Полный текст (46 стр.). Показаны 36–46 · переход к 41.
стр. 36
والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء الله أنواع متعددة منهم من تقدم ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب. فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين. وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه إياه أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه، ومن هؤلاء من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه فيستنصر به أحدهم فيقول: يا فلان، وقد قال الله تعالى للموحدين: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ . ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه ويصدق ولا يكذب، فيكون شيخه عنده وفي صدره أعظم من الله، فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله: من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ﷺ ومتابعته في كل ما جاء به. وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول ﷺ تصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، وإما أن تكون كذبا عليه، وإما أن تكون غلطا منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم. وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم
стр. 37
والاستغاثة به في البيت الذي بني لله ، ففضلوا البيت الذي لدعاء المخلوق، وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم منه، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ كما يجعلون لله زرعا وماشية ولآلهتهم زرعا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله تعالى فوضعوه فيه وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا هؤلاء الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد والجهاد في سبيل الله. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده وخضع ويدعو ويتضرع ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل له في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟!! ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات يحصل له من الحضور والخضوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله تعالى، فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين، بل إذا سمعوا آيات الله اشتغلوا وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرؤها ما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ، وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية، وألسن لاغية، كأنهم صم وعمي، وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكتت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم ماء. ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قال نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، ومنهم من يقول كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب، وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من الشيوخ الضلال فقلت: كذب، كان في حضرة الشيطان فصار في باب الله، فإن البدع والضلال فيها من حضور الشيطان ما قد فصل في غير هذا الموضع.
стр. 38
عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال: أخذ لفظ الاستغاثة - تنقسم لاستغاثة بالحي وبالميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه - فجعل حكم ذلك كله واحدا، ولم يكفه حتى جعل سؤال الشخص من مسمى الاستغاثة أيضا، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، واحتج على هذه الدعوة العامة الكلية - التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال - بقضية خاصة جزئية كسؤال الناس للنبي ﷺ في الدنيا والآخرة أن يدعو الله لهم وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته، ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه ولكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع تلك الدعاوي العامة وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بدليل جزئي، لا سيما عند الاختلاف والتباين، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع أنواع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله بكون جاريتين غنتا عند عائشة ﵂ في بيت النبي ﷺ في يوم عيد مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليهما، أو يحتج على استماع كل قول بقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ولا يدري أن القول هنا هو القرآن كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ الآية وإلا فمسلم لا يسوغ استماع كل قول، ونهى الله عن الجلوس مع الخائضين في آياته، وخوضهم نوع من القول، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ الآية، وهذا الضال يجوز عنده أن يستغاث بالرسول في كل ما يستغاث بالله على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وهذا عنده ثابت للصالحين، وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته ثبوته في حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه، فدخل عليه الخطأ من وجوه: (منها) أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغاثا به، وهذا لا يعرف
стр. 39
في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به. (الثاني) ظنه أن توسل الصحابة به في حياته كان توسلا بذاته لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط، لكنه يوافقه طائفة من الناس، بخلاف الأول فإني ما علمت أحدا وافقه عليه. (الثالث) أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته ﷺ ، وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب المستغيثين بالنبي ﵇ في اليقظة والمنام، وهذا الرجل قد نقل منه فيما يغلب على ظني، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم - ولهم فضل وعلم وزهد - إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام. لكن هؤلاء كلهم لا يعد نفي هذا والنهي عنه كفرا، إلا مثل هذا الأحمق الضال، الذي حاق به وبيل النكال، فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه كالخوارج والروافض والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد من علماء المسلمين لا الأولين ولا الآخرين، وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه منهم واحد فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت، لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر
стр. 40
الاستغاثة به، ولا جعل هذا من السب، بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة به، بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا المعنى لا تجوز، مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما واستغاثوا بمن له غرض من ذوي السلطان، وجمعوا الناس وعقدوا مجلسا عظيما ضل فيه سعيهم، وظهر فيه جهلهم، وخاب فيه قصدهم، وظهر فيه الحق لمن يعاونهم من الأعيان، وتمنوا أن ما فعلوه ما كان، لأنه كان سببا في ظهور الحق مع الذي عادوه وقاموا عليه، وسببا لانقلاب الحق إليه، وكانوا كالباحث على حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، مع فرط تعصبهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم، ومكايد شيطانهم. وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقه أهل البدع الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم كالخوارج المارقين، وكذلك الروافض الذين كفروا أبا بكر وعمر وعثمان ومن والاهم وأئمة السنة والجماعة. وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موفقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون فيمن خرج عنها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ الآية، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله. كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنى حرام لحق الله، كذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر، ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة الخمر - كقدامة ابن مظعون وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة - اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا
стр. 41
على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفرهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإذا أصروا على الجحود كفروا، وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين" فأمر الله البر فرد ما أخذ منه، وأمر البحر فرد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب. فغفر له". فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلا لم يتبين له الحق بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له. ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أنه ليسهو استغاثة بل توجها به، والثاني أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء وقال في آخره: "اللهم فشفعه في" فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته. وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعوله، فيدل الحديث على أن النبي ﷺ شفع له ودعا له، وأن النبي ﷺ أمره أن يدعو الله تعالى وأن يسأله قبول شفاعته. وقوله: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، كما يستحضر الإنسان من يحبه ويبغضه في قلبه ويخاطبه، وهذا كثير. وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور فجوابها من وجهين: (أحدهما) أن هذا لا أصل له ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك، و (الثاني) أنه لم يدل على التوسل بذاته ولا على الاستغاثة. وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، ومازال الناس يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة. وقد قلنا
стр. 42
إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيهما أحد. فما ذكره لا يدل على مورد النزاع، ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام فجعل يشبه به، وهذا إنما يليق بمن قال: لايستغيث به أحد حيا ولا ميتا في شيء من الأشياء، ومعلوم أن العاقل لا يقول هذا في آحاد العامة فضلا عن الصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين فضلا عن سيد الأولين والآخرين، فإنه ما من أحد إلا يمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء فكيف بأفضل الخلق وأكرمهم على الله، ولكن النفي عاد إلى الشيئين: على الاستغاثة به بعد الموت، وأن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وأما قول هؤلاء الجهال فهو يستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الشرك بالله الذي هو الكفر الذي لا يغفره الله تعالى، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية، وقد قال غير واحد من السلف: هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير وقصص الأنبياء كما ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية، فيقول أهل الضلال: هذا يقوله هو نفسه، وأما نحن فبيس لنا أن نقول هو بشر، بل نقول كما قال فلان وفلان. ومن زعم أن محمدا بشر كله فقد كفر. وهذا يقوله قوم منهم، وهو تشبه بقول النصارى في المسيح، يقولون: هو ليس بشرا كله، بل المسيح عندهم اسم يتناول اللاهوت والناسوت، والإلهية والبشرية له جميعا، وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة يقولون باتحاد اللاهوت والناسوت في الأنبياء والصالحين كما تقول النصارى في المسيح. ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن تدعو أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين بلفظ الاستغاثة ولا غيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن لغلبة الجهل
стр. 43
وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف دين الإسلام إلا تفطن لها وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينه لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدَّعون الإسلام ويدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويفزعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدو الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطر راجين قضاء حاجاتهم بدعائه والدعاء به عند قبره، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه فإنهم يفعلون في كثير من الأوقات على وجه التكلف والعادة، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، قال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أوقال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلم كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل. فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا لم يتقدم نظيره، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا، لما صح من توحيد الله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد كما قال تعالى في يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية. وروي أن النبي ﷺ يوم بدر كان يقول: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" وفي لفظ: "أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك"، وهؤلاء يدعون الميت والغائب فيقول أحدهم:
стр. 44
بك أستغيث بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي ونحو ذلك، زمن لم يقله من عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، وجدب الزمان وغير ذلك. فيشكو إليه ما حصل من ضرر في الدين أو الدنيا، ومقصوده بالشكوى أن يشكيه فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك: أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب. فيجعل الميت أو الحي الغائب عالما بذنوب العباد وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر حي أو ميت. ثم منهم من يطلق سؤاله والشكوى ظنا منه أنه يقضي حاجته كما يخاطب بذلك ربه بناء على أنه يمكنه ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب وإن كان السائل لا يعلم وجه ذلك، وعقلاؤهم يقولون مقصودنا أن يسأل الله لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم فإنه يسأل ويشفع كما يسأل ويشفع لما سأله الصحابة ﵃ في الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة ولا يعلمون أن سؤال الميت أو الغائب لا يشرع البتة، ولم يفعلهما أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وإن الرسول ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يطلب منه من بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته. والله أعلم. اهـ ملخصا. فتأمل رحمك الله تعالى كلامه ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة لعلك أن تعرف أن دين الإسلام الذي بعث الله به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية. ثم تأمل ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من أنواع الشرك الأكبر الذي قد وقع في زمانه لمن يدعي العلم والمعرفة وينتصب للفتيا والقضاء، لكن لما نبههم الشيخ على ذلك وبين لهم أن هذا هو الشرك الذي حرمه الله ورسوله تنبهوا وعرفوا أن ما هم عليه شرك وضلال، وانقادوا للحق - وإن بعضهم لما
стр. 45
بين له ذلك قال: هذا أحسن ما بينته لنا - يتبين لك غربة الإسلام. وهذا مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" الحديث. وتأمل أيضا ما وقع من هذا الرجل وتجويزه الاستغاثة بغير الله، وأنه يجوزالاستغاثة بغير الله وأنه يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله به واحتجاجه على ذلك بمتشابه القرآن والسنة ويكفر من قال لا يستغاث إلا بالله وبالأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، من كشف الشدائد، وإنزال الفوائد. ثم تأمل رد الشيخ رحمه الله تعالى بالآيات المحكمات، والبراهين القاطعات، من الأحاديث الصريحات يتبين لك الأمر إن هداك الله، وتنزاح عنك الشبهة التي أدخلت كثيرا من الناس النار، وهي الاغترار بما عليه الآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد. ومن أعجب ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى عن هؤلاء المشركين في زمانه أن أحدهم يسجد للقبر ويستدبر القبلة ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة. قال رحمة الله عليه: هذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع. قلت: كالذي يشاهد اليوم في زماننا يفعل في مشهد علي وغيره من المشاهد والمساجد المبنية على القبور يجدون من الرقة والخشوع والبكاء أعظم مما يجدون في بيوت الله، بل إذا قام أحدهم في الصلاة بين يدي الله تعالى نقرها نقر الغراب، ومنهم من يحلف بالله اليمين الغموس كاذبا، فإذا قيل له احلف بتربة فلان أو بفلان أبى أن يحلف كاذبا، فيكون فلان أو تربته والشيخ فلان أعظم في صدره من الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون ما أعظمها من مصيبة، تالله إنها فتنة عمت فأعمت، وربت على القلوب والأسماع فأصمت. وتأمل أيضا رحمك الله تعالى قول الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري والشيخ محمد بن النعمان، وإن هؤلاء وأشباههم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال من الحرام، فإن الشيخ يحيى الصرصري الحنبلي في شعره قطعة من دعوة الرسل
стр. 46
والاستغاثة بهم، كذلك غيره من المصنفين في الزيارة، فإياك أن تغتر بذلك أو تقلدهم في ذلك، فإنه ليس لهم في ذلك مستند صحيح لا من كتاب ولا سنة ولا نقل عن عالم مرضي، بل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى عادة جروا عليها فلا يقتدى بهم في ذلك، وإنما يقتدى في الدين بكلام رب العالمين ورسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين. فهل تجد أحد الصحابة أو التابعين لهم بإحسان أتى رسول الله ﷺ بعد موته واستغاث به أو استشفع به إلى ربه وقال: يا رسول الله اشفع لي إلى ربك واقض ديني أو فرج كربتي أو انصرني أو اغفر لي ذنبي، بل جردوا التوحيد لله تعالى وحموا جانبه، ولهذا كان عبد الله بن عمر ﵄ وغيره من الصحابة إذا سلم على النبي ﷺ يقف فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبت. وإذا أراد أحدهم الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر واستقبل القبلة إذا أراد أن يدعو حتى لا يدعو عند القبر. وذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل القبر عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه - بأبي هو وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا الله. وذكر أصحاب مالك أنه يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره ﷺ ، فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف. وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يصلي ويسلم. فهذا هو هدي السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان والأئمة الأربعة، وما أحسن ما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك وغيره، ولهذا كرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوا بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. والله أعلم.