Полный текст (1 553 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] ، فضمير ياء المتكلم في قوله: يا عبادي يرجع إلى النبي ﷺ .
وقد علق عليه الشيخ حكيم الأمة بقوله: (إن القرينة أيضا تؤكد هذا المعنى؛ لأن الله تعالى قال بعده: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ، ولو كان ضمير ياء المتكلم في قوله: يا عبادي يرجع إلى الله تعالى- لكان المناسب أن يقول: لا تقنطوا من رحمتي ... ) .
١١ - وقد حكى الديوبندية عن شيخهم إمداد الله (١٣١٧هـ) أنه قال: ... لي انشراح الصدر في مسألة وحدة الوجود، وقالوا: إن الشيخ كان إذا تكلم في وحدة الوجود يطرأ على السامعين الاطمئنان والوجد.
قلت: هذا هو التصوف التقي النقي اللب الخالص من القشور كما تزعم الديوبندية!؟! نعم تصوف الديوبندية نقي خالص، ولكن عن توحيد الأنبياء والمرسلين * وعن سنة السلف الصالح أئمة هذا الدين*
المثال الثاني والعشرون: خرافة عجيبة غريبة ذكرها حكيم الأمة عن شيخ الديوبندية إمداد الله: أنه قال: (لما عرج برسول الله ﷺ والتقى بموسى ﵇؛ استفسره موسى ﵇، وقال: إنك قلت: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "!! ، كيف يصح هذا؟!؟
فحضر حجة الإسلام الغزالي، وسلّم بإضافة: " وبركاته
стр. 737
ومغفرته ".
فقال له موسى ﵇: ما هذا الطول أمام الأكابر "؟! فقال له الغزالي: إن الله تعالى قال لك: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه:١٧] ، فلمَ طولت في الجواب، وقلت: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] ؛ فقال النبي ﷺ للغزالي: " أدب يا غزالي ") ..
وقد علق على هذه الأسطورة حكيم أمة الديوبندية فقال: قوله: " أدب يا غزالي " يمكن أنه كشف لأحد الأكابر، وأن هذه المكالمة بين الغزالي وبين موسى في المعراج أيضا كشفت له لأن هناك اجتماع الأرواح وليس المراد المعراج الجسدي..) .
أقول: تفكّر أيها القارئ طالب الحق في هذه الأسطورة كم فيها من الطامات:
الطامة الأولى: نسبة حديث " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " إلى رسول الله ﷺ مع أنه حديث لا أصل له موضوع * باطل مختلق مصنوع *.
الطامة الثانية: تصرف روح الغزالي وقدرته إلى أن وصل إلى مجلس الأنبياء والمرسلين في السماوات العلى؟!؟
الطامة الثالثة: انهزام موسى ﵇. في المناظرة أمام الغزالي، وغلبة الغزالي على موسى ﵇!؟!
стр. 738
الطامة الرابعة: نسبة قول " أدب يا غزالي " إلى النبي ﷺ مع أنه ليس بكلام عربي فصيح، بل هو كلام ركيك عربية نحوية. والعبارة الفصيحة أن يقال: " الأدب أيها الغزالي ".
قلت: هذا كله من آفات التصوف النقي اللب الخالص من القشور الذي يدعيه الديوبندية؟!
المثال الثالث والعشرون: أسطورة الكلب الولي صاحب الكرامة:
قال الشيخ حكيم أمة الديوبندية عن شيخ الديوبندية إمداد الله (١٣١٧هـ) أنه قال: (كان الحضرة الجنيد البغدادي جالسا، فمر كلب أمامه، فوقع نظره عليه؛ فصار الكلب صاحب الكمال إلى حد تبعته كلاب تلك المدينة، ثم جلس ذلك الكلب في مكان، وجلست تلك الكلاب حوله كالحلقة، وانشغلت كلها في المراقبة) .
قلت: هذه حالة الكلب في الكمال والولاية والكرامة لأجل نظرة وقعت عليه من نظرات الجنيد؛ فما ظنك بإنسان وقعت عليه نظرة من نظراته؟!؟
المثال الرابع والعشرون: قول الديوبندية في قدرة الأولياء أحياء وأمواتا ومدهم لزوارهم:
١ - قال الشيخ نصر الدين الغورغشتوي إمام الديوبندية في مناطق بشاور وأفغانستان (١٣٨٨هـ) :
стр. 739
(إن للأولياء مددا ظاهرا بالغا لزوارهم بحسب أدبهم) .
٢ - قالوا: (إن للأولياء قدرة من الله تعالى إلى حد يستطيعون أن يقدروا على السهم المتدفق المرسل من القوس؛ فيردوه إلى القوس قبل أن يصل إلى الهدف، ويستطيعون أن يجعلوا " قل " [أي كن] بدل " لا تقل " [أي لا تكن] ، وأن هذا من الكرامات الحسية) .
٣ - قالوا: (إن شخصا صاحب الكشف أراد زيارة قبر الحافظ محمد ضامن رحمة الله عليه ليقرأ عليه سورة الفاتحة؛ فلما ذهب إلى قبره وقرأ عليه سورة الفاتحة، قال لرفقته: إن هذا الولي مزّاح عجيب إلى الغاية؛ لأنني حينما كنت أقرأ عليه سورة الفاتحة قال لي: اذهب إلى ميت فاقرأ عليه الفاتحة!!! ماذا تصنع ههنا؟!؟ جئت لتقرأ الفاتحة على الأحياء) !!!
يعني: أن هذا الولي يقول: أنا حي لا حاجة لي أن تقرأ عليّ الفاتحة، اذهب إلى ميت فاقرأ عليه!؟!
قلت: انظر أيها المسلم إلى قدرة هذا الولي المقبور الحي في قبره؛ حيث إنه قد سمع سورة الفاتحة وعلم بالزائر ثم كلمه ذلك الكلام الذي فيه سخرية ومزاح، وإخبار بأنه حي لا يحتاج إلى الفاتحة، وأن الفاتحة لا تقرأ إلى على ميت!؟!
стр. 740
ثم انظر إلى صاحب هذا الكشف الزائر وقدرته على سماع كلام المقبور، مع أنه لم يرد السفر إلى زيارة القبور؛ كما أنه لم يرد قراءة الفاتحة عليها.
ولكن كل ذلك من شؤم التصوف القبوري الذي يزعمون أنه نقي وتقي ولب خالص عن القشور!؟!
المثال الخامس والعشرون: أن شد الرحال إلى القبور والسفر والحج إليها من أفصح عقائد الديوبندية.
فقد تقدم عدة أقوال لهم في هذا الباب.
بل قالوا: إنه ينبغي أن يجرد الزائر نيته للسفر إلى قبر النبي ﷺ ويكون المسجد تابعا للقبر الشريف.
المثال السادس والعشرون: التبركات البدعية:
عند الديوبندية ولا سيما أئمتهم وأكابرهم عجائب وغرائب من التبركات البدعية، كل ذلك من ظواهر الصوفية ومظاهر القبورية.
وإليكم بعض النماذج من تلك التبركات البدعية:
١ - التبرك بختم كتاب " إحياء العلوم " للغزالي (٥٠٥هـ) .
قلت: هل يتبرك بكتاب صوفي قبوري خرافي؟!؟.
стр. 741
وللقبورية الصوفية شغف عظيم بهذا الكتاب، وهو مصحف من مصاحف الصوفية والقبورية جميعا؛ وقد حكوا عن الإمام النواوي رحمه الله تعالى (٦٧٦هـ) أنه قال: " كاد الإحياء أن يكون قرآنا ".
قلت: لم يحققوا ثبوت هذه المقالة على النووي وما أظنها إلا كذبا عليه.
٢ - التبرك بالمثنوي للرومي الحنفي (٦٧٢هـ) إمام الصوفية المولوية.
للديوبندية شغف بهذا المصحف وختمه والاحتفال به، وقد تهافت عليه القبورية الرومية والتركية والإيرانية والأفغانية والهندية تهافت الفراش على النار.
وقد سماه القبورية: " قرآنا بهلويا "؛ أي: القرآن الفارسي.
стр. 742
وقال الرومي نفسه في الثناء على كتابه المثنوي مضاهئا به القرآن: ( ... بأيدي سفرة كرام بررة* يمنعون أن لا يمسه إلا المطهرون * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... ) .
٣ -١١- التبركات بالحجرة النبوية والتبرك بالغلاف والتبرك بتمر المدينة النبوية والتبرك بنوى التمر والتبرك بتراب الحجرة الشريفة والتبرك بأقمشة المدينة وثيابها، بل التبرك بالزيت المحروق في الحجرة الشريفة والتبرك بإدخال الأطفال إلى الحجرة الشريفة.
١٢ -١٥-التبركات بقبر النبي ﷺ وموضع جلوسه، وما مسته يده الشريفة، وما مرت عليه قدمه ﷺ وكذا المنبر.
المثال السابع والعشرون: اهتمام الديوبندية بدلائل الخيرات للجزولي الخرافي (٨٦٣هـ) أو (٨٧٠هـ) .
درسا وقراءة ورواية وإجازة.
وهذه آية القبورية الواضحة الفاضحة.
стр. 743
المثال الثامن والعشرون: شغف الديوبندية بقصيدة البردة، للبوصيري (٦٩٦هـ) الخرافي القبوري الصوفي.
درسا وقراءة ورواية وإجازة وهي متوارثة عندهم.
وللقبورية عامة إعظام وإجلال لها وتبرك بها.
وقال الشيخ حسين أحمد أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٧٧هـ) في المقارنة بين أهل التوحيد الذين يسمونهم " الوهابية " وبين الديوبندية:
(إن الوهابية الخبيثة تستقبح جدّا قراءة دلائل الخيرات، والقصيدة البردية، والقصيدة الهمزية، ويجعلون بعض آيات قصيدة البردة من قبيل الشرك؛ كقول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
مع أن أئمتنا وأكابرنا كانوا يأمرون مريديهم بقراءة مثل هذه الكتب ويجيزونها؛ والشيخ محمد قاسم النانوتوي والشيخ الجنجوهي رحمهما الله أجازا قراءتها لآلاف من الناس، وكانا يقرآنها. وقد أنشد الشيخ محمد قاسم النانوتوي مثل هذا البيت الذي في قصيدة البردة فقال:
стр. 744
انصر أيها الكرم الأحمدي لأنه ليس لقاسم أحد سواك، فإذا أنت لم تسأل عن حالنا فمن يسأل، ومن يكون معينا لنا غيرك؟!؟) .
المثال التاسع والعشرون: إجلال الديوبندية للملاحدة الزنادقة الوجودية الإلحادية الاتحادية الحلولية؛ من الصوفية القبورية الوثنية؛ فقد قال الشيخ حسين أحمد صدر المدرسين بدار العلوم ديوبند وأحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٧٧هـ) في المقارنة بين أهل التوحيد الذين يسمونهم " الوهابية " وبين الديوبندية:
(إن الوهابية يطعنون في أئمة الطريقة أمثال الخواجة بهاء الدين نقشبند والخواجة معين الدين الجشتي وغوث الثقلين عبد القادر الجيلاني والشيخ الأكبر ابن عربي والشيخ عبد الوهاب الشعراني وغيرهم قدس الله أسرارهم أجمعين، ويسيئون الأدب في حقهم.
لكن أئمة الديوبندية يحبون هؤلاء ويعظمونهم، ويرون أن التوسل بمحبتهم وتعظيمهم مفيد إلى الغاية وضروري وباعث للبركات وموجب لرضا الله .
الحاصل: أنه لا علاقة لعقائد الوهابية بأكابر الديوبندية) .
المثال الثلاثون: أن التوسل بالصالحين أحياء وأمواتا، بل التوسل بأمثال ابن عربي الاتحادي الملحد الوجودي (٦٣٨هـ) والشعراني الوثني (٩٧٣هـ) من أعظم عقائد الديوبندية.
стр. 745
وقد جعلوا مسألة التوسل بالأحياء والأموات من المسائل التي امتازت الديوبندية بها عن الوهابية.
المثال الواحد والثلاثون: غلو الديوبندية في التقليد الأعمى إلى حد اعترفوا بأن الحق في مسألة كذا مذهب الشافعي. ولكن مقلدون يجب علينا تقليد إمامنا أبي حنيفة.
وقالوا: المنتقل من مذهب إلى آخر يستوجب التعزير ولو باجتهاد وبرهان.
قلت: هذا الغلو في التقليد هو في الحقيقة نوع من أنواع الشرك إذ هو من اتخاذ الأئمة أربابا من دون الله تعالى. وهذا النوع من الطاعة المطلقة لغير الله شرك بالله .
ومن هذا القبيل عدم تجويز إمام الفنجفيرية الانتقال من مذهب إلى آخر.
المثال الثاني والثلاثون: عقيدة الديوبندية في اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ:
قال القاضي الباني بتي (١٢٥٥هـ) شيخ الديوبندية والملقب عندهم ببيهقي الوقت، وتبعه الشيخ صفدر الديوبندي، واللفظ للأول:
(ومن هذا القبيل ما قيل: إنه قد ينكشف على بعض الأولياء في
стр. 746
بعض الأحيان اللوح المحفوظ: فينظرون فيه القضاء المبرم والمعلق ... ) .
المثال الثالث والثلاثون: خَلْعُ إمامِ الديوبندية * على الجيلاني خِلْعةَ الألوهية *
لقد وقفت على كفر بواح * وشرك صراح * لم أره عند الأولين* ولا عند الآخرين* من قبورية هذه الأمة الإسلامية* إلا عند مشركي الجاهلية * وهو أنّ إمداد إمام الديوبندية * قد نص على أنّ الجيلاني فاز بمرتبة الألوهية * حيث قال: (لقد تناظر رجلان فقال أحدهما: إنّ الشيخ معين الدين الجشتي رحمة الله عليه أفضلُ من الحضرة الغوث الأعظمِ [الجيلاني] قدس سره.
وقال الآخرُ: إنّ الحضرة الغوث المطهر [الجيلانيّ] أفضل من الشيخ [الجشتيّ] ؛ فقلت: لا ينبغي لنا أن نفضل بعض الأولياء على بعض، وإن كان الله تعالى قال: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
فقال [مُفَضِّلُ الجيلانيّ على الجشتيِّ] : لما قال الحضرة الغوث المطهر [الجيلانيُّ] : " قدمي على رقاب أولياء الله "-
стр. 747
قال الحضرة معين الدين [الجشتي] : " بل على عيني ".
فثبت أفضليةُ الغوث [الجيلانيِّ] [على الجشتيِّ] .
[قال إمداد الله إمام الديوبندية] فقلت: هذا يدل على أفضلية الحضرة معين الدين [الجشتيِّ] على الحضرة الغوث [الجيلانيِّ] ؛ لأن الحضرة الغوث [الجيلانيَّ] في ذلك الوقت كان في مرتبة " الألوهية " وكان الحضرة الشيخ [الجشتيّ] في مرتبة " العبودية ".
قلت: عن أن يكون معه أحد في مرتبة " الألوهية "!!!، والغوثية؟؟؟.
وأقول: ما كنت أظن أن الديوبندية قد وصلوا في خرافاتهم القبورية الصوفية إلى حد التنصيص على " ألوهية " الجيلاني.
ولكن تبين أن الديوبندية كمن قيل فيه:
"
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذ إنه عبد القفا واللهازم
" وأقول أيضا: قد كنت أسمع أن كتب الديوبندية مكتظة بالخرافات القبورية الصوفية، ولكن كنت أستنكر تلك الأخبار، وأستكبرها، وأستكثرها عليهم، وكنت أقول: لعلها كذب عليهم؛ لما عندهم من العلوم الجمة وتظاهرهم بالسنة؛ ثم لما أمعنت النظر في كتبهم- وجدت عندهم من الطامات القبورية والخزعبلات الصوفية ما لا يخطر بالبال، فكان الأمر كما قيل:
"
وأستنكر الأخبار قبل لقائه ... لما التقينا صدّق الخبرَ الخبرُ
"
هذه عدة أمثلة كقطرة من البحر أو حبة من الصبرة، ذكرتها لبيان أن الديوبندية قبورية إلا من شاء الله منهم.
стр. 748
فهل يشك أحد في قبوريتهم؟ وقد رأيتم تصوفهم النقي فما ظنكم بغير النقي؟!؟
"
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
"
وللتفصيل موضع آخر؛ "
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى ... به القلب لكن للمقال مواضع
"
وبعد هذا ننتقل إلى ذكر جهود علماء الحنفية* في الرد على هذه العقائد القبورية* والله المستعان * وعليه التكلان.
стр. 749
القسم الثاني
في جهود علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية في الصالحين
وفيه فصول ثلاثة:
- الفصل الأول: في جهود علماء الحنفية في إبطال الغلو إجمالا .
- الفصل الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية في حياة الأموات، وسماعهم نداء المستغيثين بهم عند الكربات.
- الفصل الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية بجعلهم النبي نورا لا بشرا.
стр. 750
الفصل الأول
في جهود علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية في الصالحين إجمالا
وفيه مطالب ثلاثة:
- المطلب الأول: في استدلال علماء الحنفية بالكتاب على إبطال غلو القبورية في الصالحين.
- المطلب الثاني: في استدلال علماء الحنفية بالسنة على إبطال غلو القبورية في الصالحين.
- المطلب الثالث: في نصوص علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية في الصالحين.
стр. 751
الفصل الأول
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين
لعلماء الحنفية جهود كثيرة في ذم الغلو وإبطاله وذم أهله، وقد صرحوا بأن الغلو في الصالحين هو من أعظم أسباب وقوع بني آدم في الشرك.
وعلماء الحنفية قد استدلوا في صدد إبطالهم الغلو بالكتاب والسنة. لذا أرى من المناسب أن أجعل هذا الفصل في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول:
في استدلال علماء الحنفية بالكتاب على إبطال الغلو في الصالحين.
المطلب الثاني:
في استدلال علماء الحنفية بالسنة على إبطال الغلو في الصالحين.
المطلب الثالث:
في نصوص علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين.
стр. 752
المطلب الأول
في استدلال علماء الحنفية بالكتاب على إبطال الغلو في الصالحين
لقد استدل علماء الحنفية بعدة آيات من آي الذكر الحكيم على إبطال الغلو في الصالحين، أكتفي بذكر آيتين منها مع تفسير الحنفية:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
قد استدل علماء الحنفية بهاتين الآيتين على إبطال الغلو في الصالحين وتقرير استدلالهم هو: أن الله تعالى قد بين: أن النصارى قد ضلوا بسبب أنهم قد غلوا في شأن عيسى ﵊.
حيث إنهم رفعوه فوق منزلته البشرية العبدية الرسولية إلى درجة الألوهية.
وأن اليهود قد ضلوا وأضلوا كثيرا من الناس عن التوحيد بسبب غلوهم في الدين وتجاوزهم الحدود في الشرع.
стр. 753
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية في تقرير استدلالهم بهاتين الآيتين:
١ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) في تفسير الآية الأولى:
(قال بعض أهل اللغة: " الغلو " مجاوزة القدر في الظلم، ويقال: " الغلو " أن تجاوز ما حد لك ... ، يعني: لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله بين المقصر والمغالي، وغلا في القول: إذا تجاوز الحد) .
ثم ذم ﵀ النصارى بسبب غلوهم في عيسى ﵇.
٢ - وقال ﵀ في تفسير الآية الثانية:
(يقول: لا تجاوزوا الحد، و" الغلو " هو الإفراط، والاعتداء، ويقال: لا تتعمقوا..) .
٣ -٦- وقال الزمخشري (٥٣٨ هـ) ، والنسفي (٧١٠ هـ) ، والعمادي (٩٨٣ هـ) ، والألوسي (١٢٧٠ هـ) ، واللفظ للأخير:
( ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ : أي لا تتجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى ﵊ عن رتبة الرسالة إلى ما تقولوا في حقه من العظمة، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما تنحلوه لها ﵍، ونهي لليهود- على تقدير دخولهم في الخطاب- عن وصفهم له ﵇، وكذا لأمة عن الرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام
стр. 754
الشنيع، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب، للإيمان إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن الغلو في دينهم، ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ : نصب على أنه صفة مصدر محذوف: " أي غلو غير الحق "، وتوصيفه به للتوكيد، فإن الغلو لا يكون إلا غير الحق على ما قاله الراغب..) .
٧ - وقال البروسوي (١١٣٧ هـ) في تفسير الآية الأولى:
(أي لا تجاوزوا الحد في دينكم بالإفراط في رفع شأن عيسى وادعاء ألوهيته، والغلو: مجاوزة الحد.
واعلم: أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حده غير مرضي، كما أن كثيرا من هذه الأمة غلوا في مذهبهم.
فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حتى ادعوا ألوهيته ... ) .
قلت: هذه كانت نصوص لهؤلاء العلماء من الحنفية في تفسير هاتين الآيتين، وهي كما ترى رد على اليهود والنصارى وإبطال لغلوهم.
كذلك رد على القبورية وإبطال لغلوهم في الصالحين ووصفهم بصفات رب العالمين.
стр. 755
وقد استدل كثير من علماء الحنفية بهاتين الآيتين وغيرهما على ذم الغلو وإبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين، وصرحوا بأن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الكفر والشرك وعبادة غير الله.
стр. 756
المطلب الثاني
في استدلال علماء الحنفية بالسنة على إبطال الغلو في الصالحين
لقد استدل علماء الحنفية بعدة أحاديث على إبطال الغلو في الصالحين وذم أهل الغلو، أذكر منها ثلاثة أحاديث مع أقوال الحنفية في شرحها:
الحديث الأول: قول النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» .
وقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على ذم الغلو.
الحديث الثاني:
قوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما»
стр. 757
«أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على ذم الغلو في الصالحين.
وذكروا: أن الإطراء هو المديح بالباطل والإفراط في المدح ومجاوزة الحد والكذب فيه. كما فعلته النصارى في شأن عيسى ﵇ حيث ادعت فيه الألوهية.
واستدلوا به على إبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين، وصرحوا بأن سبب وقوع القبورية في أنواع من الشرك إنما هو غلوهم في الصالحين.
الحديث الثالث:
قول النبي ﷺ ثلاثا: «هلك المتنطعون» .
стр. 758
وقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على ذم الغلو، وقالوا: إن المتنطع هو المتعمق المغالي في الكلام.
ولا شك أن القبورية من أعظم المتنطعين المغالين في الصالحين الناذرين لهم والمستغيثين بهم عند الكربات * والعابدين لهم بأنواع من العبادات *.
стр. 759
المطلب الثالث
في نصوص علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين وتحقيق علماء الحنفية أن الغلو من أعظم أسباب وقوع القبورية في أنواع من الشركيات
لقد ذكرت استدلال علماء الحنفية بالكتاب والسنة على إبطال عقيدة القبورية في الغلو في الصالحين.
وفي هذا المطلب أذكر عدة أقوال لعلماء الحنفية في الرد على غلو القبورية في الصالحين وتحقيق أن سبب وقوع القبورية في الشرك- هو غلوهم في الصالحين:
١ -٦- قال الإمام محمود الآلوسي (١١٧٠هـ) ، وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخ غلام الله الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن، والعلامة الرباطي، والعلامة الرستمي:
(وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج:٧٣] إلخ..- إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله ...
стр. 760
ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم..
وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف ...
قاتلهم الله. ما أجهلهم. وأكثر افتراءهم.
ومنهم من يزعم: أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد، أو غزال، أو نحوه ...
وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة * وكلام سلف الأمة* وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة: من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية) .
٧ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(وقد علمت: أن الذي أوقع المشركين السابقين في شبكة الشرك هو غلوهم في المخلوق، وإثبات خصائص الألوهية لغير الله سبحانه، كما هو ديدن غلاة زماننا، كالعراقي [ابن جرجيس] وأضرابه) .
٨ - وقال ﵀: (إن أريد بها [أي بالمبالغة في التعظيم]-
стр. 761
المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما- حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، واعتقاد: أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين* ويفرج كربات المكروبين* وأنه يشفع فيمن شاء * ويدخل الجنة من يشاء *-
فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين.
٩ - وقال ﵀: (ومن خصالهم [أي المشركين] الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء ... ، فاتخاذ أحبار الناس أربابا، يحللون ويحرمون ويتصرفون في الكون وينادون في رفع ضر أو جلب نفع- من جاهلية الكتابيين، ثم سرت إلى غيرهم من جاهلية العرب، ولهم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الغلاة في أهل القبور، فإنك ترى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه الذي ارتضاه متوغلين في البدع، تائهين في أودية الضلال الأشنع، معادين لكتاب الله والسنة ومن قام بهما، فأصبح الدين منهم في أنين* والإسلام في بلاء مبين*، والنبهاني له من ذلك الحظ الوافر ... والله المستعان) .
стр. 762
١٠ - وقال ﵀: (الثانية والأربعون: الغلو في الأنبياء، والرسل ﵈ ... والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة لنسر، وسواع، ويغوث، ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇ .
١١ - وقال ﵀: (وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح، ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية:
مثل أن يقول: يا سيدي فلان، انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال- فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل ... ) .
١١ - ومثله كلام للعلامة الخجندي ﵀ (١٣٧٩هـ) .
١٢ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) أيضا:
(إن من أعظم مكائد الشيطان على بني آدم قديما وحديثا- إدخال الشرك فيهم في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم بتغيير اسمه بالتوسل، والتشفع، ونحوه، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، والزنا زنا وإن سمي جماعا، والخمر خمر وإن سمي شرابا ...
стр. 763
ومن الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ... ، فلا أضل ممن دعا غير الله، وقد ثبت أن سبب كفر أكثر بني آدم وتركهم دينهم- هو الغلو في الصالحين، واتخاذهم شفعاء بدعائهم، وطلب رغبتهم والالتجاء إليهم، وهم أموات غافلون عنهم لا يقدرون ولا يسمعون لما طلبوه منهم وأرادوه) .
стр. 764
الفصل الثاني
في جهود علماء الحنفية في إبطال غلو القبورية في حياة الأموات وسماعهم نداء المستغيثين بهم عند الكربات
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في حياة الأموات ، وجعلها حياة دنيوية.
- المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في سماع الموتى نداء المستغيثين بهم عند النوازل.
- المبحث الثالث: في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية في حياة الأموات وسماعهم نداء المستغيثين بهم.
стр. 765
المبحث الأول
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في حياة الأموات حياة دنيوية
لقد سبق أن ذكرت: أن القبورية تعتقد أن الأموات من الصالحين ولا سيما الأنبياء والشهداء- أحياء في قبورهم حياة دنيوية جسدية، حسية، حقيقية، عنصرية، بل أعلى وأقوى من حياتهم الدنيوية، وقصدهم بذلك أن الأموات من الصالحين أحياءٌ يسمعون نداء المستغيثين بهم ويعلمون أحوال المستنجدين بهم، ليبرروا بهذا التمهيد الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات.
ولعلماء الحنفية نصوص ترد على عقيدة القبورية هذه، وحاصلها: أن الحياة البرزخية ثابتة لجميع الموتى، ولكن تلك الحياة تختلف عن الحياة الدنيوية لا تقاس عليها، فإن الحياة البرزخية لا تُحَسّ ولا تدرك بمشاعر الأحياء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .
١ - قال الإمام النسفي (٧١٠هـ) في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] : (لا تعلمون ذلك، لأن حياة الشهيد لا تعلم
стр. 766
حسا) .
٢ - وقال الإمام أبو السعود العمادي (٩٨٢هـ) :
(ولكن لا تشعرون بحياتهم، وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به المشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية، وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل، بل بالوحي) .
٣ - وقال الإمام أبو منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) :
(إن أرواح الشهداء في الغيب ... ) .
٤ - وقال الإمام الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١١٧٠هـ) :
(أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر، لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها، ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي) .
٥ - وقال ﵀: (وعندي: أن الحياة في البرزخ ثابتة لكل من يموت شهيد وغيره، وأن الأرواح- وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها- مغايرة لما يحس به من البدن، لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن الكثيف) .
٦ - وقال ﵀ أيضا: (وما يحكى من مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا منذ مئات السنين،
стр. 767
وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دما إذا رفعت العصابة عنها، فذلك مما رواه هيان بن بيان، وما هو إلا حديث خرافة * وكلام يشهد على مصدقية تقديم السخافة*) . قلت: الحاصل: أن الحياة البرزخية ليست من جنس الدنيوية، فللحياة الدنيوية أحكامها، كما أن للحياة البرزخية أحكامها، فلا تقاس الحياة البرزخية على الحياة الدنيوية البتة.
وأقول: لقد بطل بتصريح هؤلاء الأعلام من الحنفية جميع أباطيل القبورية وأساطيرهم من سماع الأموات نداء الأحياء، وعلمهم بأحوال المستغيثين بهم، وتصرف الأرواح في الكون، وتشكلها بأشكال مختلفة، وإتيانها إلى بيوت أهل الدنيا، وإتيان الموتى بالأجساد العنصرية المادية الدنيوية، وخروجها من القبور لإغاثة المستغيثين وإنجاد المستنجدين، إلى غير ذلك من وثنيات القبورية التي ذكرت بعض الأمثلة منها.
ولذلك قال الإمام الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد مبطلا مزاعم
стр. 768
القبورية الذين يزعمون أن الأرواح تتشكل وتأتي إلى بيوت أهل الدنيا وتنصر الأولياء، وتدمر الأعداء، ونقل كلامه كل من العلامتين: نعمان، وشكري، وشيخ القرآن، والشيخين الرباطي والرستمي:
(ومنهم [أي من القبورية الغلاة] من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم..، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله تعالى.. ما أجهلهم.. وأكثر افتراءهم..
ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم [أي أئمة القبورية] يقولون:
إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد، أو غزال، أو نحوه؛ وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة* وكلام سلف الأمة*، وقد أفسد هؤلاء [أي القبورية وعلماؤهم] على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذلك لأهل النحل والدهرية.
نسأل الله العفو والعافية) .
وقال ﵀ أيضا في إبطال قول من زعم: أن أرواح الأولياء
стр. 769
مدبرات لأمر هذا العالم، وتبعه حفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) واللفظ للجد:
(وفي حملها [أي في حمل ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ، [النازعات: ٥] على النفوس الفاضلة [أي أرواح الأولياء] المفارقة [بعد موتهم]- إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول: من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم: بنحو من شفاء المريض، وإنقاذ الغريق، والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد على معنى: أن الله تعالى فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء.
والكل جهل، وإن كان الثاني أشد جهلا ... ) .
قلت: الحاصل: أن الحياة البرزخية ليست حياة دنيوية، فلم يثبت أن الميت يتصرف في الأمور كما يتصرف الحي فيما تحت الأسباب.
فبطل زعم القبورية: أن الأولياء بعد موتهم يسمعون نداء المستغيثين بهم وأصوات المستنجدين بهم، وأنهم يغيثونهم، ويعلمون بحالهم، بحجة أنهم أحياء حياة دنيوية جسدية محسوسة، ولذلك قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(وكون الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكذا الخلص من عباد الله- أحياء في قبورهم حياة برزخية-
стр. 770
لا يقتضي أن يثبت لهم شيء من خصائص الإلهية، كما أن حياتهم الحقيقية لا تقتضي ذلك) .
وقال جده الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) في الرد على هؤلاء القبورية المعتقدين أن الأموات أحياء حياة دنيوية، المستغيثين بالأموات مبينا لهم: أن الأموات غافلون عن ندائهم:
(إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات، وغيرهم: مثل يا سيدي فلان.. أغثني..
وليس ذلك من التوسل المباح في شيء ...
واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وأن لا يحوم حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا، وإن لا يكنه [على سبيل الفرض] فهو قريب منه، ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد:
أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المغيب، يعلم الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير، ودفع الأذى، وإلا لما دعاه * ولا فتح فاه * وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله القوي الغني الفعال لما يريد، ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من: " «أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق ﵁: " قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من»
стр. 771
«هذا المنافق ". فجاءوا إليه فقال: " إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله تعالى» ".
لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور - الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه* والإصاخة إلى أهل ناديه*- أمر يجب اجتنابه * ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه*، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضي حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء، وفتنة منه ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به، فيظن: أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات ... هيهات..
стр. 772
إنما هو شيطان أضله وأغواه* وزين له هواه*، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام* ليضل عبدتها الطغام* وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ... ولقد ساء ما يحكمون....) .
قلت: الحاصل: أنه قد تبين من نصوص هؤلاء الأعلام من الحنفية أمور مهمة آتية، كلها تقضي على عقائد القبورية:
الأول: أن الحياة البرزخية ليست حياة دنيوية محسوسة.
الثاني: قياس الحياة البرزخية على الحياة الدنيوية باطل، لأنه قياس مع الفارق.
الثالث: أن عقيدة تصرف الأرواح وتشكلها بأشكال مختلفة من العقائد الخرافية والأباطيل والأساطير.
الرابع: أن عقيدة خروج الأرواح من القبور وإتيانها إلى أبواب أهل الدنيا ومناصرتها لأوليائها، وتدميرها لأعدائها، من أباطيل القبورية الوثنية.
الخامس: أن إتيان الموتى إلى الدنيا بأجسادها العنصرية لفصل القضاء، وغيره من المهمات ومناصرة الأولياء، وتدمير الأعداء- من أعظم أباطيل القبورية الوثنية وأساطيرهم الخرافية.
وأود أن أذكر ههنا نصين مهمين لعلماء الحنفية، لتكون فيهما عبرة للقبورية، ونكال للديوبندية:
الأول: قول الفقهاء الحنفية:
(إن من ظن: أن الميت ينصرف في الأمور دون الله، واعتقاده ذلك
стр. 773
كفر) .
والثاني: قول الفقهاء الحنفية أيضا: (من قال: أرواح المشائخ حاضرة تعلم يكفر) .
стр. 774
المبحث الثاني
في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في سماع الموتى نداء المستغيثين بهم عند النوازل
والكلام ههنا في مقامين:
المقام الأول: في عرض عقيدة القبورية في سماع الموتى.
١ - لقد اعتقد القبورية أن الموتى يسمعون كلام الأحياء ويسمعون نداء المستغيثين بهم.
٢ - ولقد سبق بعض نماذج من خرافاتهم في سماع الموتى سماعا واسعا.
٣ - وعلمهم الواسع بالمغيبات وبأحوال هذا الكون وبجميع ما في اللوح المحفوظ.
٤ - ونظرهم الواسع على الكون وعلى اللوح المحفوظ.
٥ - وقد صرحوا بأن الولي يصل إلى درجة يكون سمعه كسمع الله، وبصره كبصر الله، فلا تخفى عليه خافية كما لا تخفى على الله.
٦ - وقالوا: إن سمع الأولياء وبصرهم وعلمهم وإدراكهم أقوى مما
стр. 775
كان في حياتهم.
٧ - وإن الولي أقوى تصرفا وسمعا لأصوات العالم.
٨ - وإنه يسمع ما يقوله الزائر.
٩ - وقالوا: (إن الميت يمسع تسبيح نحو الحشيش الذي لا يدرك للأحياء بنص الأئمة الذين هم عمدة أهل الفتوى [أئمة القبورية ومفتوهم] ، كيف ينفي السماع عن صوت المنادي له (أي الميت) ... ؟) .
وقالوا: إن الميت يسمع قراءة القرآن حيث كانت القراءة.
وإنه يسمع سلام الأحياء عليه.
والميت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع، لأن العلم يستلزم السماع.
والأموات من المؤمنين يسمعون.
والأموات أحياء في قبورهم يسمعون من يخاطبهم.
١٠ - وقالوا: قد صح للأموات المؤمنين الحياة ولوازمها من السمع
следующие страницы →