رسول الله ﷺ : "لما أسرى بي إلى السماء الدنيا أذن جبرائيل ﵇ وظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بهم" (١) . ذكره أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ عن جعفر بن محمد بن نمير ثنا على بن أحمد السواق ثنا محمد بن حماد بن زيد الحازمي ثنا عابد بن حبيب الهروي عن هشام عن أبيه عنها، وحديث ابن عباس قال: "علم النبي ﷺ الأذان حين أسرى به ورآه رجل من الأنصار في منامه". رواه أيضًا عن أحمد بن محمد بن سعيد ثنا يعقوب بن يوسف الضبي ثنا أبو جنادة (٢) عصين بن المخارق ثنا عبد الصمد بن علي عن أبيه عنه، وفي كتاب أبي الشيخ: كتب أبينا على بن الحسن بن سلم الرازي ثنا مسروق ثنا إبراهيم ابن المنذر، حدثني عبد العز-نر بن عمران عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين/عن عكرمة عنه قال: [٥٠٩/أ] الأذان نزل على رسول الله ﷺ مع فرض الصلاة: ﴿يأيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إذَا نودي للصلاة مِن يَومِ الجُمُعةِ فاسْعَوا إلَى ذِكْرِ الله﴾ (٣) انتهى، وفيه إشكال؟ لأنّ فرض الصلاة كان بمكة، وسورة الجمعة مدنية إجماعًا، حكاه أبو العباس المفسر الضرير في كتاب التنزيل وغيره، اللهم إّلا أن يريد صلاة الجمعة ما مطلق الصلوات؛ لأنّ فريضة الجمعة إنما كانت بالمدينة والله تعالى أعلم، وحديث سالم عن أبيه "لما أسرى بالنبي- ﵌ إلى السماء أوحى إليه الأذان فنزل فعلمه بلالا" (٤) . رواه أيضًا عن محمد بن محمود الأنباري ثنا محمد بن ماهان، حدثنى عثمان نا أبي ثنا طلحة بن زيد عن يونس بن يزيد عن الزهري عنه، وهو مردود؛ بأنّ الإِسراء الذي فرضت فيه الصلاة كان بمكة والبادين بالمدينة إجماعا، وحديث عبيد بن عمير الليثي قال: "ائتمر النبي- ﵌ وأصحابه- للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام
стр. 1087
أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة فذهب عمر إلى النبي- ﵊ ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك فما رأى عمر الا بلال يؤذن، فقال رسول الله- ﵌ حين أخبره بذلك: "قد سبق بذلك الوحي" (١) . ذكره ابن إسحاق في سيره عن ابن
جريج قال لي عطاء: سمدت عبيدا به، قال السهيلي: وقد عرفت رؤيا ابن
زيد ولم تعرف رؤيا عمر- رضي الله تعالى عنه-، وفي مسند الحارث ابن
[٥٠٩/ب] أبي أسامة: "أوّل من أذّن بالصلاة جبرائيل في السماء/الدنيا، فسمعه عمر وبلال فسبق عمر بلالا إلى النبي ﷺ وأخبره بها، فقال النبي ﷺ لبلال سبقك لها عمر" (٢) . وحديث عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم ﵇ في الحج: "وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر" (٣) . قال: فأذّن رسول الله صلي الله عليه وسلم رواه أبو الشيخ عن كتاب على بن مسلم نا مسروق نا إبراهيم بن المنذر نا عبد العزيز بن عمران عن ابن المؤمل عن ابن الرهين عنه، قال السهيلي: الحكمة بتخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي؛ فلأن رسول الله- ﵌ قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات، وهذا أقوى من الوحي، فلما تأخّر فرض الأذان إلىَ المدينة وأراد أعلام النّاس لوقت الصلاة يلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فواخت ما رآه ﵇، فلذلك قال: أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، وعلم حينئذ أنّ مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في
الأرض، وقوى ذلك موافقة، رؤيا عمر مع أنّ السكينة تنطلق على لسان عمر،
واقتضت الحكمة الإِلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي ﷺ لما فيه من التنويه بعده والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه وأفخم
لشأنه وهو معنى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ . وهو معنى ما ذكره
القاضي أبو بكر بن العربي والشيخ أبو العباس القرطبي، زاد: ويحتمل ألهم لماّ
стр. 1088
تفاوضوا في الأذان كان عبد الله وعمر غائبين فلمّا قدما وجد المفاوضة، فقال
عبد الله ما قال، وتلاه عمر، ولما رأى عمر قبول الرؤيا وصحتها قال: لا
تنادون إلى الصلاة/فقال ﵇ لبلال: "قم" وقال عياض: ظاهر قول [٥١٠/أ] عمر أولا يبعثون رجلاً ينادى بالصلاة ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها، قال النووي: وهذا الذي قاله أبو الفضل محتمل ومتعيّن، فقد صحّ في حديث ابن زيد أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى النبي
﵇ يخبره فجاء عمر فقال: "والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل
الذي رأى ". فهذا ظاهر أنه كان في مجلس آخر، فيكون الرافع الإعلام أولاً
ثم رأى ابن زيد الأذان فشرعه النبي ﵇ بعد ذلك إمّا بوحي، وإمّا
باجتهاده على مذهب الجمهور، وليس هو عملا بمجرد المنام، هذا ما لا شك
فيه انتهى، وفي هذا كله ذهول عن قول عمر: لقد رأيت مثل ما رأى ولكنه
سبقني ويحمل قوله أّلا تناودن إلى الصلاة على الأذان الشرعي؛ لأنه قال مثل
ما رأى عبد الله، وعبد الله رأى الأذان مفصلا وأخبر به كذلك، ولأنه قد
وافقهما على رؤياهما سبعة من الصحابة في تلك الليلة أيضًا حكاه صاحب
المبسوط، وفي كتاب الغزالي فأتى النبي ﷺ بضعة عشر رجلاً من الصحابة قد رأى كلّهم مثل ذلك، ولأنا قدمنا في صحيح أبي عوانة فأذّن بالصلاة؛ ولأنه لا خلاف أنهم كانوا قبل ذلك يؤذّن بها، بقولهم: الصلاة جامعة، ذكره ابن سعد عن ابن المسيب أو بقولهم الصلاة الصلاة كما قدّمنا، وفي قوله: قم
يا بلال حجّه لمشروعية الأذان قائمًا، وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا وهو مذهب
العلماء كافة إلا أبا ثور، فأنه جوّزه، ووافقه أبو الفرح فيما ذكره أبو الفضل،
واستضعفه النووي لوجهين: أحدهما: المراد بالنداء هنا الإِعلام، الثاني: المراد قم
واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة/، وليس فيه غرض للقيام في حال [٥١٠/ب] الأذان، قال: ومذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذّن قاعدًا بغير عذر صحّ أذانه لكن فاتته الفضيلة، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، وفي كتاب الإِشراف: أجمع مملّ من يحفظ عنه المعلم: أنّ من السنة أن يؤذّن المؤذن قائماً، وروينا عن أبي زيد الصحابي، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذّن وهو قاعد، وفي
كتاب أبي الشيخ عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه قال: حق وسنة
стр. 1089
مسنونة أّلا يؤذّن إلا وهو قائم طاهر، وقول الصحابي: وهو من السنة يدخل في المسند، وأمّا قول أبي عمير: لولا أنّ ابن زيد كان مريضا لأمره النبي- ﵌ بالأذان ومردّه ما ذكره الدارقطني، قال عبد الله: أنا رأيته أريده، قال له أنس: فأقم أنت وسيأتي ذكره أيضَا، وفي كتاب المحيط: وإن أذّن لنفسه فلا بأس بأن يؤذن قاعدَا من غير الناس، فإن أذّن قاعدا لغير عذر صح أذانه وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذّن قاعداً مع قدرته على القيام صحّ أذانه، فأمّا إذا أذّن على غير وضوء، فقد جوّزه إبراهيم قال: لا بأس أن يؤذّن على غير وضوء ثم ينزل فيتوضأ، وعن قتادة أنه كان لا يرى بأسَا أن يؤذّن الرجل وهو على غير وضوء، فإذا أراد أن يقيم توضأ، وعن عبد الرحمن بن الأسود: أنه كان يؤذّن على غير وضوء، وعن الحسن: لا بأس أن يؤذّن غير طاهر ويقيم وهو طاهر، وعن حماد: أنه كان لا يرى بأسَا أن يؤذّن الرجل وهو على غير وضوء، وكره ذلك جماعة، قال عطاء: الوضوء فرض وسنة، وفي حديث الزهري قال أبو هريرة: " لا يؤذّن إلا متوضئ " (١) ، ولما رواه الترمذي عن يونس عن الزهري مرسلا قال هذا أصح ورواه البيهقي (٢) من حديث الزهري) * (.
[٥١١/أ] /ما من يوم يمضى … منا إلا أمضى منا قَرنًا
قال أبو زكريا: وهذا البحر يسمى الغريب، والمشتق، وركض الخيل، وقطر الميزاب.
وفي رواية:
إن الدنيا قد غرتنا … واستهوتنا واستلهتنا
يا بن الدنيا مهلًا مهلَا … زن ما يأتي وزنًا وزنًا
стр. 1090
وعبد الله بن يزيد لم أر أحدَا ذكره في الشعر، ولا ألم بذكره، والله تعالى أعلم.
تم الجزء بحمد الله وعونه،
يتلوه- إن شاء الله تعالى- في الجزء الذي بعده
قوله- رحمه الله تعالى- ونفع بعلمه: باب الترجيع في الأذان، وصلى الله- تعالى- على سيدنا محمد النبي الأمي
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً،
وحسبنا الله ونعم الوكيل،
ولا حولي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
آمين
* * *
стр. 1091
/بسم الله الرحمن الرحيم
[٥١٢/أ] الترجيع في الأذان
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن يحيى، ثنا أبو عاصم، أنبأ ابن جريج
قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيرز
وكان يتيمَا في حجر أبي محذورة بن معين حتى جهّزه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم أبي خارج إلى الّشام، وإنّى أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن
أبا محذورة قال: خرجت في نفر فكنّا ببعض الطريق، فأذّن مؤذن رسول الله
صلي الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله- ﵌ فسمعنا صوت المؤذّن، ونحن عنده متنكَبُون، فصرخنا نحكيه نهزأ به، فسمع رسول الله
فأرسل إلى قومنا فأقعدونا بين يديه، فقال: "أيكم الذي سمعت صوته
قد ارتفع؟ فأشار إليَ القوم كلهم، وصدقوا فأرسل كلّهم وحبسني وقال لي:
" قم فأذّن "، فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ فأبقى على [٥١٢/ب] رسول الله صلي الله عليه وسلم/التأذين هو نفسه فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدَا رسول الله، أشهد أن محمدَا رسول الله، ثم قال لي: ارجع فمد من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدَا رسول الله، أشهد أن محمدَا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على
الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين
قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية
أبي محذورة ثم أمرّها على وجهه من بين يديه على كبده، ثم بلغت يد
رسول الله- ﵌ سرة أبي محذورة ثم قال رسول
الله- ﵌: " بارك الله لك وبارك عليك " فقلت: يا
رسول الله، أمرتني بالتأمين بمكة؟ قال: " نعم قد أمرتك "، فذهبت كل شيء
كان لرسول الله- ﵌ من كراهية، وعاد ذلك كله
محبة لرسول الله- ﵌، فقدمت على عتاب بن أسيد
стр. 1092
عامل رسول الله ﵌ بمكة فأذنت معه بالصلاة على أمر رسول الله ﵌. قال وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة على ما أخبرني عبد الله بن محيرز" (١) . ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان ثنا همام بن يحيى عن عامر الأحوص ثنا مكحولَا حدّثه أن ابن محيرز حدّثه أن أبا محذورة حدّثه قال: " علمني رسول الله ﵌ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة فذكره" (٢) ، هذا حديث خرجه مسلم (٣) مختصراً من حديث عن أبي محيرز فذكر: الله أكبر/ [٥١٣/أ] في أوله مثنى مثنى، وأبو عوانة من حديث ابن المديني عن معاذ بن هشام عن أبيه وابن مندة من حديث عبيد الله بن عمر عنه، وأما تخريج الحاكم (٤) له من جهة عبد الله بن سعيد عن معاذ ففيه نظرة لكونه في مسلم، وقال ابن القطان: والصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو تربيع البكر في أوله، كذلك رواه عن عامر جماعة منهم: عفان بن سعيد بن عامر وحجاج. ورواه عن هؤلاء الحسن بن علي. ذكر ذلك أبو داود عنه فكذلك يصحّ؛ فيكون الأذان تسع عشرة كلمة، وقد قيده بذلك في نفس الحديث كما قيد الإِقامة ليبلغ سبع عشرة كلمة، وقد وقع في بعض روايات مسلم لهذا الحديث مربعَا وهى التي ينبغي أن نستفيد من صحته وذكره البيهقي في كتابه. انتهى كلامه وفيه نظر، وذلك أنه يسقط منه هكذا رجل، وبيانه هو أن أبا داود إنما رواه عن الحسن بن على عن عفان بن سعيد بن عامر وحجاج عن همام عن عامر،
стр. 1093
وكذا رواه أبو عيسى- وسيأتي- ورواه ابن سعد في كتاب الطبقات عن
سعيد بن عامر وعفان عن همام بن يحيى عن عامر- والله تعالى أعلم-،
ولهذا إنّ أبا عمر حكى عن ابن السكن تفرد همام بروايته، ورواه أبو عيسى (١)
من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال:
أخبرني أبي وجدي جميعَا عن أبي محذورة، وعن أبي موسى عن عفان عن همّام عن مكحول به مختصرَا وقال: حسن صحيح، وكذا قاله في العلل حين ذكره بكماله، ولفظ ابن خزيمة (٢) ، وخرجه من حديث مكحول أن رسول الله صلي الله عليه وسلم "أمر نحواً من عشرين رجلا فأذنوا وعجبة صوت أبي محذورة، فعلمه فعلمه [٥١٣/ب] الأذان وعلمه الإقامة مثنى مثنى "./وعن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك مؤذن المسجد الَحرام قال: حدثني أبي وجدي جميعا عن أبي محذورة: " أن النبي- ﵇ أقعده فألقى عليه الأذان حرفا حرفا " قال بشر بن معاذ قال لي إبراهيم هو مثل أذاننا هذا، فقلت له: أعد علي قال أبو بكر بن خزيمة بن عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة وإّنما رواه عن ابن محيرز عن أبي محذورة، وقال الدورقي في أوّل الأذان: الله أكبر الله أكبر، ويأتي حديثه مثل لفظ حديث بندار عن أبي عاصم، وهكذا رواه روح عن ابن جرير عن عثمان بن السائب عن أم عبد الملك ابن أبي محذورة عنه قال في أول الأذان الله أكبر الله أكبر ثم نقله أربعاً، ورواه أبو عاصم وعبد الرزاق
عن ابن جريج وقال في أول الأذان: الله أكبر أربعَا، قال الحافظ أبو بكر: خبر أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل، وفي سؤالات الأثرم: قيل لأبي عبد الله: حديث أبي محذورة صحيح؟ قال: أما ثنا فلا أدفعه، وذكره ابن الجارود في منتقاة وحكى أبو عمر عن الشّافعي: أنه يقول في أوّل الأذان: الله أكبر
стр. 1094
أربعًا، وزعم أن ذلك محفوظ من رواية الحفاظ الثقات في حديث ابن زيد وأبي محذورة وهذه ريادة يجب (١) قبولها، والعمل بها عندهم في آل أبي محذورة إلى وفاته، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر: والأذان الذي علّم النبي- ﵌ أبا محَذورة ولم يزل عليه الحرمين قديمًا وحديثًا إلى يومنا هذا: التربيع، وقال الحافظ أبو عليا الطوسي في كتاب الأحكام، وذكره يقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال أحمد بن سنان: هذا الحديث أصل في هذا الباب فأمّا الإقامة فلا يختلف على واحدة واحدة إذ علّمها النبي-/﵌ أبا محذورة وأمر بها بلالا، وقد روى حديث أبي محذورة من غير وجه، وعليه العمل بمكة، قال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، ولفظ النسائي (٢) : " خرجت عاشر عشرة، فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فأرسل أبينا فأذّنا رجلاً رجلاً فكنت آخرهم " زاد الكجي: وكان ذلك في الحجرة"، وقد تقدّم من عند ابن خزيمة ما يردّه- والله تعالى أعلم- ورواه أبو حاتم في صحيحه بلفظ: فكنا في بعض طريق حنين وفي آخره، قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد من أهلي خبر أبي محذورة هذا، وفي كتاب النسائي وابن خزيمة قال ابن جريج: أخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب عن أبيه، وعن أم عبد المالك آنفا سمعنا ذلك من أبي محذورة، وزعم ابن القطان أن عثمان وأباه وأمه مجهولون، وهو مردود بما ذكرنا، قال ابن حبان (٣) أنبأ الفضل ابن الحباب ثنا مسدد ثنا الحارث ابن عبيد بن محمد بن عبد الملك ابن أبي محذورة عن أنه عن جدّه قال: قلت يا رسول الله:) علمني سنة الأذان (قال: فمسح مقدّم رأسي وقال: "تقول فذكره مرجعًا، ثم قال: فإن كانت صلاة الصبح. قلت. " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله لما واعترض أبو محمد الإشبيلي على هذا الحديث بقوله: هذا يرويه الحارث بن عمير عن محمد بن عبد الملك عن أبيه عن جدّه، ولا يحتج بهذا الإِسناد، وقال في
стр. 1095
البكري: الحارث بن عبيد يضعف، وقد روى عنه ابن محمد، وقال: هو من شيوخنا وهو كلام جيّد واعترض ابن القطّان على الأوّل، وهؤلاء عن الثاني وأصاب؛ لأنّ كلامه على الوسطى لا الكبرى ولكنه غالبا بين الصواب/وعدمه منها، قال: لأنه لم يبين عليه قال: وهي الجهل بحال محمد بن عبد الملك ولا يُعلم وروى عنه أبي الحارث، وهو أيضا ضعيف. قاله ابن معين، وقال فيه أيضًا: مضطرب الحديث، وكذا قاله ابن حنبل، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدى يحدث عنه، وقال: كان من شيوخنا، وما رأيت خيرا، فأمّا عبد الملك ابن أبي محذورة فقد روى عنه جماعة منهم: ابنه محمد والنعمان بن راشد وابنا ابنيه: إبراهيم بن عبد العزيز عن عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث أنّ الحارث خرّج له مسلم في صحيحه على طريق الاحتجاج، وقال الساجي: كان صدوقا، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، واستشهد به البخاري في موضعين من كتابه، وأمّا ما ذكره عن أحمد فقد جاء عنه خلافه، قال أحمد بن حميد: سألت أبا عبد الله عنه فقال: لا أعرفه، قلت: يروى عن هود بن شهاب؟ قال: لا أعرفه، قلت: روى عن هود عن ابن عباد عن أبيه عن جدّه عن عمر على أبيات بعرفات؟ فقال: نعم، هذا يروى عن عباد من غير هذا الوجه، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث غيره رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يزيد بن سنان، نا أبو عاصم وأشار الطحاوي في المشكل إلى بيوته، ورواه أبو داود (١) عن الحسن بن علي، نا أبو عاصم وعبد الرزاق عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن النبي- ﵇ بنحو هذا الحديث- يعني حديث الحارث بن عبيد- وفيه: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير/من النوم في الأول من الصحيح، قال أبو داود: ثنا النفيلي ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، سمعت جدّي عبد الملك يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: ألقى على النبي ﵌ الأذان فذكره، وفيه: فكان يقول في الفجر: فالصلاة خير من النوم وهو أيضا إسناد
стр. 1096
صحيح، قال: وثنا محمد بن داود ثنا زياد- يعني ابن يونس- عن نافع بن عمر الجرحى عن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد ألله بن محيرز عنه فذكر مثل حديث ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الملك ومعناه، ورواه النسائي عن عمرو بن علي ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة قال: "كنت أؤذن لرسول ألله صلي الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فأقول إذا وليت في ألآذان الأول حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم" ثني عمرو بن علي ثنا يحيي وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان بهذا الإسناد بحق، وقال عبد الرحمن بن مهدي: وليس بأبي جعفر الفراء، وأمّا ابن حزم فذكره في كتابه مصححا له، وقال: عن أبي جعفر المؤذن عن أبي سليمان كذا رأيته بأبياء بعد اللام وكأنه تصحيف من النسخة، وصوابه: سلمان، واسمه همام، وزعم المزي أن أبا جعفر هذا هو الفراء، وأنت ترى ابن مهدى نص على أنه ليس به، ولو كان الفراء لكان سندا صحيحا- والله تعالى أعلم-، ورواه أبو الشيخ عن إبراهيم بن محمد بن الحارث ومحمود بن أحمد بن الفرح ومحمد قالوا: ابنا إسماعيل بن عمرو البجلي، أنبأ الثوري، وفي آخره: " فدعاني ﵇ فمسح يده على رأسي" ثنا إبراهيم/بن محمد بن الحسن ثنا كلمة بن الخليل الكلاعي ثنا مروان ثنا النعمان عن عبد الملك بن أبي محذورة عن ابن محيرز الشّافعي عن أبي محذورة: "أن النبي- ﵌ علمه ألآذان وأمره أن يقول في الآذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم، مرتين" (١) وثنا الوليد بن أبان ثنا يعقوب بن سفيان نا موسى بن إسماعيل ثنا محمد بن راشد عن عبد الملك عن بن محيرز عن أبي محذورة: "أن النبي- ﵌ أمره أن يؤذِّن لأهل مكة وأن يدخل في أذانه في الغداة الصلاة خير من النوم" (٢) ، وفي هذا أيضا ردّ لما تقدّم من قول البيهقي في المعرفة: حديث أبي محذورة منقطع، ولما يفهم أيضا من قول أبي الشيخ في موضع
стр. 1097
آخر أن الحق شيء سأل ابن أبي محذورة عن التثويب فقال كان في أذان بلال، وفي سنن الدارقطني (١) بسند صحيح، ثنا أحمد بن العباس ثنا عباد بن الوليد أبو بدر ثنا الحماني ثنا أبو بكر بن عياش عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يقول: كنت غلاما صبيها فأذنت بين يدي رسول الله- ﵌ يوم حنين الفجر فلما بلغت "حي على الفلاح" قال النبي ﵌: "الحق فيها: الصلاة خير من النوم"، وقال ابن المنذر جاء الحديث عن أبي محذورة أنه قال: قال لي النبي صلي الله عليه وسلم "إذا أذنت الصبح فقل: الصلاة خير من النوم" (٢) وأمّا قول الشيخ في المهذَب: لم يحك أبو محذورة الترجيع، فمردود بما قدّمناه- والله تعالى أعلم-، وفي كتاب النسائي بسند صحيح آخر "أذان أبي محذورة لا إله إلا الله" (٣) ، ولما ذكره في الأوسط قال/: لم يروه عن هشام إلا ابنه. تفرد به ابن راهويه، قال ابن عبد البر: والتثويب في أذان أبي محذورة محفوظ معروف مشهور عند العلماء، وذهب مالك وأصحابه إلى أنّ التكبير في أوّل الأذان مرتين، قال: وقد روى ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة وفي أذان عبد الله بن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ أي: زمانه، ويؤيّده ما أسلفناه من عند الترمذي وأبي داود، وروى أبو بكر بن الجهم المالكي من طريق عماد بن سعد القرظ عن أبيه أنه سمعه يقول: أنّ هذا الأذان أذان بلال، فذكره مثنى، قال: والإقامة واحدة واحدة ويقول: قد قامت الصلاة، وكذا حديث أبي أمامة وسهلَ قال: سمعت معاوية يقول: "إذا كبرَ المؤذن اثنين كبّر اثنين، وإذا تشهّد اثنين تشهد اثنين، ثم التفت فقال: هكذا سمعت رسول الله- ﵌ يقول عند الأذان" (٤) ، وسيأتي له مزيد بيان- إن شاء الله تعالى- قال ابن المنذر في الأَشراف: لم
стр. 1098
يختلف مالك والشافعي إلا في أوّل الأذان، وقال سفيان وأصحاب الرأي: الأذان على حديثا عبد الله بن زيد مربعا، وقالت طائفة: الاختلاف في هذا من جهة المباح، وقال أحمد بن حنبل: إن رجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس، وكذلك قال إسحاق غريبه: قوله الله أكبر ذكر، فثبت أنّ أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر فقال أهل اللغة: معناه كبروا واحتجوا بقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطولُ
أراد دعائمه عزيزة طويلة/واحتجوا بقول الآخر بمعنى رجال أن أموت وإن أمت، فذلك سبيل لست فيها بأوحد أراد لست فيها بواحد، واحتجوا بقول معن بن أوس:
لعمرك ما أدرى وإنى لأرجل … على أينا تعدوا المنية أؤل
أرادوني لوصل واحتجوا بقول الأحوص عنه:
يا بيت هالكة التي أتغزل … حذوا لعدى وبه الفؤاد صوكل
إني لأمنحك الصدود وإنني … قسما أبيك مع الصدود لأميل
أراد لمائل واحتجوا بقول تعالى: ﴿وهو أهون عليه﴾
قالوا: فمعناه وهو هين عليه، قال ابن الأنباري في الكتاب الزاهر قال أبو العباس، وقال النحويون- يعني الكسائي والفراء وهشامَا- الله أكبر معناه: أكبر من كل شيء، فحذفت من؛ لأن أفعل خبر كما يقول: أبوك أفضل، وأخوك أعقل، فمعناه أفضل وأعقل من غيره، واحتجوا بقول الشاعر:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن … سراح لنا ألا ووجهك أنور
أراد: أنور من غيره، وقال معن بن أوس:
فما بلغت كف امرء متناول بها … المجد إلا حيث ما نلت أطول
ولا بلغ المهدون نحوك مدحة … ولو صدقوا لها الذي فيك أفضل
стр. 1099
أراد أفضل من قولهم قال: وأجاز أبو العباس: الله أكبر، الله أكبر، واحتج بأن الأذان سمع وقفاً لا إعراب فيه لقولهم: حي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يسمع على الصلاة والفلاح فكان الأصل فيه: الله أكبر بتسكين الراء فألقوا على الراء فتحة الألف من اسم الله تعالى، وانفتحت الراء وسقطت الألف، كما قال تعالى: ﴿آلم * الله لا إلى إلا هو﴾
أن الأصل فيه- والله أعلم- ﴿آلم * الله﴾ بتسكين الميم، فألقيت فتحة الألف على الميم، وسقطت إلا أن قال/: سمعت أبا العباس يقول: من يحذف في مواضع الأخبار، ولا يحذف في مواضع الأسماء من قال: أخوك أفضل لم يقل: إن أفضل أخوك، وإنما حدثت في مواضع الأخبار لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ، واعترض أبو إسحاق الزجاجي على أبي بكر؛ فإن هذا الذي حكاه عن ثعلب غير صحيح، واعتلاله غير مستقيم، وذكر كلاما طويلا أهمل فيه التنبيه عن البيتين الآخرين، وأنهما ليسا في ديوان معن وإنما هما ثابتان في ديوان الخنساء تمدح أخًا لها، حتى لقد استشهد العلماء بذلك في كلامهم، قال ابن محيط في كتاب البديع المنظوم تصنيفه: براعة الاستهلال أن يبتدي بما يدل على المقصود بالنظم الأول، كما قالت الخنساء تطري أخا لها: ولا مدحه إلا وذا المد أجمل، وما بلغت نف (١) إمرء … البيتين، وقوله: أشهد أن لا أله ألا الله قال أبو بكر: معناه عند أهل العربية أعلم أنه وأبين أن لا أله إلا الله، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿ما كان للمُشركين أن يَعمُرُوا مَسَاجد الله شَاهِدينَ عَلَى أنفُسِهم بِالكفر﴾ (٢) وذلك أنهم لما جحدوا نبوة النبي- صلى الله عليه واله وسلم- كانوا قد بينوا على أنفسهم الضلالة والكفر، قال حسان- رضى الله تعالى عنه-: نشهد أنك عبد المليك أرْسلت، ومن ذلك لهم: شهد الشاهد عند الحاكم معناه: قد بين له وأعلمه الخبر الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه: قضى الله تعالى، قال ابن الأنباري: وقول ابن العباس أحسن مشاكله، لكلام العربي قال الزجاجي: ليس
стр. 1100
حقيقة الشهادة ما ذكره، ولو كان معنى الشهادة البيان والإعلام لما كذب الله تعالى المنافقين في قوله ﴿وقالوا نشهد/إنك لرسول الله﴾ لأن البيان والإعلام إنما هو باللسان لا بالقلب، فقد قالوا بلسانهم وأعلموا، فكذبهم الله تعالى لأنّ الشهادة في هذا الموضع إنّما هي تحقق الشيء وتيقّنه، وكذّبهم الله تعالى؛ لأنهم أبينوا خلاف ما أظهروا، فقد تكون الشهادة على ضروب وأصلها تحقق الشيء وتيقّنه من شهادة الشيء أي: حضوره؛ لأن من شاهد شيئا فقد تيقّنه علما، واستعملت في موضعين آخرين أحدهما: الإقرار بالشيء، والآخر البيان والإظهار، فمن البيان والإظهار: ما ذكر في قوله تعالى: ﴿شاهدين على أنفسهما بالكفر﴾ (١) فأما شَهادة الشاهد في الحقوق فإنّما هي أخبار منه عما شاهده وتيقنه وأحضر للوقوف معاينة وسماعا، وأمّا الإقرار فما كان يؤخذ به المشركون في صدر الإسلام عن الدعاء أبيه، وهو أنهم كانوا يقاتلون حتى يستشهدوا فيحصن مالَه وتحقن دمه، فإنّما كان يراد منهم الإقرار بهذا، ألا ترى أن المنافقين كانوا على عهد رسول الله- ﵇ يقولون هذا، ويقرون به في الظاهر تبصيرهم حكم المسلمين ويبطنون خلافه، وأما الرسول، فمعناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذ من قول العرب: قد جاءت الإِبل رسلا إذا جاءت متابعة، قال الأعشى:
عريسقي ديار الناقد أصبحت غرضا وزورا أعنف عنها القود، والرسل القود: الخيل، والرسل: الإِبل المتابعة، ويقال في تثنيته رسولان وفي جمعه: رسل، ومن العرب من يوجد في موضع التثنية والجمع فيقول: الرجلان رسولك والرجال رسولك، قال الله تعالى: ﴿إنا رسولا ربك﴾ (٢) وفي موضع آخر: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ (٣) والأول خرج الكلام فيه على الظاهر، لأنه أخبار عن موسى وهارون- ﵉ والثاني قال يونس/وأبو عبيدة
стр. 1101
وحده لأنه في معنى الرسالة، كأنه قال: "أنا رسالة رب العالمين" واحتج يونس بقول الشاعر:
فأبلغ أبا بكر رسولا شريعة … فمالك بابن الحضرمي وماليا
ويقول الآخر:
ألا من يبلغ عنى حقاقا رسولا … يثبت اهلك منتهاها
أراد رسالة شريعة، واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
لقد كذب أبو أشوذ ما بحث … عندهم برسولا أرسلتهم
وقال الفراء: إنما وجد لابنه اكتفي بالرسول من الرسولين واحتج بقول الشاعر الليثي:
* وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخير
أرادوا خير الرسل فاكتفي بالواحد من الجمع.
قال أبو بكر: وفصحاء العرب أهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمدا رسول الله، وجماعة من العرب يقولون: من الألف عينا فيقولون أشهد أنّ محمدا رسول الله، قال أبو بكر: ان نشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزبير بن بشار قال:
أبو شاء لهند عن تصارحنا … ولست أنسى هوى هند وتنساني
وقال قيس بن الملوح المجنون:
أبا شبه (١) ليلى لا تراعى … فإنني لك أبيوم من وحشية تصديق
فعيناك عيناها وحيدك حيدها … سوى عن عظم الساق منك دقيق
أراد سوى أن فأبدل من الهاء يمينا، وقال أيضا: فما هجرتك النفس يا ليلى عن قلى فلتزولا عن قل منك نصيبها أتضرب ليلى عن ألم بأرضها. وما ذنب ليلى عن طوى الأرض ذنبها، أراد أن، قال أبو بكر وفي قولهم:
стр. 1102
أشهد أنّ محمدا رسول الله ثلاثة أوجه، الوجه المجتمع عليه: أن محمد يجوز أن محمد رسول الله، وأن محمدًا رسول الله، على أنني (١) أقول: ولا يجوز أن تبدّل عن الألف أو انكسرت عينًا إنّما يفعل ذلك بها إذا انفتحت/قال أبو إسحاق الزجاجي ليس ما ذكره في إثبات الرسول صحيحًا، ولو كان كذلك ما جاز لهم في أول مجيئه أبيهم أن يقول: إنّي رسول الله أبيكم ولابنه لم يتابع أبيهم بعد بأخبار، ولا يدري إلى ما يكون تعديل كان لا يقع عليه في الحال الأولى اسم رسول، ولا تجب له حجة على تأويله هذا، ولكان من أرسل إنسانًا في حاجة واحدة إلى آخر لم ينفذه قط، وفي غيرها لم يجز للمرسل أن يقول لصاحبه المنفذ أبيه أنى رسول فلان أبيك، وهذا غلط بيّن يدفعه استعمال الكتابة ذلك غير منكرين له، وإنّما الرسول بمعنى المرسل المنفذ من أرسلت أي: أنفذت وبعثت ولذلك قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى﴾ (٢) وقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (٣) ، ولذلك قيل في معناه: مبعوث، وإنّما غلط أبو بكر؟ لأنه رآه على مقول فتوهمه فما جاء على مقول، ولا يكون ذلك إلا لتكرار الفعل: نحو ضروب وشبهة من الأسماء المبنية من الأفعال للمبالغة، وليس كذلك وإنما هو اسم بغير تكثير الفعل بمنزلة عمود، وعنود، وعجوز، فهو وإن كان مشتقًا، فأنه يجرى مجرى الأسماء المختصة في الاستعمال، والدليل على صحة ما قلنا، قول سيبويه: أجمع النحويون من البصريين: أزيد أنت أبيه رسول؟ قالوا: برفع زيد لأن رسولا اسم لا يجرى مجرى الفعل، فكأنك قلت: أزيد أنت له عجوز؟ ولو كان من تلك الأسماء الجارية مجرى الفعل للمبالغة لنصبت أزيد أنت له ضروب، وأزيد أنت له شكور، وكذلك ما أشبهه، وهذا بيّن واضح. انتهى. أنشد المبرد في كامله: وحبيب في حماسة الوسطى لبعضهم:
وما هجرتك النفس بأمي أنها قلتك ولا إن قل منك نصيبها
стр. 1103
ولكنهم يا أملح الناس أولعوا يقول إذا ما جئت هذا حبيبها
وقرأهما السّمّري لنصيب، قال: ويقال هما لمعاد، وأما قوله حي على
الصلاة فذكر الفراء: ان حي في كلام العرب معناها: هلم وأقبل، وفتحت أبياء من حي بسكونها وسكون أبياء التي قبلها، كما قالوا: البيت، ولعل أبو بكر ومنه قول ابن مسعود:) إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ((١) معناه: اقبلوا على ذكر عمر، وفيه ست لغات: حي هلا بالتنوين، الثاني: فتح اللام بغير تنوين الثالث: تسكين الهاء وفتح اللام بغير تنوين، الرابع: فتح الهاء وسكن اللام، الخامس: حي هلا السادس: حي هلا على عمر، قال الزجاجي: أما الوجه الخامس بالنون فهو الأول بعينه. لأن التنوين والنون سواء، إما الفلاح
فذكر جماعة من أهل اللغة: هلموا إلى الفوز، قال أبو بكر: وقالوا: يقال قد
أفلح الرجل إذا فاز وأصاب خيرا، من ذلك الحديث الذي يروى) واستفلحي
برأيك (أي: فوزي برأيك قال لبيد: أعقلي إن كنت لما تعقلي: ولقد أفلح
من كان عقل، وقال تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ (٢) وقال آخرون
حي على الفلاح معناه: هلموا إلى البقاء أي: أقبلوا إلى سبب البقاء في الجنة، قالوا: والفلح والفلاح عند العرب البقاء أنشدنا أبو العباس:
لكل هم عن الهموم سعة … والمشي والصبح والفلاح سعة
قال لبيد: لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح، وقال عبيد
الحج ما شئت فقد يدرك بالضعف، وقد يخدع الأرنب فهذا من الفوز، وقال أصحاب البقاء: معنى قوله تعالى:) وأولئك هم المفلحون﴾ يعني الباقون في الجنة والفتح/، والفلاح عند العرب: السحور انتهى كلامه ولم يتبع عليه الزجاجي شيئا، ومما ينبغي أن يتبع عليه أمور: الأول: إطلاقه الفلاح البقاء، وأهل اللغة يقيدونه بالبقاء في النعيم، والخير قاله ابن سيده، وقال في التنزيل: ﴿وقد أفلح المؤمنون﴾ أي: نالوا البقاء الدائم في الخير، والفلاح، والفوز بما يغبط به وفيه صلاح الحال، الثاني: قوله من ذلك الحديث الذي يروى إلى
стр. 1104
آخره وليس وهو بحديث (١) إنّما هو من ألفاظ الطلاق من أيام الجاهلية، قال ابن سيده والنجرمي: وأمّا قول الهروي في الغريبين: وفي حديث ابن مسعود إذا قال الرجل لامرأته استفلحي برأيك، فليس حديثا مرفوعا للنبي ﵇ هل هو أثر هذا هو الاصطلاح، وأيضا فيجوز أن يكون قاله حاكيا عن العرب في الجاهلية؟ إذ ليست هذه اللفظة موضوعة للكناية عن الطلاق إجماعا الثالث: ولئن سلّمنا له قوله فليست هذه اللفظة بالحاء، وإن كان غيره سبقه إلى ذلك، وإنما هي الجيم كذا ذكره الزمخشري في الأساس، وأمّا قوله أنشدنا أبو العباس فذكر البيت وفيه لا فلاح معه فليس كذلك أنشده أبو العباس بن محمد بن- يزيد، وأحمد بن يحي فيما رأيت من مالية إنّما فيهما ألا يتابعه، وكذا أنشده أبو الفرح، وأبو علي العافي، وغيره، وذكر الحافظ أبو القاسم الجوزي فيما رويناه عنه في كتاب الترغيب والترهيب: أنَّ قول المؤذِّن الله أكبر أي: الله أعظم، وعمله أوجب، فاستعملوا بعمله واتركوا غيره، وقوله أشهد أن لا إله إلا الله أي: أشهد أنه واحد لا شريك له، ومعناه أنّ الله يأمركم بأمر فاتبعوه (٢) فأنه لا ينفعكم أحد إلا الله، ولا ينجيكم أحد من عذابه/إن لم تؤدوا أمره، وقوله أشهد أن محمدا رسول الله أي: أشهد أنّ محمدا أرسله أبيكم لتؤمنوا به وتصدقوه، ومعناه: قد أمركم بالصلاة والجماعة فاتبعوا ما أمركم به، وقوله حي على الصلاة أي: أسرعوا إلى أداء الصلاة، ومعناه: حان وقت الصلاة فلا تؤخّروها عن وقتها، وقوله حي على الفلاح أي: أسرعوا إلى النجاة والسعادة، ومعناه أن الله تعالى قال وقوله: الله أكبر أي: الله أعظم وأجلّ، وعمله أوجب فلا تؤخِّروا عمله، وقوله لا إله إلا الله أي: اعلموا أنه واحد لا شريك له، ومعناه أخلصوا أو ابتغوا بصلاتكم وجه الله تعالى.
стр. 1105
١١٤- باب السنة في الأذان
حدثنا هشام بن عمار نا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله صلي الله عليه وسلم علي قال: حدثني أبي عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أمر بلالا أن يجعل أصبعيه في أذنيه، وقال له: أنه أرفع لصوتك (١) هذا حديث أشار أبيه البخاري (٢) في صحيحه بقوله: ﴿ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه في أذنيه﴾ ولما ذكر الإشبيلي. حدثنا بهذا الإِسناد من عند أبي أحمد أتبعه بقوله: حديث أبي داود (٣) والترمذي (٤) أصح- يعني الذين في معنى ذلك الحديث- وهو حديث الاستدارة في الأذان، وسيأتي إن شاء الله تعالى قال أبو الحسن فإن كان هذا الكلام منه تضعيفا- وهو الظّن- فاعلم أن علّته هي أن عبد الرحمن المذكور وأباه وجدّه كلّهم لا يعرف له حال، وفي باب عبد الرحمن ذكره أبو أحمد/وعنده مجهولة كما قلناه. انتهى كلامه، وفيه نظر في موضعين، الأول: أبو محمد نفسه بيّن ضعف هذا الإسناد في موضع آخر من هذا الباب بعينه، فلا حاجة إلى تحرص أبي الحسن وظَنّه، وذلك أنه لما ذكر حديث أمر بلال أن يجعل أصبعيه في أذنيه: واتبعه ولم يذكر أبو أحمد في عبد الرحمن هذا جرحًا ولا تعديلا، وأما ابن حاتم فذكر تضعيفه عن ابن
стр. 1106
معين، فهذا كما ترى أبو محمد بينّا حاله عندها، وذهل عنها أبو الحسن، وفي قول ابن معين في عبد الرحمن: ضعيف يعني: بالنسبة إلى غيره لأنه ليس جرحا مفسدا لا سيما وقد عارضه من نصّ على عدالته وهو أبو حاتم بن حبّان، وزعم أبو إسحاق الصيرفي أنّ أبا عبد الله الحاكم ذكر له في مستدركه حديثا صحّح إسناده، وروى عنه جماعة، منهم معن بن عيسى وعبد الله بن الزبير الحميدي ومعلي بن منصور وإبراهيم بن موسى وعبد الرحمن المديني ويعقوب بن حميد بن كاسب وإسماعيل بن أبي عويس ومحمد بن الحسن المخزومي في آخرين، فيما ذكره أبو نعيم وغيره فذال عنه بحمد الله تعالى جهالة الحال والعين كما ترى، الثاني: عمار بن سعد ذكره ابن منده في كتاب الصحابة، وزعم أنّ له رؤية، وأبي ذلك أبو نعيم بقوله: إذ ذكره في كتاب الصحابة له رؤية فيما ذكره بعض المتأخرين وأخرج له هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعد، ثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن، حدثني أبي عن جدّي أن رسول الله كله: " كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص، ثم على أصحاب الفساطيط (١) قال الحافظ: وجدّه هو/سعد، وليس لعمار صحبة ولا رواية، إلا عن أبيه سعد، وحدّث به عن ابن كاسب مجودّا غير واحد، منه ما، ثنا سليمان، ثنا عليه بن سعيد، ثنا يعقوب بن كاسب، ثنا عبد الرحمن بن سعد عن عمّار بن سعد عن عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد وعن عمار وعمر بن سعد أبنى حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم عن سعد القرط أن النبي- ﵇: ما كان يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المطر لما (٢) انتهى، ولقائل أن يقول: الذي قاله ابن
стр. 1107
مندة لا يدفعه ما ذكره أبو نعيم لأنا عهدنا الصحابة المشهورين بالصحبة رووا عن التابعين، لهذا فلمّ يقل ابن مندة أن له صحبة، إنما قال: له رؤية وبينهما فرق معلوم، وإن كانت اسم الصحبة شاملة لهما فيما ذكره أبو عمر وغيره، فيجوز أن يروى حديثَا واحداَ مرفوعاَ عن النبي وآخر عن التابعين، ولا سيما والحديث المستشهد به على صحبة ليس هو المستشهد به على نفيها- والله تعالى أعلم-، ولئن سلمنا لأبي نعيم قوله: لا صحبة له، وأنه في عداد التابعين الذين ينظر في حالهم، فنظرنا في ذلك فوجدنا الحافظ أبا حاتم البستي ذكره في كتاب الثقات ووصفه برواية ابنه سعد عنه، وزاد ابن سرور عمر بن حفص أيضَا، وزاد ابن أبي حاتم: عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن زيد بن الخطاب، وزاد البخاري في الكبير: محمد بن عمار بن حفص، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة على شرط البستي رواها أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن رستة وابن أبي عاصم قالا: ثنا ابن كاسب ثنا عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد وعمر وعمار بن حفص عن آبائهم/عن أجدادهم عن بلال أن النبي- ﵌ قال له: ﴿إذا أذنت فاجعل إصبعيك في أذنيك فأنه أرفع لصوتك﴾ (١) عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرط وثقة وأباه ابن حبان، وذكر البيهقي في كتاب المعرفة حديثَا لعمر بن حفص وحسنه، ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث هشام بن عمار ثنا عبد الرحمن بن سعد حدثني أبي عن جدّه بلفظ: ﴿أنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم﴾ أمر بلالا أن يدخل أصبعيه في أذنيه قال: فأنه أرفع لصوتك " (٢) " وأن بلالا كان يؤذن مثنى مثنى " وتشهّده مضعف وإقامته مفردة (٣) ، و"قد قامت الصلاة" مرة واحدة وأنه: " كان يؤذن للجمعة على عهد رسول الله- ﵌ إذا كان الفيء مثل الشراك " (٤)
стр. 1108
وأن النبي صلي الله عليه وسلم: "كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص، ثم على أصحاب الفساطيط ثم يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة، ثم خطب على الناس، ثم انصرف من الطريق الآخر من طريق بنى زريق، وذبح ضحية عند طرف الزماق بيده بشفرة، ثم يخرج إلى دار عمار بن ياسر ودار أبي هريرة إلى البلاط (١) وكان ﵇ يذهب ماشيا ويرجع ماشيا " (٢) وكان ﵇ يكبر بين أصفاف الخطبة، ويكثر التكبير بين أصفاف الخطبة، ويكثر في خطبة العيدين (٣) ﴿وكان ﵇ إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا﴾ (٤) ، ووجدنا الحديث شاهدا صحيحا رواه أبو عبد الله/في مستدركه من حديث أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق عن سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وإصبعيه في أذنيه، ورسول الله- ﵌ في قبة حمراء من أَدَم " الحديث قال وهو صحيح على
стр. 1109
شرطهما جميعًا، وهما سنتان مسنونتان، وقال الترمذي: وخرجه من حديث
سفيان عن عون: هذا حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان، وقال بعض أهل العلم وفي الإقامة أيضا يدخل أصبعيه في أذنيه، وهو قول الأوزاعي عن عون عن أبيه قالَ:) رأيت بلالا يؤذن وقد جعل أصبعيه في أذنيه،. قال: باب إدخال الإصبعين في الأذنين عند الأذان: إن صح الخبر فإن هذه اللفظة لست أحفظهما ألا عن حجاج بن أرطأة، ولست أفهم اسمع الحجاج هذا الخبر من عون أم لا! فأنا أشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة، ورواه أبو عوانة الإسفراييني عن عمر بن شيبة ثنا عمر بن علي بن مقدم عن الحجاج بن أرطأة عن عون، وكذا أخرجه أبو بكر البزار في مسنده من حديث أبي عوانة عن حجاج، ورواه الطوسي من حديث الدرقي ثنا هشيم عن حجاج بن أرطأة عن عون وقال: يقال حديث أبي جحيفة حسن صحيح. انتهى ليس هذا منه تصحيحا لحديث (١) حجاج وإنّما أراد تصحيح حديث أبي جحيفة في نفس الأمر، وكذلك هو صحيح الأصل، وخرجه ابن ماجه عن أيوب بن محمد ثنا عبد الواحد بن زياد عن حجاج، وقال البيهقي في الكبير: الاستدارة ليست في حديث أبي جحيفة/من الطرق الصحيحة، وسفيان الثوري إنّما روى الاستدارة في هذا الحديث عن رجل عن عون، ونحن نتوهمه سمعه من الحجاج عن عون، والحجاج غير محتج به، ورواه عبد الرزاق عن الثوري عن عون مدرجا، وعبد الرزاق وهم في إدراجه ثم من جهة عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان حدّثني عون عن أبيه، فذكره من غير ذكر الاستدارة ثم قال: عقبة، وبالإِسناد ثنا سفيان حدثني من سمعه من عون: أنه كان يدور ويضع يديه في أذنيه، قال العدني يعني بلالا قال البيهقي: وهذه رواية ابن أرطأة عن عون قال وقد روينا من حديث قيس بن الربيع عن عون: الاستدارة، ووضع الإِصبعين في الأذان، ورواه حماد بن سلمي عن عون مرسلا لم يذكر أباه. انتهى، ولقائل أن يقول: أنها ليست في الطرق الصحيحة فليس
стр. 1110
صحيحا لما أسلفناه من عند الحاكم والترمذي وغيرهما، ولأن أبا نعيم رواه في مستخرجه عن أبي أحمد ثنا المطرز ثنا بندار ويعقوب ثنا ابن مهدى يا سفيان عن عون، فذكر استدارته وجعل الإصبعين في أذنيه، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن يوسف القاضي عن محمد بن أبي بكر ثنا مؤمل عن سفيان عن عون به، وفي هذا ردّ لما قاله البيهقي أيضا: وهم عبد الرزاق في إدراجه لمتابعة مؤمل وابن مهدى (١) ، فلو كان اعترض معترض: ما رواه أبو عوانة أيضا، نا أبو أمية ثنا القواريري عن ابن مهدي، فلم يذكر هذه الزيادة، قلنا له: بندار لا يقاس بغيره، لا سيما وقد تابعه يعقوب كما قدّمناه، وقد وجدنا لسفيان/متابعا مق طريق حسنة عند الطبراني، رواها عن الحسن بن العباس الرازي عن محمد بن نوح الرازي عن زياد بن عبد الله عن إدريس الأودي عن عون عن أبيه، فذكره، ورواه أبو الشيخ أيضا عن الصوفي ثنا علي بن الجعد ثنا حماد بن سلمة ح وأنبأ أبو يعلى ثنا إبراهيم بن الحجاج ثنا كامل ثنا حماد ح وثنا ابن ناجية نا الربيع بن ثعلب ثنا هشيم جميعا عن عون به، وشاهدا لجعل الإصبعين في الأذنين رواه أبو الشيخ عن محمد بن عمرو بن شهاب يا أبي ثنا إسماعيل بن عمرو ثنا المفضَّل بن صدقة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، فذكر حديثا روياه، وفيه: جعل إصبعيه في أذنيه ونادى، وقد روى ذلك أيضا في حديث أبي محذورة. قاله ابن المنذر في كتاب الأشراف، وزاد صاحب الغاية في شرح الهداية: أنه ضمّ أصابعه الأربع وجعلها على أذنيه، وفي سنن الدارقطني من حديث نائل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: أمن أبو محذورة ان يستدير في أذانه- نعني هذا كما ترى- ردّ لما قاله ابن خزيمة لا تحفظ هذه اللفظة إلا عن حجاج، ولما نزعه الشّافعيون (٢) وغيرهم أنّ الاستدارة لا تجوز، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: " إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ووضع إصبعيه في أذنيه" وثنا أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين أنه كان إذا أذن استقبل وأرسل يديه، فإذا بلغ: حي على
стр. 1111
الصلاة والفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن سيرين: " أن بلالا جعل إصبعيه في أذنيه في بعض آذانه وفي الإِقامة"/وفي المستدرك عن ابن المبارك أنه كان إذا رأى المؤذن لا يدخل إصبعيه في أذنيه
يصيح به، وفي كتاب أبي نعيم الفضل: ثنا سفيان بن أبي سنان عن سهل
أبي أسد قال: من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك، ونا حسن بن صالح
عن أبي سعد قال: رأيت سويد بن غفلة يدخل إصبعيه في أذنيه، وثنا حبان
عن مجالد عن الشعبي قال: قلت: أضع إصبعي في أذني إذا أردت؟ قال:
نعم، كليهما أو أحدهما يجزئك، وثنا مندل عن جعفر بن أبي المغيرة قال:
كان سعيد بن جبير إذا أذن يجعل إصبعيه في أذنيه - أو على - أذنيه قال:
وسمعت شريكَا قيل له: يجعل المؤذن إصبعيه في أذنيه، قال: نعم، وفي
كتاب الأشراف. وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق والنعمان ومحمد بن
الحسن، وقال مالك: ذلك واسع، حدثنا محمد بن المصفي الحمصي ثنا بقية عن مروان بن سالم عن عبد العزيز بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم وصيامهم " (١) هذا حديث في إسناده مروان بن سالم، وهو ضعيف متروك الحديث ماله عند أحد من الأئمة، وفي كتاب المعرفة من حديث ابن المديني:
نا محمد بن أبي عدي عن يونس عن الحسن قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وحاجتهم - أو حاجاتهم - " (٢) وفي السن للبيهقي: عن أبي محذورة، قال ﵇: " أمناء المسلمين على صلاتهم وسجودهم المؤذنون " (٣) في سنده يحيى بن عبد الحميد، وفيه كلام، وفي صحيح أبي حاتم البستي من حديث نافع بن سليمان: عن/محمد بن أبي
стр. 1112
صالح عن أبيه أنه سمع عائشة تقول: قال ﵊: " الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن " (١) ثم قال: سمع هذا الخبر أبو صالح عن عائشة على حسب ما ذكرناه، وسمعه من أبي هريرة مرفوعا، فمرة حدّث به عن عائشة، وأخرى عن أبي هريرة، وتارة وقفه عليها، ولم يرفعه، فأما الأعمش فأنه سمعه من أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا، وسمعه من سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، وقد وهم من أدخل بين سهيل وأبيه فيه الأعمش لأن الأعمش سمعه من سهيل لا أنّ سهيلا سمعه من الأعمش، لذا حكم بصحّة هذين الحديثين، وقد خالفه في ذلك غير واحد منهم أبو عيسى، فقوله: ورواه الثوري وحفص بن غياث وغير واحد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وروى أسباط عن الأعمش قال: حديث عن أبي صالح عن أبي هريرة، وروى نافع بن سليمان عن محمد بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة عن النبي ﵇ هذا الحديث، وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة، وسمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح، وقال ابن المديني: لم يثبت حديث أبي صالح عن أبى صالح عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح عن عائشة في هذا. انتهى السبب الموجب لضعف حديث الأعمش عن أبي صالح هو انقطاع ما بينهما، وإن كان قد سمع منه أحاديث ودلس عنه أشياء. ذكره الكرابيسي
стр. 1113
في كتاب المدلسين، وحتى قال أحمد فيما حكاه عنه الميموني: الأعمش عن أبي صالح منقطع، وهذا ينبغي أن يأؤل على حديث خاص سئل عنه أحمد/، فيوضح ذلك قول عباس عن ابن معين: قال سفيان الثوري لم يسمع هذا الحديث إّلا عن ابن أبي صالح، وفي كتاب أبي داود: ثنا أحمد نا محمد بن فضيل ثنا الأعمش عن رجل عن أبي صالح، وثنا الحسن بن علي ثنا ابن نمير عن الأعمش قال: نبئت عن أبي صالح، ولا أراني إّلا قد سمعته منه، وذكر البلخي عن محمد بن الصباح أنه لم يسمعه من أبي صالح، ولما ذكر ابن حبان في صحيحه خبر الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد: " يجاء بالموت كأنه كبش أملح " قال فبكيناه لأنه ليس متصل، قال شجاع بن الوليد عن الأعمش: سمعتهم يذكرون عن أبي صالح، فهذا كما ترى مدلس صرّح بالانقطاع، ودخول الواسطة، فلا يقبل خبره إجماعًا إلا على رأي من يرى قول ابن حبان سمع حسبت مقدم على من بقى، وقال البيهقي: لم يسمعه من أبي صالح بيقين إنّما سمعه من رجل عنه، وقد رواه عن أبي صالح أيضًا عن محمد بن حجارة، قال ابن عدي: وهذا لا يرويه عن ابن حجارة غير الحسن بن أبي صالح، وهو متروك، ورواه أحمد في مسنده عن قتيبة عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه به، وهو إسناد على شرط مسلم، ولا نعلمه ما رواه الطبراني عن فضيل بن محمد المغطى عن موسى بن داود الطيبى عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن أبي صالح عن أبي هريرة عن عائشة به، لضعف هذا الإسناد، وأما سبب تضعيف حديث عائشة، فلأن محمد بن أبي صالح غير معروف، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لا أعلم لسهيل وعباد بن أبي صالح إلا ما رواه حيوة بن شريج عن نافع عن محمد بن أبي صالح فذكر الحديث، قال والأعمش رواه عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكره/قلت: فأيهما أصح؟ قال: حديث الأعمش، ونافع ليس بقوى قلت محمد هو أخو عبّاد؟ قال: كذا يروونه، وذكر ابن عدي عن ابن معين أنه قال محمد هذا لا أعرفه، قال أبو أحمد: هذا الذي قال فيه ابن معين: لا أعرفه، فإن كان صاحب حديث " الإمام ضامن " فأنه يرويه عن أبيه عن عائشة، فإن عمل معلل هذا الحديث فأنه لا يصح، لأن أهل مصر رووه عن
стр. 1114
محمد عن أبيه عن عائشة، ورواه سهيل عن الأعمش عن أبي صالح، فالذي يصححه يقول: قد اتفق محمد وسهيل جميعا عن أبيهما، وقال سهيل عن أبي هريرة: وهو الصحيح، وقال محمد عن عائشة: ومن جعل محمدا أخا لسهيل فقد وهم، وليس في ولد أبي صالح من اسمه محمد، إنّما هم: سهيل وعباد وعبد الله ويحيى وصالح، وليس فيهم محمد - والله تعالى أعلم -، ولقائل أن يقول: هذه شهادة على النفي فلا تقبل، فتحتاج إلى ترجيح من خارج، فنظرنا وإذا نحن قد وجدنا راويًا عن محمد غير نافع، وهو هشيم بن بشير، فأنه لما روى عنه نسبه كما نسبه نافع، وهما عدلان حافظان والنسبة غيرهما، وقد ترجم أبو حاتم الرازي باسمه في كتاب الجرح والتعديل مفردًا، ونسبه إلى أبيه من غير تردد (١) ، وكذلك ابن حبان في كتاب الثقات بعد وصفة إيَّاه بالخطأ، وفي تاريخ البخاري الكبير: محمد بن ذكوان وهو محمد بن أبي صالح السمان أخو سهيل مولى جويرية بنت الأحمس العطفاني، حدّث فيه عن أبي مريم نا موسى بن يعقوب نا عباد، ابن أبي صالح، وكذا ذكره الحافظ أبو بكر بن مردويه في كتاب أسماء أولاد المحدثين تأليفه ونسبه مدنيًا، ولما ذكره الفسوي في تاريخه عرفه بآخر وسهيل وعباد. قرأت على/المعمر شرف الدين أبي زكريا المقدسي ﵀ عن العلامة بهاء الدين المصري عن الحافظ ابن طاهر التعري قال: أنبأ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار في صفر سنة ست وثمانين وأربع مائة أنبأ أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد القبيقي قراءة عليه أنبأ أبو بكر محمد بن عدي بن علي بن عدي ثنا علي بن عدي بن زجر ثنا أبو عبيد الآجري في شهر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين نا أبو داود بجميع كتاب الإخوة الذين يروى عنهم الحديث، فذكر جماعة، ثم قال: سهيل بن أبي صالح وصالح بن أبي صالح ومحمد بن أبي صالح وعباد، ويقال عبد الله بن أبي صالح، وكذا ذكره الحافظ عبد الغنى بن سعيد في كتاب " كنى الأباء والأجداد الغالبة على الأسماء "، وأبو زرعة الدمشقي في كتاب " الإخوة " من تأليفه ذكره كذلك فيتبين لك بمجموع ما
стр. 1115
سلف صحة هذين الحديثين، ولا علة ما وجه فيهما - والله تعالى أعلم -، وحديث عبد الله بن عمر - رضى الله تعالى عنهما - مرفوعا: " الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن " (١) الحديث ذكره ابن عدى في الكامل من حديث الكرسي عن أزهر عن ابن عون عن نافع عنه، وحديث أنس بن مالك مرفوعاً: " الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن " ذكره أيضا من حديث بقية عن ثور بن - يزيد عن أبان عنه، وقال: لم يجوز إسناده غير ابن مصفي عن بقية عن ثور، ورأيت غير ابن مصفي رواه عن بقية عمن حدّثه عن النبي، مرسل الحسن أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن " الحديث ذكره البيهقي من حديث ابن أبي عدى أنبأنا يونس عنه وفي لفظ: " المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وحاجتهم " (٢) /أو قال " حاجاتهم " قال: وقد روى ذلك عن يونس عن الحسن عن جابر، وليس بمحفوظ، وروى في ذلك عن
أبي أمامة، يعني ما رواه هو من حديث ابن المديني ثنا روح بن عبادة نا حماد بن سلمة أنبأ أبو محمد بن غالب سمعت أبا أمامة فذكره بزيادة:
" والأذان أحب إلي من الإِمامة "، وحديث أبي محذورة: قال رسول الله
صلي الله عليه وسلم: " أمناء الناس على صلاتهم وسجودهم المؤذنون " (٣) رواه أيضا من حديث الجياني عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدّه، وحديث ابن عمر يرفعه: " من أمّ قومَا فليتق الله، وليعلم أنه ضامن مسئول لما ضمن إن أحسن كان له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه من غير أن ينتقص من أجورهم شيئَا " (٤) وما كان من نقص فهو عليه، قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن أبي الحوراء إلا أبو الفضل يحي، ولا عنه
стр. 1116
ألا المعارك بن عباد، تفرد به يوسف بن الحجاج، وحديث جابر يرفعه: الإِمام ضامن فما صنع فاصنعوا (١) ذكره أيضا وقال: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد. تفرد به الحميدي، يعني عن موسى بن شيبة من ولد كعب بن مالك عن محمد بن كليب عنه. حدثنا محمد بن مثنى نا أبو داود نا شريك عن سماك عن جابر بن سمرة قال: " كان بلال لا يؤخّر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإِقامة شيئا (٢) . هذا حديث لما رواه أبو عيسى في جامعه عن أحمد بن منيع عن شريح بن النعمان عن حماد بن سلمة عن سماك فيما ذكره ابن عساكر والمزي، ولم أره في المكان الذي أشار أبيه لم يتبعه كلامًا وهو سند صحيح على رسم مسلم، ولفظه في المستدرك، وخرجه/من حديث إسرائيل عن سماك كان بلال يؤذن ثم يمهل فإذا رأى النبي ﵌ قد خرج أقام الصلاة، وقال: صحيح (٣) على شرط مسلم، ولم يخرجاه إنما ذكر مسلم حديث زهير عن سماك: كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، ولا يقيم حتى يخرج، فإذا خرج قام حتى يراه (٤) ولفظ أبي الشيخ ورواه من حديث شريك: " كان بلال يؤذن للظهر إذا دحضت الشمس، ورَّبما أخَّر الإِقامة ولا يؤخر الأذان عن الوقت وشاهده حديث علي بن أبي طالب: " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يكون في المسجد حين تقام الصلاة فإذا رآهم قليلا جلس ثم صلى، وإذا رآهم جماعة صلى " خرجه الحاكم من حديث داود بن رويشد عن الوليد بن مسلم ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع بن جبير عن مسعود - يعني ابن الحكم الزرمي- عنه
стр. 1117
قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وفي كتاب البيهقي من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز وعاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم أبي الثغر مرسلا وإسناده جيّد، وحديث جابر ابن عبد الله أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال لبلال: (إذا أذّنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحذر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الأكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته) رواه الحاكم (١) أيضا عن أبي بكر بن إسحاق أنبأ على بن عبد العزيز نا على بن حماد بن أبي طالب ثنا عبد المنعم بن نعيم الرماحي ثنا عمر بن فايد الأسواري نا يحيى بن مسلم عن الحسن وعطاء عنه، وقال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فايد والباقون شيوخ البصرة/وهذه سنَّة غريبة لا أعرف لها إسناداً غير هذا ولم يخرجاه، وقال أبو عيسى: حديث جابر هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وبمثله قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وقال البغوي: هذا حديث ضعيف الإِسناد وهو في أدب الأذان حسن، وقال البيهقي في الكبير: في إسناده نظر انتهى، وفي كلام الحاكم: نظر في موضعين: الأول: قوله ليس في إسناده مطعون فيه، وعبد المنعم بن نعيم طعن فيه أبو حاتم الرازي بقوله منكر الحديث، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا لا يجوز الاحتجاج به، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث، وذكره أبو جعفر في كتاب الضعفاء، وقال الساجي: كان ضعيفا وإن كان ابن سعد قال: هو. ثقة - إن شاء الله تعالى -، وقال أبو الحسن: كان بصريًا تقه، وأمّا يحيى بن مسلم أبو مسلم البكاء البصري وإن كان ابن سعد قال: هو ثقة- إن شاء الله تعالى-، وقال أبو الحسن: كان بصريا ثقة، فأنه لما سئل عنه أبو زرعة قال: ليس بقوى، وقال أبو حاتم: شيخ قيل له أيهما أحب أليك هو أو أبو حباب قال: لا هذا ولا هذا، قيل له: إذا
стр. 1118
لم يكن في الباب غيرهما عن أيهما يكتب قال: لا يكتب عنه شيء وقال القواريري: لم يكن يحيى يرضاه ابن معين وليس بذاك، وفي رواية البرقي: ضعيف، وفي رواية عباس بشر بن حرب: أحبّ ألي من مائة مثل البكاء وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذلك يعقوب بن سفيان وأثنى عليه لثناء أبو القاسم البلخي، وذكر عن محمد بن واسع أنه عص منه وقال أبو عبد الرحمن النسائي والأزدي: متروك الحديث، وقال علي بن الجنيد: هو مختلط، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: يروى/المعضلات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن السمعاني: كان يروى المعضلات والمناكير، وذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء وأبا عمر بن فايد فرماه جماعة بالوضع منهم علي بن المديني، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط خرج فيه عن عبد المنعم بن نعيم الرماحي قال ثنا يحيى فإن صحت هذه اللفظة يكون سمعه منه، وعنه- والله تعالى أعلم- الثاني: استغرابه حديث السُنَّة، وقد رواها علي بن أبي طالب عند الدارقطني من طريق عمرو بن سمر قال: " كان رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يأمرنا أن نرسل الأذان ونحدر الإقامة " (١) ولما ذكره في الأوسط قال: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن شمر إلا أبو معاوية، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم نا مرحوم بن عبد العزيز عن أبيه عن أبَي الزبير مؤذن بيت المقدس قال: جاءنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فقال: " إذا أذنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدر " (٢) . رواه الثوري وشعبة عن مرحوم، وثنا ابن أبي زرعة عن ابن أبي
стр. 1119
جعفر عن ابن عمر أنه كان يرتل في أذانه ويحدر الإِقامة وثنا مسعر عن عائشة أن النبي- ﵌: (كان إذا أقام المؤذن وهو يأكل لم يقم حتى يفرغ من طعامه) . (١) رواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن محمد بن صدقة ثنا أحمد بن سليمان الرحاوي ثنا معاوية بن هشام، نا سفيان عن هشام عن أبيه عنها وقال لم يروه عن سفيان إّلا معاوية، وحديث أبي هريرة أن رسول الله- ﵌ قال: " يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفسَا قدر ما يفرغ الأكل من طعامه على مهل، ويقضى المعتصر حاجته في مهل " (٢) سأل/أبو طالب أبا عبد الله عنه وأنكره إنكارا شديدا، وقال معارك وبن عباد العبدي: يعني رواية عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة: لا أعرفه، وعبد الله بن سعيد أبو عباد منكر الحديث متروك الحديث، وقال البيهقي: وقد روى عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا وليس بمحفوظ، وفي زيادات عبد الله في المسند أخبرنا حفص بن عمر الرماني نا محمد بن راشد الضرير ثنا معارك بن عباد عن يحيى الباهلي عن ابن بنت أبي الجوزاء عن أبى بن كعب قال رسول الله- ﵌ لبلال:) اجعل بين آذانك وإقامتك قدر ما يقضى المعتصر حاجته ويفرغ الأكل من طعامه ((٣) ، وحديث سلمان أن النبي- صلي الله عليه وسلم - قال لبلال: " اجعل بين أذانك وإقامتك نفسًا حتى يقضى المتوضئ حاجته في مهل أو يفرغ الأكل من طعامه في مهل " (٤) ذكره أبو الشيخ من حديث المعارك ابن
стр. 1120
عن يحيى بن أبي الفضل أحسبه عن سلمان، وفي السنن الكبير للبيهقي من حديث أبي النضر نحوه، وحكم عليه بأن سنده جيد. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: " كان آخر ما عهد إلى رسول الله " أن لا أتخذ مؤذنًا يأخذ على الأذان أجرًا " (١) . هذا حديث قال فيه الترمذي حسن، وخرجه الحاكم من جهة حماد بن سلمة عن الحريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله عنه أنه قال: " يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: أنت إمامهم واقتدى بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا " (٢) ثم قال هذا حديث صحيح على
стр. 1121
شرط مسلم، ولم يخرجاه/ (إنما خرج مسلم) (١) حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن المسيب عن عثمان أن النبي- ﵇ قال:" إذا أممت قومَا فخفف بهم الصلاة " الحديث، وسكت عنه الأشبيلي مصححا له وثبته ابن المنذر، ولفظ فضيل بن عياض عن أشعث بن سوار عن أبي الشيخ: " أخر ما عهد إلى رسول الله- ﵌ أن قال: صلى بأصحابك صلاة أضعفهم فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة " (٢) الحديث ولما ذكره الحميدي وابن أبي عمر العدني في مسندهما عن فضيل لم ينسباه، ولما صححه ابن حزم نسب أشعث أبي حمران وكأنه أشبه لضعف الأول وثقة هذا قال أبو الشيخ ثنا البغوي نا شيبان ثنا سلام بن مسكين عن يحيى البكاء قال سمعت رجلا قال لابن عمر: " إنى لأحبك في الله فقال له ابن عمر إنى لأبغضك في الله فقال سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله. قال: نعم إنك لتسأل على أذانك أجرا " (٣) زاد أبو نعيم وكان مؤذنا من مؤذني الكعبة، وفي كتاب الصحابة لأبي نعيم من طريق الليثي عن الحسن قال حدثنى خمسون صحابيًا أن النبي- ﵇ نهى عن الإِقامة والأذان بأجر قال ابن حزم: وروينا عن وكيع نا المسعودي عن القاسم أن ابن مسعود
قال: (أربع لا يؤخذ عليهن أجر القرآن والأذان والقضاء والمقاسم) وقد جاء في حديث أنس عن النبي- ﵇: " أجر المعلمين والمؤذنين والأئمة حرام " (٤) وفي حديث ابن عمر: نهى ﵇ عن التعليم والأذان
стр. 1122
والأجرة فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١) . ولكنهما غير صحيحين حتى أن ابن الجوزي/بالغ حتى ذكرهما في كتاب الموضوعات. قال أبو محمد بن حزم قال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموَالَكم بينَكُم بِالبَاطِلِ إلا أن تكُونَ تجَارةً عن تَرَاض منكُم﴾ (٢) . وقال- ﵇: " إنَّ دماءكم وأموالكم عَليكم حرام " (٣) فحرم تعالى أكل الأموال إلا بتجارة فكل مال حرام إلا ما أباحه نص أو إجماع متيقن، فلو لم يأت النهى عن أخذ الأجر على الأذان لكان حرامَا بهذه الجملة، ولا يعرف لابن عمر في هذه القصة مخالف، قال أكثر العلماء: وجاز أن يعطى على سبيل البر وهو قول أبي حنيفة وغيره، وقال مالك: لا بأس بذلك قال ابن المنذر، وقال الأوزاعي: ذلك مكروه. ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال، وقال الشافعي: لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي- ﵌ قال أبو بكر ويقول أبي حنيفة: أقول، وفي كتاب الخطابي: أخذ الأجرة على الأذان مكروه في مذاهب أكثر العلماء ومنع منه ابن راهوية. وقال الحسن: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله تعالى، وفي مشكل أبي جعفر الطحاوي قد قال قائل في هذا الحديث يعني حديث عثمان ما يدل على جواز أخذ الأجر على الأذان. فكان جوابَا أنه قدر الأجرة، وقد تكون بالإجارات المعقودات قبل الوجوب التي تستلزم المستأجر والأجير، وقد تكوَن على المثوبات والتنويلات عليها لفاعلها، وقد جاء القرآن العزيز بالمعنيين جميعا فقال في الإجارات المعقودات قوله تعالى: ﴿فإنْ أرضَعنَ لكُم فآتوهُن أُجُورهُن وأتمرُوا بَينَكُم بمَعرُوفٍ﴾ (٤) والائتمار لا يكون إلا عند الاختلاف فيما يقعد الإِجارات عليه، وأمَّا ما جاء بالأجر فيما سوى ذلك فقوله : ﴿قُلْ
стр. 1123
ما أسألُكُم عَلَيِه مِن أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ المتُكَلفِينَ﴾ (١) . وقوله تعالى: (قل ما
سألتكم من أجر/فهو لكم﴾ (٢) . فكان ذلك على المثوبات على الأفعال لا على عقود إجارات كانت قبلها فكان قوله- ﵇ لعثمان ما قد
ذكرناه عنه في هذا الحديث قد يكون على الأجر الذي يجعل ثوابا، وهو بلا كما يفعل الناس بمن يفعل الأفعال الذي يحمدونه عليها من التأذين في مساجدهم وعمرانها، واللزوم لها فينسلوهم على ذلك ما ينال أمثالهم ليدونوا وتكون قوة لهم عليه لا بإجارات متقدِّمات على ذلك فيكون ذلك محمودا من فاعله، ويكون من لا يقبل ذلك بهم بعلمهم بالنسب الذي قصد من أجله بذلك أليم أفضل من فعله بأمر النبي- ﵊ عثمان- ﵁ أن تتخذ مؤذنا أفضل المؤذنين، وأعلاهم رتبة في الثواب على الأذان، وترك التعوض عليه شيئا من الدنيا، والقياس أيضا فيمنع من استحقاق الأجر بالإجارات على الأذان، وذلك أنا وجدنا الإِجارات يملك بها المستأجر المنافع التي بذل الأجرة عليها للأجير ملكا تبيّن به عن دونه، وكان الأذان وما أشبهه من هذه الأشياء غير مقدور على ذلك ألا يجور الإِجارات عليها- والله تعالى أعلم-. وتبع ذلك أن أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد بقوله هذا الذي قاله الطحاوي: قياس غير صحيح إذ ليس من شرط صحة الإِجارة، وجوازها اًن يملك المستأجر منافع الأجير التي استأجره عليها أصل ذلك إجماعهم على جواز الاستئجار على بناء المسجد، والإِجارة على الأذان جائزة
بظاهر قوله- صلي الله عليه وسلم -:) من استأجر أجيرا فليأجره بأجر معلوم ((٣) ولم يخص أذانا من غيره. حدثنا أبو بكر/ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن أبي إسرائيل عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال:) أمرني رسول الله- ﵌ أن أثوِّب في الفجر، ونهاني أن أثوِّب في العشاء ((٤) هذا حديث قال فيه البزار: لا نعلمه رواه عن
стр. 1124
الحكم إلا أبو إسرائيل، وقال البيهقي في المعرفة: حديث بلال منقطع، وقال أبو عيسى: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسرائيل الملائي واسمه إسماعيل بن أبي إسحاق وأبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم يقال إنما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم وأبو إسرائيل ليس بذاك القوى، وبنحوه ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه انتهى كلامهما. وفيه نظر من وجهين الأول: أبو إسرائيل المعصوب برأسه الجنابة، قال فيه الإِمام أحمد: يكتب حديثه، وقال ابن معين: صالح الحديث، وفي كتاب التاريخ للبصري عنه: لا بأس به، وفي كتاب الكني للدولابي عنه: ثقة، وفي سؤالات الأثرم قلت لأبي عبد الله أبو إسرائيل: يكتب حديثه، قال: نعم، وأمسك قال: قلت: روي عن الحكم عن ابن أبي ليلى هذا الحديث يعني التثويب قال: نعم، قلت لأبي عبد الله عن بهز: أنه حمل عليه، وزعم أنه تكلّم في عثمان فقال أبو عبد الله: الكوفيون، الآن ثم سكت، وقال أبو حاتم: حسن الحديث جيّد اللقاء، وقال أبو زرعة الرازي: كوفي صدوق، وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: أبو إسرائيل لم يكن يكذب، وحديثه ليس مثل حديث الشيعة، وليس فيه نكارة وحدّث عنه الثوري بحديث باليمن، وقال عمرو بن علي: ليس من أهل الكذب، ورواه
البزار بسند لا بأس به يصلح أن يكون شاهدا لحديث أبي إسرائيل بل هو أمتن منه وأسلم منه من الانقطاع، ومن ابن عمارة عن علي بن حرب الموصلي ثنا أبو مسعود/عبد الرحمن بن الحسن الزجاج ثنا أبو سعد عن ابن أبي ليلى عن بلال وقال: هذا الحديث لا نعلمه رواه عن أبي سعد إّلا أبو مسعود يعني الراوي عنه يحيى بن آدم ويحيى بن عبد الحميد الحمان وعبد الله بن عمر عن أبان وأبو هاشم محمد بن علي وإسحاق بن عبد الواحد ومحمد بن عبد الله بن عمار وابن راهويه ومحمد بن أسباط وغيرهم، وفيما ذكره أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس القاسم الأجدى في طبقات أهل الموصل، ولما ذكره الخالديان في تاريخهما أحسنا عليه الثناء، وقول أبي حاتم الرازي فيه: يكتب حديثه، ولا يحتج به ليس تصريحَا بضعفه، وأبو سعد البقال وثقة: أبو أسامة،
стр. 1125
وقال أبو زرعة: صدوق، والثاني: انقطاع ما بين عبد الرحمن وبلال نص على ذلك: ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبيه أشار أيضًا البزار في مسنده، وقال البيهقي: هذا حديث مرسل ابن أبي ليلى لم يلق بلالا وأتبعه برواية يحيى بن جعفر عن علي بن عاصم أنبأ عطاء بن السائب ابن أبي ليلى عن بلال، وفي سؤالات مهتأ سألت يحيى وأبا خثيمة فقلت: ثنا أحمد ثنا علي بن عاصم فذكره فقالا ليس بصحيح، وقالا: ما روى هذا ثقة فقلت: قال لي أحمد هذا من السماع الدارشي على مضحكًا، وسألت أحمد عنه فقال: منكر، وفي سؤالات الميموني ثنا أحمد ثنا أبو قطن قال: ذكر لشعبة الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال الحديث فقال شعبة: لا والله ما ذكر أنّ ابن أبي ليلى ولا إسنادًا ضعيفًا قال أظن شعبة قال كنت أراه رواه عن عمران بن مسلم، وأما حديث سعيد بن المسيب عن بلال المذكور عند ابن ماجة بعد فمنقطع فيما بين سعيد وعنه، وقد وقع لهذا الحديث شواهد/غير ما أسلفناه، من ذلك: ما أنبأ به المسند المعمر أبو زكريا يحيى بن يوسف المقدسي- ﵀ أنبأكم العلامة بهاء الدين المصري عن الحافظ الثغري أنبأ أبو رجاء الحلقاني أنبأ أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي بن الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ثنا بن صبيح ثنا عبيد الله بن سعد ثنا عمى ثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: ذكر الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد قال: جاء بلال ذات غداة إلى صلاة الفجر فقيل له: أنّ رسول الله- ﵌ نام فصرخ بأعلى صوته: " الصلاة خير من النوم" قال سعيد: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر، قال أبو الشيخ: وثنا عبدان نا محمد بن موسى الجرشي ثنا خلف الحراز يعني البكاء قال: قال ابن عمر: جاء بلال إلى النبي- ﵌ يؤذنه بصلاة الصبح ورسول الله ﵌ قد أغفا فجاء بلال فقال: الصلاة خير من النوم فانتبه رسول الله صلي الله عليه وسلم:"أجعله في أذانك إذا أذنت لصلاة الصبح" (١) وثنا إبراهيم بن علي الهاشمي ثنا الزبير بن بكار ثنا