Полный текст (432 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَلِهذَا قَالَ جل وعلا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فهُوَ السَّالمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، وهُوَ المُسلِّمُ لِعِبادِهِ جل وعلا.
ثمَّ علَّمهُم أنْ يَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
هَكذَا علَّمَهم ﷺ فِي الصَّلاةِ بَعدَ الرَّكعَتَينِ وبَعدَ الأَخِيْرَةِ - بَعدَ الثَّالِثةِ فِي المَغرِبِ، وبَعدَ الرَّابعَةِ فِي الظُّهرِ والعَصْرِ والعِشَاءِ، وبَعدَ الثَّانيَةِ فِي الفَجْرِ والجُمُعةِ والعِيدِ والنَّوافِلِ ونَحوِ ذلِك.
وهذِهِ التَّحيَّاتُ فَرضٌ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أمَرَ بِها ﵊، وهِي فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ آكَدُ؛ وَلِهذَا عدَّهَا جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَرْكَانِ فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ، وفِي الأوَّلِ مِنْ الوَاجِبَاتِ الَّتِي تَسقُطُ بِالنِّسْيَانِ. ويدُلُّ عَلَى ذلِكَ أنَّهُ ﷺ سَهَا عنْهَا ذَاتَ يَومٍ فلمْ يَجلِسْ فِي التَّشهُّدِ الأوَّلِ، فجَبرَ ذلِك بِسُجُودِ الَّسهوِ ﵊.
ثمَّ هُوَ جل وعلا المَلِكُ، معَ أنَّهُ السَّلامُ، فهُو المَلكُ، مَالكُ الدُّنيَا وَالآخِرةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣)﴾ [الفاتحة: ١ - ٣] وفِي القِراءَةِ الأُخرَى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهُو المَالِكُ لكلِّ شَيءٍ ؛ وَلِهذَا أَخبَرَ ﷺ أنَّ اللهَ يَومَ القِيامَةِ يَقبِضُ الأَرضَ، ويَطوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَقولُ: «أنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». وهَذَا
стр. 37
تَفسِيرٌ لِقولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فهَذهِ الأَرضُ معَ عَظمَتِها واتِّسَاعِها وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وغَيرِهَا يَقبِضُها جل وعلا بِيَدِهِ ، وفِي حَديثِ ابْنِ عُمرَ ﵄: «بِيَدِهِ الشِّمَالِ» (١) والسَّمَواتُ تُطوَى بِيمِينهِ -معَ كَونِها سَبْعًا، ومعَ طُولِهَا وكَثافَتِها- فَيَهزُّهنَّ ويَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتكبِّرُونَ؟ يُبيِّنُ عَظمَتَهُ وكِبْرياءَهُ، وَأنَّهُ المَالِكُ لِكلِّ شَيءٍ، وَأنَّهُ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ .
فَجدِيرٌ بِالعِبَادَ وجَدِيرٌ بِكلِّ مُكلَّفٍ أنْ يَعبُدَ هَذَا المَلِكَ العَظِيمَ، وأنْ يَخصَّهُ بِالعِبادَةِ، وأنْ يُفرِدَهُ بِالعِبَادةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وأنْ يُطِيعَ أَوامِرَهُ، ويَنتَهِي عَنْ نَواهِيهِ، وأنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ حَتَّى يَلْقاهُ يَومَ القِيامَةِ وهُوَ رَاضٍ عنهُ؛ فَيَفوزَ بِالسَّعادَةِ وَالجنَّةِ وَالكَرامَةِ.
* * * стр. 38
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وهو (١) آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ».
وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ».
٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي стр. 39
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» (١).
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ». (ح) وقَالَ لِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ، قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ» (٢).
وَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ العِزَّةُ الكَامِلَةُ، وَالعَزيزُ: هُوَ الغَالِبُ القَاهرُ، لَا يُغالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، فلهُ العِزَّةُ الكَاملَةُ ، كَمَا أنَّ لَهُ المُلكَ الكَامِلَ جل وعلا.
ولِهذَا لَا بَأسَ أنْ يُحلفَ بِعزَّةِ اللهِ، أوْ بِعزَّةِ اللهِ لَأفْعلْ كَذَا، أوْ لَأفْعلَنَّ كذَا؛ وَلِهذَا جَاءَ فِي هذِهِ الأَحَادِيثِ الشَّابُّ الَّذِي خَرجَ مِنْ النَّارِ وَأنْجاهُ اللهُ مِنْها إِلَى الجنَّةِ وقَالَ: رَبِّ اصْرفْ وَجهِي عَنِ النَّارِ، وعِزَّتكَ لَا أَسْألُك غَيرَ ذلِك. стр. 40
وكذَلِك إِقْسَامُ أيُّوبَ ﵇: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِك». أيُّوبُ: هُوَ نَبيُّ اللهِ أيُّوبُ ﵊، فَإنَّهُ كَانَ يَومًا يَغتسِلُ، فأَنزَلَ اللهُ عَليهِ رِجْلًا مِنْ جَرادٍ، فجَعَلَ يَحْثُو؛ فقَالَ لَهُ جل وعلا: أَلَمْ أَكنْ أَغْنَيتُكَ عَنْ هذَا؟! فقَالَ: «وَعِزَّتكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِكَ».
كذَلِك تَقُولُ جَهنَّمُ، لَا تَزالُ يُلقَى فِيهَا - يُلقَى فِيهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ - وهِي تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. كَمَا قَالَ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]. فَلا تَزالُ يُلقَى فِيهَا وهِيَ تَقولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ، حَتَّى يَضعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ؛ فَينْزوِي بَعضُها إِلَى بَعضٍ وتَقولُ: (قَطْ قَطْ). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: (قَدْ قَدْ). (قَدْنِي قَدْنِي). يَعنِي: حَسْبِي حَسْبِي وعِزَّتِك، أمَّا الجنَّةُ فَلا يَزالُ يَبقَى فِيها فَضْلٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ السَّعَةِ العَظِيمَةِ؛ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوَامًا؛ فيُدخِلُهم الجنَّةَ فَضْلًا منْهُ .
ومَعنَى «سُبْحَانَ ربِّكَ ربِّ العِزِّةِ» يَعنِي: صَاحبِ العِزَّةِ، كذَلكَ فِي لَفظِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ» (١) يَعنِي: صَاحبَ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ والصَّلاةِ القَائِمةِ. ويُقالُ: ربُّ الدَّارِ، وربُّ الدَّابَّةِ. يَعنِي: صَاحِبُها.
* * * стр. 41
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، قَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ».
حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا، وَقَالَ: «أَنْتَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ الحَقُّ» (١).
وَهذَا اسْتِفتَاحٌ عَظيمٌ، وهُوَ اسْتِفتَاحٌ طَويلٌ، وَيُشبِههُ فِي الطُّولِ مَا رَواهُ стр. 42
مُسلِمٌ مِنْ حَديثِ عَليٍّ ﵁ فِي الاسْتِفتاحِ أيْضًا، وقدْ صحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ اسْتِفتاحَاتٌ مُتعدِّدَةٌ كَانَ يَستَعمِلُهَا أوَّلَ مَا يَدخُلُ فِي الصَّلاةِ بَعدَ التَّكبِيرَةِ الأُولَى، ومِنْها: الاسْتِفتَاحُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُريرَةَ ﵁: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». أَخرجَهُ الشَّيخَانِ (١).
والاسْتِفتاحُ الَّذِي رَواهُ عُمرُ وأبُو سَعِيدٍ وعَائشَةُ وغَيرُهُم ﵃: «سُبحَانكَ اللَّهُمَّ وبِحمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جدُّكَ، وَلَا إلِهَ غَيرُكَ» (٢).
ومِن هَذَا الاسْتِفتاحُ الَّذِي رَواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وأخْرجَهُ المؤلِّفُ هُنَا، وخرَّجهُ فِي كِتابِ التَّهجُّدِ باللَّيلِ، وخرَّجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا فِي أَحَادِيثِ الصَّلاةِ فِي السَّفرِ - وهُوَ دُعاءُ اسْتِفتاحٍ طَويلٍ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ «قَيَّامُ». وفِي الآخَرِ «قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ стр. 43
خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ» (١).
وَهذَا - لَا شكَّ - فيهِ بَيانُ ضَعْفِ العَبدِ وحَاجَتهِ إِلَى رَبِّهِ، وكَمَالِ لُطفِهِ وقُدرَتهِ جل وعلا؛ وجَدِيرٌ بِأنْ يَستَعمِلَ العَبدُ هَذَا تَارةً وهَذَا تَارةً، وهَذَا تَارةً وهَذَا تَارةً (٢).
* * * стр. 44
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]
قَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ :
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ» بِهِ (١).
أَرَادَ المُؤلِّفُ ﵀ بِهذَا [البَابِ] كَمَا تَقدَّمَ إِثْبَاتُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفاتِهِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ جل وعلا، وَالرَّدِّ عَلَى مُنكِرِي الصِّفاتِ مِنْ المُعتَزِلةِ стр. 45
وَالخَوارِجِ وَالجَهميَّةِ وغَيرِهِم ممَّنْ دَخلَ فِي هَذَا البَابَ فَأنْكرَ الأَسْماءَ، أوْ أَثْبتهَا وأَنْكرَ الصِّفاتِ وَالمَعانِيَ كَالمُعتزِلةِ.
وَالحقُّ الَّذِي عَليهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن سَلكَ سَبيلَهُم مِنْ أَئمَّةِ الهُدَى: إِثْباتُ أَسْماءِ اللهِ وَصِفاتِه جَمِيعًا عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ ، مِنْ غَيرِ تَحْريفٍ، وَلَا تَعْطيلٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثيلٍ، فهُو سَميعٌ وهُوَ بَصيرٌ، بِسَمعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ، وبَصرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ١٤].
فهُوَ سُبْحانَهُ يَسمَعُ أَصْوَاتَ العِبادِ، ودَعَواتِهم وتَكْبيرِهِم، وذِكرِهِم وقِراءَتِهم وَاسْتِغفارِهِم وسَائرِ حَركاتِهِم، فهُوَ يَعلَمُها سَمْعٌ وعِلْمٌ ويَرَاها، يَرى المَرئيَّاتِ، وَيَسمَعُ المَسْمُوعَاتِ بِسمْعٍ يَلِيقُ بِجلَالهِ، فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ، وَعَليمٌ بِعلْمٍ، كَمَا أنَّهُ عَلِيمٌ بِعلْمٍ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ لَا يُشابِهُ سَمعَ المَخلُوقِينَ، وبَصيرٌ بِبصَرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ، وهَكَذا رَحِيمٌ بِرحْمةٍ، وغَفورٌ بِمَغفرَةٍ، وجَوادٌ بِجُودٍ، وحَكيمٌ بِحكمَةٍ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ الأَسْماءِ والصِّفاتِ.
ولِهذَا ذَكرَ المُؤلِّفُ عَنْ عَائشَةَ ﵂ هَذَا الأَثرَ المُعلَّقَ (١): «سُبْحَانَ مَنْ وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ» (٢)؛ لإِثْباتِ السَّمعِ، فإِنَّ الفَائدَةَ مِنْ الأَسْمَاءِ إِثْباتُ مَعَانِيهَا، فَالقَولُ بِأنَّها جَامِدةٌ لَا مَعانِيَ لهَا قَولٌ بَاطلٌ، مُخالِفٌ لمَا قُصِدَ مِنْ ذِكرِها، ومُخالِفٌ لمَا دلَّتْ عَليْهِ لُغةُ العَربِ.
فَالمَقصُودُ مِنْ ذِكْرِها: التَّعرُّفُ إِلَى عِبادِهِ بأنَّهُ يَسمَعُ كَلامَهُم حَتَّى стр. 46
يَشكُروهُ، ويُعظِّمُوهُ ويُنادُوهُ، ويُسبِّحوهُ ويَسْتغفِرُوهُ، ويُخبِرُ عِبادَهُ أنَّهُ يَراهُم حَتَّى يَسْتحيُوا مِنْ عَظمَتِهِ، وَحتَّى يَخْشوْهُ، وَحتَّى يُراقِبُوهُ. فمَا الفَائدَةُ مِنْ أَسْماءٍ جَامِدةٍ لَا مَعانِيَ لهَا؟!
ثمَّ ذَكرَ خَبرَ أبِي مُوسَى ﵁ لمَّا كَانُوا يَرْفعُونَ أَصْوَاتَهُم بِالتَّكبِيرِ، كَانُوا إِذَا عَلَوْا فِي المَشْيِ وَالمَحَلِّ المُرتَفعِ كَبَّرُوا ورَفعُوا أَصْوَاتَهم، وإنْ نَزلُوا بُطونَ الأَودِيةِ سبَّحُوا؛ فَقالَ لهُم ﷺ : «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». يَعنِي: هوِّنُوا، لَا تَرفَعُوا كَثِيرًا، لَا تَشدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ». فهُوَ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ - وَإنْ كَانَ فَوقَ العَرْشِ فَوقَ جَميعِ الخَلقِ - فهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ لَا يُشبِهُ العِبَادَ، وَلَا يُشبِهُ المَخْلوقِينَ حَتَّى يُقَاسَ عَليْهِم؛ وَلِهذَا يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهُوَ معَ عُلوِّهِ وفَوْقيَّتهِ وَارْتِفاعِهِ عَلَى عَرشِهِ، فهُوَ قَرِيبٌ مِنْ عِبادِهِ، يَسمَعُ كَلامَهُم، وَيسمَعُ دُعاءَهُم، ويَرَى مَكانَهُم.
وَهكَذَا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (١). لِأنَّ السُّجُودَ حَالَةُ خُضُوعٍ وذُلٍّ، ذُلٌّ للهِ ، فَكانَ صَاحِبُ هذِهِ العِبادَةِ أَقْربَ مَا يَكُونُ إِلَى رَحمَةِ ربِّهِ وإِحْسانِهِ إِليْهِ وَسمَاعهِ دُعاءَهُ، كلَّما كَانَ العَبدُ أَذلَّ للهِ، وَأخْشَى للهِ؛ صَارَ أَقْربَ إِلَى رَحْمتهِ وَسَماعِ دَعْوتهِ؛ وَلِهذَا يَقُولُ السَّلفُ: إنَّ أَحسَنَ بَابٍ يُدخَلُ стр. 47
منْهُ عَلَى اللهِ بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ وَالخُضوعِ للهِ، وَالتَّواضُعِ وَعَدمِ التَّكبُّرِ؛ فَالعَبدُ يَتقرَّبُ إِلَى ربِّهِ بأنَّهُ ذَليلٌ ضَعِيفٌ فَقيرٌ إِلَى ربِّهِ ، وَمُنكسِرٌ إِليْهِ جل وعلا.
وفِي هَذَا شَرعيَّةُ الرِّفقِ فِي الأَصْواتِ فِي الذِّكرِ، وَأنَّ السُّنةَ عَدمُ الرَّفعِ الزَّائدِ الَّذِي قدْ يُشعِرُ بِشيْءٍ مِنْ سُوءِ الأَدبِ؛ وَلِهذَا قَالَ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». إلَّا مَا شَرعَ اللهُ فِيهِ الرَّفعَ، كَالتَّلبِيةِ وَالأَذانِ وَالإِقَامةِ وَالخُطبِ. هذِهِ أَذكَارٌ مَشْروعٌ رَفعُ الصَّوتِ بِهَا.
وَأمَّا الأَذْكارُ العَاديَّةُ فَينْبغِي فِيهَا الرِّفقُ وَعدمُ الرَّفعِ الكَثِيرِ، كَمَا قَالَ النبي ﷺ لِلصَّحابَةِ ﵃، فَالسُّنةُ الرَّفعُ لِلصَّوتِ عِنْدَ المَحلَّاتِ المُرْتَفِعَةِ، إِذَا عَلَا الرُّكْبَانُ فِي الأَسْفَارِ، أوِ المُشَاةُ إِذَا عَلَوْا المَحلَّاتِ المُرتَفِعةَ كبَّرُوا، هَذَا السُّنَّةُ.
«اللهُ أَكبَرُ» يَعنِي: اللهُ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ المُرتَفعَةِ مِنْ جَبلٍ، أوْ دَكدْكٍ، أوْ غَيرِ ذلِكَ مِنْ أَنْواعِ الأَرضِ المُرتَفعَةِ، فإِذَا نَزلُوا الأَودِيةَ وَالمُنْخفَضاتِ سبَّحُوا تَنْزيهًا للهِ عَنِ السُّفُولِ، وَعنْ كلِّ مَا لَا يَليقُ بِهِ ، فهُوَ عَلِيٌّ رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ؛ وَلِهذَا يُكبَّرُ عِنْدَ صُعُودِ المَحلَّاتِ المُرتَفعَةِ؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ، وأَعَظمَ مِنْها، ويُسبَّحُ عِنْدَ المُنخَفضَاتِ مِنْ الأَودِيةِ وَنَحوِها؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ فَوقَ الخَلقِ، رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ، عَالٍ فَوقَ خَلقِهِ .
وَلمَّا سمِعَ عبدَ اللهِ ﵁ يقُولُ: «لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ» - وهُوَ أبُو مُوسَى الأشْعرِيُّ، اسمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ قَيسٍ ﵁ قَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».
стр. 48
هذِهِ كَلمَةٌ عَظِيمةٌ، يَنبَغِي الإِكْثَارُ مِنْها «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» فهِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الجنَّةِ.
وَالمَعنَى - وَاللهُ أَعلَمُ - أنَّها تُفضِي بِصاحِبِها وَيحصُلُ لِصاحِبِها مِنْ الخَيرِ مَا هُوَ كَنْزٌ فِي الجنَّةِ مِنْ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ؛ لِأنَّهَا كَلِمَةٌ فِيهَا التَّجرُّدُ مِنْ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وأنَّكَ ضَعِيفٌ، وأنَّكَ لَا حَوْلَ لكَ عَلَى شَيءٍ، وَلَا قوَّةَ لكَ عَلَى شَيءٍ إلَّا بِاللهِ .
«لَا حَولَ» يَعنِي: لَا تَحوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَلَا مِنْ ضَعْفٍ إِلَى قوَّةٍ، وَلَا مِنْ قوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ، وَلَا مِنْ غِنًى إِلَى فَقرٍ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنَىً إلَّا بِاللهِ، وَلَا قوَّةَ عَلَى ذلِكَ إلَّا بِاللهِ . فهِيَ كَلمَةٌ عَظيمَةٌ، فِيهَا غَايةُ التَّجرُّدِ مِنْ حَولِك وَقوَّتِك، وَأنَّك فَقِيرٌ إِلَى ربِّكَ، وَأنَّهُ الغَنيُّ الحَمِيدُ، وَأنَّهُ المُتصَرِّف فِي عِبادِهِ، وأنَّ العِبادَ ضُعَفاءُ إلَّا بِاللهِ .
وهذِهِ الكَلمَةُ مَشرُوعةٌ عِنْدَ «حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ» وَالحِكمةُ فِي ذلِكَ: أنَّ العَبدَ لَا يَقوَى عَلَى ذَهابِهِ إِلَى الصَّلاةِ وَإِجابَتهِ المُنادِي إلَّا بِاللهِ، إنْ قوَّاهُ اللهُ وَأعَانَهُ، وَإلَّا كَسِلَ وَضَعُفَ، فَناسَبَ عِنْدَ قَولِهِ: حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ - يَعنِي: تَقدَّمُوا، يَعنِي: أَقْبلُوا إِلَى الصَّلاةِ وإِلَى الفَلاحِ - فَناسَبَ عِنْدَ هَذَا أنْ يَقولَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» يَعنِي: لَا حَولَ لِي عَلَى إِجابَةِ هَذَا المُؤذِّنِ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى إِجابَتهِ وَالحُضُورِ إِلَى الصَّلاةِ إلَّا بِاللهِ، أيْ: إلَّا بِكَ يَا ربِّ، فأَعِنِّي عَلَى هذِهِ الإِجابَةِ.
وتُقالُ عِنْدَ الأُمورِ المُهمَّةِ، فهِيَ كَلمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ الَّتِي يَخْشى
стр. 49
العَبدُ أنْ يَعجزُ عنْها وَالحَوَادِث؛ فَيقُولُ: لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ. يَعنِي: لَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ العَظَائِمِ، وَلَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ المُشكِلاتِ، أوْ هذِهِ المُعجِزاتِ الَّتِي تُضعِفُ العَبدَ إلَّا بِاللهِ، فهُوَ المُقوِّي عَلَى ذلِكَ .
٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١).
وَهذَا رَواهُ مُسلِمٌ أيْضًا فِي «الصَّحِيحُ» ولهُ فِي رِوايَةٍ: «وَفِي بَيْتِي»، «أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي» (٢)، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ».
طَلبَ المَغفِرةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ -يَعنِي: عَظِيمةً- وتَوسَّلَ إِليْهِ بِأنَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ، صَاحِبُ المَغفِرةِ، صَاحِبُ الرَّحمةِ، وتَوسَّلَ إِليْهِ بِاعْترافِهِ بِظُلمهِ لِنفْسهِ، وَأنَّهُ ظَلمَها ظُلمًا كَثِيرًا بِالمَعَاصِي وَالتَّقصِيرِ فِي حقِّ اللهِ. стр. 50
فَدُخُولُ العَبدِ عَلَى اللهِ مِنْ طَريقِ الاعْتِرافِ بِتقْصِيرِهِ وظُلمِهِ لِنفْسهِ وعَدمِ قِيامِهِ بِالوَاجِبِ وتَوسُّلهِ إِلَى اللهِ بأنَّهُ الرَّحِيمُ والغَفُورُ والوَاسِعُ المَغفِرةِ وَالجَوادُ الكَرِيمُ، هذَانِ بَابَانِ عَظِيمَانِ مِنْ أَسْبابِ الإِجابَةِ، بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ مِنْ العَبدِ، وبَابُ التَّوسُّلِ بِأسْماءِ اللهِ وصِفاتِهِ وَرحْمتِهِ وَإِحْسانِهِ وَكَرمِهِ، فهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ.
ومِثلُ هَذَا قَولُهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». لمَّا قَالَتْ عَائِشةُ ﵂: يَا رَسولَ اللهِ، إِذَا وَافقْتُ لَيلَةَ القَدْرِ، مَاذَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١).
ففِي ضِمنِ هَذَا الاعْتِرافِ بِأنَّ العَبدَ مَحلُّ تَقْصِيرٍ، وَمحَلُّ مُؤاخَذَةٍ، وأنَّ اللهَ مَحَلُّ العَفوِ، فنَاسَبتْ هذِهِ الوَسيلَةُ فِي طَلبِ العَفوِ.
وَهذَا دُعاءٌ عَظِيمٌ يُعلَّمُ الصِّدِّيقُ ﵁ الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ أَفْضلُ الأُمَّةِ وَخيرُ الأمَّةِ بَعدَ نَبيِّها وبَعدَ الأَنْبياءِ - يُقالُ لهُ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا … ». يُقالُ لِلصِّدِّيقِ ﵁، يُعلَّمُ هَذَا الكَلامَ، فكَيفَ بِغيْرِ الصِّدِّيقِ؟!
إذَا كَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ المشْهُودُ لَهُ بِالجنَّةِ، وهُوَ أَفْضَلُ الأُمَّةِ، ولوْ وُزِنتْ حَسنَاتُه بِالأمَّةِ لَرَجحَتْها بَعدَ نَبيِّها ﷺ ، فكَيفَ بِحَالِ غَيرِهِ، عُمرُ وَعُثمانُ وعَليٌّ وَالصَّحابَةُ ﵃، ثمَّ التَّابِعُونَ ثمَّ مَنْ بَعدَهم إِلَى عَصرِنَا هذَا؟! يَعنِي: مَنْ هُوَ دُونَ الصِّدِّيقِ أَوْلى وَأوْلَى بِأنْ يَعتَرِفَ بِهذَا، وَأوْلَى وَأوْلَى بِأنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». стр. 51
إِذَا كَانَ نَبيُّ الأُمَّةِ يُعلِّمُ الصِّديقَ هَذَا الدُّعاءَ الَّذِي فِيهِ الاعْتِرافُ بِأنَّهُ ظَلَمَ نَفسَهُ ظُلمًا كَثِيرًا، وَأنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى المَغفِرةِ، فَغيرُ الصِّدِّيقِ مِنْ بَابِ أَوْلى بِدرَجاتٍ كَثِيرةٍ.
«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» فَالظُّلمُ يَتنَوَّعُ: بِالغِيبَةِ، بِالنَّمِيمةِ، بِتقْصِيرهِ فِي حقِّ أَهلِهِ، بِتقْصِيرهِ فِي وَلدِهِ، بِتَقْصيرِهِ فِي جَارِهِ، مَنْ يَعدُّ أَنْوَاعَ الظُّلمِ وَأنْواعَ التَّقصِيرِ؟! والعَبدُ قدْ يَغفُلُ عَنْها وَلَا يَدرِي عنْها، يَحسَبُ أنَّهُ سَلِيمٌ، لكِن إِذَا تَأمَّلَ ونَظرَ عَرفَ مَا عِندَهُ مِنْ الظُّلمِ.
والظُّلمُ يُطلَقُ عَلَى المَعاصِي، سَواءٌ كَانتْ فِي حقِّ اللهِ أوْ فِي حقِّ العِبَادِ، كَمَا يُطلَقُ عَلَى الشِّركِ، وهُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ.
«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». وفِي رِوايَةٍ: «كَبِيرًا» (١). وَالمَشْهُورُ فِي الرِّوايَةِ: «كَثِيرًا».
«وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» عدَّةُ وَسائِلَ:
١ - اعْتِرافُهُ بأنَّهُ ظَالِمٌ لِنفْسِهِ.
٢ - الثَّانِي: أنَّهُ ظُلمٌ كَثِيرٌ.
٣ - الثَّالثُ: أنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَغفِرُ الذُّنُوبَ، مَا فِي أَحَدٌ يَغفِرُ الذُّنُوبَ سِوَاهُ.
٤ - وَالرَّابعُ: الدُّعَاءُ: «فَاغِفْرِ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، طَلَبُ المَغفِرَةِ، قَولُهُ: «مِنْ عِنْدِكَ» مَا هِيَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ، مِنْ عِنْدِكَ أَنْتَ تَأمُرُ بِها، وَأنتَ تَتَفضَّلُ بِها عَليَّ فَضْلًا مِنْكَ وَإحْسَانًا.
٥ - ثمَّ خَامِسًا: «إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ».
٦ - سَادِسًا: «الرَّحِيْمُ». عدَّةُ وَسائِلَ، اللهُ أَكْبَرُ. стр. 52
وَهذَا الدُّعاءُ يُدعَى بِهِ فِي السُّجودِ، ويُدْعَى بِهِ بَينَ السَّجْدتَينِ، ويُدعَى بِهِ فِي آخِرِ الصَّلاةِ، فِي مَواضِعِ الدُّعَاءِ، ويُدعَى بِهِ فِي كلِّ وَقتٍ، وفِي البَيتِ وفِي الطَّريقِ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَظِيمٌ.
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، حَدَّثَتْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ» (١).
هَذَا لِقَولِهِ: «سَمِعَ» يَسْمَعُ أَقْوَالَ النَّاسِ، وأنَّ لَهُ سَمْعًا يَسمَعُ بِهِ أَقْوَالَ النَّاسِ.
وتَمَامُ هَذَا الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَإِنَّ اللهَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ أَنْ يُهْلِكَهُمْ». فَنادَاهُ مَلَكُ الجِبالِ وسَلَّمَ عَليْهِ وقَالَ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَمْتَثِلَ أَمْرَكَ فِي هَؤُلَاءِ -أَهْلِ مَكَّةَ- إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ -يَعنِي: الجَبلَينِ» قَالَ: «لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ» (٢). فخَرجَ مِنْ أَصْلابِهم [مَنْ يَعبُد اللهَ]، وهَداهُمُ اللهُ وَأسْلَموا عَامَ الفَتحِ، стр. 53
ودَخلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا.
قَولُهُ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ»؟
يَعنِي: ارْفُقُوا، الرِّفقُ، لَا تُشَدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ لأنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غَائبًا، بلْ يَسمَعُ. الأَصمُّ ضدُّ السَّمِيعِ، والغَائبُ: البَعِيدُ الَّذِي مَا يَسمَعُ، واللهُ جل وعلا يَسمَعُ مِنْ عِبادِهِ - وَإنْ بَعُدوا وَإنْ كَانُوا فِي أَسفَلِ الأَرضِ- فهُوَ يَسْمَعُ كَلامَهُم وهُوَ فَوقَ العَرشِ جل وعلا؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ.
هلْ يُشرَعُ لِلمُسلِمِ أنْ يُكبِّرَ إِذَا عَلَا مَكانًا مُرْتفِعًا؟
يُشرَعُ لَهُ كلَّمَا ارْتَفعَ مَكانًا، إِذَا عَلَا المُرتَفعُ يُكبِّرُ، وإِذَا نَزلَ يُسبِّحُ، هَكَذا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ والنَّبيُّ ﷺ فِي الأَسْفارِ، مَا سَمِعنَاهَا إلَّا فِي الأَسْفارِ.
هلْ جَاءَ فِي تَفْسيرِ بَعضِ الرِّوايَاتِ أنَّ هَذَا الدُّعاءَ بَعدَ التَّشهُّدِ؟
لَا، لَا، أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، عَامٌّ، قَالَ الصِّدِّيقُ ﵁: علِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي - عَامٌّ - فَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ وَقالَ لَهُ: «قُلْ … ».
وَهذَا يَعمُّ آخِرَ الصَّلاةِ بَعدَ التَّشهُّدِ، ويَعمُّ بَينَ السَّجدَتيْنِ، ويَعمُّ السُّجُودَ، كُلُّها مَواضِعُ لِلدُّعاءِ، ويَعمُّ الدُّعَاءَ فِي الطَّرِيقِ، وفِي البَيتِ، وهُوَ جَالِسٌ، وهُوَ قَائِمٌ؛ لِأنَّ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَفِي بَيْتِي» يَعنِي: أَدعُو بِهِ فِي صَلَاتِي وفِي بَيتِي.
* * *
стр. 54
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥]
٧٣٩٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ - ثُمَّ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ - خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ إِنْ (١) كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ». стр. 55
قَالَ ابنُ بَازٍ: السَّلَميُّ نِسبَةً إِلَى بَنِي سَلِمةَ، الأَنْصارُ فِيهِمْ سَلَميٌّ، وبَنُو سُليمٍ: سُلَميٌّ، وبَنُو سُلَيمٍ لَيسُوا مِنْ الأَنْصارِ.
قَولُهُ: «فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ». فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَنَّ هَذَا الأَمْرَ». وَلِهذَا نَصبَ (خَيْرًا) مَفعُول «تَعْلَمُ». فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي … ».
وَهذَا دُعاءٌ عَظِيمٌ - دُعاءُ الاسْتِخارَةِ - وَالمَقصُودُ مِنهُ هذِهِ الصِّفاتُ: «بِعِلْمِكَ … »، «بِقُدْرَتِكَ … » إِلَى آخِرهِ، بَيانُ هذِهِ الصَّفاتِ العَظِيمةِ للهِ .
وقَولُهُ: «إِذَا هَمَّ بِأَمْرٍ». يَعنِي: أمْرًا فيهِ شُبهَةٌ، فِيهِ عَدمُ اقْتِناعٍ، وأنَّ المَصلَحةَ فِيهِ، هَذَا مَحلُّ الاسْتِخارَةِ، وهُوَ مَعْروفٌ مِنْ السِّياقِ. «إِذَا هَمَّ بِأَمْرٍ» يَعنِي: فِيهِ شَيءٌ مِنْ التَّوقُّفِ، أوْ شَيءٌ مِنْ جَهلٍ بِالعَاقبَةِ أوْ نَحوِ ذلِكَ ممَّا يَكُونُ فِيهِ حَاجةٌ إِلَى الاسْتِخارَةِ.
أمَّا الأُمورُ المَعرُوفةُ الَّتِي لَيسَ فِيهَا إِشْكالٌ وكُلُّها خَيرٌ -المَعرُوفةُ- مَعْروفٌ مَصلَحَتُها، لَا شُبهَةَ فِيهَا، فهذِهِ لَيسَ فِيهَا اسْتِخارَةٌ، مَا يَستَخيرُ مَنْ يُصلِّي، أوْ يَستَخيرُ مَنْ يُزكِّي، أوْ يَستخِيرُ مَنْ يَصومُ، أوْ يَستَخيرُ مَنْ يَحجُّ - إِذَا كَانَ الطَّريقُ آمِنًا ولَيسَ فِيهِ خَطرٌ - وَلَا يَستَخِيرُ فِي الأَشْياءِ المَعْروفَةِ فِي برِّ وَالِديْهِ، أوْ فِي صِلةِ رَحمِهِ، إنَّمَا يَستَخيرُ فِي الشَّيءِ الَّذِي فِيهِ شُبهَةٌ قدْ أَشكَلَ عَليْهِ مِنْ جَانِبٍ، إمَّا مِنْ جَانبِ كَذَا أوْ مِنْ جَانبِ كذَا، أوْ مِنْ جانِبِ كذَا، أوِ
стр. 56
الزَّواجِ بِفُلانةِ، … (١) أوِ الزَّواجِ بِفُلانٍ، أوْ شِراءِ هذِهِ السِّلعَةِ، أوْ صُحبَةِ فُلانٍ، أوْ مَا أَشْبهَ ذلِكَ مِنْ الشَّيءِ الَّذِي قدْ يَكُونُ فِيهِ شُبهَةٌ.
مَتَى يَدعُو؟ قَبلَ السَّلامِ أوْ بَعدَ السَّلامِ؟
بَعدَ السَّلامِ، يُصلِّي رَكْعتَينِ، ثمَّ بَعدَ الصَّلاةِ.
يَرفَعُ يَديْهِ، أَحسنَ اللهُ عَملَكَ؟
رَفعُ اليَديْنِ مِنْ أَسْبَابِ الإِجابَةِ.
(الشَّيخُ): تَكلَّم المُحَشِّي عَلَى الحَدِيثِ؟ «ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتحِ البَارِي» (١٣/ ٣٧٦)]: «وقَولُهُ: «ثُمَّ لِيَقُلْ» ظَاهِرٌ فِي أنَّ الدُّعَاءَ المَذكُورَ يَكُونُ بَعدَ الفَراغِ مِنْ الصَّلاةِ، ويَحتَملُ أنْ يَكُونَ التَّرتِيبُ فِيهِ بِالنِّسبَةِ لِأذْكارِ الصَّلَاةِ ودُعائِهَا، فَيقُولُهُ بَعدَ الفَرَاغِ وقَبلَ السَّلامِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَذَا احْتِمَالٌ، وَالأوَّلُ أَظهَرُ؛ لِأنَّ فِيهِ (ثُمَّ) هَذَا أَظْهرُ، وَالاحْتِمالُ هَذَا لَيسَ بِشيْءٍ.
* * * стр. 57
بابُ مُقَلِّبِ القُلُوبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]
٧٣٩١ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ».
بابُ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الجَلَالِ: العَظَمَةِ، البَرُّ: اللَّطِيفُ.
٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ».
أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ (١). стр. 58
(الشَّيخُ): تَكلَّمَ عَلَى «مِائَةً إِلَّا وَاحِدةً»؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٧٧)]: «قَولُهُ: بَاب: إنَّ للهِ مِائَةَ اسْمٍ إلَّا وَاحدَةً: ذَكرَ فِيهِ حَدِيثَ أبِي هُريْرَةَ ﵁: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا … ». وَقدْ تَقدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتابِ الدَّعَواتِ وبَيَانِ مَنْ رَواهُ بِاللَّفظِ المَذْكورِ فِي هذِهِ التَّرجَمةِ، ووَقعَ هُنَا فِي رِوايَةِ الكُشْمِيهَنيِّ: «مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا». بِالتَّذكِيرِ، و «مِائةً» فِي الحَدِيثِ بَدلٌ مِنْ قَولِهِ: تِسْعَةً وَتِسْعِينَ». [انتهى كلامه].
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ٩٤)]: «قَوْلهُ: «إلَّا وَاحِدًا» (١). كَذَا فِي رِوَايَة الكُشْمِيهنيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيرِهِ: «إلَّا وَاحِدَة»، وَلَعَلَّ التَّأْنِيثَ بِاعْتبَارِ الْكَلِمَةِ، أَوْ هِيَ للْمُبَالَغَة فِي الْوحدَةِ نَحوُ: رَجلٌ عَلَّامَةٌ، ورَاوِيةٌ، وَفَائدَةُ «مائَةً إلَّا وَاحِدَةً»: التَّأْكيدُ وَرفعُ التَّصحِيفِ … ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَلِهذَا فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ العُلَمَاءُ: مَعْناهَا: إِحْصَاؤُها وحِفْظُهَا مِنْ حَيثُ اللَّفظُ وَالمَعنَى جَمِيعًا. يُحصِيها ويَحفَظُها ويَعتَنِي بِالمَعنَى ويَعملُ بهِ، لَا مُجرَّد الحِفظِ فَقطْ وَالإِحْصاءِ مِنْ غَيرِ عَملٍ، فهِي كَلمَاتٌ تُحصَى ويُعمَلُ بِمُقتضَاهَا؛ وَلِهذَا رُتِّبَ عَليْها دُخولُ الجنَّةِ. стр. 59
(الشَّيخُ): تَكلَّم الشَّارحُ عَلَى «مَنْ أَحْصَاهَا» أوْ مَا تَكلَّمَ؟ العَينِيُّ تَكلَّمَ عَليْهِ أو قَالَ تَقدَّمَ؟
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ٩٤)]: «قَولُهُ: أَحْصَينَاهُ: حَفِظنَاهُ. هَذَا مِنْ كَلَامِ البُخَارِيِّ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ مَعنَى الإِحْصاءِ هُوَ الحِفظُ، وَالإِحْصَاءُ فِي اللُّغةِ يُطلَقُ بِمَعنَى الإِحَاطَةِ بِعلمِ عَدَدِ الشَّيءِ وَقدْرهِ، وَمِنهُ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨] قَالهُ الْخَلِيلُ. وَبِمَعنَى الإِطاقَةِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أَي: لنْ تُطِيقوهُ». [انتهى كلامه].
بَعضُ المَصاحِفِ يُكتَبُ فِي آخِرِها هذِهِ الأَسْمَاءُ، هلْ هِيَ نَفسُها صَحِيحةٌ؟
لَا، مَا هِيَ مَحْفوظَةٌ، جَاءَتْ فِي أَحادِيثَ، وَلكِنَّها غَيرُ مَحفُوظةٍ، واللهُ جَعلَ ذلِكَ لِلْعبَادِ يَتَأمَّلونَهَا وَيَستَنْبطُونَها مِنْ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ؛ حَتَّى يَستَفِيدُوا مِنْ التَّتبُّعِ وَالتَّأمُّلِ.
العَملُ بِها يَا شَيخُ وَالدُّعاءُ بِها؟
يَتعَلَّمُها الإِنْسَانُ، يَحفَظُها مِنْ القُرآنِ، يَحفَظُها وَيتَأمَّلُ مَعانِيَهَا وَيَسْتفِيدُ.
* * *
стр. 60
بَابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ».
تَابَعَهُ يَحْيَى، وَبِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … وَزَادَ زُهَيْرٌ، وَأَبُو ضَمْرَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١).
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ. стр. 61
٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ»، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».
٧٣٩٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا»، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (١).
فَيُستَحبُّ التَّأسِّي بِهِ ﵊، فإِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ يَنفُضُ فِراشَهُ بِصِنفَةِ ثَوبِهِ، ثمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ»، «بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ» (٢). كَمَا كَانَ النَّبيُّ يَفعَلُ ﵊. وَيَقولُ أيْضًا: «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (٣) كمَا يَأتِي.
الحَاصِلُ: أنَّهُ يُتأَسَّى بِالنَّبيِّ ﷺ فِي ذلِكَ عِندَما يَنامُ وعِنْدمَا يَسْتيقِظُ، وعِندَ الاسْتِيقَاظِ يَقُولُ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ стр. 62
النُّشُورُ» (١). ويَقُولُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ … » (٢) فذَكرَ هَذَا الذِّكرَ.
فَالمَقصُودُ: أنَّ المُؤمِنَ يَتأَسَّى بِالنَّبيِّ ﷺ فِي هذِهِ الأُمُورِ، سَواءٌ فِيمَا يَتعلَّقُ بِالاسْتِيقاظِ، وَفِيما يَتعلَّقُ بِالنَّومِ، أوْ غَيرِ ذلِكَ.
مَا حِكمَةُ النَّفضِ؟
جَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ» (٣).
٧٣٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» (٤).
(الشَّيخُ): عِنْدَكَ: (فَقَالَ: بِسمِ اللهِ) بِالفَاءِ؟ стр. 63
(القَارِئُ): نَعمْ.
(الشَّيخُ): وَعِندَكُم فِي النُّسخِ الأُخرَى أوْ نُسخَةٍ وَاحِدةٍ؟
(الطَّلبَةُ): نَعمْ، بِالفَاءِ، وكَذَا بِالفَاءِ عِنْدَ العَينِيِّ.
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الفَاءُ زَائدَةٌ، الَّذِي أَحْفَظُ فِي الحَدِيثِ: (قَالَ) جَوابُ (لَوْ).
وهذِهِ سُنَّةٌ، سنَّةٌ عِنْدَ الجِماعِ أنَّ المُؤمِنَ عِنْدَ الجِماعِ يَقُولُ هذَا: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا». وَالفَائدَةُ العَظِيمةُ، يَقُولُ: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ» مِنْ ذلِكَ الجِمَاعِ «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبْدًا». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «شَيْطَانٌ أَبَدًا» (١) بِالتَّنكِيرِ.
وَهذَا كلُّهُ يدُلُّ عَلَى الفَائِدةِ العَظيمَةِ، فَينْبغِي لِلمُؤمِنِ أنْ يَحتَسِبَ ذلِكَ، وأنْ يُحسِنَ ظنَّهُ بِربِّهِ، وأنْ يَرجُوَ حُصُولَ هذِهِ الفَائدَةِ العَظيمَةِ؛ فَيقُولُ عِنْدَ الجِماعِ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا».
كُلُّ جِماعٍ يَا شَيخُ -حَفِظكُم اللهُ- أوِ الَّذِي يُرجَى مِنهُ الوَلدُ، كَأنْ تَكُونَ المَرأَةُ حَامِلًا مَثلًا؟
الظَّاهِرُ العُمومُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ العُمُومُ، وهَذَا لَا يَزِيدُهُ إلَّا خيْرًا، الدُّعَاءُ لَا يَزيدُهُ إلَّا خَيرًا، وَلوْ أنَّهَا حَامِلٌ.
بَعدَ نِهايَةِ الجِمَاعِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»؟
بَعدَ النِّهَايةِ مَا سَمِعتُ شَيْئًا. стр. 64
لوْ نَسِيهُ؟
مَا عَليْهِ شَيءٌ، الحَمدُ للهِ، سُنَّةٌ مُستَحبَّةٌ فَقطْ، مَا قَالَ: (افْعَلُوا)، دُعاءٌ مُستَحَبٌّ.
. غير واضح؟
(الشَّيخُ): ابْنُ مَسعُودٍ؟
(السَّائلُ): نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: مَا عِنْدِي خَبرٌ مَا أَعلَمُهُ، إنْ كَانَ وَجدْتَهُ هَاته (١).
٧٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُرْسِلُ كِلَابِي المُعَلَّمَةَ؟ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَأَمْسَكْنَ فَكُلْ، وَإِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ» (٢).
وَاللهُ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ وَلِهذَا ذَكرَ مَسْألةَ الصَّيدِ؛ لِأنَّ فِيهِ «بِسْمِ اللهِ» عِنْدَ إِرْسالِ الكِلَابِ، وعِندَ الرَّميِ بِالسَّهْمِ، فهُوَ تَبرُّكٌ بِاسمِهِ وَاسْتِعانَةٌ بِاسْمهِ عَلَى صَيدِهِ، وعَلَى مَا يَحصُلُ لَهُ مِنْ الوَلدِ، إِلَى غَيرِ ذلِكَ. стр. 65
وَقولُهُ: «إِذَا رَمَى بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ». يَعنِي: رَماهُ بِالحَربَةِ - المِعْراضُ - وهُوَ الرُّمحُ، فَإنَّهُ بِهذَا يَكُونُ حَلالًا طيِّبًا، كَمَا لوْ كَانَ مَذْبوحًا، بِخِلافِ مَا لوْ أَصابَهُ بِالعَرضِ - عَرضِ الرُّمحِ - فَإنَّهُ يَكُونُ وَقيذًا؛ لِأنَّهُ قَتلَهُ بِالثَّقلِ لَا بِالحَدِّ، فَيكُونُ دَاخِلًا فِي قَولِهِ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣].
إِذَا أَدْركَهُ وهُوَ حيٌّ هَلْ يُذكِّيهِ؟
فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «إِذَا أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ» (١).
وإِذَا لمْ يَذْبحْهُ؟
يَكُونُ مَيتَةً، إلَّا إِذَا غَلبَهُ، مَا أَمْكنَهُ.
٧٣٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَا هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا».
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بن مُحمَّد، وَأُسَامَةُ ابْنُ حَفْصٍ.
٧٣٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ» (٢). стр. 66
٧٤٠٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» (١).
٧٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ» (٢).
وَهذَا يُبيِّنُ لنَا أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذينَ هُمْ حُدثَاءُ عَهدٍ بِالإِسْلامِ تَحلُّ ذَبائِحُهُم عَلَى السَّلامَةِ وعَلَى الحِلِّ، وَإنَّمَا يُشرَعُ لِمنْ أُهْدِيتْ إِليْهِ أنْ يُسمِّيَ هُوَ كَمَا يُسمِّي عَلَى الطَّعامِ وعَلَى كلِّ مَا يَأكُلْ، فيُسَمِّي عَلَى هذِهِ اللُّحُومِ ويَكفِيهِ، فيُحسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ وَلَا يَحمِلُهَا عَلَى المَيتَةِ.
بِخِلافِ ذَبائِحِ الكُفَّارِ، فلَا، لَا تُؤكَلُ وَلَا يُسَمَّى عَليْها ـ بِخِلافِ أَهْلِ الكِتابِ ـ كَالوَثنِيِّ وَالشُّيوعِيِّ ونَحوِهِم مِنْ الكَفَرةِ -غَيرِ أَهْلِ الكِتابِ- فَذَبيحَتُهم مُحرَّمَةٌ، وَلَا تَحِلُّ بِالتَّسمِيةِ عَليْها كَمَا يَظنُّ بَعضُ النَّاسِ، لَا، إنَّمَا هَذَا فِي قَومٍ حُدَثاءُ عَهدٍ بِالإِسْلامِ، تُحمَلُ ذَبائِحُهم عَلَى الأَصلِ -وهُوَ الحِلُّ- لأَنَّهُم стр. 67
مُسلِمُونَ، وإِذَا شكَّ فِي ذلِكَ يُسمِّي هُو.
وَأمَّا ذَبائِحُ أَهْلِ الكِتابِ فهِيَ مِثلُ ذَبائِحِ المُسْلِمِينَ حِلٌّ لنَا، إلَّا أنْ نَعلَم أنَّها ذُبِحتْ عَلَى غَيرِ الشَّرعِ، كَالخَنقِ؛ لِأنَّ اللهَ جَعلَ طَعامَهُم حِلًّا لنَا، إلَّا مَنْ عُرِفَ مِنهُم بِالذَّبحِ غَيرِ الشَّرعِيِّ فَلا تُؤكَلُ ذَبيحَتُهُ.
وَمَا ذُكِرَ عَليهِ غَيرُ اسْمِ اللهِ؟
يَكُونُ مَيتَةً، إِذَا ذُكِرَ غَيرُ اسْمِ اللهِ: كَالمَسيحِ، أوِ الزُّهرَةِ، أوِ العُزيْرِ؛ يَكُونُ مَيتَةً.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، تَسمِيتُهُ هُوَ لِإِزالَةِ الشَّكِّ أوْ لِلأَكلِ؟
الظَّاهِرُ لِتَطْييبِ النُّفُوسِ، وإلَّا فَتَسْمِيتُهم تَكفِي؛ لِأنَّهم يُسَمُّونَ عَلَى طَعَامِهِم.
تَكونُ التَّسْمِيةُ بِنيَّةِ الأَكْلِ؟
إِذَا سَمَّوُا اللهَ عَليْهَا عِنْدَ أَكلِهِم إِيَّاها كَفَى. يَعنِي: فِعلُ السُّنةِ الَّتِي شَرعَهَا اللهُ لهُمْ.
إِذَا بَحثَ عَنْ آلَةِ الذَّبحِ ولمْ يَجدْهَا وتَأخَّرتْ هلْ يَكُونُ مَيتَةً؟
الأَظهَرُ أنَّهُ يَكُونُ مَيتَةً؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ» (١)، «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ» (٢)، يَكُونُ تَفْريطًا، كَونُهُ مَا يُعدُّ آلَةً لِلذَّبحِ يَكُونُ تَفْرِيطًا، يُعتَبرُ تَفرِيطًا منْهُ. стр. 68
إِذَا كَانَ حَيوانٌ غَيرُ مَأكُولِ اللَّحمِ، هلْ يُذكِّيهِ حَتَّى يُرِيحَهُ؟
مَا أَعلَمُ فِي هَذَا شَيْئًا. أَقُولُ: مَا أَعلَمُ فِي هَذَا شَيْئًا، إِنْ تَركَهُ فَلا بَأسَ، إنْ كَانَ قِطًّا أوْ كَلبًا إِذَا تَركَهُ حَتَّى يَمُوتَ، مَا أَعلَمُ أنَّهُ مَشْرُوعٌ لنَا أنْ نُذكِّيَهُ، يَترُكهُ حَتَّى يَمُوتَ.
الشَّاةُ إِذَا مَرِضتْ وَأَصابَهَا مَرضٌ شَدِيدٌ ويُخْشَى عَليْها المَوْتُ، هل يَذبَحُها؟
هُوَ بِالخِيارِ: إنْ شَاءَ ذَبَحَها لَعَلَّها تُؤكَلُ، وإنْ شَاءَ تَركَهَا؛ لِأنَّهَا مَأكُولةٌ، إنْ ذَبحَها فرُبَّمَا تُؤكَلُ، وإنْ لمْ يَذْبَحْهَا وتَركَهَا حَتَّى مَاتَتْ فلَا أَعلَمُ بِهِ بَأسًا - لِأنَّهَا قدْ تُشفَى.
يَعنِي: مَا يُرِيحُها بِالذَّبحِ؟
مَا أَعلَمُ شَيْئًا فِي هذَا، بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَكرَهُ ذلِكَ -التَّرْيِيحَ- لِأنَّهُ مَا عَليْهِ دَليلٌ، لَكِنَّ الأَمرَ فِيهِ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ اللهُ.
* * *
стр. 69
باب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ
وَقَالَ خُبَيْبٌ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى»
٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ - حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.
وَهذَا وَرَدَ فِي عدَّةِ أَخْبارٍ، ذِكرُ الذَّاتِ وَردَ فِيهِ عدَّةُ أَخْبارٍ، مِنْها هَذَا الخَبرُ:
стр. 70
خَبرُ خُبَيبٍ ﵁ حِينَ قَالَ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ». فَأقرَّهُ النَّبيُّ ﵊.
وَكَانَ هَذَا فِي قصَّةِ عَاصِمِ بنِ ثَابتٍ بنِ أبِي الأَقْلحِ فِي سَرِيَّتهِ ﵃ لمَّا أُصِيْبَ، واعْتَدَى عَليهِمْ جَماعَةٌ مِنْ بَنِي لِحْيانَ مِنْ هُذَيلٍ، وأَسرُوا مِنهُم جَماعَةً، مِنهُم خُبيْبٌ ﵁، وَبَاعُوهُ فِي أهلِ مكَّةَ، وَمَا جَرَى مِنْ قَتلِهِ كَمَا هُنَا فِي الحَدِيثِ.
فَالحَاصلُ: أنَّ قَولَهُ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ» فِيهِ بَيانُ إِثْباتِ الذَّاتِ، كَمَا جَاءَ إِثْباتُ الأَسْماءِ وَالصِّفاتِ هَكَذا الذَّاتُ، فاللهُ سُبْحانَهُ لَهُ ذَاتٌ لَا تُشبِهُ الذَّواتِ، بلْ هِيَ أَعظَمُ الذَّواتِ وأَكمَلُ الذَّواتِ، ولهَا صِفاتُ الكَمالِ وَالأَسْماءِ الحُسنَى.
وَهكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ قصَّةِ إِبْراهِيمَ ﵇: «أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ» (١).
فَالوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ وعَلَى المُكلَّفِينَ: إِثْباتُ أَسْماءِ اللهِ وصِفَاتِهِ، وَأصْلُ ذلِكَ إِثْباتُ ذَاتهِ ، وَأنَّهُ مَوجُودٌ عَظِيمٌ قَادِرٌ، مَوصُوفٌ بِالصِّفاتِ العُلَا ومُسمَّى بِالأَسْماءِ الحُسنَى، فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الخَلقِ ، لَهُ الأَسْماءُ الحُسنَى ولَهُ الصِّفاتُ العُلَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فكَمَا أنَّ المُسلِمِينَ يُثْبِتونَ صِفاتٍ لَيسَ لَهُ فِيهَا شَبِيهٌ، فهَكَذا الذَّاتُ مِنْ بَابِ أوْلَى لَيسَ لَهُ فِيهَا شَبِيهٌ، فهِيَ ذَاتٌ ذَات سَمْعٍ وبَصرٍ وعِلمٍ وقُدْرَةٍ، إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنْ الصِّفاتِ العَظِيمةِ. стр. 71
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ» (١).
٧٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (٢).
وَهكَذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. هُوَ الَّذِي كَتبَ ولَمْ يَكتُبْهُ أَحدٌ، وكَتبَ عَلَى نَفسِهِ الرَّحمَةَ فضْلًا مِنهُ وَإْحْسَانًا стр. 72
وجُودًا وكَرَمًا، وهَكَذا أَحَقَّ عَلَى نَفسِهِ نَصْرَ عِبادِهِ المُؤمِنِينَ، وَإِدْخَالَ الجنَّةِ لِمنْ لَقِيَهُ بِالتَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ، كُلُّ ذلِكَ مِنْ فَضلِهِ وَإِحْسَانِهِ .
الكِتابَةُ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ؟
نَعمْ، كَالخَلقِ وَالرَّزقِ، القَاعِدَةُ: كُلُّ مَا يَتعلَّقُ بِالمَشِيئَةِ يُسمَّى صِفَاتِ فِعْلٍ، وَمَا يَتعَلَّقُ بِغَيرِ ذلِكَ يُسمَّى صِفَاتِ الذَّاتِ، كَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالعِلمِ وَنحْوِ ذلِكَ، صِفَاتٌ ذَاتيَّةٌ، وَالخَلْقُ وَالرَّزْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَالإِحْياءُ وَالإِمَاتةُ وَإِنْزالُ المَطرِ وَالنُّزُولُ وَالاسْتِواءُ ونَحوُ ذلِكَ -كُلُّها صِفَاتُ فِعلٍ، تَكُونُ بِالمَشيئَةِ وَالاخْتِيارِ.
وَبَعضُ الصِّفاتِ يُطلَقُ عَليْهَا صِفَاتُ ذَاتٍ وَصِفاتُ فِعلٍ؛ لِأنَّهَا مُلازِمَةٌ لِلذَّاتِ؛ وَلِأنَّهَا تَكُونُ بِالمَشِيئةِ وَالاخْتِيارِ: كَالْكَلامِ، فَإنَّهُ لَا يَزَالُ مُتكلِّمًا إِذَا شَاءَ ، هذِهِ يُقَالُ لَهَا: صِفَاتُ ذَاتٍ مِنْ هذِهِ الحَيثِيَّةِ، وصِفَةُ فِعلٍ؛ لِأنَّهُ بِمَشيئَتِهِ، لَا بِالإِجْبَارِ.
٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (١). стр. 73
وَهذَا كَسَائِرِ الصِّفَاتِ تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، معَ العِلْمِ أنَّها تُفِيدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُمْ، وأَنَّهُم مَتَى سَارَعُوا إِلَى الخَيرَاتِ وَسابَقُوا إِلَى الطَّاعَاتِ، فَاللهُ بِالخَيرِ أَسبَقُ، وَفَضلُهُ أَكثَرُ وَأعظَمُ.
وَأمَّا تَفْسِيرُ هذِهِ الصِّفَاتِ فَلَا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذلِكَ إلَّا هُو، صِفَاتُ حقٍّ (تَقرُّبُهُ مِنْ عِبَادِهِ ذِرَاعًا، وبَاعًا، وَمَشيُهُ إِليْهِ هَرْوَلةً) كُلُّ هذِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ الَّتِي تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها مِنْ غَيرِ تَحرِيفٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، بلْ عَلَى حَدِّ قَولِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
لَكنَّهُ يُستَفادُ مِنْها، مِنْ مَضْمونِهَا ومِن ثَمَراتِها ومِن مُقْتضَاهَا: أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُم، وَأنَّهُ أَجْوَدُ وَأكْرَمُ، مِنْ سَابَقَ إِلَى الخَيْراتِ وسَارَعَ إِلَى الطَّاعَاتِ؛ فَاللهُ إِليْهِ أَسرَعُ بِالخَيرَاتِ وَالثَّوابِ.
وَقوْلُهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، و ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦]: تُمرُّ كَمَا جَاءَتْ مِثلُ سَائرِ الصِّفاتِ، لَهُ نَفسٌ لَا يَعلَمُ كَيفِيَّتهَا إلَّا هُوَ ، لَهُ نَفْسٌ كَمَا أنَّ لَهُ يدًا وقَدَمًا ورَحْمَةً وغَضَبًا ورِضًا ونَحوَهَا، وكلُّهَا تَلِيقُ بِاللهِ لَا يُشابِهُهُ فِيها خَلقُهُ.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، لو وُعِظَ بِمثْلِ هَذَا الحَدِيثِ: «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ شِبْرًا» أَشَارَ شِبرًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا» أَشارَ ذِراعًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ بَاعًا» أَشَارَ بَاعًا؟
إِذَا أَرَادَ بِهِ الحَقيقَةِ ونَفْيَ التَّشْبيهِ لَا بَأسَ، إِذَا أَرادَ أنَّهُ شِبرٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وبَاعٌ عَلَى الحَقِيقةِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ فلَا بَأسَ، مِنْ بَابِ بَيَانِ الحَقيقَةِ، لَا
стр. 74
مِنْ بَابِ التَّكْييفِ وَالتَّمْثيلِ، مِثلُ مَا أَشَارَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا ذُكِرَ السَّمْعُ وَالبَصرُ، قَالَ: «هَكَذَا» وَأشَارَ إِلَى الأُذنِ وَالعَينِ، لَيسَ قَصْدُهُ التَّمثِيلَ، وإنَّمَا قَصدُهُ أنَّهَا عَينٌ حَقِيقَةً، وسَمعٌ حَقِيقةً، وبَصرٌ حَقِيقةً.
«مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» «وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ»؟
صِفَةُ الغَيرَةِ، فهُوَ يَغَارُ إِذَا انُتْهِكتْ مَحارِمُهُ، وَأنَّهُ يُحبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثنَى عَليْهِ، مِنْ صِفاتِهِ أنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثْنى عَليْهِ بِصِفاتِهِ العَظِيمةِ، فهُوَ العَزِيزُ وَالحَكِيمُ وَالرَّؤُوفُ وَالقَدِيرُ، هُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، تَمدَحهُ بِصِفاتِهِ ؛ لِأنَّ البَابَ بَابُ ذِكرِ الأَسْماءِ وَالنُّعُوتِ.
* * *
стр. 75
باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَذَا أَيْسَرُ».
بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، «تُغَذَّى»، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]
٧٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» (١). следующие страницы →