي يظهر أنها تكون معلومة، لأن أهل الخبرة يعرفونها إذا كانت الأخلاط على أقدار محددة معينة بحيث يتميز بعضها عن بعض، وحينئذ يجوز السلم فيها، وعلى العموم فهذا داخل تحت القاعدة العامة أنه إن أمكن ضبطها فلا مانع من السلم فيها وإلا فلا، وكذلك المعاجين كالأدوية التي تكون من المعاجين، والذي يظهر أن تلك المعاجين يعرفها أيضا أهل الخبرة، فيميزون بينها أخلاطها. قوله [ويصح في الحيوان] يصح السلم في الحيوان، وقد صح هذا عن النبي ﷺ كأن يأخذ منه كذا وكذا من الدراهم على أن يعطيه مائة شاة أو نحوها، فهذا جائز، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ : (استسلف من رجل بكرا) [م ١٦٠٠] فهذا جائز للحديث، ولأن الحيوان مما ينضبط. قوله [والثياب المنسوجة من نوعين] إذا كانت الثياب منسوجة من نوعين فيجوز السلم فيها، كأن ينسج من القطن والكتان، فهذا جائز لأنها متميزة، ولا يظهر أن هناك فرقا بين ما تقدم المنع منع في المعاجين والغالية وبين ما يكون من هذا النسيج الذي يكون من القطن والكتان. قوله [وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها] وما خلطه غير مقصود كالجبن فإن فيه الأنفحة، وهي غير مقصودة، وكذلك خل التمر، فالتمر فيه خل، وهذا الخل غير مقصود، وكذلك السكنجبين، وهي كلمة فارسية وهي سكر فيه خل، ونحوها كالخبز وفيه ملح، فالملح في الخبز والخل في السكر والخل في التمر والأنفحة في الجبن هذه غير مقصودة فيصح السلم فيها. قوله [الثاني: ذكر الجنس والنوع] فيقول: من التمر مما نوعه كذا كالعجوة ونحوها. قوله [وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرا] فلا بد أن يذكر له كل وصف يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا، وليس أي اختلاف يذكر، فاليسير لا يذكر.

стр. 2175

قوله [وحداثته وقدمه] كذلك حداثته وقدمه، فإن الحديث والقديم يتفاوت بهما الثمن تفاوتا ظاهرا. قوله [ولا يصح شرط الأردء أو الأجود] فلا يصح أن يقول: بشرط الأجود أو الأردء،قالوا: لأنه ما من جيد إلا هناك ما هو أجود منه، ومن رديء إلا هناك ما هو أردأ منه، وقال الموفق بل شرط الأردء يجوز، لأنه يمكن أن يعطيه ما هو خير منه وأجود منه، فحينئذ لا إشكال، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إن العادة في مثل هذه الألفاظ أن مراده أجود ما يكون معروفا عندهم، أو أردأ ما يكون عندهم، وحينئذ فيحمل على العرف فلا مانع من تصحيح هذا الوصف وحمله على العرف، ولا شك أنه في التمر ما يسمى في عرفنا أجود، وكذلك أردأ، وقد تقدم أن ألفاظ المتعاقدين تحمل على العادة والعرف، فالأظهر أن مراده بالأجود والأردأ ما هو معروف عن المتعاقدين، فيكون ذلك ظاهرا، أما إن ترتب عليه منازعة أو نحو ذلك فلم يكن متميزا فإنه يمنع منه درءا للمنازعة كما سبق. قوله [بل جيد ورديء] فإذا قال: جيد، ورديء، فهذا جائز. قوله [فإن جاء بما شرط] فإن جاء بما شرط فقد أوفى بما عليه، وحينئذ فيجب على المسلم أن يقبله. قوله [أو أجود منه من نوعه] كذلك يجب عليه أن يقبله إن أتاه بما هو أفضل، إذ امتناعه عن القبول عناد ومكابرة فلا يكون مقبولا. قوله [ولو قبل في محله ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه] فإذا أتاه به قبل الوقت المتعاقد عليه، كأن يقول إلى سنة فيأتيه به بعد ستة أشهر، فحينئذ يجب عليه القبول، لأن هذا أفضل وأولى بالقبول، لكن بقيد وهو ألا يكون في قبضه عليه ضرر، فإن كان في قبضه ضرر كأن تكون من الفاكهة أو الأطعمة التي تفسد، ولا يستطيع أن يتصرف بها إلا في الموعد المحدد، أو أن يكون في موضع يخشى على ماله فيه، أو نحو ذلك فحينئذ لا ضرر ولا ضرار فلا يلزمه القبول. قوله [الثالث: ذكر قدره بكيل أو وزن أو ذرع يعلم]

стр. 2176

وهذا هو الشرط الثالث، ودليله قول النبي ﷺ : (من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) ، ولأن الوزن المجهول والكيل المجهول والذرع المجهول فيه غرر لأنه من بيوع الجهالة، وقد تقدم النهي عن بيع ما يجهل، وأن الشرط في الثمن والمثمن أن يكونا معلومين، وعليه فلو كان الوزن غير معلوم كأن يتفقا على وزن ما، أو على كيل ما، أو على ذرع ما، من غير أن يكون معلوما فلا يصح، فالشرط أن يكون معلوما أو متعارفا عليه، أي معلوم بالعرف أن المكيلات تكال بالصاع الذي قدره كذا، والموزونات توزن بالوزن الذي قدره كذا، ونحو ذلك من العرف، وهذا الشرط هو محل اتفاق بين العلماء. قوله [وإن أسلم في المكيل وزنا أو في الموزون كيلا لم يصح] فالبر مثلا يكال، فإن كان السلم فيه بالوزن أي بالكيلو مثلا أو بالطن لم يصح، وكذلك السكر مثلا فإنه يوزن، فإذا أسلم فيه بالكيل لم يصح، وكذلك المذروع، وهذا مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأنه قد قدر بغير مقياسه الأصلي فلم يصح، فالمكيلات تكال، والموزونات توزن، والمذروعات تذرع وهنا قد اختل ذلك فلم يصح بيعها سلما، وقال الشافعية وهو رواية عن أحمد واختار ذلك الموفق ابن قدامة أن ذلك جائز، لأن المقصود هو معرفة قدره، وهذا حاصل بالوزن في المكيلات، وبالكيل في الموزونات، وبالوزن في المذروعات، وهذا القول هو الراجح. قوله [الرابع: ذكر أجل معلوم له وقع في الثمن]

стр. 2177

هذا هو الشرط الرابع، وهو أن يذكر أجلا معلوما، لقول النبي ﷺ : (إلى أجل معلوم) ، والأجل إذا لم يكن معلوما فهو مجهول، والجهالة غرر، فلا بد وأن يكون معلوما له وقع في الثمن، فإن كان الأجل لا وقع له في الثمن كاليوم واليومين والثلاثة ونحو ذلك فلا يجوز السلم، فلو قال: أسلمك مائة دينار على أن تعطيني كذا وكذا صاعا من البر غدا أو بعد غد أو مساء فهذا لا يجوز، لأن هذا الوقت اليسير لا وقع له في الثمن، وإنما الشهر والشهران هي التي يكون لها وقع في الثمن، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وقال الأحناف: يصح إن كان نصف يوم، وهو الراجح، وسيأتي ما يدل عليه. قوله [فلا يصح حالا] فلا يصح السلم حالا، فلو قال: أسلمك مائة دينار على أن تعطيني ألف صاع حالة غير مؤجلة، فهذا لا يجوز، قالوا: لأن السلم والسلف فيهما معنى التأجيل، فإن السلم تعجيل للثمن وتأجيل للمثمن، وهكذا معنى السلف، فإذا أسلم حالا لم يصح، وقال الشافعية وهو رواية عن أحمد يجوز، وهو وجه عند الحنابلة، وعليه فيكون بيعا، وهذا القول هو الراجح، فهو إذا لم يكن سلما لأن معنى السلم مفقود فيه فهو بيع، والأصل في البيوع الحل، وإذا ثبت هذا فإن المسألة السابقة أولى، فإذا جاز أن يكون المسلم فيه حالا غير مؤجل، فأولى منه جواز تأجيله يوما أو يومين أو ثلاثة. * وقد اختلف أهل العلم هل السلم على خلاف القياس، أي هو في الأصل محرم لكن الشريعة أباحته للحاجة أم أنه بيع من البيوع وليس مستثنى للحاجة؟ قولان لأهل العلم: ١- المشهور عند الحنابلة أنه على خلاف القياس، وأنه في الأصل ممنوع، وإنما أجازته الشريعة للحاجة، ولذا منعوا من الصورتين السابقتين لقوله ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك) .

стр. 2178

٢- والقول الثاني أن بيع السلم بيع من البيوع، فهو لا يخالف القياس، وأما حديث: (لا تبع ما ليس عندك) فإنه محمول على أحد احتمالين: أ- المحمل الأول: أن يكون المراد به بيع العين غير المملوكة، كأن يقول: أبيعك هذه السلعة المشار إليها بكذا وكذا، وهي غير مملوكة له. ب- المحمل الثاني: أن يبيع موصوفا في الذمة غير موثوق بتسليمه، بل يمكن أن يسلم ويمكن ألا يسلم، فهذا لا يجوز لأن من شروط البيع القدرة على التسليم. ولا شك أن الأصل في أحكام الشريعة أنها عزيمة لا رخصة، فالأصل في الأحكام أنه لا تخالف القياس، وهذا ما قرره ابن القيم في أعلام الموقعين، وهو اختيار شيخ الإسلام، فالصحيح أن السلم بيع من البيوع، ولا شك أن كثيرا من تفصيلات الفقهاء في هذا الباب مبنية على أصلهم وهو أن السلم يخالف القياس فيشترط فيه ما لا يشترط في البيع، والصحيح ما تقدم، لأن الشريعة لم تنه عن بيع الموصوف في الذمة الذي هو موثوق من تسليمه غالبا، ومن ذلك بيع السلم. قوله [ولا إلى الحصاد والجذاذ] لو قال له: أبيعك أو أسلمك أو أسلفك مائة ألف ريال الآن على أن تعطيني كذا طنا من البر إلى الحصاد أو الجذاذ أو نحو ذلك مما هو معروف عند الناس عادة فلا يصح، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأنه يختلف، وقال المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد أن ذلك جائز وهو القول الراجح، وذلك لأنه معلوم في العادة، والتفاوت اليسير لا يؤثر، فالتفاوت اليسير كالأيام والأسبوع لا يؤثر، والحاجة داعية إلى ذلك، وهكذا لو قال إلى أن تصرف لنا الدولة أو نحو ذلك فالمذهب أن ذلك لا يجوز، والصحيح جوازه لما تقدم. قوله [ولا إلى يوم إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما]

стр. 2179

لا يجوز السلم إلى يوم لما تقدم من أن اليوم ليس له وقع في الثمن، وتقدم أن هذا القول مرجوح، واستثنى المؤلف فقال: إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم، كأن يعطي البقال مالا ويأخذ منه مدة شهر أو سنة حتى ينفد هذا المال، فهذا سلم لأنه قدم الثمن وأجل المثمن، قالوا: هذا يجوز إذا كان يأخذ منه على هيئة أقساط لأن الحاجة داعية إلى ذلك، وتقدم أن أصل هذه المسألة جائز، وإن لم يكن هذا مما يؤخذ كل يوم. قوله [الخامس: أن يوجد غالبا في محله] أي في أجله، وهذا هو الشرط الخامس، وهو أن يؤخذ غالبا في محله، فإذا اتفقا على أن يسلمه المسلم فيه - أي السلعة - إلى سنة في الشتاء، وكانت هذه السلعة لا تؤخذ في الشتاء إلا نادرا ووجودها إنما يكون في الصيف كبعض الفواكه فهذا لا يجوز، وكذا العكس، وهذا باتفاق العلماء كما حكى هذا الموفق ابن قدامة وغيره، وذلك لأنه غير مقدور على تسليمه حينئذ، ومن شروط البيع القدرة على التسليم. قوله [ومكان الوفاء] هذه اللفظ من المؤلف مراده فيها إذا باع ثمر بستان بعينه ونحوه فإن هذا لا يجوز، وذلك لأن هذا الثمر قد يتلف، فإذا قال مثلا: أسلمك مائة ألف ريال، على أن تعطيني قمح بستانك الفلاني هذه السنة، فلا يجوز هذا، وذلك لما تقدم من أنه قد يتلف فيكون في ذلك غررا، وهذا باتفاق العلماء، وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز عند بدو الصلاح واختاره طائفة من الحنابلة وهو الراجح، لأن السلم بيع من البيوع، وبيع الثمر وقد بدا صلاحه جائز، فقد أمن الآفة غالبا، فعلى هذا إذا باعه ثمرة بستان معين سلما ففي المسألة تفصيل وقد سبق. وكلمة (مكان الوفاء) مراد المؤلف منها ما تقدم، كما بين ذلك الشارح، ولكن هذه اللفظة لا يفهم منها هذا المراد، فهذه اللفظة فيها خطأ، ولفظة (مكان الوفاء) سيأتي الكلام على المسألة المتعلقة بها. قوله [لا وقت العقد]

стр. 2180

فلا يشترط أن يكون المسلم فيه موجودا في وقت العقد، وهذا ظاهر، والنبي ﷺ لم يشترطه ولا معنى لاشتراطه، فمثلا الفاكهة الفلانية نضجها في الصيف، فاتفقا في الشتاء على السلم فذلك جائز، لأن هذا وقت عقد لا وقت وفاء. قوله [فإن تعذر أو بعضه فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه] إذا تعذر المسلم فيه، كأن يعطيه عشرة آلاف درهم على أن يعطيه إلى سنة كذا وكذا صاعا من الرطب، فكان الآخر قد حصلت له آفة سماوية فلم يمكنه أن يعطيه رطبا، فحينئذ قد تعذر كله، وكذلك إذا تعذر بعضه كأن يتفقا على مائة صاع، ولم تنتج بستانه إلا خمسين صاعا، فله أن يصبر فمتى قدر المسلم إليه فإنه يعطيه حقه سواء كان هذا من هذه السنة أو من السنة الثانية، وله الفسخ أيضا، وحينئذ إما أن يكون الفسخ للكل أو للبعض، فإن كان قد أسلمه بعض الثمرة فالفسخ يكون للبعض، وإن كان لم يسلمه شيئا منها فإن الفسخ يكون للكل، فليست (أو) هنا للتخيير وإنما هي للتنويع. قوله (ويأخذ الثمن الموجود) فإذا كان الثمن موجودا فإنه يأخذه، (أو عوضه) فيأخذ عوضه إن لم يكن الثمن موجودا، فمثلا اتفقا على أن يدفع له مائة ألف ويعطيه الآخر بعد سنة كذا طنا من القمح، ثم تعذر عليه الكل، ولم يشأ المسلم الصبر وشاء الفسخ، فيقال: هل الثمن موجود، فإن كان موجودا أخذه، وإن لم يكن موجودا أخذ عوضه، فإن كان مثليا أخذ مثله، وإن كان غير مثلي أخذ قيمته، لأنه قد يكون السلم على غير الدراهم ونحوها، فقد يسلم على كذا وكذا من الشياة، فحينئذ يعطيه مثلها، وإن لم تكن مثلية فإنه يعطيه قيمتها، ويأتي إيضاح هذا في باب ضمان المتلفات. قوله [والسادس: أن يقبض الثمن تاما]

стр. 2181

فالشرط السادس أن يقبض الثمن تاما قبل التفرق، فمثلا اتفقا على ألف ريال بكذا صاع من البر إلى سنة فلا بد أن يأخذ المسلم إليه دراهمه في المجلس قبل أن يتفرقا، وهذا هو مذهب الجمهور، قالوا: لأن السلم والسلف لا يثبت إلا بهذا، فإن السلم تسليم الثمن والسلف تقديم الثمن، فإن لم يتقدم الثمن ولم يسلم في مجلس العقد فإنه لا يكون سلما ولا سلفا، وحينئذ فالسلم والسلف مستثنى من حديث: (لا تبع ما ليس عندك) ، وقال المالكية: بل يصح، وهذا القول هو الراجح، لما تقدم، فإن السلم من أنواع البيوع، وهو إن لم تكن هنا سلما فهو بيع، فنحن إن سلمنا أنه ليس بسلم لأن السلم يقدم فيه الثمن في مجلس العقد فإنه بيع من البيوع، فإن قيل: قد نهى النبي ﷺ عن بيع الدين بالدين، وهذا بيع الدين بالدين، فإنه إذا قال: أبيعك ألف ريال غدا أسلمها لك، على أن تعطيني كذا وكذا بعد شهر فهذا من بيع الدين بالدين، فالجواب: أن ما روي عن النبي ﷺ من نهيه عن بيع الدين بالدين لا يصح، وإنما صح الإجماع على النهي عن بيع الدين بالدين في بعض صوره، وقد تقدم ذكر الصور المنهي عنها، وهنا قد ثبت الخلاف فلا إجماع، ثم إن الأصل في البيوع الحل، وهذه الصورة ليس فيها ما يفسدها، بل كل من المتعاقدين له مصلحة في شغل ذمته بما شغلها به، وليس هذا داخلا في الأصناف الربوية فيكون ربا، وعلى هذا فهو حلال. قوله [معلوما قدره ووصفه] هذا ظاهر، وقد تقدم أن من شروط البيع أن يكون الثمن معلوما، فإن كان الثمن مجهولا فهذا بيع غرر، وقد نهى الشارع عن الغرر. قوله [قبل التفرق] تقدم الكلام على هذا. قوله [وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه]

стр. 2182

هذا مبني على اشتراط ثبوت القبض في مجلس العقد، فإذا لم يقبض الثمن في مجلس العقد فإن عقد السلم يكون باطلا، وإن كان قد قبض بعضه فيصح في المقابل له، ويبطل فيما عداه. قوله [وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه صح] صورة هذه: قال أعطيك مائة ألف ريال في على أن تعطيني مائة طن من القمح، فقال الآخر: نعم بشرط أن تكون خمسين طنا في أول الحصاد، وخمسين طنا في آخر الحصاد، أو خمسين طنا في شهر كذا ونحو ذلك، فهذا جائز، وعكسه كذلك: أي كانا جنسين ولهما أجل واحد، وصورته أن يقول: أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني خمسين طنا من القمح وخمسين طنا من الشعير إلى سنة، فهنا أسلف في جنسين إلى أجل واحد، وهذا جائز. قوله [إن بين كل جنس وثمنه] هذا في المسألة الثانية، وهي ما إذا كان الجنسان لهما أجل واحد، فلا بد أن يبين قدر كل جنس وأن يبين ثمنه، وقوله (بين كل جنس) هنا حذف، والتقدير: إن بين قدر كل جنس، كما تقدم في المثال السابق، لأنه إن لم يبين قدر كل جنس فإنه يقع في بيع الجهالة، فقد يكون تسعين طنا من الشعير، وعشرة أطنان من القمح، وقد يكون العكس، وهذه جهالة، وقوله (وثمنه) أي كذلك لا بد أن يبين ثمن كل جنس، فيقول: خمسين طنا من القمح بكذا، وخمسين طنا من الشعير بكذا، فإنه قد يقع فسخ كما تقدم، فقد يعجز أن يعطيه ما وعده به فيكون الفسخ حينئذ، فإذا لم يبين ثمن كل جنس وقع في الجهالة عند الفسخ. قوله [وقسط كل أجل]

стр. 2183

هذا في المسألة الأولى، وهي إذا كان الجنس له أجلان، فإذا قال: أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني مائة طن من القمح على قسمين الأول يكون شهر كذا، والقسم الثاني يكون شهر كذا، ولم يبين نصيب كل شهر من الأطنان، فهذا فيه جهالة، فقد يعطيه خمسة أطنان في الشهر الأول، ويدخر خمسة وتسعين طنا في الشهر الثاني فيقع حينئذ نزاع وجهالة، فلا بد من أن يبين فيقول مثلا: في الشهر الأول أعطيك خمسين طنا، وفي الشهر الثاني أعطيك ثلاثين أو نحو ذلك. قوله [السابع: أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين] فلو قال: أعطيني مائة ألف ريال على أن أعطيك داري هذه إلى سنة، فهذا لا يجوز، والصحيح جوازه لأن هذا لا يعدو أن يكون بيعا من البيوع، والأصل في البيوع الحل، وإذا تلف فإن عليه عوضه، أي مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن كان مقوما، وهو قد باع ما يملك فلا يدخل في قول النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك) . قوله [ويجب الوفاء موضع العقد] هنا مسألة: وهي أين يكون الوفاء؟ هل يأتي المسلم إليه بالسلعة إلى المسلم؟ أو يأتي المسلم إلى المسلم إليه ليأخذ السلعة؟ قال المؤلف: يجب الوفاء موضع العقد، قالوا: لأن مقتضى العقد يدل على هذا، فمقتضى العقد أن يكون محل التسليم هو محل العقد، وهذا هو المشهور من المذهب، والراجح أن مرجع ذلك إلى العرف، فإذا كان عرف الناس مثلا أن يذهب صاحب المال إلى مزرعة المسلم إليه ليأخذ الحب أو الثمر فإن الناس على عرفهم، وكذا العكس. قوله [ويصح شرطه في غيره] فيصح أن يشترط الوفاء في موضع آخر غير موضع العقد، والمسلمون على شرطهم. قوله [وإن عقد ببر أو بحر شرطاه] إذا كان العقد في البر أو في البحر فحينئذ لا بد أن يشترطا موضعا للوفاء، قالوا: لأن الموضع الذي هما فيه لا يمكن أن يوفى فيه، فلا بد من الشرط، وحيث قلنا إن المرجع إلى العرف فلا إشكال في هذا.

стр. 2184

قوله [ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه] لا إشكال في هذا، فقد تقدم نهي النبي ﷺ عن البيع قبل القبض، وهكذا في السلم فلا يجوز بيع المسلم فيه، فإذا قال مثلا أعطني مائة ألف ريال على أن أعطيك كذا طنا من القمح إلى سنة، ثم جاء شخص إلى المشتري بعد يوم أو يومين فقال: أنا اشتري منك الأطنان التي عندك لفلان إلى سنة، وأعطيك كذا وكذا، فهذا لا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن ربح مالم يضمن، وهو لم يضمن هذا ولم يقبضه. * لكن هل يجوز بيعه إلى المسلم إليه قبل قبضه؟ كأن يقول: أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني مائة صاع من البر إلى سنة، وبعد شهر أو شهرين قال المسلم إليه: أنا أريد أن تبيعني ما في ذمتي لك، فاتفقا على شيء من الثمن فذلك جائز على الصحيح، والمذهب لا يجوز، والصحيح جوازه كما تقدم في اختيار شيخ الإسلام في النهي عن بيع ما لم يقبض، وأن بيعه على بائعه جائز، فإذا باع المسلم على المسلم إليه ما أسلم فيه فهذا جائز، ما لم يكن فيه ربا كما تقدم، وبشرط ألا يربح فيه، لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن. قوله [ولا هبته] فلا تصح الهبة، وظاهر كلام المؤلف أن هذا عام في المسلم إليه وغيره، وهذا غير صحيح، فإنه عند الحنابلة أنه إذا وهب المسلم فيه إلى المسلم إليه فذلك جائز، لأن هذا إبراء لذمته، وهذا هو الصحيح في المذهب، والمراد هنا هبته إلى غيره، لا هبته إلى المسلم إليه، وقد تقدم أن شيخ الإسلام يختار أن المنهي عنه قبل القبض هو البيع فحسب، وأما الهبة ونحوها قبل القبض فهي جائزة، وهذه المسألة تدخل فيها إذ لا غرر في ذلك. قوله [والحوالة به ولا عليه]

стр. 2185

والحوالة به أي بالسلم، والحوالة عليه أي على المسلم فيه، مثال الصورة الأولى: رجل أخذ مائة ألف ريال على أن يدفع مائة صاع من البر إلى سنة، ثم قال لمن أعطاه المال: أنا أحيلك على فلان وأبريء ذمتي، فقالوا: هذا لا يجوز الحوالة به، وأيضا لا يجوز الحوالة عليه، ومثاله: هذا الرجل الذي دفع مائة ألف ريال على كذا طن من القمح، هناك أحد يريد منه دين، فقال: تأخذها من فلان قمحا بعد سنة، فقالوا: هذا لا يجوز، قالوا: لأن دين السلم غير مستقر، فقد يفسخ البيع، وهذا ضعيف، فإن الأصل هو عدم فسخه، والأصل هو ثبوته، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد واختيار بعض الحنابلة واختار هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، فالصحيح أن الحوالة فيه جائزة، وذلك لأنه دين، فأشبه سائر الديون. قوله [ولا أخذ عوضه] فإذا قال: أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني كذا طنا من القمح، فلما جاء الوقت قال: أريد أن أعتاض عنها بكذا وكذا من البر، أو قال أعتاض عنها بكذا وكذا من الدراهم، قالوا: هذا لا يجوز، وقد تقدم أنهم يجيزونه في غير هذه المسألة في الديون كما ثبت في حديث ابن عمر، أما في السلم فلا يجوز عندهم، قالوا: لأن النبي ﷺ قال كما في سنن أبي داود: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) [د ٣٤٦٨، جه ٢٢٨٣] والحديث فيه عطية العوفي وهو ضعيف، وقال الإمام مالك بل يجوز هذا وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح، وقد تقدم أثر ابن عمر الذي روي مرفوعا وموقوفا والصواب وقفه. قوله [ولا يصح الرهن والكفيل فيه]

стр. 2186

هذه مبنية على المسألة السابقة، فلا يصح الرهن لأنه بذلك يصرفه إلى غيره، فالفائدة من الرهن أنه إذا لم يسلمه فإنه يستوفي حقه من الرهن، وهو بذلك يكون قد صرفه إلى غيره، والكفيل فائدته أنه يضمن، فإذا لم يأت المسلم إليه بالمسلم فيه فإنه يدفع - أي الكفيل - من ماله للمسلم، فحينئذ يكون قد صرفه إلى غيره، والراجح ما تقدم من جواز العوض فيه، فيجوز الرهن والضمان والكفالة فيه كغيره من الديون. باب القرض قوله [وهو مندوب] القرض لغة: القطع، واصطلاحا: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، والقرض مندوب كما قال المؤلف، فهو مستحب من المقرض، وهو مباح من المقترض، وقد قال النبي ﷺ : (من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) [م ٢٦٩٩] ، وروى الإمام أحمد وابن ماجة والحديث حسن لغيره أن النبي ﷺ قال: (إن السلف - أي القرض - يجري مجرى شطر الصدقة) [حم ٣٩٠١، جه ٢٤٣٠] . قوله [وما يصح بيعه صح قرضه إلا بني آدم] أي إلا الرقيق عبدا كان أو أمة، فكل ما صح بيعه صح قرضه من دراهم ودنانير وبر وقمح وحيوان وغير ذلك، واستثناء العبد والأمة هو المشهور في المذهب، قالوا: لعدم النقل في هذا، والوجه الثاني في المذهب هو جواز إقراض الرقيق عبدا كان أو أمة، واختاره الموفق ابن قدامة وهو الراجح، إذ عدم نقله ليس بمؤثر لأن الأصل في المعاملات الحل، فلا يشترط فيها النقل، وكثير من المسائل التي هي في باب العقود والمعاملات لم تنقل، فلا يعني هذا أنها لا تحل، وإنما يشترط النقل في تحريمها، ومنع منه المالكية والشافعية في الأمة لئلا يكون ذلك ذريعة إلى وطئها، وأباحوه إن كان المقترض من محارمها، والراجح ما تقدم، ذلك لأنه بالقرض قد ملك هذا الرقيق عبدا كان أو أمة.

стр. 2187

وظاهر كلام المؤلف أن المنافع لا يجوز إقراضها إذ لا يصح بيعها كما تقدم في المذهب، فالمنافع كالعمل في حصاد أو السكنى في بيت أو نحو ذلك ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز إقراضها لأن بيعها لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن إقراض المنافع جائز، كأن يقول: أحصد معك اليوم وتحصد معي غدا، أو يجذ معك رقيقي اليوم بشرط أن يجذ معي رقيقك غدا، أو يقول: أسكني دارك اليوم وأسكنك داري غدا، فهذا جائز على الراجح لأن الأصل في المعاملات الحل. قوله [ويملك بقبضه فلا يلزم رد عينه] يملك القرض بقبضه، فإذا قبضه فقد ملكه، فلا يلزمه أن يرد عين القرض، بل الذي يلزمه أن يرد مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان مقوما، وذلك لأنه ملك بالقبض، وهذا ظاهر لأنه إنما أقرضه ليملكه فينتفع به، وقد رضي المقرض بذلك فكانت هذه العين ملكا للمقترض يتصرف فيها كما يتصرف في سائر ملكه فلا يلزمه أن يرد عينها، فمثلا اقترض منه بكرا من الإبل، وبقي عنده هذا البكر حتى أتى الأجل الذي يقضي فيه الدين، فلا يلزم المقرض أن يقضيه هذا البكر، بل له أن يعطيه غيره. قوله [بل يثبت في ذمته حالا ولو أجله]

стр. 2188

فبمجرد القرض يثبت البدل مثلا إن كان مثليا، أو قيمة إن كان متقوما، ويكون حالا ولو أجله، فللمقرض أن يطالبه متى شاء، وإن كان الاتفاق بينهما أنه على أجل، كأن يتعاقدا بينهما على أن يكون الوفاء بعد سنة، فللمقرض أن يطالبه قبل ذلك، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الجمهور، قالوا: لأن القرض يمنع فيه التفاضل فيمنع فيه التأجيل أيضا كالصرف، فالصرف يمنع فيه التفاضل والتأجيل فكذلك القرض، وهذه العلة ضعيفة، ولهذا ذهب المالكية إلى جواز التأجيل، وأنه يكون ملزما فلا يحق للمقرض المطالبة قبل الأجل، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وذلك لأن المسلمين على شروطهم، ولأن الله أمر بالوفاء بالعهد، ولأن المقرض قد أسقط حقه برضاه بذلك الأجل فلا يحل له المطالبة به، وهذا اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والجواب عما ذكره أهل القول الأول أن يقال: هناك فرق بين الصرف وبين القرض من جهتين: ١- الجهة الأولى: أن الصرف بيع، فهو معاوضة، وأما القرض فهو تبرع وإحسان وإرفاق فبينهما فرق والقياس مع الفارق باطل. ٢- الجهة الثانية: أنكم تجيزون عدم مطالبة المقرض للمقترض، وهذا تأجيل ولا تجوزونه في الصرف، فلو أن رجلا أعطى آخر دراهم صرفا، فلا يحل التأخير سواء اشترطاه أم لم يشترطاه، وأما هنا فإنه لو أقرضه مائة ألف فإنه يجوز له أن لا يطالبه بل يؤجل مطالبته، وهذا فرق بينهما. قوله [فإن رده المقترض لزمه قبوله] هذا ظاهر، فإذا رده المقترض كما أخذه سليما من العيب فإنه يلزمه أخذه ولا يلزمه المقرض بالبدل، فمثلا: استقرض منه حيوان، ثم من الغد أرجعه إليه، فيلزمه أن يقبله إذ لا ضرر عليه في قبوله إلا أن يكون فيه عيب فله رده، وإنما أوجبنا البدل في الذمة لأنه في الغالب يتصرف بهذا الشيء الذي استقرضه فيلزمه المثل أو القيمة على ما تقدم.

стр. 2189

قوله [وإن كانت مكسرة أو فلوسا فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض] أي إن كانت الدراهم مكسرة أو فيها قص وتكسير ونحو ذلك، أو كان هناك فلوس فمنع السلطان منها فله القيمة وقت القرض، مثاله: رجل أقرض الآخر دراهم مكسرة - أي لا يعرف وزنها فهي دراهم مكسرة - فعند الرد يلزم برد المثل لأنها لها مثل، وكذلك إذا منع السلطان الناس من التعامل بالدراهم المكسرة فله القيمة وقت القرض، وقال بعض الحنابلة: بل يعطي قيمتها عند تحريم السلطان لها، وذلك لأن المتعلق في ذمته هو المثل، حتى منع السلطان التعامل بها فانتقل حينئذ إلى البدل وهو القيمة، فلزمته القيمة من وقت تحريم السلطان لها، وهذا القول هو الراجح. قوله [ويرد المثل في المثليات] وهذا ظاهر فالمثليات كالموزونات مثلا يجب أن يرد مثلها، كأن يأخذ مائة صاع من القمح فيرد إليه مائة صاع من القمح. قوله [والقيمة في غيرها] إذا لم يكن الشيء مثليا كبعض الجواهر فإنه يرد إليه قيمتها. قوله [فإن أعوز المثل فالقيمة إذن] أي إن تعذر المثل فالقيمة إذن، أي القيمة حينئذ أي حين الإعواز، ومثاله: كان الواجب عليه كذا وكذا من الطعام الفلاني، وكان يمكنه أن يعطيه مثله، فتعذر المثل فحينئذ تجب القيمة، فهل نقول تجب القيمة عند وقت القرض كالمسألة السابقة، أو نقول: تجب القيمة عند وقت الإعواز والتعذر؟ قالوا: عند التعذر، وذلك لما تقدم فالقيمة إنما وجبت في ذمته عندما تعذر مثلها، وأما وقت القرض فكان المتعلق بذمته هو المثل نفسه، فيكون المؤلف قد فرق بين المسألتين من غير ما فرق مؤثر، والفارق بين هاتين المسألتين أن المسألة الأولى: قالوا: الدراهم والفلوس تتغير تغيرا سريعا وتختلف اختلافا كبيرا في الزمن، وهذا في الحقيقة ليس بمؤثر، فإنه يمكننا أن نضبط قيمتها في اليوم الذي تعذر فيه، وهو تحريم السلطان لها. قوله [ويحرم كل شرط جر نفعا]

стр. 2190

فكل شرط جر نفعا فهو حرام، وروى الحارث بن أبي أسامة أن النبي ﷺ قال: (كل قرض جر نفعا فهو ربا) والحديث إسناده ضعيف جدا، لكن له شواهد من أقوال الصحابة، فقد روى البخاري معلقا عن عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة:" إنك بأرض الربا بها فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا " [خ ٣٨١٤] فهذه هدية مالية فكان ذلك ربا، ونحوه في المنع من الهدية عن ابن عباس عند البيهقي بإسناد صحيح، وأما رفع ذلك فلا يصح. وقد اتفق العلماء على القول به، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، كأن يقول له: أقرضك مائة ألف ريال إلى سنة على أن تسكني دارك أو على أن تعمل لي أو نحو ذلك فهذا لا يجوز. قوله [وإن بدأ به بلا شرط...... جاز] مثاله: اقترض رجل من آخر مائة ألف ريال، فلما أتى وقت الوفاء أعطاه زيادة على ذلك عشرة آلاف ريال فهذا جائز، فإذا أعطاه مع الوفاء أو بعده فهذا جائز إذا لم يكن هناك مواطأة بينهما، وقد ثبت في مسلم: (أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرا، فلما جاءت إبل الصدقة أمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال للنبي ﷺ لم أجد إلا خيارا رباعيا، فقال النبي ﷺ أعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء) [م ١٦٠٠] فهذا مع الوفاء فهو جائز، وقد اتفق أهل العلم على جوازه، والسنة تدل عليه. قوله [أو أعطاه أجود] كما تقدم في حديث أبي رافع. قوله [أو هدية بعد الوفاء جاز] أي أهدى إليه هدية بعد الوفاء فهذا كله جائز، وأما الهدية قبل الوفاء فلا تجوز للحديث المتقدم، وتقدم أثر عبد الله بن سلام. قوله [وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز إلا أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دينه]

стр. 2191

إذا تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء فهذا لا يجوز إلا أن تكون قد جرت العادة بينهما بمثل هذا، فإذا كان بينهما تهاد من قبل فاقترض أحدهما من الآخر شيئا وأهداه هدية فهذا جائز، لأن جريان العادة بينهما بذلك قرينة ظاهرة على أنه لم يرد مجازاته على قرضه، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، أما إذا لم تجر العادة بينهما بذلك فلا يحل للمقرض أن يقبل منه الهدية، لكن إذا نوى أن يكافئه عليها فهذا جائز، لأن هذا القرض لم يجر نفعا زائدا، بل جر نفعا مقابلا بنفع آخر، ويجوز أن يقبل الهدية في حالة أخرى وهي ما إذا نوى احتسابه من دينه، أي ينوي أن ينقص الهدية من الدين، فهذا جائز. قوله [وإن أقرضه أثمانا فطالبه ببلد آخر لزمه] مثاله: إذا أقرض زيد عمروا مائة ألف ريال في بلدة - وتقدم أن مكان الوفاء هو مكان العقد في السلم وأن الراجح أن ذلك راجع إلى العرف - فهنا إذا أقرضه أثمانا فطالبه ببلد آخر لزمه، لأنه لا ضرر عليه بدفعها، وهو واجب عليه. قوله [وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص]

стр. 2192

هذه الأثمان التي تقدم ذكرها لا تحتاج في حملها إلى مؤونة، لكن لو كانت أشياء تحتاج في حملها إلى مؤونة كأن يكون قد أقرضه طعاما أو حيوانا أو نحو ذلك ثم طالبه به في بلد آخر فقال هنا: الواجب عليه القيمة، وذلك لأن نقل الطعام أو الحيوان إلى هذه البلد الأخرى تحتاج إلى مؤونة فلم يلزم ذلك، وإنما يلزم بالقيمة، لأن القيمة لا ضرر بها، والقيمة مرجعها إلى البلد الذي يجب عليه أن يقضيه فيها، فمثلا أقرضه حيوانا وطالبه في الخارج، وكان قد استدان منه الحيوان في الداخل، والحيوان هنا يساوي خمسمائة ريال، وفي الخارج يساوي ألف ريال، فإنه يعطيه قيمته هناك، وإن كان لا شك أن الأصلح له أن يقبل ويعطيه إياه مثليا، ولذا قال المؤلف: إن لم تكن ببلد القرض أنقص، فإن كانت ببلد القرض أنقص فإنه يلزمه، مثلا: كانت تساوي في بلد القرض خمسمائة ريال، وتساوي في البلد الآخر أربعمائة ريال، فإنه حينئذ لا ضرر عليه بل له نفع أن يعطيه إياها كذلك، وذلك لأنها ببلد القرض أنقص، كذا قال المؤلف، والعبارة الصحيحة كما قال الشارح (أكثر) ، وعلى هذا فإذا كان القرض أثمانا فطالبه بها في بلد آخر فإنه يلزمه أن يعطيه إياها، إذ لا ضرر عليه في ذلك، وأما إن كان غير أثمان وفي حملها مؤونة فلا تخلو من حالين: الأولى: أن يكون ثمنها في بلد القرض أكثر فحينئذ يلزمه أن يدفع المثل، إذ لا ضرر عليه في ذلك بل فيه نفع له. الثانية: أن يكون ثمنها في بلد القرض مساويا أو أنقص فحينئذ لا يلزمه ذلك، بل الذي يلزمه أن يدفع القيمة. * مسألة السفتجة.

стр. 2193

السفتجة هي لفظة أعجمية، وصورة المسألة: أن يعطي الرجل الآخر مالا في هذه البلدة، ويأخذ من وكيله ما يقابله في بلد آخر، مثلا: يقول أنا أريد السفر إلى العراق، وفي العراق وكيل لصاحبه، وهذا لما كانت الطرق غير آمنة ويخشى على المال، فيقول لصاحبه: أنا أعطيك ألف وتكتب لي ورقة إلى وكيلك هناك فيعطيني مائة ألف، فما حكم ذلك؟ ١- منع الجمهور من هذه المعاملة لوجود النفع، وقد تقدم أن كل قرض جر نفعا فهو ربا. ٢- وذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام إلى جواز ذلك، وذلك لأن هذا القرض لم يجر نفعا ماديا، بل هو نفع غير مادي، فلكل منهما مصلحة، وليس هذا النفع جنس الهدايا ونحوها التي ورد النهي عنها. ** مسألة: " ضع وتعجل "، وهي أن يقول الرجل لمن له عليه دين، ضع عني شيئا من الدين وخذا لمال الآن، فمثلا: الأجل كان إلى سنة، والمال عشرة آلاف ريال، فيقول ضع عني ألفا وخذ تسعة آلاف الآن قبل أوانها، أو العكس بأن يقول المقرض أعطني تسعة آلاف الآن وأسقط عنك الباقي، فهذه المسألة اختلف العلماء فيها: ١- جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف منعوا مثل هذه المعاملة.

стр. 2194

٢- عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن هذا جائز، وحكاه شيخ الإسلام قولا في مذهب الحنابلة، ولا يصح عن النبي ﷺ حديث لا في المنع ولا في الإجازة، وأما ما روى عن النبي ﷺ من قوله للمقداد: (أكلت الربا يا مقداد وأطعمته) [هق ٦ / ٢٨] وما روي عنه في قوله لبني النظير: (ضعوا وتعجلوا) [هق ٦ / ٢٨، طس ١ / ٣٣٨ برقم ٨٢١، قط ٣ / ٤٦] والخبران رواهما البيهقي وكلاهما لا يصح عن النبي ﷺ ، وأقوال الصحابة فيها متعارضة فعن ابن عمر المنع كما في سنن البيهقي [هق ٦ / ٢٨] وعن ابن عباس الجواز كما في سنن البيهقي أيضا [هق ٦ / ٢٨] والإسناد إليهما صحيح. وحجة الجمهور أن هذا النقص يقابل الأجل، قالوا: فأشبه الربا، فالربا الزيادة في مقابل الأجل، وكذلك هنا النقصان في مقابل الأجل، وأما حجة أهل القول الثاني فهي أن الأصل في المعاملات الحل، وهذه معاملة فتكون مباحة، قالوا: وأما قولهم إن النقصان هنا يقابل الأجل فأشبه الربا وذلك لأن الربا زيادة في مقابل الأجل فضعيف جدا، وذلك لأن الربا زيادة واستغلال وأكل للمال بالباطل، وأما مسألة ضع وتعجل فإن فيها إرفاقا وإبراء للذمة ومصلحة أيضا، وهي نقصان المال المطلوب لا وليس زيادته، والربا زيادة فيكون هذا من باب إعطاء حكم الشيء لنقيضه، فقد أعطوا حكم الربا لنقضيه، والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وعليه عمل الناس اليوم. باب الرهن الرهن لغة: الدوام والثبوت. وفي الاصطلاح عند فقهاء الحنابلة: توثيق دين بعين، هذا هو تعريفهم، وسيأتي بيانه، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ ، وفي البخاري وغيره أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما ورهن درعه عنده [خ ٢٩١٦، م ١٦٠٣] وقد أجمع العلماء على جواز الرهن.

стр. 2195

والحكمة منه توثيق الدين، فكما أن الدين يوثق بالشهود طمأنينة لقلب الدائن وحفاظا على حقه فكذلك يوثق بالرهن. إذا علم هذا فليعلم أن ما تقدم من تعريف الحنابلة للرهن فيه نظر، فإن الحنابلة لا يرون الرهن إلا بالعين، ولذا قال المؤلف: قوله [يصح في كل عين] أما إذا كان الرهن دينا أو منفعة فلا يصح، وهذا هو المشهور من المذهب، فلا بد أن يكون عينا، كأن يقول: أقرضني مائة ألف ريال وأضع عندك داري أو أرضي رهنا، فإذا أتى وقت الوفاء وتعذر الوفاء فإن الرهن يباع، ويستوفى حقه منه. فلا بد أن يكون عينا كما هو المشهور من المذهب، قالوا: لأن المقصود منه استيفاء حق المرتهن ببيعه إن تعذر الوفاء، وعليه فإذا كان دينا أو نحوه فإن ذلك لا يجوز، والقول الثاني وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن كل ما يحصل به التوثيق يصح أن يكون رهنا، سواء أكان ذلك عينا أو دينا أو منفعة، لأن المقصود هو التوثيق، ويحصل التوثيق بالدين والمنفعة. ولذا قال بعض الحنابلة - وهو خلاف المشهور من المذهب - يجوز أن يكون الرهن دينا على المرتهن للراهن، مثال ذلك: إذا كان لزيد على عمرو مائة صاع من البر إلى سنة، فأراد زيد أن يستدين منه، فيقول زيد لعمرو مثلا: أستدين منك مائة ألف ريال على أن يكون الذي عليك رهنا.

стр. 2196

واختار الشيخ السعدي جوازه في عامة الديون التي في الذمم، فلو قال: أرهنك الدين الذي لي في ذمة فلان، وهذه الأوراق التي تثبته، ويكتب له بذلك، فإن هذا صحيح لحصول التوثيق به، كذلك لو كان منفعة كأن يقول أنا قد استأجرت هذه الأرض الزراعية مدة خمس سنوات، فهي الآن في يدك، فأجرها على من شئت واحفظ المال الذي ينتج من إجارتها رهنا للدين الذي علي، فهذا يصح، وقاعدة المذهب أن الرهن من باب المعاوضات فعليه لا يصح رهن إلا ما يجوز بيعه، وعلى القول المتقدم وهو اختيار الشيخ السعدي أن الرهن ليس من باب المعاوضات بل هو من باب التوثيقات، وباب التوثيقات أوسع من باب المعاوضات، فالمقصود منه التوثيق وليس بيعا، وستأتي بعض المسائل التي يرجحها الحنابلة ويصححون الرهن فيها، مع أن البيع لا يصح فيها، كرهن الثمر قبل بدو صلاحه، فإنه لا يجوز بيعه، لكنهم يصححون رهنه. قوله [يجوز بيعها حتى المكاتب] فالمكاتب يجوز أن يكون رهنا، وصورة الرهن فيه، أن يكون ما يأتي به من أقساط شهرية يدفعها للمرتهن، ويبقى عقد الكتابة على ما هو عليه، فيعمل ليحرر نفسه، فإذا أمكنه أن يحرر نفسه كانت هذه الأقساط المجموعة رهنا عند المرتهن، وإن لم يمكنه فيبقى هو رهن أيضا لأنه يجوز بيعه، وما جاز بيعه جاز رهنه، وعلى القول المتقدم وهو الراجح فإن هذا ظاهر لحصول الثقة بذلك عند المرتهن، والقول الثاني في المذهب أن المكاتب لا يصح رهنه، وذلك لأن مقتضى الكتابة أن يكون حرا بعمله، فهو يذهب إلى أي موضع شاء للعمل، ومن شروط الرهن عند الحنابلة استدامة القبض، ولا شك أن بقاء المكاتب عند المرتهن يخالف مقتضى عقد الكتابة، والصحيح ما سيأتي من ترجيح أن استدامة القبض ليس بشرط، وعليه فلا مانع من أن يكون المكاتب رهنا، ويعمل كيف شاء. قوله [مع الحق وبعده] قوله (مع الحق) كأن يقول أقرضني مائة ألف وأضع بيتي رهنا عندك.

стр. 2197

وقوله (بعده) أي بعد أن يتفقا على البيع وهما يكتبان الدين يقول: بشرط أن تكون دارك رهنا عندي، فهذا جائز لعموم قول الله تعالى ﴿فإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ ولحصول المقصود من الرهن، وظاهر كلام المؤلف أن الرهن قبل الحق لا يصح، وصورته لو قال: أضع عندك داري رهنا على أن تقرضني بعد شهر كذا وكذا من الدراهم، فالمشهور من المذهب أن هذا لا يجوز، وعللوا ذلك بأن الرهن لاحق للحق، وهنا كان الرهن سابقا له، فالرهن المقصود منه توثيق الحق، فالحق سابق، وهذه علة ضعيفة، وذلك لأن التوثيق حاصل وإن كان الرهن مدفوعا قبل الحق، والأمور مع عللها، فالعلة من الرهن التوثيق، وهي حاصلة سواء أكان الرهن قبل الحق أو معه أو بعده، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ومالك واختيار أبي الخطاب من الحنابلة، فالصحيح أن الرهن قبل الحق صحيح، فإن استقرض منه وإلا فإنه أخذ حقه، ولا دليل يدل على المنع والأصل في المعاملات الحل. [قلت: إلا أنه إن رهنه قبل الحق لم يكن واجبا، إلا مع ثبوت الحق –والله أعلم-] . قوله [بدين ثابت] أي دين مستقر، أما إذا كان الدين عرضة للزوال فلا يصح الرهن فيه، والديون نوعان: ١- دين مستقر: كأن يقول أقرضني مائة ألف، أو بعني هذه السلعة بعشرة آلاف إلى سنة. ٢- دين غير مستقر: كدين الكتابة، فإنه يمكن للمكاتب أن يعود إلى سيده ويقول أريد أن أقطع الكتابة وأعود عبدا، ويمكن أن يعجز المكاتب عن سداد دين الكتابة، فهو دين غير مستقر.

стр. 2198

قالوا: فالرهن إنما يصح في الدين المستقر، فليس للسيد أن يقول لعبده أكاتبك على أن ترهنني كذا وكذا، كما أن العبد المكاتب إذا وضع عند سيده رهنا فهذا الرهن ليس بمعتبر لأنه في غير موضعه، وهذا فيه نظر، والأظهر جواز الرهن، لأن المقصود منه توثيق الدين بهذا الرهن للمرتهن، وحينئذ فلا مانع من جوازه والأصل في المعاملات الحل، فلا مانع أن يضع على الدين غير المستقر رهنا، ومتى ما سقط هذا الدين فإن الرهن يبطل، فإذا عجز المكاتب عن الكتابة فإنه يعود قنا، فإن كان المال للعبد كان لسيده، وإن كان ليس للعبد بل هو عارية أو نحو ذلك فإنها ترجع إلى صاحبها، ولا يترتب على هذا أي شيء، والرهن المتقدم حصل فيه توثيق للدين، وهذا هو القول الثاني في المذهب. قوله [ويلزم في حق الراهن فقط] فالرهن يلزم في حق الراهن، فهو عقد لازم في حق الراهن، وعقد جائز في حق المرتهن، فالمرتهن هو صاحب الدين، فله أن يسقط الرهن لأنه حق له. قوله [ويصح رهن المشاع] كأن يكون لرجلين أرض يشتركان فيها اشتراكا مشاعا لكل واحد منهما النصف، فله أن يرهن نصيبه أو بعضه، وذلك لأن البيع جائز فالرهن جائز، وحيث قلنا إن الرهن توثيق وليس بمعاوضة فذلك أولى بالجواز. قوله [ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه] هنا مسألتان: الأولى: رهن المبيع على ثمنه، فهذا جائز لعمومات الأدلة، فلو قال زيد لعمرو: أشتري منك هذه الدار بمائة ألف ريال مقسطة وتكون هذه الدار رهنا عندك، فمتى ما قضيت حقك أخذتها، وإن لم أعطك حقك فلك أن تبيعها وتأخذ حقك منها، فهذا جائز لعمومات الأدلة.

стр. 2199

الثانية: أن رهن المبيع غير المكيل والموزون جائز قبل قبضه، مثاله: رجل اشترى سيارة، وقبل قبضها رهنها، فهذا جائز على المذهب، وكذلك لو اشترى أرضا ورهنها قبل قبضها فهذا جائز، لكن إن اشترى مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا فإنه ليس له أن يرهنه حتى يقبضه، وذلك للقاعدة المتقدمة وهي أن ما جاز بيعه جاز رهنه، ولا يجوز بيع المكيل والموزون ونحوهما قبل قبضها ولو على البائع في المشهور من المذهب، واختار شيخ الإسلام أن الرهن جائز في كل مبيع قبض أو لم يقبض، وقد تقدم هذا عند نهي النبي ﷺ عن بيع ما لم يقبض، وأن شيخ الإسلام يرى أن سائر العقود سوى البيع لا يشترط فيها القبض، ومن ذلك الرهن فإنه يجوز فيما لم يقبض، ومثاله: اشترى زيد من عمرو دارا، ولما يقبضها بعد، ثم رهنها، فهذا جائز، وذلك لحصول المقصود فإن التوثيق حاصل كما تقدم في كلام الشيخ السعدي. قوله [وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه] وهذا ظاهر لأنه لا يحصل به الثقة، فما دام لا يجوز بيعه كالموقوف فإنه لا يصح بيعه فلا يصح رهنه، ولا فائدة من رهنه لأن بيعه لا يمكن فلا يحصل به الثقة، وهذه القاعدة قاعدة أغلبية، وقد تقدم بعض الاستثناء فيها، ولكن متى حصلت الثقة فيما لا يجوز بيعه فإنه يجوز رهنه، فلو حصلت الثقة في بعض الديون أو المنافع - على القول بعدم جواز بيعها وقد تقدم اختيار شيخ الإسلام من جواز بيعها - فإنه يصح رهنها. قوله [إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع] تقدم أن الثمار لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها، وأن الحب لا يجوز بيعه قبل اشتداد حبه، فهل يجوز أن يرهن ذلك أم لا؟

стр. 2200

على القاعدة المتقدمة لا يجوز، لأنه لا يجوز بيعها، وقال الحنابلة هنا بل يجوز، وخالفوا قاعدتهم المتقدمة، قالوا: لأن النهي عن البيع قبل بدو الصلاح إنما هو خشية الآفة، وهنا في باب الرهن لو تطرقت إليه الآفة فلا ضرر على المرتهن لأن الحق ثابت بغير الرهن، فالدين ثابت في الذمة، والرهن لا يزيد عن كونه توثيقا للدين، وعلى قاعدتهم المتقدمة فإن هذا ضعيف، ولذا فإن مذهب الشافعية أن ذلك لا يجوز جريا على القاعدة المتقدمة، وأما على أصل المسألة الذي تقدم ترجيحه وهو أن المقصود من الرهن هو التوثيق فإن ذلك جائز، لأن المقصود هو التوثيق، وكون الآفة تصيب الزرع هذا قليل والأصل السلامة، فتحصل المنفعة بالثمر قبل بدو صلاحه وبالزرع قبل اشتداد حبه، ولو حصلت الآفة فالدين باق في الذمة، وعلى هذا فما ذهب إليه الحنابلة راجح هنا على القاعدة المتقدمة من أن باب التوثيقات أوسع من باب المعاوضات. وقال هنا (بدون شرط القطع) أما إذا اشترط القطع فجوزاه ظاهر لأنه يجوز بيعه، فيجوز رهنه، فلا إشكال في هذه المسألة. قوله [ولا يلزم الرهن إلا بالقبض] بيان ذلك: تبايع زيد وعمرو على شيء بثمن يكون دينا في ذمة عمرو، فرهنه شيئا، فهل يلزم الرهن بمجرد العقد أم لا يلزم حتى يقبضه؟ ١- قال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يلزم إلا بالقبض، فلعمرو أن يتراجع عن هذا الرهن لأنه لم يقبض بعد، قالوا: لأن الله قال ﴿فرهان مقبوضة﴾ فوصف الرهان بأنها مقبوضة بحيث لو لم تكن مقبوضة فلا تكون رهنا، قالوا: ولأن الرهن تبرع من الراهن فيصح الرجوع فيه قبل القبض.

стр. 2201

٢- وقال المالكية بل يلزم الرهن بمجرد العقد، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وبقوله ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ ، وهذا قد حصل من عهد وشرط والمسلمون على شروطهم، وأجابوا عن دليل القول الأول أن قوله ﴿فرهان مقبوضة﴾ أن هذا من الله لبيان أتم الرهن وأكمله حفاظا على حق الدائن، ويدل لهذا أن قوله ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ فهذه الآية قد أمر الله فيها باستشهاد رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو استشهد رجلا وامرأتين فإن هذا جائز وإن أمكنه أن يشهد رجلين، فهذا من باب حفظ الحقوق، وليس في الآية أن الرهن غير المقبوض يجوز قطعه، وكيف هذا وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، والشريعة تسد باب الغدر، وأما ما ذكروه من أنه تبرع فيقال: هذا فيه نظر ظاهر بل هو توثيق للدين وشرط، والمسلمون على شروطهم، فليست القضية تبرعا كالهبة ونحوها بل هو توثيق، وهذا القول هو اختيار الشيخ السعدي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، وهو القول الراجح، ثم إن القول الأول يترتب عليه مع الشرط الذي بعده تعطيل كثير من مصالح الناس. قوله [واستدامته شرط] استدامته بأن يبقى بيد المرتهن، فهذا شرط، فإن قيل: أليس شرط القبض يكفي؟

стр. 2202

فالجواب: لا، فإنه قد يقبضه إياها ثم يرجعها إليه ليتصرف فيها، كأن يقول المرتهن للراهن خذ مزرعتك فتصرف بها، فهذا لا يصح في المشهور من المذهب، وعليه فلا يلزم حينئذ الرهن، فإذا قبضه ثم أعطاه إياه، وقال اتركه عندك فحينئذ لا يبقى الرهن لازما للراهن، فللراهن أن يرجع عن رهنه كما تقدم، وذهب الشافعية أن استدامته ليس بشرط، لأن القبض قد حصل، لقوله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ والشافعية ممن يشترط القبض، وعلى القول بأن القبض ليس بشرط وهو الراجح، فأولى من ذلك الاستدامة، فإن الاستدامة قبض مستمر، فإذا لم يشترط القبض في الابتداء، لم يشترط في أثنائه ولا انتهائه، وقد تقدم الدليل على ذلك، فالصحيح أن الاستدامة ليست بشرط، ويقال إن التوثيق حاصل فيصح الرهن، ولأن مصلحة الناس لا تتم إلا بهذا، فإذا قيل يرهنه ويبقى عند المرتهن فهذا يضيع مصالح كثيرة، فتتعطل المزرعة لأنها بيد المرتهن، وسيأتي مزيد بيان عند قول المؤلف (وللمرتهن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب بقدر نفقته بلا إذن) . قوله [فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه] بمعنى قبض المرتهن الرهن، ثم أعطاه للراهن، فقال له مثلا: أبق الرهن عندك، فهو لم يتخلى عن حقه في الرهن، بل أبقاه عند الراهن، إما على سبيل الإعارة أو الأجرة أو نحو ذلك، فهنا لا يلزم الراهن بالرهن، بل له أن يتراجع عن الرهن. قوله [فإن رده إليه عاد لزومه إليه] فإذا رده الراهن إلى المرتهن كأن يستعيره ثم يعيده، فإنه يعود اللزوم إليه، وهذا مبني على القول الذي ذكروه من اشتراط الاستدامة، والصحيح عدم ذلك، وأنه باق حتى لو كان بيده أصلا. قوله [ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر]

стр. 2203

لا ينفذ تصرف أحد منهما - أي الراهن والمرتهن - فيه - أي في الرهن - بغير إذن الآخر، أما الراهن فلأن في تصرفه في الرهن تفويتا لحق المرتهن، فإن المرتهن قد تعلق حقه بهذا الرهن، فإذا تعذر الوفاء باع هذا الرهن وأخذ حقه كما سيأتي تقريره، وكذلك ليس للمرتهن أن يتصرف في الرهن كأن يبيعه أو يهبه أو يوثقه أو نحو ذلك من التصرفات، وذلك لأنه ليس ملكا له، ومن شروط التصرف الملك. وهذا كله يستثنى منه ما إذا أذن أحدهما للآخر، فإذا ثبت الإذن فذلك جائز من الطرفين، فإذا أذن الراهن للمرتهن بالبيع فذلك جائز، وكذلك إذا أذن المرتهن للراهن، فإذا أذن الراهن للمرتهن بالبيع فهذه وكالة في البيع. * وهل للراهن أن ينتفع بالرهن أم لا؟ مثاله: رهن زيد عند عمرو داره على دين اقترضه، فهل للراهن أن ينتفع بهذه الدار بأن يسكنها أو يؤجرها أو يعيرها أو غير ذلك من الانتفاعات؟ ١- القول الأول وهو المشهور من المذهب أن ذلك لا يجوز، فليس للراهن أن يسكن الدار المرهونة ولا أن يؤجرها ولا غير ذلك، قالوا: لتعلق حق المرتهن بها. ٢- وذهب الشافعية إلى جواز سائر الانتفاعات التي لا تضر بالعين، كالسكنى للدار، والركوب للدابة، وعللوا قولهم بأن حق المرتهن إنما هو متعلق بالعين لا بالمنفعة، وحيث انتفع بالعين على وجه لا يضر بها فإن هذا غير ممنوع، كيف والشريعة قد نهت عن إضاعة المال، وفي تعطيلها إضاعة للمال، وهذا القول هو الراجح، ولا دليل على المنع. قال الحنابلة: ولا يمنع الراهن من مراعاة المرهون بإصلاحه وسقي أو ترميم أو مداواة أو غير ذلك، فعندما يمنع من الانتفاع بداره المرهونة فإنه لا يمنع من القيام بمصالحها، وهذا لا إشكال في جوازه، وعلل الحنابلة لذلك بأن فيه مصلحة للرهن وللراهن، وليس فيه ضرر على المرتهن، بل فيه منفعة له أيضا، فإنه بذلك تبقى العين صالحة. قوله [إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم]

стр. 2204

إذا اشترى زيد من عمرو طعاما، ووضع رقيقه رهنا عنده، فهل للراهن أن يعتقه أم لا؟ وإن أعتقه فهل يعتق وينفذ التصرف أم لا؟ قال الحنابلة لا يجوز له أن يعتقه، لذا قال المؤلف هنا (مع الإثم) ، لأن ذلك تصرف في المرهون، وقد تقدم عدم جواز تصرف الراهن في المرهون، لكن هل ينفذ تصرفه بالعتق أم لا؟ قال الحنابلة في المشهور عندهم ينفذ تصرفه، وذلك لتشوف الشارع إلى العتق ولسراية العتق. وعن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعي وهو قول للشافعي وهو مذهب عطاء بن أبي رباح وهو اختيار شيخ الإسلام أن ذلك لا ينفذ سواء كان المعتق موسرا أو معسرا، وذلك لأن هذا ممنوع ومنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، قالوا: ولأنه متعلق به حق الغير، ففارق المسألة التي أثبت الشارع العتق تشوفا أو سراية، وهذا القول هو الراجح. قوله [وتؤخذ قيمته رهنا مكانه] على القول بنفوذ العتق فإن هذا الرقيق يقوم ثم توضع قيمته عند المرتهن حفاظا لحقه، فتكون رهنا مكانه، وهذا فيه ما فيه، فإنه قد يكون معسرا فيعجز عن إعطاء القيمة، وقد يكون موسرا مماطلا فيفوت على صاحب الحق حقه. قوله [ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به]

стр. 2205

إذا وضع عنده رهنا فنما هذا الرهن، كأن يضع عنده شجرا فتثمر أو دوابا فتلد أو رقيقا فيسمن ويتعلم الكتابة مثلا أو نحو ذلك، أو أن يضع عنده عبد يتكسب، وقد تكون هناك جناية على العبد وفيها أرش، فقال المؤلف هنا (نماء الرهن) سواء أكان متصلا أم منفصلا، فالمتصل كالسمن في الدابة، والمنفصل كالثمر والولد، فهذه الأشياء ملحقة بالرهن فتكون رهنا عند المرتهن، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأن النماء يتبع أصله في الحقوق، والأصل مرهون فيكون النماء مرهونا، وقال الشافعية وهو قول في مذهب الإمام أحمد أن النماء المتصل يتبع الأصل، أما النماء المنفصل فلا، فالثمر والولد والكسب وأرش الجناية كل هذه لا تتبع الأصل، قالوا: لأن الرهن متعلق بالأصل فلا يسري هذا إلى غيره، والأصل هو براءة مال المسلم من أن يتعلق به حق غيره، وهذا القول هو الراجح، فإن هذا المرتهن لا حق له فيما يكون من النتاج ونحوه، بل حقه متعلق بالعين نفسها، وعلى دليل على سراية ذلك إلى كل النماء. قوله [ومؤنته على الراهن] المؤنة وهي النفقة التي يحتاج إليها الرهن، فما يحتاج إليه الرهن من نفقة ونحو ذلك فإن ذلك يجب على الراهن، فما تحتاج إليه الدواب من طعام أو موضع توضع فيه، وما تحتاج إليه من أجرة راع، وما تحتاج إليه الدار من عناية ونحو ذلك، كل هذا واجب على الراهن، ويدل لهذا قول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه) رواه الدراقطني والحاكم وصححه [جه ٢٤٤١ مختصرا بلفظ (لا يغلق الرهن) ، سنن الدارقطني ٣ / ٣٢] والشاهد قوله (وعليه غرمه) ، ومؤنة النفقة غرم فتكون واجبة على الراهن، ولأن هذا إنفاق، والإنفاق إنما يجب على المالك، والمالك هو الراهن. قوله [وكفنه وأجرة مخزنه]

стр. 2206

إذا احتاج إلى مخزن أو إلى حارس أو نحو ذلك فهذا كله يجب على الراهن، لما تقدم، هذا ما لم يكن هناك شرط، فإذا وجد هناك شرط فالمسلمون على شروطهم، فإذا قال: أضع هذا رهنا عندك لكن عليك أن تقوم بنفقته وكانت النفقة معلومة وليس فيها غرر فهذا جائز، لأن المسلمون على شروطهم. قوله [وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف من غير تعد منه فلا شيء عليه] الرهن عند المرتهن من باب الأمانات، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وكونه في حكم الأمانة عنده ظاهر، ويدل عليه ما تقدم من قول النبي ﷺ : (له غنمه وعليه غرمه) فدل هذا على أنه كالوديعة، لكن إن تعدى أو فرط فعليه الضمان، فإذا استخدمه بغير إذن أو فرط في حفظه وصيانته ولم يضعه في حرز مثله، فإنه يضمن لأن الأمين يضمن عند التعدي أو التفريط، فلو رهن عنده تمرا لم يبد صلاحه، فأصابته آفة، فإن المرتهن لا يضمن لأنه لم يتعدى ولم يفرط. قوله [ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه] وهذا ظاهر جدا، وبيانه لو أن الرهن هلك، فإن الدين يبقى، وذلك لأن الدين متعلق بالذمة، ولا يزيد الرهن عن كونه وثيقة لحفظ الحق، فإذا حصل له تلف فالدين باق في الذمة، كما لو حصل للشهود وفاة فالدين باق في الذمة، أو حصل للورقة التي كتب فيها الدين تلف أو احتراق فالدين باق في الذمة، فهذه كلها وثائق لحفظ الحقوق. قوله [وإن تلف بعضه فباقيه رهن لجميع الدين] وهذا أيضا ظاهر، ومثاله: وضع عنده هذا الثمر الذي لم يبد صلاحه رهنا، فحصل لبعض هذه الثمار تلف، فالمتبقي من هذه الثمار يبقى الرهن فيها، إذ لا دليل على سقوط الرهن عنها. قوله [ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين]

стр. 2207

مثاله: قال هذا الرقيق رهن عندك على مائة ألف اقرضها منك، فإذا قضاه خمسين ألفا، فلا يخرج من الرهن، فلا يقال إن نصف العبد أصبح ليس مرهونا، بل يبقى حتى يقضيه حقه، وذلك لأن الرهن إنما أخذه عن الدين كله، فلا ينفك حتى يقضي الراهن الدين كله، ولا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، وقد حكى ابن المنذر الإجماع فيها. قوله [وتجوز الزيادة فيه دون دينه] يجوز الزيادة فيه أي في الرهن دون دينه، فهنا مسألتان: ١- المسألة الأولى: حكم الزيادة في الرهن، فقد بين المؤلف هنا جوازها، مثاله: اشترى زيد من عمرو سلعة نسيئة، وقال رهنت عندك هذا الدرع، ثم بعد زمن زاده في الرهن فقال: أرهنك هذا الفرس أو هذا السيف، فهذا جائز لا بأس به، لأنه زيادة استيثاق ولا محذور فيه. ٢- المسألة الثانية: وهي في قول المؤلف (دون دينه) أي لا يجوز الزيادة في دين الرهن، مثال هذا: اشترى منه سلعة بثمن مؤجل، ورهنه داره، ثم اشترى منه شيئا آخر بثمن مؤجل، وقال الرهن للدين الأول هو رهن أيضا للدين الثاني، فهذا على مذهب الحنابلة لا يجوز، وعللوا ذلك: بأن الرهن قد شغل بالدين الأول، والمشغول لا يشغل، وهذا القول هو المشهور من المذهب، وذهب الإمام مالك إلى جواز ذلك، وذلك للمصلحة ولرفع الحرج، وأما قولهم المشغول لا يشغل فهذا صحيح فيما لو كان الرهن لزيد وأراد أن يستدين من عمرو فرهن الرهن الأول له، فإذا كان مشغولا بدين فلا يحل أن يشغل بدين رجل آخر، وأما إذا كان بدين الغريم الأول نفسه فإن هذا لا حرج فيه، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو الراجح. قوله [وإن رهن عند اثنين شيئا فوفى أحدهما.... انفك في نصيبه]

стр. 2208

إذا رهن زيد فرسه عند اثنين، كأن يقترض من بكر ألفا، ومن عمرو ألفا، وقال هذا الفرس رهن بالألفين، فالرهن واحد، والراهن واحد، والمرتهن اثنان، فهذا جائز ولا بأس به، ولكن البحث هنا فيما إذا قضى أحدهما فهل ينفك بقدر الدين من الرهن أم لا؟ قال المؤلف (انفك نصيبه) ، فعليه في المثال السابق ينفك نصف الفرس، وذلك لأنه قد رهنه لاثنين فيكون ذلك بمنزلة عقدين، فكأنه قال: اقترضت منك يا زيد ألفا والرهن نصف فرس، وقال: اقترضت منك يا بكر ألفا والرهن نصف فرس، فإذا قضى لأحدهما انفك نصف الفرس، وهذا يتصور في غير الفرس كما لو رهن طعاما. قوله [أو رهناه شيئا فاستوفى من أحدهما انفك نصيبه] هنا المرتهن واحد والراهن اثنان، مثاله: اقترض زيد وعمرو كلاهما من بكر، وكل واحد اقترض ألفا، وقال: هذا الطعام رهن عندك على ما علينا من الدين لك، فهنا الراهن أكثر من واحد، فإذا قضى أحدهما الدين فأعطى بكر حقه مثلا فحينئذ له أن يأخذ ما يقابله من الرهن، وذلك لأن الراهن متعدد، وعليه فعقد الرهن أصبح بمنزلة عقدين. قوله [ومتى حل الدين وامتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن، فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه] إذا اشترى منه أرضا إلى سنة، وقال: هذه السلعة رهن عندك، فإذا حل الدين ومضت السنة، وامتنع من وفاء دينه، كأن يقول: لا أوفي لك حقك، أو يدعي الإعسار، أو يماطل أو نحو ذلك فهنا المسألة فيها تفصيل:

стр. 2209

١- إن كان الراهن قد أذن للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووفى الدين، والعدل هو من يختارانه لكي يكون الرهن عنده، فقد لا يرضى الراهن بأن يكون الرهن عند المرتهن، بل يقول الرهن بيد فلان، فهذا هو العدل، فإن كان الراهن قد أذن للمرتهن ببيعه أو أذن للعدل فله أن يبيعه، وليس له أن يبيعه بدون إذن، وسواء كان الإذن قديما في العقد أو جديدا فلا حرج. ٢- إن لم هناك إذن للمرتهن قديم ولا جديد فحينئذ يجبره الحاكم على وفاء الدين وإعطاء الحق أو بيع الرهن، فإن لم يفعل - أي لم يعطه حقه ولم يبع الرهن - فإن الحاكم يبيع الرهن ويعطي المرتهن حقه. ٣- فإن تعذر هذا كأن يكون في بعض البلاد التي ليس فيه قضاة يقضون بالشرع وقد وضع الراهن عند المرتهن هذا الرهن وأبى أو يوفيه حقه فالحكم كما ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل العلم أن المرتهن يضعه في يد ثقة دفعا للتهمة ويبيعه هذا الثقة ويشهد على البيع وعلى الثمن ثم يأخذ المرتهن حقه، وما ذكره المؤلف وما ذكره شيخ الإسلام عن بعض أهل العلم هو مقتضى العقد، فإن الرهن إنما وضع لهذا القصد، وإلا فلا فائدة منه ولا يحصل به الاستيثاق. فصل قوله [ويكون عند من اتفقا عليه] إذا اتفق الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن عند فلان من أهل العدالة فإن الرهن يكون عنده، وذلك لأن المسلمين على شروطهم. قوله [وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد] إذا أذنا - أي الراهن والمرتهن - للعدل الذي اتفقا على أن يكون الرهن عنده إذا أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد.

стр. 2210

أما الراهن فإذنه ظاهر الاعتبار لأنه المالك، وأما المرتهن فإذنه معتبر كذلك، لتعلق حقه بالرهن، ولذا فإن له أن يمتنع عن بيع الرهن يثمن بخس يضر به، فمثلا: لو أراد العدل أن يحابي أحدا في بيع الرهن، وكانت هذه المحاباة تنقص السعر بصورة تؤثر على حق المرتهن في استفاء دينه فله أن يمتنع عن قبول مثل هذا، وحاصل المسألة أن العدل ليس له أن يبيع إلا بنقد البلد أي بالنقد الرائج النافق، وأما إذا كان النقد لا ينفق وهو من النقد الكاسد فلا، وذلك لأنه وكل عنهما فليس له أن يبيعه إلا بما هو أحظ، فمثلا: في هذه البلدة دراهم كاسدة ودراهم نافقة، فإنه لا يبيعه بالدراهم الكاسدة بل يجب عليه أن يبيعه بالدراهم النافقة لأن ذلك هو الأحظ، وسيأتي بيان أن الوكيل يجب عليه أن يتعامل بالوكالة بما هو أصلح وأحظ. قوله [وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن] إذا قبض العدل الثمن بعد بيع الرهن، ثم تلف هذا الثمن بيده من غير تعد ولا تفريط فإن الضمان يكون على الراهن، لأن هذا العدل يده يد أمانة، ويد الأمانة لا ضمان عليها كما تقدم تقريره. قوله [وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل]
следующие страницы →