ـ[المصارحة في أحكام المصافحة]ـ
المؤلف: عبد الناصر بن خضر ميلاد
الناشر: المكتبة الرقمية في المدينة المنورة
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، حمْد المُحبِّين له والطائعين لأوامره ونواهيه، الملتزِمين بآداب ومحاسن الدِّين. نحمده حمْد المُذعِنين الممتثِلين لإرشادات سيِّد النبيِّين، والمُتحلِّين بكامل أدبه المبين وشرْعه إلى يوم الدِّين. والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيّدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ١. ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٢.
وبعد.
فإن ممّا يميِّز شريعة الإسلام عن غيرها من الشرائع، أنها جاءت لتُوافق فطرة الناس التي خلقهم الله عليها حسبما كانت الحكمة مِن خلْقهم؛ فكما حَوَتِ الأوامر والنواهي المقرِّرة للضوابط
стр. 3
المطلوبة في المعاملات -فضلاً عن جانب العبادات -، شملت أيضاً ما يتعلق بالأخلاق والآداب، وما يُعَدّ من محاسن السلوك ومكارم الأخلاق؛ بل إننا نجِد أنّ الإسلام قد أوْلى دائرة الأخلاق والآداب ومحامد السلوك كاملَ العناية وغايةَ الرعاية، عنايَته بالعبادات ورعايته للمعاملات، باعتبار أنّ الأخلاق هي ملاك الفرد الفاضل المؤدَّب بأدب الإسلام، وهي في ذات الوقت قوام المجتمع الرّاقي.
ولهذا، كان جانب الأخلاق والآداب، والقِيَم والشمائل والفضائل المرعيّة بين الناس، محلَّ اهتمام كبير في نظر الإسلام؛ فمكانةُ الأخلاق لديْه عظيمة، ومنزلته سامية، وقَدْره عالٍ مرفوعٌ. وهكذا مدح الله ـ المصطفى ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١. وقال ﵊: "إنّما بُعثتُ لأُتمِّم مكارمَ الأخلاق" ٢.
والجدير بالإشارة إليه: أنّ الأخلاق والآداب هي السِّياج
стр. 4
والإطار المعوَّل عليه في سلامة كافة التكاليف الشرعية الأخرى: عبادات، أو معاملات، أو غير ذلك ... فبدون تحقّق الأخلاق والالتزام بالآداب المرعيّة، لا تُؤدَّى هذه التكاليف على الوجه الأكمل، ولا تقع موقعَها اللائق بها.
ومما يجب التّفطّن له: أنّ الإسلام الحنيف قد اعتمد في التعامل بين أبناء المسلمين - بعد التزامهم بالعبادات على الوجه الصحيح - على حُسن الخُلُق والتّحلِّي بمحاسن الآداب الشرعية. فقد رُوي في الحديث الصحيح: "أكملُ المؤمنين إيماناً أحْسنُهم خُلُقاً" ١. وفي هذا، يقول ابن قيِّم الجوزية: "الدِّين كلّه الخُلُق؛ فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الدِّين"٢.
ولهذا، كان من الضروري عدم الاستهانة بالجانب الأخلاقي بحُجّة أنّ مخالفة هذا الجانب غيرُ قادحة في كمال إيمان العبد؛ وذلك لأنّ السلوك المعتبَر إطاراً لحياة الإنسان، إذا كان قد ارتضاه ذلك الإنسان أن يكون من خلال الشريعة الإسلامية الغرّاء، فإنه مطالَب بضرورة الإتيان به على وجْه ما ترتضيه تلك الشريعة
стр. 5
المحمودة بين كافّة الشرائع.
ومن هذه السلوكيات الإسلامية والآداب المطلوبة: آداب التحية في الإسلام عند اللقاء وعند المفارقة، من خلال آداب المصافحة. وقد وجدْتُ المناوي يقول في كتابه "فيض القدير": " ... أي تأديباً لهم وتعليماً لمعالم الدِّيانة ورسوم الشريعة، وحثًا على لزوم ما خُصَّتْ به هذه الأمّة من هذه التحية العظمى التي هي: تحيّة أهل الجنّة في الجنة"١.
فالإسلام قد حثّ على حُسن استقبال المسلم لأخيه، فرغّب في طلاقة الوجه وبشاشة صاحبه عند اللقاء، وجعل ذلك من الصَّدَقة التي يرتفع بها أجْر صاحبها؛ وذلك فيما رواه أبو زر ﵁ فقد قال ﷺ : "لا تحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن تَلْقى أخاك بوجْه طلْق" ٢. وطلاقة الوجْه هي: تَهَلُّلُه بالانشراح والابتسام عند اللقاء. وقد روى جابر بن عبد الله٣ ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "كُلُّ مَعروفٍ
стр. 6
صَدَقة. وإنّ مِن المعروف أن تَلْقَى أخاك ووجْهُك إليه مُنبَسط" ١.
ولهذا، كانت المصافحة مع البشاشة وطلاقةِ الوجه خيرَ دليل على الودّ والصّفاء والمحبة. فإلقاء السلام إيذانٌ بالأمان قولاً، والمصافحة مع البشر توكيدٌ لهذا الأمان. وفي هذا يقول فضل الله الجيلاني: " ... واعلمْ: أنّ التّصافح عند الملاقاة للتّأنيس، وتوكيد للتسليم القولي؛ فإنّ التسليم إيذان بالأمن قولاً، والتصافح نحو بيْعةٍ وتلقينٌ على ذلك، وتوكيد لما تلفّظاه بالتسليم، ليكون كلٌّ من المتلاقِيَيْن على أمْن من صاحبه"٢.
فالمصافحة من تمام التحية؛ فقد روي ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من تمام التحية: الأخْذُ باليد" ٣، كما روي
стр. 7
عنه قوله: "وتمامُ تحيّتِكُم بينكُم: المصافحة" ١.
ولما كان الاختلاف بشأن بعض أحكام المصافحة، وذلك من حيث وصْفها بالحكم الشرعي المناسب، فضلاً عن الخلاف بشأن المصافحة عقِب الصلوات، ومصافحة المرأة الأجنبية وما تعلّق بذلك من خلافهم في مدَى تأثير تلك المصافحة على الوضوء بالنقض من عدمه, فضلاً عن المصافحة عند اللقاء وعند المفارقة، ومصافحة الأمرد والمريض ومَن به عاهة، ومصافحة الجُنُب، ومصافحة غير المسلم، ونحو ذلك من الأحكام المتعلِّقة بالمصافحة.
لما كان الشأن هذا، استخرتُ الله سبحانه وعزمت على الكتابة في هذا الموضوع الذي أسميتُه: المصارحة في أحكام المصافحة، معتمداً على الله تعالى، سائلاً العون والمدد بكلّ ما من شأنه أن يوفِّقني الله سبحانه لإتمامه على الوجه المظهر لحكم الشرع فيه، وعلى هدْي مَن سبقني ممن وفّقهم الله في هذا السبيل.
стр. 8
وقد اشتمل البحث على مباحث تسعة على النحو الآتي:
المبحث الأول: التعريف بالمصافحة.
المبحث الثاني: مصافحة المرأة الأجنبية.
المبحث الثالث: مدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء.
المبحث الرابع: المصافحة عقب الصلاة.
المبحث الخامس: المصافحة عند المفارقة.
المبحث السادس: مصافحة الجُنُب.
المبحث السابع: مصافحة المريض ومَن به عاهة.
المبحث الثامن: مصافحة الأمرد.
المبحث التاسع: مصافحة غير المسلم.
والله سبحانه أسأل: أن يوفِّقني لإخراجه على الوجه اللائق - فمنه سبحانه العون -, وأن يرفع عنِّي الزلات والعثرات، وأن يكون هذا العمل في سجلّ حسناتي يوم العرض على الله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 9
المبحث الأول: التعريف بالمصافحة
مدخل
إنّ من المسلَّمات بديهياً: أنه يتحتّم على من يريد استبيان حُكم المصافحة في الشريعة الإسلامية: بيانُ الحدود المرعية لهذا الفعل بالكشف أوّلاً عن حقيقته بتوضيحه والتعريف به، كي يكون على بيِّنة من أمره وهو يطوف به في جنبات الشريعة الغرّاء. ولهذا كان من الملائم هنا إلقاءُ الضوء على المصافحة كمظهر من مظاهر الآداب الإسلامية، وذلك بتعريفها وتوضيح كيفيّتها وآدابها وحكمها وحِكمة مشروعيّتها، مع بيان أوّل من حدَثت منه المصافحة والمعانقة، وهو خليل الله إبراهيم ﵇.
وهذا ما أتناوله في المطالب الآتية:
стр. 10
المطلب الأول: تعريف المصافحة وكيفيتها
المصافحة: إلصاق صفحة الكفِّ بالكف، مع إقبال الوجه بالوجه؛ ولهذا كانت المصافحة الأخذ باليد، والتصافح مثْله. فهي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها: الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد. وهي بضمّ الميم وفتْح الفاء، مصدر "صافح" مِن وضْع يد شخص في يد شخص آخر١. تقول: صافحْتُه مُصافَحةً أي: أفضَيْتُ بيدي إلى يده٢.
اصطلاحاً: وضْع كفٍّ على كفّ، مع ملازمة لهما قَدْر ما يَفرغ من السلام ومن سؤال عن غرض٣.
وعلى هذا، يكون الترابط قائماً بين المعنى الاصطلاحي للمصافحة مع الإطلاق اللغوي بشأنها.
هذا، وإن للمصافحة كيفيّتها وآدابها الشرعية. فالأصل فيها: أن تكون باليد الواحدة من كلٍّ من المتصافحيْن. فقد وردت الأحاديث والآثار الموضحة لكيفية وآداب المصافحة بما يفيد أنّ المصافحة بحسب الأصل فيها تكون باليد الواحدة؛ فقد جاء في
стр. 11
حديث أنس ﵁: "فأخَذ أحدُهما بيدِ صاحبِه" ١، وفي حديث بريدة بن الحصيب: "فأخَذ بيدِه" ٢
كما أنّ هذه الكيفية هي المتمشِّية مع الإطلاق اللغوي للمصافحة. وعلى هذا، فالسُّنّة: أن تكون المصافحة بيدٍ واحدة، غير أنّ الإمام البخاري يرى أنّ المصافحة تكون باليديْن، وذلك على نحو ما سلكه في صحيحه حيث وجدْناه يُبوِّب فيه باباً بعنوان "باب الأخذ باليد. وصافح حماد بن زيد٣ ابن المبارك٤ بيدَيْه"٥.
стр. 12
وقد دعّم البخاري ما قنَّنه وأخذ مذهباً له بما روى عن ابن مسعود ﵁ بشأن التشهد ما نصّه: "علّمني رسول الله ﷺ وكفِّي بين كفّيْه التشهّدَ كما يعلِّمُني السورة من القرآن: "التحيات لله، والصلوات والطّيِّبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ... "" ١.
فقوله: "وكفِّى بيْن كفّيْه" يفيد: أنّ النبي ﷺ كان آخذاً بيدَي ابن مسعود، وإن كانت رواية هذا الحديث قد اكتفت بذكْر يدِ ابن مسعود الواحدة. فإنّ المستفاد: أنه لم يكن يصافح النبي ﷺ بيدٍ واحدة، لأنه لا يقبل أن يصافحه النبي بكلتا يديْه وهو يصافحه بواحدة؛ فالمستبعَد مِن مثْله أن يبسط يداً واحدة في حين أنّ النبي ﷺ قد بسط له اليديْن٢.
ونوقش هذا: بأن الوارد في حديث ابن مسعود غير مفيد في
стр. 13
الاستدلال هنا على المصافحة باليديْن عند التسليم, لأنّ الذي حدث من ابن مسعود بحضرة النبي ﷺ , وما كان على هذا الحال كان بغرض التعليم، وما نحن فيه خلافُه١.
غير أنه إذا كان العرف السائد والمستقرّ في أحد الأماكن يسير على المصافحة باليديْن، فلا بأس في اتّباعه خاصة وأنّ في هذا كبير مودّة، لاسيما وأن المصافحة ترتبط بأخلاقيات وآداب الإسلام العامة بما تُحدثه من إشاعة روح المودّة والصفاء والتراحم والتآخي بين المسلمين، وذلك على نحو ما أورده الإمام البخاري من أثر حمّاد وابن المبارك٢.
فالتصافح في الأصل باليد الواحدة، وإن كان باليديْن ففيه زيادة تأكيد المودّة والبهجة والسرور والبشر بلقاء صاحبه المسلم؛ وهذا إن كان على وجْه التبادل كان أثره عظيماً فيما بين الناس. وكيفية المصافحة
على هذا النحو هي: أن يَتمّ التصافح أوّلاً باليد الواحدة، ثم يشدّ على يد المصافح بيده الأخرى.
стр. 14
وهذا كله بمراعاة أنه إذا كان المقصود بالمصافحة باليديْن إلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى من المصافح، وإلصاق صفح كفّ اليسرى بصفح كفّ اليسرى - يعني: بالعكس في الهيئة بين المتصافحيْن، على صورة المقراض، يعني المقصّ -, فهذا لا يصحّ لأنه على هذه الحالة يكون هناك مصافحتان، ونحن مأمورون بمصافحة واحدة لا بمصافحتيْن، فضلاً عن أنّ هذا لا يتحقّق معه الغرض من المصافحة عند اللقاء.
ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا أيضاً: أنه يُستحبّ ألا يَنزع المصافِح يدَه من يد صاحبه حتى ينزع هو - يعني: المصافَح -. ودليل ذلك: ما رواه أنس بن مالك١ ﵁ "أنّ النبي ﷺ كان إذا لقيَه أحد من الصحابة فقام معه، قام معه - يعني: واقفاً - فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه. وإذا لقيَه أحد من
стр. 15
أصحابه فتناول يدَه ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي يَنزع يده منه. وإذا لقيَ أحداً من أصحابه فتناول أذنه –يعني: أحبّ أن يُسِرّ إليه– ناوله إياها، ثم لم يَنزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه"١.
وفي لفظ ابن ماجه: "كان النبي ﷺ إذا لقي الرجل فكلمه لم يصرف وجهه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف وإذا صافحه لن ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزعها ولم ير متقدما بركبتيه جليسًا قط".
стр. 16
المطلب الثاني: حُكم المُصافحة
المصافحة من الرجل للرجل وكذا من المرأة للمرأة: سُنّة، ويُندب إليها عند التلاقي؛ وقد أجمع على هذا كافّة الفقهاء في جميع الأعصار والأمصار. وجاء في "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ص": "اعلَمْ أنّها سُنّة مُجمَع عليها عند التلاقي"١. وقال المناوي: "فإنّ المصافحة سُنّة مؤكّدة "٢.
وقد أوضحتْ كثير من الأدلة مشروعيَّتها واستحبابها؛ فقد وردت السُّنّة النبوية المطهّرة والآثار الواردة عن صحابة النبي ﷺ , فضلاً عن إجماع الأئمة ﵏, بما يفيد تلك المشروعية على وجْه السُّنّة والاستحباب.
فمن السُّنّة المطهّرة:
стр. 17
١ - ما رواه البراء بن عازب١ ﵁ قال: "ما مِن مُسلمَيْن يلْتقِيان فيتصافحان، إلاّ غُفر لهما قبل أن يتفرّقا" ٢.
٢ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "قال رجل: يا رسول الله، الرجل منّا يلْقَى أخاه أو صديقه، أيَنْحَني له؟ - يعني: يُميل الرأس والظهر تعظيماً وتواضعاً -, فقال: "لا". قال: فيَلتزمه ويُقبِّله؟ قال: "لا". قال: فيأخذ بِيدِه ويُصافحُه؟ قال: "نعم" ٣.
٣ - ما رواه سلمان الفارسي٤ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال:
стр. 18
"إنّ المسلمَ إذا لقِيَ أخاه المسلم فأخذ بيده، تَحاتّتْ عنهما ذنوبُهما كما تَتحاتّ ١ الورقة في الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلاّ غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثْلَ زبَد البحر" ٢.
٤ - ما رواه البراء أيضاً أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيّما مسلميْن يلتقيان، فأخذ أحدُهما بيدِ صاحبِه فتصافحَا، وحمِدا الله تعالى جميعاً، تفرّقا وليس بينهما خطيئة" ٣.
٥ - كما روى أيضاً قولَ النبي ﷺ : "ما مِن مسلمَيْن يلتقيان، فيُسلِّم أحدُهما على صاحبه، ويأخذُ بيَدِه لا يأخذه إلا لله لا يتفرّقان حتى يغفر لهما" ٤.
стр. 19
ومن الآثار:
١ - ما رواه كعب بن مالك١ ﵁ قال: "دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ , فقام إليّ طلحة بن عبيد الله٢ يهرول حتى صافحني وهنّأني"٣.
٢ - ما رواه البخاري عن قتادة٤ ﵁ قال: قلت لأنس: "كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم"٥.
стр. 20
هذا فضلاً عن الإجماع:
فقد أجمع الفقهاء وأئمة المذاهب على مشروعية المصافحة، وأنّها سُنّة؛ وفي هذا يقول الإمام النووي عن المصافحة: "اعلَمْ أنّها سُنّة مُجمَع عليها عند التلاقي"١.
وقال ابن بطال: " ... المصافحة حَسنة عند عامّة العلماء، وقد استحبّها مالك"٢.
وجاء في "فتح الباري" قولُ ابن حجر: "قال ابن عبد البر٣: روى ابن وهب٤ عن مالك: أنّه كرِه المصافحةَ والمعانقة؛ وذهب
стр. 21
إلى هذا سحنون١ وجماعة. وقد جاء عن مالك٢ جوازُ المصافحة؛ وهو الذي
يدلّ عليه صنيعُه في "الموطإ". وعلى جوازه جماعة العلماء سلفاً وخلَفاً"٣.
هذا، وأوّل مَن صافح وعانق: خليلُ الله سيدُنا إبراهيم ﵇, وذلك عندما اجتمع بالإسكندر الأكبر بالحرم المكي الشريف؛ فقد صافحه خليل الرحمن وعانقه وقبّله بين عيْنيْه قبل المفارقة، وأعطاه الراية وأهداه للخير، وعمَّمَهُ. وتشرّع الإسكندر بشريعته ودخل معه في ملّته٤.
стр. 22
ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا: أنّ أوّل من حيَّا المسلمين بالمصافحة هم أهل اليمن؛ وفي هذا يروي أنس بن مالك ﵁ قوله: لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله ﷺ : "قد جاءكم أهلُ اليمن؛ وهُم أوّلُ من جاء بالمصافحة" ١.
وفي رواية أخرى: "قد أقبل أهلُ اليمن؛ وهُم أرقُّ قلوباً منكم". قال أنس: "وهُم أوّل من جاء بالمصافحة" ٢.
والمراد من مجيئهم بالمصافحة: إظهارُهم لها في الإسلام.
وقد روى الإمام أحمد عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: "يَقْدَمُ عليكم غداً أقوامٌ هم أرقُّ قلوباً للإسلام منكم"، فقدِم الأشعريّون، فيهم أبو موسى الأشعري٣. فلما دنَوْا من المدينة
стр. 23
جعلوا يرتجزون يقولون: "غداً نلقى الأحبّة: محمداً وحزبَه". فلما أن قدموا تصافحوا؛ فكانوا أوّل مَن أحدث المصافحة"١ أي: أظهروها في الإسلام.
стр. 24
المطلب الثالث: حكمة مشروعية المصافحة
المقرّر لدى عامّة المسلمين: أنّ الإسلام قد حرص على إشاعة روح الصفاء والإخاء بين الأفراد، بما يُحقِّق لهم كلَّ ما من شأنه إحداث الودّ والسعادة في الدنيا ليعود هذا على دينهم حباً وتنمية لكلِّ ما يقرِّب إلى الله سبحانه، فيسعدوا في الدارين؛ ولهذا فقد شرع الله ـ فضيلة إفشاء السلام بين المؤمنين، وجعل هذا الصنيع علامة على الحب في الله ولله سبحانه، ورتّب على هذا بعد تحقّق الإيمان دخولَ الجنة.
فقد ورد من رواية الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن سلام١ ﵁ قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس، أفْشوا السّلام، وأطعِموا الطعام، وصَلُّوا باللّيل والناسُ نيام، تَدخلوا الجنة بسلام" ٢.
стр. 25
كما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أوَلا أدُلُّكم على شيء إذا فعلْتموه تحاببْتم؟ أَفْشوا السّلام بينكم" ١.
هذا فضلاً عن أنّ الإسلام قد حثّ أيضاً على حُسن استقبال المسلم لأخيه، فرغّب في طلاقة الوجه وبشاشة صاحبه عند اللقاء، وجعل ذلك صَدَقة يرتفع بها أجر صاحبها. فقد روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "لا تحقرَنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلْقَى آخاك بوجْهٍ طلْق" ٢. وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ معروف صدقة. وإنّ من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك" ٣. والمعروف أنّ طلاقة الوجه هي: تهلُّله بالانشراح والابتسام عند اللقاء٤.
стр. 26
وفي هذا يقول الشيخ شمس الدين البديري١:
بشاشةُ وجْهِ المرْءِ خيرٌ من القِرى٢ ... فكيف بمَن يأتِي به وهو ضاحِكُ٣
وعلى هذا، كانت المصافحة مع البشاشة وطلاقة الوجه خيرَ دليل على الودّ والصفاء والمحبة بين المتصافحين؛ وهذا من أوجُه حُسن الإسلام وقوّة الإيمان بالله. فإلقاء السلام إيذانٌ بالأمان قولاً، والمصافحة مع البِشْر توكيد لهذا الأمان.
ولذا كانت المصافحة من تمام التحية؛ فمِمّا رُوي عن رسول الله ﷺ من حديث ابن مسعود قولُه: "مِن تمام التحية: الأخْذُ باليد" ٤. وفي
стр. 27
حديث ابن ماجه: "وتمام تحيّتِكم بينكم: المصافحة" ١.
هذا، ويُستحبّ تقديم السلام على المصافحة؛ فيسلِّم المسلم على أخيه أوّلاً عند اللقاء، ثم يُصافحه. فقد روى جندب ﵁ "أنّ النبي ﷺ كان إذا لَقِيَ أصحابه لم يصافحْهم حتى يُسلِّم عليهم"٢.
كما يُستحب عند المصافحة كذلك: حمْدُ الله تعالى, فيقول: "يغفر الله لنا ولكم"؛ وذلك فيما رواه البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا التقى المسلمان فتصافحا، وحمِدا الله واستغفراه، غفر لهما" ٣، وفي رواية أخرى ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أيّما مسلمَيْن التقَيا، فأخذ أحدُهما بِيد صاحبه فتصافحا، وحمِدَا الله تعالى جميعاً، تفرّقا وليس بينهما خطيئة" ٤.
стр. 28
ويستحب أيضاً: الدعاء عند المصافحة والمفارقة؛ فقد ثبت في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ "أنّ النبي ﷺ كان إذا لقِيَه الرّجل من أصحابه مسَحه –يعني: صافحه - ودعا له"١. وهكذا روى أنس قال: "ما أخذ رسول الله ﷺ بيَد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" ٢.
هذا، فضلاً عن أنه يُستحبّ كذلك: ألاّ يَنزع المصافحُ يدَه من يد المصافح له حتى يَنزع هو؛ وذلك على نحو ما استبان لنا عند الحديث عن كيفيّة المصافحة.
стр. 29
المبحث الثاني: مصافحة المرأة الأجنبية
مدخل
إنّ ما يثير النقاش بين المسلمين عامّة: مصافحة المرأة الأجنبيّة، وهي: كلّ امرأة ليست بزوْج ولا مَحرم للشخص. والرجل الأجنبيّ هو: كلّ رجل ليس بزوْج ولا مَحرم للمرأة١. فالأجنبيّ هو: الغريب. يقال: رجل جانِبٌ وأجنبيّ وجُنُب: غريب. والجمع: أجْناب وأجَانب. والجَنيب: الغريب. والجنابة: ضد القرابة.وجنّب الشيء، وتجنّبه فجانب، واجتنبه: بعد عنه٢.
والرجل يكون أجنبياً عن المرأة إذا حلّ له نكاحُها. فإن حرم عليه نكاحُها فهو مَحرم لها وهي مِن مَحارمه. والمَحْرم من النساء هي: كلّ امرأة حرم نكاحها على التأبيد. وجاء في "المغْني": " ... وذوات مَحارمِه: كلّ مَن حرم عليه نكاحُها على التأبيد، بنَسَبٍ أو رضاعٍ أو تحريم المصاهرة بسبب مباح"٣. وجاء في "صحيح"
стр. 30
مسلم بشرح النووي: "واعلَمْ: أنّ حقيقة المحْرم من النساء التي يجوز النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة بها: كلّ مَن حرم نكاحُها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فقولنا: "على التأبيد" احترازاً من أخت المرأة وعمّتها وخالتها ونحوهنّ. وقولنا: "بسبب مباح" احترازاً من أمِّ الموطوءة بشُبهة وبنتها؛ فإنهما تحرمان على التأبيد وليستا مَحرميْن لأنّ وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة لأنه ليس بفعل مكلّف. وقولنا: "لحرمتها" احترازاً من الملاعنة؛ فإنها محرّمة على التأبيد بسبب مباح، وليست مَحرماً لأنّ تحريمهما ليس لحرمتهما بل عقوبة وتغليظاً. والله أعلم "١.
فالمحرَّمات على التأبيد هنّ: اللّاتي يجوز الخلوة بهنّ، والنظر إليهنّ، والسفر بهنّ، ومصافحتُهنّ إذا أُمنت الشهوة.
هذا، وحتى نتمكّن من إلقاء الضوء على حُكم الشرع بشأن مصافحة المرأة الأجنبية، يلزمنا النظر في المحرّمات من النساء، ووجوه ذلك التحريم عدّاً ووضْعاً لِنَصِل إلى تحقيق القول من أصل المسألة وهو: بيان حُكم الشرع بشأن المصافحة. وبطبيعة
стр. 31
الحال، فإن استيفاء الموضوع لا يتمّ إلا باستكمال ما من شأنه معتبَراً من لوازمه وثمرته وهو: مدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء. والله نسأله التوفيق؛ فمِنه العون، وهو الميَسِّر للأمور ومهمّاتها لكي نصل إلى الهدف المنشود من خلال النظر في المطالب الآتية:
стр. 32
المطلب الأول: بيان المحرّمات من النساء
تحريم النساء يتّخذ عِدّة صوَر هي أسباب له، لأنه قد يكون بسبب النسب، وقد يكون بسبب الرضاع، كما أنه قد يكون بسبب المصاهرة. وفي الفروع الآتية، نستوضح هذا بما يناسب ظروف البحث.
الفرع الأول: المحَرَّمات بالنسب
ما حرم من النساء بسبب النّسب سبْعٌ هنّ:
١ - الأمّهات: وهنّ كلّ مَن انتسب إليهنّ بولادة، سواء وقع عليها اسم "الأمّ" حقيقة -وهي: التي ولدَتْك - أم مجازاً - وهي: التي ولدَت مَن وَلَدَك وإنْ عَلَتْ، كالجَدّات: أمّ الأمّ، وأمّ الأب وإنْ عَلَوْن - بصرف النظر عن كونهنّ وارثات مِن عدَمه، وذلك لقوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ١.
стр. 33
٢ - البنات: وهنّ كلّ أنثى انتسبَتْ إليك بولادتك، كالبنت الصّلبيّة، وبنات البنين والبنات وإنْ نزَلْن، وارثات أو غير وارثات؛ فكلّهن بنات محرّمات، لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ ١.
٣ - الأخَوات: وهذا يشمل ما يُطلق عليه اسم: "أُخت"، سواء كانت الأخت من الأبويْن، أمْ كانت من الأب، أمْ من الأمّ؛ أي: من الجهات الثلاث، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ٢.
٤ - العَمّات: وهنّ أخواتُ الأب مُطلقاً، يعني: سواء كانت العمّة من الأبويْن – أي: شقيقة للأب -, أمْ كانت مِن الأب، أمْ مِن الأمّ. ويَأخذ نفسَ الحُكم هنا أخواتُ الجدّات قريباً كان الجَدّ أمْ بعيداً، وسواء كان وارثاً أم لا، لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ ٣.
٥ - الخالات: وهنّ أخوات الأمِّ من الجهات الثلاث، يعني: سواء كان ذلك من جهة الأب والأمّ، أمْ من جهة الأب فقط، أمْ من جهة الأمِّ. وكذا أخوات الجَدّات وإنْ عَلَوْن؛ فكلّ جَدَّةٍ أمٌّ، وكلّ أُخت لِجَدّة خالة محرّمة، لقوله تعالى: ﴿وَخَالاَتُكُمْ﴾ ٤.
стр. 34
٦ - بناتُ الأخ: وهنّ كلّ امرأة انتسبَتْ إلى أخيك بولادة مِن أيّ جهة كان ذلك الأخ، يعني: سواء من الأبويْن، أمْ مِن الأبِ، أمْ مِن الأمِّ؛ فهي بنت أخ مُحرّمة، لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ ١.
٧ - بناتُ الأخْت: مِن أيّ جهة كانت تلك الأخت؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ ٢.
الفرع الثاني: المحرَّمات بالرّضاع
وهنّ بمِثْل المحرَّمات من النسب؛ فكلّ امرأة حرمتْ من النّسب حرم مثْلُها من الرضاع بنفس الدرجة. وهنّ: الأمّهات، والبنات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، على نحو ما ورد بِبيان المحرّمات من النسب بالمستويات السبعة؛ وذلك لقول النبي ﷺ فيما رواه عنه ابن عباس ﵁: "وإنه يَحْرُمُ من الرّضاعة ما يَحْرُم من النّسب" ٣.
стр. 35
ولم يتناول القرآن الكريم سوى اثنتيْن فقط من هؤلاء السّبْع، وهنّ: الأمّهات والأخوات من الرضاعة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١.
غير أنه لما كانت الأمُّ أصْلاً والأختُ فرعاً، ففي هذا: التنبيهُ على جميع الأصول والفروع من الرضاعة. فقد ذكر الله سبحانه صورةً واحدة مِن كلِّ قسْم تنْبِيهاً بها على الباقي. فذكَر من قسم قرابة الولادة: الأمّهات، ومن قسم قرابة الإخوة: الأخوات٢.
الفرع الثالث: المحرَّمات بالمصاهرة
المحرّمات بالمصاهرة أربعة مستويات، وذلك على النحو الآتي:
١ - زوجة الأب: فتحرُم على الرجل امرأةُ أبيه من الرضاع، مثْله في هذا مثْل النسب، سواء كان الأب قريباً أم بعيداً، وارثاً كان أمْ غير وارث. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا
стр. 36
مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١، وما رُوي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: "بينما أنا أطوف على إبل لي ضلّت، إذ أقبل ركْب أو فوارس معهم لواء. فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ إذ أتَوْا قُبّة، فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عُنقه. فسألْتُ عنه فذكروا أنه أعْرس بامرأة أبيه". وفي رواية قال: "لقِيتُ خالي - وفي رواية: عمِّي– ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسولُ الله ﷺ إلى رجل تزوّج امرأةَ أبيه مِن بَعْده أن أضرب عُنقه أو أقْتله، وآخُذ مالَه"٢.
ويستوي في الحُكم امرأةُ أبيه، وامرأة جَدِّه لأبيه أو لِأُمِّه، قرُب أمْ بَعُد. وكذلك يَحرم على الرجل مَن وطِئَها أبُوه بملْك اليمين أو شبهة٣.
٢ - أمّ الزوجة: وهذا التحريم يتمّ بمجرّد العقد، أي: العقْد على البنت يُحرِّم بذاته الأمّ سواء حصل دخولٌ أمْ لا. فمَن تزوّج امرأة، حرم عليه كلّ أمٍّ لها قريبة أو بعيدة، سواء كانت الأمّ مِن نَسَبٍ أم
стр. 37
رضاع؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ١. وبالعقْد على البنت، تدخل في نسائه؛ فتدخل أمّها في عموم الآية٢.
وقد روى عمرو بن شعيب٣ عن أبيه عن جَدِّه أنّ النبي ﷺ قال: "مَن تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن يَدخل بها، فلا بأس أن يتزوّج ربيبَته، ولا يحلّ له أن يتزوّج أمَّها" ٤.
٣ - الرّبيبة: وهي بنت الزوجة المدخول بها. فهي: كلّ بنتٍ للزوْجة مِن نسبٍ أو من رضاعٍ، قريبة أو بعيدة، وارثه أو غير وارثة؛ وذلك بمراعاة أنّ البنات لا تَحرم إلا بالدخول بالأمّهات، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٥.
стр. 38
ويستوي في هذا أيضاً: أن تكون تلك الرّبيبة في حِجْرِه أم لا؛ وهذا ما عليه عامّة الفقهاء، لقول النبي ﷺ لأمِّ حبيبة١ ﵄: "لا تَعْرِضْنَ عليّ بناتِكُنّ ولا أخواتِكُنّ" ٢. والقيْد الوارد في الآية السابقة قد خرج مخرج الغالب، وليس بقيْد في التحريم؛ وذلك لأنّ الغالب أنّ بنتَ الزّوجة يُربِّيها ويتولّى أمرَها زوجُ أمِّها. والمعروف أنّ ما خرج مخرج الغالب لا يصحّ التمسك بمفهومه؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ليس بشرْط للحُكم وإنما هو تأكيد للوصف فقط ٣.
стр. 39
٤ - زوجة الابْن: فالمقرّر أنه يَحرُم على الرّجل زوجاتُ أبنائه وأبناءِ بناته، مِن نسبٍ أو رضاع، قريباً كان الابن أو بعيداً، وارثاً أو غير وارث، لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ١. وهذا التحريم يتمّ بمجرّد العقد.
والحلائل: جمْعُ حليلة، يعني: محلَّلة. وسُمِّيَت امرأة الرجل: "حليلته" لأنها محلّ إزار زوجها، وهي محلَّلة له. وجاءت الآية بتقييد الأبناء بأبناء الصّلب لإخراج الابن بالتّبنِّي؛ فلا تحرم حليلتُه على مَن تبنّاه؛ وهذا ما جاء به الإسلام الحنيف. وبهذا ارتفع حُكم تحريمها الذي كان مقرّراً عند العرب في الجاهلية. وهذا لا يُفهم منه حِلّ حليلة الابن من الرضاع على أبيه، لأنها خرجت بقول النبي ﷺ فيما سبق: "يَحْرُم من الرّضاع ما يَحْرُم من النَّسَب" ٢.
стр. 40
الفرع الرابع: المحرمات بالجمع
يُراد بالجمع المحرّم هنا: الجمع بين الأُختيْن، والجمْع بين المرأة وعمّتِها، وخالتِها. وقد ورد تحريمُ الجمع بين الأختيْن في القرآن الكريم، بينما وردَت السُّنّة بتحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وبينها وبين خالتها.
فالجمْع بين الأختيْن مُحرّم، سواء كانتا من نسبٍ أمْ من رضاع، حُرّتيْن كانتا أمْ أَمَتيْن، أمْ حُرّة وأَمَة، من أبويْن، أمْ من أبٍ، أمْ من أمٍّ، قبل الدخول أمْ بعد؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ١.
وعلى هذا، فلو تزوجّهما في عقد، فسد ذلك العقد لأنّه لا مزيّة لواحدة على الأخرى. وأمّا إن تزوجّهما واحدةً بعد الأخرى، فنكاحُ الأولى صحيح ونكاح الثانية باطل لأنه هو الذي حصل به الجمْع المحرّم٢.