← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 855

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز

ابن باز

Полный текст (432 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ. وَقَالَ ابن بَطَّالٍ: اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ: «لَا أَحَدَ»، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ «شَخْصَ» جَاءَ مَوْضِعَ «أَحَدَ»، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي … ثُمَّ قَالَ: … عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَاب الْمُسْتَثْنى مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨] وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَمِنْهُ أَخَذهُ ابْنُ بَطَّالٍ، فَقَالَ بَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرَتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ. وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ: فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلهِ تَعَالَى؛ فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، فَقَالَ: إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى غَيرُ جَائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا؛ فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي. وَدَلِيلُ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ «شَيْءَ»، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا، بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ، فَلَعَلَّ لَفْظَ: «شَخْص» جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ - يَعْنِي السَّمْعِيَّ.

стр. 107

قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ. وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ فَقَالَ: لَفْظُ «الشَّخْصِ» غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «لَا أَحَدَ» فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ «شَخْصَ» مَوْضِعَ «أَحَدَ» … ثمَّ ذكر نَحْو مَا تَقدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَمِنْهُ أَخذَ ابنُ بَطَّالٍ. ثمَّ قَالَ ابن فَوْرَكٍ: وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ. وَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ. ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ: الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ، وَاللهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ. انْتَهَى. وَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ «صَحِيحَ مُسْلِمٍ» وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. وَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَهو يقْتضي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَات، بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِمَّا التَّفْوِيضُ،

стр. 108

وَإِمَّا التَّأْوِيلُ. وَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ» أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ. كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ. ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ «الشَّخْصِ» وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ «شَيْءَ» أَوْ «أَحَدَ»، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ؛ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللهِ كَقَوْلِهِ: لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللهِ … قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ، وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ». وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ وَضْعِ الشَّخْصِ -يَعْنِي فِي اللُّغَةِ- لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ، يُقَالُ: شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانُهُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ يُقَالُ: شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا مُرْتَفِعَ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ: لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ لَفْظَ «الشَّخْصِ» أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ؛ لِئَلَّا

стр. 109

يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللهُ؟». قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. • تَنْبِيهٌ: لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإطلَاق «الشَّخْصِ» عَلَى اللهِ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الحَقِيقةُ أنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ يَعتَمِدُ فَهمَهُ وَرَأيَهُ وَمَا وقع فِي نَفْسهِ منَ التَّشْبيهِ؛ فَلِهذَا يُقدِمُ عَلَى إِنْكارِ الرِّوَايَاتِ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ، فَالعُمدَةُ فِي هَذَا الرِّوايَةُ، مَتَى ثَبَتتْ لمْ يَجُزْ تَغْليطُ الرُّوَاةِ بِمُجرَّدِ الرَّأيِ وَالظَّنِّ وَالحَدَسِ، فَإِذَا ثَبتَتْ رِوَايةُ «لَا شَخْصَ» فَلَيسَ فِيهَا مَحْذُورٌ، وَالمُرَادُ: لَا ذَاتَ وَلَا شَيءَ وَلَا أَحدَ؛ لِأنَّهُ شَخْصٌ قَائِمٌ بِنَفسِهِ، ذَاتٌ قَائِمةٌ بِنَفْسهَا، كُلُّ شَيءٍ قَائِمٌ بِنفْسِهِ، مَا فِي مَانِعٌ مِنْ أنْ يُطلَقَ عَليْهِ شَخصٌ لِوُجُودِ قِيامِهِ بِنَفْسهِ وَاْستِقلَالِهِ بِنَفسِهِ. فلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميَتهِ بِهذَا الاسْمِ أنْ يَكُونَ مُشَابِهًا لِلْمَخلُوقَاتِ، كَمَا لَا يَلْزمُ مِنْ تَسْمِيتِهِ وَاحِدًا وَلَا أَحدًا أنْ يَكُونَ مُشَابهًا لِلْمخْلُوقَاتِ، وَلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميتِهِ سَمِيعًا وَبَصِيرًا وَعَالِمًا وَقَدِيرًا مُشَابَهتُهُ لِلْقادِرِينَ وَالسَّامِعينَ وَالمُبْصِرِينَ، كُلُّ هَذَا بَابُهُ وَاحدٌ. فَالعُمْدةُ الرِّوَايةُ، مَتَى ثَبَتتِ الرِّوَايةُ فَالمُرَادُ عَلَى وَجهٍ لَا يُشَابهُ فِيهِ المَخْلُوقِينَ، فهُوَ أَحدٌ لَا يُشَابهُ المَخْلوقِينَ، شَخصٌ لَا يُشَابِهُ المَخْلوقِينَ إِلَى غَيرِ ذَلِك، البَابُ وَاحِدٌ، فَالعُمدَةُ الرِّوَايةُ.

стр. 110

عَفَا اللهُ عَنْكَ: إِطْلاقُ الشَّخصِ أوِ الشَّيءِ عَلَى اللهِ مِنْ بَابِ الخَبرِ أوْ مِنْ بَابِ الوَصْفِ؟ مِنْ بَابِ الخَبرِ وَالوَصْفِ جَمِيعًا، شَخْصٌ لَا يُشبِهُ الأَشْخَاصَ، سَمِيعٌ لَا يُشبِهُ السَّامِعِينَ، عَلِيمٌ لَا يُشْبهُ العُلَمَاءَ، وَقَدِيرٌ لَا يُشْبهُ القَادِرِينَ، وَمَا أَشْبهَ ذَلِك. وَالشَّارحُ أَشَارَ إِلَى أنَّهَا رَواهَا مُسْلمٌ، وَلِهذَا قَالَ: مَا تَأمَّلَ «صَحِيحَ مُسْلمٍ» وَالمُؤلِّفُ مَا سَاقَهَا بِالسَّندِ هُنا، سَاقَهَا مُعلِّقًا، فَيَحْتاجُ إِلَى تَتبُّعِ الرِّوَايَاتِ فِي مُسلِمٍ وَغَيرِ مُسلِمٍ؛ فَإِذَا ثَبتَتْ بِهذَا اللَّفظِ فَلَا وَجهَ لِلْإنْكارِ، دَعْوَى الإِجْماعِ لَا وَجهَ لهَا، لَعلَّهَا سَمَاحًا. المَقْصودِ: أنَّ البَابَ وَاحِدٌ وهُوَ بَابُ التَّنْزيهِ، بَابُ الإِثْبَاتِ وَبَابُ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّأْوِيلِ، وَالمُنزِّهُونَ مِثلُ مَا قَالَ ابنُ دَقِيقٍ ﵀: قِسْمانِ: ١ - قِسمٌ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ. ٢ - وَقِسمٌ: أَوَّلُوا لِلتَّنْزيهِ وَغَلِطُوا. وَأَهلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ يُمِرُّونَها كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ وَلَا تَحْريفٍ وَلَا تَعْطيلٍ وَلَا تَشْبيهٍ، هَذَا عَملُ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، إِمْرارُهَا كَمَا جَاءَتْ، مَع إِثْباتِ أَلْفاظِهَا وَاعْتِقادِ أنَّهَا حَقٌّ، وَأنَّهَا ثَابِتةٌ، وَأنَّهَا لَائِقةٌ بِاللهِ مِنْ غَيرِ أنْ يُشابِهَ خَلْقَهُ فِي شَيءٍ مِنْ صِفاتِهِ جل وعلا. وَكَانَ الوَاجِبُ عَلَى الشَّارِحِ أنْ يَعْتنِيَ بِالرِّوَايةِ، وَيذْكُرَ من خَرَّجَها وَتَطْبيقَهَا، وَيَذكُرَ رِوايَةَ مُسْلمٍ وَيَعْتنِيَ هُوَ وَالعَينِيُّ وَلكِنْ أَعْرضُوا عَنْها.

стр. 111

أَحَدُ الطَّلبَةِ: ذَكرَ يَا شَيخُ، مَا قَرأَهَا؟ (الشَّيخُ): مَا قَرَأتَ شَيْئًا. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٠٠): «قَولُهُ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» يَعْنِي: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَقَالَ: «لَا شَخْصَ» بَدَلَ قَوْلِهِ: «لَا أَحَدَ»، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ … » فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ. وَسَاقَهُ أَبُو عوَانَةَ يَعْقُوبُ الإِسْفرايِينِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ». قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ -بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ»، بَدَلَ «لَا أَحَدَ» ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ: فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَة أَيْضًا». [انتهى كلامه]. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: تَركْتَ هَذَا، وهَذَا مُهِمٌّ. إِذَا ثَبتَتِ الرِّوايَةُ فَلَا

стр. 112

كَلامَ لِأحَدٍ. يَا شَيخُ، حَفِظكَ اللهُ، لَكِن تَوجِيهُ «لَا شَخْصَ» عَلَى المَفْهومِ، يَعنِي: هُوَ مَا قَالَ: إنَّ اللهَ شَخصٌ، وَإنَّمَا قَالَ: «لَا شَخْصَ» إنَّمَا نَفَى هَذَا عَلَى الاسْتِثنَاءِ؟ مَفْهومُهُ أنَّهُ يُوصَفُ بِأنَّهُ شَخْصٌ، لَيسَ كَالأَشْخاصِ. أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّأْويلُ مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ؟ نَعمْ، مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ، وَكَلامُ الخَطَّابيُّ رَدِيءٌ، كَلامُ الخَطَّابِيُّ فِي هَذَا رَدِيءٌ لَيسَ بِجيِّدٍ، عَفَا اللهُ عَنَّا وَعنْهُ، تُهمَتهُ لِلرُّواةِ وَالكَلامُ بِالعَجْرفَةِ سُوءُ أَدبٍ. * * *

стр. 113

باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] «فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ شَيْئًا، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ»، وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا (١). باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: «ارْتَفَعَ»، ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]: «خَلَقَهُنَّ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: ٢٩]: «عَلَا» ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]: «الكَرِيمُ»، وَ ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]: «الحَبِيبُ»، يُقَالُ: «حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حُمِدَ».

стр. 114

٧٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ». قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. ٧٤١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الفَيْضُ - أَوِ القَبْضُ - يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» (١). قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وفِي رِوايَةٍ أُخْرَى: «القِسْطُ»، يَعنِي: العَدلَ، بِيدِهِ العَدلُ .

стр. 115

٧٤٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ». قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. وَعَنْ ثَابِتٍ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، «نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ». ٧٤٢١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: «نَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (١). هَذَا أَحدُ الأَحَادِيثِ الثُّلَاثيَّةِ لِلبُخارِيِّ ﵀، وهِيَ لَهُ ثَلَاثةٌ وَعِشْرونَ حَدِيثًا رَوَاهَا بِسنَدٍ ثُلاثِيٍّ.

стр. 116

تَكلَّمَ عَليْهِ الشَّارحُ أوِ العَينِيُّ؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٢)]: «وَهُوَ آخِرُ مَا وَقَعَ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ ثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِعِيسَى حَدِيثٌ آخَرُ فِي اللِّبَاسِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ ثُلَاثِيًّا، وَلَفْظُهُ هُنَا: وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ». [انتهى كلامه]. [قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١١٤)]: «وَهَذَا هُوَ الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ مِنْ ثُلاثِيَّاتِ البُخَارِيِّ وَهُوَ آخِرُ الثُّلَاثِيَّاتُ. والْحَدِيثُ أَخْرجَهُ النَّسَائِيُّ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي النِّكَاحِ عَنْ أَحْمدَ بنِ يَحيَى الصُّوفِيِّ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصُودُ أنَّهَا ثَلاثَةٌ وَعِشْرونَ، رَوَاهَا مِنْ طَرِيقِ ثَلاثَةٍ: شَيخِهِ وَالتَّابِعيِّ وَالصَّحابِيِّ، وَقدْ شَرحَهَا السَّفارِينِيُّ فِي مُؤلَّفٍ مُفْرَدٍ. لَا (١) لِلسَّفارِينِيِّ شَرحُ ثُلَاثِيَّاتِ أَحْمدَ ﵀ (٢). ٧٤٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (٣). ٧٤٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ،

стр. 117

قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». ٧٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا» فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ (١). ٧٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي

стр. 118

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ ابْنَ ثَابِتٍ، حَدَّثَهُ قَالَ: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ»، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا، وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ. ٧٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (١). (الشَّيخُ): كَذَا عِنْدكُم كُلّكُم «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ»؟ (الطَّلبَةُ): إِي نَعمْ. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «العَظِيمُ الحَلِيمُ».

стр. 119

٧٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ﷺ : «يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ» (١). ٧٤٢٨ - وَقَالَ المَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ» (٢). فِي الرِّواية المحَفْوظَةِ: «أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ» (٣). لِأنَّ هَذَا صَعقَةٌ فِي المَوقِفِ غَيرَ صَعقَةِ المَوتِ وَالفَزعِ، وَلِهذَا الرِّوايَةُ المَحْفوظَةُ: «أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ». (الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ عَلَى أَبِي خُزَيمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁. يَا شَيخُ، يُصْعَقُونَ أو يَصْعَقُونَ؟ يُقَالُ: يُصْعقُونَ، وَيُقالُ: يَصْعَقُونَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٦٨]، صَعِقَ: يَصْعقُونَ، يُقَالُ: يَصْعَقونَ، وَيُقالُ: يُصْعَقونَ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (٥٣٠١)]: «عِيسَى بْنُ طَهْمانَ

стр. 120

الجُشَمِيُّ -بِضمِّ الجِيمِ وَفَتحِ المُعْجمَةِ- أَبُو بَكرٍ البَصرِيُّ، نَزِيلُ الكُوفَةِ، صَدُوقٌ، أَفْرطَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ، وَالذَّنبُ فِيمَا اسْتَنكَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ لِغَيرِهِ، مِنَ الخَامِسةِ، خ تم س». (الشَّيخُ): رَاجِعْ إِبْراهِيمَ بْنَ طَهْمانَ؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (١٨٩)]: «إِبْراهِيمُ بنُ طَهْمانَ الخُرَاسَانِيُّ أَبُو سَعِيدٍ، سَكنَ نَيْسَابُورَ ثمَّ مكَّةَ، ثِقةٌ يُغرِبُ، وَتُكُلِّمَ فِيهِ لِلإِرْجاءِ، وَيُقالُ: رَجعَ عَنهُ، مِنَ السَّابِعةِ، مَاتَ سَنةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ع». يَا شَيخُ رِوَايَةُ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ» وَهْمٌ؟ وهْمٌ، مِثلُ مَا نبَّهَ ابنُ القِيِّمِ ﵀ فِي كِتابِ «الرُّوحِ»، وَالصَّوَابُ: «أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ»؛ لِأنَّ هذِهِ صَعْقةٌ لِلْقضَاءِ يَومَ القِيَامةِ بَعدَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ. فِي مَوقِفِ القِيامَةِ؟ فِي مَوقِفِ القَيامَةِ، المَشْهورُ عِنْدَ مَجِيئِهِ جل وعلا لِلفَصْلِ بَينَ عِبَادِهِ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٤)]: «السَّابِعُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: آخِرُ سُورَةِ «بَرَاءَةَ» الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩]؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ لِلْعَرْشِ رَبًّا، فَهُوَ مَرْبُوبٌ وَكُلُّ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٌ. وَمُوسَى شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمُ شَيْخُ شَيْخِهِ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ. وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ الْمُعَلَّقَةُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «بَرَاءَةَ»، وَرِوَايَتُهُ المسندةُ تَقَدَّمَ سِيَاقُهَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مَعَ شَرْحِ الحَدِيث». [انتهى كلامه].

стр. 121

قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: إِبْراهِيمُ بنُ طَهْمانَ مَا لَهُ صِلةٌ بِعِيسَى بنِ طَهْمانَ، شَارَكهُ فِي الأَبِ فَقطْ، اشْتَركَا فِي الأَبِ. أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، هُنَا غَايَرَ بَينَ التَّرْجمَتينِ، قَوْلهُ هُنَا: فَسمَّى اللهُ نَفسَهُ شَيْئًا، وَهْنَاكَ مَا قَالَ: فَسمَّى اللهُ نَفْسهُ شَخْصًا؟ (الشَّيخُ): فِي أيِّ بَابٍ؟ (القَارِئُ): فِي بَابِ: قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، التَّرجَمةُ الَّتِي بَعْدهَا اسْتَنبَطَ مِنْها التَّسمِيَةَ، فَقَالَ: فَسمَّى اللهُ نَفْسَهُ شَيْئًا، وَلمْ يَسْتنْبِطْ مِنَ التَّرجَمَةِ الأُولَى. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: لِأنَّهُ نَصُّ القُرآنِ، نَقلَ نَصَّ القُرْآنِ، هُناكَ أَمَرَّ كَمَا جَاءَ، مَا أَحبَّ أنْ يَدخُلَ فِي المَوضُوعِ، يَكْفِي رِوايَتُهُ، يَعنِي، تَكفِي الرِّوايَةُ، يَعنِي: يُطلَقُ عَلَى اللهِ: شَخصٌ لَا كَالأَشْخاصِ، وَشَيءٌ لَا كَالأَشْياءِ، مِنْ بَابِ الخَبرِ. * * *

стр. 122

باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]: «المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ» ٧٤٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١). هذِهِ مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، كَونُ المَلَائكَةِ يَحضُرُونَ صَلَاةَ المُسْلِمِينَ وَيَجْتمِعُونَ مَعهُمْ فِيهَا -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- يَتَعارَفُونَ عَلَى هَؤُلاءِ

стр. 123

العِبَادِ، وَيطَّلِعونَ عَلَى أَخْبارِهِم وَشُؤونِهِم، وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلاةِ العَصرِ -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- ثمَّ يَصْعدُ الَّذينَ بَاتُوا بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَيصْعدُ الَّذينَ فِينَا فِي النَّهَارِ بَعدَ العَصرِ، وَاللهُ يَسْألُهمْ -وَهُوَ أَعْلمُ كَيفَ تَرَكتْمُ عِبَادِي؟ يَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». شَهادَةٌ منَ المَلَائِكةِ لِأُولئِكَ الَّذينَ حَضَروهُمْ وَشَهِدُوا صَلَوَاتِهمْ. وَالمَقْصودُ مِنْ هَذَا الخَبرِ وَمَا ذُكِرَ مَعهُ منَ الآيَاتِ: بَيَانُ عُلوِّ اللهِ جل وعلا، وَأنَّ اللهَ فِي العُلوِّ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ خَلقِهِ ؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، العُرُوجُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. وَالصُّعُودَ وَالرَّفعُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى. وَهكَذَا بَقيَّةُ الآيَاتِ ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَدِلَّةِ العُلوِّ. وَقدْ تَكاثَرَتْ أَدلَّةُ العُلوِّ فِي الكِتَابِ وَالسُّنةِ بِمَا لَا يَبْقَى مَعهُ أيُّ شَكٍّ لِمنْ مَعهُ أَدْنَى عَقلٍ، وَذَلِك لِلدَّلالَةِ عَلَى عُلوِّ اللهِ وَفَوْقيَّتِهِ، وَأنَّهُ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَلَيسَ مُخْتلِطًا بِهِم، وَلَا حالًّا فِيهِمْ، بلْ هُوَ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ . فَالْوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ اعْتِقادُ ذلِكَ وَالإِيمَانُ بِذلِكَ، وَأنَّ رَبَّهُ فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الخَلقِ ، وَلَا تَخْفَى عَليْهِ خَافِيةٌ، يَعلَمُ عِلْمَ عِبَادهِ وَهُوَ فَوقَ العَرشِ، فهُوَ مُحِيطٌ بِهِمْ عِلْمًا وَقُدرَةً وَتَدْبِيرًا ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ

стр. 124

اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. هُوَ العَالِمُ بِأحْوَالِ عِبَادهِ مَعَ عُلوِّهِ وَفَوقِيَّتهِ : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. وفِي هَذَا الحَدِيثِ حَدِيثِ: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ المَلَائِكَةُ» هَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أنَّ المَلَائِكةَ لَهُمْ صِلَةٌ بِأهْلِ الإِيمَانِ، غَيرُ المَلائِكةِ الحَفظَةِ المُوكَّلُونَ بِالعِبادِ، هَؤلَاءِ المَلائِكَةُ غَيرُهُم، مُوكَّلُونَ بِهذَا الأَمْرِ، يَنْزِلُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَعْلمُونَ أَحْوَالَ العِبَادِ، وَيَحضُرُونَ الصَّلَواتِ وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَغَيرُ المَلَائِكةِ الأُخْرَى: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ، يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (١). ﵊. وَفِيهِ: أنَّ المَلَائِكةَ أيْضًا لَهُمْ عِنَايةٌ وَحِرْصٌ عَلَى تَتبُّعِ مَجَالسِ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجدُوهَا تَنَادّْوا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، حَتَّى يَسُدُّوا مَا بَينَ الطَّابِقيْنِ. وهَذَا مِنْ آيَاتِ اللهِ العَظِيمةِ الَّتِي تَدلُّ عَلَى كَثرَةِ جُنُودهِ وَكَثْرةِ المَلَائكَةِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وَمَا يُحْصِيهِم إلَّا هُوَ . عَفَا اللهُ عَنكَ، التَّرجَمَةُ هذِهِ فِي العُلوِّ وَالتَّرجَمةُ السَّابِقَةُ فِي العُلُوِّ؟ السَّابِقَةُ لِإِثْباتِ العَرْشِ وَالعُلُوِّ، وَأنَّ العَرْشَ فَوقَ السَّمَوَاتِ، هُوَ سَقْفُ المَخْلُوقَاتِ. وَهُنا العُلوُّ مُطْلقًا.

стр. 125

٧٤٣٠ - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (١). وهُنَا الشَّاهدُ لِلعُلوِّ كَونُهُ يَصعَدُ؛ لِأنَّ الصُّعُودَ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى كَمَا تَقدَّمَ. وفي هَذَا فَضْلُ الصَّدَقَةِ - وَلوْ قَلِيْلًا - فَمنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَصعَدُ إِلَى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ- إلَّا تَقبَّلَها اللهُ بِيَمِينهِ حَتَّى يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها، كَمَا يُربِّي صَاحِبُها فُلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبلِ. هَذَا مِنْ فَضلِهِ ، أنَّ هذِهِ الصَّدَقاتِ القَلِيلَةِ تُربَّى لِأَهْلِها، وُتُنمَّى لِأهْلِها، وَيُعطِي اللهُ لَهُمْ منَ الأُجُورِ إِذَا كَانَتْ مِنْ كَسبٍ طَيِّبٍ خَالِصةً لِوْجهِهِ الكَرِيمِ حَتَّى تَكُونَ جِبَالًا منَ الحَسَناتِ وَالأُجُورِ لِأهْلِها. وَلِهذَا فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ

стр. 126

تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (١). وَأَصلُ حَدِيثِ عَديٍّ ﵁ يَقُولُ فِيهِ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانُ» يَعنِي: وَاسِطةً، التُّرجُمَانُ: الوَاسِطةُ، بَلْ يُكَلِّمُهُ اللهُ كِفَاحًا مِنْ غَيرِ وَاسِطةٍ، «فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٢). يَعنِي: مَنْ لَمْ يَجِدْ صَدَقةً فَلْيرُدَّ بِردٍّ طَيِّبٍ، أَغْناكَ اللهُ، أَعْطاكَ اللهُ، وَمَا أَشْبهَ ذلِكَ. كُنْتُ كَثِيرًا مَا أَذْكرُ حَدِيثَ عَائِشةَ ﵂ الَّذِي رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ» - وهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ، فِيهِ عِظةٌ وَدَلالَةٌ عَلَى فَضْلِ اللهِ وَسِعَةِ جُودِهِ - وهُوَ مَا رُوِيَ عَنْها ﵂ أنَّهَا جَاءَتْها سَائِلةٌ - امْرَأةٌ تَسأَلُ - وَمَعهَا ابْنَتانِ، فَلَمْ تَجِدْ فِي البَيتِ إلَّا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطتْهُنَّ الثَّلَاثَ، فَدفَعَتْ الأُمُّ لِكلِّ وَاحِدةٍ مِنْ بَنَاتِها وَاحِدةً، وَرَفعَتِ الثَّالِثةَ لِتَأكُلَها، فَنَظرَ إِليْهَا ابْنَتاهَا يَطْلُبانِهَا الثَّالِثَةَ؛ فَشقَّتْهَا بَيْنهُمَا وَلمْ تَأكُلْ شَيْئًا؛ فَعَجِبتْ عَائِشةُ ﵂ مِنْ ذلِكَ وَقَالَتْ: لَأذْكُرنَّ شَأْنَها إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلمَّا جَاءَ ذَكَرتْ لَهُ شَأْنَ المَرْأةِ وَابْنَتيْهَا، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ اللهَ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجْنَّةَ» (٣). يَعنِي: بِهذِهِ الرَّحْمَةِ وَهَذَا العَطْفِ، تَمْرةٌ شَقَّتْهَا بَينَ ابْنَتيْهَا رَحْمةً لَهُما وَلمْ تَأكُلْ مِنْها شَيْئًا. وَفِي هَذَا أيْضًا منَ الدَّلَالةِ عَلَى أنَّ المُسْلِمينَ أَصَابَهُم جَهدٌ فِي المَدِينَةِ، وَمَشقَّةٌ فِي المَدِينَةِ؛ حَتَّى إنَّ عَائِشةَ ﵂ فِي بَعضِ الأَيَّامِ مَا تَجدُ شَيْئًا وَلَا

стр. 127

تَمْرةً فِي البَيتِ، حَتَّى الضَّيفُ لَا يَجدُ شَيْئًا عِندَهُم، وفِي رِوَايةٍ: «أَنَّها لَمْ تَجِدْ إلَّا تَمْرتَينِ فَدَفَعتْهَا إِلَى المَرأَةِ، فَدفَعتْهَا إِلَى ابْنَتيْهَا» (١)، وَكَانُوا فِي بَعضِ الأَحْيانِ يَخرُجُ الوَاحِدُ مِنْ بَيْتهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ يَطلُبُ الرِّزقَ لَعلَّهُ يَجِدُ شَيْئًا. وَتَقدَّمَ قِصَّةُ الصِّدِّيقِ وَعُمرَ ﵄ لمَّا لَقِيَا النَّبيَّ ﷺ وَسَأَلَهُما: «مَا أَخْرَجَكُمَا؟». قَالَا: أَخْرجَنَا الجُوعُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْرَجَنِي إلَّا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» (٢) -وهُوَ الجُوعُ- فَزارُوا أَبَا الهَيْثمِ بْنَ التَّيِّهَانِ الأَنْصارِيَّ ﵁ فِي بُسْتَانِهِ، وهلَّا بِهِمْ وَرَحَّبَ، وقدَّمَ لهُمْ شَيْئًا منَ الرُّطبِ وَالمَاءِ، ثمَّ ذَبحَ لَهُمْ دَاجِنًا … الحَدِيثَ المَعْرُوفَ. فَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُم أَصَابهُمْ شِدَّةٌ؛ فَصَبرُوا وَجَاهدُوا فِي اللهِ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى دِينِ اللهِ، ورَفعَ اللهُ بِهِمْ شَأنَ الإِسْلامِ، وَأَغْنَاهُم بَعدَ الفَقرِ، وَصَارُوا رُؤُوسَ النَّاسِ بَعدَ ذلِكَ وَقَادَتَهُم، وَفَتحُوا فُتُوحَاتٍ فِي بِلَادِ اللهِ، وَرَفعُوا رَايَةَ الإِسْلامِ، وَنَصرُوا الحَقَّ بَعدَ العَيْلَةِ وَالفَقرِ. (الشَّيخُ): رَاجِعِ التَّعْليقَ عَلَى خَالِدِ بْنِ مَخْلدٍ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٧)]: «قَوْلُهُ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ فِي شَرْحِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ … قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ. هُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي «الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ،

стр. 128

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ … فَذَكَرَهُ مِثْلَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ سَوَاءً. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. لَكِنْ خَالَفَ فِي شَيْخِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ. وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجَيْهِمَا»، فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَدَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَمُوَافَقَةُ الْجَوْزَقِيِّ لَهَا عَلَى أَنَّ لِخَالِدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، كَمَا أَنَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ الَّذِي بعده». [انتهى كلامه]. ٧٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (١).

стр. 129

هذَهِ دَعَوَاتٌ ثُنَائيَّةٌ، دَعَوَاتٌ فِي لَفْظِها الثَّنَاءُ وَالتَّعْظيمُ وَمَعْناهَا الدُّعَاءُ؛ لِأنَّ دُعَاءَ الِعَبادَةِ هُوَ دُعَاءٌ فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا مِنْ دُعَاءِ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ مَقُصُودُهُ طَلبُ الفَرَجِ، طَلبُ إِزَالَةِ الشِّدَّةِ، وَإِذَا دَعَا مَعهُ بَعدَ ذلِكَ كَمَا فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ: «ثَمْ يَدْعُو» أيْ: بَعدَ هَذَا الذِّكرِ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ». هُنَا سَقطَتِ «الأَرضُ»، وفِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى «وَرَبُّ الأَرْضِ» فهَذَا دُعَاءٌ عَظِيمٌ، وهُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ وَشَهَادَةٌ بِأَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ العَظِيمَةِ، فهُوَ مِنْ أَعْظمِ الدُّعَاءِ؛ لِأنَّهُ تَوسُّلٌ إِليْهِ بِأسْمَائهِ وَصِفَاتِهِ العَظِيمَةِ. وهُو دُعَاءٌ فِي المَعْنَى -وإِنْ لمْ يَدْعُ- فهُوَ قَالَهَا لِيَطلُبَ إِزَالَةَ الشِّدَّةِ، قَالَها لِيَطلُبَ الفَرَجَ، كَأنْ يُضَايَقَ مِنْ جِهَةِ دَيْنٍ وهُوَ مُعسِرٌ بِهِ، يُضَايَقُ مِنْ جِهةِ قَتلٍ بِغيْرِ حَقٍّ، يُضَايقُ مِنْ جِهةِ أَشْياءَ أُخْرَى فِي دِينِهِ أوْ دُنْياهُ؛ فَيقُولُ هَذَا الكَلَامَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ». ثمَّ يَدعُو مَع هَذَا بِمَا أَحبَّ: اللهُمَّ فرِّجْ كُرْبتِي، اللَّهُمَّ يسِّرْ أَمْرِي، اللَّهُمَّ اقْضِ حَاجَتِي، اللَّهُمَّ اكْفِنِي شرَّ فُلَانٍ، اللَّهُمَّ أَعْطِني كَذَا. يَدعُو بِحَاجتِهِ معَ الذِّكْرِ. (الشَّيخُ) مَاذَا قَالَ الشَّارِحُ عَليْهِ؟ أوِ العَينِيُّ؟ [قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١١٩)]: «لَيْسَ هَذَا

стр. 130

بِمُطابِقٍ للتَّرْجَمَةِ، وَمحلُّهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَلَعَلَّ النَّاسِخَ نَقلهُ إِلَى هُنَا. وَسَعِيدٌ: هُوَ ابْنُ أبِي عَرُوبَةَ، وَأَبُو الْعَالِيَةَ رَفِيعٌ. وَقدْ مَرَّ الحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبلَهُ. قَالَ الكِرْمَانِي: هَذَا ذِكْرٌ وَتَهْليلٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ. قُلتُ: هُوَ مُقَدّمَةُ الدُّعَاءِ، فَأُطلِقَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِك، أَوْ الدُّعَاءُ أَيْضًا ذِكرٌ، لَكنَّهُ خَاصٌّ، فَأَطْلقهُ وَأَرَادَ الْعَامَّ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالصَّوابُ أنَّهُ دُعاءٌ؛ لِأنَّ الدُّعَاءَ قِسْمانِ: دُعاءُ عِبادَةٍ، وَدُعَاءُ مَسْألَةٍ، فاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمنِي وَنَحو ذلِكَ هَذَا دُعَاءُ مَسْألةٍ، وَلَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَسُبْحانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، هَذَا يُسمَّى دُعَاءَ عِبَادَةٍ، وَهكَذَا الصَّلَواتُ وَالصَّدَقَاتُ جَمِيعُها دُعَاءٌ؛ لِأنَّهُ يَتَصدَّقُ يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ، وَصلَّى يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ. فَأَعْمالُ الخَيرِ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى، وَالذِّكرُ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى؛ لِأنَّهُ إنَّمَا فَعلَ هَذَا يُرِيدُ فَضلَ اللهِ، فهُوَ يَسْألُهُ فِي المَعْنَى، يَسْألُهُ مِنْ فَضلِهِ أنْ يُثِيبَهُ عَلَى هَذَا العَملِ، وَأنْ يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأنْ يُجِيرَهُ منَ النَّارِ إِلَى غَيرِ ذلِكَ. فهُوَ ثَنَاءٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يُرَادُ مِنهُ ثَوابُهُ، وَلِهذَا يُقَالُ لهُ: دُعَاءُ العِبَادَةِ. وَأمَّا دُعَاءُ المَسْأَلةِ فهُوَ الَّذِي فِيهِ صَرِيحُ السُّؤَالِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي. وَهذَا أيْضًا - صَرِيحُ السُّؤَالِ - يَتَضمَّنُ دُعَاءَ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَضمَّنُ وَصفَ رَبِّهِ بِالمَغفِرةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي، وَصَفَ رَبَّهُ بِالرَّحْمَةِ، وهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ، فَيكُونُ دُعَاءَ عِبَادةٍ.

стр. 131

وَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ»: هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِهِ يَسْتلْزِمُ كَمَا يَقُولُ بَعضُهُم: دُعَاءَ المَسْألَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذلِكَ المُسْلِمُ يَرجُو ثَوَابَ اللهِ، وَيُريدُ فَضلَهُ . ٧٤٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ - أَوْ أَبِي نُعْمٍ - شَكَّ قَبِيصَةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا. قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَمَنْ يُطِيعُ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي». فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ

стр. 132

ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (١). وَهذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ منَ اعْتِراضِ النَّاسِ، إِذَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ لمْ يَسْلَمْ، فَمَنْ يَسْلَمُ بَعَد ذلِكَ؟! فهُوَ اجْتَهدَ ﵊، وقَسَّمَها بَيْنهُم الأَرْبعَةِ لِيتَأَلَّفهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ جَعلَ لِلمُؤلَّفةِ حقًّا، المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ جَعلَ لهُمْ حَقًّا فِي بَيتِ المَالِ وفِي الزَّكَاةِ. وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَتأَلَّفُ رُؤَسَاءَ العَربِ وَشُيوخَهُم وَكِبارَهُم؛ لِأنَّهُم إِذَا هَداهُمُ اللهُ هَدَى اللهُ بِهِمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَإِذَا ضَلَّ الرَّئِيسُ تَبِعَهُ قَومُهُ، فَكانَ يَتَألَّفُ الرُّؤَسَاءَ وَالأَعْيَانَ بِالمَالِ ﵊. وَمِنهُم هَؤُلَاءِ الأَرْبعَةِ: «عُيَينَةُ بنُ حِصْنِ بنِ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، وَالأَقْرعُ بنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَلْقمَةُ بنُ عُلَاثَةَ العَامِريُّ، وَزَيدُ الخَيْلِ» ﵃، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ رُؤسَاءِ وَكِبارِ العَرَبِ فِي نَجْدٍ؛ وَلِهذَا كَانَ يَتَألَّفُهُم فَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ مِنْ قُرَيشٍ وَالأَنْصَارِ حَتَّى أَخْبرَهُم وبَيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّ القَصدَ مِنْ ذلِكَ التَّألِيفُ. هَكذَا مَا فَعلَ يَومَ حُنَينٍ حِينَ فَعلَ بِالغَنائِمِ مَا فَعلَ مِنْ جِهةِ إِعْطاءِ كَثِيرٍ منَ النَّاسِ عَلَى مَائةٍ منَ الإِبلِ مِنْ غَنَائمَ حُنَينٍ لِيتَألَّفَهُم، وَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ؛ بيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّهُ يَتأَلَّفُهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لَعلَّهُم يَسْتقِيمُ لهُمْ إِيمَانُهُم وَتَتْبعُهُم أَقْوامُهُم بِالهِدايَةِ.

стр. 133

فَاسْتَنكَرَ هَذَا الَّذِي قَامَ وَقَالَ: يَا مُحمَّدُ اعْدِلْ (١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: اعْدِلْ فَإنَّكَ لمْ تَعدِلْ (٢). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ: إِنَّ هذِهِ القِسمَةَ لمُ يُرَدْ بِها وَجهُ اللهِ (٣). كَمَا وَقعَ فِي يَومِ حُنَينٍ. فَقَالَ ﵊: «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ» (٤). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ يَعْدِلْ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أكُنْ أَعْدِلُ» (٥)، «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» (٦). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي» (٧). المَقْصُودُ: أنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الإِنْسَانَ مَهمَا بَلغَ مِنَ الفَضلِ وَمَهمَا بَلغَ مِنَ العَدَالةِ وَمَهمَا بَلغَ منَ العِلْمِ فَإنَّهُ لَا يَسلَمُ مِنْ شرِّ النَّاسِ وَاعْتِراضِهِم، وَلوْ كَانَ نَبيًّا كَنَبيِّنَا مُحمَّدٍ ﵊. ثم قَالَ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا». أيْ: مِنْ أَصلِ هَذَا أوْ مِنْ جِنسِ هذَا. «قَوْمٌ» يَخْرجُونَ أيْ: بَعدَهُ ﷺ . «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وهمُ الخَوارِجُ. وقدْ وَقعَ ذلِكَ الَّذِي أَخْبرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ ، وَقعَ، فَإنَّهُم خَرجُوا فِي زَمنِ عَليٍّ ﵁، وَحَصَلَ مَا حَصَلَ منَ الفِتْنةِ بِهِمْ وَقَاتَلَهُم عَليٌّ ﵁،

стр. 134

وَقَتلَ مِنهُم جَمًّا غَفِيرًا، وَهدَى اللهُ مَنْ هَدَى مِنهُمْ، وَبقِيَ مِنهُم بَقَايَا إِلَى يَومِنَا هَذَا، فِي كلِّ زَمَانٍ وفِي كلِّ عَصرٍ إِلَى زَمانِنَا هَذَا مَوجُودُونَ، مِنهُمْ طَوائِفُ فِي الجَزائِرِ وفِي لِيبْيَا وفِي عُمَانَ لهُمْ بَقايَا، وَبعْضُهُم تَنازَلَ عَنِ التَّكْفيرِ -تَكْفيرِ العُصَاةِ- وَلَا يُصِرُّ فِي تَكْفيرِ العُصَاةِ، وَلكِنَّهُ يَرَى أنَّ العَاصِيَ مُخلَّدٌ فِي النَّارِ، وَأنَّهُ مَع الكَفرَةِ، عَلَى طَرِيقَةِ الخَوارِجِ الأَوَائلِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ. أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، مُنَاسبَةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ؟ المُنَاسَبةُ قَولُهُ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». يَعنِي: اللهَ ، وهُوَ فِي السَّمَاءِ، وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يَعنِي: العُلُوَّ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٨)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ». قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: قَولُهُ: «فِي السَّمَاءِ»، وَكَونُهُ يَأمَنهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ كَذلِكَ يُشِيرُ إِلَى هَذَا، يَأمَنُهُ عَلَى أَهْلِ الأَرضِ، يَعنِي: وهُوَ فِي السَّمَاءِ . [قَالَ الحَافِظُ ﵀]: «لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي إِدْخَالِ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ لِلَفْظَةٍ تَكُونُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ هِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِذَلِكَ الْبَابِ، يُشِيرُ إِلَيْهَا وَيُرِيدُ بِذَلِكَ شَحْذَ الْأَذْهَانِ، وَالْبَعْثَ عَلَى كَثْرَةِ الِاسْتِحْضَارِ، وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ: الْعَرَبُ تَضَعُ «فِي» مَوْضِعَ «عَلَى» كَقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، وَقَولِهِ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فَكَذَلِك قَوْلُهُ: «مَنْ فِي السَّمَاء» أَيْ: عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ كَمَا صَحَّتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ».

стр. 135

[انتهى كلامه]. [قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢١)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ» أَيْ: مِنْ أَصْلِ هَذَا الرَّجُلِ، وَهُوَ بِكَسْر الضَّادَينِ المُعْجمَتينِ وَسُكُونِ الْهَمزَةِ الأُولَى، «قَوْمًا» وَيُرْوى: «قَومٌ» فَإمَّا أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ، فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوبَ بِدُونِ الْألفِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي «إِنَّ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الرَّبِيعِيَّةَ نِسبَةً إِلَى رَبِيعَةَ، رَبِيعَةُ يَقِفُونَ بِالسُّكُونِ يَقُولُونَ: (رَأَيتُ زَيدْ) مَا يَقُولُونَ: (رَأيْتُ زَيدًا)، (رَأَيتُ زَيدْ) (رَأَيتُ عَامِرْ). وَأمَّا المُضَريَّةُ فَيقِفُونَ بِالأَلفِ: (رَأَيتُ عَامِرًا) المَنْصوبُ المُنَوَّنُ يُوقَفُ عَليْهِ بِالأَلِفِ، هَذَا الأَفْصَحُ: (رَأَيتُ زَيدًا) (رَأَيتُ عَامِرًا) فـ ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] هَذَا الأَفْصَحُ، الوُقُوفُ عَلَى المَنْصوبِ بِالأَلفِ مُنوِّنًا، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، لُغةُ قُرَيشٍ المُضَريَّةُ، وَتَقرَأُ رَبِيعةُ: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِر﴾ [مريم: ٥]، بِدُونِ ذِكرِ الأَلِفِ عِنْدَ الوَقفِ. ٧٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ» (١).

стр. 136

كَمَا فِي الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ: «تَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ»، وَازَنتِ العَرشَ فِي سَيْرِها تَحتَ الأَرضِ وَسَجدَتْ، سُجُودًا يَلِيقُ بِهَا، اللهُ أَعلَمُ بِكَيْفيَّتهِ، وَالأَصلُ فِي هَذَا السُّجُودِ لِلشَّجَرِ وَالحَجَرِ خُضُوعٌ خَاصٌّ، اللهُ أَعلَمُ بِكيْفيَّتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وهَكَذا تَسْبِيحُها شَيءٌ يَلِيقُ بِهَا. قَولُهُ: تَحتَ العَرْشِ؟ يَعنِي: حِذاءَهُ، تَحتَ العَرشِ يَعنِي: حِذاءَهُ. يَعنِي: فِي الوَسَطِ؟ إِذَا صَارَتْ وَتَوسَّطتْ فِي السَّيرِ. كُلُّ شَيءٍ تَحتَ العَرشِ؟ المَخْلوقَاتُ كُلُّها؟ هُوَ سَقفُ المَخْلوقَاتِ، لَكِنِ المَقْصودُ وَاللهُ أَعْلمُ: تَوسَّطتْ يَعنِي. الوَعدُ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ … » إلخ، يَعُمُّ الفَرِيضَةَ وَالنَّافِلةَ؟ الظَّاهِرُ أنَّهُ يَعمُّ، الحَدِيثُ يَعمُّ الجَمِيعَ. * * *

стр. 137

باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ٧٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا» (١). وَهذَا منَ الفَضلِ العَظِيمِ، وَفِيهِ البِشَارَةُ لِأهْلِ الإِيمَانِ بِأنَّهُم يَرَونَ رَبَّهُمْ الكَرِيمَ جل وعلا يَومَ القِيامَةِ، رُؤيَةً وَاضِحةً كَمَا تُرَى الشَّمسُ صَحْوًا لَيسَ دُونَها سَحَابٌ، وَكمَا يُرَى القَمرُ لَيلَةَ البَدرِ فِي حَالِ اسْتِكمَالهِ لَيلَةَ البَدرِ-اللَّيلَةَ الرَّابِعةَ عَشْرةَ- حَالَ تَمَامِ نُورِهِ. وَهذَا أَعْلَى نَعِيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، أنَّهُم يَروْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَروْنَهُ فِي الجنَّةِ أيْضًا كَمَا يَشَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

стр. 138

[يونس: ٢٦] الحُسْنَى: الجَنَّةَ، وَالزِّيادَةَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ صُهَيبٍ ﵁: أَنَّها النَّظرُ إِلَى وَجهِ اللهِ جل وعلا، وَلِهذَا قَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: منَ النَّضَارةِ ومِنَ الحُسنِ وَالبَهَاءِ وَالجَمَالِ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَومَ القِيَامةِ لهَا نُورٌ عَظِيمٌ وَبَهاءٌ عَظِيمٌ وَجَمَالٌ عَظِيمٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: تَنْظرُ إِلَى رَبِّها. تَأوَّلهُ أَهْلُ التَّأوِيلِ بِنفْيِ ثُبُوتِ الرُّؤيَةِ، بِأنَّها تَنظُرُ إِلَى ثَوابِهِ. وهَذَا مِنْ أَبْطلِ البَاطِلِ؛ لِأنَّ المَقْصودَ: إِلَى رَبِّها نَاظِرةٌ إِلَى وَجهِهِ الكَرِيمِ . كَمَا فَسَّرهُ الآيَاتُ الأُخرَى وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحةُ كَهذَا الحَدِيثِ. ثُمَّ قَالَ ﵊: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». هَذَا فِيهِ: الحثُّ عَلَى العِنَايةِ بِهَاتَينِ الصَّلَاتَينِ أَعْظمَ مِنْ غَيرِهِما -الفَجرِ وَالعَصرِ- وَأنَّ مَنْ يُحافِظُ عَليْهِما سُرَّ بِالنَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ ، وَأنَّ المُحَافَظةَ عَليْهِما مِنْ أَعْظمِ الأَسْبابِ لِهذِهِ الرُّؤيَةِ العَظِيمَةِ، وَإنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ كُلُّها يَلزَمُ المُحَافَظةُ عَليْهَا، وَيَجبُ أنْ يُحَافِظَ عَليْهَا، وَكلُّهَا عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَكُلُّها لَازِمَةٌ، وَلَكِن لِهَذيْنِ الفَرْضَينِ -الصَّلَاةِ أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ- لِهَذيْنِ الفَرْضَيْنِ سِرٌّ وَأَثرٌ عَظِيمٌ فِي حُصُولِ النَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ .

стр. 139

٧٤٣٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» (١). يَعنِي: مُعَاينَةً، أيْ: مُشَاهدَةً، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. ٧٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (٢). مَعنَى «لَا تُضَامُّونَ» أيْ: لَا يَلْحقُكُم ضَيْمٌ، وَكلٌّ مِنْكُم يَرَى رَبَّه مِنْ دُونِ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ كَمَا تَرَى الشَّمسَ وَالقَمرَ دُونَ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ، رُؤيَةٌ عَظِيمَةٌ

стр. 140

ظَاهِرةٌ عَيَانًا مُشَاهدًا. وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «لَا تُضَارُّونَ» (١)، يَعنِي: لَا تَشكُّونَ فِي رُؤْيتِهِ، بلْ رُؤيَةٌ ظَاهِرةٌ. وَلِعظَمِ هذِهِ النِّعمَةِ عَلَى المُؤمِنِينَ ذَكرَ اللهُ ضِدَّها فِي حَقِّ الكَافِرينَ، فقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فَالكُفَّارُ مَحْجوبُونَ عَنْها، وَالمُؤْمِنونَ مَأْذونٌ لَهُمْ فِيهَا، وَيُمتَّعُونَ بِهَا، ويُيَسَّرُونَ لهَا، فَضْلًا مِنهُ وَإِحْسَانًا . ٧٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا - شَكَّ إِبْرَاهِيمُ - فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ.

стр. 141

فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمِ السَّعْدَانَ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ (١) عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ - أَوِ المُوثَقُ بِعَمَلِهِ - وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، أَوِ المُجَازَى، أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟

стр. 142

فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ، حَتَّى يَقُولَ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيُقَالُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ (١) أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ، يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (٢). وَلِهذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا

стр. 143

يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]، يَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقِهِ ، وَالسَّاقُ هُنَا وَاليَدُ وَالقَدَمُ وَكلُّ ذلِكَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ ، لَا يُشَابهُهُ خَلقُهُ فِي أيِّ شَيءٍ، فَعِنْدَهَا يَسْجدُونَ لَهُ ، وَيَبقَى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتطِيعُونَ ذلِكَ وَلَا يَرَونَهُ ؛ لِأنَّهُم مَحْجوبُونَ عَنهُ لِخُبثِهِم وَضَلالِهِم، فَالمُنَافقُ أَعْظمُ كُفْرًا منَ الكَافِرِ المُعْلِنِ. يَومَ القِيامَةِ يُنَادَى فِي النَّاسِ: لِتَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعبُدُ، فعُبَّادُ الشَّمسِ تُمَثَّلُ لَهمُ الشَّمسُ فَيَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ القَمرِ كَذلِكَ يُمثَّلُ لهُمُ القَمرُ فَيتَّبِعُونهُ إِلَى النَّارِ، وَعُبَّادُ اللَّاتِ وَالعُزَّى وَمَناةَ وَالأَصْنَامِ الأُخْرَى تُمثَّلُ لَهُمْ أَصْنامُهُم فَيتَّبِعُونَها إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ البَدَويِّ أوِ الشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ أوِ الحُسَينِ أوْ فُلَانٍ أوْ فُلَانٍ تُمَثَّلُ لهُمْ مَعْبُودَاتُهم حَتَّى يَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ. وَيَعُودُ المُؤمِنُ لَا يَدخُلُ فِي ذَلِك، المُؤمِنُ الَّذِي لمْ يَرضَ أنْ يُعبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسَ دَاخِلًا فِي ذلِكَ، وَإنْ مُثِّلتْ لهُمْ صُورَتهُ وَاتَّبعُوهُ إِلَى النَّارِ، لكِنَّهُ لَا يَدخُلُ النَّارَ هُوَ، فَالأَنبِياءُ وَالمُؤمِنُونَ المَعْبُودُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسُوا رَاضِيْنَ بِعِبادَتهِم، وَهُمْ يَنْفُونَها وَلَيسُوا مَعَ عَابِدِيهِم، بلْ عَابِدُوهُم فِي النَّارِ، وَهُمْ سَالِمُونَ مِنْ ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فَهَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ الرَّاضُونَ بِذلِكَ، وهَكَذا الأَصْنَامُ وَأَشْباهُهَا كُلُّهم مَع عَابِدِيهِم إِلَى النَّار، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. وَأمَّا المَعْبودُ الَّذِي لمْ يَرضَ بِذلِكَ كَالأَنْبِياءِ ﵈ وعَليٍّ، وَالحَسنِ، وَالحُسيْنِ، ﵃، وَعَبدِ القَادرِ الجِيلَانيِّ وَأَشْباهِهِم منَ المُؤمِنِينَ هُمْ لَا يَرْضَونَ بِعِبادَةِ مَنْ عَبدَهُم، بلْ أَنْكرُوا ذلِكَ فِي حَيَاتِهِم وَحَذَّرُوا مِنْ ذلِكَ -فهَؤُلاءِ

стр. 144

لَا يَدْخُلونَ معَ عَابِدِيهِم إِلَى النَّارِ، بلْ هُمْ نَاجُونَ وَسَالِمُونَ، وَعَابِدُوهُم منَ الكَافِرينَ هُمْ الَّذينَ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ، وإِنْ مُثِّلتْ لَهُمْ صُوَرُهُم وَتَابِعُوهُم يَظنُّونَ أنَّهُم هُم، فهُمْ يتَّبِعُونهُم إِلَى النَّارِ، وَالصُّورَةُ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. هَلِ الكُفَّارُ يَرَونَ ربَّهُم يَومَ القِيَامةِ؟ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] هُمْ أَكْثرُ النَّاسِ، لَا يَرَوْنهُ. قَولُهُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ». يَعنِي: الصِّرَاطَ الَّذِي [يُنصَبُ] عَلَى جَهنَّم كَمَا فِي النُّصُوصِ الأُخرَى. مَاذا قَالَ الشَارِحُ أوِ العَينِيُّ؟ المَقْصُودُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ» أنَّ الصَّحِيحَ: فِيهِ غَلطٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ، وَالمَقْصُودُ «فِي جَهنَّمَ» يَعنِي: مَنْصوبٌ عَلَى جَهنَّمَ؛ لِأنَّ الصِّرَاطَ مَوْضُوعٌ عَلَى جَهنَّمَ، مَنْ سَقطَ منَ الصِّرَاطِ صَارَ إِلَى النَّارِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. قَولُهُ: «تَخْطَفُ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُم المُوبَقُ وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ»: قَولُهُ: «تَخْطَفُ» مِنْ بَابِ فَرِحَ وَمِنْ بَابِ تَعِبَ. وَالمَعْنَى: أنَّ النَّاسَ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى أَقْسَامٍ وعَلَى طَبَقاتٍ، حَتَّى إنَّ مِنهُم مَنْ يُخْدَشُ وَتُصِيبُهُ بَعضُ الأَشْياءِ عَلَى الصِّرَاطِ؛ لِضَعفِ عَملِهِ الصَّالِحِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّقصِ فَينْجُو، وآخَرُ يُخْدشُ فَيَسْقُطُ فِي النَّارِ بِهذِهِ الكَلَالِيبِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. قَولُهُ: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ»: وَهذَا يُبيِّنُ أنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ أُنَاسٌ مُصلُّونَ، يَدخُلُ النَّارَ مُوحِّدُونَ وَمُصلُّونَ،

стр. 145

لكِنْ دَخَلُوهَا بِأَعْمالٍ أُخْرَى، دَخَلُوهَا بِالزِّنَا بِالرِّبَا بِالعُقُوقِ بِأَشْياءٍ أُخْرَى مِنْ جَرائِمِهِم، فَإِذَا أَذِنَ اللهُ فِي إِخْراجِهِم: أَمرَ المَلَائِكةَ أنْ تُخْرِجَهُم، وَأَمرَ الشُّفَعاءَ أنْ يَشْفعُوا فَيَخرُجُ منَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْركُ بِاللهِ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ وَالإِسْلامِ الَّذينَ أَوْبَقتْهُم الذُّنُوبُ وَأَدْخلَتْهُم الذُّنُوبُ النَّارَ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. ويُعْرَفُونَ بِآثَارِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأنَّ الله حرَّمَ عَلَى النَّار أنْ تَأكُلَ آثَارَ سُجُودِ ابْنِ آدَمَ، هَذَا منَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَبْقَى يَعْرِفونَهُم بِهَا، وهَذَا مِنْ حِكْمتِهِ وَعدْلِهِ حَتَّى يَمِيزَ هَؤُلاءِ مِنْ هَؤُلاءِ، يَمِيزَ أَهْلَ الخُلُودِ منَ الكَفرَةِ عَنْ مَنْ لمْ يُحْكَم لهُمْ بِالخُلُودِ وَالبَقَاءِ فِي هَذَا حَتَّى يَخرُجَ. وَهذَا يُفِيدُ الحَذرَ، وَأنَّهُ لَا يَنْبغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَغتَرَّ وَيَقُولَ: إنَّهُ منَ المُصَلِّينَ، أوْ منَ المُزكِّينَ، ثمَّ يُسْرفُ عَلَى نَفْسهِ فِيمَا حرَّمَ اللهُ عَليْهِ، فلَمْ يَدْخُلْها وهُوَ مَعَ المُصلِّينَ، وهُوَ معَ المُوحِّدِينَ، ولكِنَّهُ أَسْرفَ عَلَى نَفسِهِ بِشَيءٍ منَ المَعَاصِي الَّتِي مَاتَ عَليْهَا وَلَمْ يَتُبْ، كَعُقوقِهِ لِوَالِديْهِ، أَكلِهِ لِلرِّبَا، تَعاطِيهِ المُسْكِراتِ، الزِّنَا، اللِّواطِ، ظُلمِ النَّاسِ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَنْواعِ الجَرَائمِ. فَلْيحْذرِ العَاقِلُ غَايَةَ الحَذرِ، وَيُحاسِبُ نَفسَهُ، وَلَا يُعجَبُ بِنفْسِهِ وَلَا يُعْجبُ بِعَملِهِ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]. قَولُهُ: «فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا … ». امْتُحِشُوا: يَعنِي: احْتَرقُوا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ. وَالمَعْنَى فِي هَذَا: أنَّ اللهَ يُخرِجُهُم قدْ مَاتُوا وَاحْتَرقُوا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: «يُنْبِتُهُمُ اللهُ إِنْبَاتًا» ثمَّ يُصَبُّ عَليِهم مَاءُ الحَياةِ -نَهرٌ مِنَ الجَنَّةِ- فَيَنبُتُونَ كَمَا تَنبُتُ الحِبَّةُ مِنْ حَمِيلِ السَّيلِ، فَإِذَا نَبتُوا أَدْخلَهُم اللهُ الجَنَّةَ،
следующие страницы →