← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فجماعها في الدبر محرم، وهذا باتفاق السلف واتفاق أهل العلم، والأحاديث في النهي عن ذلك كثيرة، فعند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وروى الترمذي والحديث حسن أن النبي ﷺ قال: (لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحيي من الحق) ، وفي المسند بإسناد حسن أن النبي ﷺ -قال: (هي اللوطية الصغرى) ، فجماع المرأة في دبرها أي إيلاجاً من دبرها محرم وهو من كبائر الذنوب، ولا يصح حكاية جواز هذا عن أحدٍ من السلف، ومن حكى ذلك عن بعض السلف فقد غلط في ذلك، ومنشأ الغلط عدم التفريق بين لفظة (من) و (في) فللرجل أن يأتي امرأته في قبلها من دبرها، أي من خلفها وأما أن يأتيها في دبرها فإن هذا محرم، وقد أخطأ من فهم عن بعض أهل العلم من السلف إباحة ذلك، ولو تطاوع الزوجان على ذلك فرق بينهما وقياسه الوطء في الحيض. والعزل مكروه وجائز، أي جائز ليس محرم لكنه مكروه ودليل عدم تحريمه ما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهى عنه القرآن) ، وفي مسلم (فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينه عنه) ، وكراهيته لقوله ﷺ : (ذلك الوأد الخفي) ، ويشترط استئذان الزوجة في العزل لأن لها حقاً في الولد، ولأن في ذلك كمال استمتاعها، وقد أجمع على هذا أهل العلم، وفي المسند بإسناد ضعيف - فيه ابن لهيعة - أن النبي ﷺ قال: (لا يعزل عن الحرة) ، أي إلا بإذنها، والحديث ضعيف لكن أجمع أهل العلم عليه، فإن كانت أمة فقولان: القول الأول: وهو المشهور في المذهب أنه لا يجوز أيضاً لحق السيد في الولد، ولأنها زوجة فأشبهت الحرة.

стр. 2697

القول الثاني: وهو مذهب الشافعية وهو احتمال في المذهب: أنه يجوز، وذلك لما فيه من الضرر عليه باسترقاق ولده لأن أولاده يكونون رقيقاً لسيد أمهم. وهذا القول أظهر، فإن فيه استرقاقاً للولد وهو ضرر بالغ لا يعدل له هذا الحق الذي يضيع على السيد أو على الأمة بتحصيل الولد، فالراجح أنه يجوز له أن يعزل بلا إذن الأمة. قال: [وله إجبارها على غسل حيض ونجاسة] واجتناب المحرمات، وهذا لما فيه من المنكر فيجب عليه أن ينكر وهذا واجب عليها، وهو راعٍ ومسؤول عن رعيته. قال: [وأخذ ما تعافه النفس من شعرٍ وغيره] من ظفر ونحو ذلك لما فيه من كمال الاستمتاع. قال: [ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة] وهذا أحد القولين في المذهب، والقول الثاني: أنها تجبر، والصحيح أنها لا تجبر لأن هذا لا يضر بالوطء. مسألة: هل تجبر المرأة على خدمة زوجها أم لا؟ قولان لأهل العلم: فاتفقت المذاهب الأربعة على أنها لا تجبر، قالوا: لأن العقد مقتضاه الوطء والاستمتاع بها، وأما أن تكون خادمة له فليس هذا من مقتضى العقد.

стр. 2698

وقال بعض أهل العلم، وهو مذهب طائفة من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن ذلك واجب عليها بالمعروف، فيجب على مثلها أي قوةً في بدنها وشرفاً في نسبها ومالها، ما يجب لمثله، وهذا هو الراجح لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ ، فعليهن واجبات قد أوجبها العرف والعادة فما جرت العادة به فهو واجب، وهذا كان عرف نساء الصحابة كما في قصة فاطمة في الصحيح، وكما في قصة أسماء في مسند الإمام أحمد وغيره، وهذا القول الراجح حيث جرت العادة بذلك، فإن لم تجر العادة فلا يجب، فيلزمها ما يجب على مثلها لمثله، فإن كانت سيدة وهو وضيع فليس كما لو كانت هي وضيعة وهو سيد، وإذا كانت شريفة في قومها فليست كما لو كانت وضيعة، ويجب على صاحبة البلد الحاضرة ما لا يجب على من تعيش في البادية، فهذه أمور تختلف - وكما قرر شيخ الإسلام - بإختلاف الأعراف واختلاف العادات وباختلاف النساء. فصل قال: [ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع]

стр. 2699

يجب عليه أن يبيت عند الزوجة الحرة ليلة من أربع ليالٍ هذا هو المشهور في المذهب، واستدلوا بما روى أبوبكر بن أبي شيبة وغيره – والأثر صحيح – في قصة المرأة التي ذكرت عند عمر تعبُّدَ زوجها فلم يفطن لمرادها وظن أنها تثني عليه خيراً، ففطن لذلك كعب بن سور- ﵀ وبين ذلك لعمر، فأمره عمر أن يقضي فيها، فقضى أن يكون لها ليلة من أربع ليالٍ، وذلك كما لو كانت رابعة له، قالوا قد اشتهر هذا الأثر ولا يعلم لعمر مخالف، وقال الجمهور: بل لا يجب لأن القسم لحقه، فإذا لم يبت عندها فقد أسقط حقه، وهذا ضعيف لأن للمرأة حقاً في ذلك، وليس صحيحاً أن القسم لحقه فحسب بل هو لحقيهما ولذا قال النبي ﷺ لعبد الله وقد وعظه: (ولزوجك عليك حق) متفق عليه، واختار شيخ الإسلام أنه يكون بحسب الحاجة كالوطء وما ورد في قصة كعب تقدير شخص لا يراعى، كما لو فرض النفقة وكونه يجب حال الاجتماع ولا يلزم أن يجب حال الانفراد وهو أصح. قال: [وينفرد إذا أراد في الباقي] فإذا أراد في الليالي الباقية أن ينفرد فذلك جائز له. قال: [ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة] فيلزمه الوطء كل أربعة أشهر مرة وذلك لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ ، واختار شيخ الإسلام: أنه يجب عليه الوطء بقدر كفايتها ما لم يضر هذا ببدنه أو معاشه وهذا اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، وهذا هو الراجح لأن هذا هو المعروف ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وأما الآية فليس فيها أنه يجوز له هذا التأخر وإن كان مضراً بها، بل فيه أنه إذا حلف هذا اليمين فإنه يتربص هذه الأشهر. قال: [وإن سافر فوق نصفها، وطلبت قدومه وقدر لزمه]

стр. 2700

...أي فوق نصف السنة أي فوق الستة أشهر، وكان السفر غير واجب، فليس سفر حجٍ واجب ولا غزو واجب ولم يكن مما يحتاج إليه في معاشه، فإذا طلبت قدومه وقدر لزمه ذلك، وذلك لما روى البيهقي أن عمر ﵁: " وقت للغزاة ستة أشهر " في قصة سماعه أبيات الشعر التي ذكرتها المرأة، فاستشار حفصة فيما تصبر المرأة عن زوجها فذكرت له أنها تصبر خمسة أشهر أو ستة أشهر، فوقت للغزاة ستة أشهر، قالوا فإذا طلبت قدومه وقدر لزمه. قال: [فإن أبى أحدهما فُرق بينهما بطلبها] فإذا أبى الزوج الوطء في المسألة الأولى، وأبى القدوم من السفر في المسألة الثانية، فإنه يفرق بينهما بطلبها أي لها حق الفسخ، وقال أكثر أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الأصحاب كما قال ذلك الموفق: " أنه لا يفرق بينهما"، والصحيح في مثل هذه المسألة ما قرره شيخ الإسلام وهو: أن المرأة إذا حصل عليها الضرر بترك الوطء فإن ذلك مقتضٍ للفسخ بكل حالٍ، سواء كان مع عجز الزوج أو قدرته سواء مع عذره أو مع عدم العذر، وذلك حق الفسخ لدفع الضرر، فإذا لم يطئها أو كان في سفره تركٌ للوطء، فلها الفسخ سواء كان الزوج معذوراً أو لم يكن معذوراً، عاجزاً عن الوطء أو لم يكن عاجزاً عنه. قال: [وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد] لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً) قال: [ويكره كثرة الكلام] أي يكره له كثرة الكلام عند الجماع، قالوا لما ورد أن النبي ﷺ قال: (لا تكثروا الكلام عند المجامعة فإن منه الخرس والفأفأة) ، لكن الحديث لا يصح وعليه فيجوز ذلك. قال: [والنزع قبل فراغها]

стр. 2701

أي يكره النزع من الجماع قبل أن تفرغ المرأة من حاجتها، وفي أبي يعلى بإسناد ضعيف أن النبي ﷺ قال: (إذا جامع الرجل امرأته فقضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا ينزع حتى تقضيِ حاجتها) ، والحديث إسناده ضعيف، لكنه مستحب لتحصيل المرأة على كمال استمتاعها. قال: [والوطء بمرأى أحدٍ والتحدث به] فيكره الوطء بمرأى أحدٍ، والتحدث بالجماع، لكن الكراهية غير كافية بل هو محرم بل هو من كبائر الذنوب لقوله ﷺ في مسلم: (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) ، وأعظم من ذلك أن يجامع بحيث يُرى، وهذا القول الثاني في المذهب وهو الراجح وأن ذلك محرم. قال: [ويحرم جمع الزوجتين في مسكن واحد بغير رضاهما] لما في ذلك من الضرر بسبب ما يكون بين النساء من الغيرة، فبسبب ذلك لا يجوز له أن يجمع بينهما إلا بالرضا وليس هذا من المعروف، والواجب المعاشرة بالمعروف. قال: [وله منعها من الخروج من منزله] اتفاقاً، وفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان بإسنادٍ صحيح: " أن معاذ بن جبل سجد للنبي ﷺ فقال: (ما هذا يا معاذ) فقال: أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أني إذا أتيت أن أفعل ذلك لك، فقال النبي ﷺ : (فلا تفعل، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها على قتب لم تمنعه) "، فهذا فيه وجوب طاعة الزوج، ولذا اتفق أهل العلم على أنها لا تخرج إلا بإذنه، وأن له أن يمنعها من الخروج وهذا حيث لا ضرر، أما إذا تضررت بذلك فليس له أن يمنعها لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) . قال: [ويستحب إذنه أن تمرض محرمها]

стр. 2702

يستحب له أن يأذن في أن تمرض المرأة محرمها كعمها أو خالها، وكذلك تعوده، وقالوا: لما فيه من صلة الرحم، ولأن المنع قد يحملها على مخالفة أمره، وقال ابن عقيل من الحنابلة: يجب عليه أن يأذن لها لأجل العيادة، أي عيادة والديها أو أحد من محارمها / والذي يترجح أن هذا راجع إلى العرف والطاعة بالمعروف، فإن كان من العرف كزيارة والديها أو زيارة بعض أقاربها ونحو ذلك فإنه ليس من المعروف أن يمنعها وإنما الطاعة بالمعروف، ولذا فالمذهب؛ أنه له أن يمنعها من زيارة والديها وليس له أن يمنعها من زيارتهم لها، والصحيح؛ أنه ليس له أن يمنع من ذلك إذا كانت الزيارة بالمعروف أي بما جرى العرف به مما ليس فيه إسراف بالزيارة، لما يثبت معه الصلة وينتفي العقوق، ولا تضيع المرأة معه بيتها ولا حق زوجها. قال: [وتشهد جنازته] قال: [وله منعها من إجارة نفسها] لما فيه من تفويت حقه، فليس لها أن تؤجر نفسها إلا بإذنه، ومن ذلك الأعمال التي تقوم بها المرأة خارج بيتها فيشترط فيها إذن الزوج أو أن تشترط المرأة ذلك في العقد وإلا فله أن يمنعها. قال: [ومن إرضاع ولها من غيره] له أن يمنعها أن ترضع ولدها من غيره، لأنه يفوت عليه كمال الإستمتاع بها وهو حق له. قال: [إلا لضرورته] فإذا خشي على الولد الهلاك فليس له أن يمنع، وأما لو كان ولدها منه فليس له أن يمنعها من إرضاعه لأن هذا حق لها، فالمرأة إذا كانت بها عصمة زوجها فمن حقوقها إرضاع ولدها، بخلاف ما إذا كانت مفارقة له. الدرس الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة فصل قال: [وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لا في الوطء]

стр. 2703

هذا فصل في القسم بين النساء، فيجب عليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ، ولقول النبي ﷺ فيما روى الخمسة بإسنادٍ صحيح: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب، واتفق أهل العلم على أن القسم لا يجب في الحب والجماع لقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ، وروى البيهقي عن ابن عباس وعبيدة السلماني في قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ، قالا: في الحب والجماع. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قيل له: من أحب الناس إليك؟ فقال: (عائشة) ومن الرجال؟ قال: (أبوها) ، فالعدل في الحب والوطء غير واجب، نعم يجب عليه أن يطأ امرأته بالمعروف، لكن لا يجب عليه العدل بين النساء في الوطء، كما أنه لا يجب عليه العدل بينهم في الحب. هل يجب عليه أن يعدل بينهم في النفقة والسكن والكسوة؟ قال الحنابلة: لا يجب ذلك، قياساً على الوطء لما فيه من الحرج، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره من المتأخرين الشيخ محمد عبد الوهاب وعبد الرحمن بن سعدي: أن ذلك واجب لأنه عدل مقدور عليه، ففارق بين الحب والوطء فإنه عدل غير مقدور عليه لأن الوطء تبع للرغبة والرغبة قلبية والحب إلى القلب فليس بوسع المكلف أن يعدل بين النساء في ذلك. وأما النفقة والسكن والكسوة فإن العدل مقدور عليه، وهو داخل في المعاشرة بالمعروف، فليس من المعاشرة بالمعروف أن ينفق عليها دون ما ينفقه على بقية زوجاته ولا أن يكسوها دونهن وهو قادر على العدل، نعم قد يقال بما ذهب إليه الحنابلة في النفقات الطارئة التي تحتاج إليها إحداهن فيتوجه القول بعدم وجوب العدل، لما في ذلك من المشقة والحرج، فإذا احتاجت إحداهن إلى شيء لا تحتاج إليه غيرها فلا يقال بوجوب العدل حينئذٍ بل يعطى صاحبة الحاجة لأنها مميزة لحاجتها.

стр. 2704

قال: [وعماده الليل لمن معاشه النهار] عماد القسم عند النساء الليل، لأنه وقت السكن قال تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ ، والنهار تبع له، هذا لمن معاشه أي عمله بالنهار وأما من كان عمله بالليل كبعض الجند أو غيرهم فقال المؤلف هنا: [والعكس بالعكس] لأنه هو وقت سكنه. مسألة: الدخول على الضرة في ليلة ضرتها ليلاً لا يجوز إلا عند الضرورة وفي النهار يجوز عند الحاجة، كمرض يصيبها فتحتاج إليه، وأما في النهار فيجوز أن يدخل على الضرة عند الحاجة كأن يكون قادماً من سفر أو تكون مريضة فيعودها. فإذا دخل عند الضرة ليلاً فهل يجب أن يقضي لمن كانت ليلتها؟ إن كان دخوله لضرورة فلا كما تقدم، وإن كان لغير ضرورة فعليه أن يقضي إن كان مكثه كثيراً عرفاً، أما إذا كان يسيراً عرفاً فإنه لا يقضي لأنه لا فائدة من القضاء، فإن جامعها فأصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقضي ما دام الوقت يسيراً عرفاً، وذلك لأن الوطء لا يجب القسم فيه ولا يجب العدل فيه وحينئذٍ فلا يتغير الحكم. قال: [ويقسم لحائضٍ ونفساء ومريضةٍ ومعيبةٍ ومجنونةٍ مأمونةٍ وغيرها] لأنهن زوجات فيدخلن في العموم، ولأن القسم يراد به السكن، وذكر الشيخ حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن العرف عندهم أي في نجد في زمنه أن النفساء لا تطلب القسم، فيما يظهر هكذا عندنا وإن هذا العرف يأخذ في بلاد نجد من ذلك الوقت، وعليه فلا يقسم للنفساء لأن المعاشرة تجب بالمعروف، وهنا العرف قد دل على أن القسم لا يجب للنفساء، وهذا هو الأظهر خلافاً للمشهور في المذهب لأن العرف جاء بذلك. قال: [وسافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها أو أبت السفر معه أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة] هنا مسائل لا تجب فيها للمرأة النفقة والقسم: المسألة الأولى: إن سافرت بلا إذنه. المسألة الثانية: إن أبت السفر معه. المسألة الثالثة: إن أبت المبيت عنده.

стр. 2705

فهنا لا يجب لهن القسم ولا النفقة وذلك لأنهن ناشزات والناشزة لا قسم لها ولا نفقة فهي عاصية لزوجها والعاصية لا تجب لها النفقة ولا القسم. المسألة الرابعة: وهي فيما إذا سافرت بإذنه في حاجة، فالمذهب كما ذكر المؤلف أنه لا قسم لها ولا نفقة، وذلك كأن تسافر المرأة للعلاج أو لزيارة الأقارب وأذن لها الزوج فلا يجب لها القسم ولا النفقة، أما القسم فظاهر وذلك لأنها مسافرة وهو مقيم، ولا يقضي لها لأن العذر جاء من جهتها، ثم إنه إذا سافر هو فلا يجب أن يقضي فأولى من ذلك ألا يقضي لها إذا سافرت. وأما النفقة فالقول الثاني في المسألة وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة وذكره الموفق احتمالاً: أن النفقة واجبة وهذا هو الظاهر، لأن النفقة ثابتة لها فلا تسقط إلا بدليل يدل على إسقاطها، وهنا لا دليل يدل على ذلك، وليست بناشزة فتسقط النفقة عليها بل إنها قد استأذنته فأذن لها، إلا أن يكون قد شرط عليها ألا ينفق عليها وأما إن لم يشرط ذلك فإن النفقة واجبة. قال: [ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أوله فجعله لأخرى جاز] إذا وهبت قسمها لضرتها بإذنه أي بإذن الزوج، فيشترط أن يأذن الزوج بذلك لأنه حق له فاشترط إذنه، أو وهبت قسمها له، كأن يكون له ثلاث نسوة فقالت إحداهن: لك ليلتي فجعله لأخرى من نسائه جاز، لما ثبت في الصحيحين: " أن سودة بنت زمعة وهبت لعائشة يومها فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة "، فالهبة جائزة لأن هذا حق للمرأة وحق للرجل، فقد رضى الرجل بإسقاط حقه، والمرأة الواهبة رضيت بهبته وإسقاط حقها، وحينئذٍ فإن وهبته لفلانة جاز ذلك بإذنه وإن وهبته له فإنه يهبه لمن يشاء من نسائه. وهل للمرأة أخذ العوض على الهبة؟ المذهب أنه لا يجوز، واختار شيخ الإسلام وذكر أنه المذهب: أن ذلك جائز، وهو الراجح، لأنه أخذ عوض على حق فأشبه سائر الحقوق، فإذا أخذت عوضاً من زوجها أو من الموهوب لها فذلك جائز لأنه حق لها.

стр. 2706

قال: [فإن رجعت قسم لها مستقبلاً] إذا رجعت بعد ذلك فإنه يقسم لها في المستقبل لأنها هبة لم تنقض فالليالي السابقة قد قبضت فلا يقضى لها وأما الليالي المقبلة فإنها لم تقبض فلها الرجوع. قال: [ولا قسم لإمائه وأمهات أولاده بل يطأُ من شاء متى شاء] فلا قسم لهن، وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، فدل على أن ملك اليمين لا يجب لهن العدل، أي إن خفتم ألا تعدلوا بين النساء فأنكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم. قال: [وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار وثيباً ثلاثة] إذا تزوج بكراً على زوجة سابقة فإنه يمكث عندها سبعاً ثم يقسم بين نساءه بعد ذلك، وإن كانت ثيباً فإنه يمكث عندها ثلاث ليالٍ وما يتبعهن من النهار، ثم بعد ذلك يقسم بينهن، لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: " من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم ". قال: [وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي] ودليل ذلك ما ثبت في مسلم عن أم سلمة: " أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثاً ثم قال: (إنه ليس بك على أهلك – أي على نفسه ﷺ - هوانٌ إن شئتِ سبّعت لك وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي) ". هل له أن يسافر بإحدى نسائه؟ الجواب: أنه ليس له ذلك إلا برضا الباقيات، فإن لم ترض الباقيات فإنه يسهم بينهن، أي يضع بينهن القرعة، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: " كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها "، وظاهر الحديث وهو مذهب الجمهور: أنه لا يقضي للباقيات فإن عائشة لم تذكر قضاءً. فإن سافر بإحداهن بلا قرعة ولا رضا فهل يجب القضاء أم لا؟

стр. 2707

قولان لأهل العلم: أظهرهما وهو مذهب الحنابلة والشافعية؛ وجوب القضاء وذلك لأنه قد سافر بها بلا حقٍ وميزها عن بقية النساء بلا حق فكان لهن القضاء. قال الموفق: وعليه فينبغي أن لا يلزم قضاء المدة، وإنما يقضي منها ما أقام منها معها أما زمان المسير فلم يحصل به المشقة. فصل قال: [النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها] النشوز: من النَشْزِ، بتسكين السين وفتحها؛ وهو المكان المرتفع. وسمي خروج المرأة عن طاعة زوجها نشوزاً لأن هذا تكبر منها وتعالٍ على أمر زوجها، كما أن الرجل إذا خرج عما يجب عليه من العدل وغير ذلك من واجبات المرأة التي أمره الله بها وجفا المرأة وأبغضها فإن ذلك نشوزا منه، فالنشوز يكون من الزوجين، أما الزوجة فلقوله تعالى: ﴿واللآتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ ، وأما الزوج فقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ . قال: [فإذا ظهر منها أماراته بأن لا تجيبه إلى الإستمتاع أو تجيبه متبرمةً أو متكرهةً وعظها] متبرمةً: أي متثاقلةً. فإذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز فإنه يعظها أي يذكرها بما يجب له من الحق، وما عليها من الإثم في مخالفة ذلك، وقد تقدم قول النبي ﷺ : (والذي نفس محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها) ، والدليل على أنه يعظها قوله تعالى: ﴿وللآتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ . قال: [فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء] قال تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ ، فيهجرها في المضجع فلا يجامعها ويهجرها في المضجع ما شاء من الأيام والليالي. قال: [وفي الكلام ثلاثة أيامٍ]

стр. 2708

ففي الكلام ليس له أن يهجرها أكثر من ثلاثة أيام لقول النبي ﷺ في الصحيحين: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ، ولم أرَ من الحنابلة أو ممن ذكر هذه المسألة، من تعرض لذكر خلاف في هذه المسألة، وفيما ذكر نظر، وذلك لأن الهجر لمعصية، والهجر لمعصية لا يقدر بثلاثة أيامٍ، بل تهجر بما يكون فيه مصلحة، فلا يقدر هذا بثلاثة أيام. قال: [فإن أصرت ضربها غير مبرح] أي ضرباً غير شديد، قال تعالى: ﴿واضربوهن﴾ ، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكن أحداً تكرهونه - أي أحدٍ من النساء أو الرجال الذين تكرهونهم وليس المقصود بذلك الفاحشة - فإن فعلت فاضربوهن ضرباً غير مبرح) ، فيعظها ثم يهجرها ثم يضربها، هذه على الترتيب والآية لا تفيد ترتيباً فإن الله عطف بين هذه الثلاث بالواو وهي لا تفيد الترتيب، لكن اتفق أهل العلم على الترتيب، قال ابن الوزير: " اتفق أهل العلم على أن له ضربها إذا نشزت بعد أن يعظها ويهجرها في المضجع "، والمعنى يدل على ذلك فإنه من البدء بالأسهل فالأسهل. فإن حصلت المشاقة بينهما ولم يستطيعا أن يتفقا فلم تستقم المرأة لزوجها أو لم يستقم الزوج لزوجته وتمادى الشر بينهما، فإن الحاكم يبعث حكمين من أهلهما، حكماً من أهل المرأة وحكماً من أهل الرجل كما قال تعالى: ﴿فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ ، وهنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: هل يشترط أن يكون الحكم من أهلها ومن أهله؟ المشهور في المذهب أن ذلك لا يشترط. واختار شيخ الإسلام اشتراط ذلك وهو ظاهر الآية الكريمة، والمعنى يدل على ذلك فإن الحكم من أهلها يطلع على باطن الأمر ويعرف من أحوالهما ما يهتدى به إلى الإصلاح بينهما ومعرفة هل الأنسب أن يفرق بينهما أم أن يجمع بينهما، فالأرجح أن هذا شرط.

стр. 2709

المسألة الثانية: هل هما حَكَمان أم وكيلان؟ هل حكمان أي يحكمان بما شاءا مما رأيا فيه مصلحة من تفريق أو جمع أم هما وكيلان عن الزوجين فليس لهما أن يفرقا إلا بإذن من الزوجين؟ المشهور في المذهب أنهما وكيلان، فالحكم الأول وكيل عن المرأة، والحكم الثاني وكيل عن الرجل، وليس لهما أن يفرقا بينهما سواء كان بعوض أو بغير عوض إلا بإذن الزوجين. وذهب المالكية إلى أنهما حكمان، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو القول الراجح وهو ظاهر الآية الكريمة، فإن الله سماه حكماً، ولم يسمه وكيلاً، ثم إن الله أمر الإمام بذلك فقال: (فابعثوا - أيها الحكام - حكماً من أهله وحكماً من أهلها) ، والتوكيل لا يحتاج إلى أمر من الإمام بل هو ابتداءً منهما. المسألة الثالثة: أنه يشترط في الحكمين العدالة والإسلام والذكورية. هل يشترط في الحكمين الحرية والفقه أم لا؟ المشهور في المذهب: أنه يشترط أن يكونا حريين، والقول الثاني في المسألة: لا يشترط، وهو الراجح لإطلاق الآية الكريمة، ولا مانع من أن يكون الرقيق حكماً، وأما اشتراط الفقه وعدمه، فهو ينبني على المسألة المتقدمة وهي هل هي وكالة أم حكم، فإن كانت حكماً فيشترط فيه أن يكون فقيهاً أي فقيهاً في مثل هذه المسائل، وإن قلنا هي وكالة فلا يشترط أن يكون فقيهاً، والأول هو الظاهر بناءً على المسألة المتقدمة وأنهما حكمان، فعليه يشترط أن يكونا، مسلمين، مكلفين، عدلين، ذكريين، ولا يشترط أن يكونا حريين، ويشترط أن يكونا فقيهين في هذه المسائل. مسألة: هل يجوز أن يكون الهجر في خارج البيت؟

стр. 2710

ثبت في المسند وسنن أبي داود والنسائي وغيرهم من حديث معاوية بن حيده أن النبي ﷺ سئل فقيل له: ما حق زوجة أحدنا عليه فقال: (أن تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) والحديث حسن، فهذا فيه ألا يهجر إلا في البيت والله قيده في القرآن بقوله: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ ، وثبت في البخاري أن النبي ﷺ : آلى من نسائه شهراً فأقام في مشربه – أي غرفه – تسعة وعشرين يوماً فقيل له: آليت شهرا، ً فقال: (الشهر تسع وعشرون) ، فهنا النبي ﷺ هجرهن في غير البيوت، وبوب عليه البخاري، والجمع بينهما أنه ينظر إلى الأصلح، فإن كان الأصلح هجرها في البيت هجرها فيه وهو الأولى، وإن كان الأصلح هجرها في خارج البيت هجرها في خارجه. الدرس التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة باب الخلع الخلع لغةً: مصدر خلع، وخلع المرأة خلعاً. وذلك أن المرأة لباس للرجل، والرجل لباس المرأة كما قال تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ ، فإذا افتدت المرأة نفسها من زوجها على عوض تبذله له فهذا خلع لأنها قد خلعت زوجها وزوجها لباس لها. وإصطلاحاً: فراق الرجل امرأته على عوض تبذله له، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ، لا جناح على المرأة في فراق الرجل، ولا جناح على الرجل في فراقها على هذا العوض. قال: [من صح تبرعه من زوجةٍ وأجنبي صح بذله لعوضه] من صح تبرعه وهو الحر الرشيد غير المحجور عليه لحظ نفسه، فإنه يصح بذله لعوض الخلع، سواء كان الباذل للعوض الزوجة أو أجنبي كولي المرأة أو غيره، فلا يصح بذل العوض إلا لمن يصح تبرعه لأن العوض تبرع فلا يصح إلا ممن يصح تبرعه، أما المحجور عليه لحظ غيره، فإن بذله للعوض صحيح، وذلك لأن ذمته سالمة ويصح له أن يتصرف فيها. فالقاعدة: أن من صح تبرعه صح بذله للعوض.

стр. 2711

وعليه فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها كأن تكون أمةً أو صبية صغيرة أو سفيهة فلا يصح بذلها للعوض لأن تصرفها غير صحيح، وكذلك إذا كان الأجنبي الباذل للعوض الذي يريد خلع هذه المرأة من زوجها إذا كان صبياً أو سفيهاً أونحوذلك فلا تصح مخالعته لأن بذله للعوض لا يصح. قال: [فإذا كرهت خُلق زوجها أو خَلقه] فإذا كرهت خلقه بأن كان سيء الخلق – أي سيء الصورة الباطنة -، أو كرهت خَلق زوجها كأن يكون سيء الصورة. قال: [أو نقص دينه] كأن يكون لا يقيم الجماعة، والجماعة واجبة، أو لفعل غير ذلك من المعاصي التي يثبت الفسق معها على الزوج، أو كرهت كبره أو ضعفه أو نحو ذلك. قال: [أو خافت إثماً بترك حقه أبيح الخلع] فيباح للمرأة أن تخالع إن كرهت من زوجها خلقاً أو خلقاً أو كرهت كبره أو ضعفه أو نقص دينه أو خشيت ألا تقيم حدود الله معه، أي كرهت كفران العشير، وفي البخاري: أن امرأة ثابت بن قيس قالت للنبي ﷺ :" ما أنقم من ثابت خلقاً ولا ديناً ولكن أكره الكفر في الإسلام – أي أكره الكفر الأصغر وهو كفران العشير – فقال النبي ﷺ : (أتردين عليه حديقته؟ – أي وكانت مهراً لها – قالت: نعم فقال النبي ﷺ : (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ، وليس للزوج في المشهور من المذهب الإجابة أي حيث كان ما تقدم بأن كرهت خَلقه أو خُلقه أو غير ذلك، والقول الثاني في المسألة وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب ذلك، فيجب عليه أن يقبل العوض الذي دفعته ا لمرأة ويطلقها، وهذا القول أظهر لقول النبي ﷺ : (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ، وهذا الأمر للوجوب ولما فيه من إزالة الضرر عن المرأة مع ثبوت حق الرجل وعدم ضياع حقه، وهذا هو الذي يترجح، وعليه فالقاضي يلزمه بذلك. قال: [وإلا كره ووقع]

стр. 2712

أي وإلا يكن الأمر كما تقدم فإن ذلك مكروه، فإن كانت الحال مستقيمة بين الزوجين، فليس بينهما ما يخشى معه عدم القيام بالحقوق الزوجية فحينئذٍ يكره الخلع، ويقع الخلع، هذا هو مذهب جمهور العلماء، والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن الخلع هنا محرم وهو قول ابن المنذر وداوود الظاهري ودليل ذلك، ما روى أحمد وأبو داوود وغيرهما، والحديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) ، فهذا يدل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها من كبائر الذنوب، وفي الترمذي وغيره، والحديث صحيح: (المختلعات هن المنافقات) ، فعلى ذلك الراجح هو التحريم، ووقوع الخلع فيه خلاف فالقول الثاني في ذلك وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب الظاهرية وقول ابن النذر: أن الخلع باطل وأن الثمن مردود، وهو الراجح وذلك لأن الخلع محرم ومنهي عنه والنهي يقتضي الفساد. قال: [فإن عضلها ظلماً للافتداء ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضاً ففعلت ....لم يصح الخلع]

стр. 2713

إذا عضل الزوج امرأته ظلماً أي ضربها أو ضيق عليها أو منعها شيئاً من الحقوق الزوجية، كأن يمتنع من وطئها أو المبيت عندها أو نحو ذلك، إذا فعل ذلك ظلماً لتفتدي منه، ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضها كأن تترك الصوم أو غيره من الفرائض، ففعلت أي اختلعت منه فدفعت له عوضاً وخلعها، فلا يصح الخلع لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أي يأتين بفاحشة مبينة﴾ ، والنهي يقتضي التحريم والبطلان، وعليه فالعوض مردود لأنه قد أخذه بغير حق، أما إذا كان منها زناً أو نشوز أو ترك شيء من الفرائض فعضلها لتفتدي منه، فإن الخلع يصح وذلك لأنه أخذ العوض هنا بحق وقد قال تعالى: ﴿إلا أي يأتين بفاحشة مبينة﴾ ، وكذا النشوز وترك الفرض فإن له أن يعضلها على ذلك لتفتدي منه وظاهر كلام المؤلف أنه إن عضلها لتفتدي منه فافتدت فإن الخلع يصح، لأنه قيده هنا بالإفتداء فلو أن رجلاً عضل امرأته ظلماً بغير حق ولم يكن ينوي أن تفتدي منه لكنها افتدت منه، فالخلع يصح، وله أخذ العوض في المشهور من المذهب، واختار شيخ الإسلام أنه لا يحل أيضاً، وعليه فالخلع باطل وهذا هو الراجح، وذلك لأنه أخذٌ للمال بوسيلة الظلم فإنه وإن لم ينوِ لكنه كان ظالماً لها، وبسبب هذا الظلم توصل إلى هذا المال. قال: [أو خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع]

стр. 2714

فالأمة إذا أذن لها السيد بالخلع فالخلع صحيح، لأن الرقيق إنما يمنع من التصرف بغير إذن السيد، قالوا: وأما الصغيرة والسفيهة فليس لهما المخالعة ولو أذن الولي، وأما المجنونة فهو ظاهر لأنه لا عقل لها فلا اعتبار بإذن الولي لها، واختار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي وهو الراجح؛ أن الصغيرة والسفيهة إذا أذن لهما الولي بالخلع، فالخلع صحيح كسائر المعاملات، فلا فرق بين الخلع وبين غيره من المعاملات، وهذا هو الراجح، وما يخشى من سوء تصرفها فمدفوع بإذن الولي، وليس للولي أن يأذن إلا حين كان في ذلك مصلحة لها. مسألة: هل للأب أن يخلع ابنته الصغيرة بمالها أم ليس له ذلك؟ المشهور في المذهب أنه ليس له ذلك، فمثلاً؛ دفع لها هذا الرجل داراً مهراً لها ثم تبين للولي أن في هذا الرجل سوء خلق أو غير ذلك – فهل للأب أن يخلع البنت بما لها بأن يقول: خذ هذه الدار التي أمهرتها إياها واخلع ابنتي – ليس له ذلك في المشهور من المذهب. والقول الثاني في المسألة وهو قول طائفة من الحنابلة ومال إليه الموفق واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن ذلك جائز، وذلك لابد له أن يتملك من مال البلد ما شاء، وأولى من ذلك أن يكون له الحق في خلعها من زوجها لما في ذلك من دفع الضرر عنها، وهذا هو الراجح، لكن ليس له ذلك إلا أن يكون فيه مصلحة للبنت. قال: [ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته] هذه المسألة فيما إذا خلع، وكان العوض محرماً أي مردوداً، كأن تخالع الصغيرة أو السفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها ونحو ذلك فالخلع لا يصح، كما تقدم لكن هل يقع الطلاق أم لا؟ في المسألة تفصيل: فإن كان الخلع بلفظ الخلع أو نية الخلع فالطلاق لا يقع لأن الخلع قد بطل ولا طلاق، فليس هنا لفظ طلاق ولا نية طلاق.

стр. 2715

الحالة الثانية؛ أن يتلفظ بالطلاق أو ينويه كأن تقول: " خذ هذا المال عوضاً "، فيقول: " قد طلقتك " أو " قد خالعتك " أو " فارقتك " وينوي الطلاق، فحينئذٍ يصح الطلاق ويكون طلاقاً رجعياً أي إن لم يتم عدده، لكن لو كان قد تم عدده كأن يكون قد طلقها طلقتين سابقتين ثم خالعها بنية الطلاق أو تلفظٍ بالطلاق فحينئذٍ يكون الطلاق بائناً، هذا هو المشهور في المذهب، وهم هنا قد نظروا إلى اللفظ أو النية، فإذا تلفظ بالطلاق ونواه فإنه يقع وإن كان العوض موجوداً. القول الثاني في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهو القول الصحيح في هذه المسألة: أن الطلاق لا يقع واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد وذلك لأنه إنما فسخ للعوض، فإذا لم يحصل العوض لم يحصل المعوّض، فالمعوض هو الفراق، والعوض هنا هو هذا المال الذي قد دفعه إليه، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ ولا بالمباني، وهنا هو طلاق على عوض فهو خلع، والطلاق الذي يكون فيه ما ذكره الحنابلة إنما هو الطلاق الذي لا يكون على عوض، أما هنا فهو طلاق على عوض فهو خلع سواءً كان بلفظ الطلاق أو كان بغير لفظه، وسواء كان بنية الطلاق أو بغير نيته، فليس بطلاق لأنه بمعنى الخلع، فالراجح أن العوض إذا كان مردوداً إلى المرأة فالمعوض مردود إليه فلا يقع الطلاق وإن نواه أو تلفظ به. الدرس الأربعون بعد الثلاثمائة فصل قال: [والخلع بلفظ صريح الطلاق] بأن يقول للمختلعة: طلقتك، فهذا صريح الطلاق. قال: [أو كناياته وقصده] أي كناية الطلاق وقصده، بأي لفظ من الألفاظ، كأن يقول للمختلعة: " أبَنْتُكِ " وينوي الطلاق. قال: [طلاق بائن]

стр. 2716

فهو طلاق بائن، أما كونه طلاقاً فلاعتبار اللفظ، أو الكناية مع النية فقد تلفظ به أو نواه مع كنايته فكان طلاقاً، وأما كونه بائناً لا رجعياً، لما كانت مالكة لنفسها، لأن له حق المراجعة، هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور العلماء، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أنه فسخ ولو كان بلفظ الطلاق أو كنايته مع قصده وذلك لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، فالعبرة ليست بالألفاظ وإنما بالمعاني، فهنا قد قال: " طلقتك " لكنه ليس هو الطلاق المطلق بل هو طلاق مقيد حيث فيه العوض، فهو فداء وليس بطلاق، فلا عبرة بلفظه ولا بنيته مع كنايته، يدل على هذا أن النبي ﷺ قال لزوج المختلعة: (وطلقها تطليقه) ، ومع ذلك فقد جعل عدتها حيضة، ولو كان طلاقاً لجعل عدتها ثلاث حيض، لأن عدة المطلقة ثلاث قروء بنص القرآن وإجماع أهل العلم، فدل على أنه فسخ وليس بطلاق بائن وإن كان بلفظ الطلاق، فالراجح هو القول الثاني وهو أنه فسخ وليس بطلاق، وثمرة الخلاف:- أنا إذا قلنا: إنه طلاق بائن، فإنها تحسب عليه ثلاث طلقات إن خالعها ثلاثاً فلا يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره وإن قلنا هو فسخ: فإذا خالعها ثم نكحها بعد ذلك فلا يحسب عليه طلقة بل لو خلعها عدة مرات فله أن ينكحها من غير تقييد ذلك بنكاح زوج آخر، وهذه الثمرة ثابتة في المسألة الأخرى وهي.. قال: [وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً، لا ينقص عدد الطلاق]

стр. 2717

إذا وقع بلفظ الخلع كأن يقول: " خالعتك "، أو بلفظ الفسخ كأن يقول: " فسختك "، أو الفداء بأن يقول: " فاديتك "، ولم ينوه طلاقاً فإنه يكون فسخاً، هذا هو المشهور في المذهب وهو أحد قولي الشافعي، وأما الجمهور فقالوا: هو طلاق بائن أيضاً، ويستدلون بما تقدم ذكره في المسألة الأولى، وهو قول ضعيف كما تقدم، والراجح أنه فسخ، لما تقدم في قصة المختلعة وأن النبي ﷺ أمرها أن تعتد بحيضة وهذا يدل على أنه ليس بطلاق بائن، إذ لو كان طلاقاً بائناً لأمرها أن تعتد بثلاثة قروء، ويدل عليه أيضاً أن الله قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .....إلى أن قال .... فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به .... إلى أن قال ... فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ، فذكر طلقتين أولاً، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر طلقة، فلو كان الخلع طلاقاً لكانت الطلقة التي ذكرها في ﴿فإن طلقها﴾ رابعة لا ثالثة وهذا ممتنع باتفاق أهل العلم، فدل على أنه فداء وليس بطلاق، ويدل عليه أيضاً أن الله ذكره بلفظ الفداء فقال: ﴿فيما افتدت به﴾ ، فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة فإذا قال: فسختك أو فاديتك أو نحو ذلك من ألفاظ الخلع فإنه فسخ وليس بطلاق، وعليه فكل طلاق بعوض سواء كان بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق، وسواء كان بنية الخلع أو بنية الطلاق فهو فسخ وليس بطلاق بائن في الراجح من المسألتين المتقدمتين، وهوا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وفي قوله: " لا ينقص عدد الطلاق "، فإذا طلقها مرتين مثلاً ثم اختلعت منه فيحل له أن ينكحها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجاً آخر، فلا تجب عليه طلقة بل هو فسخ. قال: [ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاقٌ] إذا طلبت منه امرأته الخلع، فخالعها، فإذا طلقها بعد ذلك فإن هذا الطلاق لا يقع وذلك لأنه لا يملك بضعها فهي أجنبية عنه. قال: [ولو واجهها به]

стр. 2718

هذا إشارة إلى خلاف أبي حنيفة في هذه المسألة وهو: أنه إذا واجهها بالطلاق الصريح المعين فإنها تحسب طلقة وهو قول ضعيف ولا دليل عليه، والطلاق الصريح بأن يقول: " أنت طالق "، فقوله: " طالق " طلاق صريح وليس بكناية، وهو معين لقوله " أنت "، بخلاف ما لو كان مرسلاً كأن يقول: " كل نسائي طوالق " فلا تطلق عليه المختلعة، هذا مذهب أبي حنيفة ولا دليل عليه، فالراجح أنه لا فرق بين ما إذا واجهها بالطلاق الصريح أو لم يواجهها بل كله لا يقع. قال: [ولا يصح شرط الرجعة فيه] إذا شرط الرجعة في الخلع، فلا يصح الشرط، كأن يقول " نعم أقبل هذا الفداء بشرط أن يكون لي حق الرجعة " فهنا لا يصح الشرط، وذلك لمخالفة مقتضى عقد الخلع، فإن مقتضاه البينونة الصغرى، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد. وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية؛ أن هذا الشرط يصح فيكون الخلع رجعياً لكن العوض مردود، فالعوض يرد والشرط يصح، والراجح هو القول الأول وذلك لأن هذا الشرط يخالف الشرع، فإن الشرع إنما أذن في الخلع حيث كانت البينونة، بخلاف الطلاق فإنه في الأصل يكون طلاقاً رجعياً، وهنا ليس طلاقاً وإنما فيه عوض، والأصل أن الزوج إنما يملك الطلاق ولا يملك الفسخ وهو إنما ملك الفسخ هنا بالعوض المدفوع، فإذا أثبتنا له حق الرجعة فإن ذلك يخالف الشرع. قال: [وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح]

стр. 2719

إذا خالعها بغير عوض كأن يقول: فسختك أو خالعتك بلا عوض أي مجاناً فهذا الخلع باطل، وذلك لأن الفسخ الوارد في الشرع إنما هو فسخ بعوض، فالزوج إنما يملك في الأصل الطلاق، وإنما أذن له بالفسخ حيث كان العوض، وهنا لا عوض فلا حق له بالفسخ، وليس هذا هو الخلع الوارد في الشرع وعليه فيكون هذا الخلع باطلاً، إذا خالعها بمحرم يعلمه الزوج كأن يخالعها على خمر وهو يعلم أنه خمر، أو خالعها على مغصوب وهو يعلم أنه مغصوب، أو على حرٍ وهو يعلم أنه حرٍ، فهنا الخلع باطل، وذلك لأن الخمر لا قيمة له فهو محرم والمحرم لا قيمة له، فكما لو كان بلا عوض، وكذلك لو خالعها على مغصوب أو على حرٍ وهو يعلم ذلك، وذلك لأنه رضي بشيء لا قيمة له، والشيء الذي لا قيمة له ليس بشيء، فكما لو كان بلا عوض، هذا إذا كان يعلم التحريم، وأما إذا كان يجهله كأن يخالعها على خمر ظنه خلاً أو على حرٍ ظنه عبداً أو على مغصوب ظنه مملوكاً فيثبت له البدل لأنه إنما خالع على عوضٍ له بدل فكان الواجب البدل، فإذا خالعها على دار فثبت أن هذه الدار مستحقة للغير فهي مغصوبة فإن العوض دار بقيمتها، كذلك إذا كان على حرٍ ظنه عبداً، فيكون على عبدٍ بقيمته وهكذا. قال: [ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته] وهذا كالمسألة التي تقدم البحث فيها في الدرس السابق. قال: [وما صح مهراً صح الخلع به] فهل ما صح مهراً يصح الخلع به، وقد تقدم ما صح مهراً؟ دليل هذه المسألة عموم قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي في الذي افتدت به، ولفظة " ما " من ألفاظ العموم فكل ما صح مهراً فإنه يصح الخلع به، كنفعٍ أو دين أو عين أو نحو ذلك. قال: [ويكره بأكثر مما أعطاها] فإذا كان قد أمهرها عشرة آلاف درهم فيُكره أن يكون الخلع عشرين ألفاً، والمسألة فيها ثلاثة أقوال:

стр. 2720

القول الأول: الجواز بلا كراهة، وهو مذهب الجمهور لعموم قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، وقالوا: هذا يعم القليل والكثير. والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الحنابلة وهو ما ذكر المؤلف هنا وهو أن ذلك مكروه فهو جائز مع الكراهة، واستدلوا بما روى ابن ماجة بإسنادٍ صحيح وجود إسناده ابن كثير في قصة المختلعة في حديث ابن عباس وفيه أن النبي ﷺ أمرها أن ترد إليه الحديقة " ولا يزداد " أي لا يزيد عليها، وله شاهد مرسل عند البيهقي عن عطاء. والقول الثالث في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس والزهري أن ذلك محرم مردود. ويستدلون بالحديث المتقدم وهو قوله: " ولا تزداد "، والنهي يقتضي التحريم والفساد، وهذا القول فيه قوة فيخصص به عموم الآية المتقدمة ويجاب عن الآية المتقدمة بأنها مسبوقة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ... إلى أن قال.. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي من ذلك المذكور المتقدم الذي لا يحل لكم، فلا يحل أن تأخذوا من مهور النساء الذي دفعتموه لهن، لا يحل لكم ذلك إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم في ذلك، إذن قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي من ذلك المذكور وهو المهر الذي لا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً، وهذا القول في قوة. قال: [وإن خالعت حاملٌ بنفقة عدتها صح]

стр. 2721

الحامل لها النفقة إذا طُلقت، فإذا طلبت من زوجها الخلع على أنه لا نفقة لها فقالت: " أخلعني ولا نفقة لي عليك "، فيصح ذلك خلعاً وذلك لأن النفقة مستحقة بسبب موجود وهو الحمل، وهي في حكم المالكة له، ومثل ذلك لو أبرأته من دين لها في ذمته أو من نفقة ماضية واجبة في ذمته، فأبرأته من هذه النفقة الواجبة في ذمته على أن يطلقها، ولو خالعته على إرضاع ولده فكذلك، فإن النفقة واجبة لها عليه مقابل إرضاع الولد حولين كاملين فإذا قالت ارضع الولد وتطلقني – أي على الإرضاع مجاناً بلا أجرة – فإن هذا يصح المخالعة عليه. قال: [ويصح بالمجهول] يصح الخلع بالشيء المجهول، كأن يقول: " أخلعتك على ما في يدك من الدراهم " وهو يجهل عددها، أو على ما في بيتك من المتاع أو نحو ذلك، وذلك لأن الخلع إسقاط حق، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة فجاز كالوصية وغيرها كما سبق ومثل المؤلف على ذلك بمسائل فقال: [فإن خالعته على حمل شجرتها] كأن يكون لها نخل وتقول: " أخلعني ولك حمل نخلي "، وحمل النخل مجهول. قال: [أو أمتها] أي أو على حمل أمتها. قال: [أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاعٍ، أو على عبدٍ صح] أي عبدٍ غير موصوف فإن ذلك يصح لأن الخلع إسقاط حق، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة، فما يحصل من الحمل من الشجرة له، وله ما يحصل من حمل الأمة، وله ما في يدها وله ما في بيتها وله المتاع المذكور. قال: [وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه] إذا خالعها على حمل الشجرة أو الأمة ثم لم تحمل، أو خالعها على ما في بيتها من المتاع فلم يوجد شيء، أو خالعها على عبدٍ فلم يوجد لها عبد، فإن له أقل مسماه، أي ما يصدق عليه أنه عبد، وما يصدق عليه أنه حمل وهكذا، وذلك لأن الاسم يصدق عليه. قال: [ومع عدم الدراهم ثلاثة] فإذا خالعها على ما في يدها من الدراهم، فلم يكن معها شيء فيكون العوض ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع. الدرس الحادي والأربعون بعد الثلاثمائة فصل

стр. 2722

قال: [وإذا قال متى أو إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالقٌ طلقت بعطيته وإن تراخى] إذا قال الزوج لزوجته: إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أو قال الزوج لأجنبي: إن أعطيتني ألفاً فزوجتي طالق، طلقت بعطيته، وذلك لحصول المعلق عليه، فهو قد ربط الخلع والطلاق بصفة وقعت هذه الصفة، قوله " وإن تراخى " أي وإن كان هذا الإعطاء على سبيل التراخي، فلو أنها لم تعطه إلا بعد شهر أو نحو ذلك فإن هذه العطية تثبت مع الطلاق، وذلك لحصول المعلق عليه، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وفصل الشافعية في هذه المسألة فقالوا: إن أتى بلفظ متى ونحوه فإن الحكم المتقدم يثبت ولو مع التراخي وذلك لأن هذا اللفظ يدخل فيه ما لو تراخى، فإذا قال: " متى ما أعطيتني ألفاً فأنت طالق "، فأعطته بعد شهر فإن هذا الإعطاء داخل في لفظه المتقدم، أما إذا قال: "إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق"، فإنه لا يكون إلا على الفور، فإن أعطته على التراخي فإن المشروط وهو الطلاق لا يحصل وذلك لأن هذا الباب هنا باب فداء ومعاوضة، والمعاوضة إنما يكون قبولها على الفور، فإذا قال: " بعتك هذا الشيء بألفٍ " فيقول: " قبلت "، فإذا تراخى فإن هذه المعاوضة لا تثبت، فهنا معاوضة، والأصح ما ذهب إليه الشافعية. قال: [وإن قالت؛ اخلعني على ألفٍ أو بألفٍ أو ولك ألفٌ ففعل بانت واستحقها] إذا قالت أخلعني على ألفٍ أو بألفٍ ففعل فوراً – حتى في المذهب – ونحن نستدل عليه بالدليل المتقدم وهو أنه من باب المعاوضة، والمعاوضة إنما تقبل على الفور ولا يتراخى فيها، فإذا فعل فقال: " خالعت " ولم يقل: " خالعتكِ على ألفٍ " فلم يأت بالمال الذي هو عوض عن هذا الخلع فإن الخلع يصح ويستحق المال الذي قد ذكرته في سؤالها، وذلك لأن السؤال كالمعاد في الجواب، فالسؤال كأنه معاد في الجواب، بمعنى لما قالت له: " اخلعني ولك ألف "، كأنه قال: " خالعتك على هذا الألف ".

стр. 2723

قال: [وطلقني واحدة بألفٍ فطلقها ثلاثاً استحقها] إذا قالت له: " طلقني واحدة ولك ألف " فقال: " أنت طالق ثلاثاً "، فإنه يستحق الألف لأنه فعل ما استدعته وزيادة. قال: [وعكسه بعكسه] إذا قالت له " طلقني ثلاثاً " فقال؛ " أنت طالق " فطلقها واحدة فلا يحصل له العوض المذكور وذلك لأنه لم يجبها إلى الشيء الذي قد بذلت العوض له، وهذا كله مبني على ما تقدم في المذهب من أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق، والصحيح أن الخلع بلفظ الطلاق فسخ فلا فرق بين قوله: " أنت طالق " و " أنت طالق ثلاثاً ". قال: [إلا في واحدةٍ بقيت] إذا قالت: " طلقني ثلاثاً ولك ألف، فقال: " أنت طالق -" وكان قد طلقها طلقتين سابقتين - فهنا يأخذ العوض وذلك لحصول البينونة بهذه الطلقة، فالحاصل من قوله: " أنت طالق ثلاثاً " هو نفسه الحاصل من قوله: " أنت طالق " حيث كان قد طلقها طلقتين سابقتين، وهذا أيضاً مبنيٌ على المسألة التي تقدم أنها مرجوحة. قال: [وليس للأب خلعُ زوجةِ ابنه الصغير ولا طلاقها] فليس للأب أن يخلع زوجة ابنه الصغير وليس له أيضاً أن يخلع زوجة ابنه المجنون، هذا في المشهور من المذهب وهو مذهب الجمهور، واستدلوا بما روى ابن ماجة والحديث حسن أن النبي ﷺ قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، أي إنما الطلاق للزوج، والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن له الخلع والطلاق.

стр. 2724

واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن له الخلع، وذلك لأن الأب له أن يمتلك من مال ولده ما شاء، وقد أجازته الشريعة كما تقدم، فأولى من ذلك أن يقبل الفداء من المرأة أي من زوجة ولده الصغير حيث ساءت العشرة بينهما، وهذا القول ظاهر، فهذا القول هو القول الأرجح، والحديث المتقدم إنما هو في الطلاق، كما أن الحديث عام، والذي يظهر أيضاً، استثناء الأب في مسألة الطلاق عن ابنه الصغير بشرط أن يكون للابن حظ ومصلحة في هذا الطلاق، فقد يتضرر الابن في هذا النكاح وتلحقه النفقة ولا فائدة له به فحينئذٍ لأبيه أن يطلق، حيث كان في ذلك مصلحة. قال: [ولا خلع ابنته بشئ من مالها] تقدم البحث في هذا وترجيح خلافه. قال: [ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق] هذه مسألة ظاهرة جداً، فإن الخلع لا يسقط غيره من الحقوق، إذا كان للمرأة حقوق على زوجها كأن تكون لها نفقات ماضية في ذمة الزوج، ولها – مثلاً – مهر مؤخر ونحو ذلك، فخالعته على عشرة آلاف فقبل هذه العشرة آلاف، فثبوت الخلع لا يسقط ما في ذمته من الديون التي عليه لزوجته من نفقة أو مهر أو نحو ذلك، هذا ظاهر جداً، إذ لا دليل على إسقاطه، لكن لو شرطه في الخلع فقال: " بشرط ألا يكون في ذمتي لكِ شيء " فذلك يبرئ ذمته، أما إذا خالعته على شيء من المال ولم تتعرض على ما في ذمته من الديون لها، فإن هذه الديون يبقى ثابتة لها. قال: [وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت، ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتقٍ وإلا فلا]

стр. 2725

هذه مسألة تحتاج إلى إيضاح، قوله: " وإن علق طلاقها بصفة "؛ قال لزوجته: " إن دخلتِ هذه الدار فأنتِ طالق "، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مثل هذه المسألة أي في مسألة التعليق، قوله: " ثم أبانها "؛ بخلع أو بطلاقٍ بثلاث أو بدون الثلاث ثم نكحها بعد ذلك، قوله: " ثم نكحها "؛ سواء شرطنا عليه أن يكون ذلك بعد زوج آخر أو لم يكن ذلك، قوله: " فوجدت "؛ أثناء البينونة دخلت هذه الدار أثناء البينونة، إذاً قال لها: " إذا دخلتِ هذه الدار فأنت طالق، ثم ثبت الخلع بينهما أو الطلاق البائن أو طلاق دون الثلاث ثبتت معه البينونة يعني إنتهت العدة ولم يراجعها، وفعلت في أثناء البينونة هذه الصفة فدخلت في هذه الدار، ثم نكحها بعد ذلك فوجدت بعد، أي دخلت هذه الدار مرة أخرى وهي في عصمته. قوله: " طلقت كعتقٍ "؛ أي كمسألة العتق فالعتق أيضاً إذا قال للعبد: " إن فعلت كذا فأنت حر " ثم باعه ففعل هذا الشيء وهو مملوك لغيره، ثم اشتراه مرة أخرى ففعله مرة أخرى فإنه يعتق، قوله: " وإلا فلا "؛ أي وإن لم توجد هذه الصفة بعده فلا، إذا لم تدخل هذه الدار وهي في عصمته فإن الطلاق لا يثبت لعدم حصول المعلق عليه، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وذهب الجمهور، وهو القول الثاني في مذهب الإمام احمد إلى أنه: لا يحصل الطلاق بفعل هذا الشيء. فإذا دخلت الدار بعد أن تزوجها فلا تكون طالقاً بهذا الدخول، وذلك لأن الشرط وهو دخول الدار قد حصل في وقت لا يمكن الطلاق معه وهو وقت البينونة، فحينئذٍ فلا يقع الطلاق في المرة الثانية لأنه لما حصل في المرة الأول كان ذلك في وقت لا يمكن إيقاع الطلاق معه وذلك لأن الزوجة بائن، فهي أجنبية عنه والأجنبية لا يقع عليها الطلاق وكذلك العبد غير مملوك له، وغير المملوك لا يحصل له عتق لأنه ليس بمملوك.

стр. 2726

وهنا حالة أخرى وهي فيما إذا لم تفعل هذا الشيء في البينونة، يعني قال لامرأته: إن دخلتِ هذه الدار فأنت طالق ثم خالعها لم تفعله في البينونة، لكنها فعلته بعد النكاح الثاني، فالجمهور على أن اليمين تعود، فإذا فعلته في النكاح الثاني فإن الطلاق يقع، وعن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الإمام الشافعي واختاره المزني من الشافعية وأبو إسحاق: أن اليمين لا تعود وهذا فيما يظهر لي أظهر، وذلك لأنه إنما أوقعها في النكاح الأول وهذا نكاح جديد وقد بطل النكاح الأول بالبينونة المتقدم ذكرها. وهنا مسألة إذا كان الخلع حيلة لفعل المحلوف عليه أو لئلا يحنث فيقع الطلاق، مثال ذلك: إن قال لمرأته: " إن دخل شهر رمضان فأنت طالق " فقرب الشهر، فأراد أن يحتال على عدم طلاقها فأوقع بينهما خلعاً حتى خرج شهر رمضان فحينئذٍ هذه الحيلة لا تنفعهما شيئاً، وذلك لأن الحيل لا تحل ما حرم الله والخلع باطل، وذلك لأن الخلع أذن فيه الشارع للفرقة ولقطع النكاح وهنا بخلاف ذلك، فإن المراد منه إبقاء النكاح فهو حيلة لإبقائه والشارع إنما أذن فيه مع أن النكاح في الأصل لازم وليس للزوج أن يفسخه إلا بالطلاق، أباح الشارع الفسخ للفرقة ولقطع النكاح، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره.

стр. 2727

الدرس الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة كتاب الطلاق الطلاق لغةً: التخلية وفي الاصطلاح: حل قيد النكاح أو بعضه. و" حل قيد النكاح ": أي كله بأن يطلق المرأة الطلاق البائن، " أو بعضه ": بأن يطلقها الطلاق الذي تثبت معه الرجعة. قال: [يباح للحاجة] فإذا كان الطلاق لحاجة فهو مباح وهذا بإجماع أهل العلم، وهذا كأن يكون في المرأة سوء خلق أو نحو ذلك. قال: [ويكره لعدمها] فيكره الطلاق لعدم الحاجة، فإذا كانت الحالة مستقيمة بين الزوجين فإن الطلاق حينئذٍ مكروه، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لما روى أو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (١) ، والحديث ورد موصولاً ومرسلاً، والإرسال هو الصواب فيه كما رجح هذا أبو حاتم والدارقطني والبيهقي وغيرهم، قالوا: ولأن الطلاق فيه إزالة النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها من تحصين الفرج ومن النسل، وفي البزار بإسنادٍ ضعيف أن النبي ﷺ قال: (لا يطلق الرجل إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات) (٢) . وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة: أن الطلاق محرم؛ وذلك لما فيه من إعدام المصلحة الحاصلة للزوجين، فكان كإتلاف المال وإتلاف المال بلا حاجة محرم وفي هذا القول قوة والله أعلم. قال: [ويستحب للضرر]

стр. 2728

يستحب الطلاق للضرر الواقع على المرأة بسبب الشقاق الحاصل بينها وبين زوجها، وذلك لما فيه من دفع الضرر الواقع على المرأة بسبب سوء العشرة، وتقدم أن العشرة إذا ساءت بين الزوجين بحيث لم يمكن التلاؤم بينهما فإنه يُبعثُ حكمان، حكم من أهله وحكم من أهلها، وأصح قولي العلماء أنهما حكمان يقضيان بما يريانه وقد تقدم البحث في هذا، قالوا: ويستحب الطلاق إن كانت المرأة تاركةً لبعض الحقوق الواجبةِ عليها من صلاة أو صيام أو نحو ذلك ويريدون بالصلاة بحيث لا تكفر، كأن تكون تترك شيئاً من الصلوات بحيث لا تكفر بها. قالوا: ويستحب الطلاق إن كانت المرأة غير عفيفة. وعن الإمام أحمد وجوب ذلك، فإذا كانت تاركة لبعض الواجبات أو كانت غير عفيفة، فيجب طلاقها، وهذا هو القول الراجح، وهذا حيث لم يمكنه تقويمها، وذلك لما في إبقائها معه مما يخشى من سريان ذلك إلى دينه بالنقص، أي إن كانت فاسقة، فإن كانت غير عفيفة، فيخشى على فراشه منها، وأن يدخل إلى نسبه ما ليس منه. والقول بوجوب الطلاق ظاهر جداً لقوة التعليل المتقدم فإن هذه المرأة يخشى أن تفسد على زوجها فراشه وأن تنسب إليه ما ليس منه، وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن سعدي. وغير الصالحة إن لم يمكن تقويمها فالقول بوجوب الطلاق أضعف، وإن كان فيه شيء من القوة، والذي يتبين في غير الصالحة هو التفصيل بأن يقال: إن كان الرجل يأمن على نفسه ويعلم من نفسه أي بالظن الغالب أنه أقوى بأن تؤثر المرأة عليه بنقص دينه فلا يقال بوجوب الطلاق وإنما يقال باستحبابه كما هو المشهور في المذهب، وأما إن كان لا يأمن على نفسه الضعف ونقص الدين فيقوى الوجوب لأن إبقائها معه، والحالة كما تقدم ذريعة مفسدة، والشريعة قد أتت بسد الذرائع. قال: [ويجب للإيلاء]

стр. 2729

هذا هو الحكم الرابع للطلاق، فيجب للإيلاء؛ وهو أن يحلف الرجل ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، ويأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله، فإذا قضت الأربع أشهر ولم يفئ فيطأ المرأة، فإنه يجب عليه الطلاق. وهل يجب على الزوج أن يطلق امرأته بأمر والديه أم لا يجب؟ المشهور في مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجب. وعن الإمام أحمد: وجوب ذلك في حق الأب إن كان عدلاً وأمر ولده أن يطلق امرأته، فإنه يجب عليه أن يطلقها، ودليل ذلك؛ ما روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه وهو ثابت في مسند الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر قال: كان لي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها فقال طلقها فأبيت فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (طلقها) (١) ، وهذا القول هو الأظهر حيث كان الأب عدلاً، فعمر ﵁ لا يشك في تحريه للعدل وعدم اتباعه للهوى، فالذي يتبين أن الأب إذا أمر ولده أن يطلق امرأته وكان الأب عدلاً معروفاً برعاية الأصلح فإن الولد يجب عليه أن يطلق امرأته، وأما الأم؛ فقد سئل شيخ الإسلام عن أمٍ تأمر ولدها أن يطلق امرأته فقال: " لا يحل له أن يطلقها بل عليه أن يبرها، وليس تطليقه امرأته من برها ".آهـ وليست الأم كالأب في معرفة المصالح. قال: [ويحرم للبدعة] أي يحرم الطلاق البدعي اتفاقاً، كطلاق الحائض ويأتي الكلام عليه إن شاء الله، وعليه فالطلاق له أحكام خمسة فيباح ويكره ويستحب ويجب ويحرم. قال: [ويصح من زوج مكلف] بلا خلاف بين أهل العلم، فالزوج العاقل البالغ يصح طلاقه بلا خلاف بل قد أجمع أهل العلم على هذا، والشريعة دالة عليه. قال: [ومميزٍ يعقله]

стр. 2730

المميز الذي يعقل الطلاق، طلاقه يقع في المشهور من المذهب، والمراد بكونه يعقل الطلاق: أن يعلم أن هذا الطلاق يترتب عليه فراق المرأة وأنها لا تحل له، واستدلوا بقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره وهو حديث حسن: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) (١) ، وبقول علي الذي رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح أنه قال: " اكتموا الصبيان الطلاق " (٢) ، ومفهومه يدل على أن الطلاق من الصبيان يقع، ولأنه طلاق وقع من عاقل في محله. وذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أنه لا يقع واستدلوا بقوله ﷺ : (رُفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ) (٣) . والذي يتبين ترجيحه هو القول الأول. وأما الجواب عن دليل القول الثاني: فإن المراد بالرفع رفع الإثم، أي لا إثم عليهم، وهذه المسألة متعلقة بحق آدمي وهي المرأة التي وقع عليها الطلاق، بخلاف ما يتعلق بحقوق الله. أما إذا كان الصبي لا يعقل الطلاق، فلا يعلم ما يترتب عليه من أحكام، من فراقه للمرأة وتحريمها عليه، فلا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقع.

стр. 2731

وجماهير أهل العلم على أن السفيه غير الراشد إن طلق وقع، وذلك لأنه إنما حجر عليه في ماله، وكونه يحجر عليه في ماله لا يمنع من تصرفه في غيره، وعلى ذلك يصح توكيل الصبي في الطلاق وكذلك السفيه، وذلك لأن من صح تصرفه في الشيء صح توكيله فيه كما تقدم في باب الوكالة، فتوكيل الصبي أباه أو أخاه، وهو يعقل الطلاق، توكيل صحيح لصحة تصرفه، [ومن صح تصرفه] في شيء صح توكيله فيه. قال: [ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه] من زال عقله بجنون أو إغماء أو ببنج لتداوٍ أو نحو ذلك فإن طلاقه لا يقع، وكذا طلاق الموسوس فيه وكذا طلاق النائم وهذا باتفاق المسلمين، وذلك لأن الأقوال إنما تعتبر في الشرع ممن يعقلها ويقصدها وهؤلاء لا يعقلون ما يتلفظون به ولا يقصدونه وفي البخاري معلقاً عن علي قال: " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه " (١) . إذن: إن زال عقله معذوراً كأن يُجن أو يغمى عليه أو أن يشرب دواءً أو أن يشرب مسكراً غير عالم بتحريمه أو هو عالم بتحريمه لكنه مكره ونحو ذلك، فهؤلاء باتفاق أهل العلم لا يقع طلاقهم. قال: [وعكسه الآثم]

стр. 2732

فالآثم في إزالة عقله وهو من شرب المسكر طوعاً فطلاقه يقع، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا؛ بما روى الترمذي بإسنادٍ ضعيف جداً أن النبي ﷺ قال: (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه) (١) ، والحديث إسناده ضعيف جداً، وإنما يصح عن علي كما تقدم، واستدلوا؛ بالنظر فقالوا: إن هذا الرجل فرط في إزالة عقله فرتبت عليه الأحكام المترتبة على ألفاظه عقوبة له، وهذا أيضاً ضعيف، وذلك لأن الشارع قد عاقبه بالحد وليس ثمت دليل يدل على عقوبته بما ذكروه.

стр. 2733

وذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب طائفة من التابعين: أنه لا يقع الطلاق، وهو قول عثمان وابن عباس ولا يعلم لهما مخالف كما قال ذلك ابن المنذر، وقول علي المتقدم كلام عام، ورُويَ عن بعض الصحابة ما يخالف قول عثمان وابن عباس ولكن لا يصح، وأثر عثمان رواه البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة (١) أنه قال: " ليس لسكرانٍ ولا لمجنونٍ طلاق "، وقال ابن عباس: " طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " (٢) ، أي ليس بماضٍ، رواه البخاري معلقاً، قالوا: والشريعة دلت عليه، فالشريعة دلت على أن الأقوال التي يتلفظ بها السكران غير مؤاخذ عليها ومن ذلك أن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم؛ أمر أن يستنكه ماعزاً، وقد أقر على نفسه بالزنا ولا فائدة من هذا إلا أن يرد إقراره، ففيه أن إقراره وهو قول من أقواله لا يقبل حين كان شارباً للخمر، ومن ذلك أن النبي ﷺ قال كما في سنن أبي داود: (لا طلاق ولا عَتَاق في إغلاق) (٣)

стр. 2734

، ومن شرب الخمر فقد انغلق عليه قصده فلا يدري ما يقول ومنه الغضبان كما سيأتي، وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، فعلى ذلك من شرب الخمر طوعاً وأغماه الخمر فطلق امرأته فإن هذا الطلاق لا يقع، والشرع إنما يعتبر الأقوال حيث كان المتلفظ بها في حالة عقل وقصد وأما حيث لا يعقل ما يقول ولا يقصده فإن الشارع لا يرتب على قوله شيئاً ولا يعتبر قوله. الدرس الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة قال المؤلف ﵀: [ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له أو لولده، أو أخذ مال يضره، أوهدده بأحدها قادرٌ يظن إيقاعه به فطلق تبعاً لقوله لم يقع] هذه المسألة في حكم طلاق المكره، وجمهور أهل العلم على أن طلاق المكره لا يقع، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان﴾ (١) ، فإذا كان الكفر لا يقع بالتلفظ به للإكراه مع أن الصدر منشرح بالإيمان، فأولى من ذلك الطلاق فإذا أكره فطلق بقوله ولم يقصد ذلك بقلبه فليس قلبه منشرحاً بالطلاق فإنه لا يقع، وقوله ﷺ : (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) رواه أبو داود، والإغلاق هو انسداد باب العلم والقصد والمكره قد انسد باب قصده فهو غير قاصد للطلاق ولا مريدٍ له، ويدل عليه أيضاً: ما روى ابن ماجه والحديث حسن لغيره أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢)

стр. 2735

، والمكره إنما تلفظ بالطلاق لا لقصده وإنما لدفع الأذى الحاصل عليه، وقد قال ابن عباس كما في البخاري: " الطلاق عن وَطَر " (١) ، أي قصدٍ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير كما روى ذلك ابن حزم في المحلى. وقول المؤلف " ظلماً " يخرج ما لو أكره عليه بحق فإن الطلاق يقع، كإكراه الحاكم المولي بالطلاق إن أبى الفيئة. قوله: " بإيلام له ": أي بضرب أو سجن طويل أو خنق أو غير ذلك، وأما إن كان ضرباً يسيراً فإن الإكراه معه لا يعذر به؛ وذلك لأنه لا يحتاج معه إلى الطلاق، هذا إن كان ممن لا يبالي به، وأما إن كان من ذوي المروءة الذين يؤذيهم ذلك أذىً عظيماً ويلحقهم ذلك إشهاراً وحطة عند الناس فإنهم يعذرون بذلك. قوله: " أو لولده ": فإذا كان الإيلام بالسجن أو الضرب الشديد لولد فكذلك، فيتوجه - كما قال ابن رجب - أن يكون كذلك في كل من يُلحق مشقة عظيمة في أذاه، من ولدٍ أو والدٍ أو زوجٍ أو صديقٍ، وذلك لحصول الإكراه، فيدخل ذلك في عمومات الأدلة. قوله: " أو أخذ مال يضره ": أي ضرراً كثيراً. قوله: " أو هدده بأحدها: " أي بأحد المذكورات، فإذا هدده بأن يؤلمه إيلاماً شديداً أو يأخذ من ماله ما يضر به ضرراً كثيراً، أو بأن يؤلم ولده أو والده أو زوجته أو صديقه، فإذا هدد بذلك فإن طلاقه لا يقع، ففي الكلام السابق حيث يقع المذكور وهنا لم يقع المذكور وإنما هدد به. قوله: " من قادر ": من سلطان أو متغلب كلص ونحوه.
следующие страницы →