في جانب الطالب المجاز، وهو تدليس، بل يرى ابن الجزري أنه تدليس فاحش، يلزم منه مفاسد كثيرة (١) .
فينبغي للمجيز أن ينص على الرواية أو الروايات التي قرأها الطالب عليه، ومن أي كتاب، ومن أي طريق، وهل ختم ختمة كاملة أو لا؟.
وأرى أنه يحسن ذكر أن الطالب قرأ القرآن الكريم حفظاً من صدره - وهو الأصل في تلقي القرآن (٢) - بسبب تساهل بعض من يجيز بالقراءة نظراً، وحتى يتميز الحافظ عن غيره.
(ج) العناية باللغة العربية:
يعد الاعتناء بلغة القرآن الكريم من شعائر الدين؛ لأنها السبيل للنطق الصحيح، والبيان الواضح، والفهم السليم.
وقد وردت آثار عديدة في الحث على تعلمها والحرص على طلبها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر ﵁ في كتابه لأبي موسى الأشعري ﵁ قال: (تعلموا العربية، وتفقهوا في العربية) (٣) .
وعد أئمة القراءة الاعتناء بها من الوسائل المهمة لعلم القراءة، كابن الجزري (٤) ، والبقاعي (٥) ، والقسطلاني (٦) ، والصفاقسي (٧) .
стр. 37
واعتبر ابن مجاهد حامل القرآن الذي لا يعرف الإعراب، وهو غير مطبوع عليه، حافظاً لا يلبث أن ينسى؛ لتشابه الحركات عليه، ولأنه لا يعتمد على علم بالعربية، ولا بصر بالمعاني يرجع إليه (١) .
قال ابن عبد البر ﵀ (القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه) (٢) .
ويرى ابن الجزري أن النحو والصرف من أهم ما يحتاج إليهما قارئ القرآن ومعلمه؛ لأنه محتاج إليهما في توجيه القراءات، وفي باب وقف حمزة على الهمز، وفي أبواب الإمالة، وفي الوقف والابتداء (٣) .
وقال أبو الحسن علي بن عبد الغني الحُصْري (ت: ٤٨٨ هـ) (٤) :
وأحسِنْ كلام العُرْب إن كنت مقرئاً ... وإلا فتخطي حين تقرأ أو تُقري
لقد يدَّعي علم القراءة معشر ... وباعهم في النحو أقصر من شبر
فإن قيل: ما إعراب هذا ووزنه
رأيت طويل الباع يقصر عن فتر
وقال الداني: - في صفات من يُؤخذ عنهم العلم - (٥) :
وفَهِم اللغاتِ والإعرابا ... وعلم الخطأ والصَّوابا
стр. 38
وقال:
وكل من لا يعرف الإعرابا ... فربَّما قد يترك الصوابا
وربما قد قوَّل الأيمَّهْ ... ما لا يجوز وينال إثمه
لذلك ورد عن عمر ﵁ أنه كان يكتب إلى عماله: "لا يقرئ القرآن إلا من يعرف الإعراب" (١) .
فحري بمعلم القرآن أن يتقن هذا العلم، ويدرب طلابه عليه، ويحببه إليهم.
وإذا نظرنا إلى أئمة القرآن نجد أن معظمهم جمعوا بين علمي القراءة والعربية، ولهم تراجم في طبقات القراء، وفي طبقات النحاة واللغويين، ونراهم قد زاوجوا في تآليفهم بين العلمين، فصنفوا فيهما.
(د) معرفة الوقف والابتداء:
معرفة هذا العلم من المقاصد الجليلة، والمطالب النبيلة لقارئ القرآن ومعلمه؛ كي يعرف كيف يقف، وأين يقف، ومن أين يبتدئ وكيف يبدأ القراءة.
لذلك اعتنى به السلف، وتعلّمه الصحابة رضوان الله عليهم، فقال ابن عمر: (لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها) (٢) .
стр. 39
قال النحاس: "فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: (لقد عشنا برهة من الدهر) ، يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة" (١) .
وقال ابن الجزري: "وصحَّ بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع - إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين -، وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب" (٢) .
أليس يقبح بالقارئ أن يقف - مثلاً - على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ (٣) ، أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ﴾ (٤) ، أو على قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هَارُونُ﴾ (٥) ، فيفسد المعنى في هذا كله، ويقشعر جلد من سمعه؟
وأليس يستبشع من القارئ ألا يعلم كيف يبدأ بنحو قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (الأحقاف: ٤) أو قوله: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ...﴾ (ص الآية: ٦) ؟
стр. 40
ولهذا اشترط كثير من أئمة القراءة على المجيز أن لا يجيز الطالب في القرآن إلا بعد معرفة الوقف والابتداء (١) .
وقد ألَّف العلماء في هذا العلم مؤلفات كثيرة قديماً وحديثاً، ما بين مختصرات كالمقدمة للعلم، نحو (نظام الأداء في الوقف والابتداء) لابن الطحان السماتي (ت بعد: ٥٦٠ هـ) ، وهي مقدمة مفيدة، وما بين مطوَّلات ككتاب (المرشد) للعماني (ت بعد: ٥٠٠ هـ) .
ومن أحسن الكتب المتأخرة في هذا العلم كتاب (منار الهدى في بيان الوقف والابتدا) لأحمد بن محمد بن عبد الكريم الأشموني (ت بعد: ١٠٩٩ هـ) ، فقد جمع فيه خلاصات كثير من الكتب السابقة.
وتعتبر علامات الوقوف الست المرموز لها في المصحف برموز خاصة، علامات هادية لأماكن الوقف والابتداء، فيحسن بمعلم القرآن العناية بها، وأخذ الطلاب لاعتبارها والاهتمام بها أثناء قراءتهم وحفظهم.
(هـ) الدراية برسم القرآن:
كتب القرآن الكريم بين يدي النبي ﷺ بصورة معينة، أضْفَتْ عليه صبغة خاصة تناقلها رواة وكتبة المصاحف، ثم دونها علماء القراءة في مصنفات وصفوا فيها هيئات تلك الكتابة على نحو أمين ومتقن، صار بعد ذلك عِلْماً قائماً بذاته، هو علم (رسم القرآن) ، فغدا هذا العلم عِلْماً مميزاً لا يخضع لقواعد الإملاء، لا من حيث النطق، ولا من حيث الرسم، في الكثير منه.
стр. 41
وتعدُّ معرفة قواعد الرسم العثماني من الوسائل المهمة لمعرفة القراءة، نصَّ على ذلك عدد من أهل العلم، منهم: البقاعي (١) ، والقسطلاني (٢) ، والصفاقسي (٣) .
وتنحصر معرفة الرسم القرآني في ست قواعد (٤) :
- الحذف: وهو مطرد في الألف، والياء، والواو، واللام، وأحياناً في النون.
- الزيادة: وهي مطردة في الألف، والياء، والواو.
- الهمزات: ولها أوضاع خاصة في أول الكلمة، ووسطها، وآخرها.
- الإبدال: وهو مطرد في إبدال الألف واواً أو ياء، أو تاء التأنيث المربوطة تاء مفتوحة، أو إبدال الثلاثي الواوي ألفاً، أو نون التوكيد الخفيفة ألفاً، وورد في موضعين (٥) .
- المقطوع والموصول: نحو قطع (أن لا) أو وصلها (٦) .
стр. 42
- ما فيه قراءاتان فكتب على إحداهما: نحو ﴿َتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (الكهف: ٧٧) ، تغليباً لقراءة ﴿لَتَّخَذْتَ﴾ بالتخفيف وكسرالخاء (١) .
وقد اهتمت كتب التجويد بقاعدتي الموصول والمقطوع، والإبدال (وبخاصة إبدال التاء المربوطة تاء مفتوحة) ، وحصرت المواضع المتعلقة فيهما.
وتزداد أهمية علم مرسوم خط المصحف الشريف، لمن أراد أن يرتقي في علم القراءة، فيأخذ أكثر من رواية من روايات القرآن الكريم، وبخاصة فيما يترتب عليه إمالة، أو في وقف حمزة وهشام على الهمز.
(و) نصَّ بعض أهل العلم أنه لا بد لطالب علم القراءة من معرفة الاستعاذة ومشروعيتها، وصيغتها، ومن معرفة التكبير، وهو قول (الله أكبر) في خاتمة كل سورة من الضحى حتى الناس، وما يترتب عليه وصلاً ووقفاً، ومن معرفة علم الفواصل، وهو رؤوس الآي في القرآن الكريم؛ ليعرف الوقف عليها، وليأتي بالإمالة أو التقليل لمن مذهبه ذلك من القراء عند الوقف عليها (٢) .
وهذه العلوم يحسن بمعلم القرآن الإحاطة بها، أو الإلمام بشيء منها؛ ليكون كامل الأهلية في علمه وتخصصه.
стр. 43
(٣) الاستمرار في طلب العلم:
يعد مبدأ الثبات والمواظبة على طلب العلم، والتزود منه من صفات المعلم الكفء الناجح؛ لأن سلَّم التعلم لا منتهى له، فلا يحد بمرحلة دراسية، ولا بشهادة علمية، ولا بسنوات عمرية.
стр. 44
ثبت عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يكون عنده العلم أن يترك التعلُّم" (١) .
وقال ابن عبد البر: "ورأيت في كتاب (جامع القراءات) لأبي بكر بن مجاهد ﵀[عن] ابن مناذر قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دام تحسن به الحياة" (٢) .
ومما يلحظ في جانب التعليم أن المدرس لا يكون مؤثراً إلا إذا كان مليّاً بالعلم، مجدداً في عطائه لطلابه، ولا غرو أن التعليم المتين بعدها سينتج طلاباً أكفاء.
стр. 45
الفصل الثالث: المقومات التربوية
مدخل
...
الفصل الثالث
المقومات التربوية
تعد الصفات التربوية التي ينبغي للمدرس اكتسابها الميدان العملي لتطبيق أسس التعليم ومراحله، ويستطيع من خلالها قطف ثمرة جهده بتوفيق الله تعالى.
فاكتساب المعلم للمهارات التربوية، بحيث تكون له خلقاً وسجية، عامل مهم لتطويع رسالته، وأداء مهمته على النحو السليم المرضي، وهذا يتطلب منه أن يكون ملماً ببعض الصفات والخصائص التربوية؛ لكي يمتلك ناصية التوجيه والتربية.
كما لا ريب أن نبذ المعلم للآداب الحميدة والوسائل الناجحة في التعليم، أو جهله بها، واستبداده برأية الشخصي وما ورثه من أساليب منفرة، سبب مباشر في تعويق العملية التربوية.
وقد أسهم علماء القراءة في إيراد بعض الآداب والصفات في مقدمات أو ثنايا كتبهم، لتكون أنموذحاً يحتذى في الآداب والسلوك والتربية، مثلما فعل أبو مزاحم الخاقاني (ت: ٣٢٥ هـ) - وهو أول من ألَّف في علم التجويد - في قصيدته الرائية في التجويد؛ إذْ ضمنها عشرين بيتاً في
الآداب، ومثل مكي بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ؛ إذ جعل في مقدمة كتابه (الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة) عدة أبواب في الآداب الحميدة، وكالشاطبي (ت: ٥٩٠ هـ) ؛ إذ طعَّم مقدمة وخاتمة قصيدته اللامية في القراءات السبع (حرز الأماني) ببعض الصفات التربوية،
стр. 46
وكابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) الذي ذكر في مطالع كتابه (منجد المقرئين ومرشد الطالبين) جملة من الآداب والصفات التي تلزم مدرس القراءة، وكذلك فعل الصفاقسي (ت: ١١١٧ هـ) في مقدمة كتابه (غيث النفع في القراءات السبع) .
وسوف أتناول بالحديث بعض الصفات التربوية لمدرس القرآن، التي أراها حرية بالإيراد في هذا المقام؛ لما لها من أهمية في فاعلية الدور الذي يؤديه.
стр. 47
١ - وضوح الغاية من التعليم:
إن وضوح الغاية لدى حامل مشعل التوجيه والقيادة (المدرس) ، يعد محور ارتكاز رسالته التربوية؛ لأنه إذا اتضح أمام ناظريه هدفه الذي يريد تحقيقه، استطاع أن يوجِّه نفسه مع الأحوال التي تمر به، وتحمَّل لأجل غايته النبيلة المصاعب والمتاعب التي تواجهه.
لذلك نجد أن القرآن الكريم جلَّى هذه الحقيقة وأفصح عنها في قول الله ﵎: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ ((الأعراف: ٢) ، فقوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ ، أي ضيق، واضح في تقرير وتأكيد وضوح الغاية من التبليغ، فالنهي في قوله: ﴿فَلا يَكُنْ﴾ متوجه إلى الحرج للمبالغة في التكليف، باقتلاع الضيق من أصله، وذلك على طريقة العرب في قولهم: (لا أرينَّك ههنا) ، أي لا تحضر فأراك (١) .
стр. 48
فوضوح الهدف يعتبر القوة الدافعة لتحقيق الغاية التي يصبو إليها كل صاحب مبدأ.
لهذا نجد ابن جماعة حدَّد أول غايات العالم مع طلبته بقوله: "أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله ﷺ وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين" (١) .
ومن غايات مدرس القرآن الكريم أن يكون مقصوده من التدريس:
أ - نشر القرآن الكريم، وتحصيل الأجور العظيمة التي رتبها الشارع على تعليم القرآن الكريم، وتلاوته، والاستماع إليه، تحقيقاً لقول النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٢) .
ب - التأسي والاقتداء بالرسول ﷺ ، وصحابته، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة وأئمتها الذين قاموا بهذا الدور؛ تحقيقاً لقول النبي ﷺ : "بلغوا عني ولو آية (٣) " (٦) .
стр. 49
ج - تقوية صلة التلميذ بكتاب الله، وسنة نبيه ﵊.
د - حفظ الطالب لأكبر عدد ممكن من سور القرآن الكريم.
هـ - ربط التلميذ بصلاة الجماعة في المسجد، وإفادته من الدروس وحلق العلم المنعقدة فيه، وبخاصة فيما يخص القرآن الكريم.
و حفظ التلميذ وصيانته من الآفات والمفاسد الاجتماعية (١) .
وكما أن وضوح الهدف التعليمي لدى المدرس هو عون له في قيامه بوظيفته المناطة به، كذلك وضوحه لدى التلميذ يثير فيه دوافع التلقي اليقظ، والاستعداد الجيد، لذا يرى بعض التربويين أنه يجب على المدرس أن يُذكِّر الطلاب بأهداف التعلم في الأسبوع الأول من كل عام دراسي (٢) .
وحتى يحقق المدرس غايته ومراده من التعليم، ينبغي أن يكون قدوة لطلابه في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته في العمل بتعاليم القرآن، وتعظيمه، وتقدير حملته، وإبراز محاسنهم، وغض الطرف عن هفواتهم وزلاتهم، والتزام الصدق، والتلفظ بالألفاظ الحسنة، وترك الألفاظ البذيئة، والقيام بواجب النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الالتزام والتقيد بالمواعيد، والحرص على مطابقة الفعل للقول.
وقد أدرك السلف - رحمهم الله تعالى - هذا الأمر، فهذا عمر بن عتبة يقول لمعلم ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن
стр. 50
عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت" (١) .
стр. 51
٢ - التدرج في التعليم:
لا ريب أن البداءة بتعليم الأصول والكليات قبل الفروع والجزئيات، يعد السلَّم السوي في مراتب التعليم، وأدعى لثبات العلم ورسوخه لدى المتعلم.
وقد قرر المنهج النبوي هذه الطريقة في التعليم، فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ ، ونحن فتيان حَزاوِرة (٢) ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً" (٣) .
ودلَّ حديث ابن عمر - وهو من صغار الصحابة - أن هذا المنهج سرى على الصحابة عموماً، فقال ﵁: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها" (٤) ، ثم بيَّن أن هذا المنهج طرأ عليه تغيير في جيل التابعين، فيقول عن بعض من شاهد طريقة تعلمهم القرآن:
стр. 52
"ولقد رأيت اليوم رجالاً، يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل" (١) .
وهذا الذي يتحدث عنه ﵁ حقيقة مرة نلحظها اليوم في بعض روَّاد حلق القرآن، فتجد الواحد منهم من أبعد الناس خلقاً وأدباً وسلوكاً عما يدعو إليه القرآن، وما ذلك إلا لتحوُّل المنهج الصحيح في الأخذ والتلقي، فأصبح الأمر مجرد ألفاظ يرددها ويحفظها، فلا تجد لها مسلكاً إلى القلب، فلا ينتفع بهذا الكلام المبارك.
ومن هذا المبدأ يجب على كل معلم لكتاب الله أن يكون حكيماً في تعليمه، متفهماً لما يعطيه، فقد جاء عن الضحاك في معنى قوله تعالى: ﴿ِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩) ، قال: "حق على من تعلَّم القرآن أن يكون فقيهاً" (٢) .
وقال البخاري: "ويقال: الرباني الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره" (٣) ، أي يبدأ بالقضايا الواضحة السهلة، قبل المسائل الدقيقة والكبيرة (٤) .
لذلك على المعلم أن يراعي مدارك الطلاب، ومستوياتهم، وأعمارهم، ويعطي كلاً بما يقدر عليه.
стр. 53
وقد أشار الإمام النووي لهذا المسلك التربوي، فقال: "وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية" (١) .
وفي ضوء ما سبق يتعين على معلم كتاب الله استخدام أسلوب التدرج التربوي في التعليم والتأديب، وذلك أن الوصول بالمتعلم إلى الكمال التربوي لا يتم إلا بالتدرج، وأي استعجال في التعليم، أو التربية في الحلقات القرآنية، دون مراعاة هذه القاعدة، فإنه يعني الفشل التربوي، والإخفاق في تحقيق الأهداف التربوية (٢) .
стр. 54
٣ - مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب:
تحتاج العملية التربوية إلى اهتمام بالغ في مراعاة تمايز الطلاب في القدرة على الاستيعاب، والتلقي، والفهم، والحفظ.
وهذا الأصل التربوي له امتداده من السنة العطرة، ومن هدي معلم البشرية ﷺ ، فكان شديد المراعاة له بين المتعلِّمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحد بقدر فهمه، وبما يلائم منزلته، وكان ﷺ يحافظ على قلوب المبتدئين، فلا يعلمهم ما يعلِّم المنتهين، ويجيب كل سائل عن سؤاله يما يهمه ويناسب حاله، ويوصي كل واحد - ممن طلبوا منه الوصية - بغير ما أوصى به الآخر، لاختلاف أحوالهم، وأعطى أجوبة حول أفضل الأعمال أو أحبها إلى الله تعالى، بحسب
стр. 55
ما رآه من السائل أنه أفضل وأهم له؛ نظراً لحاجاته وأحواله، ولهذا كله أمثلة عديدة وشهيرة في السنة النبوية (١) .
وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ الذي قال عنه ﷺ : "إنك غليِّم معلَّم" (٢) ، والذي قال عن نفسه: "ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه"، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ ، فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه، ولا يعيبه (٣) - يسير على هذا المبدأ، فيقول: "ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (٤) .
والممارس لمهنة التعليم يلحظ فروقاً بارزة بين الطلاب، ومن مهام المدرس أن يستطيع معرفة نفسية واستعداد كل طالب، وما يقدر عليه، وهي خصيصة من خصائص المدرس الناجح.
وقد قرر الآجري هذه القاعدة بقوله - عن مقرئ القرآن -: "وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه القرآن ما يصلح لمثله" (٥) .
ففي جانب حفظ القرآن الكريم تجد بعض الطلاب لديه قدرة على حفظ خمس آيات في اليوم، وبعضهم لديه قدرة على حفظ صفحة، وبعضهم
стр. 56
لديه قابلية لحفظ ثلاثين آية أو أكثر، ولنا شاهد في عز الدين بن جماعة (ت: ٨١٩ هـ) ، الذي كان يحفظ كل يوم حزبين من القرآن الكريم، فحفظه في شهر واحد (١) .
وفي جانب الفهم، تجد بعض المتعلمين يفهم بتقرير يسير من المدرس، وبعضهم يحتاج لبسط وتوضيح وإعادة، وبعضهم يحتاج لأمثلة بيانية.
وفي جانب علم التجويد تواجه بعض المتلقنين من يكتفي بما يلقى إليه من تقويم وتصحيح، وبعضهم عنده قابلية لحفظ القاعدة والأمثلة عليها، وبعضهم لديه قدرة على حفظ المتون المساعدة، كحفظ متن الجزرية، أو (تحفة الأطفال) للجمزوري، أو (لآلئ البيان في تجويد القرآن) للشيخ إبراهيم بن علي بن علي شحاتة السمنودي المعاصر، أو ما شابهها من المتون السائرة الشهيرة في هذا العلم.
فعلى المعلِّم ملاحظة هذا التباين الواضح، ومراعاة الفروق البارزة بين المتعلمين، ومن الخطأ الجلي لدى بعض معلمي القرآن، المساواة بين الطلاب، وحمل الضعيف - حملاً عنيفاً - ليبلغ إلى مستوى الطالب اليقظ النبيه، وهذا لا يعني ترك التحفيز أو رفع الهمم، أو مكافأة المحسن، وعقاب المقصر، بل المقصود أن ترك الأخذ بمبدأ مراعاة الفروق في التعليم والتوجيه، يوجد نشئاً متفسخاً، ويبرز نوعيات من الطلبة نافرة، أو يؤدي إلى ظهور طبقة تحملت فوق ما تستوعب.
стр. 57
٤ - الرفق في التعليم:
يعد الرفق من الأصول المهمة في التعليم والتربية، ومما يباركه الله تعالى ويحبه، فقد قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه" (١) .
وتزاد أهمية هذا الأسلوب الرقيق الرفيع، لدى ضعاف العقول، كالصغار الذين يحملون في حناياهم أحاسيس مرهفة، وشخصيات لمَّاحة، أو لدى غلاظ الطباع الذين لم يتأدبوا بعلم، أو تحضر، أو مجالسة، كأهل البادية ونحوهم، مما يحمِّل المدرس عبئاً كبيراً ومسؤولية زائدة، يحتسب أجرها عند الله تعالى.
ويعتبر التواضع وخفض الجناح للمتعلِّم من أعظم صور الرفق به، لما يولده في نفسه من امتزاج العلم والأدب في هذه المظهرية العالية، فيدنو له علم أستاذه، وتنشأ بينهما علاقة دافئة، توصل له هذا العلم.
"إن التواضع كالأرض المنخفضة تجتمع فيها خيرات السماء، على حين تغادر القمم والسفوح، ولو لم يكن في التواضع سوى جعل صاحبه قادراً على جذب من هم أكثر منه تفوقاً، لكان مكسباً كبيراً، وعلى كل حال، فإن المتكبر يظل هو الخاسر؛ حيث يفقد دفء الألفة وحرارة الالتحام بالآخرين، وبذلك فإن ما يزهو به، يكون عامل إقصاء له عن الناس، وحرمان مما تمسّ حاجته إليه" (٢) .
стр. 58
ومن صور الرفق بالطالب ألا يردَّ لكونه غير صحيح النية بطلبه القرآن، قال النووي ﵀: "قال العلماء ﵃: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية. وقالوا: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، معناه: كانت عاقبته أن صار لله تعالى" (١) .
وقال الذهبي - في ترجمة معمر بن راشد -: "نعم يطلبه أولاً والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك. ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم، وعلامة ذلك أنه يُقصر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قَصْد التكثر بعلمه ويزري على نفسه" (٢) .
ومن صور الرفق بالطالب أن يتخول الرد اللطيف عليه حين خطئه، قال الآجري - في أخلاق المقرئ -: "وينبغي لمن قرأ عليه القرآن فأخطأ فيه، أو غلط ألا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه؛ فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه، وبالحري ألا يعود إلى المسجد" (٣) .
نعم؛ لأن العنف من أسباب النفور والهجر، فيحرص المدرس أن يكون ردّه على الطالب بطريقة لطيفة، لا تعنيف فيها ولا زجر، ولا استعجال،
стр. 59
ويتمنى بقلبه أن يأتي الطالب بالصواب، فإن عجز أرشده بأن يأتي بآية قبلها، فهو أدعى لاستذكاره واستحضاره، فإن كثر خطؤه أمره بالتوبة إلى الله بقلبه عند تكرار الآية، ثم أرشده للمراجعة المتقنة، والبعد عن كل سبب يؤدي لضعف الحفظ.
وكان من عبارة بعض مشايخنا في الرد أنه كان يقول: "السَّندة تُكَرِّم، والرَّدة تُحطِّم"، أي أن سَنْد الطالب ليتحرى الإجابة الصحيحة، فيه تكريم له واحترام، لأنه يفرح بحسن إجابته، وأن الرد المباشر على الطالب دون تمكين له من الاستحضار، وإنشاء الإجابة السليمة، فيه تحطيم لمشاعره ونفسيته، وهو مأخذ تربوي سديد.
стр. 60
٥ - الصبر على المتعلِّم:
إن خلق الصبر من الأخلاق العظيمة التي من تحلّى بها نال العلا، وقد تردد ذكره في القرآن العظيم أكثر من مائة مرة، مما يدل على أهميته، وعظم التذكير به.
وقال عنه ﷺ : "والصبر ضياء" (١) ، والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر فإنه نور خالص لا حرارة فيه، ولما كان الصبر شاقاً على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياء (٢) .
стр. 61
فمدرس القرآن يحتاج له دائماً، فهو يصبر على نفسه ويجاهدها، ويصبر على الجلوس الطويل للتعليم والقراءة، ويصبر في شرحه وتوضيحه للمتعلمين، ويصبر على أخلاق الطلاب وما يصدر عنهم - أحياناً - من نقائص.
قال النووي ﵀: "وينبغي أن يحنو على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه ومصالح ولده، ويجري المتعلِّم مجرى ولده في الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان؛ فإن الإنسان معرض للنقائص، لا سيما إن كان صغير السن" (١) .
ويعتبر معلم القرآن من الهداة إلى الله الممسِّكين بكتابه، فهو من أئمة الدين الذين يحتاجون للصبر المستمر، واليقين، وهما ركنا الإمامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤) .
ومما يؤكد ضرورة الصبر على المتعلمين في الحلقات القرآنية في هذا العصر أكثر من أي وقت مضى، ما أفرزه التقدم المعرفي، والتقني، وانتشار وسائل الاتصال التي جعلت العالم كقرية واحدة، فأدى ذلك إلى اتساع ثقافة التلاميذ، وزيادة حجم التناقض السلوكي عند الجماعات المرجعية للمتعلم، كل هذا أوجد عنده مشكلات وسلوكيات متنوعة غير التي كانت بالأمس. وهذا يتطلب جهداً من المعلم في الحلقات القرآنية، ويحتاج إلى الحلم، والصبر، والتدرج؛ لينجح في معالجة تلك المشكلات، ويغرس في نفوسهم الأخلاق
стр. 62
الحسنة، ويحقق أهداف الحلقات التربوية، وبدون هذا الخلق قد يتسرب التلاميذ من الحلقات، فلا يعودون إليها؛ لأن المعلم إذا لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح (١) .
стр. 63
٦ - استخدام الوسائل التوضيحية:
يعتبر استخدام الأساليب الموضحة والشارحة من أساليب التربية الشيقة والمؤثرة، وهو أسلوب نبوي كريم، استخدمه النبي ﷺ بعدة أشكال، فكان يوضح المعاني التي يريد بيانها بالرسم على الأرض والتراب، أو بالتشبيه وضرب الأمثال، أو بالجمع بين القول والإشارة في التعليم.
فمن ذلك: ما رواه عبد الله بن مسعود قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... ﴾ (الأنعام: ١٥٣) ، فخط خطاً، فقال: "هذا الصراط"، ثم خط حوله خططاً، فقال: "وهذه السبل، فما منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه" (٢) .
стр. 64
وقد نبه علماء التربية الأوائل على هذا الأسلوب، فقال ابن جماعة: (ويبدأ بتصوير المسائل، ثم يوضحها بالأمثلة) (١) ، وهو أسلوب توظيفي؛ لتقرير المعلومة وتأكيدها.
وللوسائل التعليمية فوائد عديدة، فهي تثير تفكير المستمع، وترهف الحواس، وتبعث روح النشاط؛ إذ تكسر الطريقة الرتيبة في الإلقاء، وتربي في المتعلم دقة الملاحظة والتأمل وحصر الانتباه، وتساعد على تثبيت المعلومات، وتعمل على توفير الوقت والجهد على المعلِّم والمتعلِّم (٢) .
وترد أهمية الوسائل التوضيحية في تعليم القرآن الكريم وتلاوته، وبخاصة لصغار السن، لما يعتور بعض المباحث من تشعب، أو دقة.
وأرى أن استخدام هذا الأسلوب في التدريس مهم لمدرس التجويد والقراءات - أيضاً –، لأن ربط المسألة المتحدث عنها بالصورة المنظورة أو الخيالية، له دور فعَّال في تقريرها وتثبيتها في عقل المتعلم.
فمثلاً: إذا أراد المعلِّم تقرير أهمية الاعتناء بصفة القراءة الشرعية، وأنها يجب أن تكون وَفق أحكام التجويد التي قررها العلماء، ونقلت إلينا في ثنايا قراءات القرآن المتواترة بهذه الكيفية، وأن التحرر منها - أحياناً - يخل بالصبغة العملية للتلاوة؛ بحيث تظهر معايب أدائية لدى المتعلم، سببها إخلاله بعدم الالتزام بتلك الأحكام التي ينبغي له اصطحابها في كل مرة يقرأ بها القرآن، فضرب المعلِّم مثلاً لهذه الحالة بمتعلم قيادة السيارة المبتدئ، الذي
стр. 65
يكون منشغلاً بكثير من المهارات القيادية عن التركيز المحكم عما أمامه، ومع الزمن وارتياض التدرب على القيادة بمهارة، والتزام قوانين القيادة، تصبح قيادة السيارة له طبيعة متأصلة في تعامله مع هذا المركب الجامد، فيغدو يتعامل مع آليات القيادة بلا تفكير بعدما تطبَّع بها، وصارت عنده أمراً اعتيادياً.
وهكذا الأمر مع تالي القرآن الكريم بأحكام التجويد، سيرى - بداية - أنه محكوم بقيود أدائية لم يعتد عليها، فإذا مارسها ومرن لسانه عليها، وداوم القراءة بهذه الصفة زمناً، أصبحت هذه الصفة له سجية وعادة، يأتي بها بلا تكلف، ولا تفكير أو تمعّن.
وقد تفتقت في هذا العصر وسائل تعليمية لم تعرف من قبل، فيمكن للمدرس أن ينتقي منها ما يلائم البيئة التي يدرِّس فيها، وأعمار طلابه، ومستوياتهم، والإمكانات المادية المتاحة في ذلك.
فيمكنه استخدام المقاطع الرسمية الملونة؛ لإظهار مواضع مخارج الحروف، أو استخدام الموضح العلوي (Over Head) ؛ لشرح ما يحتاجه من أحكام، أو الاستعانة ببرنامج تعليم التجويد الذي أنتجته شركة (صخر) ؛ لما له من مزايا وإمكانات متعددة، وقد استُخدم مؤخراً في معامل تعليم القرآن الكريم في كلية إعداد المعلمين بالمدينة، وهي تجربة رائدة وناجحة.
ومن المحاولات الناجحة في هذا المضمار ما ظهر مؤخراً باسم (مصحف التجويد) ، الذي استخدمت فيه أحكام التجويد بصورة الألوان؛ لضبط مواضع بعض مسائله الشهيرة، كالمد، والقلقلة، وأحكام النون الساكنة، ونحوها، وظهر بصورة كتابية، وبصورة رسمية صوتية مسجلة.
стр. 66
٧ - العدل بين الطلاب:
لا بد للمعلِّم والمربي أن يأخذ بمبدأ العدل والمساواة بين طلابه، لأنهم أبناؤه، وقد قال ﵊: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم " (١) ، فالعدل بين الطلاب لازم، كما هو الحال بين أبناء الصلب.
ويحتاج تطبيق مبدأ العدل بين المتعلمين إلى مهارة ودربة، لأنهم قدموا من بيئات مختلفة، وتلقوا تربيات متباينة، فمن ثم مراعاة نفسياتهم ونظراتهم لمعاني التصرفات مهم للغاية، حتى في أيسر الأمور وأسهلها، نحو التحية، والنظرة، والكلمة، والابتسامة، ووضع اليد على الكتف تشجيعاً، ونحوها من الأقوال والأفعال التي تثير حفائظ الشببة المتقاربين، أو تدعو لوهي العلاقات الاجتماعية فيما بينهم؛ لذلك كان النبي ﷺ "يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه" (٢) ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا من أخلص النية، وصدق في تعامله مع الناس، وراعى نفسياتهم.
وكما أن ترك العدل بين الطلاب يثير بينهم كمائن النفوس، كذلك قد ينتج عنه الكره والبغض للمعلِّم؛ لذا يتوجب عليه أن يكون حصيفاً في تعامله فلا " يُظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض في مودة، أو اعتناء مع تساويهم في الصفات، من سن، أو فضيلة، أو تحصيل، أو ديانة؛ فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر، وينفر القلب" (٣) .
стр. 67
أما إن كان لبعض الطلاب مزية تقدم في الاجتهاد وطلب العلم، أو حسن الخلق والأدب، فلا حرج على المدرس أن يبرز هذه المزية بتلطف؛ لأنه مما يدعو النظراء إلى الاتصاف بتلك المزية (١) .
ومن صور العدل التي ينبغي لمدرس القرآن مراعاتها، أن يقدم في القراءة الأول فالأول؛ لأنه من جانب راعى العدل بين الطلاب، وفي المقابل شجع المتأخر على البكور، لينال القراءة الأولى.
ومن لطيف ما يذكر في هذه الصورة التعليمية "أن الشاطبي كان يصلي الصبح بغلس (٢) بالفاضلية (٣) ، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السُّرى (٤) إليه ليلاً، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولاً فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق في بعض الأيام أن بعض
أصحابه سبق أولاً، فلما استوى الشيخ قاعداً قال: من جاء ثانياً فليقرأ، فشرع الثاني في القراءة، وبقي الأول لا يدري حاله؟ وأخذ يتفكر ما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له، ففطن أنه أجنب تلك الليلة، ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لما انتبه، فبادر إلى الشيخ، فاطلع الشيخ على ذلك، فأشار للثاني بالقراءة، ثم إن ذلك الرجل بادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني، والشيخ قاعد أعمى على حاله، فلما فرغ الثاني، قال الشيخ: من جاء أولاً فليقرأ، فقرأ" (٥) .
стр. 68
قال ابن الجزري - معقباً -: "وهذا من أحسن ما نعلمه وقع لشيوخ هذه الطائفة (١) ، بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا" (٢) ، وهذا إن صح فمن قبيل الكرامة.
стр. 69
٨ - القدرة على إدارة الحلقة القرآنية:
إن القدرة على إدارة الحلقة تتمثل في شخصية المدرس المتزنة، المتمكنة من توجيه الطلاب، واتخاذ القرارات المناسبة للظروف الطارئة، مع التحلي بمكارم الأخلاق وجميل السجايا.
ولا شك أن تأهل المدرس العلمي الجيد، ومراعاته للصفات الذاتية في شخصيته من الإخلاص والصدق، والتقوى، وحسن الخلق، والشعور بالمسؤولية، وأداء واجبه بأمانة، ثم مراعاته لمواصفات مهنته التربوية من التدرج في التعليم، ومراعاة الفروق الفردية، والرفق، والصبر. كلها عناصر أكيدة لنجاح إدارته للحلقة القرآنية.
أما إذا سلك سبل الطرق العنجهيَّة كضرب الجدار، أو الطاولة، أو رفع الصوت بطريقة مؤذية، ونحوها من الممارسات الخاطئة، فإن هذا المسلك مؤشر على ضعف شخصيته "ومثل هذا المدرس لا يصلح للعمل في مجال التربية والتعليم، فضلاً عن الحلقات القرآنية؛ لأنه يعيق التلاميذ على الاستمرار في تعلم القرآن الكريم، وحفظه، وفهم آدابه، ومعرفة أحكامه، والعمل بها" (٣) .
стр. 70
ومما يلتحق بقدرة المدرس على إدارة الحلقة ونجاحه فيها، أن يكون ملماً بأحوال المجتمع الذي يعيش فيه، وبعادات الناس وتقاليدهم، وأن يكون له بصر بمصادر التوجيه والتأثير في الناس.
كما ينبغي له الاطلاع على طرق التدريس، والدراسات التربوية والبحوث النفسية والاجتماعية التي تتحدث عن الطفل، والمراهق والتغيرات النفسية والجسدية التي يمر بها كل منهما؛ لكي يتمكن من إيصال المعلومة بأفضل أسلوب، وأنجح طريقة (١) .
ويحسن به أن يعتني بأسس العلاقات الاجتماعية، ومهارات فن التعامل مع الآخرين، وأن ينقل مفردات هذه المهارات الاجتماعية من معجم التعلم إلى قاموس التربية العملي.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
стр. 71
ال مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ﷺ تسليماً كثيراً. أما بعد:
فيعدُّ المدرس هو الأداة الفاعلة والعنصر الرئيس في نطاق التعليم والتربية، ومعرفة الصفات التي ينبغي أن يتحقق بها ويرتقي إليها، تمكننا من الوقوف على الدور الهام والحساس الذي يمكن له أن يصنعه.
ونجد أن من بواكير الاهتمام بمعلم القرآن الكريم بعث عثمان ﵁ قراء مع المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، لتكون المصاحف قدوة لأهل تلك الديار، يأتمون بها في قراءتهم وصلواتهم، وليكون القارئ المبعوث معلماً لعامة أهل كل مصر القراءة وَفق مصحفهم.
وإن جاز أن تؤخذ بعض العلوم بلا معلِّم، فإن هذا الأمر لا يمكن حصوله أبداً في تعلّم قراءة القرآن الكريم، لأن تعلمه متوقف على العرض والتلقي والمشافهة والإسناد، فلا بدَّ فيه من معلِّم يرجع إليه.
стр. 72
(قيل لأبي حنيفة ﵀ في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبداً!) (١) ، هذا مع الفقه فكيف مع القرآن؟!
ويتناول هذا البحث قِوامة معلم القرآن الكريم، وصفاته الذاتية، والعلمية، والتربوية، التي تؤهله للمشاركة بمقومات شخصية تميزه في درب خيرية تعلّم القرآن وتعليمه، دون التطرق لأهداف التعليم القرآني، أو طرائقه، أو أخلاق طلاب الحلق (٢) القرآنية، وغيرها من الآداب التي ينبغي توافرها في عملية التعليم.
والصفات التي يتحدث عنها البحث، هي بعض من صفات لازمة، ينبغي تحققها في معلم القرآن الكريم، وهي غير مقصورة على المتصدي للتعليم في الحلقات، بل هي متأكدة في حق كل متعاط لهذه العملية الشريفة، بصورة جماعية، أو فردية.
وذلك أن المعلم هو محور التعليم والدرس والتربية، فمهما وضعت من مناهج متقنة، وهيئت من ظروف ملائمة، ووفرت من وسائل معينة، كل ذلك لا يغني عن الأداة الفاعلة في العملية التعليمية، وهو المدرس الكفء في الموقع المناسب، لأن عناصر التعليم قد تكون في غاية المواصفات المتقنة، لكنها تنحدر وتهبط على يد المدرس غير المؤهل، أو توجَّه من قبله توجيهاً نافراً، أو تهمل ولا يفاد منها.
стр. 73
فلا غرو أن تكون دراسات جادة في تأصيل شخصية المعلم، وبيان دوره الفعَّال.
ولقد حرَص الخلفاء وعلية القوم ووعاة الناس - قديماً - على اختيار المدرس الناجح لأبنائهم، ونجد - اليوم - في عالم الناس من يحرص على التحاق ولده في المدرسة النموذجية، التي فيها نخبة من المدرسين الأكفاء، لأن ثمرة التعليم وجناه مترتبة على تأهل المدرس بالصفات اللائقة، وأخذه بها في مسيرته المباركة.
إن تأهيل المدرس بالمقومات التي تصل به إلى المستوى المناسب من إقامة الدين - وهو أحد حملته ونقلته - فالطلاب عيونهم مفتوحة على هذا الموجه، فيحسِّنون ما حسَّن، ويعيبون ما قبَّح، وقد يتأثر التلميذ - أحياناً - بمدرِّسه أكثر مما يتأثر بوالده، والطبع - كما يقال - سرَّاق؛ لذلك ربط بعض السلف بين العلم والدين، وكانوا يتعلمون من معلميهم - أيضاً - الدلَّ والسمت والخلق.
ويسهم هذا البحث إسهاماً متواضعاً في بيان بعض الصفات الأساسية لمعلِّم القرآن الكريم، ويشير إلى وسائل مفيدة - أيضاً - لمدرس القراءات القرآنية من باب التتميم والإفادة.
стр. 74
تمهيد:
١ - فضل تعلم القرآن وتعليمه، وعناية السلف به:
إن الاشتغال بكتاب الله العظيم حفظاً، وفهماً، وعملاً، وتعليماً من أفضل القربات وأزكاها عند الله، وقد بُعث النبي ﷺ رسولاً يتلو آيات الله، معلماً ومزكياً لنفوس الصحب الكرام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) .
وحث ﵊ على الوصاة بكتاب الله (١) ، وقال: (خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه) (٢) .
قال أبو عبد الرحمن السلمي - راوي الحديث عن عثمان ﵁: (فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا) ، فكان يعلِّم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج (٣) .
стр. 75
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان (١) ، أو إلى العقيق (٢) ، فيأتي منه بناقتين كوماوين (٣) ، في غير إثم ولا قطع رحم؟ "، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل" (٤) .
ومما يدل على حرص السلف على تعلم القرآن وعنايتهم به ما ذكره أبو هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، وسرقة الشيطان منها ثلاث ليال، من قول الشيطان له: (دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها) يقصد آية الكرسي، قال الراوي:
(وكانوا أحرص شيء على الخير) (٥) .
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يُشغَل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) (٦) .