Полный текст (1 553 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره ورأسه: ألا وهو شهادة أن ((لا إله إلا الله)) ، واعرفوا معناها؛ واكفروا بالطواغيت وعادوهم ... ، ولا شك: أن أول ما فرض الله تعالى على عباده الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت؛ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ....؛ فصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم؛ ومعنى الإيمان بالله:
أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده، دون من سواه، وتخلص كل أنواع العبادة لله وحده، وتنفيها عن كل معبود سواه، و ((الطاغوت)) عام في كل أنواع العبادة؛ فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة: من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله ﷺ .
فهو طاغوت ... ؛ فالإنسان لا يكون مؤمنًا بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ... ) .
٢٤ - وقال ﵀ في بيان تحقيق هذين الركنين، ولا سيما الركن الأول: وهو ((النفي)) :
(فقد ثبت ثبوتًا بينًا: أن ((لا إله إلا الله)) :
مفتاح دار السلام؛ ولكن بشرط كونها خالصة مخلصة؛ فلا بد أولًا من الكفر [بالطاغوت] ، والتبرؤ من كل الآلهة الآفاقية والأنفسية؛ ثم إثبات الواحد الأحد المعبود حقا؛ وأهم ما نفته هذه الكلمة - استحقاق العبادة
стр. 142
لغير الله نفيًا كليا؛ ولأجل هذا أرسلت الرسل، وجردت السيوف؛ ومن لوازمها - العمل بكل ما جاء به محمد رسول الله ﷺ من مقتضى هذه الكلمة؛ بلا تغيير، ولا تزييد: فمن المنفي: الربوبية والخالقية؛ فلا رب إلا الله، ولا خالق إلا الله؛ فمن اعتقد أن الملائكة، أو الأرواح تربي تربية بسلطة غيبية فقد أشرك بالله في الربوبية والخالقية؛ كما هو حال كثير من جهلة القبوريين والطرقيين.
ومن المنفي: القدرة؛ فلا قدرة لأحد إلا بالله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ فمن اعتقد أن الملائكة، أو الأرواح تقدر على شيء بنفسها فقد أشرك بالله في صفة القدرة والقادرية.
ومن المنفي: التصرف في الكون، والإحياء والإماتة؛ فلا متصرف في الكون إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله؛ فمن اعتقد: أن الملائكة والأرواح تتصرف في الكون، أو تحيي أو تميت. فقد أشرك بالله.
ومن المنفي: الحكم والتحليل والتحريم؛ فالحاكم الحق حقيقة هو الله وحده، وهو المشرع وحده، وهو المحلل وحده، وهو المحرم وحده؛ فلا حاكم إلا الله، ولا مشرع إلا الله، ولا محلل إلا الله، ولا محرم إلا الله.
فمن حكم بحل شيء لم يحله الله، أو حكم بحرمة شيء لم يحرمه الله، أو شرع ما لم يأذن به الله فقد أشرك بالله.
ومن المنفي: العبادة، والمعبودية؛ وهذا هو الأصل الذي أنزلت
стр. 143
هذه الكلمة لأجله، وأرسلت الرسل لأجله؛ فلا معبود حقا إلا الله، ولا يعبد حقًّا إلا الله: بأي نوع من أنواع العبادة.
وبالجملة.....؛ هذا هو معنى: ((لا إله إلا الله)) ؛ فمن قالها لفظًا، ولكنه غير معناها، وأفسد تفسيرها، وعبد غير الله. فقد أتى ببهتان * فلا شك أن يصير من أهل الخسران *) .
٢٥ - وقال ﵀ مبينًا أهمية هذين الركنين:
(واعلم أن مدلول: ((لا إله إلا الله)) : التزام بعبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دون الله؛ وهذا أصل دين الإسلام وقاعدته؛ ولهذا كانت هذه الكلمة الإسلام * ومفتاح دار السلام * والفارق بين المؤمنين والكافرين من الأنام *) .
قلت: هذه كانت أمثلة من نصوص علماء الحنفية في تحقيق الركنين لتوحيد العبادة: النفي، والإثبات، وهي أبلغ وأقمع للقبورية الذين أخلوا بهذين الركنين، وناقضوا التوحيد بعبادتهم القبور وأهلها أنواعًا من العبادات؛ فهذه النصوص تدل على أن التوحيد لا يمكن أن يوجد ويقوم إلا بهذين الركنين وهاتين الدعامتين، كما تصرح بأن القبورية ناقضوا التوحيد، فهم ليسوا من أهل التوحيد بل هم من أهل الشرك.
وإذا عرفنا ذلك ننتقل إلى المبحث الآتي لنعرف شروط صحة توحيد العبادة والله المستعان.
****
стр. 144
المبحث الثاني
في بيان شروط صحة توحيد العبادة
إن علماء الحنفية - كما اهتموا ببيان ركني التوحيد - كذلك اهتموا ببيان شروط صحة التوحيد، فذكروا لتوحيد العبادة عدة شروط، وصرحوا بأنه لا صحة للتوحيد إلا بعد توفر تلك الشروط، وكل ما أذكره عن الحنفية فهو رد على القبورية فإنهم قد أخلوا بتلك الشروط، بارتكابهم الشرك بسبب عبادتهم القبور وأصحابها فلم يصح توحيدهم. وفيما يلي بيانها:
الشرط الأول:
فهم معنى توحيد العبادة، والعلم به المنافي للجهل؛ فمن قال: ((لا إله إلا الله)) ولم يفهم معناها - لا يدخل في الإسلام، ولا يصح توحيده، ففهم معنى كلمة التوحيد من أعظم شروط صحة توحيد العبادة وأهمها ولما لم يعرف القبورية معناها، وما هو الإله، وما هي العبادة؟ لم يعرفوا ما يضاد التوحيد من الشرك بالله تعالى، فعبدوا القبور وأهلها بأنواع من العبادات.
فناقضوا كلمة التوحيد، وأشركوا بالله بأنواع من الإشراك.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية في أهمية العلم بمعنى كلمة التوحيد:
стр. 145
١ - قال الإمام البدر العينتابي (٨٥٥هـ) في شرح قول الإمام البخاري (٢٥٦هـ) :
(باب العلم قبل القول والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، فبدأ بالعلم) .
(أي هذا باب في بيان أن العلم قبل القول والعمل: أراد أن الشيء يعلم أولًا، ثم يقال، ويعمل به؛ فالعلم مقدم عليهما بالذات، وكذا مقدم عليها بالشرف؛ لأنه عمل بالقلب، وهو أشرف أعضاء البدن ... ؛ وقال ابن المنير: أراد: أن العلم شرط في صحة القول والعمل؛ فلا يعتبران إلا به؛ فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح النية المصححة للعمل؛ فنبه البخاري على ذلك) .
٢ - وقال الملا علي القاري (١٠١٤هـ) :
(يتعين على كل موقن أن يعتني بشأنها [كلمة التوحيد] مبنى ومعنى، لينقل من إفادة مبناها * إلى إعادة معناها *؛ فإنها مفتاح الجنة * وعن النار بمنزلة الجُنة * للناس والجِنة * وقد نص الأئمة * من سادات الأمة *:
стр. 146
أنه لا بد من فهم معناها * المترتب على علم مبناها *؛ ليخرج عن ربقة التقليد، ويدخل في رفعة التحقيق والتأييد؛ وقد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .
٣ - وقال العلامة اللكنوي (١٣٠٤هـ) ، ﵀.
٤ - (وفي النوازل الفقهية، لأبي الليث السمرقندي [٣٧٥هـ) :
٥ - سئل أبو القاسم:
في رجل لا يحسن العربية، وقد تعلم في صغره.
آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره
стр. 147
وشره؛ ويعلم أن هذا هو الإيمان.
إلا أنه إذا سئل عن تفسيره لا يحسن تفسيره!
أهو مؤمن؟
قال: هذا حافظ كلامًا لا يدري ما هو؟) .
٦ - ٧ - ولقد صرح كثير من علماء الحنفية أن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد؛ ومجرد قولها باللسان بدون فهم معناها والاعتقاد بها من عمق القلب لا يفيد شيئًا.
واستدل كثير من الحنفية على اشتراط العلم بمعنى كلمة التوحيد بحديث: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
فهذا الحديث صريح في أنه لا يكفي مجرد التلفظ بكلمة التوحيد دون فهم معناها والاعتقاد بها من عمق القلب.
٨ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) محققًا أن التلفظ بكلمة التوحيد بدون فهم معناها وبدون العلم بالمراد منها - لا يفيد شيئًا:
(واعلم: أن ((لا إله إلا الله)) - هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام....، وليس المراد قولها باللسان فقط، مع الجهل بمعناها....، ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب والإذعان لها....) .
ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك ثم قال:
стр. 148
(إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة....) .
ثم قال:
(واعلم: أن لا إله إلا الله هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام؛ فمن قالها - عالمًا بمعناها، ومعتقدًا إياها - فقد دخل في الإسلام * وصار من أهل دار السلام *) .
٩ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا؛ محققًا أن التلفظ بكلمة التوحيد بدون فهم معناها لا يجدي ولا ينفع:
(و ((لا إله إلا الله)) هي كلمة الإخلاص المنافية للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله؛ ولكن لا تنفع قائلها عند الله، وفي دار الآخرة إلا بشروط:
الأول: العلم بمعناها: نفيا وإثباتًا.
والثاني: اليقين، وهو كمال العلم بها، المنافي للشك.
والثالث: الإخلاص المنافي للشرك؛ فمن يقول: ((لا إله إلا الله)) ، ولكن لا يفهم معناها، ولا يعمل به فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا....؛ لأن الله قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ؛ فالعلم مقدم على القول والعمل ... ) .
١٠ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا - مبينًا أن المشركين السابقين كانوا يعرفون معنى كلمة التوحيد بخلاف القبورية:
(فإذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أن المشركين الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 149
إلى الإيمان كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ كما بين الله تعالى في كتابه؛ ولم يدخلهم ذلك التوحيد في الإسلام؛ بل قاتلهم رسول الله ﷺ إلى أن يقروا بتوحيد الألوهية، وهو معنى: ((لا إله إلا الله)) ؛ والمراد من هذه الكلمة: معناها، لا مجرد لفظها؛ والكفار الجهال كانوا يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والتبرؤ مما يعبد من دون الله، والكفر به؛ فإنه لما قال لهم: « [يا أيها الناس!] قولوا: لا إله إلا الله [تفلحوا] » - قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥] ؛ وقد عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك؛ فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار! ؛ بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن: أن معناها: ((لا يخلق، ولا يرزق إلا الله)) ، و ((لا يدبر الأمر إلا الله)) .
فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى ((لا إله إلا الله)) ؛ وقد ذكر الله تعالى في كتابه: أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم بالملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ....، فمن قال ((لا إله إلا الله)) ، ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر:
كدعاء الموتى والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات،
стр. 150
والتقرب إليهم بالنذر والذبائح فهذا مشرك شاء أم أبى....) .
١١ - قلت: يدل هذا النص أن المشركين السابقين وهؤلاء القبوريين كلهم في الحقيقة غير مؤمنين بكلمة التوحيد؛ غير أن المشركين السابقين كانوا يعرفون معناها، ويعلمون أن هذه الكلمة تمنعنا من عبادة آلهتنا من الاستغاثة والنذور ونحوها.
فلذا كانوا يأبون التلفظ بها ولم يكونوا يقولونها قطعًا.
وأما هؤلاء القبوريون فهم لأجل أنهم لا يعرفون معناها، ولا يعلمون أنها تضاد ما هم عليه من عبادة القبورية وأهلها من الاستغاثة والنذور ونحوها يتلفظون بها ويقولونها مئات المرات بل الآلاف، ولكن إذا فسر لهم معناها، وأنها تنهاهم عن عبادة الصالحين فهم حينئذ يأبون معناها؛ ولو كان هؤلاء القروية عارفين بمعنى هذه الكلمة - كالمشركين السابقين - لكانوا أشد الناس إباء عن التلفظ بها وامتناعًا عن قولها باللسان؛ كإخوانهم المشركين السابقين. والله المستعان على ما يصفون.
١٢ - وقال ﵀ مبينًا أنه لا عبرة بالتلفظ بالكلمة بدون فهم المعنى:
(وغالب من يقول: ((لا إله إلا الله)) وإنما يقولها تقليدًا؛ ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، فلا يعرف ما تنفيه، وما تثبته؛ ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يصرف عنها عند الموت؛ وفي القبور أمثال هؤلاء يقولون - كما في الحديث الصحيح: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»
стр. 151
الحديث) .
قلت: لا يخشى عليهم عند الموت فقط؛ بل يخشى عليهم قبل الاحتضار في حياتهم اليومية، بل ليس الأمر إلى حد الخشية فحسب؛ بل الحقيقة أن هؤلاء قد صرفوا عن كلمة التوحيد فعلًا، وناقضوها بأنواع من الإشراك بالله سبحانه، وأبطلوها بأنواع من العبادات للقبور وأهلها.
الشرط الثاني: اليقين المنافي للظن والشك.
стр. 152
١ - قلت: اشتراط اليقين قد تقدم في نفس كلام العلامة الخجندي.
٢ - ومن الأدلة القاطعة التي استدل بها الحنفية على اشتراط اليقين القلبي المنافي للظن والشك حديث أبي هريرة ﵁:
«من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة» .
فهذا الحديث صريح في اشتراط اليقين وهو يقيد تلك الأحاديث المطلقة الواردة في فضل كلمة التوحيد.
٣ - ٥ - قال العلامة القاري (١٠١٤هـ) في شرح هذا الحديث وتبعه العثماني (١٣٦٩هـ) واللفظ للأول: ((مستيقنًا بها)) أي بمضمون هذه الكلمة ((قلبه)) أي منشرحًا بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد....؛ وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق:
أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند الضرورة، أو عند الطلب، ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع؛ بل لا بد منهما....) .
٦ - قلت: ويؤكد ذلك حديث: (( ... «لا يلقى الله بهما عبد غير شاك» ... )) ؛ فهو نص صريح في أنه لا يكفي مجرد قولها باللسان؛ بل لا
стр. 153
بد من اليقين المنافي للظن والشك والتردد.
وأن هذا الحديث مقيد لتلك الأحاديث المطلقة الواردة في قول لا إله إلا الله، فلا حجة لأهل البدع في تلك الأحاديث المطلقة؛ لأن هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث التي ورد فيها قيود مع قول لا إله إلا الله تقيد تلك الأحاديث المطلقة.
الشرط الثالث: التصديق المنافي للتكذيب:
فلقد صرح علماء الحنفية باشتراط التصديق بمعنى كلمة التوحيد وأن المرء لا يكون مسلمًا عند الله بدون التصديق؛ وأنه لا يكفي مجرد قولها باللسان والإقرار بها بدون التصديق من عمق القلب.
١ - وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه من أهل السنة، فإن حقيقة الإيمان عندهم الإقرار باللسان والتصديق بالجنان بل يؤيده مذهب الحنفية الماتريدية المرجئة الجهمية المعطلة أيضًا.
٢ - فإن حقيقة الإيمان عندهم التصديق بالجنان فقط.
وأما الإقرار باللسان فهو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وليس شرطًا
стр. 154
لحقيقة الإيمان ولا ركنًا له.
فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن ناج عندهم.
مع أن الحق في هذا هو مذهب أهل الحديث وأهل السنة المحضة من أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
٣ - ومن أصرح الحجج، وأقوى البراهين التي استدل بها علماء الحنفية على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان حديث أنس ﵁.
«ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه على النار» .
٤ - ولعلماء الحنفية كلام في شرح هذا الحديث يؤكد ما سبق.
الشرط الرابع: الإخلاص المنافي للشرك والنفاق والرياء والسمعة:
فلا يصح توحيد الشخص وإقراره به والتظاهر بأنه موحد إلا إذا صدق
стр. 155
به بقلبه مخلصًا لله خائفًا من عقابه راغبًا في ثوابه راجيًا من الله الجنة وما أعده للموحدين من النعيم المقيم، وإلا يكون منافقًا مرائيًا مغرضًا من المغرضين ممرضًا من الممرضين.
١ - ولقد استدل علماء الحنفية على اشتراط الإخلاص بأدلة كثيرة منها قوله ﷺ في حديث محمود بن عتبان في قصة مالك بن دخشن ﵃:
«فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» .
وفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار» .
وفي لفظ: «ألا تقولونه: يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار» .
٢ - ولعلماء الحنفية كلام مهم في شرح هذا الحديث يفيد أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فقد برئ من النفاق؛ وأن هذا الحديث وأمثاله يفيد تلك الأحاديث الواردة في إطلاق القول ((لا إله إلا الله)) .
وأن هذه الأحاديث المقيدة مفسرة لتلك الأحاديث المطلقة.
٣ - وقد تقدم كلام العلامة الخجندي في أن من شروط كلمة التوحيد
стр. 156
- الإخلاص المنافي للشرك.
وسيأتي مزيد تحقيق وتفصيل لهذا الشرط إن شاء الله تعالى.
وبعد أن عرفنا أهمية أركان توحيد العبادة وشروط صحته ننتقل إلى الباب الآتي لنعرف جهود علماء الحنفية في تحقيق أن توحيد العبادة غير توحيد الربوبية، وإبطال قول القبورية باتحاد الربوبية والألوهية. وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *.
*****
стр. 157
الباب الثاني
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية من قولهم باتحاد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإبطال جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وبيان التعريف الصحيح للعبادة، وأركانها، وأنواعها، وشروط صحتها، وإبطال عقيدة القبورية في ذلك كله
وفيه أربعة فصول:
- الفصل الأول: في عرض عقيدة القبورية في القول باتحاد توحيد الربوبية والألوهية وجعلهم توحيد الربوبية الغاية.
- الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في القول باتحاد هذين التوحيدين وإبطال جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية.
- الفصل الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية التي تشبثوا بها للقول باتحاد هذين التوحيدين، وجعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وزعمهم أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخالقية والمالكية والربوبية والرازقية ونحوها.
- الفصل الرابع: في جهود علماء الحنفية في تعريف العبادة، وأركانها، وأنواعها، وشروط صحتها، وإبطال عقيدة القبورية في ذلك كله.
стр. 158
الفصل الأول
في عرض عقيدة القبورية في قولهم باتحاد توحيد الربوبية والألوهية وجعلهم توحيد الربوبية هو الغاية
لقد أصيبت القبورية بطامة كبرى، هي أم الطامات - فتولدت منها طامات أخرى، هي أكبر من أمها، في الضلال والفساد * والإضلال والإفساد *
وهي: جهلهم بحقيقة توحيد العبادة، وجعلهم إياه مترادفًا لتوحيد الربوبية، وعينه، وأنهما شيء واحد بلا تمييز ولا فرق كما أصيب بهذا الداء العضال خلطاؤهم المتكلمون من الماتريدية والأشعرية،
стр. 159
وهذه الطامة الكبرى التي هي أم الطامات المتولدة منها -:
أعني جهل القبورية بحقيقة توحيد الألوهية وجعلهم إياه عينًا لتوحيد الربوبية - هو السبب الوحيد لوقوعهم في أنواع من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها.
كما أوقع هذا الجهل خلطاءهم من الماتريدية والأشعرية أيضًا - في أنواع من الإشراك بالله من عبادة القبور وأصحابها.
وفيما يلي أذكر أم الطامات وأذكر الطامات المتولدة منها فأقول وبالله التوفيق:
١ - الطامة الأولى أم الطامات: تعتقد القبورية أن الألوهية بعينها هي الربوبية بدون فرق وتمييز بينها فهما متحدان لا مفهومان متغايران.
стр. 160
ويحسن أن أسوق بعض نصوص أئمة القبورية لتوضيح مقالتهم الفاسدة هذه:
١ - قال ابن جرجيس (١٢٩٩هـ) وتبعه السمنودي (بعد
стр. 161
١٣٢٦ هـ) ، واللفظ للأول:
(..... الرب والإله معناهما ومفادهما واحد....) .
٢ - ٣ - وقال: (إن الإله والرب واحد) و (إن الإله هو الرب) .
٤ - ٥ - وقال دحلان (١٣٠٤هـ) وتبعه السمنودي (المتوفى بعد
стр. 162
١٣٢٦ هـ) ، واللفظ للأول:
(وأما جعلهم التوحيد نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - فباطل أيضًا -؛ فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية ... ) .
٦ - ٧ - وقالا واللفظ أيضًا للأول:
(وقالوا: إن التوحيد نوعان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتوصلوا بذلك إلى تكفير المسلمين....، هؤلاء الملحدة المكفرة للمسلمين....) .
стр. 163
٨ - ١٠ - وقالا، وتبعهما الحداد (١٢٣٢هـ) ، واللفظ للأول:
(ومن المعلوم: أن من أقر بالربوبية، فقد أقر بالألوهية؛ إذ ليس الرب غير الإله، بل هو الإله بعينه) ، ١١ - ١٣ - وقالوا جميعًا واللفظ أيضًا للأول:
(فهل سمعتم أيها المسلمون في الأحاديث والسير:
أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب؛ ليسلموا على يده - يفصل لهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ ويخبرهم: أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم في الإسلام) .
١٤ - ١٥ - وقال الدجوي (١٣٦٥هـ) وتبعه ابن مرزوق، واللفظ
стр. 164
للأول:
(توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية:......، من ذا الذي فرق بينهما؟ ... ؛ إن صاحب هذا الرأي هو ابن تيمية الذي شاد بذكره؛ قال: إن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الألوهية؛ وهو إفراد الله بالعبادة؛ وأما توحيد الربوبية؛ وهو اعتقاد أن الله رب العالمين المتصرف في أمورهم؛ فلم يخالف فيه أحد من المشركين ... ؛ ثم قالوا:
إن الذين يتوسلون بالأنبياء ويتشفعون بهم؛ وينادونهم عند الشدائد - هم عابدون لهم، فقد كفروا بما كفر به عباد الأوثان والملائكة والمسيح سواء بسواء؛ فإنهم لم يكفروا باعتقادهم الربوبية في تلك الأوثان وما معها؛ بل بترك توحيد الألوهية - بعبادتها؛ وهذا ينطبق على زوار القبور المتوسلين بالأولياء؛ المنادين لهم، المستغيثين بهم؛
стр. 165
الطالبين منهم ما لا يقدر عليه غير الله؛ بل قال محمد بن عبد الوهاب:
إن كفرهم أشنع من كفر عباد الأوثان....؛ فنقول: قولهم: إن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - تقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، وغير معقول أيضًا ... ، وما كان رسول الله ﷺ يقول لأحد دخل في الإسلام: إن هناك توحيدين؛....، ولا سمع ذلك عن أحد من السلف الذين يتبجحون باتباعهم في كل شيء؛ ولا معنى لهذا التقسيم، فإن الإله الحق هو الرب الحق) .
وقال: (وإني أعجب من تفريقهم بين توحيد الألوهية والربوبية؛ وجعل المشركين موحدين توحيد الربوبية) .
١٦ - ١٧ - وقال القضاعي (١٧٣٦هـ) وابن مرزوق (؟) واللفظ
стр. 166
للأول:
(إن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود وفي الاعتقاد) ، ١٨ - ١٩ - وقالا: (( (إن لا رب سواه)) هو معنى ((لا إله إلا الله)) في قلوب جميع المسلمين) .
٢٠ - ٢١ - وقالا: (فالناطق بـ ((لا إله إلا الله)) معترف بالتوحيد لله في ألوهيته وربوبيته جميعًا، والقائل: ((ربي الله)) معترف بكلا التوحيدين جميعًا) .
٢٢ - ٢٣ - كما أنهما صرحا بأن توحيد الربوبية كاف للمرء في دخوله في الإسلام، وكاف له في النجاة.
٢٤ - وقال هذا القضاعي الداعي إلى الشرك طاعنًا في شيخ الإسلام * ببذاءة الكلام:
(لم يقتصر هذا الحراني على رمي زوار سيد المرسلين بالشرك؛ بل جرت به أوهامه إلى أن يرمي بالشرك جميع المسلمين..؛
стр. 167
وقسم التوحيد إلى قسمين:
توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ وقال: إن المقصود ببعثة الأنبياء إنما هو الثاني ... ) .
٢٥ - وقال هذا القضاعي الوثني أيضًا هاذيًا في أئمة الإسلام * ولا سيما شيخ الإسلام، ورميهم بدائه، محرفًا تلك الآيات الصريحة الناصعة على اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية:
(وقول هؤلاء المغرورين إن الكافرين الذين بعث لهم الرسل - كانوا قائلين بتوحيد الربوبية، وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر؛ وإنما كان شركهم بتعظيم غير الله بالسجود والاستغاثة به والنداء له، والنذر، والذبح له - إنما هو قول من لم يعرف ((التوحيد)) ولا ((الشرك)) ولا ((المعقول)) ولا ((المنقول)) ....، ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة) .
٢٦ - وعنون ابن مرزوق بقوله: (الإله هو الرب والرب هو
стр. 168
الإله) .
٢٧ - وله كلام فضح به نفسه ونال به من شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) * ومجدد الدعوة الإمام (١٢٠٦هـ) حاول فيه اتحاد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
٢٨ - وقال هذا المجهول المخذول:
(توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - الذي اخترعه ابن تيمية ... ؛ وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وزعم: أن هذا اعترف به المشركون؛ فكفر به جميع المسلمين،
стр. 169
وقلده فيه محمد بن عبد الوهاب، كما قلده في غيره) .
٢٩ - وقال محمد نوري رشيد النقشبندي الديرشوي (؟) :
(إن شر بدعة أحدثها السلفية - هي: بدعة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية....، وتوحيد الأسماء والصفات.
وليت شعري من ذلك السلف؟
بل أي دين سوى دين النصرانية ذلك الدين الذي يبث لله تعالى أقانيم ثلاثة؛ فاقتدى به هؤلاء السلفية، واتخذوه الدين الخالص والتوحيد المحض ... ؛ وفسر رئيس نحلتهم وإمام بدعتهم محمد بن عبد الوهاب الأنواع الثلاثة) .
٣٠ - وقال: (إن توحيدهم أشبه شيء بتثليث النصارى، إنهم يقولون: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات - إله واحد.
стр. 170
والنصارى يقولون: الأب، والابن، وروح القدس إله واحد) .
٣١ - وقال هذا النوري الوثني القبوري هاذيًا في شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) :
(توحيد الربوبية وهذا لا ينفي الكفر ولا يكفي؛ هذا قول ابن تيمية، وسنكتفي بالرد على قول ابن تيمية باعتباره الرئيس الأول للسلفية ومبدع بدعتهم) .
٣٢- وهكذا طول لسانه في أئمة الإسلام ولا سيما شيخ الإسلام ومجدد الدعوة الإمام (١٢٠٦هـ) وحاول إثبات اتحاد الربوبية والألوهية.
٢ - الطامة الثانية:- بناء على الطامة الأولى - إنكارهم لتقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية:
لقد أنكر القبورية تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية إنكارًا باتا قاطعا) ، وشنوا الغارات على أهل التوحيد في هذا الصدد، وشنعوا عليهم ورموهم بكلمات نابية وشتائم وسباب لا تصدر إلا عن الرعاع والأوباش؛ ووقعوا في أعراض أئمة الإسلام * أمثال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) ومجدد الدعوة الإمام الهمام (١٢٠٦هـ) .
стр. 171
وقد ذكرنا بعض نماذج من ذلك.
٣ - الطامة الثالثة: جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية العظمى لما سبق ولما يلي:
٤ - والطامة الرابعة: أن القبورية بسبب جهلهم بتوحيد العبادة - وجعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية - قالوا صراحة جهارًا نصا: إن توحيد الربوبية كاف لدخول المرء في الإسلام والنجاة.
وإن من اعترف بتوحيد الربوبية فقد اعترف بتوحيد الألوهية.
٥ - والطامة الخامسة: أنهم غيروا مفهوم الشرك وزعموا أنه لا يتحقق الشرك إلا إذا اعتقد في غير الله أنه رب مستقل بالتصرف والتأثير بنفسه.
٦ - والطامة السادسة: تحريفهم لمعنى العبادة حسب تبديلهم لمعنى الشرك.
стр. 172
٧ - والطامة السابعة: جعلهم المشركين السابقين مشركين في توحيد الخالقية والرازقية والربوبية والتدبير للكون، وأنهم اعتقدوا في آلهتهم التصرف بالاستقلال وأنها مستقلة بالتأثير.
وأن لها شرفًا ذاتيا واختيارًا وتدبيرًا.
٨ - الطامة الثامنة: تحريفهم لتلك الآيات الصريحة الناصة على أن المشركين كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية - تحريفًا معنويا قرمطيا -، ولهم في هذا التحريف القرمطي طرق عجيبة غريبة، كل هذه التحريفات لمحاولة إثبات أن المشركين لم يكونوا معترفين بربوبية الله تعالى.
وهكذا يفضح الله المحرفين المبطلين.
أقول: إن تحريفات هؤلاء القبورية لهذه الآيات لا شك أنها تحريفات قرمطية؛ ولكن المدعو بعلوي المالكي ارتكب تحريفًا لا إخاله أوحاه إليه مشائخه، وخلطاؤه الإنسية،
стр. 173
ولعله أخذ هذا التلبيس مباشرة من إبليس:
فقد صرح بأن المشركين لم يكونوا جادين في جميع تلك الاعترافات التي حكى الله عنهم في القرآن بربوبيته وخالقيته ومالكيته وتدبيره وجعلهم الآلهة شفعاء عند الله.
٩ - الطامة التاسعة: إنكارهم وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام إنكارًا قاطعًا باتا؛ وأن الشرك لم يقع في المستغيثين بأهل القبور، ويبررون كل ما يرتكبه القبورية من الإشراك الصريح من استغاثتهم بالأموات عند الكربات * وعبادتهم للقبور وأهلها بأنواع العبادات * بأن هذا ليس من قبيل الإشراك بالله سبحانه، *
ولا من باب عبادة غير الله؛ *
لأن الشرك والعبادة لا يتحققان إلا باعتقاد الربوبية لغيره تعالى والاستقلال بالنفع والضر والإيجاد والخلق ونفوذ المشيئة لا محالة والتأثيرات بالذات دون الحاجة إلى الغير فليس في المسلمين الموحدين المستغيثين بالصالحين شرك، وهم برآء من الشرك.
стр. 174
١٠ - الطامة العاشرة: وهي أكبر من أمها، فكيف بأخواتها فهي أشنع الطامات * وأبشع البليات *:
وهي ارتكاب القبورية أنواعًا من الإشراك برب البريات *
من دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الكربات والملمات *
وعبادتهم للقبور وأهلها أنواعًا من العبادات *
فقد وصلوا في الشرك إلى حد لم يصله أهل الجاهلية في الأيام الخاليات *
كما سيأتي تحقيقه بنصوص علماء الحنفية وأقوالهم القاطعات *
فقد حقق علماء الحنفية أن القبورية أعظم شركًا من أهل الوثنيات * وأنهم أعظم عبادة وخشوعًا وهيبة للأموات عند الكربات * منهم لخالق الكائنات في المساجد وفي الأسحار وغيرها من الأوقات * - ١١ - الطامة الحادية عشرة: تسمية القبورية أنفسهم موحدين مع إشراكهم.
من تلك الطامات التي تشعبت من الطامة الأولى الأم، والطامات التي بعدها:
من جهلهم بتوحيد الألوهية وجعله عين توحيد الربوبية، ثم تحريفهم مفهوم الشرك وتبديلهم معنى العبادة، ثم وقوعهم في الشرك الأكبر الذي يفوق إشراك الوثنية الأولى -
стр. 175
طامة أخرى:
وهي أن القبورية مع ارتكابهم الشرك الأكبر - يسمون أنفسهم موحدين مؤمنين.
١٢ - الطامة الثانية عشرة: أنهم يسمون - بعكس ذلك - أئمة التوحيد والسنة دعاة العقيدة السلفية - خوارج كلاب النار؛ ويتهمونهم بأنهم مكفرون جميع الأمة الإسلامية برمتها، وأنهم يكفرون المؤمنين الموحدين المستغيثين بالصالحين.
بل تصل القبورية إلى أبعد الحدود في الكذب والبهتان والبغي والظلم والافتراء والعدوان على أئمة التوحيد والسنة والإيمان؛ فيتهمونهم بأنهم كفروا الصحابة والتابعين وأتباعهم من الفقهاء والمحدثين؛ على طريقة أسلافهم الخوارج كلاب النار.
١٣ - الطامة الثالثة عشرة: تبرير إشراكهم بأنهم لا يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار التي لا منزلة لها عند الله تعالى بخلاف المشركين؛ ويقولون - في أئمة التوحيد والسنة الرادين عليهم -:
إنهم يعمدون إلى تلك الآيات التي نزلت في المشركين؛ فيحرفونها، ويحملونها على المؤمنين الموحدين المتوسلين المستغيثين بالأنبياء والأولياء؛
стр. 176
كما يحرفون الآيات التي نزلت في الأصنام؛ فيحملونها على الأنبياء والأولياء؛ فقاس هؤلاء الخوارج المكفرون للمؤمنين الموحدين المستغيثين بالصالحين - الاستغاثة بالأنبياء والأولياء عند الكربات *
والنذر لهم والذبح لهم وطلب الدعاء منهم عند الملمات *
على عبادة الأصنام والأحجار والأشجار التي لا مكانة لها عند الله؛ فظنوا أن كليهما إشراك بالله وعبادة لغير الله سبحانه.
مع أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه لا يصح قياس مؤمن موحد يستغيث بالأنبياء والأولياء ويناديهم وينذر لهم - على مشرك يعبد الأصنام والأحجار والتماثيل والأشجار التي لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ولا مكانة لها عند الله؛ كما لا يصح قياس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم - على عبادة الأصنام والأحجار * والأوثان والأشجار *؛ فأين هذا من ذاك؟ .
стр. 177
قلت: هذه ثلاث عشرة طامة - هي خلاصة عقيدة القبورية في جعل توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية بدون تفريق وتغائر، وجعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وبعد عرض عقيدة القبورية في قولهم باتحاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ننتقل إلى الفصل الآتي؛ لنعرف بعض جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية - في القول بعينية هذين التوحيدين، وجعلهم توحيد الربوبية هو الغاية؛ فأقول مستعينًا بالله العظيم:
****
стр. 178
الفصل الثاني
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة
القبورية باتحاد وتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية
لعلماء الحنفية جهود في الرد على عقيدة القبورية، وإبطال جعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية، وجعل توحيد الربوبية هو الغاية؛ ويحسن أن أعرض بعض جهود علماء الحنفية في الجواب عن جعل القبورية توحيد الربوبية هو الغاية، وإبطال عقيدتهم في جعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية في وجوه؛ ليكون كل وجه جوابًا عن قولهم وإبطالًا لعقيدتهم؛ فأقول وبالله التوفيق.
الوجوه: الأول إلى الثالث عشر:
لقد سبق أن ذكرت جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد الألوهية وعرضت كلامهم في ثلاثة عشر وجهًا؛ كلها تدل على الفروق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية وهذه الوجوه كل واحد منها برهان قاطع وسلطان باهر على أن توحيد الألوهية غير توحيد الربوبية وكل هذه الوجوه حجج ساطعة على أن المقصود الأعظم والغاية العظمى والهدف الأسمى والمطلب الأسنى الأعلى من خلق الجن والإنس، ومن إنزال الكتب وإرسال الرسل - هو توحيد العبادة المتضمن لتوحيد الربوبية.
стр. 179
فلا حاجة إلى إعادة تلك الوجوه هنا.
الوجه الرابع عشر:
أن الرب والإله مفهومان متغايران لغة؛ وليسا مترادفين حتى يكونا بمعنى واحد ويتحدا مفهومًا:
وفيما يلي كلام علماء اللغة من الحنفية:
أ- أما لفظ: ((الرب)) :
فهو ينبئ عن القيام بالشيء وإصلاحه، وحفظه، وتنميته، وكون الشيء مالكًا لآخر ومتصرفًا له وسيدًا له وسائسًا له، ومصلحًا، حافظًا وقائمًا بأموره.
ب- وأما لفظ: ((الإله)) :
فهو فعال بمعنى مفعول؛ أي ((مألوه)) بمعنى: ((معبود)) ؛ كإمام: بمعنى: مؤتم به:
من أله يأله إلهة وتألهًا:
أي: عبد يعبد عبادة وتعبدًا.
ومنه قول رؤبة بن العجاج (١٤٥هـ) :
لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي
стр. 180
أي: من تعبدي.
و ((المده)) جمع ((ماده)) كركع جمع راكع، من ((المده)) وهو المدح.
ومنه قراءة ابن عباس ﵄: ((ويذرك وإلهتك)) [الأعراف: ١٢٧] : أي: عبادتك.
قلت: لقد تبين من نصوص هؤلاء الحنفية من أهل اللغة:
أن ((الرب)) و ((الإله)) مفهومان متغايران لغة.
إذن لا يصح أن يكون ((الرب)) و ((الإله)) من المترادفات.
وأما تغايرهما اصطلاحا فبيانه في الوجه الآتي.
الوجه الخامس عشر:
أن: ((الإله)) و ((الرب)) مفهومان متغايران اصطلاحا كما أنهما متغايران لغة:
لقد تبين في الوجه السابق أن ((الرب)) و ((الإله)) مفهومان متغايران لغة؛ وأريد أن أذكر كلام الحنفية لتحقيق أنهما متغايران اصطلاحا أيضًا ليتبين أن جعل القبورية توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية باطل لغة واصطلاحًا:
أ- فأما ((الإله)) اصطلاحا فهو لا يختلف معناه عما كان معناه لغة؛
следующие страницы →