القول الأول: وهو المشهور في المذهب: أنه لا يحلفه لأن البينة على المدعي وهذا هو المدعي فعليه البينة وليس في ذلك ذكر اليمين.
والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية: انه يحلفه وذلك احتياطاً لحق الغائب وذلك لأنه يحتمل أن يكون قد طرأ بعد البينة ما يجعل الحق للغائب، كأن يبيعه هذه الدار في أول السنة ثم يشتريها منه في آخر السنه، فالذى في البلدة يحضر شهوداً يشهدون أنه قد باعه هذه الدار وهم صادقون في شهادتهم وقد باعها إياه، لكنه بعد ذلك باعها إلى من اشتراها منه.
آو أن يكون قد اقرضه ثم أرجع اليه ماله والشهود هؤلاء قد شهدوا على القرض الأول وللغائب شهود يشهدون على انه أعاد المال فاحتياطاً لحق الغائب فإن القاضى يحلفه.
ثم هل يطالب القاضي بكفيل للمدعي، لانه قد يكون الحق مع الغائب، فإذا رجع وأتى القاضي وقال: هذه بينتي التى تدل على أن الحق لى، وثبت للقاضى أن له الحق، فقد يكون المال قد ضاع، فهل نضع كفيلاً او رهناً او نحو ذلك؟
قولان لاهل العلم
المشهور في المذهب أنه لا يوضع الكفيل.
والقول الثاني: قال صاحب الأنصاف: " وما هو ببيعيد " انه يوضع الكفيل – هذا هو الأظهر احتياطاً لحق الغائب.
-هذا كله على القول بجواز القضاء على الغائب وهو المشهور في المذهب.
وأيضا على القول الذي ترجح من أن له أن يقضى إذا كانت هناك قرينة فكذلك يحتاط لحق الغائب باليمين وبالكفيل.
قال:] وإن ادعى على حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة [.
إذا قال:أدعي على عمرو وهذه بينتى، قيل له: أين عمرو، قال: عمرو في البلد فهنا لا يسمع القاضي الدعوى ولا يحكم له ببينته حتى يحضر الخصم في مجلس القاضى.
وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم:-
стр. 3222
لكن إن كان مختفياً أو امتنع من الإتيان لمجلس القاضي فإنه يحكم عليه. فإنه إن كان مختفياً فهو كالمسافر، ثم إن اختفاءه قرينة قوية على أنه لا حق له.
وإذا امتنع من حضور مجلس القاضي فالقاضي يحكم للعذر.
إذن: إذا كان في البلد فلا بد من إحضاره مجلس القاضي، ولا يحكم القاضي بالبينة حتى يحضر الخصم الى المجلس.
لكن إن امتنع من الحضور أو اختفى فان له حينئذ أن يحكم.
استدراك:
اذا ادعت الزوجة أن هذا زوج لها وأنكر ذلك وأتت ببينة تدل على أنه زوج لها، فهل يمكن منها في الظاهر؟
قولان لأهل العلم وهما قولان في المذهب:-
(١) القول الأول: انه يمكن منها في الظاهر لأن الحاكم قد حكم بأنها زوجة له، وعليه فيمكن منها في الظاهر.
القول الثاني: انه لا يمكن منها في الظاهر، وذلك لأنه ينكر أن تكون زوجة له، فهو لا يقر بهذه الزوجية.
وهذا هو الصحيح، لأنه مقر على نفسه أنه لا حق له في هذه المرأة فيعامل بإقراره في حقه.
واما المرأه فيثبت لها ما يترتب على ذلك حتى يفارقها.
-وأما على القول بأنه يمكن منها في الظاهر فهل تحل له في الباطن أم لا؟
قولان لأهل العلم
القول الأول
الجواب: فيه تفصيل:
فإن اعتقد أنها بائنة منه وأنها ليست بزوجة له فهنا لا تحل له في الباطن لأن حكم القاضى لا يحل حراماً.
وأما إن اعتقد أنها زوجه له فإنها تحل له في الباطن.
الدرس الثامن عشر بعد الأربعمئة
(يوم الجمعة: ٢٣ / ٤ / ١٤١٧)
باب كتاب القاضي إلى القاضي (١)
قال ﵀:] يقبل كتاب القاضي الى القاضي [.
إجماعاً: لأن الحاجة تدعو إليه
فإذا كتب القاضي الى قاض آخر في قضية لينفذها القاضي الآخر أو في قضية ليحكم فيها الآخر.
стр. 3223
فيأتي المدعي والمدعى عليه الى القاضي ويدلي المدعي ببينته، ويتم لقاضي القضية ثم يحكم فيها ثم يكتب إلى قاض آخر في بلد أخرى أو في البلد نفسها – يكتب اليه بحكمه، فيقول: حكمت على فلان بأن لفلان عليه مئة ألف فنفِّذ هذا القضاء.
أو ادعى فلان على فلان أنه قد قذفه وأتى ببينة تدل على ذلك،فحكمتُ بجلده ثمانين جلده فنفِّذ ذلك.
أو أن يكتب القضية ولا يحكم فيها فيكتب: شهد عندي فلان وفلان على أن فلانا قد أقرض فلاناً كذا، أو يقول: ثبت عندي أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا ويكتب البينة.
ففى الصورة الأولى: أرسل اليه بالحكم لينفذه.
وأما في الصورة الثانية: فانه لم يحكم سواء عبر بقوله: " شهد عندي فلان وفلان "، أو بقوله:" ثبت عندي أن لفلان على فلان " ولا يقال: إن قوله: " ثبت عندي " حكمٌ؛ للفرق بين الحكم والثبوت، فإن الحكم فيه أمر ونهي يقتضي الإلزام، وأما الثبوت فليس كذلك.
ومثل هذه المسألة يحتاج إليها، فقد يكون القاضي في هذا البلد ضعيفا لا يستطيع أن ينفذ الحكم فيكتب بالقضية لتنفذ من قاضي أقوى منه.
أو أن يكون المدعى عليه له بالقاضي صلة قوية، فيخشى إن نفذ الحكم أو حكم أن يترتب على ذلك قطيعة رحم فيرسل بالقضية إلى قاضٍ آخر للمصلحة.
فالحاجة تدعو الى كتاب القاضي الى القاضي ومن ثم فقد أجمع أهل العلم على صحة كتاب القاضي الى القاضي.
قال:] في كل حق حتى القذف لا في حدود الله كحد الزنا ونحوه [
فالقضايا التى تقبل فيها كتابة القاضي إلى القاضي: هي كل حق - أي من حقوق الآدمي – حتى القذف.
فكل ما كان من حقوق الآدميين فإن القاضي له أن يكتب بالقضية إلى القاضي الآخر وهذا بالاتفاق.
واستثنى المؤلف حدود الله كحد الزنا ونحوه، فلا تقبل فيها كتابة القاضي إلى القاضي، فلا يحل أن يكتب القاضي: قد شهد عندي أربعة شهود على أن فلانا قد زنا.
стр. 3224
قالوا: لأنها من حدود الله وحدود الله ينبغي فيها الستر؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات،وكتابة القاضي إلى القاضي فيها شبهة، هذا هو المشهور في المذهب.
وهذا القول ضعيف.
- ولذا فقد اختار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية والمالكية وحكي رواية عن الإمام أحمد: أن كتابة القاضي في الحدود مقبولة.
وذلك لأنه لا فرق بين المسألتين.
وما ذكروه فهو ضعيف
أما قولهم: إن حدود الله يجب فيها الستر.
فالجواب: أنه قد فضح نفسه بإتيانه ما حرمه الله عليه.
ولأنه قد يكون في الإظهار مصلحة، وقد قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾
ثم إن مصلحة كتابه القاضي إلى القاضي أعظم من هذه المصلحة.
وأما قولهم: إن الحدود تدرأ بالشبهات؟
فالجواب: أن هذه شبهة ضعيفة، أشبه ما تكون بشبهة كذب الشهود، فإن الشهود يحتمل فيهم الكذب، ومع ذلك فإذا شهد شاهدان أن فلانا قد قتل فلانا عمداً فإن القتل يثبت مع أن الكذب محتمل.
فليس كل شبهة ينظر إليها، بل لا بد أن تكون الشبهة قوية يدرأ بها الحد – كما تقدم في كتاب الحدود.
إذن: الصحيح أن حدود الله كذلك أي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
قال:] ويقبل فيما حكم به لينفذه [.
هذه الصورة الأولى: وهي أن يكتب القاضي إلى قاضٍ آخر بالحكم كأن يكتب له: " قد حكمت على فلان بأن يجلد مئة جلدة لأنه قد ثبت عليه الزنا " فهنا يقبل هذا الكتاب ويجب على القاضي أن ينفذه، وذلك لأن حكم القاضي لازم فيجب تنفيذه.
قال:] وإن كان في بلد واحد [
كأن يكتب قاضٍ في المحكمة إلى قاضٍ آخر في المحكمة نفسها أو في محكمة أخرى في البلد، أو أن يكتب بعض القضاة إلى رئيس القضاة لينفذ ونحو ذلك – ولو كانا في بلد واحد؛ لوجوب تنفيذ حكم القاضي.
قال:] ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر [
هذه الصورة الثانية: وهي أن يكتب إلى قاضٍ آخر فيما ثبت عنده ليحكم به.
стр. 3225
فلا يقبل هذا الكتاب إلا أن يكون بينهما مسافة قصر، وأما إن كانا في بلد واحدة فلا يقبل هذا الكتاب هذا هو المشهور في المذهب.
ولم أرَ دليلاً يصار إليه في هذه المسألة.
-والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يقبل، وهو أظهر لأن الحاجة داعيه إليه.
فقد ثبتت عنده القضية ولا يحكم بها لمصلحة من المصالح أو لدفع مفسدة من المفاسد فيرسل بالقضية إلى قاضٍ آخر ليحكم فيها فلا مانع من صحة هذا الكتاب وقبوله.
فالذي يترجح: أن الكتاب إلى قاضٍ آخر ليحكم يقبل سواء كان بينهما مسافة قصر أم لم يكن بينهما مسافة قصر.
قال:] ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ معين، وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين [.
اتفاقاً
فيجوز أن يكتب إلى قاضٍ معين كأن يقول:" من القاضي إلى القاضي فلان " فهنا قد كتب إلى قاضٍ معين.
ويجوز أن يكتب إلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين.
كأن يكتب:" إلى كل من يصله كتابي هذا من قضاة المسلمين " فهو جائز، فيجوز على التعيين، ويجوز على التعميم.
قال:] ولا يقبل إلا أن يُشهد به القاضي، الكاتبُ شاهدين فيقرأه عليهما ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعه إليهما [.
فإذا كتب القاضي القضية سواء كان فيها حكم أم لم يكن فيها حكم فإنه يأتي بشاهدين ويقرأ عليهما الكتاب.
ويقول: "هذا كتابي فادفعاه إلى القاضي فلان "
فلا يقبل إلا أن يشهد عليه القاضى شاهدين عدلين ويقرأه عليهما ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعه إليهما – هذه هو المشهور في المذهب.
- والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد: أنه لا يشترط أن يقرأ عليهما الكتاب بل يكفى أن يقول: هذا كتابي إلى القاضي فلان، فادفعاه إليه.
стр. 3226
قالوا: لأنهما يشهدان أن هذا كتاب القاضي إليه، وهذا كاف فإن المقصود هو الشهادة على أن هذا الكتاب هو كتاب القاضي الأول إلى القاضي الثاني وإن لم يقرأ عليهما مع ما في القراءة من ظهور شىء من الأسرار ونحو ذلك، وهذا القول أصح.
٣- والقول الثالث، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم: أنه يصح ولو لم يشهد عليه ما دام أن المكتوب عليه عرف أن هذا هو كتاب القاضي الأول إليه.
فإذا أتاه من حائل أو من الرياض كتاباً من القاضي فلان وهذا هو خطه وعليه ختمه فإنه يقبل ذلك، وذلك لأن المقصود هو العلم أو غلبة الظن أن هذا هو كتاب القاضي إليه وقد حصل ذلك.
قال ابن القيم: " وهذا هو عمل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال من عهد النبى ﷺ إلى الآن "ا. هـ أي أنهم يعتمدون على كتب بعضهم لبعض.
وهذا هو الراجح في هذه المسألة.
وهذه القضية لا يحتاج إليها في عصرنا هذا، لأنه قد وجدت طرق أخرى لإرسال الرسائل.
باب القسمه
القسمة: هي جعل الشيء أقساماً
والقسم: هو النصيب
قال:] لا تجوز قسمة الأملاك التى لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا برضاء الشركاء [.
إذا كان بين شريكين مال كأرض ونحو. فلا يجوز قسمتها إن كانت لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض، فلا يجوز قسمتها إلا برضا الشركاء.
وما هو الضرر؟
فيه روايتان عن الأمام أحمد
(١) الرواية الأولى: وهي المشهورة عند المتأخرين: أن الضرر هو نقصان القيمة بعد القسم في كل نصيب أو في نصيب أحدهما.
والرواية الثانية: وهو القياس على قول الموفق وهو قول الخرقى: أن الضرر هو ألا يمكن الإنتفاع فيها بعد القسم.
стр. 3227
-صورة هذا: إذا كان الاثنان يشتركان في أرض مساحتها مائتان متر، لاحدهما الخمس، وأربعه أخماسها للآخر، فإذا قسماها فإن نصيب صاحب الخمس يكون أربعين مترا والأرض ليست في موقع تجارى فهذه الأربعين مترا لا يمكن الانتفاع بها بعد ذلك فحينئذ: لا تجوز القسمة إلا برضا الشريكين وذلك لوجود الضرر وهو أنه لا يتمكن من الانتفاع بها بعد ذلك.
ومثال نقصان القيمة: إذا كانت الأرض تساوي مائة ألف، ومساحتها خمسمائه متراً، ولأحدهما الخمسمائة والآخر له ثلاثة أخماس، فإذا قسمناها صار للأول مائتا متر، وللآخر ثلاثمائه متر.
وقد كانت الأرض بكاملها تساوى مائه ألف، ونصيب صاحب الخمسين منها أربعون الفاً والآخر نصيبه ستون الفاً وبعد القسم أصبحت المائتا متر لا تساوي إلا ثلاثين الفاً. فقد تضرر بذلك لنقصان القيمة.
وهذا – فيما يظهر – أقوى وذلك لثبوت الضرر لأن هذا نوع ضرر.
إذن: لا تجوز قسمة الأملاك التى لا تنقسم إلا بضرر والضرر في المشهور – هو أن تنقص قيمة قسم أحدهما بعد القسمة.
(أو رد عوض) : أي لا يمكننا أن نقسم حتى نقول لأحدهما: أعط الآخر خمسة آلاف أو عشره آلاف لتكون القسمة عادلة فلا يلزم أحدهما بالقسمة بلا رضا، بل لا بد من الرضا.
وهذا هو النوع الأول من القسمة وهو: قسمه التراضى.
فمتى ما كان في القسمة ضرر أو رد عوض فلا تجوز القسمة إلا بالرضا.
وتكون القسمة هنا من البيع، لأنه لما ثبت رد العوض كان ذلك بيعاً – هذا هو المشهور في المذهب، وعليه فيشترط فيها الرضا وفيها خيار المجلس لأنها بيع.
قال:] كالدور الصغار [.
فمثلاً: يملكان شقة فيها ثلاث غرف ولها حمام واحد ومطبخ واحد فلا تمكن القسمة من غير ضرر ورد عوض.
قال:] والحمام والطاحون الصغيرين [.
(الحمام) : فإذا كان لكل منهما غرفة والحمام مشترك بينهما فأردنا قسمته فإذا هو متر في نصف متر فلا يمكن أن يقسم من غير ضرر، فإنه لا يجوز إلا بالرضا.
стр. 3228
" الرحى
(والطاحون) هو ما يسمى عندنا في السابق بـ " وله دار خاصة به، فإذا كانت هذه الدار صغيرة والرحى كذلك فلا تمكن القسمة إلا برضا الشريكين، لأنه إما أن يكون هناك ضرر أو رد عوض.
قال:] والأرض التى لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة، كبناء أو بئر في بعضها [.
كأن تكون الأرض مساحتها خمسمائة متر وفيها شئ من الحجارة من الجبال الثابتة أو فيها بعض البناء أو فيها بئر، ولا يمكن ان تتعدد بالأجزاء وكان لكل واحد منهما النصف، فلو أعطينا كل واحد مائتين وخمسين متراً لكن في قسم أحدهما بئر والآخر ليس في قسمته بئر، وفي قسمة أحدهما جبل والآخر ليس فيه ذلك، فليست قسمة عادلة فلا يمكننا أن نعدل بينهما بالأجزاء.
-وهل يمكننا أن نعدل بينهما بالقسمة؟ بأن نقول لأحدهما خذ مائتى متر ليس فيها جبل، ونقول للآخر خذ ثلاثمائة متر فيها هذه القطعة من الجبل، ووجدنا أن المائتين متر هنا تساوي الثلاثمائه متر هناك فهذه قسمة عادلة.
لكن إذا لم يمكننا القسمة لا بالأجزاء ولا بالقسمة فلا تكون القسمة مقبولة بغير الرضا، بل لا بد من رضاهما.
قال:] فهذه القسمة في حكم البيع ولا يجبر من امتنع من قسمتها [.
لأنها في حكم البيع ويشترط في البيع التراضي
ولقوله ﷺ حيث كان ضرراً -: " لا ضرر ولا ضرار "
فإن قال أحدهما: ما دامت الأرض لا يمكننا أن نقسهما بيننا، ولا يرضى أحدنا بالنصيب الأقل، فأطلب أن تباع الأرض وآخذ نصيبي من القسمة، فهل يلزم الآخر بذلك أم لا؟
الجواب: أن الآخر يلزم بذلك، لدفع ضرر الشراكة فإن أبى أن يبيع فإن الحاكم يجبره.
قال:] وأما مالا ضرر ولا رد عوض في قسمته [.
هذه قسمة الإجبار – فلا يشترط الرضا فيها لأنه لا ضرر ولا رد عوض في قسمته.
قال:] كالقرية والبستان [.
فلو كانت هناك قرية بين اثنين فاقتسماها فهذا صحيح
قال:] والدار الكبيرة [.
стр. 3229
كأن تكون الدار فيها عشرة غرف وفيها مجلسان وفيها مطبخان وحمامان، فقسمت بينهما فهذا صحيح.
والدار الكبيرة: أي التى يمكن أن تقسم قسمة عادلة.
قال:] والأرض [.
كأن تكون لهما أرض مساحتها ألف متر، فيأخذ كل واحد خمسمائة متر. فهذا جائز.
قال:] والدكاكين الواسعة [.
كأن يكون لهما في السوق دكان مساحته عشرة أمتار في خمسة أمتار، فيقول: خمسة في خمسة لي، وخمسة في خمسة لك ونضع بينهما جداراً فهذا جائز ويكون في هذا القسمة إجبار.
قال:] والمكيل والموزون من جنس واحد كالأدهان والألبان ونحوها [.
كالأرز ونحو ذلك، فهذه مكيلة أو موزونة، تمكن قسمتها قسمة عادلة ولا ضرر ولا رد عوض.
قال:] إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها [. .
أي على القسمة لأنه لا ضرر ولا رد عوض وهي مشتركة بينهما.
قال:] وهذه القسمة إفراز لا بيع [.
فهذه القسمه ليست بيعاً وإنما هي إفراز، أي تمييز حق كل ذي حق بينهما، ففيها تمييز حق كل واحد منهما عن الآخر، وعليه فلا يشترط فيها الرضا – كما تقدم – ولذا كانت إجباراً، وإذا قسمت بينهما فلا يثبت خيار لأنها ليست بيعاً وإنما هي إفراز.
قال:] ويجوز للشركاء في قسمة الإجبار - أن يتقاسموا بأنفسهم أو بقاسم ينصبونه او يسألوا الحاكم نصبه [.
لان الحق لهم، ويشترط أن يكون القاسم عالماً بالقسمة ليوصل الحقوق إلى أهلها.
قال:] وأجرته على قدر الأملاك [
فأجرة هذا القاسم تكون على الشركاء بقدر أملاكهم، لأنها مؤنة ملك فكانت بقدره، كما لو كان هناك عبد مشترك بينهما فنفقته بقدر الأملاك.
لكن إن كان بينهما شرط، كأن يقول صاحب القسمة الأكبر لصاحب القسمة الأقل أشترط أن تكون الأجرة بينى وبينك بالسوية، فرضي بذلك، فالذي يظهر صحة الشرط لأن المؤمنين على شروطهم – وهو قول في المذهب قال صاحب الكافى:" وهو على ما شرطاه "
стр. 3230
إذن: إذا كان بينهما شرط فهو على ما شرطاه، وإن لم يكن هناك شرط فيكون بقدر الأملاك.
قال:] فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة [
فإذا اقتسموا بأنفسهم – في قسمة الإجبار – أو بقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه – فإذا اقتسموا على ذلك لزمت القسمة، وذلك لان القسمة قسمة إجبار ورضاهما لم يكن معتبراً في الأصل فكذلك لم يعتبر في الأثناء.
-إذا كانا قد نصبا حاكماً عالماً بالقسمة فكما لو حكما بينهما قاضياً فيلزمهما كذلك.
إذا كانا قد قسما بينهما القسمة من غير قاسم: فإذا كانا تراضيا على ذلك فكذلك أي تلزم القسمة لأنهما قد تراضيا على ذلك.
وأما إذا لم يتراضيا فلا، لأنه يقول أحدهما:القسمة جائزة أو نحو ذلك فلا يلزمه الرضا.
قال:] وكيف اقترعوا جاز [
بأي كيفية اقترعوا جاز ذلك سواء كان بالحصى أو بالرقاع وغير ذلك من طرق القرعة
فإذا لم يرض كل واحد فيهما بهذا النصيب فوضعوا القرعة بينهما فخرجت لأحدهما فيلزم الآخر الرضى بأي طريقه من طرق القرعة.
-لا شك أنه ليس المراد أن يكون أحدهما غانماً أو غارماً بل المقصود أنهما اجتهداً في التسوية، ومن أجل أنهما قد يختلفان في اختيار النصيب وضعت القرعة بينهما.
أما إذا كان أحدهما غانماً والآخر غارماً فلا يجوز ذلك.
والحمدالله رب العالمين
باب: الدعاوى والبينات
الدعاوى: بفتح الواو وكسرها جمع دعوى وهي في اللغه: الطلب قال تعالى: ولهم فيها ما يدعون "
وأما في الإصطلاح: فهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شئ في يد غيره او ذمته.
كان يقول: مثلاً: هذه الدار لي والدار بيد رجل آخر فهي دعوى ,
او يقول: في ذمته لي عشرة آلاف، فهي دعوى.
-أما البينات فهي جمع بينه وهي ما اظهر الحق وأبانه
كالشاهد: فالشاهد يظهر الحق ويبينه.
قال ﵀:] المدعي: من إذا سكت ترك والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك [
يعنى مع المطالبة.
стр. 3231
فإذا ادعى زيد على عمرو أن في ذمته له عشرة آلاف، ثم سكت زيد عن الدعوى فإنه يترك لأن الحق له.
واما المدعى عليه وهو عمرو في هذا المثال، فإذا سكت فانه لا يترك.
وقيل غير ذلك
وتعريفهما ظاهر: فالمدعي: هو الطالب، والمدعى عليه هو المطالب وفيه تعريفات أخرى.
قال: [ولا تصح الدعوى والإنكار الا من جائز التصرف]
جائز التصرف: هو الحر المكلف الرشيد، وقد تقدم ذلك في كتاب البيع.
فاذا ادعى ابن سبع سنين او ادعى السفيه غير الرشيد او ادعى العبد – فلا تسمع دعواه أي في المال.
وكذلك إنكاره لا يسمع، فإذا ادعى عليه – أي على غير جائز التصرف – فأنكر فكما لو لم ينكر، فلا يسمع إنكاره في المال، وغير جائز التصرف لا قول له في المال، والدعوى والإنكار قول في المال.
قال: [وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه]
إذا كان عمرو عنده أرض يزرعها فادعى زيد أن هذه الارض له، فنقول: هي لمن بيده وهو عمرو، مع يمينه.
ولو أن رجلاً راكب راحلة فادعى رجل أن هذه الراحلة له، فهي لراكب الراحلة مع يمينه.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين أن النبى ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعّى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) يعنى المطالَب.
وفي البيهقى: " البينه على المدعي واليمين على من أنكر " وفيه ضعف
واجمع أهل العلم على ذلك أي على أن البينّة على المدعي واليمين على من أنكر.
قال: [إلا أن تكون له بينه فلا يُحلّف]
فإذا قال المدعى: هذه بينتى وأحضر من يشهد له، فإنه يحكم بها ولا يحلف أي المدعي.
وإنما حكمنا بها في المسألة السابقة لمن هي بيده لشاهد الحال، فإن الحال يشهد أنها له:
لكن لو كان الحال يشهد أنها ليست له، فحينئذ نحكم لمن يشهد له الحال.
стр. 3232
فمثال ذلك: إذا وجدنا رجلاً معه عمامة بيده وآخر قد حسر رأسه في الشارع فتحاكما إلينا، وأحدهما على رأسه عمامة وفي يده عمامة، والآخر حاسر الرأس، وكلاهما معروف أنه لا يخرج على هذه الصفه، فإننا نحكم بالعمامة لمن كان حاسر الرأس، وإن كانت العمامة ليست بيده لشاهد الحال ونقول له – أي لحاسر الرأس – احلف أنها لك.
والأصل أن من في يده المدعى به أنه لهٍ الا أن يعارض ذلك قرينة ظاهرة , وذلك لأن اليمين من جانب أقوى المدعيين، ففى المثال المتقدم / من ليس المدعى به "وهي العمامه " في يده جانبه أقوى فعليه اليمين.
ومثال آخر:-
لو أن رجلاً طلق امرأة، وادعى شيئاً مما يختص بالنساء ادعى أنه له فإنه يحكم به للمرأة مع يمينها.
والعكس بالعكس، فلو كانت الدعوى سّيارة فادعت المرأة إنها لها –وطبعاً يوجد الآن في هذا الوقت الإستمارات التى يكتب فيها اسم مالك السيارة-، لكن لنفرض أن هذا ليس بموجود – فإننا نحكم بها للرجل مع يمينه إلا أن تأتى المرأة ببينة.
قال: [وإن أقام كل واحد منهما بينة أنها له]
كأن تكون هناك أرض يزرعها زيد، فادعي عمرو أنها له وأحضر بينّة، وأحضر زيد بينة أيضاً، فتعارض عندنا البينات فلمن نحكم؟
قال: [قضى للخارج ببينته ولغت بينة الداخل]
ففى المثال المتقدم نحكم بها لعمرو لأنه هو الخارج، ولغت بينة زيد وهو الداخل.
فإذن: يقضى بها للخارج وهو المدعي الذي ليس المدعى به في يده، وأما الداخل فهو من كان المدعى به في يده، فإن بينته تلغى.
قالوا: لان البينة في جنب المدعي، فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر، فالبينة إنما تسمع من المدعي، وعلى ذلك فوجودها من المدعى عليه – كعدمها.
قالوا: ولأن معه – أي مع الخارج – زيادة علم لأنه ناقل عن الأصل فالخارج هو الناقل عن الأصل – لأن الأصل إنها لمن هي بيده.
стр. 3233
وقال الجمهور وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم: أنه يقضى فيها للداخل.
قالوا: لشاهد الحال، فإن شاهد الحال يدل على أنها للداخل، والبينات تعارضتا فتساقطتا، فكما لو لم يكن لهما بينة وعليه فيحكم لمن هي بيده.
قالوا: وأما كون البينة في جنب المدعي في الأدلة الشرعية فلأن الأصل ألا يكون في القضايا إلا بينّة واحدة،ولقوة جانب المدعى عليه اكتفينا بيمينه ولم نقبل من الآخر دعواه فيحكم بها إلا ببينة، فاشترطنا عليه البينة وحففنا مع الآخر فقبلنا منه اليمين، فجانبه أقوى، واما المدعي فلما كان جانبه أضعف اشترطنا البينّه.
قالوا: وأما ما ذكرتموه من أن في دعوى المدعي زيادة علم فهذا معارض بالأصل، فإن الأصل أنها لمن هى في يده، وهذا أقوى من هذا النقل.
إذن: الصحيح أن البينتين إذا تعارضتا وكان المدعى به تحت يد أحد الطرفين فإنا نحكم له مع يمينه؟ كما هو مذهب الجمهور.
فإذا كان المدعىّ به تحت يديهما جميعاً:
كأن يأتي اثنان إلى قاضى براحلة كل واحد منهما قد أخذ بزمام الراحلة فهنا لا ترجيح.
فلو كان أحدهما أقوى كأن يكون أحدهما راكبا للراجله والآخر أخذ بزمامها فإنا نرجح الراكب لان يده أقوى. أما هنا فان كليهما اخذ بزمام الراجله، فاليدان مشتركتان لا مزية لأحداهما على الأخرى فما الحكم؟
الجواب: إن كان لا بينة لأحدهما فإننا نحلفهما جميعاً. ونجعلها بينهما نصفين.
وإن كان لكل واحد فيهما بينة فكذلك أي نقول: احلفا وتناصفا.
والقول الثاني في المسألة: إننا لا نحلفهما – أي حيث أدلى كل واحد منهما ببينة – لأن بينة كل واحد منهما تثبت النصف فلا نحتاج إلى اليمين. وهو قول الأكثر.
-وعن الإمام أحمد في المسالتين كلتيهما – أي حيث لم يأتيا ببينة – أو أتى كل واحد منهما ببينة– أننا نقرع بينهما فمن خرجت القرعة له فإنه يحلف فيكون جانبه أقوى.
стр. 3234
فعلى هذا القول: نقوى جانب أحدهما بالقرعة.
فهذا له بينة وهذا له بينه قد تعارضتا فتساقطتا.
وهذا الدابة تحت يده وهذا الدابة تحت يده فليس أحدهما مرجحاً على الآخر، وكذلك إذا كانت الدابة ليست عند أحد منهما بل هي عند شخص آخر فكذلك – إذن جانب كل واحد منهما يساوي جانب الآخر فحينئذ يقرع بينهما فمن خرجت القرعة له كان جانبه أقوى فحينئذ نقول له احلف وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة.
ويدل عليه ما ثبت في سنن أبي داوود – والحديث صحيح: أن رجلين تداعيا عيناّ وليس لأحدهما بينة فأمرهما النبى ﷺ " أن يستهما على اليمين أحبّا أو كَرها ".
فهذان الرجلان اختصما في عين وليس لأحدهما بينة كما أن العين ليست تحت يد أحدهما بدليل قصه الحضرمي والكندي فإن النبي ﷺ " جعل البينة على الحضرمي لما كانت الأرض بيد الكندي يزرعها أما هنا فليس المدعى به تحت يد أحدهما، فلما كان الآخر كذلك رُجّحَ جانب من خرجت القرعة له.
وفي سنن البيهقى ومراسيل أبي داوود بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب: أن رجلين اختصما إلى النبى ﷺ في شىء فجاء كل واحد منهما بشهود على عدة الآخر فأمر النبي ﷺ أن يقترعا وقال: "إن الله يقضي بينكما "
وله شاهد مرسل عن سليمان بن يسار ومراسيل سعيد بن المسيب صحيحه عند أهل العلم ففي هذا الحديث انه قد جاء كل واحد منهما بشهود عدول بعدد شهود الآخر فقضى النبي ﷺ بالقرعة وقال: " والله يقضى بينكما " وهو استهام على اليمين كما في الحديث الأول. فليس فيه إلا تقوية جانب أحدهما.
стр. 3235
-إذن الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وأنهما إن كانت العين تحت يديهما وليس لأحد منهما بينة أو لكل واحد منهما بينة أو كان الأمر كذلك لكن العين بقيت تحت يد أحد منهم فأنا – حينئذ – نقرع بينهما ومن خرجت له القرعه نقول له: احلف فإن حلف فانه يأخذ العين.
-إذن: عندنا حالات:
الحالة الأولى: إذا ادعى رجل على آخر أن هذه العين التى تحت يده له ولا بينة له فإنا نحكم بالعين لمن هي في يده ونقول له: احلف كما في حديث الحضرمي والكندي وهو ثابت في صحيح مسلم.
الحالة الثانية: أن تكون العين ليست تحت يد أحد منهما أو تحت يديهما جميعاً، ولا بينة لأحدهما على الآخر أو لكل واحد منهما بينه فحينئذ نقرع بينهما ومن خرجت القرعه له فإنه يحلف – هذا في اصح أقوال أهل العلم.
-وفي تعارض البينتين مسألتان:
(١) المسألة الأولى:
هل يرجح بين البينتين أو لا؟
فإذا كانت إحدى البينتين شهودها أكثر أو أشهر فهل يرجح أم لا؟
أ - مذهب الجهور: أنا لا نرجح إحداهما على الأخرى، لأن كل منهما بينة فهي حجة.
فلو جاء أحدهما بمائه شاهد، وجاء الآخر بشاهدين فإن البينتين متعارضتان لا ترجح إحداهما على الأخرى.
وكذلك لو أتى أحدهما بشهود مشهورين بالعدالة وأتى الآخر بشهود عدول لكنهم ليسوا على درجة الشهود الأول فإنا لا نرجح.
ب- والقول الثاني: وهو مذهب مالك وهو قول مخرّج في مذهب أحمد: أنا نحكم بالبينة التى هي أرجح.
وهذا أظهر كأدلة الشرع، فان أدلة الشرع كل دليل بمفرده حجة لكن لما تعارضت الأدلة وأمكننا الترجيح فإننا نرجح، فكذلك البينات هنا.
ولأن من معه بينة أقوى فان جانبه أقوى، واليمن في جانب أقوى المدعيين.
إذن: الراجح أن البينات إذا تعارضت فإنه يقدم الأرجح.
стр. 3236
ولا شك أن هذا القول قوي حيث كان الرجحان ظاهراً أما أن يدخل في ذلك شئ من التلاعب بالترجيح الخفي فليس هذا هو المراد لكن المراد ان يكون الترجيح ظاهراً بيناً حتى لا يتهّم القاضي.
ويقوىَّ هذا القول ما تقدم في حديث سعيد بن المسيب فإن فيه ((وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدّة الآخر)) : أي على عدد شهود الآخر.
المسألة الثانية:
المشهور في المذهب: أن البينة المتقدمة مقدمة على البينة المتأخرة.
فإذا كان لأحدهما شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنتين وهذا له شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنة قالوا: نقدم البينة المتقدمة.
قالوا: لأن البينة المتقدمة تثبت الملك في زمن لا تعارضها فيه البينة المتأخرة.
ب- والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر كلام الحرقى من الحنابلة أن البينتين متساويتان.
قالوا: لأن البينة المتاخرة تثبت مِلْكاً حادثاً.
ولذا لو قالت البينة الحادثة إنه يملكه منذ سنة بهبة من زيد فإن البينة الأولى تطرح لأنه لا تعارض.
لكن الكلام: إذا قالت البينة المتأخرة نحن لا نقول إنه قد وهبه أو نحو ذلك لكن تثبت أنه مِلْك له قبل سنه فهذه البينة تثبت ملكاً حادثاً، والبينة المتقدمة تثبت ملكاً قديماً، ولا شك أن إثبات الملك الحادث أقوى من إثبات الملك القديم.
قالوا:وهذا دليل يقتضى ترجيحها فلا أقل من أن يقتضي التساوي.
يعنى: أن هذه العلة تعارض تلك العلة. فهذه تدفع هذه وحينئذ يكونا متساويين.
-ولم أر قائلاً يقول بتقديم البينة الحادثة.
إذن: الصحيح أنهما على التساوي – كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر قول الحرقي من الحنالبة.
والحمدالله رب العالمين
كتاب الشهادات
الشهادات: جمع شهادة.
والشهادة هي: الإخبار بما علمه بلفظ أشهد. هذا هو المشهور في المذهب.
стр. 3237
فلو قال:" سمعت فلاناً يقر بكذا " أو " رأيت فلاناً وهو يشرب الخمر ونحو ذلك، فإن شهادته لا تقبل، بل لا تقبل حتى يقول:" أشهد على فلان أنه قد شرب الخمر "أو" اشهد على فلان أنه قد اقترض من فلان " ونحو ذلك فالمشهور فى المذهب أن الشهادة لا تصح إلا بلفظ: أشهد أو شهدت.
-واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية والأحناف: أنها تصح الشهادة بكل لفظ يدل على الشهادة. فلو قال: " سمعت أو "رأيت " فإن شهادته تصح.
وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في إجماع العلماء ولا في القياس الصحيح ولا في أقوال الصحابة ما يدل على ما ذهب اليه الحنابلة – كما قرر ذلك شيخ الإسلام فالصحيح أن الشهادة تصح بكل لفظ يدل عليها.
لكن لو قال: أعلم أن فلاناً قد أقرض فلاناً " و " أعلم أن فلاناً يشرب الخمر " فإنها ليست بشهادة ولا تقبل، وذلك لأن العلم قد يحصل بإخبار الثقه، فقد يكون أخبره ثقة بأن فلاناً قد شرب الخمر وهو يثق بقوله، فصدقه وأخبر بما علم فقال: " أعلم أن فلانا قد فعل كذا " فإذا قال مثل هذا اللفظ فإنه لا يقبل في الشهادة حتى يصرح بالسماع أو الرؤية.
قال ﵀: [تحملّ الشهادات في غير حق الله تعالى فرض كفاية]
فتحمل الشهادة في غير حق الله – فرض كفاية لقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا) أي إذا ما دعوا للتحمل أو الأداء فإذا دعوا لتحمل الشهادة أو أدائها فلا يجوز لهم أن يأبوا للآية المتقدمة.
ولأن حقوق الناس إنما تثبت وتحفظ بالشهادة، فالشهادة طريقة لحفظ وثبوت حقوق الناس فكانت فرض كفاية فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
-وقال المؤلف هنا: (في غير حق الله تعالى) أي في حقوق الآدمين وأما حق الله تعالى فلا يجب فيه تحمل الشهادة ولا أداؤها، لأن حقوق الله مبناها على المسامحة،ولأن المشروع فيها الستر.
стр. 3238
فإذا دَعى لتحمل الشهادة في رؤية رجل يشرب الخمر، أو يكون قد رآه يشرب الخمر فَيدعي عند القاضى لأدائها.
أو يدعى للنظر لرجل يزني بامرأة فيتحمل الشهادة أو يَدعى لأدائها عند الحاكم فإن ذلك لا يجب بل هو مباح بل لا يستحب لأن الستر هو المشروع.
قال صاحب الفروع: يتوجه عدم الستر لمن عرف بالشر والفساد " وصوّبه صاحب الإنصاف وهو كما قال.
فإذا كان الرجل معروفاً بالشر والفساد فأمكن أن تتحمل الشهادة أو أن يَؤدى بما يزجره عما هو عليه وبما يزيل عن المسلمين شره وفساده فإنها تتحمل حينئذ للمصلحة العامة،فالستر عليه مصلحة خاصة، ودرء الفساد عن الامة مصلحة عامة، والمصلحه العامة راجحة على المصلحة الخاصة.
فإذا كان ترك الشهادة يترتب عليه ضرر على الآدميين، فالذي يظهر هو وجوب أداء الشهادة وإن كانت في حقوق الله تعالى
فلو شهد ثلاثة على أن فلاناً قد زناً، وهناك رابع قد رأى لكنه لم يشهد بعْدَ عند الحاكم فإذا أتاه هؤلاء الثلاثة وقد قذفوا ذلك الرجل بالزنا وهم يحتاجون إلى شهادة هذا الرجل ليدفعوا عن أنفسهم معرة الفسق وكذلك ليدفعوا عن أنفسهم الجلد، فالذي يتبين أنه يجب أداء الشهادة لما في ذلك من دفع الضرر عن الآدمي.
قال: [وإن لم يوجد إلا من يكفى تعين عليه] .
فإذا لم يوجد إلا اثنان يشهدان على أمر من الأمور فإن الشهادة تتعين عليهما حيث كان الحق لا يحفظ إلا باثنين.
وهكذا سائر فروض الكفاية، فإنها تتعين حيث لم يوجد إلا من يقوم بالحق.
فإذا كان ليس في البلد إلا مجتهد واحد فإنه يتعين عليه القضاء.
كذلك إذا لم يمكن حمل الشهادة إلا من هذين الشخصين فإن الشهادة تتعين عليهما كسائر فروض الكفاية.
مسألة:
هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة؟
المشهور في المذهب: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليها لأنها فرض كفاية، فإذا قام بها فقد قام بفرض.
стр. 3239
والقول الثاني: أنه يجوز أخذ الأجرة عليها، واختاره شيخ الإسلام وهو مبني على مسألة سابقة في جواز أخذ الأجرة على القرب فاختار شيخ الإسلام هنا وهناك جوازها عند الحاجة.
والأولى في مثل هذه المسائل التى تتعلق بحقوق الناس – الأولى سدّ هذا الباب لما يترتب على أخذ المال من الفساد فقد يشهد بالزور ليأخذ بالمال.
فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يجوز أخذ الأجرة لئلا يفتح هذا الباب على الناس فيشهد الرجل بالزور ليأخذ المال.
قال: [وأداؤها فرض عين على من تحمّلها]
لقوله تعالى: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))
فأداؤها فرض عين على من تحملها.
قال: [متى دَعي إليه وقدر بلا ضرر في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله وكذا في التحمل]
فلا يجب تحمل الشهادة ولا أداؤها إلا أن يقدر على ذلك بلا ضرر لقوله تعالى: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد) ولقوله صلىالله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد.
أما إذا كان يترتب على ذلك ضرر في عرضه او ماله آو أهله فلا يجب.
قال: [ولا يحل كتمانها]
لقوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتهما فإنه آثم قلبه)
مسألة:
هل له أن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها؟
الجواب: نعم له ذلك لقوله ﷺ : (ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) رواه مسلم.
وذلك لأن المشهود له قد يخفى عليه أن فلاناً شاهد له فحينئذ يبادر بالشهادة حيث يظنّ أن المشهود له يخفى عليه أن هذا شاهد له.
كذلك قد لا يخفى عليه بل يعلم أنه شاهد لكنه – أي المشهود له – يحتاح إلى هذه الشهادة، والشهادة أمانة، فكما أن الأمانة يبادر لها عند الحاجة فكذلك الشهادة.
والطلب الحالي والعرفي كالطلب اللفظي، فهذا المشهود له – وإن لم يأت إلى الشاهد ويسألة أن يشهد له لكن حاله تسأل.
стр. 3240
وأما قوله ﷺ :" يشهدون ولا يستشهدون " فهذا حيث كانوا متساهلين في الشهادة يتسارعون إليها من غير تثبيت بل ربما يشهدون وهم يعلمون أنهم كاذبون فهذا في محل الذم.
قال: [ولا أن يشهد إلا بما يعلم]
لقوله تعالى: ""إلا من شهد بالحق وهم يعلمون "
وفي مسترك الحاكم بإسناد ضعيف " أن النبي ﷺ قال لرجل ترى الشمس قال نعم " قال:" على مثلها فاشهد أو دع ".
لكن الحديث إسناده ضعيف
قال: [برؤية أو سماع]
لا بخبر ثقة.
" برؤيته " كأن يرى فلاناً يزني أو يشرب الخمر ونحو ذلك.
"أو سماع" كأن يسمعه وهو يطلق إمرأته أو أن يسمعه وهو يبيع أو ينكح أو نحو ذلك.
قال: [أو استفاضةٍ]
الاستفاضة: أن يشتهر الخبر عند الناس فيتناقلونه.
قال: [فيما يتعذر علمه بدونها]
فالاستفاضة تقبل فيما يتعذر علمه غالبا بدونها، أي بدون الاستفاضة – فلا يمكننا أن نثبت هذا الحق في الغالب إلا بالاستفاضة فلا يمكن إثباته بالسماع أو الرؤية.
قال: [كنسبٍ]
فالواحد منا الآن يعرف أن فلان ابن فلان من العائلة الفلانية وأنه ابن فلان،يعرف ذلك من طريق الاستفاضة.
فهو لم ير الولادة ولم يكن شاهداً عليها لكن يعرف هذا باشتهاره عند الناس.
فإذا قيل له: هل تشهد أن فلان بن فلان؟ فإنه يشهد بناءً على الاستفاضة.
قال: [وموت]
فمثلاً: مرّت الجنازة فقيل لك هذه جنازة فلان بن فلان، وأصبحت عائلته تعّزى واشتهر هذا عند الناس، فإذا دعيت لتشهد على وفاته للإرث ونحوه، فإنك تشهد بناءً على الاستفاضة.
قال: [ومْلكٍ مطلق]
الملك المطلق: هو غير المقيّد بشراء ولا هبة ونحو ذلك – فهل تشهد أن هذا البيت لفلان وأنه ملكه؟ فانك تقول: نعم أشهد لأنى أرى أنه مالك له وهذا مشهور مستفيض عند الناس.
стр. 3241
لكن لا تشهد بالاستفاضه أنه قد اشتراه من فلان أو وهبه له فلان وذلك لأن هذا لا يكتفى فيه بالاستفاضه لأن الشهاده ممكنة بالرؤية أو السماع.
قال: [ونكاح ووقف ونحوها]
كالخلع والولاية والعزّل ونحوها، فإن هذه الأمور لا يمكن في الغالب إثباتها إلا بطريق الاستفاضة.
إذن: أصبح عندنا ثلاث طرق للشهادة:-
(١) الطريق الاول: السماع (٢) والطريق الثاني: الرؤيه وهما الأصل.
(٣) والطريق الثالث: الاستفاضة حيث تعّذر في الغالب السماع والرؤية.
-وهل يشترط أن يكون قد تلقى هذا الأمر المستفيض ممن يثبت العلم بهم أم يكفي أن يخبره أحد من الناس أن هذا أمر مستفيض؟
مثال ذلك: إذا أتاك رجل فقال: أريد أن أشهد أنا وأنت عند القاضي على أن هذا الرجل ابن لفلان، فقلت هل هذا مستفيض عند الناس؟ فقال نعم، فهل تشهد أو لا تشهد حتى يستفيض هذا عندك؟
المشهور في المذهب: أنه لا يشهد حتى يأتيه عن عدد كثير يثبت العلم بهم.
واختار شيخ الإسلام وهو اختيار المجد ابن تيميه " جدّ شيخ الإسلام " أنه يكفي في ذلك الثقة الواحد الذي تسكن اليه النفس.
وقال القاضي بن الحنابلة: يكفي عدلان.
-وأظهرها الأول / وذلك لأن الشهادة إنما تُبنى على الاستفاضة وهنا لم يستفض عنده ذلك.
بل أخبره الثقة به وهذا أشبه بمسألة السماع والرؤية. فإذا أخبره الثقة بأنه قد سمع فالثقه يشهد وأما هو فلا يشهد وقد علم بخبر الثقه، فكذلك هنا، فهناك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في السماع والرؤية، وهنا كذلك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في الاستفاضة.
قال: [ومن شهد بنكاح او غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه]
إذا شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بدّ أن يذكر شروطه وهذه المسألة تبنى على مسألة سابقة.
فالقاعدة عندهم: " أن ما صحت به الدعوى تصح به الشهادة "
ولا تصح الدعوى من غير ذكر شروط النكاح أو شروط البيع أو غيره من العقود في المذهب.
стр. 3242
فكذلك هنا في الشهادة / فإذا قال: " أشهد أن فلاناً قد نكح فلانة: فنقول له هل توفرت الشروط، فان قال نعم فنقول له: ما هي هذه الشروط فيذكرها لنا، لأنه قد يشهد على نكاح فاسد ويظنه صحيحا.
--والصحيح هنا كالصحيح هناك، فالراجح أن ذكر الشروط في الشهادة ليس بشرط وذلك لأن الأصل هو الصحة.
ولذا فإن النبى ﷺ لما قيل له: أن قوماً يأتوننا باللحم ولا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﷺ (سموا أنتم وكلوا) فهنا لم يشترط النبى ﷺ أن يثبت عندهم تحقق الشرط وهو التسميه بناء على الأصل، لأن الاصل أن المسلم إذا ذكى فإنه يذكر اسم الله على ذبيحته فكذلك الأصل في نكاح المسلمين الصحة.
قال: [وإن شهد برضاع]
فإذا شهد برضاع فلا بد وأن يصفه، فتقول المرأة:" أشهد أن فلانة قد أرضعت فلاناً خمس رضعات معلومات من ثديها أو تذكر أن الحليب وضع في إناء فشربه خمس مرات، فلا بد وأن تصفه بما يقضتى التحريم وذلك للإختلاف في الشروط.
-والصحيح ما تقدم وهو أنه لا يشترط ذلك، إلا أن يرتاب القاضي في الشاهد هل يعلم الرضاع المحّرم أم لا؟ فإنه يسأله – أما إذا لم يرتبْ فإنه لا يسأله بناءً على الأصل.
ولذا فإن النبى ﷺ : لما قالت المرأة: " قد أرضعتكما " قال النبى ﷺ للرجل:" كيف وقد قيل " فلم يأمره أن يستوصف منها كيفيه الرضاع وعدده بناء على الأصل.
قال: [أو سرقه أو شرب أو قذف فإنه يصفه]
فإذا شهد بسرقة فلا بد وأن يصف هذه السرقة بما يقتضى الحد. وتقدم الكلام على هذا في حد السرقة.
وكذلك الشرب فلا بدّ عند الشهادة أن يصفه بما يقضتى الحد وكذلك إذا أراد أن يشهد أن أنساناً قذف.
فان قيل: لم اشترطنا الوصف في هذه المسائل، ولم نشترطه في عقد النكاح وسائر العقود وفي الرضاع؟
فالجواب:
стр. 3243
أن هذه حدود والحدود تدرأ بالشبهات فلا بدّ من الوصف وأما المسألة السابقة فإننا نبني على الأصل.
قال: [ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان والمزنيّ بها]
فإذا شهد أن فلانا قد زنا بفلانة، فنقول له: في أي ساعة؟
قال: في أول النهار / في أي مكان؟ قال في المكان الفلاني؟ فنقول: أذكر لنا المرأة
فيقول هي فلانة أو يصفها وصفاً بيّنا فلا بدّ من هذه الأمور.
فإن قال: بعض الشهود في أول النهار، وقال الأخر في آخره وقال بعضهم في الغرفة الفلانية في الدور الأسفل وقال الآخر في الدور الأعلى فحينئذ ترد شهادتهم لأن هذا الإضطراب يدل على كذبهم.
إذن: لا بد أن نسألهم بما يقتضي صدق شهادتهم وبما يقتضي إقامة الحّد.
لكن هل يشترط ذكر المزني بها؟
ذكر المؤلف هنا أن ذلك شرط وهو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس بشرط
-وهو الصحيح لأن الحد معلق بثبوت الفاحشة، فإذا ثبت لنا أنه قد زنا فإن الحكم يترتب على ذلك؟
إلا إذا كان هناك شبهة، كأن يشتبه في أنها امرأته، أو من لا يقام عليه الحد بها كأن تكون أمة لابنه ويجوز ذلك، فإذا اشتبه في ذلك فلا بدّ من الإستفصال لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
قال: [ويذكر ما يعتبر للحكم ويختلف به في الكل]
ففي كل القضايا لا بدّ للشاهد أن يذكر ما يعتبر به الحكم وما يختلف به الحكم.
وذلك لأن الحكم مرتب على الشهادة.
والحمدالله رب العالمين
стр. 3244
كتاب الشهادات
الشهادات: جمع شهادة.
والشهادة هي: الإخبار بما علمه بلفظ أشهد. هذا هو المشهور في المذهب.
فلو قال:" سمعت فلاناً يقر بكذا " أو " رأيت فلاناً وهو يشرب الخمر ونحو ذلك، فإن شهادته لا تقبل، بل لا تقبل حتى يقول:" أشهد على فلان أنه قد شرب الخمر "أو" اشهد على فلان أنه قد اقترض من فلان " ونحو ذلك فالمشهور فى المذهب أن الشهادة لا تصح إلا بلفظ: أشهد أو شهدت.
-واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية والأحناف: أنها تصح الشهادة بكل لفظ يدل على الشهادة. فلو قال: " سمعت أو "رأيت " فإن شهادته تصح.
وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في إجماع العلماء ولا في القياس الصحيح ولا في أقوال الصحابة ما يدل على ما ذهب اليه الحنابلة – كما قرر ذلك شيخ الإسلام فالصحيح أن الشهادة تصح بكل لفظ يدل عليها.
لكن لو قال: أعلم أن فلاناً قد أقرض فلاناً " و " أعلم أن فلاناً يشرب الخمر " فإنها ليست بشهادة ولا تقبل، وذلك لأن العلم قد يحصل بإخبار الثقه، فقد يكون أخبره ثقة بأن فلاناً قد شرب الخمر وهو يثق بقوله، فصدقه وأخبر بما علم فقال: " أعلم أن فلانا قد فعل كذا " فإذا قال مثل هذا اللفظ فإنه لا يقبل في الشهادة حتى يصرح بالسماع أو الرؤية.
قال ﵀: [تحملّ الشهادات في غير حق الله تعالى فرض كفاية]
فتحمل الشهادة في غير حق الله – فرض كفاية لقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا) أي إذا ما دعوا للتحمل أو الأداء فإذا دعوا لتحمل الشهادة أو أدائها فلا يجوز لهم أن يأبوا للآية المتقدمة.
ولأن حقوق الناس إنما تثبت وتحفظ بالشهادة، فالشهادة طريقة لحفظ وثبوت حقوق الناس فكانت فرض كفاية فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
стр. 3245
-وقال المؤلف هنا: (في غير حق الله تعالى) أي في حقوق الآدمين وأما حق الله تعالى فلا يجب فيه تحمل الشهادة ولا أداؤها، لأن حقوق الله مبناها على المسامحة،ولأن المشروع فيها الستر.
فإذا دَعى لتحمل الشهادة في رؤية رجل يشرب الخمر، أو يكون قد رآه يشرب الخمر فَيدعي عند القاضى لأدائها.
أو يدعى للنظر لرجل يزني بامرأة فيتحمل الشهادة أو يَدعى لأدائها عند الحاكم فإن ذلك لا يجب بل هو مباح بل لا يستحب لأن الستر هو المشروع.
قال صاحب الفروع: يتوجه عدم الستر لمن عرف بالشر والفساد " وصوّبه صاحب الإنصاف وهو كما قال.
فإذا كان الرجل معروفاً بالشر والفساد فأمكن أن تتحمل الشهادة أو أن يَؤدى بما يزجره عما هو عليه وبما يزيل عن المسلمين شره وفساده فإنها تتحمل حينئذ للمصلحة العامة،فالستر عليه مصلحة خاصة، ودرء الفساد عن الامة مصلحة عامة، والمصلحه العامة راجحة على المصلحة الخاصة.
فإذا كان ترك الشهادة يترتب عليه ضرر على الآدميين، فالذي يظهر هو وجوب أداء الشهادة وإن كانت في حقوق الله تعالى
فلو شهد ثلاثة على أن فلاناً قد زناً، وهناك رابع قد رأى لكنه لم يشهد بعْدَ عند الحاكم فإذا أتاه هؤلاء الثلاثة وقد قذفوا ذلك الرجل بالزنا وهم يحتاجون إلى شهادة هذا الرجل ليدفعوا عن أنفسهم معرة الفسق وكذلك ليدفعوا عن أنفسهم الجلد، فالذي يتبين أنه يجب أداء الشهادة لما في ذلك من دفع الضرر عن الآدمي.
قال: [وإن لم يوجد إلا من يكفى تعين عليه] .
فإذا لم يوجد إلا اثنان يشهدان على أمر من الأمور فإن الشهادة تتعين عليهما حيث كان الحق لا يحفظ إلا باثنين.
وهكذا سائر فروض الكفاية، فإنها تتعين حيث لم يوجد إلا من يقوم بالحق.
فإذا كان ليس في البلد إلا مجتهد واحد فإنه يتعين عليه القضاء.
كذلك إذا لم يمكن حمل الشهادة إلا من هذين الشخصين فإن الشهادة تتعين عليهما كسائر فروض الكفاية.
مسألة:
стр. 3246
هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة؟
المشهور في المذهب: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليها لأنها فرض كفاية، فإذا قام بها فقد قام بفرض.
والقول الثاني: أنه يجوز أخذ الأجرة عليها، واختاره شيخ الإسلام وهو مبني على مسألة سابقة في جواز أخذ الأجرة على القرب فاختار شيخ الإسلام هنا وهناك جوازها عند الحاجة.
والأولى في مثل هذه المسائل التى تتعلق بحقوق الناس – الأولى سدّ هذا الباب لما يترتب على أخذ المال من الفساد فقد يشهد بالزور ليأخذ بالمال.
فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يجوز أخذ الأجرة لئلا يفتح هذا الباب على الناس فيشهد الرجل بالزور ليأخذ المال.
قال: [وأداؤها فرض عين على من تحمّلها]
لقوله تعالى: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))
فأداؤها فرض عين على من تحملها.
قال: [متى دَعي إليه وقدر بلا ضرر في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله وكذا في التحمل]
فلا يجب تحمل الشهادة ولا أداؤها إلا أن يقدر على ذلك بلا ضرر لقوله تعالى: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد) ولقوله صلىالله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد.
أما إذا كان يترتب على ذلك ضرر في عرضه او ماله آو أهله فلا يجب.
قال: [ولا يحل كتمانها]
لقوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتهما فإنه آثم قلبه)
مسألة:
هل له أن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها؟
الجواب: نعم له ذلك لقوله ﷺ : (ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) رواه مسلم.
وذلك لأن المشهود له قد يخفى عليه أن فلاناً شاهد له فحينئذ يبادر بالشهادة حيث يظنّ أن المشهود له يخفى عليه أن هذا شاهد له.
كذلك قد لا يخفى عليه بل يعلم أنه شاهد لكنه – أي المشهود له – يحتاح إلى هذه الشهادة، والشهادة أمانة، فكما أن الأمانة يبادر لها عند الحاجة فكذلك الشهادة.
стр. 3247
والطلب الحالي والعرفي كالطلب اللفظي، فهذا المشهود له – وإن لم يأت إلى الشاهد ويسألة أن يشهد له لكن حاله تسأل.
وأما قوله ﷺ :" يشهدون ولا يستشهدون " فهذا حيث كانوا متساهلين في الشهادة يتسارعون إليها من غير تثبيت بل ربما يشهدون وهم يعلمون أنهم كاذبون فهذا في محل الذم.
قال: [ولا أن يشهد إلا بما يعلم]
لقوله تعالى: ""إلا من شهد بالحق وهم يعلمون "
وفي مسترك الحاكم بإسناد ضعيف " أن النبي ﷺ قال لرجل ترى الشمس قال نعم " قال:" على مثلها فاشهد أو دع ".
لكن الحديث إسناده ضعيف
قال: [برؤية أو سماع]
لا بخبر ثقة.
" برؤيته " كأن يرى فلاناً يزني أو يشرب الخمر ونحو ذلك.
"أو سماع" كأن يسمعه وهو يطلق إمرأته أو أن يسمعه وهو يبيع أو ينكح أو نحو ذلك.
قال: [أو استفاضةٍ]
الاستفاضة: أن يشتهر الخبر عند الناس فيتناقلونه.
قال: [فيما يتعذر علمه بدونها]
فالاستفاضة تقبل فيما يتعذر علمه غالبا بدونها، أي بدون الاستفاضة – فلا يمكننا أن نثبت هذا الحق في الغالب إلا بالاستفاضة فلا يمكن إثباته بالسماع أو الرؤية.
قال: [كنسبٍ]
فالواحد منا الآن يعرف أن فلان ابن فلان من العائلة الفلانية وأنه ابن فلان،يعرف ذلك من طريق الاستفاضة.
فهو لم ير الولادة ولم يكن شاهداً عليها لكن يعرف هذا باشتهاره عند الناس.
فإذا قيل له: هل تشهد أن فلان بن فلان؟ فإنه يشهد بناءً على الاستفاضة.
قال: [وموت]
فمثلاً: مرّت الجنازة فقيل لك هذه جنازة فلان بن فلان، وأصبحت عائلته تعّزى واشتهر هذا عند الناس، فإذا دعيت لتشهد على وفاته للإرث ونحوه، فإنك تشهد بناءً على الاستفاضة.
قال: [ومْلكٍ مطلق]
الملك المطلق: هو غير المقيّد بشراء ولا هبة ونحو ذلك – فهل تشهد أن هذا البيت لفلان وأنه ملكه؟ فانك تقول: نعم أشهد لأنى أرى أنه مالك له وهذا مشهور مستفيض عند الناس.
стр. 3248
لكن لا تشهد بالاستفاضه أنه قد اشتراه من فلان أو وهبه له فلان وذلك لأن هذا لا يكتفى فيه بالاستفاضه لأن الشهاده ممكنة بالرؤية أو السماع.
قال: [ونكاح ووقف ونحوها]
كالخلع والولاية والعزّل ونحوها، فإن هذه الأمور لا يمكن في الغالب إثباتها إلا بطريق الاستفاضة.
إذن: أصبح عندنا ثلاث طرق للشهادة:-
(١) الطريق الاول: السماع (٢) والطريق الثاني: الرؤيه وهما الأصل.
(٣) والطريق الثالث: الاستفاضة حيث تعّذر في الغالب السماع والرؤية.
-وهل يشترط أن يكون قد تلقى هذا الأمر المستفيض ممن يثبت العلم بهم أم يكفي أن يخبره أحد من الناس أن هذا أمر مستفيض؟
مثال ذلك: إذا أتاك رجل فقال: أريد أن أشهد أنا وأنت عند القاضي على أن هذا الرجل ابن لفلان، فقلت هل هذا مستفيض عند الناس؟ فقال نعم، فهل تشهد أو لا تشهد حتى يستفيض هذا عندك؟
المشهور في المذهب: أنه لا يشهد حتى يأتيه عن عدد كثير يثبت العلم بهم.
واختار شيخ الإسلام وهو اختيار المجد ابن تيميه " جدّ شيخ الإسلام " أنه يكفي في ذلك الثقة الواحد الذي تسكن اليه النفس.
وقال القاضي بن الحنابلة: يكفي عدلان.
-وأظهرها الأول / وذلك لأن الشهادة إنما تُبنى على الاستفاضة وهنا لم يستفض عنده ذلك.
بل أخبره الثقة به وهذا أشبه بمسألة السماع والرؤية. فإذا أخبره الثقة بأنه قد سمع فالثقه يشهد وأما هو فلا يشهد وقد علم بخبر الثقه، فكذلك هنا، فهناك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في السماع والرؤية، وهنا كذلك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في الاستفاضة.
قال: [ومن شهد بنكاح او غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه]
إذا شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بدّ أن يذكر شروطه وهذه المسألة تبنى على مسألة سابقة.
فالقاعدة عندهم: " أن ما صحت به الدعوى تصح به الشهادة "
ولا تصح الدعوى من غير ذكر شروط النكاح أو شروط البيع أو غيره من العقود في المذهب.
стр. 3249
فكذلك هنا في الشهادة / فإذا قال: " أشهد أن فلاناً قد نكح فلانة: فنقول له هل توفرت الشروط، فان قال نعم فنقول له: ما هي هذه الشروط فيذكرها لنا، لأنه قد يشهد على نكاح فاسد ويظنه صحيحا.
--والصحيح هنا كالصحيح هناك، فالراجح أن ذكر الشروط في الشهادة ليس بشرط وذلك لأن الأصل هو الصحة.
ولذا فإن النبى ﷺ لما قيل له: أن قوماً يأتوننا باللحم ولا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﷺ (سموا أنتم وكلوا) فهنا لم يشترط النبى ﷺ أن يثبت عندهم تحقق الشرط وهو التسميه بناء على الأصل، لأن الاصل أن المسلم إذا ذكى فإنه يذكر اسم الله على ذبيحته فكذلك الأصل في نكاح المسلمين الصحة.
قال: [وإن شهد برضاع]
فإذا شهد برضاع فلا بد وأن يصفه، فتقول المرأة:" أشهد أن فلانة قد أرضعت فلاناً خمس رضعات معلومات من ثديها أو تذكر أن الحليب وضع في إناء فشربه خمس مرات، فلا بد وأن تصفه بما يقضتى التحريم وذلك للإختلاف في الشروط.
-والصحيح ما تقدم وهو أنه لا يشترط ذلك، إلا أن يرتاب القاضي في الشاهد هل يعلم الرضاع المحّرم أم لا؟ فإنه يسأله – أما إذا لم يرتبْ فإنه لا يسأله بناءً على الأصل.
ولذا فإن النبى ﷺ : لما قالت المرأة: " قد أرضعتكما " قال النبى ﷺ للرجل:" كيف وقد قيل " فلم يأمره أن يستوصف منها كيفيه الرضاع وعدده بناء على الأصل.
قال: [أو سرقه أو شرب أو قذف فإنه يصفه]
فإذا شهد بسرقة فلا بد وأن يصف هذه السرقة بما يقتضى الحد. وتقدم الكلام على هذا في حد السرقة.
وكذلك الشرب فلا بدّ عند الشهادة أن يصفه بما يقضتى الحد وكذلك إذا أراد أن يشهد أن أنساناً قذف.
فان قيل: لم اشترطنا الوصف في هذه المسائل، ولم نشترطه في عقد النكاح وسائر العقود وفي الرضاع؟
فالجواب:
стр. 3250
أن هذه حدود والحدود تدرأ بالشبهات فلا بدّ من الوصف وأما المسألة السابقة فإننا نبني على الأصل.
قال: [ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان والمزنيّ بها]
فإذا شهد أن فلانا قد زنا بفلانة، فنقول له: في أي ساعة؟
قال: في أول النهار / في أي مكان؟ قال في المكان الفلاني؟ فنقول: أذكر لنا المرأة
فيقول هي فلانة أو يصفها وصفاً بيّنا فلا بدّ من هذه الأمور.
فإن قال: بعض الشهود في أول النهار، وقال الأخر في آخره وقال بعضهم في الغرفة الفلانية في الدور الأسفل وقال الآخر في الدور الأعلى فحينئذ ترد شهادتهم لأن هذا الإضطراب يدل على كذبهم.
إذن: لا بد أن نسألهم بما يقتضي صدق شهادتهم وبما يقتضي إقامة الحّد.
لكن هل يشترط ذكر المزني بها؟
ذكر المؤلف هنا أن ذلك شرط وهو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس بشرط
-وهو الصحيح لأن الحد معلق بثبوت الفاحشة، فإذا ثبت لنا أنه قد زنا فإن الحكم يترتب على ذلك؟
إلا إذا كان هناك شبهة، كأن يشتبه في أنها امرأته، أو من لا يقام عليه الحد بها كأن تكون أمة لابنه ويجوز ذلك، فإذا اشتبه في ذلك فلا بدّ من الإستفصال لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
قال: [ويذكر ما يعتبر للحكم ويختلف به في الكل]
ففي كل القضايا لا بدّ للشاهد أن يذكر ما يعتبر به الحكم وما يختلف به الحكم.
وذلك لأن الحكم مرتب على الشهادة.
والحمدالله رب العالمين
стр. 3251
فصل
قال ﵀: [شروط من تقبل شهادته ستة]
هذا الفصل في شروط من تقبل شهادته.
قال: [الأول: (البلوغ) فلا تقبل شهادة الصبيان]
فالبلوغ شرط في قبول الشهادة. فالصبى المميز لا تقبل شهادته
لقوله تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)
الصبي لا يأثم لأن قلم التكليف مرفوع عنه.
-فالصبي المميز لا تقبل شهادته وهذا في الأداء وأما في التحمل فتحمله صحيح.
-وظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب – أن هذا على إطلاقه حتى في شهادة بعضهم على بعض في الجراح إذا شهدوا قبل التفرق.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب مالك واختيار ابن القيم: أن شهادة بعضهم على بعض تقبل في الجراح إذا شهدوا بذلك قبل التفرق.
وهو قول ابن الزبير – صح عنه ذلك، كما قال ذلك ابن حزم ويدل عليه: احتياط الشرع على حفظ الدماء.
ولأن هذه الجراح التى تكون بينهم – لا يطلع عليها في الغالب إلا الصبيان، فأشبهت المسائل التى تُقبل الشهادة على خلاف الأصل لكون الشاهد لا يطلع عليها إلا هُو في الغالب كشهادة المرأة في الرضاع ونحوه، فإنها لا يطلع عليها إلا النساء في الغالب وكذلك الشهادة بالاستفاضة.
إذن شهادة بعضهم على بعض في الجراح مقبولة بشرط أن يشهدوا قبل التفرق.
أما إذا شهدوا بعد التفرق فإن شهادتهم لا تقبل وذلك لاحتمال التلقين، فيحتمل أن يلقنوا من أوليائهم.
(٣) وقيل: تقبل شهادتهم مطلقاً.
-والذي يترجح قبول شهادتهم مطلقاً في المسائل التى لا يطلع عليها في الغالب إلا الصبيان سواء كانت في الجراح أو في غيرها.
قال: [الثاني: العقل]
وهذا شرط بالإنفاق، فالمجنون والمعتوه لا تقبل شهادتهما وكذلك الصبي غير المميز وهو الطفل.
قال: [فلا تقبل شهادة مجنون]
المجنون: هو من لا عقل له مطلقاً.
قال: [ولا معتوه]
وهو من له عقل لكنه لا يميز به التمييز التام.
قال: (وتقبل ممن يخنق أحياناً في حال إفاقته)
стр. 3252
فتقبل الشهادة ممن يحنق أحياناً أي يجن إذا شهد في حال إفاقته وذلك لأنه شهد في حال العقل فهي شهادة من عاقل.
قال: [الثالث: الكلام]
هذا هو الشرط الثالث.
قال: [فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته إلا إذا أداها بخطه]
فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته –هذا هو المشهور في مذهب أحمد.
والقول الثاني: في المسألة: وهو مذهب الشافعية: إنها تقبل حيث أفادة العلم.
-وهذا هو الصحيح لأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه: فإذا علمنا ما يريد وفهمناه فإن ذلك كالنطق.
وأما قولهم إنها لا تفيد اليقين.
فالجواب: أن هذا خلاف الظاهر بل تفيد اليقين حيث فهمت، فإنها إذا فهمت تفيد اليقين كا يفيده اللفظ.
(إلا إذا أداها بخطه) فإذا كتب الأخرس شهادته بخط يده، فإنها تقبل وذلك لأن دلالة اللفظ كدلالة الخط. وقد قال النبى ﷺ :" ما حق امرىء مسلم عنده شىء يوصى به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه " فالخط مقبول في الشرع
وهنا إذا كتب الأخرس شهادته بيده فإنها تقبل حتى في المشهور من المذهب.
إذن: المشهور في المذهب أن شهادة الأخرس لا تقبل إلا أن يؤديها بخطه.
والصحيح أنها تقبل مطلقاً حتى لو أشار وعلمت إشارته.
أما إذا لم تعلم إشارته فإن شهادته لا تقبل قولاً واحداً فإذا لم يدرى ما يريد فإن شهادته لا تقبل.
قال: [الرابع: الإسلام]
لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فيشترط في الشهود أن يكونوا مسلمين.
وهنا مسالتان:
المسألة الأولى:-
أن المشهور في المذهب – وهو من مفردات المذهب – أن شهادة اثنين من أهل الكتاب على الوصية في السفر عند الضرورة جائزة.
لقوله تعالى: (يا آيها الذين أمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم صربتم في الأرض)
فهذه الآية نص في جواز ذلك.
стр. 3253
فإذا أراد أن يوصي ولم يجد شاهدين مسلمين فإنه يشهد اثنين من أهل الكتاب إذا كان في سفر.
-وعن الإمام أحمد: أنه لا يشترط أن يكونا من أهل الكتاب فلو كانا من غير أهل الكتاب كأن يكونا مجوسيين أو وثنيين فكذلك وهو اختيار شيخ الإسلام وهو ظاهر الآية فإن الله قال: (أو آخران من غيركم) وهو عام من أهل الكتاب وغيرهم.
-فالصحيح أن الشهادة تقبل عند الضرورة سواء كانت من أهل الكتاب أم من غيرهم.
-واختار شيخ الاسلام – أيضاً -: أن هذه الشهادة تصح ولو في غير سفر للضرورة، لانها موضع ضرورة فإذا جازت في السفر جازت في الحضر وهذا هو الراجح.
المسألة الثانية:
أن مذهب الجمهور – منهم الحنابلة – أن شهادة الكفار بعضهم على بعض لا تقبل.
فإذا شهد يهودي على يهودي أو شهد يهودي ليهودي أو شهد نصراني على نصراني أو لنصراني، أو شهد يهودي على نصراني أو شهد نصراني على يهودي وهكذا، فان الشهادة لا تقبل.
(ب) وذهب الأحناف إلى أنها تقبل، هو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
-هذا هو أصح القولين، وذلك لأن الآيات الواردة في اشتراط العدالة إنما هي في المؤمنين خاصه قال تعالى ((يا آيها النبى إذا طلقتم النساء – الى أن قال سبحانه -أشهدوا ذوي عدل منكم)) وقال سبحانه (يا آيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين /إلى ان قال - سبحانه – ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)) .
فالآيات في اشتراط العدالة إنما خوطب بها المؤمنون.
ولأن المقصود من العدالة انتفاء التهمة وعليه الظن بالصدق فلم تشترط العدالة إلا لهذا.
ولأن الحقوق إنما تحفظ بذلك، فإن الغالب في حقوقهم أنهم يثبتونها بشهود منهم فاذا لم نقبل شهادة بعضهم على بعض فإن ذلك يترتب عليه ضياع الحقوق.
فالراجح قبول شهادة بعضهم على بعض.
-وهل يشترط اتحاد الملة أم لا؟
стр. 3254
قولان لأهل العلم، هما قولان في المذهب:-
القول الأول: أنه لا يشترط اتحاد الملة فعلى ذلك تقبل شهادة اليهودي على النصراني والعكس، وهو مذهب أبي حنيفة.
والقول الثاني: أنها تشترط، وهو قول إسحاق وأبي عبيد.
-والصحيح هو الثاني – للتهمة في اختلاف الدين.
ولأنه إنما يحتاج إلى شهادة بعضهم في بعض – في الغالب – عند اتفاق دينهم فالغالب أنهم إنما يحفظون حقوقهم بشهداء من ملتهم.
فأرجح القولين أنه يعتبر اتحاد الملّة.
قال: [الخامس: الحفظ]
فلا تقبل شهادة من عرف بكثرة السهو والخطأ،لأنه لا يوثق بقوله.
قال: [السادس: العدالة]
قال الشيخ محمد بن ابراهيم – ﵀: " العدالة بحسب الإمكان وهكذا سائر شروط الشهداء " إنما تعتبر بحسب الإمكان.
وهذا ما يدل عليه كلام شيخ الاسلام، وأن العداله تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. فالعدل فينا ليس كالعدل في القرون المفضلة.
"فشارب التنباك " أي الدخان " لا تقبل شهادته كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم لكن اذا كان في بلد الدخانُ فيها فاشٍ فإن شهادته تقبل وذلك لأنهم ممن ترضى شهادتهم،لأن الدخان فيهم فاش وعلى ذلك فإنه يقع حتى ممن هو معروف بالصدق والأمانة.
قال ابن القيم: وتقبل شهادة الفاسق الأمثل فالأمثل عند الضرورة.
قال: وعليه العمل وإنما ينكره أكثر الفقهاء بألسنتهم.
فالعمل على هذا لأن الناس لا يسعهم إلا هذا.
قال: [ويعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة]
الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة فمن لم يؤد السنن الراتبة فليس بعدل ولا تقبل شهادته في أحد القولين في المذهب.
-والصحيح من المذهب أنها تقبل.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو أن من ترك السنن الراتبة فإنه لا يسلم – كما قالوا- من ترك فرض.
стр. 3255
لكن هذا ضعيف بدليل قول النبى ﷺ – في الرجل الذي قال: لا أزيد على هذا – أي على الفرائض - ولا أنقص منه فقال ﷺ : " أفلح والله إن صدق "
فالصحيح من المذهب أن أداء السنن الراتبة لا يشترط في العدل.
قال: [واجتناب المحارم]
ويبين ذلك بقوله:
(بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة)
لأن إصراره على الصغيرة يدل على استهانته بما حرم الله .
وهذا يجعله مظنة الكذب ولا يوثق بقوله.
والكبيرة – كما عرفها شيخ الاسلام – ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الاخرة أو ترتب عليه لعْن أو غضب أو نفْي إيمان.
قال: [فلا تقبل شهادة الفاسق]
فشهادة الفاسق لا تقبل لأنه ليس بعدل.
سواء كان فاسقاً في عمله أو فاسقاً في اعتقاده.
فالفاسق في عمله: كمن يزني أو يشرب الخمر فلا تقبل شهادته.
والفاسق في اعتقاده: هو من لم يكفر من أهل البدع، فإنه فاسق باعتقاده فلا تقبل شهاده أهل الأهواء (١) في المشهور في المذهب.
(٢) وذهب الشافعي وهو مذهب أبي حنيفة واختيار ابن القيم: إلى قبول شهادة المتحفظين من أهل الهواء.
وهذا ظاهر، لأنهم قد اعتقدوا ما اعتقدوه من البدع على اعتقاد أن هذا هو دين الله ، فهو كمن فعل أمراً محرماً يعتقد إباحته فإن هذا لا ينقض عدالته،فشارب النبيذ ممن يعتقد إباحته لا يفسق ولا تنتقض بذلك عدالته، فلذلك من له اعتقاد يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة فإن شهادته لا ترد لأنه متحفظ في دينه، يعتقد أن هذا هو دين الله ويتعبد لله بهذه البدعة. فتقبل شهادتة.
نعم: قد ترد شهادته زجراً له حيث لم نضطر إلى قبولها وأما إذا كنا نحتاج إلى شهادته فالصحيح قبولها، فإذا كانت الحقوق تثبت بشيء فالصحيح هو قبولها وذلك لأنه ما دام أنه يعتقد أن هذا هو الحق وأن هذا هو دين الله – فالتهمة بعيدة عنه والغالب صدقه فهو معروف بالصدق والأمانة
стр. 3256
قال: [الثاني: استعمال المرؤة وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه]
"فعل ما يجمله ويزينه " من محاسن العادات كالسخاء والشجاعة ونحو ذلك.
"واجتناب ما يدنسه ويشينه به ذكروا لذلك أمثله منها أن يطعم في الشارع فإذا أخرج إناء الطعام من بيته فأكل فإن ذلك يدنسه ويشينه وهذا في البلاد التى تعيب ذلك، وأما البلاد التى لا تعيب ذلك فإن ذلك لا يدنسه ولا يشينه.
قالوا: ومن ذلك مضغ العلك. ومن ذلك الطفيلي الذي يأتى إلى الدعوة من غير أن يُدعى لها، ومن ذلك الذي يسخر من الناس ويحكي أفعالهم وهكذا، فهذه أفعال تشين وتنقص مروءته فلا تقبل شهادته لأنه مظنة الكذب.
فاستعمال المروءة: هو فعل ما يجملّه ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه " وهذا ليس مرجعه – في الغالب – إلى الشرع وإنما مرجعه الى العادة.
فكون الرجل يخرج وهو حاسر الرأس فليس معيباً في كثير من البلاد الاسلامية الآن لكن في هذه البلاد فقد كان معيباً، وأما الآن فليس معيباً بتلك الدرجة ... بينما كانوا في زمن قديم يستعيبون أن يخرج الرجل بلا مشُلح.
قال: [ومتى زالت الموانع: فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم] .
لأن هؤلاء إنما اشترط فيهم ما اشترط في الأداء لا في التحمل فإذا كان رجل فاسق وعنده شهادة فإننا لا نقلبها منه فإذا تاب الى الله فإن شهادته تقبل وإن كان قد تحملها في فسقه.
ولو أن غير البالغ تحمل شهادة فإننا لا نقلبها منه، فإذا أداها بعد بلوغه فإننا نقبلها منه.
ولوا أن رجلاّ يحمل الشهادة وهو كافر فلا تقبل منه لكن إذا أسلم فإنها تقبل منه تلك الشهادة.
وأما العقل فشرط في الأداء والتحمل وكذلك الحفظ فإنه شرط في الأداء والتحمل.
وأما الكلام فإنه شرط في الأداء لا في التحمل فإن الأخرس يتحمل الشهادة لكن هل يؤديها؟
فيه الخلاف المتقدم والصحيح أن شهادته تقبل أيضاً.
стр. 3257
إذن: إذا زالت الموانع فبلغ الصبي وأسلم الكافر وتاب الفاسق وعقل المجنون قبلت شهادتهم وذلك لزوال المانع الموجب لرد الشهادة.
والحمد لله رب العالمين
стр. 3258
فإذا شهد لأبيه أو لأمه لم تقبل شهادته وإن كان عدلاً وإذا شهد لجد أو لجدته فكذلك.
وإذا شهد لابنه او ابنته فكذلك واذا شهد لابنة ابنته او لأبن ابنه،فكذلك وهكذا.
فمتى شهد الاصل لفرع وإن نزل هذا الفرع لم تقبل شهادته، ومتى شهد الفرع لأصل وإن علا هذا الأصل فان شهادته لا تقبل.
قالوا: للتهمه لقوة القرابة وهذا هو أحد أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
فالقول الأول: وهو مذهب الجمهور: أن شهادة الأصول للفروع وشهادة الفروع للأصول لا تقبل.
القول الثاني: وهو مذهب أهل الظاهر وهو قول شريح لقاضي، والمزني وابن المنذر وأبي بكر بن حزم أنها تقبل.
قالوا ولعمومات الأدلة (وأشهدوا ذوى عدل منكم)
(واستشهدوا شهيدين من رجالكم) والوالد عدل والولد عدل من رجالنا.
وهذا القول قد ورد عن عمر ففي مصنف عبد الرزاق أن عمر رضى الله عنه قال: " تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، والأخ لأخيه "
(٣) والقول الثالث: أن شهادة هؤلاء تقبل مع انتفاء التهمة وترد للتهمة: إذن جعلوا المناط للرد هو التهمة بأن كان هناك تهما فإنها لا تقبل، وإن لم يكن فانها تقبل وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم وهو أظهر هذه الأقوال وهو ظاهر اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وذلك لأن العدل مقبول الشهادة كما دلت عليه الأدله الشرعية فهو عدل والعدل مقبول الشهادة.
وقد ورد أثر عن عمر يدل على الرد بالتهمة، وهو ما ثبت في سنن البيهقى بإسناد صحيح: أن عمر قال: (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً بجلد او مجّرباً بشهادة زور أو ظنيناً) أى مُتهماً (في قرابة أو ولاء)
فقد قال:" أو ظنيناً" أي متهماً – فلما كان متهماً ردت هذه الشهادة.
وأثر عمر يدل على الرد بالتهمة ولا يدل على الرد بالقرابة لأنه لم يقل " ولا قريباً" وإنما قال "ولا ظنيناً" في قرابة أو ولاء"
стр. 3259
وهم -أي الجمهور – لا يقولون بهذا الأثر على عمومه، فإن هذا الأثر يدل على أن كل قريب ترد شهادته على قريبه.
-حيث استدل به على طريقتهم – وليس فيه تخصيص الولد والوالد بل هو عام في الولد والوالد وسائر الأقارب.
فأظهر هذه الأقوال: عدم قبول الشهادة عند التهمة والقبول عند انتفائها.
وعلى ذلك فينظر الحاكم في كل قضيه بعينها، فإذا ظهرت له التهمة، فإنه لا يقبل، وإن لم تظهر له التهمة فإنه يقبل.
فإذا كان الشاهد ممن هو مبّرز في العدالة يبعد في العادة أن يشهد لولده شهادة زور أو أن يشهد لوالده شهادة زور، فالتهمة منفية عنه فتقبل شهادتة.
إما إذا كان ليس مبّرزاً في العدالة، فله عدالة ظاهر – لكن العدالة الباطنة غير معلومة منه / فيقوى حينئذ الرد في التهمة.
-وقد اتفق أهل العلم على قبول شهادة الأخ لأخيه، وشهادة الأخ لعمه وشهادة الرجل لابن عمه وسائر الأقارب فهم إنما خصّوا المنع بمن بينهم قرابة إيلاد وأما من بينهم قرابة أخرى فإنها لا تقضي المنع عند جمهور العلماء.
-وتقدم الكلام على أثر عمر وأنه لو استدل به على المنع لاقتضى المنع من قبول شهادة كل قريب، لكن المنع إنما هو للتهمة فحيث وجدت التهمة منعت الشهادة ولم تقبل.
وهكذا أيضاً شهادة الصديق لصديقه فهى مقبولة.
واستثنى الإمام مالك: شهادة الصديق لصديقه حيث كانت الصداقة مؤكدة " أي بالغة " وهو اختيار ابن عقيل.
وهذا الضابط الذي ذكروه – في الحقيقة – قد يكون أقوى في التهمة مما يكون بين الوالد وولده، فان الرجل قد يحابي صديقه أكثر مما يحابي ولده، بل قد يحابي صديقه أكثر مما يحابي ولده والده وهذا ظاهر حيث كانت الصداقة مؤكدة.
وعليه: فالصداقة المؤكدة تدخل في المسألة السابقة فإذا كانت التهمة موجودة لم تقبل هذه الشهادة.
وأما إذا لم تكن التهمة موجوده كأن يكون الشاهد مبرّزاً في العادلة فان شهادتة تقبل.
стр. 3260
-وعن الإمام مالك: أن شهادة الأخ لأخيه لا تقبل حيث كان منقطعاً على صلته – أي لا واصل له إلا أخوه – فهو يسكن عنده ويطعمه ويبرّه.
وهذه أيضاً تدخل في المسألة السابقة.
-الصحيح في هذه المسألة ما هو صحيح في المسألة السابقة من القبول عند عدم التهمة والرد عند وجودها.
وقد قال صلىالله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسند أبي داود:" لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر " أي حقد " على أخيه ولا القانع لأهل البيت "
-والقانع وهو المنقطع لأهل البيت يبرونه ويصلونه، وعليه فكذلك حتى لو كان أجنبياً لكن " أهل البيت يقومون بصلته فهو منقطع إليهم فحينئذ الحكم كذلك كأن يكون له معتق يصلونه ويبرونه فهو منقطع إليهم لا واصل له سواهم فالمحاباة – احتمالها قوي جداً فعلى ذلك لا بد أن ينظر في شهادته.
قال: [ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه]
فإذا شهد الرجل لامرأته ـ أو شهدت المرأة لزوجها فترد الشهادة، قالوا لقوة الوصلة بينهما.
وحيث عللنا بالتعليل المتقدم وهو احتمال التهمة،فالتهمة إنما: ظاهرة بين الزوجين.
ولكن – كما تقدم – إنما ترد مع التهمة وأما إذا كانت التهمة منتفية أو ضعيفة فإننا نقبل الشهادة بناءً على الأصل، فالأصل هو قبول شهادة العدل وقبول شهادة ذات العدالة.
فالمشهور في المذهب وهو قول الجمهور أن شهاده أحد الزوجين لصاحبه لا تقبل قالوا: لقوة الوصلة.
-وعن الأمام أحمد وهو مذهب الشافعية إنها تقبل مطلقاً لعموم الأدلة.
-والصحيح التفصيل في ذلك كما تقدم في المسألة السابقة.
-وشهادة أحد الزوجين لصاحبه تردّ – كما هو المشهور في المذهب – ولو كان ذلك بعد الطلاق.
وكذلك إذا كان إثناء الطلاق فإنها ترد فان كانت رجعية فظاهر لأنها زوجة وإن كانت بائناً فإنها كانت زوجة وبينهما قوة واصلة فكذلك، ولو كان الطلاق قبل الدخول.
والصحيح في هذه المسألة ما تقدم، وأناّ ننظر إلى التهمة.