Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
التوضيح والبيان
لشجرة الإيمان
تأليف
العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
رحمه الله تعالى
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي غرس شجرة الإيمان في قلوب عباده الأخيار، وسقاها وغذاها بالعلوم النافعة، والمعارف الصادقة، واللهج بذكره آناء الليل والنهار؛ وجعلها تؤتي أكلها وبركتها كل حين من الخيرات والنعم الغزار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد القهار، الكريم الرحيم الغفار؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الرسول المصطفى المختار. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه البررة الأخيار.
أما بعد: فهذا كتاب يحتوي على مباحث الإيمان التي هي أهم مباحث الدين، وأعظم أصول الحق واليقين؛ مستمدا ذلك من كتاب الله الكريم - الكفيل بتحقيق هذه الأصول تحقيقا لا مزيد عليه - ومن سنة نبيه محمد ﷺ ؛ التي توافق الكتاب وتفسره، وتعبر عن كثير من مجملاته، وتفصل كثيرا من مطلقاته. مبتدئا بتفسيره، مثنيا بذكر أصوله ومقوماته، ومن أي شيء يستمد؟ مثلثا بفوائده وثمراته، وما يتبع هذه الأصول.
стр. 3
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] .
فمثل الله كلمة الإيمان - التي هي أطيب الكلمات - بشجرة هي أطيب الأشجار، موصوفة بهذه الأوصاف الحميدة؛ أصولها ثابتة مستقرة، ونماؤها مستمر، وثمراتها لا تزال، كل وقت وكل حين، تغل على أهلها وعلى غيرهم المنافع المتنوعة، والثمرات النافعة.
стр. 4
وهذه الشجرة متفاوتة في قلوب المؤمنين تفاوتا عظيما، بحسب تفاوت هذه الأوصاف التي وصفها الله بها. فعلى العبد الموفق أن يسعى لمعرفتها، ومعرفة أوصافها وأسبابها، وأصولها وفروعها؛ ويجتهد في التحقق بها علما وعملا. فإن نصيبه - من الخير والفلاح، والسعادة العاجلة والآجلة - بحسب نصيبه من هذه الشجرة.
стр. 5
الفصل الأول
في حد الإيمان وتفسيره
حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، تتقدم أحكامها؛ فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها. فمن حكم على أمر من الأمور - قبل أن يحيط علمه بتفسيره، ويتصوره تصورا يميزه عن غيره - أخطأ خطأ فاحشا.
أما حد الإيمان وتفسيره، فهو التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإيمان به؛ والانقياد ظاهرا وباطنا. فهو تصديق القلب واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب وأعمال البدن. وذلك شامل للقيام بالدين كله.
ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإيمان قول القلب واللسان، وعمل
стр. 6
القلب واللسان والجوارح.
وهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فهو يشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله.
стр. 7
فالإقرار والاعتراف بما لله تعالى - من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته - هو من أعظم أصول الإيمان.
وكذلك الاعتراف بما لله من الحقوق الخاصة - وهو التأله والتعبد لله ظاهرا وباطنا - من أصول الإيمان.
والاعتراف بما أخبر الله به عن ملائكته وجنوده، والموجودات السابقة واللاحقة؛ والإخبار باليوم الآخر، كل هذا من أصول الإيمان.
وكذلك الإيمان بجميع الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وما وصفوا به في الكتاب والسنة من الأوصاف الحميدة؛ كل هذا من أصول الإيمان.
كما أن من أعظم أصول الإيمان؛ الاعتراف بانفراد الله بالوحدانية والألوهية، وعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين لله، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة، وحقائقه الباطنة. كل هذا من أصول الإيمان.
ولهذا رتب الله على الإيمان دخول الجنة والنجاة من النار، ورتب عليه رضوانه والفلاح والسعادة. ولا يكون ذلك إلا بما ذكرنا من شموله للعقائد وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح. لأنه متى فات شيء من ذلك حصل
стр. 8
- من النقص وفوات الثواب، وحصول العقاب - بحسبه.
بل أخبر الله تعالى أن الإيمان المطلق تنال به أرفع المقامات في الدنيا، وأعلى المنازل في الآخرة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [سورة الحديد: ١٩] . والصديقون هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا، وفي منازل الآخرة. وأخبر في هذه الآية أن من حقق الإيمان به وبرسله، نال هذه الدرجة.
ويفسر ذلك ويوضحه ما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ ، قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة، كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم) فقالوا: " يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم " قال: (بلى»
стр. 9
«- والذي نفسي بيده - رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين» .
وإيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين في ظاهرهم وباطنهم، في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفي كمال طاعتهم لله ولرسله. فقيامهم بهذه الأمور، به يتحقق إيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين.
وقد أمر الله في كتابه بهذا الإيمان العام الشامل، وما يتبعه من الانقياد والاستسلام، وأثنى على من قام به؛ فقال في أعظم آيات الإيمان: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] .
стр. 10
فأمر الله عباده بالإيمان بجميع هذه الأصول العظيمة والإيمان الشامل
стр. 11
بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله وبالإخلاص والاستسلام والانقياد له وحده - بقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] .
كما أثنى على المؤمنين - في آخر السورة - بالقيام بذلك فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] .
فأخبر أن الرسول ومن معه من المؤمنين، آمنوا بهذه الأصول ولم يفرقوا
стр. 12
بين أحد من الأنبياء بل آمنوا بهم جميعا، وبما أوتوه من عند الله؛ وأنهم التزموا طاعة الله، فقالوا: سمعنا وأطعنا وطلبوا من ربهم أن يحقق لهم ذلك وأن يعفو عن تقصيرهم ببعض حقوق الإيمان، وأن مرجع الخلائق كلهم ومصيرهم إلى الله يجازيهم بما قاموا به من حقوق الإيمان، وما ضيعوه منها. كما قال تعالى عن أتباع الأنبياء - عيسى وغيره - إنهم قالوا:
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٥٣] . فآمنوا بقلوبهم، والتزموا بقلوبهم، وانقادوا بجوارحهم وسألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين له بالتوحيد وأن يحقق لهم القيام به قولا، وعملا، واعتقادا.
وقال تعالى: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٢ - ٤] .
.
стр. 13
فوصف الله المؤمنين بهذه الصفات المتضمنة للقيام بأصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه. فإنه وصفهم بالإيمان به إيمانا ظهرت آثاره في عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وأنه - مع ثبوت الإيمان في قلوبهم - يزداد إيمانهم كلما تليت عليهم آيات الله، ويزداد خوفهم ووجلهم كلما ذكر الله وهم في قلوبهم وسرهم متوكلون على الله، ومعتمدون في أمورهم كلها عليه، ومفوضون أمورهم إليه. وهم مع ذلك يقيمون الصلاة فرضها ونفلها يقيمونها ظاهرا وباطنا ويؤتون الزكاة، وينفقون النفقات الواجبة والمستحبة. ومن كان على هذا الوصف فلم يبق من الخير مطلبا، ولا من الشر مهربا. ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الذين يستحقون هذا الوصف على الحقيقة، ويحققون القيام به ظاهرا وباطنا. ثم ذكر ثوابهم الجزيل؛ المغفرة المتضمنة لزوال كل شر ومحذور، ورفعة الدرجات عند ربهم، والرزق الكريم المتضمن من النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 14
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١ - ١١] .
стр. 15
ففسر الله الإيمان - في هذه الآيات - بجميع هذه الخصال. فإنه أخبر
стр. 16
بفلاح المؤمنين، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، إلى آخر الآيات المذكورة. فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقا. ومضمونها القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات. وبتكميلهم للإيمان استحقوا وراثة جنات الفردوس التي هي أعلى الجنات، كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات.
وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين، وأخلاقه، وأعماله الظاهرة والباطنة. ويترتب ذلك؛ أنه يزيد بزيادة هذه الأوصاف والتحقق بها، وينقص بنقصها، وأن الناس في الإيمان درجات متفاوتة بحسب تفاوت هذه الأوصاف.
стр. 17
ولهذا كانوا ثلاث درجات: سابقون مقربون، وهم: الذين قاموا بالواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وفضول المباحات. ومقتصدون، وهم: الذين قاموا بالواجبات، وتركوا المحرمات. وظالمون لأنفسهم، وهم: الذين تركوا بعض واجبات الإيمان، وفعلوا بعض المحرمات. كما ذكرهم الله بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [سورة فاطر: ٣٢] .
стр. 18
وقد يعطف الله على الإيمان، الأعمال الصالحة أو التقوى أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف. لئلا يظن الظان أن الإيمان يكتفي فيه بما في القلب. فكم في القرآن من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ : ثم يذكر خبرا عنهم. والأعمال الصالحات: من الإيمان، ومن لوازم الإيمان. وهي التي يتحقق بها الإيمان. فمن ادعى أنه مؤمن - وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، ومن ترك المحرمات - فليس بصادق في إيمانه.
كما يقرن بين الإيمان والتقوى، في مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس: ٦٢ - ٦٣] .
стр. 19
فذكر الإيمان الشامل لما في القلوب من العقائد والإرادات الطيبة، والأعمال الصالحة. ولا يتم للمؤمن ذلك حتى يتقي ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعصيان. ولهذا حقق ذلك بقوله: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . كما وصف الله بذلك خيار خلقه، بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحجرات: ٧ - ٨] .
فهذه أكبر المنن: أن يحبب الله الإيمان للعبد، ويزينه في قلبه، ويذيقه حلاوته، وتنقاد جوارحه للعمل بشرائع الإسلام، ويبغض الله إليه أصناف
стр. 20
المحرمات. والله عليم بمن يستحق أن يتفضل عليه بهذا الفضل، حكيم في وضعه في محله اللائق به.
كما ثبت في الصحيح - من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ ، قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع عن دينه، كما يكره أن يقذف في النار» .
فذكر أصل الإيمان الذي هو محبة الله ورسوله، ولا يكتفي بمطلق المحبة، بل لا بد أن تكون محبة الله مقدمة على جميع المحاب. وذكر تفريقها بأن يحب لله، ويبغض لله. فيحب الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين؛ لأنهم قاموا بمحاب الله، واختصهم من بين خلقه. وذكر دفع ما يناقضه وينافيه، وأنه يكره أن يرجع عن دينه أعظم كراهة، تقدر أعظم من كراهة إلقائه في النار.
وأخبر في هذا الحديث أن للإيمان حلاوة في القلب، إذا وجدها العبد سلته عن المحبوبات الدنيوية، وعن الأغراض النفسية، وأوجبت له الحياة الطيبة. فإن من أحب الله ورسوله لهج بذكر الله طبعا - فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره - واجتهد في متابعة الرسول، وقدم متابعته على كل قول، وعلى إرادة النفوس وأغراضها. من كان كذلك، فنفسه مطمئنة مستحلية للطاعات، قد انشرح صدر صاحبها للإسلام؛ فهو على نور من ربه. وكثير من المؤمنين لا يصل إلى هذه المرتبة العالية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [سورة الأنعام: ١٣٢] .
стр. 21
وكذلك في الصحيحين - من حديث أبي هريرة - أنه ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان» .
стр. 22
وهذا صريح أن الإيمان يشمل أقوال اللسان، وأعمال الجوارح، والاعتقادات والأخلاق، والقيام بحق الله، والإحسان إلى خلقه. فجمع في هذا الحديث بين أعلاه وأصله وقاعدته - وهو قول لا إله إلا الله اعتقادا، وتألها، وإخلاصا لله - وبين أدناه، وهو إماطة العظم والشوكة وكل ما يؤذي، عن
стр. 23
الطريق. فكيف بما فوق ذلك من الإحسان. وذكر الحياء - والله أعلم - لأن الحياء به حياة الإيمان، وبه يدع العبد كل فعل قبيح. كما به يتحقق كل خلق حسن. وهذه الشعب - المذكورة في هذا الحديث - هي جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة.
وهذا - أيضا - صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه. ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتا كثيرا. فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشارع كما ترى.
وقد ذكر النبي ﷺ الإسلام والإيمان في حديث جبريل المشهور، حيث سأله جبريل بحضرة الصحابة عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر» وفسر الإسلام بالشرائع الخمس الظاهرة. لأنه - كما تقدم - إذا قرن بالإيمان غيره، فسر الإيمان بما في القلب من العقائد الدينية والإسلام أو الأعمال الصالحة بالشرائع الظاهرة. وأما عند الإطلاق إذا أطلق الإيمان، فقد تقدم أنه يشمل ذلك أجمع.
وفي الصحيحين - من حديث أنس - أن النبي ﷺ قال: ( «لا يؤمن»
стр. 24
«أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» ) .
فأخبر ﷺ أنه إذا تعارضت المحبتان، فإن قدم ما يحبه الرسول كان صادق الإيمان، وإلا فهو ناقص الإيمان. كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥] .
فأقسم تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، ولا يبقى في قلوبهم حرج وضيق من حكمه وينقادوا له انقيادا، وينشرحوا لحكمه. وهذا شامل في تحكمه في أصول الدين، وفي فروعه، وفي الأحكام الكلية، والأحكام الجزئية.
وفي الصحيحين أيضا - عن أنس مرفوعا -: ( «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ) . وذلك يقتضي أن يقوم بحقوق إخوانه المسلمين
стр. 25
الخاصة والعامة، فإنه من الإيمان. ومن لم يقم بذلك ويحب لهم ما يحب لنفسه، فإنه لم يؤمن الإيمان الواجب، بل نقص إيمانه بقدر ما نقص من الحقوق الواجبة عليه.
وفي صحيح مسلم - من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ( «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا» ) .
والرضا بذلك يقتضي الفرح بذلك، والسرور بربوبية الله له، وحسن تدبيره وأقضيته عليه، و [أن] يرضى بالإسلام دينا، ويفرح به، ويحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر المنن حيث رضي الله له الإسلام ووفقه له، واصطفاه له ويرضى بمحمد ﷺ نبيا إذ هو أكمل الخلق، وأعلاهم في كل صفة كمال. وأمته وأتباعه أكمل الأمم وأعلاهم، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
فالرضا بنبوة الرسول ورسالته، وأتباعه من أعظم ما يثمر الإيمان، ويذوق به العبد حلاوته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] .
стр. 26
فكيف لا يرضى المؤمن بهذا الرسول الكريم، الرءوف الرحيم الذي أقسم الله أنه لعلى خلق عظيم، وأشرف مقام للعبد انتسابه لعبودية الله، واقتداؤه برسوله، ومحبته واتباعه، وهذا علامة محبة الله، وباتباعه تتحقق المحبة والإيمان!
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ٣١] .
وفي صحيح مسلم - من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي - قال: «قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم» .
فبين ﷺ بهذه الوصية الجامعة - أن العبد إذا اعترف بالإيمان ظاهرا
стр. 27
وباطنا، ثم استقام عليه - قولا وعملا، فعلا وتركا - فقد كمل أمره، واستقام على الصراط المستقيم، ورجي له أن يدخل مع من قال الله عنهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [سورة فصلت: ٣٠ - ٣٢] .
وفي حديث ابن عباس - المتفق عليه - في وفد عبد القيس، حين وفدوا على النبي ﷺ حيث قالوا: (مرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به
стр. 28
الجنة) وسألوه عن الأشربة. فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده [و] قال: « (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: (الله ورسوله أعلم) ، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) ونهاهم عن أربع: (عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت) وقال: (احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم) » .
فهذا - أيضا - صريح في إدخاله الشرائع الظاهرة بالإيمان، مثل الصلاة والزكاة والصيام، وإعطاء الخمس من المغنم. وكل هذا يفسر لنا الإيمان تفسيرا يزيل الإشكال، وأنه كما يدخل فيه العقائد القلبية، فتدخل فيه الأعمال البدنية فكل ما قرب إلى الله - من قول وعمل واعتقاد - فإنه من الإيمان.
وفي سنن أبي داود، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ( «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ) .
стр. 29
فالحب والبغض في القلب والباطن والعطاء والمنع في الظاهر. واشترط فيها كلها الإخلاص الذي هو روح الإيمان ولبه وسره.
فالحب في الله أن يحب الله، ويحب ما يحبه من الأعمال والأوقات والأزمان والأحوال ويحب من يحبه من أنبيائه وأتباعهم.
والبغض في الله أن يبغض كل ما أبغضه [الله] من كفر وفسوق وعصيان ويبغض من يتصف بها، أو يدعو إليها.
والعطاء يشمل عطاء العبد من نفسه كل ما أمر به مثل قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [سورة الليل: ٥ - ٧] .
وهذا يشمل جميع ما أمر به العبد، لا يختص بالعطاء المالي، بل هو جزء من العطاء. وكذلك مقابله المنع.
وبهذه الأمور الأربعة، يتم للعبد إيمانه ودينه.
وكذلك ما رواه الترمذي والنسائي - من حديث أبي هريرة مرفوعا «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» يدل: على أن الإيمان الصحيح يحمل صاحبه على رعاية الأمانة، وينهاه عن الخيانة حتى يطمئن إليه الناس، ويأمنوه على أنفس الأشياء عندهم، وهي الدماء، والأموال.
وهذه النصوص كلها تبين معنى الإيمان وحقيقته، وأنه - كما قال الحسن وغيره: " ليس الإيمان بالتمني والتحلي، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال ".
فالأعمال الظاهرة والباطنة تصدق الإيمان، وبها يتحقق. كما قال تعالى:
стр. 30
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [سورة التغابن: ١١] .
فالعبد إذا أصابته المصيبة، فآمن أنها من عند الله، وأن الله حكيم رحيم في تقديرها، وأنه أعلم بمصالح عبده، هدى الله قلبه هداية خاصة للرضا والصبر والتسليم والطمأنينة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [سورة يونس: ٩] . فحذف المتعلق؛ ليشمل هدايتهم لكل خير، وهدايتهم لترك كل شر؛ وذلك بسبب إيمانهم. فالأعمال من الإيمان من جهة، ومن ثمرات الإيمان ولوازمه من جهة أخرى. والله الموفق.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] .
كثير من المفسرين فسروا الإيمان هنا بالصلاة إلى القبلة التي كانوا عليها، بيت المقدس، قبل النسخ حيث مات أناس من المسلمين قبل أن تنقل القبلة إلى الكعبة، فحصل عند بعضهم اشتباه في شأنهم، فأنزل الله هذه
стр. 31
الآية. وذلك أن صلاتهم إلى بيت المقدس في ذلك الوقت، التزام منهم لطاعة الله ورسوله، وذلك هو الإيمان.
وهذه الآية فيها بشارة كبرى [وهي] : أن الله لا يضيع إيمان المؤمنين، قل ذلك الإيمان، أو كثر. كما ورد في الصحيح: «أن الله يخرج من النار من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان» .
وبشارة لكل من عمل عملا قصده طاعة الله ورسوله، وهو متأول أو مخطئ، أو نسخ ذلك العمل، فإنه إنما عمل ذلك العمل إيمانا بالله، وقصدا لطاعته، ولكنه تأول تأويلا أخطأ فيه، أو أخطأ بلا تأويل، فخطؤه معفو عنه، وأجر القصد والتوجه إلى الله وإلى طاعته، لا يضيعه الله.
ولهذا قال الله عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦] قال الله على لسان نبيه: (قد فعلت) .
وفي الحديث الصحيح: «إذا اجتهد الحاكم فحكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور له» .
وكذلك من نوى عملا صالحا، وحرص على فعله، ومنعه مانع - من مرض، أو سفر أو عجز أو غيرها - كتب له ما نواه من ذلك العمل، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم - من حديث أبي موسى مرفوعا -: «من مرض أو سافر كتب له ما»
стр. 32
«كان يعمل صحيحا مقيما» . ويدخل في ذلك من أقعده الكبر عن عمله المعتاد.
فصل
إذا ثبت بدلالة الكتاب والسنة معنى الإيمان، وأنه اسم جامع لشرائع الإسلام، وأصول الإيمان، وحقائق الإحسان وتوابع ذلك من أمور الدين - بل هو اسم للدين كله - علم أنه يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.
وهذه المسألة لا تقبل الاشتباه بوجه من الوجوه لا شرعا، ولا حسا، ولا واقعا.
وذلك أن نصوص الكتاب والسنة صريحة في زيادته ونقصانه مثل قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [سورة الفتح: ٤] ، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [سورة المدثر: ٣١] ، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣] ، ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٤] وغيرها من الآيات.
وكذلك الحس والواقع يشهد بذلك من جميع وجوه الإيمان، فإن الناس في علوم الإيمان، وفي معارفه، وفي أخلاقه وأعماله الظاهرة والباطنة - متفاوتون تفاوتا عظيما في القوة والكثرة، ووجود الآثار، ووجود الموانع، وغير ذلك. فالمؤمنون الكمل عندهم من تفاصيل علوم الإيمان ومعارفه وأعماله، ما لا نسبة إليه من علوم عموم كثير من المؤمنين، وأعمالهم وأخلاقهم. فعند كثير منهم علوم ضعيفة مجملة، وأعمال قليلة ضعيفة. وعند كثير منهم، من المعارضات والشبهات والشهوات، ما يضعف الإيمان، وينقصه درجات كثيرة. بل تجد المؤمنين يتفاوتون تفاوتا كثيرا في نفس العلم الذي عرفوه من علوم الإيمان
стр. 33
أحدهما: علمه فيه قوي صحيح لا ريب فيه ولا شبهة والآخر: علمه فيه ضعيف، وعنده معارضات كثيرة تضعفه أيضا. وكذلك أخلاق الإيمان يتفاوتون فيها تفاوتا كثيرا، صفات الحلم والصبر والخلق وغيرها. وكذلك في العبادات الظاهرة كالصلاة: يصلي اثنان صلاة واحدة، وأحدهما يؤدي حقوقها الظاهرة والباطنة، ويعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. والآخر يصليها بظاهره وباطنه مشغول بغيرها. وكذلك بقية العبادات.
ولهذا كان المؤمنون ثلاث مراتب مرتبة السابقين، ومرتبة المقتصدين ومرتبة الظالمين. وكل واحدة من هذه المراتب أيضا، أهلها متفاوتون تفاوتا كثيرا. والعبد المؤمن - في نفسه - له أحوال وأوقات تكون أعماله كثيرة قوية، وأحيانا بالعكس. وكل هذا من زيادة الإيمان ونقصه، ومن قوته وضعفه. وكان خيار الأمة، والمعتنون بالإيمان منهم - يتعاهدون إيمانهم كل وقت ويجتهدون في زيادته وتقويته، وفي دفع المعارضات المنقصة له، ويجتهدون في ذلك، ويسألون الله أن يثبت إيمانهم، ويزيدهم منه، من علومه وأعماله وأحواله. فنسأل الله: أن يزيدنا علما ويقينا، وطمأنينة به وبذكره، وإيمانا صادقا.
وخيار الخلق - أيضا - يطلبون ويتنافسون في الوصول إلى عين اليقين، بعد علم اليقين، وإلى حق اليقين. كما قال الله عن إبراهيم ﵇:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٠] ،
стр. 34
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧٥] .
والحواريون خواص أتباع المسيح ابن مريم - حين طلبوا نزول المائدة، ووعظهم عيسى عن هذا الطلب - ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة: ١١٣] . فذكروا حاجتهم الدنيوية، وحاجتهم العلمية الإيمانية إلى ذلك.
стр. 35
الفصل الثاني
في ذكر الأمور
التي يستمد منها الإيمان
وهذا فصل عظيم النفع والحاجة، بل الضرورة ماسة إلى معرفته والعناية معرفة واتصافا - وذلك أن الإيمان هو كمال العبد، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل. ولا يحصل، ولا يقوى، ولا يتم إلا بمعرفة ما منه يستمد. وإلى ينبوعه وأسبابه وطرقه.
والله تعالى قد جعل لكل مطلوب سببا وطريقا يوصل إليه. والإيمان أعظم المطالب وأهمها وأعمها، وقد جعل الله له مواد كبيرة تجلبه وتقويه، كما كان له أسباب تضعفه وتوهيه.
ومواده التي تجلبه وتقويه أمران: مجمل ومفصل.
أما المجمل فهو التدبر لآيات الله المتلوة من الكتاب والسنة، والتأمل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد، والعمل بالحق، فجميع الأسباب مرجعها إلى الأصل العظيم.
وأما التفصيل، فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة.
١ - منها - بل أعظمها -: معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله فيها.
فقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ ، أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة» أي: من حفظها وفهم معانيها،
стр. 36
واعتقدها، وتعبد لله بها - دخل الجنة. والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون.
فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان، والإيمان يرجع إليها.
ومعرفتها تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وهذه الأنواع هي رُوح الإيمان ورَوْحه، وأصله وغايته. فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه، وقوي يقينه. فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون معرفته سالمة من داء التعطيل، ومن داء التمثيل اللذين ابتلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول، بل تكون المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فهذه المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة في أحواله.
٢- ومنها: تدبر القرآن على وجه العموم. فإن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه، ما يزداد به إيمانا. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢] .
وكذلك إذا نظر إلى انتظامه وإحكامه، وأنه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف - تيقن أنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وأنه لو كان من عند غير الله، لوجد فيه - من التناقض والاختلاف - أمور كبيرة. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ٨٢] . وهذا من أعظم مقويات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة، فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما ركب عليه من الأخبار الصادقة، والأحكام الحسنة - يحصل له من أمور الإيمان، خير كبير فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده
стр. 37
وأسراره؟ ! . ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الآية [سورة آل عمران: ١٩٣] .
٣ - وكذلك معرفة أحاديث النبي ﷺ ، وما تدعو إليه من علوم الإيمان وأعماله - كلها من محصلات الإيمان ومقوياته. فكلما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله، ازداد إيمانه ويقينه. وقد يصل في علمه وإيمانه إلى مرتبة اليقين. فقد وصف الله الراسخين في العلم. الذين حصل لهم العلم التام القوي، الذي يدفع الشبهات والريب، ويوجب اليقين التام؛ ولهذا كانوا سادة المؤمنين الذين استشهد الله بهم، واحتج بهم على غيرهم من المرتابين والجاحدين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: ٧] .
стр. 38
فالراسخون زال عنهم الجهل والريب وأنواع الشبهات، وردوا المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وقالوا آمنا بالجميع، فكلها من عند الله وما منه وما تكلم به وحكم به كله حق وصدق.
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سورة النساء: ١٦٢] .
وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: ١٨] .
ولعلمهم بالقرآن العلم التام، وإيمانهم الصحيح - استشهد بهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم: ٥٦] .
وأخبر تعالى في عدة آيات أن القرآن آيات للمؤمنين، [وآيات] للموقنين. لأنه يحصل لهم بتلاوته وتدبره من العلم واليقين والإيمان. بحسب ما فتح الله عليهم منه. فلا يزالون يزدادون علما وإيمانا ويقينا.
فالتدبر للقرآن من أعظم الطرق والوسائل الجالبة للإيمان، والمقوية له. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص: ٢٩] .
فاستخراج بركة القرآن - التي من أهمها حصول الإيمان - سبيله وطريقه
стр. 39
تدبر آياته وتأملها، كما ذكر " أن تدبره يوقف الجاحد عن جحوده، ويمنع المعتدي على الدين من اعتدائه ".
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٨] أي: فلو تدبروه حق تدبره، لمنعهم مما هم عليه من الكفر والتكذيب، وأوجب لهم الإيمان واتباع من جاء به.
وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [سورة يونس: ٣٩] أي: فلو حصل لهم الإحاطة بعلمه، لمنعهم من التكذيب، وأوجب لهم الإيمان.
٤- ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه - معرفة النبي ﷺ ، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة.
فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه، وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق. كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٩] أي: فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان ممن يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به.
وقال تعالى حاثا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سورة سبأ: ٤٦] .
وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول، وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق - بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: ١ - ٤] .
فهو ﷺ أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة النافعة، وأفعاله الرشيدة. فهو الإمام الأعظم، والقدوة الأكمل،
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١] ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: ٧] .
وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا:
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وهو هذا الرسول الكريم: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ بقوله
стр. 40
وخلقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [سورة آل عمران: ١٩٣] أي: إيمانا لا يدخله ريب.
ولما كان هذا الإيمان من أعظم ما يقرب العبد إلى الله، ومن أعظم الوسائل التي يحبها الله - توسلوا بإيمانهم أن يكفر عنهم السيئات وينيلهم المطالب العاليات فقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٣] .
ولهذا كان الرجل المنصف - الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق مجرد ما يراه ويسمع كلامه - يتبادر إلى الإيمان [به ﷺ ] ، ولا يرتاب في رسالته بل كثير منهم - مجرد ما يرى وجهه الكريم - يعرف أنه ليس بوجه كذاب.
وقيل لبعضهم: " لم بادرت إلى الإيمان بمحمد قبل أن تعرف رسالته؟ " فقال: " ما أمر بشيء، فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل ليته أمر به ". فاستدل العاقل الموفق - بحسن شريعته، وموافقتها للعقول الصحيحة - على رسالته، فبادر إلى الإيمان [به] .
ولهذا استدل ملك الروم هرقل - لما وصف له ما جاء به الرسول، وما كان يأمر به، وما ينهى عنه - استدل بذلك أنه من أعظم الرسل، واعترف بذلك اعترافا جليا. ولكن منعته الرئاسة وخشية زوال ملكه من اتباعه، كما منع كثيرا ممن اتضح له أنه رسول الله حقا. وهذا من أكبر موانع الإيمان في حق أمثال هؤلاء.
وأما أهل البصائر والعقول الصحيحة، فإنهم يرون هذه الموانع والرئاسات والشبهات والشهوات تضمحل، ولا يرون لها قيمة حتى يعارض بها الحق الصحيح النافع، المثمر للسعادة عاجلا وآجلا.
ولهذا السبب الأعظم، كان المعتنون بالقرآن حفظا ومعرفة، والمعتنون بالأحاديث الصحيحة - أعظم إيمانا ويقينا من غيرهم، وأحسن عملا في الغالب.
следующие страницы →