← Акыда

Акыда · id 8573

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة المؤلف: حمود بن عبد الله التويجري (المتوفى: ١٤١٣هـ) مصدر الكتاب: موقع رسالة الإسلام http://www.resaltalislam.org [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي امتن على عباده المؤمنين ببعثة الرسول الصادق الأمين، فأخرجهم به من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم واليقين، وأخبرهم على لسانه بما كان وما يكون إلى يوم الدين، وأخبرهم عن الدار الآخرة بأكمل إيضاح وأعظم تبيين، فمن آمن به وبما جاء به؛ فهو من المفلحين، ومن كان في ريب مما صح عنه؛ فهو من الخاسرين. أحمده سبحانه حمد أوليائه المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ترك أمته على المنهج الواضح المستبين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان أن أجمع الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في الفتن والملاحم وأشراط الساعة وغير ذلك من الأمور التي أخبر النبي ﷺ أنها ستكون بعده إلى قيام الساعة، فأجبتهم إلى سؤالهم؛ رجاء عموم النفع بذلك. والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وزلفى لديه في جنات النعيم.

стр. 3

فصل وكل ما صح عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه؛ فالإيمان به واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بأنه رسول الله. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كلما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ ، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل: حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل ". انتهى. وروى الطبراني عن عمر رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد رفع لي الدنيا؛ فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه» . فصل وكل شيء أخبر النبي ﷺ أنه سيكون بعده، فوقع الأمر فيه طبق ما أخبر به ﷺ ؛ فهو من معجزاته وأعلام نبوته.

стр. 4

وظهور المعجزات بعد زمان النبوة - ولا سيما في هذه الأزمان البعيدة من زمنه ﷺ مما يزيد المؤمنين إيمانا به، وتصديقا بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب الآتية مما لم يقع بعد. فصل وليس التواتر في الإخبار عن المغيبات شرطا لوجوب الإيمان بها؛ كما قد زعم ذلك بعض أهل البدع ومن تبعهم من المتفقهة المقلدين وغيرهم من جهلة العصريين وزنادقهم، بل كل ما صح سنده إلى النبي ﷺ ؛ فالإيمان به واجب، سواء كان متواترا أو آحادا، وهذا قول أهل السنة والجماعة. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . فأمر ﵎ بالتثبت في خبر الفاسق؛ لأنه محتمل للصدق والكذب؛ فلا يسارع إلى تصديقه؛ خشية أن يكون كاذبا، ولا يسارع إلى تكذيبه؛ خشية أن يكون صادقا، وبالتثبت تنجلي حقيقة خبره. ومفهوم الآية الكريمة دال على قبول خبر الواحد العدل من عير توقف فيه. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . وهذه الآية الكريمة دالة على قبول خبر الواحد العدل؛ لأن الطائفة تقع على الواحد فصاعدا. قال ابن الأثير في "النهاية": الطائفة: الجماعة من الناس، وتقع على

стр. 5

الواحد. وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب". ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ... الآية. قال البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "ويسمى الرجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية ". انتهى. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال ابن عباس ﵄: "الطائفة: الرجل فما فوقه". وقال مجاهد وعكرمة: "الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف ". وقال إبراهيم النخعي: "أقله رجل واحد فما فوقه". وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "الطائفة تصدق على واحد". ذكره ابن كثير عنه. ويدل على ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . قال القرطبي في "تفسيره": "فيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان؛ إلا وقد وجب قبول قوله، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ . فحكم بوقوع البيان بخبرهم ". انتهى. ولهذه الآية نظائر من القرآن تدل على ما دلت عليه من وجوب العمل بقول

стр. 6

الواحد. ويدل على ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ . قال القرطبي في "تفسيره": "أمر الله أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي ﵊ ويسمعن من أقواله، حتى يبلغن ذلك إلى الناس؛ فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين". انتهى. ويدل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» ... الحديث. رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي، والترمذي؛ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". والأمر بالتبليغ يعم الواحد فما فوقه، وهذا يدل على وجوب العمل بأخبار الآحاد. ويدل على ذلك أيضا قوله: ﷺ : «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه" بنحوه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ". وهذا يدل على قبول خبر الواحد. وقد روي نحوه عن زيد بن ثابت وأنس وجبير بن مطعم والنعمان بن بشير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. وقد كان رسول الله ﷺ يبعث رسله آحادا، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم

стр. 7

يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبل أخبارهم لأنها أخبار آحاد. وقد قبل النبي ﷺ خبر تميم الداري عن الدجال، وروى ذلك عنه على المنبر؛ كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " وغيره. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعملون بأخبار الآحاد من الثقات. ولما حولت القبلة إلى الكعبة؛ خرج رجل ممن صلى مع النبي ﷺ ؛ فمر على أهل قباء وهم يصلون، فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة؛ فاستقبلوها» . وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄. ولهما أيضا عن البراء بن عازب ﵄ نحوه، وكذا عن أنس ﵁ عند أحمد ومسلم وأبي داود. فهؤلاء أهل قباء قبلوا خبر الواحد العدل وعملوا به وأقرهم النبي ﷺ على ذلك. قال الخطابي في الكلام على حديث أنس ﵁: " فيه دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد ". وقال أبو البركات ابن تيمية: "هو حجة في قبول أخبار الآحاد". وكذا قال غيرهما من المحققين. وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن أنس ﵁؛ قال: "إني لأسقي أصحاب رسول الله ﷺ وهم عند أبي طلحة؛ مر رجل فقال: إن الخمر قد حرمت. فما قالوا: متى؟ أو: حتى ننظر. قالوا: يا أنس! أهرقها...."

стр. 8

الحديث. وهو مخرج في "الصحيحين" من طرق عن أنس ﵁، وفي بعض طرقه عندهما: قال أنس ﵁: "إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول الله ﷺ في بيتنا؛ إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس! أرق هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل". فهؤلاء قبلوا خبر الواحد العدل، وعملوا به، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك. قال النووي رحمه الله تعالى في الكلام على هذا الحديث: "فيه العمل بخبر الواحد، وأن هذا كان معروفا عندهم". انتهى. وقال الدارقطني في (باب النوادر) من آخر "سننه": "حدثنا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله: حدثنا الحسن بن غليب الأزدي: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي: حدثنا سليمان بن حبان: حدثنا حميد الطويل عن أنس ﵁؛ قال: كان أبو طلحة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء عند أبي طلحة يشربون من شراب تمر أو بسر - أو قال: رطب - وأنا أسقيهم من الشراب حتى كاد يأخذ منهم، فمر رجل من المسلمين، فقال: ألا هل علمتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: يا أنس! اكف ما في إنائك. وما قالوا: حتى نتبين! قال: فكفأته". قال الدارقطني: "قال أبو عبد الله - وهو عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله -: هذا يدل على أن خبر الواحد يوجب العمل". انتهى. فقد دل كتاب الله تعالى على قبول خبر الواحد العدل، ودلت على ذلك السنة المطهرة فعلا منه ﷺ وتقريرا عليه. وقد قبل الصحابة ﵃ أخبار الآحاد من الثقات، وعملوا بها

стр. 9

في حياة النبي ﷺ ، وكذلك كانوا يفعلون بعد مماته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، فكان كالإجماع منهم على قبولها. وكذلك كان التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى زماننا لا يتوقفون في قبول أخبار الآحاد إذا كان رواتها من أهل الضبط والعدالة، وإنما خالف في ذلك بعض أهل البدع كما ذكرنا، ولا عبرة بخلافهم. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الصواعق المرسلة": أنه ذهب جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل. قال: "والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه ". انتهى. فصل وبعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في نفس الأمر، وكفى بالواقع شاهدا بثبوتها وخروجها من مشكاة النبوة، وأنا أذكر منها ما تيسر، وأنبه على ما يحتاج إلى التنبيه عليه إن شاء الله تعالى. باب الإخبار بما كان وما يكون إلى قيام الساعة قد تقدم في الفصل الأول حديث عمر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد رفع لي الدنيا؛ فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه» . رواه الطبراني.

стр. 10

وعن حذيفة ﵁؛ قال: «لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه» . متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة؛ إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه» . وقد رواه أبو داود في "سننه" بنحو رواية مسلم. ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه: قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون بين يدي الساعة؛ إلا ذكره في مقامه ذلك؛ حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» . قال حذيفة: "فإني لأرى أشياء قد كنت نسيتها فأعرفها كما يعرف الرجل وجه الرجل قد كان غائبا عنه؛ يراه فيعرفه". «وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "أخبرني النبي ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته؛ إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وقد رواه أبو داود الطيالسي، ولفظه: «قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» . وعن أبي زيد - وهو عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال:

стр. 11

«صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبا، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة؛ إلا أخبر به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» .... الحديث، وفي آخره: «قال: وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها؛ إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، والحاكم، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وفى الباب عن المغيرة بن شعبة وأبي زيد بن أخطب وحذيفة وأبي مريم، ذكروا أن النبي ﷺ حدثهم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة". وعن المغيرة بن شعبة ﵁: أنه قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما أخبرنا بما يكون في أمته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه ونسيه من نسيه» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني، قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير عمر بن إبراهيم بن محمد، وقد وثقه ابن حبان ". وعن عمر ﵁؛ قال: «قام فينا النبي ﷺ مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» . رواه البخاري تعليقا مجزوما به، ووصله الطبراني وأبو نعيم.

стр. 12

«وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: "والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته» . رواه أبو داود. وعنه ﵁: أنه قال: «ما من صاحب فتنة يبلغون ثلاثمائة إنسان؛ إلا ولو شئت أن أسميه باسمه واسم أبيه ومسكنه إلى يوم القيامة، كل ذلك مما علمنيه رسول الله ﷺ ". قالوا: بأعيانها؟! قال: "أو أشباهها؛ يعرفها الفقهاء (أو قال: العلماء) ، إنكم كنتم تسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر، وتسألونه عما كان وأسأله عما يكون» . رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁: أنه قال: "ما أنا إلى طريق من طرقكم بأهدى مني بكل فتنة هي كائنة وسائقها وقائدها إلى يوم القيامة". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁: أنه قال: "والله؛ ما أنا بالطريق إلى قرية من القرى ولا إلى مصر من الأمصار بأعلم مني بما يكون من بعد عثمان بن عفان ". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁: أنه قال: "لو حدثتكم بكل ما أعلم؛ ما رقدتم في الليل". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁: أنه قال: "لو حدثتكم ما أعلم لافترقتم على ثلاث

стр. 13

فرق: فرقة تقاتلني، وفرقة لا تنصرني، وفرقة تكذبني". رواه ابن أبي شيبة. وعن أبي كبشة الأنماري ﵁؛ قال: «لما كان في غزوة تبوك؛ تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فنادى في الناس: الصلاة جامعة! قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره وهو يقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ . فناداه رجل: نعجب منهم يا رسول الله! قال: أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم؛ فاستقيموا وسددوا؛ فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء» . رواه الإمام أحمد، قال ابن كثير: "إسناده حسن، ولم يخرجوه". وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «جاء ذئب إلى راعي غنم، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه. قال: فصعد الذئب على تل، فأقعى واستذفر، فقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته؟ فقال الرجل: تالله؛ إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديا، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ ، فأسلم، وأخبره، فصدقه النبي ﷺ ؛ وقال النبي ﷺ : إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده» . رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات. وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «بينا أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له؛ عدا عليه الذئب، فأخذ شاة من غنمه، فأدركه الأعرابي، فاستنقذها منه وهجهجه، فعانده الذئب يمشي، ثم أقعى مستذفرا»

стр. 14

«بذنبه يخاطبه، فقال: أخذت رزقا رزقنيه الله؟ قال: واعجبا من ذئب مقع مستذفر بذنبه يخاطبني! فقال: والله؛ إنك لتترك أعجب من ذلك. قال: وما أعجب من ذلك؟ فقال: رسول الله ﷺ في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما قد سبق وما يكون بعد ذلك. قال: فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة، ثم مشى إلى النبي ﷺ ، حتى ضرب عليه بابه، فلما صلى النبي ﷺ ، قال: أين الأعرابي صاحب الغنم؟ . فقام الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : حدث الناس بما سمعت وبما رأيت. فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وما سمع منه، فقال النبي ﷺ عند ذلك: صدق؛ آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده» . رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات. وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «كان راع على عهد رسول الله ﷺ ؛ إذ جاء الذئب، فأخذ شاة، ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتقي الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعها مني؟ فقال له الراعي: العجب من ذئب يتكلم! فقال الذئب: أفلا أدلك على ما هو أعجب من كلامي؟ ذلك الرجل في النخل يخبر الناس بحديث الأولين والآخرين أعجب من كلامي. فانطلق الراعي حتى جاء رسول الله ﷺ ، فأخبره وأسلم، فقال له رسول الله ﷺ : حدث به الناس» . رواه البيهقي من طريق أبي أحمد بن عدي، ثم قال: "قال الحافظ ابن عدي: قال لنا أبو بكر بن أبي داود: ولد هذا الراعي يقال لهم: بنو مكلم الذئب، ولهم أموال ونعم، وهم من خزاعة، واسم مكلم الذئب: أهبان ". قال: " ومحمد بن أشعث الخزاعي من ولده".

стр. 15

قال البيهقي: "فدل على اشتهار ذلك، وهذا مما يقوي الحديث". انتهى. وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء؛ إلا ذكر لنا منه علما» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة". وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما في السماء طائر يطير بجناحيه؛ إلا ذكر لنا منه علما» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".

стр. 16

كتاب الفتن باب التعوذ من الفتن ومن إدراك زمانها عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» . رواه مسلم في حديث طويل. وعن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» . رواه ابن أبي شيبة. وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يتعوذ في دبر صلاته من أربع؛ يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب النار، وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب» . رواه الإمام أحمد. وعن عصمة بن قيس صاحب رسول الله ﷺ : «أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب» . رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، والطبراني، وابن عبد البر،

стр. 17

وغيرهم. وفي رواية للطبراني عنه ﵁: «أنه كان يتعوذ من فتنة المشرق، قيل له: فكيف فتنة المغرب؟ قال: تلك أعظم وأعظم» . قال الهيثمي: "رجاله ثقات". ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" بنحوه، وقال في آخره: «تلك أعظم وأطم» . وقد ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" بنحوه. وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي، فلا يقال إلا عن توقيف. وعن زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة عن أبي الرباب وصاحب له: أنهما سمعا أبا ذر ﵁ يدعو يتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها. قال: فسألناه: مم تعوذت؟ وفيم دعوت؟ قال: "تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني ويوم العورة أن أدركه ". فقلنا: وما ذاك؟ فقال: "أما يوم البلاء؛ فتلتقي فئتان من المسلمين، فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة؛ فإن نساء من المسلمات يسبين، فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا؛ اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه". قال: فقتل عثمان، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فسبى نساء مسلمات، فأقمن في السوق. رواه: ابن أبي شيبة، وابن عبد البر في "الاستيعاب" من طريقه. وقد وقع في زماننا من المقلدات لنساء الإفرنج والمتشبهات بهن ما هو أعظم وأفحش من يوم العورة الذي كان أبو ذر ﵁ يتعوذ من إدراكه،

стр. 18

فكان هؤلاء النسوة الضائعات على الحقيقة يمشين في الأسواق، ويحضرن في مجامع الرجال ومعارضهم ومؤسساتهم شبه عاريات؛ قد كشفن عن رؤوسهن ووجوههن ورقابهن ونحورهن وأيديهن إلى المناكب أو قريب منها وعن سوقهن وبعض أفخاذهن، وقد طلين وجوههن بالمسحوق، وصبغن شفاههن بالصبغ الأحمر، وتصنعن غاية التصنع للرجال الأجانب، ومشين بينهم متبخترات مائلات مميلات يفتن من أراد الله بهم الفتنة. فهذه هي أيام العورة على الحقيقة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان» . رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير كامل بن العلاء، وهو ثقة". وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان (أو: لا تدركوا زمانًا) لا يتبع فيه العليم، ولا يستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» . رواه الإمام أحمد. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان (أو: لا أدرك زمان) قوم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

стр. 19

باب عرض الفتن على القلوب عن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم. قال النووي: "قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونًا: إذا وقع في الفتنة، وتحول من حال حسنة إلى سيئة". قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة، والبلية، والعذاب، والقتال، والتحول من الحسن إلى القبيح، والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ". انتهى. قلت: والمراد بما في حديث حذيفة ﵁: الفتنة في الشر؛ لقوله: «فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء» . والله أعلم. وعن ميمون بن أبي شبيب؛ قال: قيل لحذيفة ﵁: أكفرت بنو إسرائيل في يوم واحد؟ قال: "لا؛ ولكن كانت تعرض عليهم الفتنة، فيأبونها،

стр. 20

فيكرهون عليها، ثم تعرض عليهم فيأبونها، حتى ضربوا عليها بالسياط والسيوف، حتى خاضوا خاضة الماء، حتى لم يعرفوا معروفا ولم ينكروا منكرا". رواه ابن أبي شيبة. وعن أبي ثعلبة ﵁: أنه قال: "أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم، فمن كان منكم يومئذ على يقين من ربه؛ أتته فتنة بيضاء مسفرة، ومن كان منكم على شك من ربه؛ أتته فتنة سوداء مظلمة، ثم لم يبال الله في أي الأودية هلك". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". باب أن الفتن تذهب العقول عن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الفتن". رواه: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية". وعنه ﵁: أنه قال: "تكون فتنة تعوج فيها عقول الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلا عاقلا ". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "وهو صحيح". وعنه ﵁: أنه قال: "ستكون فتنة بعدها جماعة، ثم تكون بعدها جماعة، ثم تكون فتنة لا تكون بعدها جماعة؛ ترفع فيها الأصوات، وتشخص الأبصار، وتذهل العقول، فلا تكاد ترى رجلا عاقلا". رواه الديلمي.

стр. 21

وقد رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد بغير هذا اللفظ، وسيأتي في ذكر الفتن الكبار إن شاء الله تعالى. وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أخاف عليكم فتنا كأنها الليل؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". باب ما تعرف به الفتنة عن حذيفة ﵁: أنه قال: "إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؛ فلينظر، فإن كان رأى حلالا كان يراه حراما؛ فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حراما كان يراه حلالا؛ فقد أصابته ". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية" بأبسط من هذا. ولفظه عند أبي نعيم: "وقال: إن الفتنة تعرض على القلوب، فأي قلب أشربها؛ نكتت فيه نكتة سوداء، فإن أنكرها؛ نكتت فيه نكتة بيضاء، فمن أحب منكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؛ فلينظر، فإن كان يرى حراما ما كان يراه حلالا، أو يرى حلالا ما كان يراه حراما؛ فقد أصابته الفتنة". وفي رواية ابن أبي شيبة؛ قال: "إن الفتنة لتعرض على القلوب، فأي قلب أشربها؛ نقط على قلبه نقطة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نقط على قلبه نقطة بيضاء". والباقي بنحو ما تقدم.

стр. 22

باب بيان أشد الفتن ذكر أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" عن حذيفة ﵁: أنه سئل: أي الفتن أشد؟ قال: "أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب". وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن خالد بن الوليد ﵁: أنه قال: "الفتنة: أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي وتريد أن تخرج منها إلى أرض لم يعمل فيها بالمعاصي فلا تجدها". وروى رسته في "الإيمان" عن علي ﵁ مرفوعا: «تكون فتن لا يستطيع أن يغير فيها بيد ولا بلسان» . وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لتغشين أمتي بعدي فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه» . رواه نعيم بن حماد في "الفتن". باب في الذين وكلت بهم الفتنة عن زيد بن وهب؛ قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: "إن الفتنة وكلت بثلاثة: بالحادِّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد. فأما هذان؛ فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد؛ فتبحثه حتى تبلو ما عنده". رواه أبو نعيم في "الحلية" بإسناد صحيح.

стр. 23

وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أسعد الناس في الفتن كل خفي تقي إن ظهر لم يعرف وإن غاب لم يفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع، لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغرق في البحر» . رواه نعيم بن حماد في "الفتن" بإسناد ضعيف. وعن حذيفة بن أسيد وابن مسعود وحذيفة بن اليمان ﵃ نحو ذلك. وسيأتي ذكرها في آخر الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى. باب ذكر الفتن والتحذير منها والأمر باعتزالها وكف اللسان واليد فيها عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: «أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ . قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن أبي شيبة، وغيرهم. وعن عبيد بن عمير؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى أهل الحجرات، فقال: يا أهل الحجرات! سعرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» . رواه ابن أبي شيبة. وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂؛ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من»

стр. 24

«الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» . رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث صحيح". «وعن زينب بنت جحش ﵂؛ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها) . قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم؛ إذا كثر الخبث» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "خص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم، والمراد بالشر: ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة؛ كما وقع في الحديث الآخر: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها» ، وأن المخاطب بذلك العرب". انتهى. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب، موتوا إن استطعتم» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعنه ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده» .

стр. 25

رواه: الإمام أحمد - وإسناده صحيح على شرط الشيخين - وأبو داود، وهذا لفظه، وإسناده صحيح على شرط البخاري. وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن عبيد الطنافسي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال الأعمش: لا أراه إلا وقد رفعه - قال: «ويل للعرب من أمر قد اقترب، أفلح من كف يده» . إسناده صحيح على شرط الشيخين. وعنه ﵁ يرويه: قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة والصدقة غرامة والشهادة بالمعرفة والحكم بالهوى» . رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه الزيادات"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليوشكن أن يصب عليكم الشر من السماء حتى يبلغ الفيافي". قيل: وما الفيافي يا أبا عبد الله؟ قال: "الأرض القفر". رواه ابن أبي شيبة. وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والفتن؛ فإن اللسان فيها مثل وقع السيف» . رواه ابن ماجه. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من»

стр. 26

«الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ أو معاذًا؛ فليعذ به» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان. ورواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم من طريقه، ولفظ أبي داود: «إنها ستكون فتنة (أو فتن) ؛ النائم فيها خير من اليقظان، والماشي فيها خير من الساعي، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا؛ فليستعذ به» . وعن عبد الرحمن بن حسين الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ويكون الماشي فيها خيرا من الساعي، (قال: وأراه قال:) والمضطجع فيها خير من القاعد» . رواه الإمام أحمد بإسناد جيد. ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي عثمان النهدي عن سعد بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي خير من الراكب، والراكب خير من الموضع» . قال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه: الإمام أحمد أيضا، والترمذي؛ عن بسر بن سعيد: «أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عند فتنة عثمان بن عفان ﵁: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. قال: أفرأيت إن دخل علي بيتي»

стр. 27

«فبسط يده إلي ليقتلني. قال: كن كابن آدم» . قال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكرة وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ". قلت: وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁، وستأتي أحاديث الباقين إن شاء الله تعالى. وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتنة؛ المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. قال: فقال رجل: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ومن لم يكن له شيء من ذلك فليعمد إلى سيفه، فليضرب بحده صخرة، ثم لينج إن استطاع النجاة» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. ورجالهما رجال الصحيح. ورواه: الإمام أحمد أيضا، ومسلم بأبسط من هذا، ولفظ مسلم: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة؛ القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت؛ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه، فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ . قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» .

стр. 28

وعن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم؛ فليكن كخير ابني آدم» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه - وهذا لفظه - وابن حبان في "صحيحه" بنحوه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقد رواه: الإمام أحمد، وأبو داود أيضا؛ من وجه آخر عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم» . وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق أبي داود، ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". ورواه الطبراني في "الكبير"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم فتنة صماء؛ النائم فيها خير من الجالس، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» . قال عمر بن صالح البغدادي: "قلت لأحمد - يعني: ابن حنبل -: ما الحلس؟ قال: قطعة مسح في البيت ملقى". ذكره عنه في "مختصر طبقات الحنابلة". وعن طاوس: أن رجلا اعترض لأبي موسى الأشعري، فقال: "هذه الفتنة

стр. 29

التي كانت تذكر؟ (وذلك حين افترق هو عمرو بن العاص حين حكما) فقال أبو موسى: ما هذه إلا حيصة من حيصات الفتن، وبقيت الرداح المطبقة، من أشرف لها؛ أشرفت له، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والصامت خير من المتكلم، والنائم خير من المستيقظ". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعن أبي موسى أيضا ﵁: أنه قال: "يا أيها الناس إنها فتنة باقرة؛ تدع الحليم فيها كأنما ولد أمس، تأتيكم من مأمنكم كداء البطن لا يدرى أنى يؤتى، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي". رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، والروياني، وابن عساكر في "تاريخه". وعنه ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة بين يدي الساعة، قال: قلت: وفينا كتاب الله؟ قال: وفيكم كتاب الله. قال: قلت: ومعنا عقولنا؟ قال: ومعكم عقولكم» . رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة فتنة. ثم قال أبو موسى ﵁: "والذي نفسي بيده؛ ما لي وما لكم منها مخرج إن أدركناها فيما عهد إلينا نبينا ﷺ ؛ إلا أن نخرج منها كما دخلناها، ولا نحدث فيها شيئا ". رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن". وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون بعدي فتنة؛»

стр. 30

«الراقد فيها خير من اليقظان، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ويهلك فيها كل راكب موضع، وكل خطيب مصقع، فإن أدركتها؛ فألصق بطنك بالأرض حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر» . رواه أبو يعلى. وعن أنيس بن أبي مرثد الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة عمياء بكماء صماء؛ المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فمن أتي فليمدد عنقه» . رواه: بقي بن مخلد في "مسنده"، والبخاري في "التاريخ"، وابن السكن، وابن شاهين، وغيرهم. وعن خريم بن فاتك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة: النائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الراكب» . رواه الطبراني. وعن نوفل بن معاوية ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة كرياح الصيف؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، من استشرف لها استشرفته» . رواه الطبراني. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله: «ستكون فتن كرياح الصيف؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، من»

стр. 31

«استشرف لها استشرفته» . رواه ابن حبان في "صحيحه". وعن عمرو بن وابصة الأسدي عن أبيه - وهو «وابصة بن معبد، وله صحبة - قال: إني بالكوفة في داري؛ إذ سمعت على باب الدار: السلام عليكم، أألج؟ قلت: عليكم السلام، فلج. فلما دخل؛ فإذا هو عبد الله بن مسعود. قلت: أبا عبد الرحمن! أية ساعة زيارة هذه؟ وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال علي النهار، فذكرت من أتحدث إليه. قال: فجعل يحدثني عن رسول الله ﷺ وأحدثه. قال: ثم أنشأ يحدثني؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب خير من المجري؛ قتلاها كلها في النار. قال: قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرج. قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه. قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك. قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: فادخل بيتك. قال: قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: فادخل مسجدك، واصنع هكذا (وقبض بيمينه على الكوع) ، وقل: ربي الله، حتى تموت على ذلك» . رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه أبو داود في "سننه" مختصرا من طريق عمرو بن وابصة عن أبيه وابصة عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول،

стр. 32

فذكر بعض حديث أبي بكرة؛ قال: قتلاها كلهم في النار. وقال: قلت: متى ذاك يابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج، حيث لا يأمن الرجل جليسه. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تكف لسانك ويدك، وتكون حلسًا من أحلاس بيتك. فلما قتل عثمان طار قلبي مطاره، فركبت حتى أتيت دمشق، فلقيت خريم بن فاتك، فحدثته، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لسمعه من رسول الله ﷺ كما حدثنيه ابن مسعود. وعن خرشة بن الحر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون من بعدي فتنة؛ النائم فيها خير من اليقظان، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن أتت عليه؛ فليمش بسيفه إلى صفاة، فليضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجع لها حتى تنجلي عما انجلت» . رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. وعن خباب بن الأرت ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أنه ذكر فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال: فإن أدركت ذلك؛ فكن عبد الله المقتول (أحسبه قال:) ولا تكن عبد الله القاتل» . رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. وعن جندب بن سفيان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. فقال رجل من المسلمين: كيف نصنع عند ذلك يا رسول الله؟ ! قال: ادخلوا بيوتكم وأخملوا ذكركم. فقال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته؟ فقال رسول الله ﷺ : ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول ولا يكن عبد الله القاتل؛ فإن الرجل يكون في فئة الإسلام، فيأكل مال»

стр. 33

«أخيه، ويسفك دمه، ويعصي ربه، ويكفر بخالقه، وتجب له النار» . رواه الطبراني. «وعن خالد بن عرفطة ﵁؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا خالد! إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل؛ فافعل» . رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني، والحاكم. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات". وعن أبي واقد الليثي ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال ونحن جلوس على بساط: إنها ستكون فتنة. قالوا؛ فكيف نفعل يا رسول الله؟ فرد يده إلى البساط، فأمسك به، فقال: تفعلون هكذا. وذكر لهم رسول الله ﷺ يوما أنها ستكون فتنة، فلم يسمعه كثير من الناس، فقال معاذ بن جبل: ألا تسمعون ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قالوا: ما قال؟ قال: إنها ستكون فتنة. فقالوا: فكيف لنا يا رسول الله؟ ! وكيف نصنع؟ ! قال: ترجعون إلى أمركم الأول» . رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ إلا من أحياه الله بالعلم» . رواه: ابن ماجه، والطبراني، والآجري في كتاب "الشريعة". وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، »

стр. 34

«يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر (أو قال: على الشوك) » . رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وفي رواية لأحمد: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» . وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا» . رواه: الترمذي، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "غريب". قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وجندب والنعمان بن بشير وأبي موسى ﵃". ثم قال الترمذي: حدثنا صالح بن عبد الله: حدثنا جعفر بن سليمان عن هشام عن الحسن؛ قال: كان يقول في هذا الحديث: «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا» ؛ قال: يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويصبح مستحلا له. قلت: ويدل لما قاله الحسن رحمه الله تعالى ما ثبت في "الصحيحين"

стр. 35

وغيرهما من عدة أوجه عن النبي ﷺ : أنه قال في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» . وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: صحبنا رسول الله ﷺ ، فسمعناه يقول: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام خلاقهم فيها بعرض من الدنيا يسير» . قال الحسن: "والله؛ لقد رأيناهم صورا بلا عقول، أجساما بلا أحلام، فراش نار، وذبان طمع، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز". رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه مبارك بن فضالة؛ وثقه جماعة، وفيه لين، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق مبارك بن فضالة، ولم يتكلم عليه الحاكم ولا الذهبي. وعن الضحاك بن قيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو سيئ الحفظ، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ". قلت: وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق علي بن زيد، ولم يتكلم عليه. وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإسلام»

стр. 36

«بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء، وإن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يمسي الرجل فيها مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع أقوام دينهم فيها بعرض من الدنيا» . رواه الطبراني. وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم فيها بعرض من الدنيا قليل» . رواه الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "هذه الفتن قد أظلت كقطع الليل المظلم، كلما ذهب منها رسل؛ بدا رسل آخر؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع فيها أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعنه ﵁: أنه قال: "أخاف عليكم فتنا كأنها الليل؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". «وعن حذيفة ﵁ يرفعه؛ قال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل. قلت: فكيف نصنع يا رسول الله؟ ! قال:»

стр. 37

«تكسر يدك. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر رجلك. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى قلت: حتى متى؟ قال: حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» . رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن عساكر في "تاريخه". قوله: تكسر يدك وتكسر رجلك: ليس هو على ظاهره، وإنما معناه الحث على كف اليدين والرجلين في أيام الفتن، فلا يمشي في الفتنة، ولا يقاتل مع أهلها، بل يكون كمن كسرت يده ورجله. والله أعلم. «وعن وائل بن حجر ﵁: أن معاوية ﵁ قال له: ما منعك من نصرنا وقد اتخذك عثمان ثقة وصهرا؟ فقال له وائل: حضرت رسول الله ﷺ وقد رفع رأسه نحو المشرق وقد حضره جمع كثير، ثم رد إليه بصره، فقال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم، فشدد أمرها وعجله وقبحه. فقلت له من بين القوم: يا رسول الله وما الفتن؟ فقال: يا وائل! إذا اختلف سيفان في الإسلام؛ فاعتزلهما» . رواه: الطبراني في "الصغير" و "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه محمد بن حجر، وهو ضعيف". وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتن يفارق الرجل فيها أباه وأخاه، تطير الفتنة في قلوب رجال منهم إلى يوم القيامة، حتى يعير الرجل فيها بصلاته كما تعير الزانية بزناها» . رواه: نعيم بن حماد في "الفتن" والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن سفيان الحضرمي، ولم أعرفه، وابن لهيعة لين". قلت: وقد ذكر لنا عن بعض السفهاء في زماننا أنهم كانوا يستهزئون

стр. 38

بالصلاة والمصلين والآمرين بالصلاة، ويلمزونهم، ويسخرون منهم، وهذا من مصداق هذا الحديث، وكثير من السفهاء يعيرون المتمسكين بالسنن، ولا سيما إعفاء اللحية، وهذا من غلبة الفتنة عليهم، وتمكنها من قلوبهم؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. «وعن محمد بن مسلمة ﵁؛ قال: أعطاني رسول الله ﷺ سيفا، فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضها بعضًا؛ فائت به أُحدًا، فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» . رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن". وعن أبي بردة؛ قال: دخلت على محمد بن مسلمة ﵁، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك؛ فائت بسيفك أحدًا، فاضربه حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قَاضية» ؛ فقد وقعت وفعلت ما قال رسول الله ﷺ . رواه ابن ماجه، ورواته ثقات، وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه. ورواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا؛ فاعمد بسيفك إلى أعظم صخرة في الحرة؛ فاضربه بها حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» . ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ . قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي بردة؛ قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن

стр. 39

هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة. فاستأذنت عليه، فدخلت عليه، فقلت: رحمك الله؛ إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك؛ فأت بسيفك أحدًا، فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله» . فقد كان ما قال رسول الله ﷺ ، وفعلت ما أمرني به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط، واخترطه؛ فإذا سيف من خشب، فقال: قد فعلت ما أمرني به، واتخذت هذا أرهب به الناس. وعن محمود بن لبيد «عن محمد بن مسلمة ﵁: أنه قال: يا رسول الله! كيف أصنع إذا اختلف المصلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة، فتضربها به، ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة» . رواه: الحاكم، والبيهقي، وابن عساكر في "تاريخه". «وعن سعيد بن زيد الأشهلي ﵁: أنه أهدى إلى النبي ﷺ سيفا من نجران (أو: أهدي إلى النبي ﷺ سيف من نجران) ، فأعطاه محمد بن مسلمة، فقال: جاهد بهذا في سبيل الله، فإذا اختلفت أعناق الناس؛ فاضرب به الحجر، ثم ادخل بيتك؛ فكن حلسًا ملقى حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» . رواه: الطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجال "الكبير" ثقات". قلت: ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه. وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سيفا، فقال: قاتل المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت سيفين اختلفا بين»

стр. 40

«المسلمين؛ فاضرب به الحجر حتى ينثلم، واقعد في بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة» . ثم أتيت ابن عمر ﵄؛ فحذا لي على مثاله عن النبي ﷺ . رواه الطبراني، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: أعطى «رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفا، فقال: قاتل به المشركين ما قاتلوكم، فإذا اقتتل المسلمون؛ فائت بهذا السيف أحدًا، فاضرب به حتى ينثلم وينقطع، ثم ارجع إلى بيتك، فكن حلسًا من أحلاس بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» . رواه ابن عساكر في "تاريخه". وعن عبد الله بن عبيد «عن عديسة بنت أهبان بن صيفي الغفاري؛ قالت: "جاء علي بن أبي طالب ﵁ إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أبي: إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفا من خشب؛ فقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك» . قالت: " فتركه". رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب". ورواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عبيد؛ قال: حدثتني «عديسة بنت أهبان؛ قالت: "لما جاء علي بن أبي طالب هاهنا البصرة؛ دخل على أبي فقال: يا أبا مسلم! ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال: بلى. قال: فدعا جارية له، فقال: يا جارية! أخرجي سيفي. قال: فأخرجته، فسل منه قدر شبر؛ فإذا هو خشب، فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إلي إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتخذ سيفا من خشب، فإن شئت خرجت معك. قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك» . وقد رواه الإمام أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل؛ ثلاثتهم عن حماد
следующие страницы →