والمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور???أن الرقبي والعمري تكون للموهوب?له ولورثته مطلقاً، أي سواء قال "هذه الدار لك عمرك ولعقبك" أو قال: "هذه الدار لك عمرك" أو قال: "هذه الدار لك ما عشتَ ??أو قال: "?أعمرتك هذه الدار أو أرقبتك هذه الدار.
فلها ثلاث حالات:
??الحالة الأولى??أن ينص على أنها تكون لعقبه من بعده فيقول: "?أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك من بعدك" فلا خلاف بين أهل العلم على أنه يملكها ملكاً مستقراً لا ترجع بعده للمعمِر المتبرع.
- الحالة الثانية??أن يطلق فيقول: "أعمرتك هذه الدار ??ولا ينص على: "ما عشتُ" ونحو ذلك.
فالجمهور???على أنها لا ترجع إليه أيضاً وهو الراجح?
وقال المالكية???بل ترجع إليه?؛?وذلك لأن لفظ العمرى?يدل على الشرط والمسلمون عل شروطهم، فكأنه قال: "هي لك عمرك?أو هي لك ما حييت".
??الحالة الثالثة??أن ينصّ على الشرط فيقول: "?أعمرتك هذه الدار ما عشتَ أو ما حييتَ أو ما بقيتَ أو ما عشتُ وما بقيتُ ونحو ذلك ?
فمذهب الجمهور???أنها تكون للموهوب له ولعقبه من بعده.
ومذهب مالك???أن الشرط هنا معتبر فترجع إلى صاحبها وهو اختيار شيخ الإسلام?، وهو اختيار الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
فقالوا: الشرط هنا معتبر لأن المسلمين على شروطهم.
стр. 2487
فالجمهور استدلوا بقول النبي ﷺ ?في المتفق عليه ????العمري لمن وهبته?له) ? (١) ?قالوا: ولقوله ﷺ ?في مسلم من حديث جابر: ??أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإن من أرقب شيئاً أو أعمر شيئاً فهو لمن أعمره حياً وميتاً?ولعقبه ?? (٢) ?، قالوا: فدل على أنها تكون للمعمَر ولا ترجع للمعمِر، وتكون للمعَمَر ولورثته من بعده.
وأما من قال بأنها مع الشرط ترجع إلى المعمِر: فلما ثبت في مسلم من قول جابر: قال: "?إنما العمري التي?أجازها النبي ﷺ ?أن يقول ??هي لك ولعقبك من بعدك، وأما إن قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها???وهذا يقوي ما ذهب إليه الإمام مالك في هذه المسألة.
وهذا يقوي ما ذهب إليه ابن القيم في المسألة المتقدمة من صحة الهبة المؤقتة ومثلها من باب أولى المعلقة.
فالصحيح??أن العمرى?تكون للموهوب?له ولورثته من بعده سواء قال "العمرى لك ولعقبك من بعدك" أو قال "هي عمرى لك" ولم يشترط??
?أما إن اشترط فإنها تكون للمعمَر ما بقي حياً فإذا مات فإنها ترجع إلى معمِرها??
??ويقوي قول الجمهور أن الرقبى لا تكون إلا بشرط?? (٣) ?
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث عشر بعد الثلاثمئة
(يوم السبت: ١٠ / ٧ / ١٤١٦)
"فصل"
قال: [ويجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم] .
يجب على الوالد أباً كان أم أماً التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
стр. 2488
فيجب على الأب والأم أن يعدلوا بين أولادهم في أصل العطية وقدرها فلا يختص أحد الأولاد بعطية دون بقيتهم.
وذلك لما ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله ﷺ ?فقال:??إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ ??أفعلت هذا بولدك كلهم" قال: لا، فقال النبي ﷺ ???اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ? (١) ?قال النعمان: "?فرجع أبي فرد تلك الصدقة???
وفي رواية في الصحيحين: " إني لا أشهد على جور " وفي مسلم: " أشهد على هذا غيري" ثم قال: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن ".
فقوله: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم: "يدل على وجوب العدل بين الأولاد، وقوله: "إني لا أشهد على جور" يدل على أن تركه جور، والجور محرم على فاعله ومحرم أيضاً على المعطي تناوله هذا هو المشهور في المذهب.
- وقال الجمهور باستحباب العدل بين الأولاد في العطية واستدلوا بقول النبي ﷺ ???أشهد على هذا غيري) ?
وهذا استدلال ضعيف?، فإن مراد النبي ﷺ ?التهكم أو التهديد والتخويف بدليل قوله: "لا أشهد على جور?، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة?من وجوب ذلك، وأن التعديل بينهم يكون بقدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
стр. 2489
وأما قوله ﷺ ?في رواية للنسائي، من حديث النعمان: "ألا سويت بينهم"، فإنه لا يدل على التسوية بين الذكر والأنثى، بل المراد التسوية في أصل العطية، أي ألا سويت بينهم في أصل العطية فأعطيت هذا كما أعطيت هذا، لا في قدر العطية، ويحتمل أنه ليس له إلا ذكور?–?أي بشير - ?والعدل بين الأولاد في العطية ينفي الحسد والعداوة التي قد تقع بين الأولاد، فإن عدم العدل بينهم مظنة?الحسد والعداوة بينهم.
كما هو مظنة العقوق لذا قال النبي ﷺ ???أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء) .
وظاهر كلام المؤلف وجوب التسوية بين الأولاد إلا إذا كان أحدهم ذكراً والآخر أنثى فيعطى الذكر مثل ما?للأنثيين????ظاهر كلامه هذا ??ولو كان هناك معنى يقتضي التخصيص كأن يكون بعض ولده فيه زمانة?أو عمى أو له اشتغال بعلم أو دعوةٍ أو غير ذلك تقتضي تخصيصه بالعطية، هذا ظاهر كلام المؤلف وهو أحد القولين في المذهب?
??وعن الإمام أحمد??أنه إذا كان هناك معنى يختص به أحدٌ?منهم فيجوز أن يفضَّل في العطية?،?وهو الراجح، وقد رجحه الموفق، وذلك قياساً على تفضيل الذكر على الأنثى فإن الذكر إنما فُضل على الأنثى لمعنى يختص به، فإذا كان في بعض بنيه معنى يختص بالتفضيل كأن يكون فقيراً أو مريضاً زمناً أو غير ذلك فإنه يجوز تخصيصه بالعطية وتفضيله.
والناظر في واقعة هذه المسألة يرى أن تخصيص الفقير أو الأنثى أو الذكر في بعض الشؤون لا ينافي العدل ولا يقتضي الجور فإن الذكر يحتاج من العطايا ما لا تحتاجه الأنثى، والأنثى في جهة أخرى تحتاج من العطايا ما لا يحتاجه الذكر، فمثلاً في واقعنا قد يحتاج الذكر إلى مركب?، والمرأة تحتاج إلى حلي وبين هذا وهذا فارق في الثمن.
وهكذا الفقير قد يحتاج إلى أشياء من حاجياته ولا يحتاج إلى هذا الغنى ولا ينافي هذا العدل ولا يقتضي الجور.
قال: [فإن فضّل بعضهم سوّى?بينهم برجوع أو زيادة] .
стр. 2490
فإن فضّل بعض أولاده تفضيل جورٍ منهي عنه فإنه يجب عليه أن يسوي بينهم إما بأن يُرجع صدقته وعطيته، وإما أن يعطي الآخر، أو يزيده حتى يسوي بينهم.
إذا أعطى الذكر ولم يعطِ الأنثى شيئاً فنقول: إما أن تأخذ هذه العشرة آلاف فترجع بهبتك، وإما أن تعطي الأنثى خمسة آلاف وإن كان أعطاها ألفاً أو ألفين فنقول: زد حتى تصل إلى خمسة آلاف.
قال: [فإن مات قبله ثبتت] .
وهب الأب ولده هبةً، وكانت هبة جورٍ حيث أنه قد خصّه بها دون باقي أخوته فمات الوالد ولم يرجع عن هذه الهبة فإنها تثبت للولد، وليس لباقي الورثة المطالبة بها، هذا هو المشهور في المذهب.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قول طائفة من الحنابلة: أن لهم أن يرجعوا، فللورثة أن يطالبوا بها، وهذا هو الراجح.
وذلك لأن هذه العطية عطية جورٍ وظلم، والظلم محرم على فاعله ومحرم أيضاً تناوله، وهذا قد تناوله جوراً وظلماً فكان لمن له حق أن يطالب به، فأخذ هذا الموهوب له بغير حق فكان للورثة المطالبة به.
وفي قوله: [في عطية أولاده] .
ظاهره أن التعديل الواجب في الولد دون سائر أقاربه كإخوانه أو بني عمه أو نحو ذلك.
وفي المسألة قولان في المذهب.
أشهرهما هذا، وأن التعديل ليس واجباً في سوى الأولاد من سائر الأقارب.
وهذا هو الراجح لأن الأصل هو جواز تصرفه في ماله وإنما استثنى الأولاد لمعنى يختص بهم وهذا المعنى لا يثبت في الأقارب فلم يلحقوا بهم.
قال: [ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة] .
الهبة اللازمة تقدمت وهي الهبة المقبوضة.
فلا يجوز للواهب أن يرجع في هبته التي قبضها المتهب، للحديث المتقدم: "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته، كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه" متفق عليه.
وظاهره ولو كان يريد بها الثواب، فإذا وهب هبةً يريد بها الثواب فليس له الرجوع، هذا هو المشهور في المذهب.
стр. 2491
- وقال المالكية والأحناف: بل له الرجوع فإذا دلّت القرائن أنه يريد بذلك الثواب فله الرجوع إذا لم يثب وهذا هو الراجح وتقدم ما يدل على عليه من قول عمر في موطأ مالك: (من وهب هبةً أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها) ? (١) .
قال: [إلا الأب] .
فالأب يجوز له أن يرجع في هبته لولده.
لما ثبت عند الخمسة، وصححه الترمذي، والحديث حسن أن النبي ﷺ ?قال: ?لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) ? (٢) ??
??والمذهب خلافاً للشيخ لكافر الوالد أن يرجع بما وهب ابنه الذي أسلم بعد أن يرجع في هبته لولده?? (٣) ??
فللوالد الأب لقوله (لا يحل لرجل مسلم) أني يرجع في هبته لولده.
قال الحنابلة??فإذا كانت الهبة قد زادت زيادة متصلة، كأن يعطيه من صغار الغنم أو الإبل فتنمو، ففيها زيادة متصلة قالوا: فليس للأب الرجوع لهذه الزيادة المتصلة.
стр. 2492
وهذا ضعيف لعموم الحديث المتقدم، ولما سيأتي تقريره من قوله ﷺ ???أنت ومالك لأبيك?? (١) ?
والذي يتبيَّن لي أن هذه المسألة نظير قوله ﷺ ???أنت ومالك لأبيك) ?فالأب?له أن يأخذ من مال ولده ما شاء بشروطهم التي سيأتي ذكرها، ولذا جاز له الرجوع في هبته.
لأنه إذا جاز له أن يأخذ من مال ولده ما هو مال للولد أصلاً فأولى من ذلك أن يرجع في هبته.
إذن: المشهور في المذهب: أنه إذا زادت الهبة زيادة متصلة فليس للأب الرجوع.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار عبد الرحمن بن سعدي: أنه يجوز الرجوع وهو الراجح لقوله ﷺ ???إلا الوالد) وهذا عام سواء كان فيها زيادة متصلة أم لم يكن فيها زيادة متصلة.
قال: [وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه] .
له أي للأب، أن يأخذ من مال ولده، لقول النبي ﷺ ???أنت ومالك لأبيك) ?رواه ابن ماجه والحديث صحيح.
стр. 2493
وقوله ﷺ ???أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه) ? (١) ?
رواه الخمسة بإسناد صحيح.
ولقوله تعالى: ﴿?ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم?﴾ ? (٢) ?
ولم يذكر بيوت الأبناء فهم داخلون في بيوت الأب
فللأب أن يمتلك من مال ولده ما شاء بالشروط الآتي ذكرها??
?ويشترط?في الأب: أن يكون حراً، فإن كان عبداً فليس?له أن يتملك من مال ولده؛ وذلك لأن مال العبد مال لسيده، فإنه حينئذ يخرج من ملكية الولد لا إلى ملكية الوالد بل إلى ملكية سيده.
فاشترط أن يكون الأب حراً.
ويشترط أن يكون الأب مسلماً كما قرره شيخ الإسلام وصّوبه صاحب الإنصاف.
وكذلك- الأشبه كما قال شيخ الإسلام فيما إذا كان الولد كافراً فيشترط أن يكون الأب كافراً كالإرث فلا إرث مع اختلاف الدين فكذلك في هذه المسألة.
??وجواز الأخذ خاص بالأب فلا يدخل في ذلك الجد ولا الأم?؛?لأن هذا الحكم خلاف الأصل، فإن الأصل أنه لا يخرج من ملك الآدمي شيء إلا بطيب نفس منه فاستثني?الأب ولا يستثنى الجد ولا الأم وليسا ?في معنى الأب?، فإن الأب أكمل شفقة من الجد وأحسن تصرفاً من الأم.
[ما لا يضره ولا يحتاجه]
стр. 2494
هذا هو الشرط الأول، وهو أن لا يضر هذا الأخذ بالولد، فللأب أن يأخذ من ولده ما شاء سواء كان الأب غنياً أو فقيراً وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى كبيراً بالغاً رشيداً، أو غير ذلك، بشرط ألاّ يضر به ولا يجحف.
وبشرط آخر - ويحسن أن يدخل في الشرط الأول - ألاّ يحتاج إليه فما كان من حاجياته كمسكنه وملبسه وخادمه ومركبه ونحو ذلك من حاجياته فلا، لما في ذلك من الحرج.
والشرط الثالث: أن لا يأخذ منه فيعطي ولداً آخر إعطاءً ينافي العدل، لأنه إذا وجب عليه التعديل في ماله هو، فأولى من ذلك أن يجب التعديل في المال الذي يأخذه من ولده.
الشرط الربع: ألا يكون في مرضه المخوف لا الأب ولا الابن لانعقاد الإرث حينئذ، ويأتي الكلام عليه في الوصايا.
قال: [فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء.. لم يصح] .
إذا تصرف الوالد في مال ولده، ولو فيما وهبه الوالد لولده إذا تصرف به ببيع، أو تصدق به أو وهبه لأحد من الناس أو أعتقه كأن يعتق عبد ولده، أو تصرف فيه بإبراء كان يبرئ غريم ولده من دين ولده،
أو أراد أخذ هذه الهبة التي وهبها لولده قبل رجوعه أي قبل قوله رجعت عن الهبة، أو تملكه بالقول كأن يقول: هو لي، أو نية: بأن ينوي أن يتملك هذا الشيء، وقبضٍ معتبر لم يصح هذا التصرف.
صورة هذه المسألة: لو أن رجلاً باع شيئاً من ملك ولده كأن يبيع عبده أو راحلته أو داره أو أن يعتق عبده، أو يهب شيئاً من ماله يتصرف به الأب قبل أن يتملكه بأن يقول: هو ملك لي، ويقبضه من ولده قبضاً معتبراً، فلابد مع القول من قبض، وكذلك لابد مع النية من قبضٍ.
فإذا تصرف قبل تملكه أو رجوعه من الهبة فتصرفه باطل، فبيعه باطل، وعتقه باطل، وهبته باطلة، وإبراؤه كذلك.
إذن: ليس للوالد أن يتصرف في مال ولده حتى يقبضه تملكاً.
أي قبضه مع قول يدل على الملك أو نية الملك فحينئذ له أن يتصرف فيه وإلا فتصرفه باطل.
стр. 2495
وذلك لأنه ملك للولد فلا يصح أن يتصرف فيه الوالد حتى يثبت ما يدل على ملكيته له بقول أو نية مع القبض، أو رجوع في الهبة هذا هو المشهور في المذهب.
- وعن الإمام أحمد: أنه يصح، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح في هذه المسألة؛ لأن تصرفه فيه ببيع أو عقد أو إبراء ونحو ذلك متضمن للتملك وقد قال ﷺ ???أنت ومالك لأبيك) .
وإذا قلنا: قد تصرف في غير ملكه فقد نافينا قول النبي ﷺ ???أنت ومالك?لأبيك) ?فهذا الحديث يدل على أنه ملك للأب، وهذا كله مع توفر الشروط المتقدمة.
لكن إن كان تصرفاً يضر بالولد أو فيما يحتاج إليه الولد فحينئذ التصرف باطل أو موقوف على الإجازة.
قال: [بل بعده] .
???أي بعد القول أو النية مع القبض المعتبر، أو الرجوع في الهبة.
قال: [وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه] .
ليس للابن أن يطالب أباه بدين ولا نحوه كإرش جنايةٍ ولا غير ذلك مما يكون في ذمة الوالد.
وذلك لأن النبي ﷺ ?قال???أنت ومالك لأبيك) .
وقال الجمهور: بل له أن يطالبه؛ لأنه دين ثابت فكان كدين الأجنبي.
والجمهور لا يرون العمل بحديث (أنت ومالك لأبيك) بل هو من مفردات المذهب والأحاديث حجة عليهم.
وقال بعض الحنابلة: ويحتمل أن له المطالبة مع غنى الوالد وحاجة الولد.
وهذا هو الراجح وأنه ليس له أن يطالب والده، إلا أن يكون الوالد غنياً وهو محتاج؛ وذلك لأن الوالد ليس له أن يتملك حينئذ فكان له أن يطالبه كالدين الثابت.
وهل له أن يرجع إلى التركة بعد وفاة الوالد أم لا؟
الجواب: نعم له أن يرجع هذا هو المشهور في المذهب؛ لأنه دين ثابت فكان كدين الأجنبي.
لكن إن أخذه الوالد تملكاً فلا، أو أسقطه الوالد وله الإسقاط فكذلك لقوله "أنت ومالك لأبيك".
إذن: له أن يرجع إلى تركة أبيه إلا أن يكون الوالد قد أخذه تملكاً فحينئذ يكون قد خرج من ملكيته.
стр. 2496
ومثل ذلك لو أسقطه الوالد من ذمته وقال: لا شيء لك في ذمتي، وكان الولد غنياً عنه ليس مضطراً ولا محتاجاً إليه وتوفرت الشروط في تملك الوالد، فله أن يسقطه.
قال: [إلا بنفقته الواجبة (عليه فإن له مطالبته بها) (١) ] .
حيث كان الولد (٢) عاجزاً عن التكسب فإن له مطالبة والده بالنفقة الواجبة.
قال: [وحبسه عليها] .
فللولد إن وصل الأمر إلى حبس الوالد حتى يعطيه النفقة الواجبة فله ذلك، هذا من باب حفظ النفس؛ لأنه قائم بهذه النفقة الواجبة فحياته قائمة بذلك، فهو حق واجب له.
مسألة:
إن أهدي للشخص هدية أو تُصدق عليه بصدقة فأحكامها كأحكام الهبة تماماً.
مسألة:
فإن وهب له هبةً ولها وعاء فهل يدخل وعاؤها فيها أم لا؟
إذا أهدى إليه تمراً في إناء، أو طعاماً في إناء، فهل يدخل الإناء في الهدية أم لا؟
الجواب: مرجع ذلك إلى العرف، فإن كان العرف يدل على هذا دخل في الهدية وإلا فإنه لا يدخل فيها.
الدرس الرابع عشر بعد الثلاثمئة
(١٢ / ٧ / ١٤١٦ هـ)
"فصل في تصرفات المريض"
تقدم أن الهبة في مرض الموت تسمى عطية في اصطلاح الفقهاء.
قال: [من مرضه غير مخوف كوجع ضرس وعين وصداع (يسير) (٣) ] .
المرض المخوف: هو المرض الذي يخشى معه الموت، ومرجع هذا إلى العادة أو إلى قول طبيبين ذوي خبرة مسلمين ثقتين، ولا يشترط أن يكون ظن الموت غالباً في المرض ولا أن يكون ظن الموت مساوياً لرجاء سلامته بل متى ما كان يخشى معه الموت كثيراً فإنه مرض مخوف (أي ما يكثر حصول الموت منه كما في الاختيارات) (٤) .
قال: [فتصرفه لازم كالصحيح (ولو مات منه) (٥) ] .
стр. 2497
(١) فإذا وهب مضت هبته على ما وهب، فتصرفاته نافذة صحيحة (٢) .
قال: [وإن كان مخوفاً كبرسام] .
البِرْسام: مرض من الأمراض المخوفة قالوا: أن يتبخّر من الباطن أو نحوه بخارٌ فيفسد الدماغ، ولا أدري ما تسميته عند المعاصرين.
قال: [وذات الجنب] .
ذات الجنب: مرض يصاب به الجنب من الباطن بقروح.
قال: [ووجع قلبٍ ودوام قيام] .
أي دوام قيام إلى خلاء بإسهال مزمن ممرض.
قال: [ورعاف دائم، وأول فالج] .
الفالج: مرض يصيب البدن فيرتخي بعض أطرافه، فلا تتحرك هذه الأطراف.
وهو أشبه ما يسمى عندنا بـ"الجلطة".
قال: [وآخر سلٍ] .
السل: قروح تصيب الرئة.
قال: [والحمى المطبقة والرِبْع] .
الحمى المطبقة: أي المستمرة، والحمى معروفة وهي حرارة تكون في البدن.
"والربْع" أي الحمى الربع وهي أن تصيبه يوماً ثم تتركه يومين ثم تعود إليه في اليوم الرابع.
وهذه أمثلة وإلا فالمرجع في ذلك إلى ما يراه الناس في العادة أنه مرض مخوف.
قال: [وما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف] .
فما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مرض مخوف، وذلك لما يترتب على ذلك من حق الوارث وحق المعْطى فاشترط أن يكونا طبيبين ثقتين مسلمين.
- والقول الثاني في المذهب، وهو ظاهر قول الخرقي: أن قول الطبيب الواحد يقبل مع العدم.
ويستدل له: بما روى الإمام أحمد في مسنده وغيره أن عمر لما جُرح سقاه الطبيب لبناً فخرف من جرحه فقال: اعهد إلى الناس فعهد" (٣) .
ولو قيل بقبول خبر طبيب واحدٍ ثقة حيث لم يعارضه غيره لكان قوياً، والله أعلم.
قال: [ومن وقع الطاعون في بلده] .
فإذا وقع الطاعون في بلدٍ، فوقوعه فيها مخوف فيخشى معه التلف فيكون له حكم المرض المخوف.
стр. 2498
وقد اتفق العلماء على أن هبة المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت أن حكم هبته كالوصية، وسيأتي إيضاح هذا.
قال: [ومن أخذها الطلق] .
أي المرأة يأخذها الطلق.
قال: [لا يلزم تبرعه لوارث بشيء] .
فالمريض مرضاً مخوفاً أو من وقع في بلده الطاعون أو من كان عند التحام الصف والعدو يُخاف ونحوهم فهبته تكون في حكم الوصية.
فإن كانت لوراث فلا يلزم هذا التبرع لقوله ﷺ ???لا وصية لوارث) ? (١) ،?وهنا كما تقدم حكم الهبة كحكم الوصية.
قال: [ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه] .
فإذا وهب نصف ماله مثلاً لأجنبي في مرضه المخوف، فإذا مات الواهب، فلا يُعطى هذا الأجنبي نصف المال الذي وهبه إياه في مرض الموت بل يُعطى الثلث لقوله ﷺ ???الثلث والثلث كثير) ? (٢) ?
إلا أن يجيز هذا الورثة، فإذا رضي الورثة بذلك فإن هذا إسقاط لحقهم، فإنه إنما يمنع لحق الورثة، فإذا أجاز ذلك الورثة فقد أسقطوا حقهم.
قال: [وإن عوفي فكصحيح] .
إذا عوفي هذا المريض مرضاً مخوفاً فإن هذه الهبات تلزم من جميع المال؛ وذلك لفقدان الشرط الآخر وهو أن يكون هذا المرض قد اتصل به الموت، وهنا لم يتصل به الموت لأنه لما لم يمت به فهذا يدل على أنه ليس مرض الموت.
стр. 2499
ودليل ما اتفق عليه أهل العلم من أن المرض المخوف الذي يتصل به الموت له حكم الوصية، ما ثبت في مسلم: أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم فاستدعاهم النبي ﷺ ?وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة? (١) ?وهذا في العتق فكذلك الهبة.
قال: [ومن امتدَّ?مرضه بجذام أو سلٍ أو فالجٍ ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله] .
الجذام: مرض تتساقط به الأعضاء.
فإذا امتد به هذا المرض المخوف ولم يقعده على فراشه فإن ما يهبه من الهبات تكون من جميع المال لا من الثلث.
إذن: له حكم تصرف الصحيح.
أما إذا أقعده في فراشه فليس له حكم تصرف الصحيح بل له الحكم المتقدم فيكون له حكم الوصية، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد?
??القول الثاني?،?وهو رواية عن الإمام أحمد وهو وجه في المذهب???أنه له حكم الوصية أيضاً وإن لمم يقعده على فراشه، وهذا هو القول الراجح?
إذ عدم قعوده في الفراش ليس بمؤثر مع أن هذا المرض مخوف، وعدم قعوده على الفراش مع أن هذا المرض بطبيعته مرض مخوف يخشى أن يتعجل معه الموت لا يكون مؤثراً.
قال: [والعكس بالعكس] .
??أي إذا كان يقطعه بفراشٍ فتصرفاته كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً أي في حكم الوصية.
قال: [ويعتبر الثلث عند موته] .
فيعتبر الثلث عند موته لا حال هبته وعطيته.
رجل يملك تسعين ألفاً وهو في مرض مخوف فأعطى رجلاً ثلاثين ألفاً أي هبة، فهي ثلث ماله حال العطية، ثم أنفق على نفسه من المال فبقى له عند موته ستون ألفاً، فأصبحت الثلاثون ألفاً نصف ماله.
فالحكم: أنه يعتبر الثلث عند موته؛ وذلك لأن هذا هو زمن استحقاق الوصية ولزومها، فكذلك الهبة.
стр. 2500
وإذا أعتق عبداً في مرضه المخوف وليس له سوى هذا العبد، وعند الموت أصبح يملك ثلاثة أعبد فإنه يعتق عليه هذا العبد؛ لأنه ثلث ماله.
ولو وهب رجلاً ثلاثين ألفاً في مرضه المخوف، وعند موته كان عليه ديونه تستغرق هذه الثلاثين فحينئذ تقدم ديونه ولا شيء للمعطى.
إذن: العبرة بحال الموت، فيعتبر الثلث بحال موته لا عند العطية.
قال: [ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية] .
هنا فوارق بين الوصية والعطية.
الفارق الأول: أنه يُسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، فإذا أوصى لزيدٍ بعشرة آلاف، ثم أوصى لعمرو بعشرةٍ آلاف ومات عن ثلاثين ألفا، فالثلث هو عشرة آلاف، فكل واحد منهما يأخذ خمسة آلاف فيسوى بين المتقدم والمتأخر.
وذلك لأن الوصية تبرع بعد الموت، فهو تبرع مشروط بالموت، والموت يحصل دفعةً واحدةً فاستويا ولم يسبق أحدهما الآخر في الملكية.
وأما العطية فيقدم الأول فالأول:
فإذا وهب زيداً عشرة آلاف، في مرضه المخوف، ثم وهب عمراً عشرة آلاف، ثم مات وترك ثلاثين ألفاً، فالثلث عشرة آلاف نعطيها زيداً ولا يكون لعمرو شيئاً، لأن الأول يُقدم.
وهذا الفارق بينهما علته: أن العطية لازمة بخلاف الوصية فإنها جائزة ولا تلزم إلا بالموت، ففي العطية يكون ملك زيدٍ سابق لملك عمرو.
قال: [ولا يملك الرجوع فيها] .
هذا فارق آخر بين العطية والوصية، هو أن العطية لا يملك الرجوع فيها.
فإذا وهب في مرضه المخوف زيداً عشرة آلاف وقبضها زيد فإنه لا يملك الرجوع فيها، لأنها أصبحت لازمة.
وأما الوصية فيملك الرجوع فيها.
فلو أن رجلاً في مرضه المخوف أو قبل ذلك أوصى بثلث ماله ثم بدا له أن يرجع، فله ذلك لأنها لا تلزم إلا بالموت وهذا فارق آخر.
قال: [ويعتبر القبول لها عند وجودها] .
стр. 2501
فالعطية يعتبر القبول لها عند وجودها، فإذا قال: "وهبتك كذا" فيعتبر القبول عند وجود الهبة، فإذا لم يقبل الموهوب له حينئذ فللآخر أن يرجع عن هبته.
أما الوصية فإن قبولها يكون عند موت الموصي لأنه وقت استحقاقها ولزومها.
وهذا فارق ثالث.
قال: [ويثبت الملك إذن (والوصية بخلاف ذلك) (١) ] .
هذا الفارق الرابع: العطية إذا قبضت فقد ثبت الملك فإنها تصبح ملكاً للمُعطى في أثناء مرضه المخوف، وذلك لأن الهبة تملك في الحال.
وأما الوصية فإنها إنما تملك بعد الموت.
فإذا قال: "أعطيتك يا زيد عشرة آلاف" وهو في مرضه المخوف، فقال زيد: قبلت" وقبضها فأصبحت ملكاً لزيد.
لكن يكون هذا المال منتظراً به ومرتقباً فلا يعطى هذا الموهوب له فيتصرف به تصرفاً لا يمكن الورثة أن يردوه، إن شاءوا الرد.
إذن يملكه لكن هذا الملك ملك موقوف.
فإذا شفي الواهب من هذا المرض فإنه يأخذ هذه العشرة آلاف من جميع المال، سواء كانت الثلث أو أكثر.
أما إذا مات من هذا المرض المخوف، فحينئذ ننظر إن كان وارثاً فلا شيء له، لأنه أصبحت بحكم الوصية ولا وصية لوارث.
وإن كان أجنبياً فننظر هل يستغرق الثلث أم لا؟
فإن كان بقدر الثلث أو أقل أعطيناه إياه، وإن كان أكثر من الثلث نظرنا إلى الورثة فإن أجازوا أعطيناه إياه، وإن لم يجيزوا اكتفينا بالثلث.
* والمحاباة في المرض المخوف، في حكم العطية.
فلو حابى وارثه ببيع دار بنصف ثمنها.
فمثلاً: باع على بعض ورثته داره التي تساوي مائة ألف باعها له في مرضه المخوف بخمسين ألفاً فحينئذ ما زاد من هذه الدار فلا بيع فيه بل يثبت البيع فيها بقدر الثمن فحينئذ يكون المبيع هو نصف الدار.
وللمشتري الخيار لتبعيض السلعة عليه، هذا إذا كان وارثاً.
وأما إن لم يكن وارثاً فينظر إلى هذه المحاباة هل هي بقدر الثلث أم لا؟
فإن كانت بقدر الثلث فهي له.
وإن كانت بأكثر من الثلث فينظر فيه إلى إجازة الورثة.
стр. 2502
والحمد لله رب العالمين.
تم كتاب الوقف، ويليه كتاب الوصايا. (١)
стр. 2503
" كتاب الوصايا "
الوصايا: جمع وصية وهي التبرع بعد الموت، وقد دل عليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإجماع أهل العلم.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ((من بعد وصيةٍ يوصى بها أو دين)) .
وأما السنة: فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ما حق مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين) (١) .
في مسلم: ثلاثاً، إلا ووصيته مكتوبة عنده.
وقد أجمع أهل العلم على ثبوت الوصية.
والوصية تصح من جائز التصرف، وقد تقدم من هو جائز التصرف في كتاب البيوع.
فجائز التصرف تصح وصيته ما لم يغرغر وتبلغ الروح الحلقوم، لأنه حينئذ لا قول له، ولذا تقبل توبة العبد ما لم يغرغر وهذا باتفاق العلماء.
وقد اتفق العلماء على أن غير العاقل وغير المميز لا تصح وصيتهما.
واختلفوا في وصية الصبي العاقل والسفيه البالغ:
١- فجمهور العلماء على صحة وصيته، كعبادته، فكما تصح عبادته من صلاة ونحوها فكذلك تصح وصيته.
وذلك لأن وصيته نفع محض له لا ضرر عليه فيها، لأن الوصية تكون بعد الموت بخلاف الهبة فإنها تكون في حال الحياة.
وظاهر إطلاق الفقهاء سواء كان مما تستحب الوصية فيه أو مما لا تستحب مثال ما تستحب فيه الوصية، أن يوصي لأقاربه غير الوارثين.
ومثال الوصية غير المستحبة أو المباحة، أن يوصي للأباعد مع وجود الأقارب المحتاجين ظاهر إطلاق الفقهاء أن وصية الصبي تصح مطلقاً سواء كانت على وجهٍ تستحب معه أم لم تكن كذلك.
стр. 2504
وقال شيخ الإسلام، وفسّر كلام الأئمة أحمد وغيره من السلف بقوله هذا، قال: "إذا كانت على وجه تستحب فإن وصيته تصح كأن يوصي لأقاربه غير الوارثين، وأما إذا أوصى للبعيد مع وجود القريب المحتاج فلا تمضي وصيته وذلك لأنه قاصر التصرف فاحتاج إلى نظر الشارع كما يحتاج إلى نظر الولي في بيعه وشرائه ونحو ذلك" ا. هـ.
وما ذكره- ﵀ – ظاهر.
فعلى ذلك وصية الصبي صحيحه بشرط أن تكون على وجه يستحب كما قرر هذا شيخ الإسلام.
٢- وذهب الأحناف: إلى أن وصية الصبي لا تصح مطلقاً قياساً على هبته.
وهذا قياس مع الفارق، لأن الهبة في الحياة، والوصية بعد الحياة، فالهبة فيها فوات نفع أو لحوق ضرر، وأما الوصية فهي نفع محض.
وروى مالك في موطئه: أن عمر بن الخطاب، سئل عن غلامٍ من غسان لم يحتلم وورثته في الشام وليس له هاهنا، أي بالمدينة، إلا ابنة عم له فقال ﵁: "فليوصِ لها" وهو غلام لم يحتلم.
وكتابة الوصية سنة كما تقدم في حديث ابن عمر في قوله: " إلا ووصيته مكتوبة عنده ".
ويستحب الإشهاد عليها قطعاً للنزاع.
وإذا وجد خط له متضمن لوصية، وأثبتت البينة أن هذا هو خطه كأن يشهد اثنان على أن هذا هو خطه، فإن الوصية تصح.
أو أقرّ الورثة أن هذا هو خط مورثهم فالوصية تصح وتمضي.
ويستحب أن يُصدّر وصيته بما كان السلف يصدرون وصاياهم به، فقد روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: "كانوا يكتبون في صدور وصاياهم" بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم وأن يطيعوا الله ورسوله وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
قال: [يسن لمن ترك خيراً- وهو المال الكثير أن يوصي بالخمس] .
стр. 2505
فالوصية لمن ترك خيراً مستحبة لأنها من الإحسان للناس، والإحسان مستحب.
فإن قيل: ألا تجب لقوله تعالى: ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين))
والكتب هو الفرض والإيجاب.
فالجواب: أن هذه الآية منسوخة كما قال هذا ابن عباس ففي البخاري أنه قال: "كان المال للولد" أي الإرث "وللوالدين الوصية فنسخ الله ذلك".
وقوله هناً: "لمن ترك خيراً" وهو المال الكثير في العرف فمن ترك مالاً كثيراً في العرف فيستحب له أن يوصي.
وقال الموفق: "الذي يقوى عندي أن يكون المتروك يفضل عن غنى الورثة وإلا فلا تستجب" (١) واختاره صاحب الفائق من الحنابلة وهذا هو الذي يوافق ظاهر قول النبي ﷺ : (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس) (٢) .
فقد يكون المال كثيراً لكن الورثة كثير بحيث أنهم لا يصيبون غنى بآحادهم فحينئذ تكره الوصية.
" أن يوصي بالخمس " فالمستحب في الوصية أن تكون بالخمس قال ابن عباس، كما في البيهقي بإسناد جيد قال: "الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث".
стр. 2506
وفي البيهقي بإسناد منقطع، أن أبا بكر، أوصى بالخمس وقال: رضيت لنفسي ما رضيه الله لنفسه" يشير إلى قوله تعالى: ((واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)) .
ولذا قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال له: يا رسول الله: إني ذو مال ولا يرثني إلى ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي فقال: "لا" فقال: أفأتصدق بشطره فقال: "لا" فقال أفأتصدق بثلثه فقال: "الثلث والثلث كثير، فدل على أن الوصية بالثلث خلاف الأولى" إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) .
قال: [ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي] .
لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث لأجنبي لقوله ﷺ : (الثلث والثلث كثير)
وقال ﷺ كما في الدارقطني من حديث معاذ، وفي المسند من حديث أبي الدرداء، وفي ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم) والحديث حسن لغيره.
فله أن يوصي للأجنبي بالثلث فأقل، فإن أوصى بأكثر من الثلث كأن يوصي له بنصف ماله، فإن الموصى له يعطى الثلث وما بقي له فما أوصى به ينظر فيه إلى الورثة فإن أجازوا فذاك وإلا فهو حقهم.
قال: [ولا لوارث بشيء] .
فالوارث لا يوصى له بشيء، لما روى الخمسة إلا النسائي والحديث صحيح متواتر، أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) (١) .
стр. 2507
وحينئذ فإذا أوصى لوارث فإنه يكون موقوفاً على الورثة لأن المقصود منه حفظ حقهم.
ولذا قال ﷺ كما في الدارقطني بإسناد حسن، من الحديث المتقدم "إلا أن يشاء الورثة".
ولذا قال: [إلا بإجازة الورثة لهما بعد الموت] .
قوله "لهما" أي للأجنبي وللوارث.
وتكون إجازة الورثة معتبرة بعد الموت لا قبله ولذا قال في الحديث: "إلا أن يشاء الورثة" وهم إنما يكونون ورثة بعد موت مورثهم.
إذن: إن أجازوا الوصية لوارث، أو لأجنبي بما فوق الثلث أجازوا ذلك وهو في مرض الموت، فلهم أن يرجعوا عن هذا بعد موته لقوله: "إلا أن يشاء الورثة".
قال: [فتصح تنفيذاً] .
فتصح إجازتهم تنفيذاً لا ابتداءً.
بمعنى: أنه إذا أوصى له، وهو وارث بكذا من المال فأجازه الورثة، فهذه الإجازة من الورثة تكون تنفيذاً لوصية مورثهم، وإمضاءً لها وليست هبةً مبتدأة منهم فيشترط فيها ما يشترط في الهبات.
لقوله: (إلا أن يشاء الورثة) بعد قوله: "فلا وصية لوارث" أي إلا أن يشاء الورثة الوصية وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وعن الإمام أحمد: أنها هبة مبتدأة، والصحيح ما تقدم فهي وصية منفذة، وعليه فلا يشترط فيها قبض ولا غير ذلك مما يشترط في الهبات.
قال: [وتكره وصية فقير وارثه محتاج] .
لقوله ﷺ : (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) .
قال: [وتجوز بالكل لمن لا وارث له] .
فتجوز الوصية بالكل لمن لا وارث له، وكذلك إذا كان له وارث فله أن يوصي له بما بقي من التركة فلو مات عن زوجته – ولم نقل بالرد عليها كما هو المشهور في المذهب – فقال: أوصي بمالي لزوجتي فحينئذ تأخذ الزوجة التركة كلها فرضاً ووصية وذلك لأن المنع من الزيادة على الثلث لحفظ حق الورثة بدليل قوله: ((إلا أن يشاء الورثة) ولذا إذا أجازوها مضت، فالمقصود حقهم، وحيث لا ورثة فحينئذ لا حق يعارض هذه الوصية.
قال: [وإن لم يف الثلث بالوصية فالنقص بالقسط] .
стр. 2508
إذا لم يف الثلث بالوصايا فالنقص يلحق الجميع محاصّةً كمسألة الحول (١) في الفرائض، مثاله: إذا أوصى لفلان بعشرة آلاف، ولفلان بعشرة آلاف ولم يترك إرثاً إلا ثلاثين ألفًا، فثلثه عشرة آلاف فحينئذ لكل واحد منهما نصف الثلث وهو خمسة آلاف.
قال: [وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صحت والعكس بالعكس] .
إذا أوصى لوارث كأن يوصي لأخيه حيث لا ابن له – أي للموصي – ثم ولد للموصي ولد فإن الأخ يحجب من الإرث فحينئذ تثبت للأخ الوصية، لأنه في حال موت الموصي ليس بوارث والعبرة بحال موته.
"والعكس بالعكس" فلو أوصى لغير وارث كأن يوصي لأخيه وللموصي أبناء فالأخ حين الوصية ليس بوارث ثم مات الأبناء في حياة والدهم فحينئذ أصبح الأخ وارثاً حيث لا حاجب له فحينئذ ليس له نصيب من الوصية لأنه في حالة الموت حيث تستحق الوصية هو وارث ولا وصية لوارث.
إذاً النظر في مسألة الوصية للوارث وغير الوارث معتبرة عند موت الموصي لأنها تبرع بعد الموت.
قال: [ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال لا قبله] .
القبول للوصية معتبر بعد الموت لأنه هو وقت استحقاق الوصية، فلا عبرة بقبوله قبل موت الموصي.
فإن تراخى – أي لم يتعجل بالقبول – فله بعد ذلك القبول، ويجب أن يقيد هذا بحيث لم يكن تراخيه دليلاً على عدم قبوله – إذن: له أن يتراخى لأنه حق له، فلا يسقط بتراخيه.
فإن مات الموصى له قبل أن يقبل وقبل أن يرد، فهل يرث ورثته ذلك فيكون مقامه أم لا؟
قولان في المذهب:-
القول الأول: أن الوصية تبطل.
والقول الثاني: أنها لا تبطل ويقوم وارثه مقامه، وهذا هو الراجح لأنها حق له فورث كسائر حقوقه.
قوله: [ويثبت الملك به عقب الموت] .
стр. 2509
يثبت الملك به أي بالقبول، فالضمير يعود إلى القبول، فإذا قبل الموصى له ما وصّي له به يثبت الملك به أي بالقبول أو يفعل ما يدل على القبول (١) ليس بملك له وهو ملك لورثة الموصي فنماؤه المنفصل يكون لهم ونماؤه المتصل على الخلاف المتقدم، والمذهب أنه يكون له.
فإذا أوصى له بكذا وكذا شاة ثم مات وتراخى الموصى له فلم يقبل إلا بعد شهر مثلاً فإن كان من نماء في هذه الشياة فإنه يكون للورثة لا للموصى له لأنه لا يكون ملكاً له إلا بقبوله كسائر العقود فإنها لا تنتقل بها الملكية إلا بالقبول.
قال: [ومن قبلها ثم ردها لم يصح الرد] .
من قبل الوصية ثم ردها لم يصح الرد، لأنها بقبولها أصبحت ملكاً له فلا يصح الرد، وحينئذ فإن قبل ذلك الورثة فهي هبة لهم، لأنه لما قبلها أصبحت ملكاً له فإذا ردها فإنها تكون هبة من الهبات.
قال: [ويجوز الرجوع في الوصية] .
إذا كتب رجل وصية ثم قال: الثلث لفلان، ثم بدا له أن يرجع فله أن يرجع اتفاقاً، وقد روى البيهقي – وسكت عنه الحافظ في تلخيص الحبير – أن عمر قال: " يحدث الرجل في وصيته ما شاء" وهذا باتفاق أهل العلم.
قال: [وإن قال: إن قدم زيد فله ما أوصيت به لعمرو فقدم في حياته فله] .
إذا أوصى لعمرو بوصية ثم قال: إن قدم زيد فله ما أوصيت لعمرو، فقدم في حياة الموصي فهي لزيد، وذلك لثبوت الشرط.
قال: [وبعدها لعمرو] .
فإذا لم يقدم زيد إلا بعد موت الموصي فإنها تكون لعمرو لا لزيد، لأنه ليس للموصي حق في الوصية بعد الموت، والشرط لم يقع.
قال: [ويخرج الواجب كله من دين وحجٍ وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به..] .
أي يخرجه وصيه ومن بعد ذلك وارثه ومن بعد ذلك الحاكم أي القاضي.
مما يتعلق بماله من الديون لله كحج أو زكاة أو كفارة أو نذر وما يتعلق به من الديون للآدميين تخرج من رأس ماله قبل الوصية.
стр. 2510
لقوله تعالى: ((من بعد وصية يوصى بها أو دين)) .
وفي الترمذي والحديث حسن أن النبي ﷺ : (قضى بالدين قبل الوصية) .
فهذه الحقوق تخرج من ماله، ولو لم يوص بها لأنها حقوق لهم ثابتة.
لكن إن خشي أن تضيع عليهم حقوقهم حيث لم يوص فالوصية واجبة.
إذن: الدين يخرج قبل الوصية فيخرج من رأس المال.
مثال:
رجل أوصى لزيد بثلث ماله، وكان ماله مائة ألف، وعليه ديون قدرها خمسين ألفاً، فتقضى عنه ديونه وما بقي فإن زيداً يأخذ ثلثه.
قال: [فإن قال: أدوا الواجب من ثلثي بدئ به] .
فإذا: أوصى بثلثه للفقراء، ثم قال: ما علي من دين فإنه يخرج من ثلثي.
فحينئذ يخرج من ثلثه كما قال.
فإن بقي شيء أخذه الموصى له وإلا فإنه يسقط لذا قال:
[فإن بقي منه شيء أخذه صاحب التبرع وإلا سقط] .
إذن: الدين يخرج من رأس المال كله.
إلا أن يشترط المورّث إخراجه من الثلث، فحينئذ يخرج من الثلث فإن بقي شيء للموصى له أخذه وإلا فإنه يسقط.
" باب الموصى له "
الموصى له: هو من يستحق الوصية.
قال: [تصح لمن يصح تملكه] .
فالوصية تصح لمن يصح تملكه من كافرٍ أو مسلم، قال تعالى: ((إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً)) سواء كان الكافر ذمياً أو حربياً.
أما الذمي فقد تقدمت وصية صفية زوج النبي ﷺ وقول الله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)) .
والحربي داخل في قوله تعالى: ((إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً)) .
قالوا: وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أهدى إلى عمر ثوب حرير فكساه أخاً له مشركاً) وهو حربي لأن أهل مكة في عهد النبي ﷺ أهل حرب.
ومنع من ذلك الأحناف لقوله تعالى: ((إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم)) .
والآية في التولي:
стр. 2511
لكن الأصل على مذهب الجمهور أن مال الحربي ليس بمعصوم وإنفاذ الوصية ينافي ذلك.
ويستثنى على اختيار ما قاله الجمهور السلاح والخيل ونحوه التي يقاتل بها المسلمون فإنها لا تحل الوصية له بها.
وكذلك يستثنى ما إذا كانت وصية إلى غير معينين، كأن يوصي لليهود أو النصارى أو نحو ذلك، فهذا لا يصح لما فيه من منافاة مقصود الشرع، ولما فيه من إرادة نفعهم لديانتهم وهذه من الموالاة المحرمة.
إذن: ما ذهب إليه الأحناف فيه قوة، وذلك لأن الحربي ماله ليس بمعصوم، وانفاذ الوصية ينافي ذلك. والله أعلم.
قال: [ولعبده بمشاع كثلثه ويعتق منه بقدره] .
إذا أوصى لعبده بمشاع كثلث المال أو ربعه أو نصفه، فإنه يصح، والعبد لا يملك لكن لما أوصى بمشاع دخل في ذلك العبد لأنه من المال، فإذا أوصى بالثلث فإن ثلث العبد يدخل فكانت الوصية بالمشاع متضمنةً للعتق منه.
بخلاف ما لو كان غير مشاع، كأن يقول: أوصيت لك بداري أو بكذا درهماً أو ديناراً، فإن هذا اللفظ لا يدخل فيه العبد، وحينئذ فيكون تمليكاً للعبد، والتمليك للعبد تمليك لسيده وسادته هم الورثة وحينئذ يكون هذا لا فائدة منه لأنه تمليك للمالك فهم مالكون للعبد والمال.
ولذا قال المؤلف بعد ذلك: [وبمئه أو بمعين لا تصح له] .
لأنه مملوك للورثة وهذه الوصية تكون لورثته فحينئذ لا فائدة من ذلك لكن إذا أوصى له بجزء مشاع كالثلث أو الربع فإنه يعتق منه بقدر المشاع فإذا قال: لك الربع عتق ربعه، فإن كان هناك فاضل عتق بقيته بقدر قيمته، فإن بقي شيء فله الفاضل.
ولذا قال: [ويأخذ الفاضل] .
أي بعد عتقه، فإذا عتق وبقي شيء فإنه يكون له لأنه يكون حراً فيصح تملكه.
قال: [وتصح بحملٍ ولحملٍ تحقق وجوده قبلها] .
أي قبل الوصية، أي تصح الوصية بحملٍ قد تحقق وجوده قبلها، كأن يقول "أوصيت لك بحمل هذه الدابة" وقد تحقق من وجود هذا الحمل أو "أوصيت بحمل هذه الأمة" وقد تحقق وجود هذا الحمل.
стр. 2512
وتصح لحملٍ قد تحقق وجوده قبلها.
فمثلاً: لزيدٍ زوجة، وهي حامل فقال عمرو: للحمل الذي في بطن زوجتك كذا وكذا من مالي وصية، فتصح إذا تحقق وجوده كالإرث.
وقد تقدم بيان تحقق وجوده في كتاب الفرائض.
أما إذا لم يتحقق وجوده فإن الوصية لا تصح له لأنه معدوم والمعدوم لا يملك.
قال: [وإذا أوصى من لا حج عليه أن يُحج عنه بألفٍ صُرف من ثلثه مؤنة حجة بعد أخرى حتى ينفذ] .
كأن يقول "حجوا عني بألف دينار" والألف دينار عشر حجج، فُيحج عنه عشر حجج لأن هذه هي وصيته، وهي وصية برٍ على القول بجواز حج التطوع عن الميت.
وقال المؤلف: "لا حج عليه"، لأنه إذا كان عليه حج فريضة فإنه يؤخذ من رأس المال، فنفقة حجة الفريضة تؤخذ من رأس المال لا من الثلث.
قال: [ولا تصح لملك] .
إذا وصى لملكٍ كجبريل ﵇ ونحوه فلا تصح هذه الوصية، وذلك لأنه لا يملك.
والقاعدة: أنها لا تصح الوصية لمن لا يصح تملكه.
قال: [وبهيمةٍ] .
فإذا أوصى لبهيمة فلا تصح هذه الوصية، لأن البهيمة لا تملك.
قال: [وميتٍ] .
كذلك لا تصح الوصية للميت لأنه لا يملك.
وقال الإمام مالك: بل إذا أوصى لميتٍ يعلم موته فإن الوصية تصح ويكون في قضاء دينه إن كان عليه دين وإلا فلورثته.
وهو القول الراجح؛ وذلك لأنه لما أوصى له مع علمه بموته، فإن هذا يدل على أن غرضه نفعه، وهذا يحصل بقضاء دين أو بإعطائه ورثته.
وكذلك في مسألة البهيمة فإنه لا يقصد تمليكها بل يقصد نفعها فيوضع في علفها وغير ذلك مما تحتاج إليه.
قال الحنابلة: إذا أوصى لعبد غيره صحت لسيده.
والقول الثاني في المذهب: أنها لا تصح.
والراجح صحتها.
ويخرج عليها مسألة البهيمة فإنها تكون لمالك البهيمة.
والمذهب: أنه إذا أطلق فقال: "أوصيت بكذا للبهيمة الفلانية" فلا تصح.
وإن لم يطلق بل قال: لفرس زيدٍ مثلاً، فحينئذ يعلم أنه لا يريد تمليكها، وإنما يريد نفع مالكها فتصح.
قالوا: وتلزم بلا قبول من العبد أو من المالك.
стр. 2513
والصحيح عدم لزومها إلا بالقبول.
وذلك لأن المنة تلحقه كما لو أوصى إليه، لأن مراده نفعه، فإذا أوصى لفرسه فإن مراده نفع صاحب الفرس فاشترط رضاه.
قال: [فإن أوصى لحي وميتٍ يعلم موته فالكل للحي] .
إذا قال: هذه الدار وصية لزيدٍ وعمرو، وهو يعلم أن زيداً ميت.
قالوا: فالكل للحي.
أما على القول الراجح المتقدم فإن نصيب الميت يصرف في قضاء دينه وإلا فيكون لورثته.
وهذه المسألة متفرعة عن المسألة المتقدمة.
فعلى المذهب: أنه إذا أوصى لحيي وميت يعلم موته فالكل للحي.
قالوا: لأنه أضاف الوصية إليهما مع علمه أن أحدهما غير قابلٍ للوصية، فكأنه أراد الوصية للحي وحده وهذا تعليل ضعيف، وما ذكره المؤلف هنا قول في الذهب.
والمشهور في المذهب: أن للحي النصف، وذلك لأنه أضاف الوصية إليهما وكون أحدهما لا تصح له الوصية لا يقتضي تملك الآخر لنصيبه بل يقتضي بطلان الوصية في نصيب الميت ولا يقتضي تمليك الآخر إذ كيف يملك ما لم يعطه، هذا هو المشهور في المذهب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن سعدي.
قال: [وإن جهل فالنصف] .
إذا قال: هذا وصية لزيدٍ وعمرو وهو لا يدري أن زيداً ميت فيكون للحي النصف، لأنه أضاف الوصية إليهما، وهذا يقتضي أن تكون الوصية لهما وإذا مات أحدهما فالوصية تبطل في حقه وتبقى للآخر فله النصف.
قال: [وإن وصى بماله لابنيْه وأجنبي فردا فله التسع] .
إذا قال عند موته: "مالي كله وصية لابنيّ وزيدٍ، فمقتضى هذا اللفظ أن يكون لكل واحدٍ منهما الثلث، فإذا ردّ الابنان الوصية ولم ينفذاها، فحينئذ ترجع إلى الثلث فيكون له التسع.
وذلك لأن الوصية له بثلث ما يكون وصيةً، وكان المال كله وصية فرده الابنان فرجعت الوصية إلى الثلث، وثلث الثلث التسع، هذا هو المذهب.
стр. 2514
وقال أبو الخطاب من الحنابلة بل له الثلث، وهو أقيس وذلك لأن لفظه المتقدم يدل على إعطاء الأجنبي الثلث وإنما قال: "لابني ولزيدٍ" هذا المال، حيث أمضوا وصيته وأما وقد ردوا الوصية فمقتضى لفظه المتقدم أن يكون للأجنبي الثلث.
" باب الموصى به "
الموصى به: هو الشيء الذي وقعت الوصية عليه كدارٍ أو حيوان أو نحو ذلك.
قال: [تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وطيرٍ في هواء] .
فالوصية تصح بما يعجز عن تسليمه.
فلو قال: أوصيت لك بعبدي الآبق أو بجملي الشارد ونحو ذلك فالوصية صحيحة.
وذلك لأن باب التبرعات يغتفر فيه ما لا يغتفر في باب المعاوضات، فهو تبرع إن حصل فذاك وإلا فإنه لا غرر عليه.
قال: [وبالمعدوم كبما يحمل حيوانه وشجرته، أبداً أو مدة معلومة] .
فالوصية بالمعدوم صحيحة.
فإذا قال: حمل حيواني لك أو ثمر ما تنتج شجرتي من الثمار فهو لك وصية أبداً أو مدة معلومة.
أي سواء كان ذلك أبداً أو مدة معلومة.
ومثل ذلك المجهول والمبهم فإنها تصح فيهما الوصية والمبهم كأن يقول: أوصيت له بأحد عبديّ هذين فإنه يقرع بينهما.
قال: [فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية] .
فإذا حصل فهو له.
وإن لم يحصل شيء فإن الوصية تبطل.
قال: [وتصح بكلب صيد ونحوه وبزيت متنجس، وله ثلثهما ولو كثر المال] .
فالوصية بكلب الصيد ونحوه ككلب زرع وماشية، وصية صحيحة وكذلك الوصية بالزيت المتنجس صحيحة أيضاً، ويكون للموصى له ثلثه فقط.
فإذا قال: "أوصيت بكلبي المعلم لزيدٍ" فإن الورثة يشاركونه فللورثة، الثلثان من هذا الكلب، ولزيدٍ الثلث وذلك: لأن موضوع الوصية تسليم ثلثي التركة للورثة وأن تكون الوصية في الثلث.
وهنا الكلب ليس من جنس التركة فاستحق فيه الثلثين، هذا هو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أنه ليس للورثة منه شيء بل الكلب كله للموصى له، وكذلك الزيت المتنجس.
стр. 2515
وذلك لأنه لا قيمة له، فإذا كان يملك الثلث من المال إذا أوصى له به فأولى من ذلك أن تملك مثل هذا الذي لا قيمة له.
[ولو كثر المال] ، فله ثلثهما ولو كثر المال.
والقول الثاني: إن ذلك له ولو قل المال وهو الراجح لما تقدم.
قال: [إن لم تجز الورثة] .
فإذا أجازت الورثة فإنه يملك الكلب كله والزيت المتنجس كله.
فإذا لم تجز الورثة فله ثلثهما، كما تقدم.
قال: [وتصح بمجهول كعبدٍ وشاةٍ] .
فإذا قال: "أوصيت لك بعبدٍ أو شاةٍ" فالوصية صحيحة لأن هذا من باب التبرعات.
قال: [ويُعطى ما يقع عليه الاسم العرفي] .
فإذا أوصى له بعبدٍ مجهول أو شاة مجهولة أو نحو ذلك، فإنه يعطى ما يقع عليه الاسم العرفي، فما يقع عليه اسم العبد عرفاً فإنه يعطاه، وهذا هو اختيار الموفق.
وقال الحنابلة: بل يرجع بذلك إلى اللغة، لأن كلام الله وكلام رسوله مردهما إلى اللغة فكذلك لفظ الموصي، وهذا ضعيف وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في لفظ الواقف وأن مرجعه إلى ما اعتاده من الكلام، لأن هذا هو مراده.
فالله ورسوله يعرف مرادهما باللغة، وأما لفظ الموصي فإن مراده يعرف بلغة خطابه.
قال: [وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو دية دخل في الوصية] .
إذا قال: ثلث مالي لزيدٍ "فاستحدث مالاً أي حدث في ملكه مال جديد لو بعد موته.
كأن يضع شبكة في بحرٍ فتصيد بعد موته، فهذا الصيد يدخل في ملكه، وتدخل الوصية فيه ولو كان ذلك ديةً، لأن الدية بدل نفسه، ونفسه له فكان بدلها ملكاً له.
فإذا ترك مئة ألف وكانت ديته مئة ألف، فحينئذ الثلث يكون أقل من السبعين ألفاً، فالثلث يكون من ماله كله تلاده وطريفة (١) ومن ذلك الدية.
قال: [ومن أوصى له بمعين فتلف بطلت] .
إذا أوصى له بمعين كدابة مثلاً فماتت فلا شيء للموصى له وذلك لأن حقه في الوصية متعلق بهذا المعين، فبطلت الوصية بتلفه.
وهذا من مبطلات الوصية.
стр. 2516
وقد تقدم أن من مبطلاتها أيضاً رجوع الموصي، وتقدم أيضاً عدم قبول الموصى له.
وتبطل أيضاً بقتل الموصى له للموصي كالإرث.
فكما أن الوارث إذا قتل مورثه لا إرث له فكذلك الموصي.
وتبطل أيضاً بموت الموصى له قبل موت الموصي، لأنها تبرع بعد الموت يملكه بعد الموت، وهنا قد مات الموصى له قبل ملكه.
قال: [وإن تلف المال غيره فهو للموصى له] .
إذا تلفت التركة كلها ولم يبق إلا هذا الشيء المعين الموصى به، فهو للموصى له.
فمثلاً: أوصى له بعبد ثم تلفت التركة ولم يبق إلا هذا العبد فهو له لأن الورثة لا حق لهم في هذا العبد فحقهم غير متعلق به.
قال: [إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة] .
أما إذا كان هذا أكثر من ثلث المال فإنما يصح منه ما كان بقدر ثلث المال إلا أن يجيز الورثة.
" باب الوصية بالأنصباء والأجزاء"
الأنصباء: على وزن أصدقاء جمع نصيب.
والأجزاء: جمع جزء.
وهذا الفصل هو: حساب الوصايا إن نسبت الوصية إلى نصيب الورثة.
قال: [إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة] .
إذا قال: "لزيدٍ مثل ما يكون لأبي أو لابني أو لزوجتي أو نحو ذلك.
فحينئذ: نضع مسألة للورثة.
فإذا وجدنا – مثلاً – أن المسألة من ستة، ونصيب الأب فيها واحد من ستة وقد قال: لزيد من مالي مثل ما لأبي فحينئذ تعول المسألة إلى سبعة فنعطيه سهماً واحداً كما يأخذ أبو الموصي.
قال: [فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث وإن كانوا ثلاثة فله الربع، وإن كان معهم بنت فله التسعان] .
أي له اثنان من تسعة.
وما ذكر هنا أمثله على ما تقدم.
قال: [وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يعين كان له مثل ما لأقلهم نصيباً] .
إذا قال: أوصيت لزيدٍ بمثل نصيب أحد ورثتي ولم يعين فحينئذ نؤصل المسألة وننظر من هو أقل الورثة سهاماً، فنعطي الموصى له قدره، لأن هذا هو اليقين وما زاد فهو مشكوك فيه وهو مذهب الجمهور.
قال: [فمع ابن وبنت ربع] .
стр. 2517
فالمسألة من ثلاثة، والبنت لها واحد من ثلاثة، فنعطيه هو واحد فتعول المسألة إلى أربعة فيكون له الربع.
قال: [ومع زوجة وابن تسع] .
فالزوجة مع الابن لها الثمن أي واحد من ثمانية، فنعطي الموصى له واحد فتعول المسألة إلى تسعة فيكون له التسع.
قال: [وبسهم من ماله فله السدس] .
إذا قال: أوصيت لزيدٍ بسهم من مالي" فله السدس.
قالوا: لما روى الطبراني، أن رجلاً أوصى الآخر بسهم من ماله فأعطاه النبي ﷺ السدس.
قالوا: وهو ثابت في لغة العرب أي أن السهم سدس المال أما الحديث فهو ضعيف.
وأما ثبوت هذا في اللغة، فإن لم يثبت فلا كلام.
وإن ثبت فمرجع مثل هذه المسألة إلى العرف، فإن كان هناك عرف في السهم فإنه يعطاه.
فإن لم يكن هناك عرف فالراجح أنه يعطى سهم من تصحيح المسألة هو رواية عن الإمام أحمد.
بمعني: نصحح مسألة الورثة فإذا كانت المسألة من ثمانية فإنه يعطى واحد من تسعة لأن المسألة تعول بسهمه إلى تسعة فيعطى واحد من تسعة.
قال: [وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء] .
إن قال: أوصى لفلان بحظ من مالي أو بجزءٍ أو بشيء فهذا لا حد له في اللغة والشرع فحينئذ يعطى ما يصدق عليه أنه شيء أو جزء أو نصيب أو حظ في العرف مما يتمول عادةً.
"باب الموصى إليه "
الموصى إليه: هو الوصي، وهو من يؤذن له بالتصرف بالمال بعد الموت.
أي يتصرف في مال الميت بقضاء ديونه وإخراج ثلثه ونحو ذلك.
فإن كان الإنسان يثق بنفسه ويعلم من نفسه القيام بهذا العمل فهو مندوب إليه لأنه من الإحسان إلى الناس، والإحسان إلى الناس مندوب.
قال: [تصح وصية المسلم إلى كل مسلم] .
فلا تصح الوصية إلى الكافر اتفاقاً، أي لا يصح أن يكون متصرفاً في المال بعد موت المورّث.
قال: [مكلفٍ] .
فلا تصح إلى مجنون ولا إلى صبي اتفاقاً.
قال: [عدل رشيد] .
فلا تصح إلى فاسق ولا إلى سفيه لعدم أهليتهم وقصور تصرفهم.
قال: [ولو عبداً] .
стр. 2518
ولو امرأة أيضاً، وقد تقدم أن عمر قد أوصى بوقفه إلى حفصة ﵂.
ويصح أيضاً أن يكون عبداً.
قال: [ويقبل بإذن سيده] .
فالعبد لا يقبل إلا بإذن سيده، لأن السيد يملك منافعه فاشترط إذن سيده.
قال: [وإذا أوصى إلى زيدٍ وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركاً] .
وذلك لأن لفظه لا يفيد عزلاً.
لكن إن كانت هناك قرينة تدل على العزل فحينئذ يكون قوله الآخر ناسخاً لقوله الأول.
فإن لم تكن هناك قرينة فإنهما يشتركان لأن لفظه الآخر لا يفيد عزلاً.
قال: [ولا ينفرد أحدهما بتصرفٍ لم يجعله (موص) له] .
فإذا أوصى لزيدٍ ثم بعد ذلك قال: أوصيت إلى عمرو، فليس لأحد هذين الوصيين أن يتصرف بالانفراد لأنه لم يؤذن له بذلك على هذه الصفة، فإنه يشترط نظر الاثنين كالوكيلين، فليس لأحد الوصيين أن يتصرف منفرداً بل لابد أن يشتركا في التصرف.
قال: [ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دينه وتفرقة ثلثه والنظر لصغاره] .
هذا ظاهر.
فلا تصح وصية إلا في تصرف معلوم، لأنه إن كان التصرف غير معلوم فإنه لا يمكنه التصرف ولا يمكنه حفظ المال.
كذلك لابد وأن يكون الموصي يملك التصرف فيه قبل موت، فليس له أن يأذن لأحدٍ في أن يتصرف في الشيء هو لا يملك التصرف فيه بل لا بد أن يكون هو مالكاً للتصرف فيه.
قال: [ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك]
لأنها لا تملك ولايتهم.
كذلك لا تصح وصية الرجل على ابنٍ له بالغ رشيد وذلك لأنه هو لا يملك الولاية على البالغ الرشيد فأولى من ذلك الموصى إليه.
قال: [ومن وصّي في شيء لم يصر وصياً في غيره] .
هذا أيضاً ظاهر.
فإذا: أوصيت إليك بقضاء الدين، فليس له أن يخرج الثلث لأنه لم يؤذن له بذلك.
قال: [فإن ظهر على الميت دين يستغرق (تركته) بعد تفرقة الوصيّ لم يضمن] .
стр. 2519
أي: بعدما أخرج الثلث وتصرف في هذا المال بعض التصرف على الوجه المأذون له فيه، بعد ذلك أتى شخص له دين يستغرق التركة فحينئذ لا يضمن الوصي، لأنه معذور لعدم علمه وحينئذ فيرجع هذا الدائن إلى الورثة لأن حق الدائن سابق لحقهم.
قال: [وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده] .
فإذا قال له: ضع ثلثي حيث شئت، لم يحل للموصى إليه أن يضعه له ولا لولده.
قالوا: لأنه متهم في حقه فلا يحل له أن يضعه في نفسه ولا أن يضعه في ولده لأنه متهم في حقهم.
وقال المجد ابن تيمية بل له أن يضعه في ولده وذلك لأن وضعه في الولد تفريق له وحيث كانوا مستحقين فقد صرفه في المستحقين فظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز أن يضعه في غير الولد كالأب والأم.
والمشهور في المذهب خلاف هذا، وأنه لا يجوز له أن يعطيه سائر الورثة.
ومذهب أبي حنيفة وهو احتمال في المذهب، أن له أن يضعه في نفسه وولده وذلك لتناول اللفظ له ولهم وهذا هو القول الراجح.
وأما كونه متهماً في حقهم، فهذا لا أثر له وذلك لأنه قد رضي بتصرفه فرضاه بتصرفه يزيل التهمة في حقه.
وقد يقال: بأن له أن يتصرف به على الوجه الأصلح كالوكيل فإن كان الأصلح دفعه لنفسه أو لولده فعل ذلك.
وإلا فيجب عليه أن يدفعه إلى الأصلح أي إلى الأحق سواء كان النفس أو الولد أو غيرهما.
مسألة:
المشهور في المذهب أن للوصي أن يعزل نفسه متى شاء أي في حال حياة الموصي وبعده.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة، أنه ليس له ذلك أي بعد موت الموصي وهو الراجح.
لما في ذلك من تضييع الأمانة وتعريض المال للضياع وأما في الحياة فإن المال بيد صاحبه ويمكنه أن يوصي غيره فيجوز للموصى إليه أن يعزل نفسه في حياة الموصي.
والمذهب: أن الموصى إليه ليس له أن يوصي إلى غيره بالمال كالوكالة.
стр. 2520
وهذا ظاهر، لكن يتجه إن خشي من عدم قيام الحاكم أي القاضي بالمال قيامًا شرعياً، بأن كان القاضي ليس أهلاً، حينئذ يتجه جواز الإيصاء أي مع العذر فإذا كان معذوراً فله أن يوصي غيره أي أن يوصي أميناً.
إذن الراجح أن له أن يوصي غيره إن لم يكن القاضي أهلاً أو خشي أن يولي الحاكم غير أمين، لوجوب حفظ المال هذا إن كان له عذر.
قال: [ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته (١) وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره] .
من مات بمكان لا قاضي فيه ولا وصي فإنه يجوز لبعض المسلمين ممن حضره أن يتولى تركته ويعمل الأصلح فيها من بيع وغيره.
وذلك لأن هذا موضع ضرورة فهو وإن لم يوصِ إليه فإن هذه ضرورة لحفظ المال وهذا من واجبات الكفاية.
فإن عدم قيام البعض بذلك ضياع للمال.
انتهى شرح كتاب الوصايا من زاد المستقنع للشيخ حمد الحمد، حفظه الله ونفع به.
стр. 2521
كتاب الفرائض
الدرس الأول
(يوم السبت: ٦ / ٥ / ١٤١٦هـ)
رأيت أن نتدارس كتاب الفرائض من الزاد على هذه الطريقة، وهو أن يكون بعد درس الزاد من البيوع، أي تقريبا بين الأذان والإقامة.
وذلك لأن تدارس الفرائض من الزاد إن أطلنا به بالأمثلة ونحو ذلك كان في ذلك تأخرا في دراسة هذا الكتاب.
وإن أخذنا منه ما نأخذ في الدروس الأخرى فإن هذا يفوت اتقان وضبط المسائل الفرضية.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وهي العلم بقسمة الميراث [
تعريف الفرائض:
في اللغة: جمع فريضة بمعنى مفروضة أي مقدرة. قال تعالى: [نصيبا مفروضا] أي مقدرا.
وأما في الاصطلاح فكما قال المؤلف (وهي العلم بقسمة الميراث) .
وإن شئت قلت: علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث.
وعلم الفرائض داخل في العلوم الشرعية التي رغب الشارع في تعلمها وهي من فروض الكفاية.
وللفرائض فضيلة تختصه حيث إنه تصان به الدماء وتحفظ به الأموال وقد تكفل الله بقسمته في سورة النساء.
ولم يصح عن النبي ﷺ حديث خاص في فضيلته. أما ماروي عنه في هذا الباب فهي أحاديث ضعيفة.
- منها مارواه الحاكم وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: ((يا أباهريرة تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو ينسى وهو أول علم ينزع من أمتي)) (١) والحديث إسناده ضعيف جدا
стр. 2522
- ومنها مارواه أبوداود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ـ ﷺ ـ قال: ((العلم ثلاثة وماسوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة)) (١) .
- ومنها مارواه الترمذي من حديث ابن مسعود وإسناده ضعيف جدا أن النبي ﷺ قال: ((تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن هذا العلم سيقبض ويوشك أن يختلف الرجلان في الفريضة لا يجدان من يقضي بينهما)) (٢) فهذه الأحاديث لا تصح عن النبي ﷺ .
стр. 2523
قال المؤلف:] أسباب الإرث: رحم، ونكاح، وولاء [.
هذه أسباب الإرث وهي ثلاثة:
ـ السبب الأول: الرحم:
وهو القرابة كما قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها الإرث بالرحم وسيأتي سياقها.
والوارثون بالرحم ثلاثة أصناف:
أـ أصول: وهم من لهم عليك ولادة من الذكور والإناث. وهم الأب والأم والجد والجدة وإن علوا هؤلاء هم الأصول.
ب ـ فروع: من لك عليهم ولادة وإن نزلوا. كالابن والبنت وابن الابن وابن البنت وهكذا.
ج ـ حواشي: وهم الذين يرجعون إلى أصولك أي الذين يجمع بينك وبينهم أصل، كالأخ والأخت والعم وابن الأخ ونحو ذلك.
ـ السبب الثاني: النكاح:
وهو عقد الزوجية الصحيح. ويثبت التوارث به بمجرد العقد وإن لم يثبت الدخول لقوله تبارك تعالى: [ولكم نصف ماترك أزواجكم] فالزوج يرث. والآية عامة سواء كان هذا قبل الدخول أو بعده، مادام أن الزوجية قد ثبتت بالعقد.
وقد روى الخمسة بإسناد صحيح و (١) صححه الترمذي أن ابن مسعود قضى بامرأة توفي عنها زوجها ولم يدخل بها أن لها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فأخبر ابن مسعود أن النبي ﷺ قضى في بَرْوع بنت واشق الأشجعية بمثل ما قضى به ابن مسعود (٢) .
ـ السبب الثالث: الولاء:
وهي عصوبة سببها نعمة المعتِق على معتَقه بالحرية.
стр. 2524
كأن يشتري رجل عبدا فيعتقه أو يكون عنده عبد فيعتقه سواء كان هذا العتق واجبا عليه كالكفارات أو كان ذلك منه على وجه التبرع والتطوع فإن الولاء يثبت به، وقد قال ﷺ في الصحيحين: “ إنما الولاء لمن أعتق (١) “
فيرث المعتِِق عتيَقه وهكذا عصبته (٢) المتعصبون بأنفسهم لابغيرهم ولا مع غيرهم وسيأتي الكلام على العصبة - إن شاء الله - (٣) .
فيرث المعتِق وعصبته باتفاق العلماء أي (٤) المتعصبون بأنفسهم. وعليه فالعتق يثبت به الإرث من أعلى لا من أسفل؛ فالمعتِق يرث العتيق لا بالعكس كما هو مذهب جماهير العلماء.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ثبوت الإرث من أسفل فيرث العتيق من معتِقه. وسيأتي الكلام على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أسباب الإرث المختلف فيها إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الثاني
(يوم الأحد: ٧ / ٥ / ١٤١٦هـ)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى-:] والورثة ذوو فرض، وعصبة، ورحم [.
الورثة ثلاثة:
ذوو فرض، ذوو عصبة، وذوو رحم. على القول بتوريث ذوي الأرحام وهو المشهور في المذهب وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.وكذلك سيأتي الكلام على العصبة.
والبحث هنا في ذوو الفروض.
الفرض: هو الجزء المقدر لكل وراث، فصاحب الفرض هو من أخذ جزءا مقدرا كمن يأخذ الثلث أو النصف ونحو ذلك.
والفروض في كتاب الله تعالى ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. أي الربع والثلث ونصف كل وضعف كل.
وهناك فرض سابع دل عليه اجتهاد الصحابة رضوان الله عنهم وهو ثلث الباقي وستأتي المسألة التي يثبت فيها ثلث الباقي إن شاء الله تعالى.
стр. 2525
إذن الفروض سبعة؛ ستة منها في كتاب الله تعالى والسابع قد دل عليه اجتهاد الصحابة ﵃.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى-:] فذوو الفروض عشرة: الزوجان والأبوان والجد والجدة والبنات وبنات الابن والأخوات من كل جهة والإخوة من الأم [.
الزوجان: الزوج وزوجته أي الذكر والأنثى من الأزواج.
الأبوان: أي الأب والأم.
والجد والجدة والبنات وبنات الابن.
قوله:] والأخوات من كل جهة [أي سواء كنّ شقيقات أو لأب أو لأم.
فأصحاب الفروض هم: الزوجان والأبوان والجد والجدة والبنات وبنات الابن والأخوات من كل جهة والإخوة من الأم.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى-:] فللزوج النصف. ومع وجود ولد أو ولد ابن وإن نزل الربع [
الزوج له النصف لقوله تعالى: [ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ّولد] . ومع وجود ولد سواء كان ذكرا أم أنثى أو ولد ابن وإن نزل فله الربع لقوله ﵎: [فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن]
إذن فالنصف للزوج إن لم يكن للزوجة ولد أو ولد ابن وإن نزل، فإن كان هناك ولد أو ولد ابن وإن نزل فله الربع.
فالزوج له النصف بشرط عدم الفرع الوارث فإن وجد الفرع الوارث للزوجة وإن لم يكونوا من الزوج فله الربع.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى-:] وللزوجة فأكثر نصف حاليه فيهما [
قوله:] فأكثر [أي سواء كنّ اثنتين أم أكثر.
قوله:] مثل حاليه فيهما [.
فالحالة التي يأخذ فيها الزوج النصف تأخذ فيها الربع. والحالة التي يأخذ فيها الزوج الربع تأخذ فيها الثمن.
وعليه: فلها الربع حيث لا فرع وارث للزوج. فإن كان هناك فرع وارث له فلها الثمن.
قال الله تعالى: [ولهنّ الربع مما تركتم إن لم يكن ولد، فإن كان لكم ولد فلهنّ الثمن مما تركتم]