Полный текст (432 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَامْرَأَةٍ مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟»، قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ، اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: «ارْفَعْ يَدَكَ»، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ (١) بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الحِجَارَةَ (٢) .
والمَقْصُودُ: من هَذَا أنَّ اليَهُودَ قَومٌ بُهْتٌ، وقَومُ كَذِبٍ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم بِسَبَبِ تَغيِيرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، وكِتمَانِهِم بَعضَ ما أُنْزِلَ إليهِم، ومِن ذَلكَ الرَّجمُ، فهم يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَوَاضِعِهِ، فَيزِيدُونَ ويُنقِصُونَ، ويَكتبُونَ أَشيَاءَ ويَقُولُونَ: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَليهم ومَقَتَهُم، ومن ذَلكَ عَمَلُهُم في الرَّجمِ كِتمَانُهُم آيَةَ الرَّجمِ وتَغِييرُهُم الحَدَّ الشّرعيَّ بِالتَّسخِيمِ: وهو تَسوِيدُ الوُجُوهِ وإِخزَاؤُهم بأن يُركِبُوهُم على دَابَّةٍ مَنكُوسينَ ويُطَافُ بهم في البَلَادِ.
فهَذَا مِنْ تَغييرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، ولِهذَا نُهينَا أن نُصَدِّقَهُم، لا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم، لأنهم ما يؤمَنونَ، ونَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ الحواشي
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «نُكَاتِمُهُ».(٢) ورواه مسلم(١٦٩٩) .стр. 387
إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
فالمَعنَى: نُصَدِّقُ الحَقَّ ولا نُصَدِّقُ البَاطِلَ، وهم قد يَقُولُونَ البَاطِلَ وقد يَقُولُونَ الحَقَّ فلا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم؛ لأنَّهُم قد يَقُولُونَ حَقًّا فَنُكَذِّبُهُ، وقد يَقُولُونَ بَاطِلًا فَنُصَدِّقُه؛ فلِهذَا أَرشَدَنا ﵊ إلى أنَّنَا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، بل نَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾
مَنْ هُمْ أَهْلُ الذِّمةِ؟
اليَهُودُ والنَّصَارَى والْمَجُوسُ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَليهِمُ الجِزيَةُ، أَهْلُ الذِّمَّةِ مَنْ ضُرِبَت عَلَيهمُ الجِزْيةُ مِنْ اليَهُودِ والنَّصَارَى والْمَجوسِ يُقالُ لهُم أَهْلُ الذِّمَّةِ.
تَحرِيفُ اليَهُودِ للتَّورَاةِ لَفظِيٌّ أَوْ مَعنَوِيٌّ؟
ظَاهِرُ القُرآنِ أَنَّه لَفظِيٌّ ومَعنَوِيٌّ، بِالكِتمَانِ والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، كمَا قالوا فيه ذَكَرُوا عنه أَنَّه أَمرَ إِبرَاهِيمَ أن يَذبَحَ ابْنَهُ -بِكرَهُ- فَزَادُوا فيه إِسْحَاقَ. والصَّوَابُ إِسمَاعِيلُ، ولهم تَحرِيفَاتٌ كَثِيرةٌ مَعرُوفَةٌ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
المَجُوسُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؟
من أَهْلِ الذِّمَّةِ، ولَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَهْلُ الكِتَابِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، لكنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَلحَقَ بِهمُ الْمَجُوسَ فِي أَخذِ الجِزيَةِ.
стр. 388
ذَبِائِحُهُم كَذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ؟
لا، الجِزيَة فَقَطْ، أمَّا ذَبَائِحُهُم مُحَرَّمةٌ ونِسَاؤُهم مُحَرَّمةٌ، لَيسوا مِثلَ أَهْلِ الكِتَابِ.
أَهْلُ الكِتَابِ يُحكَمُ فِيهِمْ بِكُتُبِهِم؟
لا، بِالقُرآنِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولكن يُحتَجُّ عَلَيهِم بما كَتَمُوهُ، وَأنَّه مُوَافِقٌ للقُرآنِ، التَّورَاةُ وَافَقَت القُرآنَ في هَذَا.
* * *
стр. 389
بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البَرَرَة»، وَ «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» .
٧٥٤٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (١) .
٧٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا- وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ - قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا (٢) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(٧٩٢) .(٢) ورواه مسلم(٢٧٧٠) .стр. 390
٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أُرَاهُ عن البراء قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ (١) .
مُرَادُ المُؤَلَّفُ بهَذَا ﵀ بَيانُ أنَّ أَلفَاظَ النَّاسِ بِالقُرآنِ مَنسُوبَةُ إِلَيهِم، وهي أَصوَاتُهُم، وهي مَخلُوقَةٌ، ولِهذَا قَالَ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ»، وقَالَ ﵊: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ أن يَجهَرَ به»، وقال: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصوَاتِكُم»، وفي قِصَّةِ عَائِشةَ ﵂ في قَولِهَا: «إِنِّي لا أَظُنَّ أنَّ اللهَ يُنزِلُ فيَّ وَحِيًا يُتلَى»؛ فَأنزَلَ اللهُ فيها أَمرًا يُتلَى.
كُلُّ هَذَا يُبِيِّنُ أن القُرآنَ هو كَلَامُ اللهِ ، وأنَّ التِّلَاوَةَ عَملُ الْمَخلُوقِ والصَّوتُ صَوتُ الْمَخلُوقِ، والْمَخلُوقُ يُزَينُ صَوتَهُ فَيتَلَذَّذُ النَّاسُ بِالقُرآنِ، ويَستَفِيدُونَ منه أَكثَرَ بِحُسنِ التِّلَاوَةِ والتَّأَنِّي فيها والتَّرتِيلِ والتَّخَشُّعِ؛ فَينتَفِعُ النَّاسُ أَكثَرَ.
وفيه الرَّدُّ على مَنْ أَنكرَ ذَلكَ، فالقُرآنُ شَيءٌ وصَوتُ الإِنسَانِ وفِعلُهُ شَيءٌ آخَرُ، فَالقُرآنُ كَلَامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيرُ مَخلُوقٍ، منه بَدَأَ وإِلَيهِ يَعُودُ، سَواءٌ كَانَ مَحفُوظًا أو مَتْلُّوًّا أو مَكتُوبًا أو مَسمُوعًا، كُلُّ ذَلكَ هو كَلَامُ اللهِ، لكنَّ الْمَخلُوقَ له صَوتٌ يَتَكَلَّمُ به ويَتلُو، الحواشي
(١) ورواه مسلم(٤٦٤) .стр. 391
فالصَّوتُ والتِّلَاوةُ والقِرَاءَةُ فِعلُهُ، والْمَتلُو الْمَقرُوءُ هو كَلَامُ اللهِ .
وفي هَذَا حَثٌّ وتَحرِيضٌ على العِنَايةِ بِالتِّلَاوَةِ، وَأنَّه يَنبَغِي للتَّالِي أن يَعتَنِيَ بِالتَّلَاوةِ حَتَّى يَستَفِيدَ هو ويَستَفِيدَ مَنْ يَستَمِعُ له: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرَةِ». ذَكَرُوا في المَاهِرِ أَنَّه الحَافِظُ الذي يُحسِنُ التِّلَاوَةَ، والحَاذِقُ في التِّلَاوَةِ الذي يُجِيدُهَا ويَتَخَشَّعُ فيها فَيستَفِيدُ ويَستَفِيدُ مَنْ يَستَمِعُ له.
وهَكَذَا: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأصوَاتِكُم» إذا حَسَّنَ صَوتَهُ وحَسَّنَ تَلِاوَتَهُ وتَخَشَّعَ فيها؛ كَانَ هَذَا أَكثرَ لِتَأثِيرِ القُرآنِ في قُلُوبِ الْمُستَمِعِينَ والتَّالِينَ أَيضًا.
وهَكَذَا قَولُهُ ﷺ : «ما أَذِنَ اللهُ لِنَبِيٍّ ما أَذِنَ … » يَعْنِي: اسْتَمَعَ، أَذِنَ: اسْتَمَعَ، وهَذَا شَيءٌ يَلِيقُ بِاللهِ لا يُشَابِهُ خَلقَهُ في اسْتمَاعِهِم، فَكَلَامُهُ واسْتِمَاعُهُ وسَائِرُ صِفَاتِهِ كُلِّهَا تَلِيقُ بِاللهِ لا يُشبِهُ فيها خَلقَهُ ، بل هو الكَامِلُ في كُلِّ شَيءٍ وليس في صِفَاتِهِ شَيءٌ منَ النَّقصِ والعَيبِ كما في صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ.
فإذا كَانَ الرَّبُّ جل وعلا يَستَمِعُ للنَّبيِّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ، وَأنَّه ما أَذِنَ لِشَيءٍ كَأذنِهِ له؛ دَلَّ ذَلكَ على أَنَّه يَنبَغِي لِلقَارِئِ أن يُحَسِّنَ صَوتَهُ ويَجتَهِدَ في تِلَاوَتهِ من دُونِ تَمطِيطٍ وتَشِبيهٍ له بِالغِنَاءِ، لكن عِنَايَةً وتَخَشُّعًا، وإِعطَاءَ الحُروفِ حَقَّها والمُدُودِ حَقَّهَا والوُقُوفِ حَقَّهَا؛ حَتَّى يَستَفِيدَ القَارِئُ والْمُستَمِعُ.
وتَقَدَّمَ في مُرُورِه ﷺ على أبي مُوسَى ﵁ وهو يَقرَأُ؛ فَوقَفَ يَستَمِعُ له وقال: «لقد أُوتِيَ هَذَا مِزمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ». يَعْنِي: صَوتًا حَسَنًا مِنْ أَصوَاتِهِم.
فَلَمَّا جَاءَ أَبُو مُوسَى ﵁ إلى النَّبيِّ ﷺ أَخبَرهُ بذَلكَ قَالَ:
стр. 392
«لو عَلمْتُ أنك تَسمَعُ لَحَبَّرتُهُ لك تَحبِيرًا» (١) ، يَعْنِي: زِدتُ في تَحسِينِهِ.
فَالمُؤمنُ يَتَحَرَّى الأَسبَابَ، ويَأخُذُ بِالأَسبَابِ التي تَنفَعُهُ وتَنفَعُ غَيرَهُ في التِّلَاوَةِ وغَيرِهَا.
٧٥٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] (٢) .
وتَقَدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ، والْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هي القِرَاءَةُ، وتَقَدَّمَ قَولُ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّها نَزَلَت في الدُّعَاءِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الأَظهَرَ والأَصوَبَ ما قَالَه ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ وما دَلَّ عليه كِتَابُ اللهِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبين عَبدِي» (٣) ، يَعْنِي: قِرَاءَةَ الفَاتحَةِ. الحواشي
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى»(٤٧٠٨) ، وأصله في «الصحيحين» دون قول أبي موسى ﵁.(٢) ورواه مسلم(٤٤٦) .(٣) رواه مسلم(٣٨) .стр. 393
والقِرَاءَةُ رُكنُ الصَّلَاةِ، والرُّكنُ الْمُهِمُّ منها؛ فلِهذَا سُمِّيتْ صَلَاةً؛ ولأنَّهُ دُعَاءٌ في المَعنَى، فَالقَارِئُ دَاعٍ في المَعنَى يَطلُبُ الأَجرَ ويَطلُبُ الثَّوَابَ، فهو مُصَلٍّ في المَعنَى دَاعٍ.
فالسُّنَّةُ للتَّالِي أن يَتَحَرَّى النَّفعَ الأَكمَلَ، فإنْ كَانَ الجَهرُ أَنفَعَ جَهَرَ، وإن كَانَ السِّرُّ أَنفعَ أَسَرَّ، وإن كانتِ الحَالُ تَحتَاجُ إلى التَّوَسُّطِ تَوَسَّطَ، كما أُمرَ به النَّبيُّ ﷺ في هَذَا الحَدِيثِ لَمَّا كَانَ الْمُشرِكُونَ إذا سَمِعُوا القُرآنَ سَبُّوا القُرآنَ ومَن أَنزَلَهُ، وكان هَذَا في مَكَّةَ قَبلَ أن يُؤمَرَ بِالصَّدعِ، قَبلَ أن تَنزِلَ عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
وهَكَذَا إذا كَانَ الإِنسَانُ بين النُّوَّامِ أو بين الْمُصَلِّينَ أو بين القُرَّاءِ يَتَحَرَّى فلا يَجهَرُ جَهرًا يُؤذِي الْمُصَلِّينَ أو القُرَّاءِ، ولا يُخَافِتُ شَيْئًا [بحيثُ] يَجلِبُ إليه النُّعَاسَ أو يَضُرُّهُ، بل يَكُونُ يَتْلُو تَلَاوَةً لا تُؤذِي أَحَدًا ويَنتَفِعُ بها هُو.
وهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا في الْمَسَاجِدِ وفي الصَّفُوفِ يَومَ الجُمُعَةِ وفي غَيرِهَا، بَعضُ النَّاسِ قد يَجهَرُ كَثِيرًا فَيُشَوِّشُ على مَنْ حَولَهُ مِنْ الْمُصَلِّينَ والقُرَّاءِ، فَالسُّنَّةُ في التِّلَاوَةِ في مِثلِ هَذَا هو الخَفضُ حَتَّى لا يُشَوِّشَ على إِخوَانِهِ.
وفي هَذَا المَعنَى جَاءَ الحَدِيثُ الآخَرُ الذي رَوَاهُ مَالِكٌ وغَيرُهُ بِإسنَادٍ صَحِيحٍ أنَّ الرَّسُولَ ﵊ خَرَجَ على أُنَاسٍ في الْمَسجِدِ يُصَلُّونَ بِاللَّيلِ أَوزَاعًا؛ فَقَالَ: «كُلُّكُم يُنَاجِي اللهَ فَلا يَجهَرُ بَعضُكُم على بَعضٍ» (١) . أو كَمَا قَالَ ﵊.
فَأوصَاهُم بأن يُرَاعِيَ بَعضُهُم بَعضًا حَتَّى لا يُشُوِّشَ بَعضُهُم على بَعضٍ. الحواشي
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه»(٤٢١٦) .стр. 394
٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) .
٧٥٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ (٢) .
وهَذَا يَدُلُّ على فَوَائِدَ:
منها: تَوَاضُعُهُ ﷺ وحُسْنُ عِشرَتِهِ مع أَهلِهِ، كَانَ يَضَعُ رَأسَهُ في حِجرِ أَهلِهِ وَيقرَأُ يَعْنِي: يَضْطَجِعُ ويَضَعُ رَأسَهُ على فَخِذِ زَوجَتِهِ ويَقرَأُ أو يَسبِّحُ أو يَتَحَدَّثُ معَهَا، هَذَا من حُسنِ العِشرَةِ ومِنَ التَّوَاضُعِ.
وفيه من الفَوَائِدِ: أَنَّه لا مَانِعَ مِنْ أن يَقرَأَ وَرَأسُهُ في حِجرِ امْرَأتِهِ الحَائِضِ الحواشي
(١) ورواه مسلم(٦٠٩) .(٢) ورواه مسلم(٣٠١) .стр. 395
أو النُّفَسَاءِ لا يَضُرُّهُ ذَلكَ، الْمَمنُوعُ لِمسُ الدَّمِ، لَمسُ النَّجَاسةِ أو جِمَاعُهَا حَالَ الحَيضِ، أمَّا كَونُهُ يَقرَأُ ورَأْسُهُ في حِجرِهَا أو مُتَّكِئًا عليها أو مُلَاصِقًا لها أو ما أَشبَهَ ذَلكَ؛ كُلُّ ذَلكَ لا بَأْسَ به.
وفيه أيضًا من الفَوَائِدِ: أَنَّه لا مَانعَ مِنْ أن يَقرَأَ القُرآنَ وهو مُضْطَجِعٌ؛ لأنَّ رَأسَهُ في حِجرِها يَعْنِي: مُضطَجِعًا.
واللهُ يَقُولُ جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] يَدخُلُ فيه القُرآنُ وغَيرُ القُرآنِ، ومنه الآيَةُ الكَريمَةُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وهَذَا مِنْ تَيسِيرِ اللهِ وتَوسِعَتِهِ، فإنَّ الإِنسَانَ قد يَحتَاجُ إلى القِراَءةِ وهو مُضْطَجِعٌ، قد يَكُونُ مَرِيضًا، قد يَكُونُ عنده شَيءٌ مِنَ الكَسلِ عنِ الجُلُوسِ، فَيقرَأُ قَائِمًا وقَاعِدًا ومَاشِيًا ومُضْطَجِعًا والحَمدُ للهِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ يا شَيخُ، السُّنَّةُ الأَذَانُ لِلمصَلِّي أم يَكفِيهِ أَذَانُ المَسجِدِ؟
في الْمُدُنِ والقُرَى في الْمَسَاجدِ، أمَّا إذا كَانَ في البَرِيةِ يُؤذِّنُ ولو وَاحِدًا، مِثْلمَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ، النَّبيُّ ﷺ قَالَ لِمَالِكِ بنِ الحُويرِثِ ﵁ وصَاحِبهِ: «إذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليُؤَذِّن لَكمَا أَحَدُكمَا ولْيَؤُمُّكُمَا أَكبَركُمَا» (١) ، فإذا كانَ في البَادِيَةِ أو في السَّفَرِ يُؤذِّنُ ولو وَاحِدًا.
* * * الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٥٨) ، ومسلم(٢٩٣) .стр. 396
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١) [المزمل: ٢٠]
٧٥٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَبْدٍ القَارِيَّ، حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ: «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (٢) . الحواشي
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره «مِنَ القُرْآنِ».(٢) ورواه مسلم(٨١٨) .стр. 397
وفي هَذَا من الفَوَائِدِ: إَنكَارُ الْمُنكَرِ على مَنْ فَعَلَهُ في اعْتِقَادِ الْمُنكِرِ.
وفيه: رَفعُ الأَمرِ إلى أَهْلِ العِلْمِ عند النِّزَاعِ، في حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ إلى الرَّسُولِ ﷺ ، وبعد وَفَاتِهِ إلى الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ -إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ- لِأَنَّهَا هي التي تَحِلُّ النِّزَاعَ، فَعمُرُ ﵁ رَفعَهُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه سلم لِيعرِفَ صِحَّةَ ما قَالَ مِنْ إِنكَارِهِ عليه.
وفيهِ: شِدَّةُ عُمرَ ﵁ وغَيرَتِهِ العَظِيمَةِ حَتَّى أَخذَ بِتَلَابِيبِ هِشَامٍ ﵁ وقَادَهُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، واشْتَدَّ عليه حَتَّى قَالَ: كَذبْتَ. حَتَّى أَعلَمَهُ النَّبيُّ ﷺ بِالوَاقِعِ، وكانت تَغلِبُ عليه قُوَّتُهُ في اللهِ وغَيرَتُهُ العَظِيمَةُ عند رُؤيَتِهِ ما يُخَالِفُ أَمرَ اللهِ.
وفيه: رِفقُهُ ﷺ بِعُمَرَ ﵁، فَرَفَقَ بِعُمرَ ﵁ ولم يُشَدِّدْ عليه فَقَالَ: «أَرسِلْهُ»، وهَذَا فيه الرِّفقُ بِالأَخيَارِ والعُظمَاءِ والكِبَارِ ومَن عُرِفَت نِيَّتُهُمُ الطَّيبَةُ وغَيرَتُهُم -وإن شَدَّدُوا في بِعْضِ الشَّيءِ- تَقدِيرًا لِأَعمَالِهِمُ العَظِيمَةِ وغَيرَتِهِم الإِسلَامِيَّةِ وجُهُودِهِم الصَّالِحَةِ. ويُعلَّمُوا ويُوَجَّهُوا بِالحِكمَةِ، فَالنَّبيُّ ﷺ قَالَ: «اقْرَأْ يا هِشَامُ»، فَلمَّا قَرأَ هِشَامٌ كمَا سَمِعَ عُمرُ ﵁ قَالَ: «هَكَذَا أُنزِلَت» ثم قَالَ: «اقْرَأ يَا عُمرُ» فَقَرأَ عُمرُ ﵁، قَالَ: «هَكَذَا أُنزِلَت» ثم بَيَّنَ له ﷺ أنَّ القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبعَةِ أُحرُفٍ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال العُلَمَاءُ: أَحرُفٍ يَعْنِي: مُختَلِفَةً في الأَلفَاظِ مُتَقَارِبَةً في الْمَعَانِي على حَسَبِ مُرَادِ العَرَبِ، فقد تَنزِلُ الآيَةُ بِمَعنَى الآيَةِ الأُخْرَى لكن بِألفَاظٍ مِثلِ:
стр. 398
(خَبيرٌ بما تعملون)، (خبير بما تفعلون)، (بما تصنعون)، (إن الله عليم بما يصنعون)، (إن اللهَ عَليمٌ خبير)، (إن الله خبير عليم)، وما أَشبهَ ذَلكَ مِنَ الأَشيَاءِ الْمُتَقَارِبةِ التي تَختَلِفُ في الأَلفَاظِ وتَتَقَارَبُ في الْمَعَانِي والأَحكَامِ.
ولَمَّا تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ وصَارَ بين النَّاسِ نِزَاعٌ في القِرَاءَاتِ أَدرَكَ الصَّحَابَةُ ﵃ ذَلكَ، وعَرَفُوا أن فيه شَيْئًا مِنَ الخَطرِ مِنْ جِهةِ النِّزَاعِ والاخْتِلَافِ؛ فَقَدِمَ حُذَيفَةُ على عُثمَانَ ﵄ في المَدِينَةِ، وأَخبَرَهُ وحَثَّهُ على جَمعِ النَّاسِ على مُصحَفٍ وَاحِدٍ؛ حَتَّى لا يَختَلِفُوا ولا يَتَنَازعُوا؛ فَاستَشَارَ الصَّحَابَةَ ﵃ وأَرضَاهُم في ذَلكَ، فاتَّفَقَ رَأْيُهُم على أن يَجمَعُوهُم على حَرفٍ وَاحِدٍ وعلى مُصحَفٍ وَاحِدٍ.
فَكَتَبَ الْمَصَاحِفَ ﵁، وأَرسلَهَا إلى الأَمصَارِ، وصَارَتِ العُمدَةُ على ذَلكَ؛ تَلَاشيًا لما قد يَقعُ مِنْ النِّزَاعِ الكَثِيرِ والاخْتِلَافِ في كِتَابِ اللهِ .
(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على التَّرجَمَةِ الأَخيرَةِ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٠)]: «قَولُهُ: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وَكُلٌّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ فِي السُّورَةِ وَالْمُرَادُ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بَعْضُ أَرْكَانِهَا، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»، الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَيَسِّرِ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِهِ فِي الْآيَةِ؛
стр. 399
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَيَسِّرِ فِي الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَسْتَحْضِرُهُ الْقَارِئُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْكَمِّيَّةِ وَالثَّانِي مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَحَدِيثِهَا لِلْأَبْوَابِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ التَّفَاوُتِ فِي الْكَيْفِيَّةِ وَمِنْ جِهَةِ جَوَازِ نِسْبَةِ الْقِرَاءَة للقَارِئِ». [انتهى كلامه].
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على أَوَّلِهِ: «المَاهِرُ بِالقرَآنِ»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٠)]: «قَوْلُهُ: «بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَاهِرُ أَيِ الْحَاذِقُ»، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مَعَ حُسْنِ الْحِفْظِ. قَوْلُهُ: «مَعَ سَفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ «مَعَ السَّفَرَةِ»، وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرَةِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِثْلُ كَاتِبٍ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُمْ هُنَا الَّذِينَ يَنْقُلُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَوُصِفُوا بِالْكِرَامِ أَيِ الْمُكَرَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَرَرَةُ أَيِ الْمُطِيعِينَ الْمُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ تَقَدَّمَ مُسْنَدًا فِي التَّفْسِيرِ لَكِنْ بِلَفْظِ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ». وَأَخْرَجَهُ مُسلمٌ بِلفظِهِ مِنْ طَريقِ زَرَارَةِ بنِ أَبِي أَوفَى.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: زَرَارَةُ بنُ أَوفَى، هَذَاك الصَّحَابيُّ عبدُ اللهِ بنُ أَبِي أَوفَى، أمَّا هنا أَبُوهُ اسْمُه أَوفَى بِدُونِ أَبِي.
стр. 400
[قال الحَافِظُ ﵀]: «مِنْ طَرِيقِ زَرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَاهِرُ الْحَاذِقُ، وَأَصْلُهُ الْحِذْقُ بِالسِّبَاحَةِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَهَارَةِ بِالْقُرْآنِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ وَجَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ فَكَانَ مِثْلَهَا فِي الْحِفْظِ وَالدَّرَجَةِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وتَفسِيرُ «السَّفَرةِ» بِالكَتَبَةِ مَحَلُّ نَظرٍ، يَحتَاجُ إلى دَلِيلٍ؛ لأنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ السَّفَرةِ هم الحَمَلَةُ للرِّسَائلِ والأَوامِرِ والنَّوَاهِي بين اللهِ وبين النَّاسِ، بينَ اللهِ وبين المَلَائِكَةِ، بين اللهِ وبينَ الرُّسُلِ، وليس مُجَرَّدَ الكَاتِبِ فَقَطْ، يُقَالُ: جَبرَائِيلُ هو السَّفَيرُ بين اللهِ وبين رُسُلِهِ، يَعْنِي الوَاسِطَةَ في التَّبلِيغِ، فَتفسِيرُ السَّفرَةِ بِمُجَرَّدِ الكَتَبَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «قَوْلُهُ: «وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»، هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي «كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بِهَذَا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَه والدَّارمِيُّ وابنُ خُزَيْمَة وابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أبي هُرَيْرَة أَخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «الْأَفْرَادِ» بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَد ضَعِيف». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذِه كُلُّهَا في المَعنَى: «زينوا القرآن بأصواتكم» يَعْنِي: كما جَاءَ في حَدِيثِ البَرَاءِ ﵁ جَاءَ من حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ ﵃ بِسَنَدٍ حَسنٍ، ومن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رضي الله عنه
стр. 401
بِسنَدٍ ضَعِيفٍ يَعْنِي: شَوَاهِدهُ لِحَدِيثِ البَرَاءِ ﵁.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَخرَجَهُ البَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وعنِ ابنِ مَسعُودٍ وَقَعَ لنا في الأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ عُثمَانَ بنِ السَّمَّاكِ (١) ، ولكنَّهُ مَوقُوفٌ.
قال ابنُ بَطَّالٍ: المُرَادُ بِقَولِهِ: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصوَاتِكُم»: الْمَدُّ والتَّرتِيلُ، والمَهَارَةُ في القُرآنِ: جَودَةُ التِّلَاوَةِ بِجَودَةِ الحِفظِ فلا يَتَلَعثَمُ ولا يَتَشَكَّكُ، وتَكُونُ قِرَاءَتُهُ سَهلَةٌ بِتَيسِيرِ اللهِ تَعَالَى كمَا يَسَّرَهُ على الكِرَامِ البَرَرَةِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا هو المَعنَى بِلا شَكٍّ، «التَّزيِينُ»: هو أن يَقرَأَ بِتَلَاوَةٍ وَاضِحَةٍ بَيِّنَةٍ فيها الخُشُوعُ، فيها التَّحَزُّنُ، فيها التَّرتِيلُ وعَدَمُ العَجَلَةِ، حَتَّى يَتَأَثَّرَ هو وغَيرُهُ.
هل يَلزَمُ مِنْ السَّمعِ وُجُودُ الأُذُنِ؟
لا، ما يَلزَمُ، لا يَلزَمُ مِنَ السَّمعِ ولا مِنْ الاسْتِمَاعِ، تُجرَى على ظَاهِرهَا كما قَالَ اللهُ، سَمِيعٌ وبَصِيرٌ، ولا يَلزَمُ ما يَلزَمُ في صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ، فَصِفَاتُ اللهِ تَلِيقُ به، لا يُشَابِهُهُ فيها شَيءٌ ، مِثلمَا أَنَّه لا يَلَزَمُ في يَدِهِ ولا في قَدَمِهِ ولا في وَجهِهِ ما يَلزَمُ الْمَخلُوقِينَ، ولا في ذَاتِهِ كذَلكَ، ربُّنا جل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) ﴾ [الشورى: ١١] ، لا في ذَاتِهِ ولا في صِفَاتِهِ جل وعلا ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) ﴾ [الإخلاص: ٤]. الحواشي
(١) قال سماحته ﵀ السَّمَّاك الذي يبيع السمك.стр. 402
الاسْتِمَاعُ للقِرَاءَةِ هل له مِثلُ أَجرِ القَارِئِ؟
يُرجَى ذَلكَ، يُرجَى أَنَّهمَا شَرِيكَانِ؛ لِأنَّه وَرَدَ في ذَلكَ ما يَدُلُّ على أنَّهُما شَرِيكَانِ مِثلُ الدَّاعِي إلى اللهِ، ومِثلُ الْمُنفِقُ الذي عَلمِ الحَقَّ وأَنفَقَ، والآخَرُ الذي لَيْسَ عنده قُدرَةٌ على الإِنفَاقِ وهو يَنوِي ذَلكَ.
المَقْصُودُ: أنهما (١) مُتَعَاوِنَانِ، شَرِيكَانِ في الأَجْرِ.
* * * الحواشي
(١) أي القارئ والمستمع.стр. 403
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]
وَقال النَّبِيُّ ﷺ : «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» يُقَالُ مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسَّرْنَا القُرْآنَ بِلِسَانِكَ: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ عَلَيْكَ.
وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ.
وهَذَا من رَحمَةِ اللهِ أنَّ اللهَ يَسَّرَهُ لِلعِبَادِ، وجَعَلَهُ في مُتَنَاوَلِهِم إذا صَدَقُوا في حِفظِهِ وفَهمِهِ يَسَّرَهُ لهم ، فإذا صَدَقَ العَبدُ في تَدَبُّرِهِ والاسْتِفَادةِ منه حَصَلَ له الخَيرُ العَظِيمُ، والعِلمُ العَظِيمُ الْمُبَاركُ، وهَكَذَا حِفظُهُ، فالْمُهِمُّ الصِّدقُ في ذَلكَ والحِرصُ والرَّغبَةُ الصَّادِقِةُ في حِفظِهِ وفَهمِهِ، واللهُ يُعِينُ على ذَلكَ ويُيَسِّرُهُ .
قَولُهُ: «هل من طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، هل المَقصُودُ به الحِفظُ، أو المَقصُودُ به التَّدَبُّرُ؟
العُمُومُ، الحِفظُ من العِلمِ، والفَهمُ أَعظَمُ، وَرَأسُ العِلْمِ وأَصلُ العِلْمِ
стр. 404
هو القُرآنُ، فمَن أَرَادَ العِلمَ فَليتَدَبَّرِ القُرآنَ ولَيعتَنِ بِالقُرآنِ: حِفظًا، وتَدَبُّرًا، وعَمَلًا، ومُذَاكَرةً.
وكان عِلمُ الصَّحَابةِ ﵃ أَكثَرُهُ كُلُّهُ مِنَ القُرآنِ بَعضُهُم لا يَحفَظُ إلا أَحَادِيثَ قَلِيلَةً، لكن نَفَعَهُمُ اللهُ بِعلمِهِم وعِنَايِتِهِم بِكِتَابِ اللهِ ، «هل مِنْ طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، من أَقبَلَ على القُرآنِ هو مِنْ أَفضَلِ الطَّلَبةِ وأَهمِّ الطَّلَبَةِ وأَكمَلِهِم عِلمًا؛ لأن الإِقبَالَ على القُرآنِ مع العِلْمِ يُعطِي خَشيَةً للهِ، وتَعظِيمًا للهِ، ومُرَاقِبَةً وخَوفًا منه، وَجِدَّةً في طَاعَتِهِ، وحِرْصًا على مَرضَاتِهِ، وحَذَرًا مِنْ عِقَابهِ، فهو يُرَبِّي في القُلُوبِ الخَوفَ مِنَ اللهِ، والرَّغبَةَ فيما عنده، وخَشيَتَهُ مع ما يَحصُلُ منَ العِلمِ.
أيُّهما أفضَلُ يا شَيخُ، أنْ يَحفَظَ القُرآنَ أو يَتَدَبَّرُه، أو يَحفَظ قَلِيلًا منَ القُرآنِ ويَتَدَبَّرُ مَعنَاهُ؟
كَونُهُ يَحفَظُ ويَتَدَبرُ أَفضَلُ، الذي يَحفَظُ وَيَقرَأُ ولو نَظرًا ويَتَدَبَّرُ هَذَا هو العِلمُ، وإذا يَسَّرَ له حِفظَهُ كَامِلًا؛ هَذَا خَيرٌ إلى خَيرٍ، لكن تَدَبُّرُهُ والعِنَايةُ به ولو نظرًا أَفضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الحِفظِ بِغَيرِ عِنَايَةٍ.
القُرآنُ يُقَدَّمُ على مِثلِ هَذِه المَجَالِسِ؟
لا، هَذِه الْمَجَالِسُ مَجَالسُ عِلمٍ، والقُرآنُ له أَوقَاتٌ أُخْرَى، اللهُ وَسَّعَ الوَقتَ، يَجعَلُ لِلحفْظِ وَقتًا، وللتِّلَاوَةِ وَقتًا، ولِمَجَالسِ العِلْمِ وَقتًا، لا يُغنِي هَذَا عن هَذَا.
هل وَاجِبٌ على المُسلِمِ أن يَجعَلَ وَقتًا للتَّدَبُّرِ في كُلِّ يَومٍ؟
لا، ما هو بِوَاجِبٍ كُلَّ يَومٍ، حَسبَ الطَّاقَةِ، ما فيه شَيءٌ مُحَدَّدٌ،
стр. 405
الوَاجِبُ أن يَتَدَبَّرَ ويَعتَنِيَ حَتَّى يَتَّقِيَ رَبَّهُ، يَفعَلُ ما لا يَسعُهُ جَهَلُهُ، يَفعَلُ ما يُعِينُهُ على فَهمِ ما أَوجَبَ اللهُ وتَركِ ما حَرَّمَ اللهُ، مِنْ غَيرِ تَحدِيدٍ.
وقد نبَّه سُبحَانَهُ على هَذَا المَعنَى بقَولِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] ما قَالَ يَتلُو، لِيتَدَبَّرُوا، والْمُهِمُّ التَّدَبُّرُ، ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) ﴾ [ص: ٢٩]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إنما هو بِالتَّدَبُّرِ.
يَتَدَبَّرُ يَعْنِي يَتَفَكَّرُ؟
نعم يَتَفَكَّرُ في الْمَعَانِي يَعْنِي.
هل مِنَ المَعَانِي دَائمًا الرُّجُوعُ منه إلى التَّفسِيرِ.
يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ فيما أَشكَلَ عليه، الوَاضِحُ ما يَحتَاجُ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ﴾ [الحجر: ٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) ﴾ [الطور: ١٧]، وما أَشبَهَ ذَلكَ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥]، ما هو يَحتَاجُ إلى التَّفسِيرِ إذا سَمِعَهُ حَصلَ لِقَلبِهِ منَ الخُشُوعِ والإِنَابَةِ والخَيرِ الشَّيءُ الكَثِيرُ، وإذا أَشكَلَ عليه بَعضُ الأَحكَامِ يُرَاجِعُ التَّفسِيرَ.
المُتَشَابِهُ؟
ما أَشكَلَ عليه يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ ويَرجِعُ إلى أَهْلِ العِلْمِ يَسأَلُهُم.
стр. 406
٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ.
فِيمَا يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (١) .
٧٥٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ (٢) .
يَعْنِي قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، كما جَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، ثم قَرَأَ الآيَةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. المَعنَى: أن القَدَرَ مَاضٍ، والأَعمَالَ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِمَا سَبَقَ، أَعمَالُ الخَيرِ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِلحُسنَى والسَّعَادَةِ، وأَعمَالُ الشَّرِّ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ للشَّقَاوَةِ والهَلَاكِ. اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ. الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٦٤٩) .(٢) ورواه مسلم(٢٦٤٧) .стр. 407
«سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ» كذا؟
«سَعدُ بنُ عُبَيدٍ»
(الطَّالبُ): عندنَا ابنُ عُبَيدَةَ.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: لا، سَعدُ بنُ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ، الْمَشهُورِ في الرِّوَايَةِ، الذي نَعرِفُهُ سَعدُ بنَ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ أمَّا هَذَا شَخصٌ آخَرُ.
(الشَّيخُ) رَاجِعْ عندك لَعلَّهُ شَخصٌ آخِرُ؟
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٨/ ٥٠٠)]: «وَسعْدُ بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي السّلمِيّ بِالضَّمِّ الْكُوفِيُّ خَتَنُ أَبِي عَبدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيِّ، واسْمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ حَبِيبٍ الْكُوفِيُّ الْقَارِيُ ولِأَبِيهِ صُحْبَةٌ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا غَيرُهُ، غَيرُ سَعدِ بنِ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ.
[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩) ]: «سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ السّلمِيُّ، أَبو حَمزَةَ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ منَ الثَّالِثَةِ، مَات في وِلَايةِ عُمرَ بنِ هُبَيرةَ على العِراقِ، ع» (١) .
(الشَّيخُ): والذي قَبلَهُ؟
[قال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩) ]: «سَعدُ بنُ عُبَيدٍ الزُّهرِيُّ مَولَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَزهَرَ، يُكَنَّى أَبَا عُبَيدٍ، ثِقَةٌ منَ الثَّانِيَةِ، وقِيلَ: له إِدْرَاكٌ، ع».
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا الأَوَّلُ ابنُ أَزهَرِ بنِ عُبَيدٍ، وهَذَا السُّلَمِيُّ بِالهَاءِ ابنُ عُبَيدَةَ.
* * * стр. 408
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] قَالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ، ﴿يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]: يَخُطُّونَ، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]: جُمْلَةِ الكِتَابِ وَأَصْلِهِ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨]: مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦]: يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يَتَأَوَّلُونَهُ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦]: تِلَاوَتُهُمْ، ﴿وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ، ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُهَا، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩]، يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: هَذَا القُرْآنُ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.
٧٥٥٣ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ - أَوْ قَالَ - سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (١) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٧٥١) .стр. 409
٧٥٥٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (١) .
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ «مُحمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ»؟ هَذَا غَرِيبٌ من مَشَايخِ المُؤَلِّفِ. العَينِيُّ أو الحَافِظُ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٦)]: «قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ»، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «حَدَّثَنَا» وَهُوَ قُومَسِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ وَيُقَالُ لَهُ: الطَّيَالِسِيُّ وَكَانَ حَافِظًا مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي «بَابِ الْأَخْذِ بِالْيَدِ» مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.
وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ مُعْتَمِرٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ، فَعِنْدَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالصُّلْحِ وَاللِّبَاسِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا مُسَدَّدٌ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: أَخرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ عن مُسَدَّدٍ، لَعلها عن مُسَدَّدٍ، يَعْنِي الْمُؤلِّفَ في هَذَا عن شَيخِهِ مُسَدَّدٍ عن مُعتَمِرٍ. الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٧٥١) .стр. 410
[قال الحَافِظُ ﵀]: «عن مُسَدَّدٍ عَنْ مُعتَمِرٍ وَدَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ الْكَثِيرُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْأَنْصَارِيُّ سَمِعَ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي «الْجَامِعِ»، وَمُحَمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بَصرِيٌّ يُقَال لَهُ ابنُ أَبِي سَمِينَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَزْنُ عَظِيمَة، مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي «التَّارِيخِ» بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي «الْجَامِعِ» شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ الْمُلَقَّبِ جَزَرَةً بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: مثل ما قَالَ المُؤلِّفُ ما أَذكُرُ أَنَّه مَرَّ معَنَا إلا هَذِه المرَّةَ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلُ هَذَا، مُحَمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ هَكَذَا، كذَلكَ قَلِيلٌ، غَفرَ اللهُ له.
يُراجَعُ بَعضُ الْمَوَاضِعِ هَذِه، الظَّاهِرُ أنَّ الكَلَامَ «أَخرَجَهُ عن مُسَدَّدٍ»، يَعْنِي: المُؤلِّفَ يُرَاجَعُ بَعضُ المَوَاضِعِ التي أَشَارَ لها.
قَولُهُ: «إن رَحمَتِي سَبَقَت غضَبِي»: وهَذَا مما يَجعَلُ المُؤمِنَ تَغلِبُ عليه عِبَادَةُ الرَّجَاءِ وحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ ، ولكِنْ لا يَحمِلُهُ ذَلكَ على الأَمنِ مِنْ مَكرِ اللهِ، بل على حُسنِ الظَّنِّ باللهِ وحُسنِ الرَّجَاءِ؛ فإن رَحمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وهو القَائلُ سُبحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (١٥٦) ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال عنه المَلَائِكَةُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
فَالمُؤمِنُ يُحسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَحذَرُ الأَمنَ مِنْ مَكرِهِ، فقد قَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي
стр. 411
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (١٥٦) ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ثم قَالَ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَليست هَذِه الرَّحمَةُ تَنالُ مَنْ كَفَرَ به وتَركَ دِينَهُ، ولكنَّهَا وَاسِعَةٌ، يَنَالُهم منها نَصِيبُهُمْ مِنْ الرَّزقِ في الدُّنيَا، والصَّحَّةِ في الدُّنيَا، والتَّمكِينِ مِنْ سَمَاعِ الحُجَجِ، وهَذَا مِنْ رَحمَتِهِ .
فَرحمَتُهُ عَامَّةٌ لهم في الدُّنيَا، ولكن لا يَفُوزُ بها في الآخِرَةِ ويَحصُلُ له أَثَرُهَا في الآخِرَةِ إلا مَنْ اتَّقَى واسْتَقَامَ على أَمرِهِ، ووَحَّدَهُ وأَخلَصَ له، هَؤلَاء هم أَهْلُ الرَّحمَةِ، فمَنِ استَقَامَ على التَّقوَى حَصَلَت له الرَّحمَةُ الكَامِلَةُ، ومَن أَخَلَّ بِالتَّقوَى بِبَعضِ المَعَاصِي نَالَهُ منها بِقَدرِ ما عنده مِنَ الخَيرِ والهُدَى.
هو مَكتُوبٌ عنده فَوقَ العَرشِ؟
نعم. يَعْنِي كِتَابَهُ.
العَرشُ فَوقَ المَخلُوقَاتِ، فَوقَهُ الكِتَابُ؟
الكِتَابُ فَوقَ العَرشِ نعم، عند اللهِ سُبحَانَهُ، ما في مَانِعٌ، العَرشُ سَقفُ المَخلُوقَاتِ، ولا مَانِعَ أن يَكُونَ فَوقَهُ شَيءٌ بِأمرِ اللهِ، لا مَانِعَ.
* * *
стр. 412
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلًا.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا.
стр. 413
٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ: إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا؟ ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا» (١) .
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على القَاسِمِ التَّمِيمِيِّ. العَينِيُّ فيه شَيءٌ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «والقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ هو ابنُ عَاصِمٍ». [انتهى كلامه]. الحواشي
(١) ورواه مسلم(١٦٤٩) .стр. 414
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٩٨)]: «والقَاسِمُ بن عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، ويُقَالُ: الكَلبِيّ، ويُقَالُ: اللَّيثِيُّ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا أَصْلٌ في أنَّ المُؤمِنَ إذا حَلَفَ على شَيءٍ ثم رَأَى ما هو أَصلَحُ منهُ يُكَفِّرُ عن يَمِينِهِ، ولِهذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «إِنِّي واللهِ لَا أَحلِفُ عَلى يَمِينٍ فأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا إلا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وكَفَّرتُ عن يَمِيْنِي» (١) ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إِذَا حَلفْتَ على يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خِيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عن يَمِينِكَ وأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ» (٢) .
وفيه: أنَّ أَعمَالَ العِبَادِ مَخلُوقَةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ هو الذي حَمَلَهُم، يَسَّرَ أَمرهُم ويَسَّرَ للنَّبيِّ ﷺ هَذَا المَالَ وهو الغَنِيمَةُ فَحمَلَهُم، فَفعلهُ فِعْل الْمَخلُوقِينَ، واللهُ خَالِقُهُم وأَعْمَالَهُم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ [الصافات: ٩٦]، فَأعمَالُهُم من إِيمَانٍ وكُفرٍ وصَلَاةٍ وصَومٍ وحَملٍ ونُزُولٍ وغَيرِ ذَلكَ هي أَعمَالُهُم، مَخلُوقَةٌ للهِ ، واللهُ الخَلَّاقُ، وله الأَمرُ، فَالقَولُ غَيرُ الفِعلِ، فلهُ الأَمرُ سُبحَانَهُ، وله التَّصَرُّفُ في عِبَادِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ [يس: ٨٢] له الأَمرُ النَّافِذُ، وكَلمَاتُهُ وَصفٌ له سُبحَانَهُ، وهو بِسَائرِ صِفَاتِهِ هو الخَلَّاقُ، والعِبَادُ بِسَائرِ صِفَاتِهِم وأَعمَالِهِم مَخلُوقُونَ.
المُؤَلِّفُ كَرَّرَ هَذِه التَّرَاجِمَ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) ﴾ [البروج: ٢١] لِهذَا الغَرضِ بَيانُ … ؟
نعم كُلُّهَا لِأجْلِ فِعلِ الْمَخلُوقِ نعم، والقِرَاءَةُ قِرَاءتهُ، والمَقرُوءُ كَلَامُ اللهِ . الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٧١٨) ، ومسلم(٧) .(٢) رواه البخاري(٦٦٢٢) ، ومسلم(١١) .стр. 415
(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على «جَرمٍ»، الذي أَعرِفُهُ بِفَتحِ الجِيمِ قَبِيلهُ عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ الجَرمِيِّ، أَبُو قلَابَةَ. «القَّامُوس» و «التَّقرِيب»: عَبد اللهِ بن زَيدٍ، أَبُو قلَابَةَ؟
[قالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقرِيبِ التَّهذيبِ» (٣٣٣٣) ]: «عَبدُ اللهِ بنُ زَيدِ بنِ عَمرٍو أو عَامِرٍ الجَرْمِيُّ، أَبُو قلَابَةَ البَصْرِيُّ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإِرسَالِ، قَالَ العَجلِيُّ: فيه نَصبٌ يَسِيرٌ، مِنَ الثَّالِثَةِ، مَاتَ بِالشَّامِ هَارِبًا مِنَ القَضَاءِ سَنَةَ أَربَعِ مائَةٍ، وقِيلَ بَعدَها، ع».
قال في «القَامُوسِ» (١) : «والجَرْمُ: الحَارُّ، مُعَرَّبٌ، والأرضُ الشَّديدَةُ الحَرِّ، وزَوْرَقٌ يَمَنِيّ، ج: جُرُومٌ، وبَطْنٌ في طَيِّئٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو، جَرمٌ، هَذِه فَائِدَةٌ ثَانِيةٌ، أَنَّه بَطنٌ مِنْ طَيِّئٍ.
٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ، فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ المُزَفَّتَةِ، وَالحَنْتَمَةِ» (٢) . الحواشي
(١) «القاموس المحيط»(١٠٨٧) .(٢) ورواه مسلم(١٧) .стр. 416
وهَذِه كُلُّهَا مِنْ أَعمَالِهِم لِمَا تَقَدَّمَ، كُلُّهَا جَعَلَهَا عَمَلًا؛ فَأقوَالُهُم وأَعمَالُهُم مَخلُوقَةٌ.
وفيه: أنَّ العَملَ منَ الإِيمَانِ، والرَّدُّ على المُرجِئَةِ، فَالأَعمَالُ كُلُّهَا مِنَ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ ﵊: «الإِيمَانُ بِضعٌ وسِتُّوَن شُعبَةً -أو قال- بِضعٌ وسَبعُونَ شُعبَةً، فَأفضَلُهَا قَولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عنِ الطَّرِيقِ، والحِيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (١) ، فَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ، وجَعلَ الحَيَاءَ وكَلمَةَ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وبَقِيَّةَ أُمُورِ الدِّينِ كُلِّهَا مِنْ الإِيمَانِ.
وأمَّا النَّهيُ عنِ الشُّربِ في الدُّبَّاءِ والحَنتَمِ والنَّقِيرِ والْمُزَفَّتِ فهَذَا كَانَ في أَوَّلِ الإِسلَامِ ثم نُسِخَ، كَانَ الرَّسُولُ ﷺ نَهَاهُم عن الدَّبَّاءِ: وهو القَرعُ، والحَنتَمِ: وهي الجَرَّةُ تُعمَلُ منَ الطِّينِ، والنَّقِيرُ: يُنقَرُ مِنَ الجُذُوعِ، والمُزَفَّتُ: الْمُقَيَّرُ، كَانُوا يَنبِذُونَ فيْهَا الرُّطَبَ والتَّمرَ والزَّبِيبَ حَتَّى يَتَخَمَّرَ ثم يَشرَبُونَها، فَنُهُوا عن ذَلكَ.
فلمَّا حُرِّمَتِ الخَمرُ صَارَ الْمُسلِمُ قد يَشرَبُها، ما يَعلَمُونَ أَنَّها تَخَمَّرَت؛ لِأَنَّهَا قَوِيةٌ لا يَبِينُ فيها الشِّدَّةُ؛ فَنُهُوا عن النَّبذِ فيها لِئَلَّا يَقَعُوا في شُربِ الخَمرِ، وأُمِرُوا بِالشُّربِ في الأَوعِيَةِ التي يُلَاثُ على أَفْوَاهِهَا مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّه إذا اشتَدَّ بها الخَمرُ انْشَقَّتْ وانْصَدَعَتْ.
ثم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُنْتُ نَهيتُكُمْ عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الأَوعِيَةِ، فَانَتَبِذُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، ولا تَشرَبُوا مُسْكِرًا» (٢) . فَرَخَّصَ لهم بعد ذَلكَ في الانْتِبَاذِ في هَذِه الأَوعِيَةِ، لكن مع الحَذَرِ مِنْ شُربِ الْمُسْكِرِ، يَعْنِي: يَعتَنُوا بها، فإذا ظَهَرَ فيها الشِّدَّةُ وبَانَ فيها التَّخمُّرُ أُرِيقَتْ.
* * * الحواشي
(١) رواه البخاري(٩) ، ومسلم(٥٧) .(٢) رواه مسلم(١٠٦) .стр. 417
٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١) .
٧٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (٢) .
يَعْنِي ما صَوَّرتم وأَوجَدتُم، فَجَعَلَه عَمَلًا لهم وهو تَصوِيرُهَا على النَّحوِ الذي أَرَادُوا.
و «الخَلَّاقُ»: هو اللهُ الذي أَوجَدَهَا، واللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَسَمَّى تَصوِيرَهُم خَلقًا؛ لِأنَّه يَتَضَمَّنُ تَقدِيرًا وتَحدِيدًا، وهَذَا يُسَمَّى خَلْقًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾ [المؤمنون: ١٤]. أَي: الْمُقَدِّرِينَ، وإِلَّا فَالخَلَّاقُ هو اللهُ وَحدَهُ سُبحَانَهُ، هو الْمُوجِدُ والْمُنشِئُ والْمُحدِثُ هو اللهُ وَحدَهُ، لَيْسَ هُنَاكَ خَالِقٌ آخَرُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. لكن الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢١٠٧) .(٢) ورواه مسلم(٢١٠٨) .стр. 418
تَصوِيرُ الأَشيَاءِ وتَقدِيرُهَا وتَنظِيمُهَا يَقعُ مِنْ الْمَخلُوقِ، مِنْ أَعمَالِ المَخلُوقِ، ومِن هَذَا قَولُ الشَّاعِرِ:
ولأنت تَفرِي ما خَلقْتَ
وبَعْضُ القَومِ يَخلُقُ ثم لا يَفْرِي
يَعْنِي يُقَدِّرُ ثم لا يُنْشِئُ ولا يُوجِدُ مِنَ العَمَلِ.
المَقصُودُ أنَّ هُنَا خَلْقَهُم يَعْنِي: تَصويرَهُم إِيَّاهَا على الشَّكلِ الَّذِي يُرِيدُونَ، أَمَّا المَادَّةُ والعَمَلُ فهو خَلقُ اللهِ هو الذي خَلَقَهُم وخَلقَ أَعمَالَهُم والمَادَّةَ التي صَوَّرُوهَا.
٧٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» (١) .
(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ الشَّارِحُ على كَلِمَةِ «خَلَقتُمْ» العَينِيُّ أو الشَّارِحُ؟.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «وَقَوْلُهُ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» نَسَبَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ شَعِيرَةً» أَمْرٌ الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢١١١) .стр. 419
بِمَعْنَى التَّعْجِيزِ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي فِي الْحَقَارَةِ أَوِ التَّنَزُّلِ فِي الْإِلْزَامِ، وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَةُ فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ وَتَعْجِيزِهِمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَانِ تَارَةً، وَبِخَلْقِ الْجَمَادِ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْهَبَاءِ فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ مَحْسُوسٌ تَارَةً، وبِمَا لهُ جِرْمٌ أُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ «أَوْ» شَكًّا من الرَّاوِي.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» إِنَّمَا نَسَبَ خَلْقَهَا إِلَيْهِمْ تَقْرِيعًا لَهُمْ بِمُضَاهَاتِهِمُ اللَّهَ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ؛ فَبَكَّتَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِذَا شَابَهْتُمْ بِمَا صَوَّرْتُمْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَحْيُوهَا كَمَا أَحْيَا هُوَ مَنْ خَلَقَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَسْنَدَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ صَرِيحًا وَهُوَ خِلَافُ التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ كَسْبُهُمْ؛ فَأَطْلَقَ لَفْظَ «الْخَلْقِ» عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاءً، أَوْ ضَمَّنَ «خَلَقْتُمْ» مَعْنَى صَوَّرْتُمْ تَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ، أَوْ أَطْلَقَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِمْ فِيهِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْمُصَوِّرِينَ لِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لَوْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ لَمَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُصَوِّرِينَ، فَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُمْ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيمَا صَوَّرُوهُ أَمْرَ تَعْجِيزٍ وَنِسْبَةُ الْخَلْقِ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ دَلَّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ نَسَبَ خَلْقَ فِعْلِهِ إِلَيْهِ اسْتِقْلَالًا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَسْبِ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ؛ فَيُسْتَفَادُ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ فِي تَكْثِيرِ هَذَا النَّوْعِ فِي الْبَابِ وَغَيْرِهِ بَيَانُ جَوَازِ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» إِنْ صَحَّ عَنْهُ.
стр. 420
قُلْتُ: قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنِّي أَنِّي قُلْتُ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» فَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. أَخْرَجَ ذَلِكَ غُنْجَارٌ فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ من «تَارِيخ بُخَارَى» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ الْخَفَّافِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وما ذَلكَ إلا لأنَّ «لَفظِي بِالقُرآنِ» مُحتَمِلَةٌ، فلِهذَا تَبَرَّأَ منها، لِأنَّه يَحتَمِلُ «لَفظِي» الصَّوتَ، ويَحتمِلُ المَلفُوظَ؛ فلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ كما أَنْكَرَ ذَلكَ جَمعٌ مِنَ السَّلَفِ، لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ بذَلكَ إلى قَولِ الجَهمِيَّةِ.
فَرقٌ بين اللَّفظِ والصَّوتِ، الصَّوتُ لا يَشتَبِهُ، واللَّفظُ قد يُؤَوَّلُ على المَلفُوظِ كَالخَلقِ بِمَعنَى المَخلُوقِ؛ فَلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ، وَأنَّه يُبَينُ أن أَفعَالَهُم مَخلُوقَةٌ ومن ذَلكَ أَصوَاتُهُم كما تَقَدَّمَ.
الصَّوتُ ما فيه اشْتِباهٌ عَفَا اللهُ عنكَ؟
الصَّوتُ لا، صُوتُهُ هو، ما يَسمَعُ النَّاسَ إلا صَوتَهُ هو، ما هو صَوتُ اللهِ.
اللَّفظُ؟
يَحتَمِلُ أَوضَح مِنْ «لَفظِي» «تَلَفُّظِي» ما يَحتَمِلُ مَعنَى المَفعُولِ، ولكن أَحسَنُ منه «صَوتِي»، وإذا أَرَادَ اللَّفظَ بِمَعنَى الصَّوتِ ما فيه مَحذُورٌ، الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
стр. 421
بَابُ قِرَاءَةِ الفَاجِرِ وَالمُنَافِقِ، وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ
٧٥٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» (١) .
هَذَا الفَاجِرُ وفي اللَّفظِ الآخَرِ «المُنَافِقُ»، والمُرَادُ الكَافِرُ الذي يِدَّعِي الإِسلَامَ.
وهَذِه أَمثِلَةٌ عَظِيمَةُ مَثَّلَ بها النَّبيُّ ﷺ لِأهلِ القُرآِن، «فَالمُؤمِنُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَمثلِ الأُترُجَّةِ طَعمُهَا طَيبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ والمُؤمِنُ الَّذِي لا الحواشي
(١) ورواه مسلم(٧٩٧) .стр. 422
يَقرَأُ القُرآنَ - أُمِّيٌّ - كَمثَلِ التَّمرَةِ طَعمُهَا طَيبٌ وليسَ لهَا رِيحٌ». ولَكنَّه مُؤمِنٌ.
«والفَاجِرُ» وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «المُنَافِقُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَالرَّيحَانَةِ لها رِيحٌ طَيِّبٌ» (١) وهو ما يَصدُرُ منه من القُرآنِ «وطَعمُهَا مُرٌّ»؛ لأنَّ عَمَلَهُ خَبِيثٌ.
فَالمُنَافِقُ الذي لا يَقرَأُ أو الفَاجِرُ لا رِيحَ ولا طَعمَ كَالحَنظَلَةِ لا رِيحَ طِيبٌ ولا طَعمَ طَيِّبٌ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
وفي هَذَا فَضلُ قِرَاءَةِ القُرآنِ والاستِكثَارِ مِنْ قِرَاءةِ القُرآنِ، فَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ من ذَلكَ.
الفَاجِرُ هنا يُفَسَّرُ بِالمُنَافِقِ؟
كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى المُنَافِقُ، أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا بَينَ بَينَ، على طَرِيقَةِ الأَدِلَّةِ، وقد ذَكَرَ العُلمَاءُ أنَّ العَاصِيَ يُسَمَّى ذا الشَّائِبَتَينِ، في الغَالِبِ النُّصُوصُ تَسكُتُ عنه: المُؤمِنُ والكَافِرُ، المَؤمِنُ والمُنَافِقُ. يُسكَتُ عن صَاحِبِ الشَّائِبَتَينِ، يَبقَى بين الرَّجَاءِ والخَوفِ، فليس مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا ولا مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا، فَيبقَى تَحتَ الخَوفِ وتَحتَ الحَذرِ، ولكن عند النِّهَايةِ وعند التَّحقِيقِ يَرجِعُ إلى القِسمِ الأَوَّلِ، قِسمِ أَهْلِ الإِيمَانِ لِعَقِيدَتهِ الصَّالحَةِ وتَوحِيدِهِ، وإن جَرَى عليه ما يَجرِي منَ التَّعذِيبِ في النَّارِ بِأعمَالِهِ السَّيئَةِ التي مات عليها ولم يَتُبْ، لكنه مُلحَقٌ بالمُؤمِنِينَ في النّهَايَةِ.
(الشَّيخُ): رَاجِعْ نَبَّهَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى المنَافق أو الفَاجِر؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٦)]: «قوْلُهُ بَابُ قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»: الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٠٥٩) ، ومسلم(٧٩٧) .стр. 423
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْفَاجِرِ الْمُنَافِقُ، بِقَرِينَةٍ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْمُؤْمِنِ فِي الْحَدِيثِ -يَعْنِي الْأَوَّلَ- وَمُقَابِلًا لَهُ؛ فَعَطْفُ الْمُنَافِقِ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: «وَتِلَاوَتُهُمْ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ «لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»، وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَزِيدَ فِي بَعْضِهَا: «وَأَصْوَاتُهُمْ». قُلْتُ: هِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «قِرَاءَةُ الْفَاجِرِ أَوِ الْمُنَافِقِ» بِالشَّكِّ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ الْكِرْمَانِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، وَالْفَاجِرُ أَعَمُّ مِنَ الْمُنَافِقِ؛ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي «فَضَائِلِ الْقُرْآنِ»، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَبْوَابِ أَنَّ التِّلَاوَةَ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ التَّالِي؛ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عَمَلِهِ.
وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ لَا تَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ وَلَا تَزْكُو عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا يَزْكُو عِنْدَهُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَكَانَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَشَبَّهَهُ بِالرَّيْحَانَةِ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِبَرَكَةِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَفُزْ بِحَلَاوَةِ أَجْرِهِ، فَلَمْ يُجَاوِزِ الطِّيبُ مَوْضِعَ الصَّوْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَلَا اتَّصَلَ بِالْقَلْبِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ودُخُولُ الخَارِجِيُّ في ذَلكَ لَيْسَ أيضًا بِبَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوَارجَ يَتَكَلَّفُونَ ويَتنَطَّعُونَ وابْتَدَعُوا، حَتَّى قَالَ جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِكُفرِهِم؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مع صَلَاتِهِم وقِرَاءَتَهُ مع قِرَاءَتِهِم يَمرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ ثمَّ لا يَعُودُونَ إليه» (١) ، في اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَتَجَاوُزُ قِرَاءَتُهُم حَنَاجِرَهُم» (٢) ، فهَذَا يَدخُلُ فيه الفَاجِرُ، فنَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أن قِراءَتَهُم لا تَتَجَاوُز حَنَاجِرَهُم ولا تَرتَفعُ لِبِدعَتِهِم الشَّنِيعَةِ أو لِكُفرِهِم على القَولِ الآخَرِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٦١٠) ، ومسلم(١٤٨) .(٢) رواه البخاري(٣٣٤٤) ، ومسلم(١٤٢) .стр. 424
أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا تَنْقُصُ قِرَاءتُهُ ويَنقُصُ فَضلُهُ على حَسَبِ مَعَاصِيهِ، ولكِنْ لَيْسَ مِثلَ المُنَافِقِ وليسَ مِثلَ المُؤمِنِ السَّالِمِ -السَّلِيمِ- بل بينهما، وهو صَاحِبُ الشَّائِبَتَينِ، لا مع هَؤلَاءِ المُؤمِنِينَ في سَلَامَةِ إِيمَانِهِ وفي كمَالَ قِرَاءتِهِ وفَضلِهَا، ولا مع المَنَافِقِينَ والخَوَارِجِ؛ لِأنَّه خَيرٌ منهم، ولكنَّه بين ذَلكَ.
ما مَعنَى لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهَمُ؟
لا يُقبَلُ يَعْنِي، ما يَرتَفَعُ إلى اللهِ نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. ويَحتَمِلُ مَعنًى ثانيًا: وهو أَنَّه لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم وهو أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفعَلُونَ، يَقرَؤونَ القُرآنَ وهم يُكَفِّرُونَ المُؤمِنِينَ، ويَقُولُونَ بِخلُودِهِم في النَّارِ إذا عَصَوا، فَصَارَت قِرَاءَتُهُم لم تَتَجَاوَزِ الحَنَاجِرَ؛ لأنهم لم يَعمَلُوا بها ولم يَتَأَثَّرُوا بها التَّأَثُرَ الشَّرعِيَّ. والأَوَّلُ أَظهَرُ، وهو أَنَّها لا تُقبَلُ ولا تَرتَفِعُ إلى اللهِ .
المُنَافِقُ يُؤجَرُ على قِرَاءَةِ القُرآنِ؟
لا، الْمُنَافقُ أَعمَالُه بَاطِلَةٌ، حَابِطَةٌ، ولِهذَا شبَّهَ قِرَاءَتَه بأنَّهَا رَيحَانَةٌ، التي رِيحُهَا طَيِّبٌ ولا طَعمَ لها.
٧٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يقول: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ
стр. 425
يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا؟ قَالَ: فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» (١) .
يَعْنِي أَفعَالَهَم؟ قَصدُ المُؤَلِّفِ؟
يَعْنِي أَفَعالَهُم نعم مِنْ كَذِبِهِم وافتِرَائِهِم وزِيَادَتِهِم فيما يَسمَعُونَ.
مع أنَّ التَّرجَمَةَ في القِرَاءةِ فَقَطْ وهَؤلَاءِ ما يَقرَؤُونَ يَعْنِي؟
قد يَسمَعُونَ أَشيَاءَ ويُوهِمُونَ مَولَاهُم أَنَّها قُرْآنٌ أو أَنَّها شَيءٌ مما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ ﵊، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟ الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٢٢٨) .следующие страницы →