← Акыда

Акыда · id 8555

المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (345 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالجواب: أن يقال ليس هذا وجه المنع وإنما وجهه إنها حكاية مجهولة عن مجهول وهذا جنس إسناد الأكاذيب فلو قيل من هؤلاء العظام وما أسماؤهم وما زمنهم وما طبقتهم لمن يدر عنهم وأخبار المجهولين لا تقبل شهادة ولا رواية يقظة فكيف إذا كانت أحلاما والمعترض كثيرا ما يحكي عن هيا بن بيا ثم قال المعترض على قول المجيب وطلب الشفاعة من النبي ﷺ ممتنع شرعا وعقلا قال المعترض من أين هذا الامتناع وما دليله من العقل والسمع. فالجواب: أن يقال معلوم أن دليله من الجهتين لا تعرفه أنت ومن مثلك وإنما معرفتك في اللجاج الذي هو كالعجاج الذي يحوم في الفجاج. أما دليله من السمع فقد تقدم في آيات سورتي الزمر ويونس وغيرها وقد بسطنا القول في ذلك بما يغني عن إعادته فليرجع إليه. وأما دليله من العقل فالعقل الصحيح يقضي ويحكم بما يوافق النقل بأن النجاة والسعادة والفلاح وأسباب ذلك كله لا تحصل إلا بالتوجه إلى الله تعالى وحده وإخلاص الدعاء والالتجاء له وإليه لأن الخير كله بيده وهو القادر عليه وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ فتسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فالذي له الخلق والأمر والنعم كلها منه وكل مخلوق فقير إليه لا يستغني عنه طرفة عين هو الذي يستحق أن يدعى ويرجى ويرغب إليه ويرهب منه ويتخذ معاذا وملاذا ويتوكل عليه.

стр. 72

وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وقال المفسرون المحققون السلفيون المتبعون في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ولا يطلبون الحوائج إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الايمان ذكره العلماء في تفسيره وليتأمل ما ذكره لله عن صاحب ياسين من قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فهذا دليل فطري عقلي سمعي وأما قول المعترض أن قول الناظم ومن علومك علم اللوح والقلم أن من بيانية. فالجوب: أنه ليس كما قال بل هي تبعيضية ثم لو كانت بيانية فها ينفعه والمحذور بحاله وهو أنه يعلم ما في اللوح المحفوظ وقد صرح المعترض بذلك فقال ولا شك إنه أتي علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما يكون فالجواب: هذه مضاربه لما هو صريح في كتاب الله وسنة رسوله بأن الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما ليس إلا لله وحده كذلك علم الأولين والآخرين ليس إلا لله وحده إلا ما أطلع الله عليه نبيه في كتابه كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فالرجل في عمي عن قول من عمله الله تعالى بشيء من علمه وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ

стр. 73

بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وقد تقدم الكلام لهذه الآيات نظائر فإحاطة العلم بالموجودات والمعلومات التي وجدت وأستوجدت لله وحده لم يجعل ذلك لأحد سواه. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ فأسند علم وقت الساعة إلى ربه بأمره كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ وأمثال هذه الآيات مما يدل على أن الله تعالى اختص بعلم الغيب كله إلا ما استشناه بقوله: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ومن تبعيضية ها هنا بلا نزاع وقد قال الخضر لموسى ﵍ ما نقص علمي وعمك في جانب علم الله الا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر فتأمل هذا وتدبر وأما قول المعترض وتأويله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فتأويل فاسد ما قاله غيره ولا يقوله: مسلم من أنه يعلم الغيب بتعليم الله له والمنفي في الآية أن يعلمه بنفسه بدون أن يعلمه الله ذلك فما أجرأ هذا الجاهل على هذا التأويل وما أجهله بالله وبكتابه فيقال في الجواب لا ينفعك هذا التأويل الفاسد إذ لو كان أحد يعلم جميع الغيب بتعليم الله لصدق عليه أن يقال هذا يعلم الغيب كله الذي يعلمه الله فيها بقي على هذا لقصر علم الغيب على الله في هذه الآية معنى وحصل الاشتراك نعوذ بالله من الافتراء على الله وعلى كتابه وصرف ما لم ينزل الله به سلطانا وأما قوله: في قول الناظم إن لم تكن في آخذا بيدي أن الأخذ باليد هي الشفاعة فالجوب: أن حقيقة هذا القول وصريحة طلب ذلك من غير الله فلو

стр. 74

صح هذا الحمل فالمحذور بحاله لما قد عرفت من الاستغاثة بالأموات والغائبين والاستشفاع بهم في أمر هو من الله ممتنع حصوله من غير الله لكونه تألها وعبادة وقد أبطله القرآن فهذا المعترض الجاهل يدور على منازعة الله في حقه وملكه وشمول علمه والله يجزيه بعلمه وأما قول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ فقيل المراد بها الخمس المذكورة في سورة لقمان وهذا قبل أن يطلع نبيه عليها وإلا فقد ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله تعالى حتى علمه الله كل شيء حتى الخمس. فالجوب: أنظر إلى هذا المفتري الجاهل البليد كيف اقتفى أثر صاحب الأبيان بجميع ما اختلقه وافتراه وأكثر من الأكاذيب على أهل العلم فان قوله: ذكر عامة أهل أنه لم يتوفاه الله حتى علمه كل شيء حتى الخمس فحاشا أهل العلم الذين يعرفون بأنهم من أهل العلم من هذه المقالة وعامة أهل العلم بل كلهم على خلاف ما ادعاه سلفا وخلفا. قال أبو جعفر محمد بن جرير ﵀: في تفسير الكبير الذي فاق على التفاسير ابتدأ تعالى ذكر الخبر عن علمه بمجيء الساعة فقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾ والتي تقوم فيها القيامة لا يعلم ذلك أحد غيره ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماء لا يقدر على ذلك أحد غيره ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الإناث ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ يقول وما تعلم نفس ماذا تعمل في غد ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ يقول وما تعلم نفس حي بأي أرص يكون موتها ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يقول إن الذي يعلم ذلك كله هو الله دون كل أحد سواه وذكر

стр. 75

سنده عن مجاهد ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد وبلادنا جدبة فاخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فمتى أموت فأنزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة قال: فكان مجاهل يقول من مفاتيح الغيب التي قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . وأخرج بسنده عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية خمس من الغيب استأثر الله بهن فلم يطلع علهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وبسنده عن عائشة ﵂ من قال إن أحدا يعلم الغيب إلا الله فقد كذب وأعظم الفرية على الله قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وبالسند عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية ثم قال: لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث إلا الله ولا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله ولا يعلم أحد ما في الأرحام إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وبسنده عن مسروق عن عائشة قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية انتهى ما ذكره ابن جرير وذكر البغوي في تفسير حديث ابن عمر وعائشة المتقدم ثم قال: وقال

стр. 76

الضحاك ومقاتل: مفاتيح الغيب خزائن الأرض وقال عطاء ما غاب عنكم من الثوب وقيل انقضاء الأجل وقيل أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم وقيل ما لم يكن بعد أن يكون أم لا يكون وما لا يكون كيف يكون وانتهى. قلت ولا يعرف عن أحد من أهل العلم خلاف ما دلت عليه هذه الآيات المحكمات ونعوذ بالله من مخالفة ما أنزل الله في كتابه وما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله ﷺ وأجمع عليه العلماء فان الله استأثر بعلمه عن خلقه ووصف نفسه بأنه علام الغيوب ونعوذ بالله من حال أهل الافتراء والتكذيب. وأما قول ولو أن عبارات أهل العلم مثل البيضاوي وأبي السعود والقسطلاني وأمثالهم تجدي إليكم شيئا لذكرناها لكنها تمحى بلفظة واحدة وهي أنهم كلهم كفار فلا نقبل منهم لأحد ومن هذه حاله فلا حيلة به. فالجوب: أنه ليس للبيضاوي ومن ذكر عبارات تخالف ما قاله السلف والعلماء في معنى الآيات ومعاذ الله أن يقول المجيب إن هؤلاء كفار ولا يوجد عن لأحد من علماء المسلمين أنه كفر أحد قد مات من هذه الأمة فمن ظاهره الإسلام فلو وجد في كلامه زلة من شرك أو بدعة فالواجب التنبيه على ذلك والسكوت عن الشخص لما تقدم من أنا لا ندري ما خاتمته وأما هؤلاء الذين ذكرهم من المفسرين فإنهم من المتأخرين الذين نشأوا في اغتراب من الدين والمتأخرون يغلب عليهم الاعتماد على عبارات أهل الكلام مخالفة لما عليه السلف وأئمة الإسلام من الإرجاء ونفى حكمة الله وتأويل صفات الله وسلب معانيها ما

стр. 77

يقارب ما في كشاف الزمخشري والإرجاء والجبر يقابل ما فيه من نفي القدر وكلاهما في طرفي نقيض وكل واحد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة في ذلك ومعلوم أن صاحب الكشاف أقدم من هؤلاء الثلاثة وأرسخ قدما منهم في فنون من العلم ومع هذا فقال شيخ الإسلام البلقيني استخرجت ما في الكشاف من دسائس الاعتزال بالمناقيش وقال أبو حيان وقد مدح الكشاف ما فيه من لطيف المعنى ثم قال:- ولكنه فيه مجال لناقد ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا فيثبت موضوع الأحاديث جاهلا ... ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا وينسب إبداء المعاني لنفسه ... ليوهم أغمارا وإن كان سارقا ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا يقول فيها الله ما ليس قائلا ... وكان محبا في المخاطب وامفا ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أن ولجوه المضائقا إلى أن قال: لئن لم تدركه من الله رحمة لسوف يرى للكافرين مرافقا فإذا كان هذا في تفسير مشهور وصاحبه معروف بالذكاء والفهم فما دونه من المتأخرين أولى بأن لا يتلقى من كلامهم بالقبول إلا ما وافق تفسير السلف وقام عليه الدليل وهذا المعترض من جهله يحسب كل بيضاء شحمةيعظم المفضول من الأشخاص والتصانيف ولا يعرف ما هو الأفضل ولو كان له أدنى مسكة منفهم ومعرفة للعلماء ومصنفاتهم لعلم أن أفضل ما في أيدي الناس من التفاسير هذه الثلاثة التي نقلنا منها تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وتفسير الحسين بن مسعود البغوي وتفسير العماد إسماعيل ابن كثير فهذه أجل التفاسير

стр. 78

ومصنفوها أئمة مشهورون أهل السنة ليسوا بجهمية ولا معتزلة ولا قدرية ولا جبرية ولا مرجئة بحمد الله وأكثر ما في هذه التفاسير الأحاديث الصحيحة وآثار الصحابة وأقوال التابعين وأتباعهم فلا يرغب عنها إلا الجاهلون الناقصون المنقوصون والله المستعان. والمصنفون في التفسير وغيره غير ما ذكر البيضاوي وأبي السعود البحر لأبي حيان لأنه كثير ما ينقله في تفسيره عن السلف والأئمة وكذلك تفسير الخازن وبالجملة فمن كان من المصنفين أبعد عن تقليد المتكلفين وذكر عباراتهم ويعتمد أقوال السلف فهو الذي ينبغي النظر إليه والرغبة فيه وعلى كل حال فليس في تفسير البيضاوي وأبي السعود وشرح القسطلاني ومواهبه ما ينفع هذا الجاهل المفتري وكل يؤخذ من قوله: ويترك إلا رسول الله ﷺ . وقول المعترض على قول المجيب علماؤهم شر من تحت أديم السماء فيقال: هل ورد هل ورد هذا الحديث في أهل العراق فهم على عهد النبي ﷺ كفار مجوس أو فيما يأتي فهذه شناعة على غالب علماء الأمة ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وأمثالهم. فالجواب: أن هذا كلام من لا يعقل ولا يفهم شيئا ولا يفرق بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلالة ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". رواه البرقاني في صحيحه. وقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق كما افترقت اليهود والنصارى فاليهود افترقت إحدى وسبعين والنصارى على اثنتين وسبعين وهذه

стр. 79

الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وأول من فارق الجماعة في عهد الصحابة ﵃ الخوارج قاتلهم علي ﵁ بالنهروان والقدرية في أيام ابن عمر وابن عباس وأكثر الصحابة موجودون ومن دعاتهم معبد الجهني وغيلان القدري الذي قتله هشام بن عبد الملك وكذلك الغلاة في علي الذي خذ لهم على الأخاديد وحرقهم بالنار ومنهم المختار بن أبي عبيد الذي قتله مصعب بن الزبير ادعى النبوة وتبعه خلق كثير. ثم ظهرت فتنة الجهمية وأول من أظهرها الجعد بن درهم قتله خالد بن عبد الله القسري والصحابة ﵃ والتابعون والأئمة متوافرون وقت ظهور مبادي هذه البدع لم يلحقهم من ضلال هذه الفرق شناعة ولا غضاضة لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة منكرون لما خالف الحق وصح من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يأتي على الناس زمان ولا والذي بعده شر منه" حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم ﷺ وظهرت بدعة جهم بن صفوان في زمن أبي حنيفة وأنكرها وناظرهم وانتشرت في زمن الإمام أحمد ﵀: والفقهاء وأهل الحديث وامتحن الإمام أحمد فتمسك بالحق وصبر وصنف العلماء ﵏ المصنفات الكبار في الرد على الجهمية القائلين بخلق القرآن المعطلين لصفات الملك الديان كالإمام أحمد في رده المعروف وابنه عبد الله وعبد العزيز الكناني في كتاب الحيده وأبي بكر الأثرم والخلال وعثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة محمد بن خزيمة واللالكائي وأبي عثمان الصابوني وقبلهم وبعدهم ممن لا يحصى وهذا كله إنما هو القرون الثلاثة المفضلة ثم بعدها ظهرت كل بدعة الفلاسفة وبدعة الرافضة وبدعة المعتزلة وبدعة المجبرة

стр. 80

وبدعة أهل الحلول وبدعة أهل الاتحاد وبدعة الباطنية الإسماعيلية وبدعة النصيرية والقرامطة ونحوهم. وأما أهل السنة والجماعة فيردون بدعة كل طائفة من هؤلاء الطوائف بحمد الله فالأئمة متمسكون بالحق في كل زمان ومكان والبلد الواحد من هذه الأمصار يجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة وهؤلاء يناظرون هؤلاء ويناضلونهم بالحجج والبراهين وظهر معنى قول النبي ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وقال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيكون غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" وفي رواية "يصلحون ما أفسد الناس". وقد صنف العلماء ﵏ في بيان الاثنتين والسبعين فرقة عدة مصنفات وبينوا ما تنتحله كل فرقة من بدعتها المخالفة لما عليه أهل الفرقة الناجية وليس على الفرقة الناجية شناعة ولا نقص في مخالفة هذه الفرق كلها وإنما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق وصبرها على مخالفة هذه الفرق الكثيرة والاحتجاج بالحق ونصرته وما ظهر فضل الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد ومن قبلهما من الأئمة ومن بعدهما إلا بتمسكهم بالحق ونصرته وردهم الباطل وما ضر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وأصحابه حين أجلب عليهم أهل البدع وآذوهم بل أظهر الله بهم السنة وجعل لهم لسان صدق في الأمة وكذلك من قبلهم ومن بعدهم كشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: لما

стр. 81

دعا إلى التوحيد وبين أدلته وبين الشرك وما يبطله وفيه قال الإمام العلامة الأديب أبوبكر حسن بن غنام ﵀: تعالى:- وعاد به نهج الغواية طامسا ... وقد كان مسلوكا به الناس ترتع وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالأمعي ترفع فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع فهذا المعترض لو تصور وعقل لتبين له أن ما احتج به ينقلب حجة عليه وقول المعترض وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين فهذا ظاهر البطلان إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان ولو قيل إن هذا الحديث وأمثاله ورد في ذم نجد وأهلها فقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة شهيرة منها قوله: ﷺ : "لا يزالون في شر من كذابهم إلى يوم القيامة". فالجواب: أن نقول الأحاديث التي وردت في غربة الدين وحدوث البدع وظهورها لا تختص بمكة والمدينة ولا غيرهما من البلاد والغالب أن كل بلد لا تخلوا من بقايا متمسكين بالسنة فلا معنى لقوله: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين والواقع يشهد لما قلنا وقد حدث في الحرمين في أواخر عهد الصحابة ﵃ بل وفي وقت الخلفاء الراشدين ما هو معروف عند أهل العلم مشهور في السير والتاريخ وأول ذلك مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ثم وقعت الحرة المشهورة ومقتل ابن الزبير في مكة وما جرى في خلال ذلك من الفتن وصارت الغلبة في الحرمين وغيرها لأهل الأهواء فإذا كان هذا وقع في خي رالقرون فما ظنك فيما بعد حين اشتدت غربة الإسلام وعاد المنكر معروفا والمعروف منكرا فنشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان.

стр. 82

فالجواب أن نقول مهبط الوحي في الحقيقة قلب رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فهذا محل الوحي ومستقره وقوله: ومنبع الإيمان الإيمان ينزل به الوحي من السماء لا ينبع من الأرض ومحله قلوب المؤمنين وهذه السورة المكية في القرآن معلومة التي نزلت على النبي ﷺ وأكثر من في مكة المشركون وفيها ذمهم والرد عليهم كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ونحو هذه الآيات كما في فصلت والمدثر وغيرها. ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة وأهل الشرك لم يزالوا بها ومنعوا رسول الله ﷺ وأصحابه من دخولها بالوحي وقاتلوهم ببدر وأحد والخندق وهم كانوا آخر العرب دخولا في الإسلام حاشا من جاهر وكل هذا بعد نزول الوحي ونحن بحمد الله لا ننكر فضل الحرمين بل ننكر على من أنكره ولكن نقول الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس المرء علمه وعمله فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر وأهل الحق وأهل الباطل كما تقدم فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في محل الفضل لكثرة ثوابه وأهل الباطل لا يزيدهم ذلك إلا شرا تعظم فيه سيئاتهم كما قال تعالى: في حرم مكة ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فإذا كان هذا الوعيد في الإرادة فعمل السوء أعظم فالمعول عليه هو الإيمان والعمل الصالح ومحله قلب المؤمن والناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر وقوله: ولو قيل إن هذا الحديث ورد في ذم نجد وأهلها إلى آخره.

стр. 83

فأقول الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله: ﷺ : "اللهم بارك لنا في يمننا اللهم بارك لنا في شامنا" قالوا وفي نجدنا قال: "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" قيل إنه أراد نجد العراق لأن في بعض ألفاظه ذكر المشرق والعراق شرقي المدينة والواقع يشهد له لا نجد الحجاز ذكره العلماء في شرح هذا الحديث فقد جرى في العراق من الملاحم والفتن ما لم يجر في نجد الحجاز يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ كخروج الخوارج بها الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكمقتل الحسين وفتنة ابن الأشعث وفتنة المختار وقد ادعى النبوة وقتال بني أمية لمصعب بن الزبير وقتله وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عهده وعلى كل حال فالذم يكون في حال دون حال ووقت دون وقت بحسب حال الساكن لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل وإن كانت الأماكن تتفاضل وقد تقع المداولة فيها فإن الله يداول بين خلقه حتى في البقاع فمحل معصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر وبالعكس وأما قول المعترض منها قوله: ﷺ : "لا يزالون في شر من كذبهم". فالجواب: أن هذا من جملة كذبه على رسول الله ﷺ وجهله بالعلم لا يميز بين الحديث وغيره وهذا الكلام ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ في نفر من بني حنيفة سكنوا الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها وكانوا في مسجد من مساجدها فسمع منهم كلمة تشعر بتصديق مسيلمة فأخذهم عبد الله بن مسعود وقتل كبيرهم ابن النواح وقال في الباقين لا يزالون في بلية من كذابهم يعني ذلك النفر فلا يذم نجد بنفر أحدوثا حدثا في العراق وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن

стр. 84

الأول ولم يبق بنجد من يصدق مسيلمة الكذاب بل من كن في أواخر عهد الصحابة ﵃ ومن بعدهم بند يكفرون مسيلمة ويكذبونه فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله وزوال من يصدقه لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة وما ضر المدينة سكن اليهود فيها وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه معقل الإسلام وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ وشدة عداوتهم له بل هي أحب أرض الله إليه فإذا كان الأمر كذلك فأرض اليمامة لم تعص الله وإنما ضرت المعصية ساكنيها بتصديقهم كذابهم وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله فطهر الله تلك البلاد منهم ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام فصارت بلادهم بلاد إسلام بنيت فيها المساجد وأقيمت الشرائع وعبد الله فيها في عهد الصحابة ﵃ وبعدهم ونفر كثير منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم فقاتلوا مع المسلمين فنالت تلك البلاد من الفضل ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ : قال وهو بمكة لأصحابه: "أرأيت دار هجرتكم" فوصفها ثم قال: فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب ورؤيا النبي ﷺ حق وكفى بهذا فضلا لليمامة وشرفا لها على غيرها فإن ذهاب وهله ﷺ في رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر فظهر ذلك الفضل بحمد الله في القرن الثاني عشر فقام الداعي يدعو الناس إلى ما دعت إليه الرسل من أفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه وإقامة الفرائض والعمل بالواجبات والنهي عن مواقعة المحرمات وظهر فيها الإسلام أعظم من ظهوره في غيرها في هذه الأزمان ولولا ذلك ما سب هؤلاء نجد واليمامة بمسيلمة.

стр. 85

إذا عرف ذلك فليعلم أن مسيلمة وبنو حنيفة إنما كفروا بجحودهم بعض آية من كتاب الله جهلا أوعنادا وهذا المعترض وأمثاله جحدوا حقيقة ما بعث الله رسله من التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات التي تفوت الحصر وعصوا رسول الله ﷺ بارتكاب ما نهى عنه من الغلو والشرك فجوزوا أن يدعى مع الله غيره وقد نهى الله ورسوله عن ذلك في أكثر سور القرآن وجوزوا أن يستعان بغير الله وقد نهى الله ورسوله عن ذلك وجوزوا الالتجاء إلى الغائبين والأموات والرغبة إليهم وقد نهى الله ورسوله عن ذلك أشد النهي وجعلوا لله شريكا في ملكه وربوبيته كما جعلوا له شريكا في إلهيته وجعلوا له شريكا في إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها وقد قال تعالى: مبينا لما اختص به من شمول علمه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ الآيات. وهذه الأصول كلها في الفاتحة يبين الله تعالى أنه هو المختص بذلك دون كل من سواه ففي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اختصاص الله بالحمد لكماله في ربوبيته والهيته وملكه وشمول علمه وقدرته وكماله في ذاته وصفاته ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو ربهم وخالقهم ورازقهم ومليكهم والمتصرف فيهم بحكمته ومشيئته ليس ذلك إلا له ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه تفرده بالمالك كقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه قصر العبادة عليه تعالى بجميع أفرادها وكذلك الاستعانة وفي إياك نستعين أيضا توحيد الربوبية.

стр. 86

وهذه الأصول أيضا في ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، فهو ربهم ورازقهم والمتصرف فيهم والمدبر لهم، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ هو الذي له الملك كما في الحديث الوارد في الأذكار، لا اله الله وحده لا شريك له، الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ ، هو مألوههم ومعبود هم لا معبود لهم سواه، فأهل الايمان خصوه بالآلهية، وأهل الشرك جعلوا له شريكا يؤلهونه بالعبادة، كالدعاء والاستعانة والاستغاثة والالتجاء والرغبة والتعلق عليه ونحو ذلك. وفي ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، براءة النبي ﷺ من الشرك والمشركين، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ، فهذا هو التوحيد العملي وأساسه البراءة من الشرك والمشركين باطناًَ وظاهراً وفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، توحيد العلم والعمل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، يعني هو الله الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا ثد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ في الاثبات، الا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ، قال عكرمة عن ابن عباس ﵁، يعني الذين يصمد الخلائق اليه في حوائجهم ومسائلهم. قلت: وفيه توحيد الربويبة وتوحيد الآلهية، وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل، الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده، وقال الحسن أيضا: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد، كأن جعل ما بعده تفسيرا له، وقال سفيان بن منصور عن مجاهد: الصمد المصمت الذي لا جوف له، قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة: وكل هذا صحيحة وهي صفات ربنا ، وقال

стр. 87

مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ يعني لا صاحبه له وهذا كما قال تعالى: ﴿بدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو مالك كل شيء وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يسامته أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه قلت: فتدبر هذه السورة وما فيها من التوحيد الآلهية والربوبية وتنزيه الله عن الشريك والشبيه والنظير وما فيها من مجامع صفات كماله ونعوت جلاله ومن له بعض تصور يدرك هذا بتوفيق الله َ ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وأما قول المعترض المجيب ونوع الشرك جرى في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أقول هذه البردة متقدمة على زمن شيخ الإسلام ومع لم ينقل عنه فيها كلمة واحدة فالجواب: تقدم البردة على زمن شيخ الإسلام إن كان كذلك فماذا يجدي عليه وما الحجة منه على جواز الشرك وأيضا فشهادته هذه على شيخ الإسلام غير محصورة فلا تقبل، وهو لم يطلع إلا على النزر اليسير من كلام الإسلام، ولم يفهم معنى ما اطلع عليه، وهو في شق وشيخ الإسلام في شق، وليس في كلام شيخ الإسلام إلا ما هو حجة على هذا المعترض، لكنه يتعلق في باطله بمثل خيط العنكبوت، فان كان يقنعه كلام شيخ الإسلام ﵀، المؤيد بالبرهان فقد تقدم من كلامه ما يكفي ويشفي في تميز الحق من الباطل، وكلامه ﵀: في أكثر كتبه يبين هذا الشرك وينكره ويرده، كما رد على البكري حين جوز الاستغاثة بغير الله ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل وفهم أن كلام صاحب البردة داخل تحت

стр. 88

كلام شيخ الإسلام في الرد عليه والإنكار، وأنا أورد هنا جوابا لشيخ والإسلام عن سؤال من سأله عن نوع الشرك وبعض أفراده، فأتى بجواب عام شامل كاف واف. قال السائل: ما قول علماء المسلمين فيمن يستنجد بأهل القبور ويطلب منهم إزالة الألم، ويقول يا سيدي أنا في حسبك وفيمن يسلم القبر، ويمرغ وجهه عليه ويقول قضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ ونحو ذلك. الجواب: الحمد الله رب العالمين، الدين بعث الله به وسله وأنزل به كتبه وهو عبادة الله وحده لا شريك له واستعانته والتوكل عليه ودعاءه بجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الآيات وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآيات. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيز أو الملائكة، قال تعالى: "هؤلاء الذين تدعون عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي". فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف بمن دونهم قال تعال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء﴾ الآية؛ وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فبين سبحانه أنه من دعا من دون الله من جميع المخلوقات الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه وأنه ليس له شريك في

стр. 89

ملكه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنه ليس له عون كما يكون للملك أعوان وظهراء وان الشفعاء لا يشفعون عنده إلا لمن ارتضى فنفى بذلك وجوه الشرك وذلك أن من دعي من دونه إما أن يكون مالكا وإما أن لا يكون مالكا وإذا لم يكن مالكا فإما أن يكون شريكا وإما أن يكون شريكا وإذا لم يكن شريكا فإنا أن يكون معاونا وإما أن يكون سائلا طالبا فإما الربع فلا يكون إلا من بعد إذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وكما قال تعال: ﴿وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كان كافرا فكيف بمن اتخذ من دونهم من المشائخ وغيرهم أربابا فلا يجوز أن يقول لملك ولا لنبي ولا لشيخ سواء كان حيا أم ميتا اغفر ذنبي وانصرني على عدوي أو اشف مريضي أو ما أشبه ذلك ومن سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم ون جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي

стр. 90

وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ والآية الثانية وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وإن قال أنا أسأله لأنه أقرب مني إلى الله ليشفع لي لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم ولذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. وقد قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . فبين الفرق بينه وبين خلقه فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشافع فيقضي حاجته إما رغبة وإما رهبة وإما حياء وإما غير ذلك فالله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما يشاء وشفاعة الشافع عن إذنه والأمر كله لله فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ والرهبة تكون منه قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقد أمرنا أن نصلي على النبي ﷺ في الدعاء وجعل ذلك من أسباب إجابة دعئنا. وقول كثير من الضلال هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد منه لا يمكن

стр. 91

أن ندعوه إلا بهذه الواسطة ونحو ذلك هو من قول المشركين والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وقد روي أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت الآية. وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . ثم يقال لهذا المشرك أنت إذا دعوت هذا فإن كنت تظن أ، هـ أعلم بحالك أو يقدر على سؤالك أو أرحم بك من ربك فهذا جهل وضلال وكفر وإن كنت تعلم أن الله تعالى أعلم وأقدر وأرحم فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق أريد به باطل فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة فإن معناه أن يثيبه ويعطيه ليس معناه أنك إذا دعوته كان الله عند قضاء حاجتك أعظم مما يقضيه إذا دعوته أنت فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء فالنبي والصالح لا يعين على ما يكره الله ولا يسعى فيما يبغضك إليه وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرجمة والقبول منه فإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجب إذا دعوته أنا. فهذا القسم الثاني وهو أن يطلب منه الفعل ولا يدعونه ولكن يطلب أن يدعو له كما يقال للحي أدع لي وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ الدعاء فهذا مشروع في الحي وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا وأسال لنا ربك ونحو ذلك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر به أحد من

стр. 92

الأئمة ولا ورد في ذلك حديث بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى بالعباس ﵄ فقال: إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فلم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يا رسول الله أدع الله لنا أو استسقي لنا ونحن نشكوا إليك ما أصابنا ونحو هذا ولم يقله أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان بل كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه ثم إذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر بل ينحرون فيستقبلون القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما كانوا يدعونه في سائر البقاع. وفي الموطأ وغيره أن النبي ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وفي السنن أيضا أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني". وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ﵂ ولولا ذلك لأبرز قبره لكن خشي أن يتخذ مسجدا. وفي سنن أبي داود عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". ولهذا قال العلماء لا يجوز بناء المساجد على القبور وقالوا إنه لا يجوز أن ينذر لقبر ولا للمجاورين عند القبر لا من دارهم ولا زيت ولا شمع ولا حيوان ولا غير ذلك كله نذر معصية ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الصلاة في المساجد مستحبة ولا الدعاء هناك أفضل بل

стр. 93

اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد وفي البيوت أفضل من الصلاة عند قبر لا قبر نبي ولا صالح سواء سميت مشاهد أم لا وقد شرع الله ذلك في المساجد دون المشاهد قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ولم يقل في المشاهد وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . وذكر البخاري في صحيحه والطبري وغيره في تفاسيرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ وقالوا هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فتخذوا تماثيلهم أصناما فالعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان. ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين فإنه لا يتمسح به ولا يقبله وليس في الدين ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود. وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ولهذا لا يسن أن يقبل الرجل ركني البيت الذين يليان الحجر ولا يستلمهما ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين انتهى.

стр. 94

وقال ﵀: في الرد على البكري بعد كلام له سبق لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعائه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ومن الذي قال إنك إذ استغثت بميت أو غائب من البشر نبيا كان أو غير نبي كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ومن الذي شرع ذلك وأمر به ومن الذي فعل من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين إحداهما أن هذه أسباب الحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله والثانية أن هذه أسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كلما كان سببا كونيا يجوز تعاطيه إلى أن قال وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا وأن يستغيثوا به سواء كان ذلك عنده قبره أم لم يكن عند قبره بل نقول سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غير نبي من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين فان أحدا منهم ما كان يقول اذا نزلت به شدة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حبستك أو أقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها بل ولا أقسم بمخلوق على الله أصلا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا الصلاة عندها وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع

стр. 95

التي لم يفعلها وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر "معروف" الترياق المجرب وقول بعضهم فلان يدعى عند قبره وقول بعض الشيوخ اذا دعت حاجة فاستغث بي أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك فان هذا قد وقع فيه كثير من التأخرين وأتباعهم ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون المفضلة وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام والسفر إليها محدثة في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ﵂ ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجد. وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس "أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجدا ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك" وقد تقدم أن عمر لما أجدبوا استسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فلم يذهبوا إلى القبر ولا توسلوا بميت ولا غائب بل توسلوا بالعباس وكان توسلهم به توسلا بدعائه كالإمام مع المأموم وهذا متعذر بموته. فأما قول القائل عن ميت من الأنبياء والصالحين اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه أو بحرمة فلان فهذا لم ينقل لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا التابعين وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز فكيف يقول القائل للميت أنا استغيث بك واستجيرك وأنا في حسبك أو سل الله لي ونحو ذلك فتين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة لو قدر أن له تأثيرا فكيف

стр. 96

إذا لم يكن له تأثير صالح وذلك إن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل له الشياطين وربما كانت على صورة ذلك الغائب وربما كلمته وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما تفعل شياطين الأصنام فان أحدا من الأنبياء والصالحين لم يبعد في حياته إذا هو ينهى عن ذلك وأما بعد الموت فهو لا ينهى فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا بعبد. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدا" إلى آخره وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية إن هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ولهذا المعنى لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد. انتهى. وأخرج ابن أبي شيبه عن الزبير أنه رأى قوما يمسحون المقام فقال: "لم تؤمروا بهذا إنما أمرتم بالصلاة عنده" وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه الأمة أشياء ما تكلفته الأمم قبلها. فإن كان المعترض يستدل بكلام شيخ الإسلام فهذا صريح كلامه المؤيد بالأدلة والبراهين وكلام العلماء كمثل كلام الشيخ في هذا المعنى كثير جدا ولو ذكرناه لطال الجوب وأما قول المعترض بل مدح الصر صري وثنى عليه بقوله: قال الفقيه الصالح يحي بن يوسف الصرصري في نظمه المشهور. فالجوب: أن هذا من جملة أكاذيب المعترض على شيخ الإسلام وغيره.

стр. 97

وقد كذب على الإقناع والشفا وليس في الكتابين إلا ما يبطل قوله: وفي الحديث إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وإلا فكلام شيخ الإسلام في رد ما يقوله: الصر صري وإنكاره موجود بحمد الله قال ﵀: في رده على ابن البكري بعد وجهين ذكرهما. الثالث: أنه أدرج سؤاله في الاستغاثة به وهذا جائز في حياته لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد العلماء ولكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة وكمحمد بن النعمان وهؤلاء لهم دين وصلاح لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام وليس معهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه وأكثرهم من يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه ويدعو به ويدعو عنده وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب الله أو سنة رسوله أو قول عن الصحابة والأئمة وليس عندهم إلا قول طائفة أخرى قبر معروف ترياق مجرب والدعاء عند قبر الشيخ مجاب ونحو ذلك ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب والأوثان فإن الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها وأ، ها قد تخاطب أحدهم ولا يراها ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا لطال المقال وكلما كان القوم أعظم جهلا وضلالا كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو لباس أو غير ذلك وهو لا يرى أحدا أتاه به فيحسب ذلك كراهة وإنما

стр. 98

هو من الشيطان وسببه شركه بالله وخروجه عن طاعة الله ورسوله إلى طاعة الشيطان فأضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل عباد الأصنام انتهى ما ذكره شيخ الإسلام ﵀: من إنكاره ما في شعر الصرصري وغيره من هذه الأمور الشركية وبين أسبابها. وأما قول المعترض وفيه توسل عظيم إن لم يزد على قول صاحب البردة لم ينقص عنه. فالجواب: إن هذا من عدم بصيرته وكبير جهله فإن من له أدنى معرفة وفهم يعلم أن بين قول صاحب البردة وقول الصرصري في أبياته تفاوتا بعيدا فقد نبهنا على ما يقتضيه كلام صاحب البردة من قصر الهية والربوبية والملك وشمول العلم على عبد شرفه الله بعبوديته ورسالته ودعوة الخلق إلى عبادته وحده وجهاد الناس على ذلك وبلغ الأمة ما أنزله الله تعالى عليه في الآيات المحكمات في تجريد التوحيد والنهي عن الشرك ووسائله كما قدمنا الإشارة إليه. وأما الصرصري ففي كلامه التوسل بالنبي ﷺ والاستغاثة به بلا قصر ولا حصر للاستغاثة والاستعانة في جانب المخلوق وقد أنكره شيخ الإسلام ﵀: وذكر أنه لا دليل من كتاب ولا سنة عليه ولا قال به أحد من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد بين ﵀: أن استغاثة الحي بالحي إنما هي بدعائه وشفاعته وأما الميت والغائب فلا يجوز أن يستغاث به وكذلك الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله وإن أهل الإشراك ليس معهم إلا الجهل والهوى وعوائد نشأوا عليها بلا برهان وقد عرفت أن هذا المعترض لم يأت إلا بشبهات واهية وحكايات سفسطائية أو منامات تضليلية كما قال كعب بن زهير.

стр. 99

فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل وليس مع هؤلاء المشركين إلا دعوى مجردة محشوة بالأكاذيب وليس معهم بحمد الله دليل من كتاب أو سنة أو قول واحد من سلف الأمة وأئمتها وقد جئناهم بأدلة الكتاب والسنة وما عليه الصحابة والأئمة ولو استقصينا ذكر الأدلة وبسط القول لاحتمل مجلدا ضخما. وسبب الفتنة بقصائد هؤلاء المتأخرين كقصائد البوصيري والبرعي واختيارها على قصائد شعراء الصحابة كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وغيرهم من شعراء الصحابة ﵃ وفيها من شواهد اللغة والبلاغة مالم يدرك هؤلاء المتأخرون منه عشر المعشار وما ذاك ألا لأن قصائد هؤلاء المتأخرين تجاوزوا فيها الحد إلى ما يكرهه الله ورسوله فزينها الشيطان في نفوس الجهال والضلال فمالت إليها نفوسهم عن قصائد الصحابة التي ليس فيها إلا الحق والصدق وما قصروا فيها جهدهم عما يصلح أن يمدح به رسوله ﷺ وتحروا فيها ما يريه وتجنبوا ما يسخطه ﷺ وما نهى عنه من الغلوا فما أشبه هؤلاء بقول أبي الوفا ابن عقيل وهو في القرن الخامس لما صعبت التكاليف على الجهال الطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذا لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال وهم عندي كفار بهذه الأوضاع إلى آخره ومما يتعين أن نختم به هذا الجواب. فصل: ذكره العلامة ابن القيم ﵀: ونفعنا بعلومه قال بعد أن ذكر زيارة الموحدين للقبور وأن مقصودها ثلاثة أشياء.

стр. 100

أحدها تذكير الآخرة والاعتبار والاتعاذ الثاني الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده فيتناساه فإذا زاره أو أهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة ازداد بذلك سروره وفرحه ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعو لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط. ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعو بهم ولا يصلي عندهم. الثالث إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ من عباد الأصنام قالوا الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا يزال تأتيه الألطاف من الله وتفيض على روحه الخيرات فإذا علق الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافيه والماء على الجسم المقابل له. قالوا فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت ويعكف بهمته عليه ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره وكلما كان جمع القلب والهمة عليه أعظم كان أقرب إلى الانتفاع به وقد ذكر هذه الزيارة ابن سينا والفارابي وغيرهما وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها وهذا بعينه هو الذي أوجد لعباد القبور اتخاذها أعيادا وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذرائع المفضية إليه فوقف المشركون في طريقه وناقضوه في قصده وكان رسول الله ﷺ في شق وهؤلاء في شق وهذا الذي ذكره هؤلاء في زيارة القبور والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله قالوا فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه إليه وعكف.

стр. 101

بقلبه عليه صار وبينه اتصال يفيض عليه نصيب مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم إذا جاه وحظوة وقرب من السلطان وهو شديد التعلق به مما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والأفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ولعنهم وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم وأوجب لهم النار والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من رد على أهله وإبطال مذهبهم. قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه وأمره بعد شفاعة سبحانه إلى نفسه وهي إرادته من نفسه أن برحم عبده وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ . وأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه بل إذا أراد سبحانه

стр. 102

رحمته بعبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ﴾ قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . فالشفاعة بإذنه ليس شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل يشفع بإذنه والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك فإنه لا شريك له أثبتها شفاعة البعد المأمور الذي يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى بأذن ويقول اشفع فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذي جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ فأخبر أنه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضى قول المشفوع له وإذنه للشافع فأما المشرك فإنه لا يرضاه ولا يرضى قوله: فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وأذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك أن الأمر كله لله وحده فليس لا حد معه من الأمر شيء وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا من بعد أذنه لهم ولا سيما يوم لا تملك لنفس شيئا فهم مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمره وأذنه فإذا أشركهم به المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظنا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع يشبه قياس الرب سبحانه على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل

стр. 103

من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق والمخلوق والرب والمربوب والسيد والعبد والمالك والمملوك والغني والفقير والذي لا حاجة به إلى أحد قط والمحتاج من كل وجه إلى غيره فالشفعاء عند المخلوقين هم شركائهم فإن قيام مصالحهم بهم وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم على الكره والرضا. فأما الذي غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه لذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون لقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته والهيته مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال في سيدة آي القرآن أية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فأخبر أن ملكه السموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض

стр. 104

بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يفعلها بعضهم مع بعض ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة عند الناس ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بإذنه وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله: فمتخذ الشفيع لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه ومتخذ الرب وحده ألهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده ويطلب رضاه ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع له. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فبين سبحانه أن متخذي الشفعاء مشركون وأن الشفاعة لا تحصل بإتخاذهم. وسر الفرق بين الشفاعتين أن شفاعة المخلوق للمخلوق وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقا ولا أمرا ولا أذنا بل هو سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب وهذا السبب المحرك قد يكون عند ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض فيقبل شفاعة الشافع وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها وقد يتعارض عنده الأمران فيبقى مترددا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد وبين

стр. 105

الشفاعة التي تقتضي القبول فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب فإنه لم يخلق شفاعة الشافع ويأذن له فيها ويحبها منه ويرضى عن الشافع لم يكن أن توجد والشافع لا يشفع عند مجرد امتثال أمره وطاعته له فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله وخلقه. فالرب تعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره وهو في الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه وعبده فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله من النفع والنصر والمعاونة وغير ذلك كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله من رزق أو نصر أو غيره فكل منها محتاج إلى الآخر ومن وفقه الله لفهم هذا الموضع تبين له حقيقة التوحيد والشرك والفرق بين ما أثبت الله من الشفاعة وما نفاه وأبطله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله وبما عليه الشرك والبدع اليوم علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شيء والسلف على شيء كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب والأمر والله أعظم مما ذكرنا انتهى وبه كمل الجواب والحمد لله الذي هدانا لدينه الذي رضيه لعباده وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا جزيلا وفيا وافرا

стр. 106

الرد على احمد بن علي بن احمد بن سليمان المرائي ... بسم الله الرحمن الرحيم١ الحمد لله رب العالمين وبه العون على إبطال زخرف الملحدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا معين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وعلى أتباعهم الذين شهدوا لله بالوحدانية ولرسوله بالبلاغ المبين وسلم تسليما. أما بعد: فاعلم أيها الطالب للهدى المتباعد عن أسباب الضلال والردى أني رأيت ورقة لبعض الناكبين عن الحق المبين المعرضين عن توحيد رب العالمين٢ فإذا هي مفصحة عن ضلال مفتريها معلنة بفساد طوية منشيها ومتلقيها مع تناقضها وبشاعة ما فيها فتارة تراه سائلا مسترشدا وتارة مفتيا مضللا مفندا لا يدري ولا يدري أنه فعزمت على أن أعرض ورقته على بعض أصحابنا الذين لهم ملكة في معرفة العلوم ولهم بصر ناقد وفهم مستقيم في تمييز الصحيح من السقيم لأكتفي بهم في رد ذلك الزيغ والضلال

стр. 107

والكذب المحال١ على طريق التفصيل تارة الا جمال وهذا الرجل وإن كان من أجهل العوام فإنه يحاول عرى الإسلام. ثم إني عزمت على نقض ما بناه من ذلك [الباطل] ٢ على استفراغ وسع واستمهال وذلك أولى من الترك والاهمال. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فأخذت في رد قوله: مستعينا بربنا العظيم مستعيذا بالله من شر متبعي خطوات الشيطان الرجيم وحسبنا الله ونعم الوكيل على من صد الناس عن سواء السبيل. قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق٣ أنبأنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: "هذا سبيل الله" ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال: "هذا سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه" وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٣] الآية٤ قلت: وهنا بلية ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود وهي: أن الكثير من أهل الأزمنة وقبلها قد غرهم من أنفسهم أمران أحدهما: أنهم إن أحسنوا القول رأوه كافيا ولو ضيعوا العمل وارتكبوا النقيض وما عرفوا قول الصادق المصدوق ﷺ في الخوارج: "يقولون من خير قول البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ٥. وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم ويمقت من يقول ولا يفعل ومن يخالف

стр. 108

قوله: فعله كقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] وقد ورد ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقره في القلوب وصدقته الأعمال١. الأمر الثاني: أن الأكثر ظنوا أن انتسابهم إلى الإسلام ونطقهم بالشهادتين عاصم للدم والمال وإن لم يعملوا بمدلول لا إله إلا الله من نفي الشرك وتركه وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى كالدعاء والرجاء والتوكل وغير ذلك ولم يعرفوا معنى قول الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: من الآية٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: من الآية٥] . فإن قوله: ﴿مُخْلِصاً﴾ حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ أي حالة كونك مخلصا له الأعمال الباطنة والظاهرة وكذلك في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من الضمير البارز في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ أي: حالة كونهم مخلصين له إرادتهم وأعمالهم دون كل من٢ سواه ولهذا قال: ﴿حُنَفَاءَ﴾ والحنيف هو: الموحد المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه وهذا هو التوحيد الذي خلقوا له وبعث الله به رسله وأنزل به كتبه. يقرر ذلك ما أخبر به عن قوم هود لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: من الآية٦٥] فأجابوا ذلك بقولهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠] . وفي قصة صالح لما قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦٢] وكما قال قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] .

стр. 109

فلا إله إلا الله ما أشبه حال الأكثرين من هذه الأمة بلك الأمم لما دعوا إلى هذا التوحيد الذي هو أصل دين الإسلام وهو دين الله الذي لا يقبل من أحد دينا سواه وبه أرسل جميع الرسل وأنزل به جميع الكتب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود:٣] . إلى أمثال هذه الآيات وقد صح أن رسول الله ﷺ لما قال لقومه قولوا لا إله إلا الله تفلحوا قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١ [صّ:٥] كما هو مذكور في القرآن العزيز. فأي دليل أصرح وأوضح وأبين من هذه الأدلة علة أن الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما بعثوا بإخلاص العبادة لله تعالى والنهي عن عبادة كل ما سواه وهذا هو التوحيد الذي جحدته الأمم وهو الذي خلق الله له الخليقة من الثقلين كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قال علي ﵁ – في هذه الآية- إلا لآمرهم أن يوحدون. وقد عرفت أن هذا هو أصل الدين الذي هو أساس الملة قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣,٤٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨,٢٧,٢٦] أي: إلى٢ لا إله إلا الله. والخليل ﵇ أتى بمضمون هذه الكلمة بقوله: إنني براء مما تعبدون غلا الذي فطرني وأبدى وأعاد في هذا الكتاب المجيد في النهي عن الشرك

стр. 110

المنافي لهذا التوحيد وأفصح عن كفر فاعله وأسجل عليه بالوعيد الشديد فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤,٢١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧] وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ [غافر: ٧٤,٧٣] وغير ذلك من الآيات. فأي بيان أوضح من هذا في تعريف الشرك الذي حرمه الله وأخبر أنه لا يغفره وهذا لا يختص بالدعاء بل كل نوع من أنواع العبادة صرفه لغير الله شرك عظيم. والتحقيق أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة, ودعاء وعبادة. وكلا النوعين لا يجوز١ إلا الله وصرفه لغير الله شرك ما سبق بيانه في الآيات المحكمات كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] والصلاة هنا: تشمل الصلاة الشرعية واللغوية التي هي الدعاء كما هو مذكور في كتب التفسير. وفي حديث ابن عباس "وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"٢ وفيه معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
следующие страницы →