← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8536

اللمع في أصول الفقه للشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (184 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

باب بيان ما يصح دعوى العموم فيه وما لا يصح وجملته أن العموم يصح دعواه في نطق ظاهر يستغرق الجنس بلفظه كالألفاظ التي ذكرناها في الباب الأول وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى

стр. 37

العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وإن لم تعرف صار مجملا مما عرف صفته مثل ما روي أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في السفر فهذا مقصور على ما روي فيه وهو السفر لا يحمل على العموم فيما لم يرد فيه وما لم يعرف مثلما روى أنه جمع بين الصلاتين في السفر فلا يعلم أنه كان في سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا في سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك بعينه وجب التوقف فيه حتى يعرف ولا يدعى فيه العموم. فصل وكذلك القضايا في الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل أن يروي أن النبي ﷺ قضى بالشفعة للجار وقضى في الإفطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى العموم فيها بل يجب التوقف فيه لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار لصفة يختص بها وقضى بكفارة بإفطار في جماع أو غيره مما يختص به المحكوم له وعليه فلا يجوز أن يحكم على غيره إلا أن يكون في الخبر لفظ يدل على العموم. ومن الناس من قال: إن كان قد روى أنه قضى بكفارة بالإفطار وبالشفعة للجار لم يدع فيه العموم وإن كان قد روى أنه قضى بأن الكفارة في الإفطار وبأن الشفعة للجار تعلق بعمومه لأن ذلك حكاية قول فكأنه قال: الكفارة في الإفطار والشفعة للجار وقال بعضهم: إن روى أنه كان يقضي تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال: فلان كان يقري الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ ١ وأراد التكرار والصحيح أنه لا فرق بين أن يكون بلفظ إن أو غيره لأنه قد يروى لفظة إن في القضاء بمعنى الحكم في القصة المقضي فيها ولا يقتضي الحكم في غيرها ولا فرق أيضا بين أن يقول كان وبين غيره لأنه وإن اقتضى الكرار إلا أنه يجوز أن يكون التكرار على صفة مخصوصة لا يشاركها فيه سائر الصفات.

стр. 38

فصل وكذلك المجمل من القول المفتقر إلى إضماره لا يدعى في إضماره العموم وذلك مثل قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ فإنه يفتقر إلى إضماره فبعضهم يضمر وقت إحرام الحج أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات فالحمل عليهما لا يجوز بل يحمل على ما يدل الدليل على أنه يراد به لأن العموم من صفات النطق فلا يجوز دعواه في المعاني وعلى هذا من جعل قوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا نكاح إلا بولي، ولا أحل المسجد لجنب ولا لحائض، ورفع القلم عن ثلاثة". وما أشبهه مجملا منع من دعوى العموم فيه لأنه يجعل المراد معنى غير مذكور ويجوز أن يريد شيئا دون شيء فلا يجوز دعوى العموم فيه ومن الفقهاء من يحمل في مثل هذا على العموم في كل ما يحتمله لأنه أعم فائدة ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه لأن ما سواه معلوم بالإجماع وهذا كله خطأ لما بيناه من أن الحمل على الجميع لا يجوز وليس هناك لفظ يقتضي العموم ولا يجوز حمله على موضع الخلاف لأن احتماله لموضع الخلاف ولغيره واحد فلا يجوز تخصيصه لموضع الخلاف..

стр. 39

باب القول في الخصوص التخصيص تمييز بعض الجملة بالحكم ولهذا نقول خص رسول الله ﷺ بكذا وخص الغير بكذا. وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام. فصل ويجوز دخول التخصيص في جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهي والخبر، ومن الناس من قال: لا يجوز التخصيص في الخبر كما لا يجوز النسخ وهذا خطأ لأنا قد بينا أن التخصيص ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح في الخبر كما يصح في الأمر والنهي

стр. 40

فصل ويجوز التخصيص إلى أني يبقى من اللفظ العام واحد وقال أبو بكر القفال من أصحابنا: يجوز التخصيص في أسماء الجموع إلى أن يبقى ثلاثة ولا يجوز أكثر منه والدليل على جواز ذلك هو أنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد دليله الأسماء المبهمات كـ "من" "وما". فصل وإذا خص من العموم شيء لم يصر اللفظ مجازا فيما بقي. وقالت المعتزلة: يصير مجازا. وقال الكرخي: إن خص بلفظ متصل كالاستثناء والشرط لم يصر مجازا وإن خص بلفظ منفصل صار مجازا وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري فالدليل على المعتزلة خاصة هو أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وقد وجدنا الاستثناء والشرط في الاستعمال كغيرهما من أنواع الكلام فدل على أن ذلك حقيقة والدليل على الجميع أن اللفظ تناول كل واحد من الجنس فإذا خرج بعضه بالدليل بقي الباقي على ما اقتضاه اللفظ وتناوله فكان حقيقة فيه.

стр. 41

باب ذكر ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز وجملته أنه يجوز تخصيص ألفاظ العموم. وأما تخصيص ما عرف من فحوى الخطاب كتخصيص ما عرف قوله : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ فلا يجوز لأن التخصيص إنما يلحق القول وهذا معنى القول ولأن تخصيصه نقض للمعنى الذي تعلق المنع به ألا ترى أنه لو قال: ولا تقل لهما أف ولكن أضربهما كان ذلك مناقضة فصار كتخصيص القياس. فصل وأما تخصيص دليل الخطاب فيجوز لأنه كالنطق فجاز تخصيصه فإذا قال في سائمة الغنم زكاة فدل على أنه لا زكاة في المعلوفة جاز أن يخص لا زكاة في المعلوفة فيحمل على معلوفة دون معلوفة.

стр. 42

فصل وأما النص: فلا يجوز تخصيصه كقوله ﷺ لأبي بردة: "يجزئك ولا يجزئ أحدا بعدك". لأن التخصيص أن يخرج بعض ما تناوله وهذا لا يصح في النص على شيء بعينه. فصل وكذلك ما وقع من الأفعال لا يجوز تخصيصه لما بينا فيما تقدم أن الفعل لا يجوز أن يقع على صفتين فيخرج إحداهما بدليل فإن دل الدليل على أنه لم يقع إلا على صفة من الصفتين لم يكن ذلك تخصيصا.

стр. 43

باب بيان الأدلة التي يجوز التخصيص بها وما لا يجوز والأدلة التي يجوز التخصيص بها ضربان: متصل ومنفصل فالمتصل هو الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة ولها أبواب تأتي إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وأما المنفصل فضربان من جهة العقل ومن جهة الشرع فالذي من جهة العقل ضربان أحدهما: لا يجوز ورود الشرع بخلافه وذلك ما يقتضيه العقل من براءة الذمة فهذا لا يجوز التخصيص به لأن ذلك إنما يستدل به لعدم الشرع فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع. والثاني: ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه وذلك مثل ما دل عليه العقل من نفي الخلق عن صفاته فيجوز التخصيص به ولهذا خصصنا قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ في الصفات وقلنا المراد ما خلا الصفات لأن العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته فخصصنا العموم به. فصل وأما الذي من جهة الشرع فوجوه نطق الكتاب والسنة ومفهومهما وأفعال رسول الله ﷺ وإقراره وإجماع الأمة والقياس. فأما الكتاب

стр. 44

فيجوز تخصيص الكتاب به كقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ١ خص به قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٢ ويجوز تخصيص السنة به ومن الناس من قال لا يجوز والدليل على جوازه هو أن الكتاب مقطوع بصحة طريقه والسنة غير مقطوع بطريقها فإذا جاز تخصيص الكتاب به فتخصيص السنة به أولى. فصل فأما السنة: فيجوز تخصيص الكتاب بها وذلك كقوله ﷺ : "لا يرث القاتل". خص به قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٣ وقال بعض المتكلمين: لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. وقال عيسى بن أبان: إن دخله التخصيص بدليل جاز تخصيصه بخبر الواحد وإن لم يدخله التخصيص لم يجز؛ والدليل على جواز ذلك أنهما دليلان أحدهما خاص والآخر عام فقضى بالخاص منهما على العام كما لو كانا من الكتاب والدليل على من فرق بين أن يكون قد خص بغيره أو لم يخص هو أنه إنما خص به إذا دخله التخصيص لأنه يتناول الحكم بلفظ غير محتمل والعموم يتناوله بلفظ محتمل وهذا المعنى موجود وإن لم يدخله التخصيص. ويجوز تخصيص السنة بالسنة وذلك مثل قوله ﷺ : "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به". يخص به قوله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء". ومن الناس من قال: لا يجوز من جهة أن السنة جعلت بيانا فلا يجوز أن يفتقر البيان إلى بيان. وقال بعض أهل الظاهر: يتعارض الخاص والعام وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري والدليل على ما قلناه يجيء إن شاء الله تعالى. فصل وأما المفهوم فضربان: فحوى الخطاب ودليل الخطاب. فأما فحوى الخطاب: فهو التنبيه ويجوز التخصيص به كقوله تعالى: ﴿فَلا

стр. 45

تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ ١ لأن هذا في قول الشافعي رحمة الله عليه يدل على الحكم بمعناه إلا أنه معنى جلي وعلى قوله يدل على الحكم بلفظه فهو كالنص. وأما دليل الخطاب الذي هو مقتضى النطق فيجوز تخصيص العموم به وقال أبو العباس ابن سريج: لا يجوز التخصيص به وهو قول أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل والكلام معهم يجيء إن شاء الله تعالى وعندنا هو دليل كالنطق في أحد الوجهين وكالقياس في الوجه الآخر وأيهما كان في جاز التخصيص. فصل في تعارض اللفظين إذا تعارض لفظان فلا يخلو إما أن يكونا خاصين أو عامين أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو كل واحد منهما عاماً من وجه خاصاً من وجه فإن كانا خاصين مثل أن يقول: لا تقتلوا المرتد واقتلوا المرتد وصلوا ما لها سبب عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب لها عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا في وقتين ويكون أحدهما ناسخا للآخر، فإن عرف التاريخ نسخ الأول بالثاني وإن لم يعرف وجب التوقف وإن كانا عامين مثل أن يقول: من دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فهذا إن أمكن استعمالهما في حالين استعملا كما قال ﷺ : "خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد". وقال: "شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد". فقال أصحابنا: الأول محمول عليه إذا شهد وصاحب الحق لا يعلم أن له شاهدا فإن الأولى أن يشهد وإن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثاني محمول عليه إذا علم من له الحق أن له شاهدا فلا يجوز للشاهد أن يبدأ بالشهادة قبل أن يستشهد وإن لم يمكن

стр. 46

استعمالهما وجب التوقف كالقسم الذي قبله وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١. مع قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وقوله: "فيما سقت السماء العشر". مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة". فالواجب في مثل هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص على العام ومن أصحابنا من قال: كان الخاص متأخرا والعام متقدما نسخ الخاص من العموم بقدره بناء على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب لا يجوز وهذا قول المعتزلة. وقال بعض أهل الظاهر: يتعارض الخاص والعام وهو قول أبي بكر الأشعري، وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الخاص مختلفا فيه والعام مجمعا عليه لم يقض به على العام وإن كان متفقا عليه قضى به. والدليل على ما ذكرناه أن الخاص هو أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يقضي بالخاص عليه. وأما إذا كان واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه يمكن أن يخص بكل واحد منهما عموم الآخر مثل ما روى: أن النبي ﷺ : "نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس". مع قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". فإنه يحمل أن يكون المراد بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لا سبب لها من الصلوات بدليل قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". ويحتمل أن يكون المراد بقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها في غير طلوع الشمس". بدليل ما روى أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس فالواجب في مثل هذا أن لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بدليل شرعي من غيرهما يدل على المخصوص منهما أو ترجيح يثبت لأحدهما على الآخر كما روى عن عثمان وعلي ﵄ في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى وهل يجوز أن يخلوا

стр. 47

مثل هذا من الترجيح من الناس من قال لا يجوز ومنهم من قال يجوز، وإذا خلى تعارضا وسقطا ورجع المجتهد إلى براءة الذمة. فصل وأما أفعال رسول الله ﷺ فيجوز التخصيص بها وذلك مثل أن يحرم أشياء بلفظ عام ثم يفعل بعضها فيخص بذلك العام ومن الناس من قال: لا يجوز التخصص بها وهو قول بعض أصحابنا لأنه يجوز أن يكون مخصوصا به والأول أصح لأنه وإن جاز أن يكون مخصوصا إلا أن الأصل مشاركة الأمة في الأحكام ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١. فصل وأما الإقرار فيجوز التخصيص به كما رأى قيسا يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح فأقره عليه فيخص به نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح لأنه لا يجوز أن يرى منكرا فيقر عليه فلما أقره دل على جوازه. فصل وأما الإجماع فيجوز التخصيص به لأنه أقوى من الظواهر فإذا جاز التخصيص بالظواهر فبالإجماع أولى. فصل وأما قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعرف له مخالف فهو حجة يجوز التخصيص به وإن لم ينشر فإن كان له مخالف لم يجز التخصيص به وإن لم يكن له مخالف فهل يجوز التخصيص به يبنى على القولين في أنه حجة أم لا فإذا قلنا ليس بحجة لم يجز التخصيص به وإذا قلنا أنه حجة فهل يجوز التخصيص به. فيه وجهان أحدهما. يجوز. والثاني لا يجوز.

стр. 48

فصل وأما القياس فيجوز التخصيص به. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز التخصيص به وهو قول أبي علي الجبائي واختيار القاضي أبي بكر الأشعري. وقال عيسى بن أبان: إذا ثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم جاز التخصيص به، وإن لم يثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم لم يجز. وقال بعض أهل العراق: إن دخله التخصيص بدليل غير القياس جاز التخصيص به وإن لم يدخله التخصيص بغيره لم يجز. والدليل على جواز ذلك أن القياس يتناول الحكم فيما يخصه بلفظ غير محتمل فخص به العموم كاللفظ الخاص. فصل وأما قول الراوي: فلا يجوز تخصيص العموم به. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀: يجوز. والدليل على أنه لا يجوز هو أن تخصيصه يجوز أن يكون بدليل ويجوز أن يكون بشبهة فلا يترك الظاهر بالشك وكذلك لا يجوز ترك شيء من الظواهر بقوله مثل أن يحتمل الخبر أمرين وهو في أحدهما اظهر فيصرفه الراوي إلى الآخر فلا يقبل ذلك منه لما بيناه في تخصيص العموم. وأما إذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا فصرفه إلى أحدهما مثل ما روى عن عمر كرم الله وجهه أنه حمل قوله ﷺ : "الذهب بالذهب ربا" إلا هاء وهاء على القبض في المجلس فقد قيل إنه يقبل ذلك لأنه أعرف بمعنى الخطاب. وقال الشيخ الإمام ﵀ وفيه نظر عندي. فصل وأما العرف والعادة فلا يجوز تخصيص العموم به لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع في قول بعض الناس على حسب المصلحة وفي قول الباقين على ما أراد الله تعالى وذلك لا يقف على العادة. فصل وأما تخصيص أول الآية بآخرها وآخرها بأولها فلا يجوز ذلك مثل قوله

стр. 49

تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ وهذا عام في الرجعية وغيرها ثم قال في آخر الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٢ وهذا خاص بالرجعيات فيحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص ولا يخص أولها بآخرها لجواز أن يكون قصد بآخر الآية بيان بعض ما اشتمل عليه أول الآية فلا يجوز ترك العموم بأولها.

стр. 50

باب القول في اللفظ الوارد على سبب وجملته أن اللفظ الوارد على سبب لم يجز أن يخرج السبب منه لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز وهل يدخل فيه غيره نظرت فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما ورد فيه من السبب ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاما مثل أن قال: أفطرت قال: أعتق. حمل الجواب على العموم في كل مفطر كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ وذلك أنه لما لم يستفصل دل على أنه لا يختلف أو لما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك لأن ذكر السبب في الحكم تعليل وإن كان خاصا مثل إن قال: جامعت فقال اعتق حمل الجواب على الخصوص في المجامع لا يتعدى إلى غيره من المفطرين فكأنه قال من جامع في رمضان فعليه العتق وأما إذا كان اللفظ يستقل بنفسه اعتبر حكم اللفظ فإن كان خاصا حمل على خصوصه وإن كان عاما حمل على عمومه ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه وذلك مثل ما سئل النبي ﷺ عن بئر بضاعة فقيل: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وأنه يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينحى الناس فقال ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" فهذا يحمل على عمومه ولا يخص بما ورد فيه من السبب. وقال المزني وأبو ثور وأبو بكر الدقاق من أصحابنا يقصر على ما ورد فيه من السبب. والدليل على ما

стр. 51

قلناه هو أن الحجة في قول الرسول ﷺ دون السبب فوجب أن يعتبر عمومه.

стр. 52

باب القول في الاستثناء والاستثناء يجوز تخصيص اللفظ به وهو مأخوذ من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه إذا صرفته عنه. وقيل: أنه مأخوذ من تثنية الخبر بعد الخبر ومن شرطه أن يكون متصلا بالمستثنى منه. وحكي عن ابن عباس ﵄ جواز تأخيره وحكي عن قوم جواز تأخيره إذا أورد معه كلام يدل على أن ذلك استثناء مما تقدم وهو أن يقول: جاءني الناس ثم يقول بعد زمان إلا زيدا وهو استثناء مما كنت قلت فأما المحكي عن ابن عباس ﵄ فالظاهر أنه لا يصح عنه وهو بعيد لأنهم لا يستعملون الاستثناء إلا متصلا بالكلام ألا ترى أنه إذا قال جاءني الناس ثم قال بعد شهر إلا زيدا لم يعد ذلك كلاما فدل على بطلانه وما حكي عن غيره خطأ لأنه لو جاز ذلك على الوجه الذي قاله لجاز أن يؤخر خبر المبتدأ ثم يخبر به مع كلام يدل عليه بأن يقول زيد ثم يقول بعد حين قائم ويقرنه بما يدل على انه خبر عنه وهذا مما لا يقوله أحد ولا يعد كلاما في اللغة فبطل. فصل ويجوز أن يتقدم الاستثناء على المستثنى منه كما يجوز أن يتأخر كقول الكميت: فمالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب فصل ويجوز الاستثناء من جنسه كقولك: رأيت الناس إلا زيدا وكذلك استثناء بعض ما دخل تحت الاسم كقولك: رأيت زيدا إلا وجهه. وأما الاستثناء من غير الجنس فهو مستعمل وقد ورد به القرآن والأشعار. قال الله

стр. 53

عز وجل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ١ فاستثنى إبليس من الملائكة وليس من الملائكة وقال الشاعر: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد ألا أوارى لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الأوارى من الناس وهل هو حقيقة أم لا فيه وجهان. من أصحابنا من قال: هو حقيقة، ومنهم من قال. هو مجاز وهذا الأظهر لأن الاستثناء مشتق من قولهم ثنيت عنان الدابة إذا صرفتها أو من تثنية الخبر بعد الخبر وهذا لا يوجد إلا فيما دخل في الكلام ثم يخرج منه. فصل ويجوز أن يستثنى الأكثر من الجملة وقال أحمد لا يجوز وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري وابن درستويه. والدليل على جوازه أن القرآن ورد به قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٢ ثم قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٣ فاستثنى الغاوين من العباد واستثنى العباد من الغاوين وأيهما كان أكثر فقد استثناه من الآخر ولأن الاستثناء معنى يوجب تخصيص اللفظ العام فجاز في القليل والكثير كالتخصيص بالدليل المنفصل. فصل إذا تعقب الاستثناء جملا عطف بعضها على بعض وجمع ذلك إلى الجميع وذلك مثل قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٤ وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀: يرجع إلى ما يليه، وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يرد إلى شيء منهما إلا بدليل والدليل على ما

стр. 54

قلناه هو أن الاستثناء كالشرط في التخصيص ثم الشرط يرجع إلى الجميع وهو إذا قال: امرأتي طالق وعبدي حر ومالي صدقة إن شاء الله تعالى فكذلك الاستثناء. فصل وإن دل الدليل على أنه لا يجوز رجوعه إلى جملة من الجمل المذكورة في آية القذف فإن الدليل على أنه لا يجوز أن يرجع الاستثناء فيها إلى الحد رجع إلى ما بقي من الجمل، وكذا أن تعقب الاستثناء جملة واحدة ودل الدليل على أنه لا يجوز رجوعه إلى بعضها كقوله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ١ فإنه قد دل الدليل على أن الاستثناء لا يجوز رجوعه إلى الصغار والمجانين رجع إلى ما بقي من الجملة لأن ترك الظاهر فيما قام عليه الدليل لا يوجب تركه فيما لم يقم عليه الدليل.

стр. 55

باب التخصيص في الشرط واعلم أن الشرط ما لا يصح المشروط إلا به وقد ثبت ذلك بدليل منفصل كاشتراط القدرة في العبادات واشتراط الطهارة في الصلاة وقد دخل ذلك فيما ذكرناه من تخصيص العموم وقد يكون متصلا بالكلام وذلك قد يكون بلفظ الشرط كقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ٢ وقد يكون بلفظ الغاية كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ ٣ ويجوز تخصيص الحكم بالجميع فيكون الصيام لمن لم يجد الرقبة والقتل فيمن لم يؤد الجزية. فصل يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر كما يجوز

стр. 56

في الاستثناء ولهذا لم يفرق بين قوله أنت طالق إن دخلت الدار وبين قوله إن دخلت الدار فأنت طالق. فصل وإذا تعقب الشرط جملا رجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء ولهذا إذا قال امرأتي طالق وعبدي حر إن شاء الله لم تطلق المرأة ولم يعتق العبد. فصل فأما إذا دخل الشرط في بعض الجمل المذكورة دون بعض لم يرجع الشرط إلا إلى المذكورة وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ١ فشرط الحمل في الإنفاق دون السكن فيرجع الشرط إلى الإنفاق ولا يرجع إلى السكن وهكذا لو ثبت الشرط بدليل منفصل في بعض الجمل لم يجب إثباته فيما عداه كقوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٢ فإن الدليل قد دل على أن الرد في الرجعيات فيرجع ذلك إلى الرجعيات ولا يوجب ذلك تخصيص أول الآية وهكذا إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض لم يقتض الوجوب في الجميع أو يقتضي العموم في الجميع ثم دل الدليل على أن في بعضها لم يرد الوجوب أو في بعضها ليس على العموم لم يجب حمله في الباقي على غير الوجوب ولا "صفحة ٢٣" على غير العموم وذلك مثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٣ فأمر بالأكل وإيتاء الحق والأكل لا يجب والإيتاء واجب والأكل عام في القليل والكثير والإيتاء خاص في خمسة أوسق، فما قام الدليل عليه خرج من اللفظ وبقي الباقي على ظاهره.

стр. 57

فصل وهكذا كل شيئين قرن بينهما في اللفظ ثم ثبت لأحدهما حكم بالإجماع لم يجب أن يثبت ذلك الحكم للآخر من غير لفظ يوجب التسوية بينهما أو علة توجب الجمع بينهما ومن أصحابنا من قال إذا ثبت لأحدهما نفع حكم ثبت لقرينه مثله وهذا غير صحيح لأن الحكم الذي ثبت لأحدهما ثبت بدليل يخصه من لفظ أو إجماع وذلك غير موجود في الآخر فلا تجب التسوية بينهما إلا بعلة تتجمع بينهما.

стр. 58

باب القول في المطلق والمقيد واعلم أن تقييد العام بالصفة يوجب التخصيص كما يوجب الشرط والاستثناء وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ فإنه لو أطلق الرقبة لعمّ المؤمنة والكافرة فلما قيده بالمؤمنة وجب التخصيص. فصل فإن ورد الخطاب مطلقا لا مقيد له حمل على إطلاقه وإن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وإن ورد مطلقا في موضع ومقيدا في موضع آخر نظرت فإن كان ذلك في حكمين مختلفين مثل أن يقيد الصيام بالتتابع ويطلق الإطعام لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان في لفظ ولا معنى، وإن كان ذلك في حكم واحد وسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ثم يعيدها في القتل مطلقة كان الحكم للمقيد لأن ذلك حكم واحد استوفى بيانه في أحد الموضعين ولم يستوف في الموضع الآخر، وإن كان في حكم واحد وشيئين مختلفين نظرت في المقيد فإن عارضه مقيد آخر لم يحمل المطلق على واحد من القيدين وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع وفي التمتع قيده بالتفريق وأطلق في كفارة اليمين فلا يحمل المطلق في اليمين على الظهار ولا على التمتع بل

стр. 59

يعتبر بنفسه إذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر وإن لم يعارض المقيد مقيد آخر كالرقبة في كفارة القتل والرقبة في الظهار قيدت بالإيمان في القتل وأطلقت في الظهار حمل المطلق على المقيد، فمن أصحابنا من قال يحمل من جهة اللغة لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة-١- ومنهم من قال يحمل من جهة القياس وهو الأصح وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه: الله لا يجوز حمل المطلق على المقيد لأن ذلك زيادة في النص وذلك نسخ بالقياس وربما قال لأنه حمل منصوص والدليل على أنه لا يحمل من جهة اللغة أن اللفظ الذي ورد فيه التقييد وهو القتل لا يتناول المطلق وهو الظهار فلا يجوز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة كلفظ البر لما لم يتناول الأرز لم يجز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة فكذلك هاهنا، والدليل على أنه يحمل عليه بالقياس هو أن حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس فصار كتخصيص سائر العمومات.

стр. 60

باب القول في مفهوم الخطاب اعلم أن مفهوم الخطاب على اوجه: أحدها فحوى الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من جهة التنبيه كقوله : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ١ وما أشبه ذلك مما ينص فيه على الأدنى لينبه به على الأعلى وعلى الأعلى لينبه به على الأدنى وهل يعلم ما دل عليه التنبيه من جهة اللغة أو من جهة القياس فيه وجهان: أحدهما أنه من جهة اللغة وهو قول أكثر المتكلمين وأهل الظاهر. ومنهم من قال: هو من جهة القياس الجلي ويحكى ذلك عن الشافعي وهو الأصح لأن لفظ التأفيف لا يتناول الضرب وإنما يدل عليه بمعناه وهو الأدنى فدل على أنه قياس. فصل والثاني: لحن الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من الضمير الذي لا يتم

стр. 61

الكلام إلا به وذلك مثل قوله : ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ١ ومعناه: فضرب فانفجرت ومن ذلك أيضا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ ومعناه أهل القرية ولا خلاف إن هذا كالمنطوق به في الإفادة والبيان ولا يجوز أن يضمر فيمثل هذا إلا ما تدعو الحاجة إليه فإن استقل الكلام بإضمار واحد لم يجز أن يضاف إليه غيره إلا بدليل فإن تعارض فيه إضماران أضمر ما دل عليه الدليل منهما وقد حكينا في مثل هذا الخلاف عمن يقول أنه يضمر فيه ما هو أعم فائدة أو موضع الخلاف وبينا فساد ذلك. فصل والثالث دليل الخطاب وهو أن يعلق الحكم على إحدى صفتي الشيء فيدل على أن ما عداها بخلافه كقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣ فيدل على أنه إن جاء عدل لم يتبين وكقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة". فيدل على أن المعلوفة لا زكاة، فيها وقال عامة أصحاب أبي حنيفة ﵀ وأكثر المتكلمين: لا يدل على أن ما عداه بخلافه بل حكم ما عداه موقوف على الدليل، وقال أبو العباس بن سريج: إن كان بلفظ الشرط كقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ دل على أن ما عداه بخلافه وإن لم يكن بلفظ الشرط لم يدل وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀، والدليل على ما قلناه أن الصحابة اختلفت في إيجاب الغسل من الجماع من غير إنزال فقال بعضهم لا يجب واحتجوا بدليل الخطاب في قول النبي ﷺ : "الماء من الماء" وأنه لما أوجب من الماء دل على أنه لا يجب من غير ماء ومن أوجب ذكر أن "الماء من الماء" منسوخ فدل على ذكرناه ولأن تقييد الحكم بالصفة يوجب تخصيص الخطاب فاقتضى بإطلاقه النفي والإثبات كالاستثناء.

стр. 62

فصل وأما إذا علق الحكم بغاية فإنه يدل على أن ما عداها بخلافها وبه قال أكثر من أنكر القول بدليل الخطاب. ومنهم من قال: لا يدل والدليل على ما قلناه هو أنه لو جاز أن يكون حكم ما بعد الغاية موافقاً لما قبلها خرج عن أن يكون غاية وهذا لا يجوز. فصل وأما إذا علق الحكم على صفة بلفظ إنما كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". وقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن اعتق". دل أيضا على أن ما عداها بخلافها وبه قال كثير ممن لم يقل بدليل الخطاب. وقال بعضهم: لا يدل على أن ما عداها بخلافها وهذا خطأ لأن هذه اللفظة لا تستعمل إلا لإثبات المنطوق به ونفي ما عداه. ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول إنما في الدار زيد، وبين أن يقول ليس في الدار إلا زيد وبين أن يقول إنما الله واحد وبين أن يقول لا إله إلا واحد فدل على أنه يتضمن النفي والإثبات. فصل فأما إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة". دل ذلك على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم دون ما عداها، ومن أصحابنا من قال يدل على نفيها عما عداها في جميع الأجناس وهذا خطأ لأن الدليل يقتضي النطق فإذا اقتضى النطق الإيجاب في سائمة الغنم وجب أن يقتضي الدليل نفيها عن معلوفة الغنم. فصل فأما إذا علق الحكم على مجرد الاسم مثل أن يقول: في الغنم زكاة فإن ذلك لا يدل على نفي الزكاة عما عدا الغنم، ومن أصحابنا من قال يدل كالصفة، والمذهب الأول لأنه قد يخص اسم بالذكر وهو وغيره سواء. ألا

стр. 63

ترى أنهم يقولون: اشتر غنما وإبلا وبقرا فينص على كل واحد منها مع إرادة جميعها ولا يضم الصفة إلى الاسم وهي وغيرها سواء، ألا ترى أنهم لا يقولون اشتر غنما سائمة وهي والمعلوفة عندهم سواء فافترقا. فصل إذا أدى القول بالدليل إلى إسقاط الخطاب سقط الدليل وذلك مثل قوله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" فإن دليله يقتضي جواز بيع ما هو عنده وإن كان غائبا عن العين وإذا اجزنا ذلك لزمنا ألا نجيز بيع ما ليس عنده لأن أحدا لم يفرق بينهما وإذا اجزنا ذلك سقط الخطاب وهو قوله ﷺ : "لا تبع مال ليس عندك" فيسقط الدليل ويبقى الخطاب لأن الدليل فرع الخطاب ولا يجوز أن يعترض الفرع على الأصل بالإسقاط.

стр. 64

الكلام في المجمل والمبين باب ذكره وجوه المبين فأما المبين: فهو ما استقل بنفسه في الكشف عن المراد ولا يفتقر في معرفة المراد إلى غيره وذلك على ضربين: ضرب يفيد بنطقه، وضرب يفيد بمهفومه، فالذي يفيد بنطقه هو النص والظاهر والعموم، فالنص كل لفظ دل على الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه وذلك مثل قوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ٢ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٣ وكقوله ﷺ : "في كل خمس شاة، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم" وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في بيان الأحكام. فصل وأما الظاهر فهو كل لفظ احتمل أمرين وفي أحدهما أظهر كالأمر والنهي وغير ذلك من أنواع الخطاب الموضوعة للمعاني المخصوصة المحتملة لغيرها. فصل والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعداً كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٥وغير

стр. 65

ذلك فهذه كلها من المبين الذي لا يفتقر في معرفة المراد إلى غيره وإنما يفتقر إلى غيره في معرفة ما ليس بمراد به فيصح الاحتجاج بهذه الأنواع. وقال أبو ثور وعيسى بن أبان العموم إذا دخله التخصيص صار مجملا لا يحتج بظاهره. وقال أبو الحسن الكرخي إن خص بدليل متصل لم يصر مجملا وإن خص بدليل منفصل صار مجملا وقال أبو عبد الله البصري إن كان حكمه يفتقر إلى شروط كآية السرقة فهي مجملة لا يحتج بها إلا بدليل وإن لم يفتقر إلى شروط لم يصر مجملا والدليل على ما قلناه هو أن المجمل ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره وهذه الآيات يعقل معناها من لفظها ولا يفتقر في معرفة المراد بها إلى غيرها فهي كغيرها من الآيات. فصل وأما ما يفيد بمفهومه فهو فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب وقد بينتها قبل هذا الباب فأغنى عن الإعادة

стр. 66

باب ذكر وجوه المجمل وأما المجمل فهو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره وذلك على وجوه: منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ وكقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فإن الحق مجهول الجنس والقدر فيفتقر إلى البيان. فصل ومنها أن يكون اللفظ في الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ويقع على الطهر فيفتقر إلى البيان.

стр. 67

فصل ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنه دخلها استثناء مجهول كقوله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ١ فإنه قد صار مجملا بما دخله من الاستثناء ومن هذا المعنى العموم إذا علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه فهذا أيضا مجمل لأنه لا يمكن العمل به قبل معرفة ما خص منه. فصل ومن ذلك أيضا أن يفعل رسول الله ﷺ فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روي أنه جمع في السفر فإنه مجمل لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو في سفر قصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل. وكذلك إذا قضى في عين تحتمل حالين احتمالا واحدا مثل أن يروي أن الرجل أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة فهو مجمل فإنه يجوز أن يكون أفطر بجماع ويجوز أن يكون أفطر بأكل فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها وافتقارها إلى البيان. فصل واختلف المذهب في ألفاظ فمنها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢ وفيه قولان قال في أحدهما هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا، والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة وقد أحل الله البيع وحرم الربا فافتقر إلى بيان ما يحل مما يحرم. وقال في القول الثاني ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول في اللغة فحمل على العموم إلا فيما خصه لدليل.

стр. 68

فصل ومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية وهو قوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٣ فمن أصحابنا من قال: هي عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه وهذه طريقة من قال ليس في الأسماء شيء منقول، ومنهم من قال: هي مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها في اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان كقوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٤ وهذه طريقة من قال: إن هذه الأسماء منقولة وهو الأصح. فصل ومنها الألفاظ التي علق التحليل والتحريم فيها على أعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٥ فقال بعض أصحابنا: إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل والتحريم وإنما الذي يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال مما لا يحرم، ومنهم من قال إنها ليست بمجملة وهو الأصح لأن التحليل والتحريم في مثل هذا إذا أطلق عقل منها التصرفات المقصودة في اللغة، ألا ترى أنه إذا قال لغيره حرمت عليك هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وما عقل المراد من لفظه لم يكن مجملا. فصل وكذلك اختلفوا في الألفاظ التي تتضمن نفيا وإثباتا كقوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات" وقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" وما أشبهه فمنهم من قال: إن ذلك مجمل لأن الذي نفاه هو

стр. 69

العمل والنكاح وذلك موجود فيجب أن يكون المراد به نفي صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة، ومنهم من قال: ليس بمجمل وهو الأصح لأن صاحب الشرع لا ينفي ولا يثبت المشاهدات وإنما ينفي ويثبت الشرعيات فكأنه قال لا عمل في الشرع إلا بنية ولا نكاح في الشرع إلا بولي وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا. فصل وكذلك اختلفوا في قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" فمنهم من قال: هو مجمل لأن الذي رفعه هو الخطأ وذلك موجود فيجب أن يكون المراد بها معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان، ومنهم من قال غير مجمل هو الأصح لأنه معقول المعنى في اللغة ألا ترى أنه إذا قال لعبده رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة بكل ما يتعلق بالجناية من التبعات فدل على أنه مجمل. فصل وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو والمجمل واحد. ومنهم من قال: المتشابه ما استأثر الله تعالي بعلمه وما لم يطلع عليه أحدا من خلقه. ومن الناس من قال: المتشابه هو القصص والأمثال والحكم والحلال والحرام. ومنهم من قال: المتشابه الحروف المجموعة في أوائل السور كـ "المص" و "المر" وغير ذلك والصحيح هو الأول لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه وأما ما ذكروه فلا يوصف بذلك.

стр. 70

باب الكلام في البيان ووجوهه اعلم أن البيان هو الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر إلى ما هو دليل عليه، وقال بعض أصحابنا: هو إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي

стр. 71

فصل ويقع البيان بالقول. ومفهوم القول. والفعل. والإقرار. والإشارة. والكتابة. والقياس. فأما البيان بالقول كقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" وقوله ﷺ : "في خمس من الإبل شاة". وأما المفهوم فقد يكون تنبيها كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فيدل على أن الضرب أولى بالمنع وقد يكون دليلا كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" فيدل على أنه لا زكاة في المعلوفة. وأما بالفعل فمثل بيان مواقيت الصلاة وأفعالها والحج ومناسكه بفعله ﷺ . وأما الإقرار: فهو كما روى أنه رأى قيسا يصلي بعد الصبح ركعتين فسأله فقال ركعتا الفجر ولم ينكر فدل على جواز التنفل بعد الصبح. وأما بالإشارة فكما قال ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا" وحبس إبهامه في الثالثة. وأما الكتابة فكما بين فرائض الزكاة وغيرها من الأحكام في كتب كتبها. وأما القياس فكما نص على أربعة أعيان في الربا ودل القياس على أن غيرها من المطعومات مثلها.

стр. 72

باب تأخير البيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه لا يمكن الاحتفال من غير بيان، وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز وهو قول أبي العباس وأبي سعيد الأصطخري وأبي بكر القفال، والثاني: أنه لا يجوز

стр. 73

وهو قول أبي بكر الصيرفي وأبي إسحاق المروزي وهو قول المعتزلة. والثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم وهو قول أبي الحسن الكرخي، ومن الناس من قال: يجوز ذلك في الإخبار دون الأمر والنهي ومنهم من قال يجوز في الأمر والنهي دون الأخبار، والصحيح أنه يجوز في جميع ما ذكرناه ولأن تأخيرها لا يخل بالامتثال فجاز كتأخير بيان النسخ.

стр. 74

الكلام في النسخ باب بيان النسخ والنسخ في اللغة يستعمل في الرفع والإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل ونسخت الرياح الآثار إذا إزالتها ويستعمل في النقل. يقال: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه وإن لم تزل شيئا عن موضعه. وأما في الشرع على الوجه الأول في اللغة وهو الإزالة فحده الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه ولا يلزم ما سقط عن الإنسان بالموت فإن ذلك ليس بنسخ لأنه ليس بخطاب ولا يلزم رفع ما كانوا عليه كشرب الخمر وغيره فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما أسقطه بكلام متصل كالاستثناء والغاية كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ١ فإنه ليس بنسخ لأنه غير متراخ عنه. وقالت المعتزلة: هو الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالمنسوخ غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول وهذا فاسد لأنه إذا حد بهذا لم يكن الناسخ مزيلا لما ثبت بالخطاب الأول، لأن مثل الحكم ما ثبت بالمنسوخ حتى يزيله بالناسخ وقد بينا أن النسخ في اللغة هو الإزالة والرفع. فصل والنسخ جائز في الشرع، وقالت طائفة من اليهود: لا يجوز. وبه قال شرذمة من المسلمين وهذا خطأ لأن التكليف في قول بعض الناس إلى الله تعالى يفعل فيه ما يشاء وعلى قول بعضهم التكليف على سبيل المصلحة فإن كان إلى مشيئته فيجوز أن يشاء في وقت تكليف فرض وفي وقت إسقاطه وإن كان

стр. 75

على وجه المصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في وقت في أمر وفي وقت آخر في غيره فلا وجه للمنع منه. فصل وأما البداء فهو أن يظهر له ما كان خفيا عليه من قولهم: بدا لي الفجر إذا ظهر له وذلك لا يجوز في الشرع. وقال بعض الرافضة: يجوز البداء على الله تعالى وقال منهم زرارة بن أعين في شعره: ولولا البدا سميته غير هائب ... وذكر البدا نعت لمن يتقلب ولولا البدا ما كان فيه تصرف ... وكان كنار دهرها تتلهب وكان كضوء مشرق بطبيعة ... وبالله عن ذكر الطبائع يرغب وزعم بعضهم أنه يجوز على الله تعالى البداء فيما لم يطلع عليه عباده وهذا خطأ لأنهم إن أرادوا بالبداء ما بيناه من أنه يظهر له ما كان خفيا عنه فهذا كفر وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإن كانوا أرادوا به تبديل العبادات والفروض فهذا لا ننكره إلا أنه لا يسمى بداء لأن حقيقة البداء ما بينا ولم يكن لهذا القول وجه. فصل فأما نسخ الفعل قبل دخول وقته فيجوز وليس ذلك ببداء ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وزعموا أن ذلك بداء، والدليل على جواز ذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل على جوازه، والدليل على أنه ليس ببداء ما بيناه من أن البداء ظهور ما كان خفيا عنه وليس في النسخ قبل الوقت هذا المعنى.
следующие страницы →