← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8608

قواعد الأحكام في مصالح الأنام

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (489 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْحَوْلِ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ إلَّا فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ قِيمَةَ الْعُرُوضِ فِيهَا تُبَدَّلُ بِالْقِيمَةِ الْقَائِمَةِ بِأَثْمَانِهَا وَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِذَلِكَ تَقْدِيرًا لِاسْتِمْرَارِهَا كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ الْفُقَرَاءُ بِذَلِكَ. الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: جُبْرَانُ الْأَسْنَانِ مُسْتَثْنًى مِنْ قِيَاسِ الْجُبْرَانِ فَإِنَّ إبْدَالَهَا يَتَقَدَّرُ بِقِيمَتِهَا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَ ذَلِكَ لِعُسْرِ إحْضَارِ الْمُقَوِّمِينَ إلَى أَهْلِ الْبَوَادِي، وَلَمْ يَجِبْ فِيهَا ذَهَبٌ لِعِزَّتِهِ فِي الْبَوَادِي، وَالتَّقْدِيرُ بِالْخَرْصِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْخَطَأَ يُكْثِرُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمِيزَانِ وَالزَّرْعِ وَالْكَيْلِ وَالتَّقْوِيمِ، وَأَضْبَطُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ الْوَزْنُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِيمَا بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ، وَأَبْعَدُهَا الْخَرْصُ، لَكِنَّهُ جَازَ فِي الزَّكَاةِ وَالْمُسَاقَاةِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ الرُّطَبَ وَالْعِنَبَ إذَا بَدَا صَلَاحُهُمَا وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا خُرِصَ عَلَى الْمَالِكِينَ وَضَمِنُوا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ بِالْخَرْصِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ مَنَعُوا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَتَضَرَّرَ الْمُلَّاكُ وَالنَّاسُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَيْبَسَ وَيُقَدَّرَ بِالْمِكْيَالِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْخَرْصِ فِي الْمُسَاقَاةِ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ عَلَى الشُّرَكَاءِ الْأَكْلُ وَالتَّصَرُّفُ، وَإِذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ امْتَنَعَ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ وَذَلِكَ حَزْرٌ عَامٌّ دُونَ عُمُومِ ضَرَرِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ هَهُنَا يَتَصَرَّفَانِ فِيهِ بِالرِّضَا وَإِنْ لَمْ يُخْرَصْ، وَالْفُقَرَاءُ يَتَعَذَّرُ رِضَاهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَعَيَّنُونَ. الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ أَمْثِلَةِ مُسْتَثْنَيَاتِ الْعِبَادَاتِ: لَا زَكَاةَ فِيمَا نَقَصَ مِنْ النَّعَمِ عَنْ النِّصَابِ إلَّا فِي الْخُلْطَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَلَوْ تَخَالَطَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا بِأَرْبَعِينَ شَاةً أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا بِأَرْبَعِينَ شَاةً لَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الزَّكَاةَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ شَاةً أَوْ نِصْفَ شَاةٍ مَعَ كَوْنِهِ مَالًا نَزْرًا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ النُّصُبُ لِيَكُونَ الْمَالُ مُحْتَمِلًا لِلْمُوَاسَاةِ فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ الزَّكَاةَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ وَالْقُرَى وَالْبَسَاتِينِ

стр. 422

وَالدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ مَا يُسَاوِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ لِاحْتِمَالِ مَالِهِ لِلْمُوَاسَاةِ؟ وَكَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَى هَذَا الزَّكَاةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الضَّعِيفِ ذِي الْعِيَالِ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ فِي جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي صُورَةِ الْخُلْطَةِ؟ قُلْت إنْ اشْتَمَلَتْ قُرَاهُ وَبَسَاتِينُهُ عَلَى الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ مِنْ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالزَّرْعِ كَانَتْ زَكَاتُهَا مُجْزِيَةً عَنْ زَكَاةِ رِقَابِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَالٌ زَكَوِيٌّ، فَإِنَّ ثِمَارَ بَسَاتِينِهَا تُبَاعُ بِالنُّقُودِ فِي الْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ تُؤَجَّرُ أَرَاضِيهَا بِالنُّقُودِ فِي الْغَالِبِ فَإِنْ بَقِيَتْ نَقُودُهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَامَتْ زَكَاةُ النُّقُودِ مَقَامَ زَكَاةِ رِقَابِهَا، وَإِنْ اتَّجَرَ فِي نَقُدْهَا قَامَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ مَقَامَ زَكَاةِ النَّقْدِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي إيجَارِ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ. وَكَذَلِكَ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي زَكَاةِ الْخَيْلِ. وَأَمَّا الْجَوَاهِرُ فِي الْغَالِبِ أَنَّهَا لَا تُقْتَنَى بَلْ يُتَّجَرُ فِيهَا وَلَا يَدَّخِرُهَا إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَّا اقْتِنَاءُ الْمُلُوكِ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا زَكَاةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُلُوكُ فُقَرَاءُ وَلَيْسُوا بِأَغْنِيَاءَ بِسَبَبِ مَا حَازُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنْفُسِهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّوهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا اشْتَرَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ: فَإِنْ اشْتَرَوْهُ بِعَيْنِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَمْلِكُوهُ، وَإِنْ اشْتَرَوْا فِي ذِمَّتِهِمْ وَنَقَدُوا ثَمَنَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَانَتْ أَثْمَانُهُ دَيْنًا عَلَيْهِمْ. وَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَدِينِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ خَالَفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَوَاهِرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْبِحَارِ. الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ: لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَتَثْبُتُ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ بِخَبَرِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَثْبُتُ شَوَّالٌ إلَّا بِعَدْلَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ رَمَضَانُ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ يَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ الْكَذِبُ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَاحْتِيَاطًا لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا، فَلَا تُخَالَفُ قَوَاعِدُ النِّيَّاتِ لِأَجْلِهِ مَعَ نُدْرَتِهِ.

стр. 423

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْعِرْفَانِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّمْجِيدِ وَالْأَذَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهَا تَعْظِيمُ الْإِلَهِ، وَلَيْسَ الْمُنِيبُ مُعْظَمًا بِتَعْظِيمِ النِّيَابَةِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي حَقِّ الْعَاجِزِينَ إمَّا بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْهَرَمِ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ فِي نُسُكِ النِّيَابَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنُّسُكِ، وَقَدْ يَجُوزُ بِالتَّبَعِيَّةِ مَا لَا يَجُوزُ بِالْأَصَالَةِ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ أُلْحِقَ الِاعْتِكَافُ بِالصِّيَامِ، وَفِيهِ بُعْدٌ إذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ نَوَى التَّنَفُّلَ بِعِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ لَمْ يَنْقَلِبْ تَنَفُّلُهُ فَرْضًا إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ اسْتَنَابَ فِي عَمَلٍ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَعَمَلُهُ نَاوِيًا بِهِ مُسْتَنِيبَهُ وَقَعَ لِمُسْتَنِيبِهِ إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ الْمُسْتَأْخِرَة فِي النُّسُكَيْنِ عَلَى الذِّمَّةِ إذَا نَوَى النُّسُكَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا عَنْ مُسْتَنِيبِهِ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: إبْهَامُ النِّيَّةِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ بَدَنِيَّتَيْنِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ. فَإِنَّ إبْهَامَهُ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ ثُمَّ يَصْرِفُهُ الْمُحْرِمُ إلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَيَصِحُّ إبْهَامُ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمَا الْمَالِيَّةُ كَالدُّيُونِ. الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ عَلَّقَ إحْرَامَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى إحْرَامِ غَيْرِهِ مِثْلُ أَنْ قَالَ صَلَّيْت صَلَاةً كَصَلَاةِ فُلَانٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ، فَإِذَا عَلَّقَ إحْرَامَهُ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ غَيْرُهُ فَإِنَّ إحْرَامَهُ يَنْعَقِدُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ شَاعِرٍ بِهِ.

стр. 424

الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: خُرُوجُ وَقْتِ الْعِبَادَةِ الْمُقَدَّرُ يَجْعَلُهَا قَضَاءً خَطَأً كَانَ خُرُوجُهُ أَمْ عَمْدًا إلَّا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَفِي غَلَطِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ أَدَاءً: أَمَّا فِي الْجَمْعِ فَلِعُذْرِ السَّفَرِ. وَأَمَّا فِي الْعِيدِ فَلِرُتْبَةِ فَوَاتِ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَلِلضَّرَرِ الْعَامِّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الْأَدَاءِ. الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ أَفْسَدَ الْعِبَادَةَ بَطَلَ انْعِقَادُهَا وَوَصْفُهَا إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ إذَا أَفْسَدَهُمَا بِالْجِمَاعِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ وَصْفُهُمَا وَهُوَ الصِّحَّةُ وَلَا يَبْطُلُ انْعِقَادُهُمَا، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا كَانَ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ قَبْلَ الْإِفْسَادِ، وَلَيْسَ إمْسَاكُ الصَّائِمِ إذَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَفْسَدَةَ النُّسُكِ مُسْتَمِرَّةٌ فِي عِبَادَةٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَاتُ مَحْظُورَاتِهَا إذَا ارْتَكَبَهَا، وَلَوْ جَامَعَ الْمُمْسِكُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ لَمَا لَزِمَهُ كَفَّارَةُ جِمَاعِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَوْمٍ مُنْعَقِدٍ إنَّمَا هُوَ مُتَشَبِّهٌ بِالصَّائِمِينَ. الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: فَوَاتُ الْعِبَادَاتِ مُوجِبٌ لِقَضَائِهَا غَيْرُ نَاقِلٍ لِعِبَادَةٍ أُخْرَى إلَّا الْحَجَّ، فَإِنَّ مَنْ فَاتَهُ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ثُمَّ الْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ. الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: لَيْسَ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا إلَّا تَحْلِيلٌ وَاحِدٌ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِالتَّسْلِيمِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُ مِنْهُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى اخْتِيَارِهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ النَّهَارِ، وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ تَارَةً بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ كَالصَّوْمِ وَتَارَةً بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ خُرُوجَ أَحَدِهِمَا بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي بِالتَّحَلُّلِ الثَّانِي. الْمِثَالُ الْأَرْبَعُونَ: تَرْتَفِعُ أَحْكَامُ الْعِبَادَاتِ بِمَوْتِ الْعَابِدِ إلَّا فِي النُّسُكَيْنِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ لَمْ يَجُزْ تَخْمِيرُ رَأْسِهِ وَلَا سَتْرُ بَدَنِهِ بِالْمَخِيطِ وَلَا تَطْيِيبُهُ

стр. 425

وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَكْلِيفٌ لِمَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ. وَفِي ارْتِفَاعِ الْإِحْدَادِ بِمَوْتِ الْمُعْتَدَّةِ خِلَافٌ. الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا رُكُوبَ الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ لِلْفُقَرَاءِ، وَدَرْءِ الْفَاضِلِ عَنْ وَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ قَدْرُ الزَّكَاةِ مِنْ النَّعَمِ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ. الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: مَنْ نَذَرَ قُرْبَةً لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِمَا نَذَرَ إلَّا نَذْرَ اللَّجَاجِ فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْمُلْتَزِمَ بِالنَّذْرِ حَاثًّا عَلَى الْفِعْلِ أَوْ زَاجِرًا عَنْهُ أَشْبَهَ الْيَمِينَ فَيَتَخَيَّرُ عَلَى قَوْلٍ بَيْنَ الْقِيَامِ بِمَا نَذَرَهُ، وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ، وَتَتَعَيَّنُ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ، لِقَوْلِهِ ﵇: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَحَجَّ رَاكِبًا أَوْ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا فَحَجَّ مَاشِيًا فَقَدْ بَنَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْمَشْيُ أَوْ الرُّكُوبُ وَبَرَّأَهُ بِالْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَبْرَأُ مِنْ الْفَاضِلِ مِنْهُمَا عَنْ الْمَفْضُولِ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَا يُجَانِسُ الرُّكُوبَ. وَأَمَّا مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّدَ رِضَا الْمُتَصَرِّفِ وَالْعَامِلِ وَرِضَا نَائِبِهِمَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَتَصَرَّفُ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَابِلَةِ لِلنِّيَابَةِ مَعَ غَيْبَتِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ إيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَنَفْعًا لِلْمُمْتَنِعِ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ الْحَقِّ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ بِأُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا الرِّضَا مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْإِنْسَانُ

стр. 426

كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ، أَمَّا مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ اللَّفْظِ عُرْفٌ تَعَيَّنَ اللَّفْظُ، إلَّا فِيمَنْ خَرِسَ لِسَانُهُ وَتَعَذَّرَ بَيَانُهُ فَإِنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ لَفْظِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، إذْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ وَلَا خَلَاصَ مِنْهُ. وَفِي إقَامَةِ الْكِتَابَةِ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي حَقِّ النَّاطِقِ اخْتِلَافٌ، وَإِنْ حَصَلَ عُرْفٌ دَالٌّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَالْمُعَاطَاةِ فِي مُحَقَّرَاتِ الْبِيَاعَاتِ وَاسْتِعْمَالِ الصُّنَّاعِ، وَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ إلَى الضَّيْفَانِ، فَفِي إقَامَةِ الْعُرْفِ مَقَامَ اللَّفْظِ خِلَافٌ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا عَلَى الْمَقْصُودِ، فَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَوْ الِاعْتِقَادُ أَوْ ظَنٌّ قَوِيٌّ يَرْبَى عَلَى الظَّنِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أُقِيمَ ذَلِكَ مَقَامَ اللَّفْظِ لِقُوَّةِ دَلَالَةِ الْعُرْفِ وَإِطْرَادِهِ، وَكَذَلِكَ كَدُخُولِ الْحَمَّامَاتِ وَالْقَيَاسِيرِ وَالْحَانَاتِ وَدُورِ الْقُضَاةِ وَالْوِلَايَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ فِيهَا بِالْجُلُوسِ لِلْخُصُومَاتِ وَالْحُكُومَاتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا لِذَلِكَ نَظَائِرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ عُرْفٌ وَلَا كِتَابَةٌ تَعَيَّنَ اللَّفْظُ كَمَا فِي الْأَنْكِحَةِ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَسْتَقِلُّ أَحَدٌ بِالتَّمَلُّكِ وَالتَّمْلِيكِ، وَهَلْ يَقُومُ أَحَدٌ مَقَامَ اثْنَيْنِ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ. أَحَدُهَا: الْأَبُ يَسْتَقِلُّ بِبَيْعِ مَالِ ابْنِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَبِبَيْعِ مَالِ نَفْسِهِ مِنْ ابْنِهِ. وَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ يَسْتَقِلُّ بِتَمْلِيكِ مَالِ ابْنِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَبِتَمْلِيكِ مَالِ ابْنِهِ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يُفْتَقَرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِيَأْتِيَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ، وَالثَّانِي لَا، لِتَحَقُّقِ الرِّضَا فَإِذَا أَتَى بِأَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ لِقُوَّةِ الْوِلَايَةِ، وَإِنْ زَوَّجَ الْجَدُّ بِنْتَ ابْنِهِ ابْنَ ابْنِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، مَأْخَذُهُ إنْ تَوَلِّيَ الْأَبِ لِطَرَفَيْ الْبَيْعِ كَانَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ أَوْ لِقُوَّةِ الْوِلَايَةِ. الْمِثَالُ الثَّانِي: اسْتِقْلَالُ الشَّفِيعِ بِأَخْذِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ بِهِ بِبَذْلِ الثَّمَنِ وَهَذَا اسْتِقْلَالٌ بِالتَّمَلُّكِ وَالتَّمْلِيكِ.

стр. 427

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا ظَفِرَ الْإِنْسَانُ بِجِنْسِ حَقِّهِ بِمَالٍ مَنْ ظَلَمَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ أَقَامَهُ مَقَامَ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ وَبَيْعُهُ ثُمَّ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَقَدْ قَامَ فِي قَبْضِهِ مَقَامَ قَابِضٍ وَمُقْبِضٍ، وَقَامَ فِي بَيْعِهِ مَقَامَ وَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ، وَقَامَ فِي أَخْذِ حَقِّهِ مَقَامَ قَابِضٍ وَمِقْبَضٍ فَهَذِهِ ثَلَاثُ تَصَرُّفَاتٍ أَقَامَهُ الشَّرْعُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَقَامَ اثْنَيْنِ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ: الْمُضْطَرُّ فِي الْمَخْمَصَةِ إذَا وَجَدَ طَعَامَ أَجْنَبِيٍّ أَكَلَهُ بِقِيمَتِهِ، وَقَدْ أَقَامَهُ الشَّرْعُ مَقَامَ مُقْرِضٍ وَمُقْتَرِضٍ لِضَرُورَتِهِ. الْمِثَالُ الْخَامِسُ: اسْتِقْلَالُ الْمُلْتَقِطِ بِتَمْلِيكِ اللُّقَطَةِ إقَامَةً لَهُ مَقَامَ مُقْتَرِضٍ وَمُقْرِضٍ. الْمِثَالُ السَّادِسُ: اسْتِقْلَالُ الْقَاتِلِ بِمِلْكِ سَلَبَ الْقَتِيلِ، وَاسْتِقْلَالُ السَّارِقِ بِمِلْكِ مَا سَرَقَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، إذْ لَا حُرْمَةَ لِأَمْوَالِهِمْ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا رِضَاهُمْ. وَكَذَلِكَ اسْتِقْلَالُ الْجُنْدِ بِتَمْلِيكِ الْغَنِيمَةِ، وَكَذَلِكَ اسْتِقْلَالُهُمْ بِأَكْلِ أَقْوَاتِهِمْ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ وَعَلَفِ دَوَابِّهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ. الْمِثَالُ السَّابِعُ: اسْتِقْلَالُ كُلِّ فَاسِخٍ بِاسْتِرْدَادِ مَا بَذَلَهُ وَبِتَمْلِيكِ مَا اسْتَبْدَلَهُ. الْمِثَالُ الثَّامِنُ: اسْتِقْلَالُ الْإِمَامِ بِإِرْقَاقِ رِجَالِ الْمُشْرِكِينَ. الْمِثَالُ الثَّانِي: مِنْ أَمْثِلَةِ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحَّانِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ الرِّضَا وَالْإِبْرَاءِ مَعَ الْجَهَالَةِ بِالرِّضَا وَالْمُبَرَّأِ مِنْهُ، كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ الْإِرَادَةِ

стр. 428

إلَّا إلَى مَعْلُومٍ أَوْ مَظْنُونٍ: فَمَنْ أَبْرَأُ مِمَّا لَا يُعْلَمُ جِنْسُهُ أَوْ قَدْرُهُ بَرِئَ الْمُبَرَّأُ مِنْ الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ مِنْهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْمَجْهُولِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَنْ بَرَّأَهُ مِنْ الْمَجْهُولِ كَانَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ الرِّضَا، وَلِأَجْلِ قَاعِدَةِ اعْتِبَارِ نَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ إلَى مَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَإِلَى مَا لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إلَّا مَشَقَّةً خَفِيفَةً وَإِلَى مَا بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ مِنْ الْمَشَاقِّ عَفَا الشَّرْعُ عَنْ بَيْعِ مَا اشْتَدَّتْ مَشَقَّتُهُ: كَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَأَسَاسِ الدَّارِ الْمَدْفُونِ فِي الْأَرْضِ وَبَاطِنِ الصَّبْرِ مِنْ الطَّعَامِ، وَبَاطِنِ مَا فِي الْأَوَانِي مِنْ الْمَائِعَاتِ، وَاجْتَزَأَ فِيهِ بِالرِّضَا فِيمَا عَلِمَهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْأَوْصَافِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الرِّضَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ. وَأَمَّا مَا خَفَّتْ مَشَقَّتُهُ: كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ، وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ، وَكَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَهَذَا لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَهُ إذْ لَا يَعْسُرُ اجْتِنَابُهُ. وَأَمَّا مَا يَقَعُ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ: كَبَيْعِ الْغَائِبِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرَيْهِمَا وَالْمِسْكِ فِي فَأْرَتِهِ وَالْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَاللَّبَنِ فِي ضَرْعِهِ فَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكُلَّمَا خَفَّتْ الْمَشَقَّةُ فِي اجْتِنَابِهِ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُحْتَمَلَ فِي الْعَقْدِ لِاضْطِرَابِ الرِّضَا فِيهِ، وَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي اجْتِنَابِهِ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُحْتَمَلَ فِي الْعَقْدِ لِاطِّرَادِ الرِّضَا فِيهِ وَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي احْتِمَالِهِ كَانَ أَوْلَى بِتَحَمُّلِهِ. وَالْغَرَرُ تَارَةً يَكُونُ فِي الصِّفَاتِ: كَبَيْعِ الْغَائِبِ الْمُسْتَقْصَى الْأَوْصَافِ فَإِنَّ الْغَرَرَ بَاقٍ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ ذَكَرَهَا مُرَدَّدَةٌ بَيْنَ الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا وَالرُّتْبَةِ الدُّنْيَا وَالرُّتَبُ الْمُتَوَسِّطَاتُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَتَتَفَاوَتُ الْقِيَمُ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَتَارَةً يَكُونُ الْغَرَرُ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ فَهَذَا غَرَرٌ لَا حَاجَةَ إلَى تَحَمُّلِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ فَإِنَّهُ عَلَى غَرَرٍ مِنْ تَعَيُّنِ الصَّاعِ مُشْبِهٌ مَا لَوْ أَشَارَ إلَى صَاعَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ فَقَالَ بِعْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الصَّاعَيْنِ، وَإِلَّا أَنَّ فِي بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صَاعَيْنِ غَرَرٌ لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ

стр. 429

إيقَاعُ الْمَبِيعِ عَلَى عَيْنِ أَحَدِ الصَّاعَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الْبَيْعِ عَلَى صَاعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الصُّبْرَةِ، وَلَوْ شُرِطَ فَصْلُ الصَّاعِ مِنْ الصُّبْرَةِ، لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا لَأَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ فِي فَصْلِهِ مِنْ الصُّبْرَةِ، وَقَدْ لَا يَنْفَعُ الْبَيْعُ بَعْدَ فَصْلِهِ أَوْ يُتَّفَقُ ثُمَّ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَيُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ فِي الْفَصْلِ وَإِلَى مَشَقَّةٍ فِي الرَّدِّ إلَى الصُّبْرَةِ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ بَاعَ صُبْرَةً مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا صَاعًا فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ؟ قُلْنَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالْكَيْلِ وَلَا بِتَخْمِينِ الْعِيَانِ، فَإِنَّ الْعِيَانَ لَا يُخَمِّنُ الْمَقَادِيرَ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ التَّقْدِيرُ الْحَقِيقِيُّ وَالتَّخْمِينِيُّ فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِتَقْدِيرِهَا وَتَخْمِينِهَا غَرَرٌ لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الْغَرَرُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ عَلَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ كَالْفَرَسِ الْعَاثِرِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ فَهَذَا غَرَرٌ عَظِيمٌ فِي الْمَقْصُودِ وَأَوْصَافِهِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْجَمَلِ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْمَالِيَّةِ إذْ لَا ثِقَةَ بِحَيَاتِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا بِبَقَائِهِ وَسَلَامَتِهِ، وَلِأَنَّ الْجَمَلَ يَتَزَايَدُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ تَزَايُدًا لَا ضَبْطَ لَهُ، فَيُشْبِهُ مَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَشَرَطَ نَفَقَتَهُ عَلَى الْبَائِعِ فِي مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الْغَرَرُ فِي سَلَامَةِ الْمَبِيعِ كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَلَهُ عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا ثِقَةَ بِسَلَامَتِهِ لِكَثْرَةِ الْحَوَائِجِ، وَالثَّانِيَةُ اغْتِذَاؤُهُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمَا يَمْتَصُّهُ وَيَجْتَذِبُهُ مِنْ شَجَرَاتِهِ إلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ جَازَ بَيْعُهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مَعَ أَنَّهُ يَمْتَدُّ بِمَا يَمُصُّهُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ إلَى أَوَانِ جِذَاذِهِ؟ قُلْنَا: هَذَا نَزْرٌ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى أَكْلِهِ وَبَيْعِهِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَى النَّاسِ أَكْلُ الثِّمَارِ الرَّطْبَةِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَامٌّ لَمْ تَرِدْ الشَّرِيعَةُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْغَرَرُ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ: كَمَا لَوْ بَاعَ صُبْرَةً عَلَى أَرْضٍ غَيْرِ مُسْتَوِيَةٍ فَقَدْ

стр. 430

نَزَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ وَجَعَلَ الْجَهْلَ بِالْمِقْدَارِ كَالْجَهْلِ بِالْوَصْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ الْعَقْدَ هَهُنَا لِعِظَمِ الْغَرَرِ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالْوَصْفِ وَالْمَوْصُوفِ أَعْظَمُ مِنْ الْجَهْلِ بِالْوَصْفِ عَلَى حِيَالِهِ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: الْإِقْبَاضُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقْبُوضِ، فَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَتَخْلِيَتُهُ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ أَخْذِهِ قَبْضٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَقَبَضَهُ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ ثُمَّ نَقَلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّ قَبْضَهُ بِنَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ عَامٍّ أَوْ مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الثِّمَارُ عَلَى الْأَشْجَارِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ قَبْضَهَا بِتَخْلِيَتِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى بَيْعِهِ لِيَأْكُلَهَا النَّاسُ رَطْبَةً. الْمِثَالُ الرَّابِعُ: إذَا شُرِطَ فِي الْبَيْعِ قَطْعُ الْمِلْكِ بَطَلَ الْبَيْعُ إلَّا إذَا شُرِطَ قَطْعُهُ بِالْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ لِشِدَّةِ اهْتِمَامِ الشَّرْعِ بِالْعِتْقِ، وَلِذَلِكَ كَمُلَ مُبْعِضُهُ وَسَرَاهُ إلَى أَنْصِبَاءِ الشُّرَكَاءِ، وَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ حُصُولُ ثَمَرَاتِ الْعِتْقِ لِلْمُشْتَرِي فِي الدُّنْيَا بِالْوَلَاءِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْإِعْتَاقِ مِنْ النَّارِ، وَيَكُونُ الثَّوَابُ ثَوَابَ التَّسَبُّبِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ فَإِنَّهُ تَسَبُّبٌ إلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِلَى تَحْصِيلِ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ النَّارِ، وَلَوْ شُرِطَ قَطْعُ الْمِلْكِ بِالْوَقْفِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ فِعْلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَرْبَى عَلَى مَصْلَحَةِ الْعِتْقِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكْمُلْ مُبْعِضُهُ وَلَمْ يُسْرُهُ إلَى أَنْصِبَاءِ الشُّرَكَاءِ. الْمِثَالُ الْخَامِسُ: لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إلَّا مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ. أَحَدُهَا: يُثَابُ الْعَبْدُ لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعُرْفَ دَالٌّ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُسَامَحَةِ بِهِ لَا عَلَى تَمْلِيكِهِ.

стр. 431

الْمِثَالُ الثَّانِي: إذَا قَالَ بِعْت هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ هَذِهِ السَّاحَةَ أَوْ رَهَنْتُكَهَا وَفِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ، فَفِي دُخُولِهِمَا فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ اخْتِلَافٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَدْخُلَا لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: مِفْتَاحُ الدَّارِ وَفِي دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اخْتِلَافٌ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ: حَجَرُ الرَّحَا إذَا كَانَ الْأَسْفَلُ مِنْهُمَا مَبْنِيًّا وَفِي دُخُولِهِمَا فِي الْبَيْعِ مَذَاهِبُ. ثَالِثُهُمَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، وَلَوْ بَاعَ نَخْلًا عَلَيْهَا طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ اسْمَ النَّخْلَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ لِخُرُوجِهِ عَنْ اسْمِ النَّخْلَةِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ نَقَلَهُ إلَى الْمُشْتَرِي مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ اسْمِ النَّخْلَةِ لِاسْتِتَارِهِ، كَمَا نَقَلَ حَمْلَ الْجَارِيَةِ وَالْبَهِيمَةِ إلَى الْمُشْتَرِي لِاسْتِتَارِهِمَا، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» ، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَا كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْكُنُوزِ وَالْأَحْطَابِ وَالْأَخْشَابِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا وَلَا دَاخِلًا فِي اسْمِهَا وَلَا مُتَّصِلًا بِهَا اتِّصَالَ الْأَبْنِيَةِ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فَوَجَدَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: يُنْظَرُ فِيمَا وَجَدَهُ. فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَتْ الدَّارُ تَحْتَ يَدِهِ هُوَ الدَّافِنُ أَخْبَرَهُ بِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ دَافِنُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِاشْتِمَالِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّافِنُ لَهُ سَأَلَ مَنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّافِنُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَيَئِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ كَانَ ذَلِكَ مَالًا ضَائِعًا يَصْرِفُهُ الْوَاجِدُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ إنْ لَمْ يَجِدْ إمَامًا عَادِلًا، وَإِنْ وَجَدَ إمَامًا عَادِلًا صَرَفَهُ إلَيْهِ.

стр. 432

الْمِثَالُ السَّادِسُ: مِنْ أَمْثِلَةِ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ فِي الْمُعَارِضَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ. مَنْ جَمَعَ فِي التَّصَرُّفِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ بَطَلَ تَصَرُّفُهُ فِيمَا لَا يَصِحُّ، وَفِيمَا يَصِحُّ خِلَافٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا: إذَا أَوْصَى بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَقُلْنَا بِبُطْلَانِ وَصِيَّتِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا. الْمِثَالُ الثَّانِي: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتُمَا طَالِقَانِ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَلَا تَطْلُقُ الْأَجْنَبِيَّةُ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَجْنَبِيٍّ أَنْتُمَا حُرَّانِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَبْدُهُ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ. الْمِثَالُ السَّابِعُ: إذَا بَاعَ عَيْنَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا فَأَرَادَ أَنْ يُفْرِدَهُمَا بِالرَّدِّ قَبْلَ تَلَفِ إحْدَاهُمَا أَوْ بَعْدَ تَلَفِهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ، فَإِنْ قُلْنَا يَرُدُّ قَوَّمَ التَّالِفَ وَالْبَاقِي بِمَا يَخُصُّهُمَا مِنْ الثَّمَنِ وَرَدَّ الْبَاقِيَ مَعَ قِيمَةِ التَّالِفِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمُصَرَّاةُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ بَدَلَ قِيمَةِ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْبَيْعُ قَدْ اخْتَلَطَ بِمَا حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ اللَّبَنِ بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَقَدَّرَ الشَّافِعِيُّ الْبَدَلَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ وَالْخِصَامِ وَجَعَلَهُ مِنْ التَّمْرِ لِمُشَارَكَتِهِ اللَّبَنَ فِي كَوْنِهِ قُوتًا. الْمِثَالُ الثَّامِنُ: لَا يُبَاعُ الْمَالُ الرِّبَوِيُّ الْمَكِيلُ إلَّا بِالْكَيْلِ وَلَا يُبَاعُ رَطْبُهُ بِيَابِسِهِ إلَّا فِي الْعَرَايَا، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَهُ بِالْخَرْصِ، وَقَدْ جَوَّزَ بَيْعَ رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ فِي دُونِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. الْمِثَالُ التَّاسِعُ: لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ عَلَى مَا جُهِلَتْ أَوْصَافُهُ لِاخْتِلَافِ رُتَبِ

стр. 433

الْأَوْصَافِ فِي النَّفَاسَةِ وَالْخَسَاسَةِ وَزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَنُقْصَانِهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّلَمَ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَتَرَكَ كُلَّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ عَلَى أَدْنَى رُتَبِهِ وَلَمْ يَسْمَحْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى أَدْنَى الْأَوْصَافِ إذْ لَا ضَابِطَ لَهَا. وَكَذَلِكَ جَوَّزَ الشَّارِعُ شَرْطَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَغْرَاضُ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، إذْ لَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَتَرَكَ كُلَّ وَصْفٍ مِنْهَا عَلَى أَدْنَى رُتَبِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّلَمِ، فَإِذَا شُرِطَ فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ حَاسِبٌ أَوْ رَامٍ أَوْ بَانٍ أَوْ نَجَّارٌ أَوْ قَصَّارٌ، حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ كَاتِبٌ أَوْ حَاسِبٌ وَرَامٍ وَبَانٍ وَنَجَّارٌ وَقَصَّارٌ. الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: الْحُلُولُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْقَبْضُ فِي الْعِوَضَيْنِ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِ الْعَقْدِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْقَرْضُ الْوَاقِعُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ لِانْتِفَاءِ حَاجَتِهِ إلَى الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ فِي الْمَوْتَةِ الْأُولَى فِي الْإِرْثِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لِأَنَّهُ صَائِرٌ إلَى الِاحْتِيَاجِ إلَى الْمِلْكِ فَثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ بِالْإِرْثِ دَفْعًا لِمَا سَيَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْحَاجَاتِ. وَأَمَّا الْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ انْقَطَعَ مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ لِانْتِفَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ فَهَلْ يَبْقَى مِلْكُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ أَوْ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَتَعَلَّقُ الدُّيُونُ بِهِ، أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ بَرِئَ مِنْ الدُّيُونِ وَرُدَّتْ الْوَصَايَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ، وَإِنْ أُدِّيَتْ الدُّيُونُ وَقُبِلَتْ الْوَصَايَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُمْ يَمْلِكُوهُ كَانَ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ كَتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَكَتَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ فِيهِ خِلَافٌ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي تَعْلِيقِ حَقِّ الزَّكَاةِ بِمِقْدَارِهَا مِنْ النِّصَابِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ التَّعَلُّقُ بِالتَّرِكَةِ كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، فَكَانَ الْحَجْرُ عَلَى وَرَثَتِهِ أَقْرَبَ إلَى أَدَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ.

стр. 434

وَالتَّوَثُّقُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَعْيَانِ أَقْسَامٌ. مِنْهَا التَّوَثُّقُ فِي الزَّكَاةِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْهَا تَوَثُّقُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ، وَمِنْهَا تَوَثُّقُ الرَّهْنِ، وَمِنْهَا تَوَثُّقُ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ فِي صُورَةِ الْفَلَسِ، وَمِنْهَا تَوَثُّقُ الْغُرَمَاءِ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْبَائِعِ إذَا أَوْجَبْنَا الْبُدَاءَةَ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهَذَا حَجْرٌ بَعِيدٌ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِضَمَانِ الدُّيُونِ وَضَمَانِ الْوُجُوهِ وَضَمَانِ إحْضَارِ مَا يَجِبُ إحْضَارُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ وَضَمَانِ الْعُهْدَةِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ لِلصَّدَاقِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ لِلْبُضْعِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِحَبْسِ الْجُنَاةِ إلَى حُضُورِ الْغُيَّبِ وَإِفَاقَةِ الْمَجَانِين وَبُلُوغِ الصِّبْيَانِ. وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِحَبْسِ مَنْ يُحْبَسُ عَلَى الْحُقُوقِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِالْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ عَلَى أَدَاءِ الدُّيُونِ، وَمِنْهَا التَّوَثُّقُ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ إذَا شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ مَسْتُورَانِ. وَكَذَلِكَ حَبْسُ الْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ مَسْتُورَانِ بِالدَّيْنِ أَوْ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ، كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ، أَوْ بِالرِّقِّ وَالزَّوْجِيَّةِ إلَى أَنْ تُزَكِّيَ الْبَيِّنَةُ أَوْ يَخْرُجَ مَعَ حَدِّ الْحَاكِمِ فِي الْمُسَارَعَةِ إلَى اسْتِزْكَاءِ الْمَسْتُورِينَ. الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْإِنْسَانِ وَلَا إذْنُهُ فِيمَا سَيَمْلِكُهُ إذْ لَا يَنْفُذُ فِيمَا لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّ إذْنَ الْمَالِكِ فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ مِنْ الْعُرُوضِ نَافِذٌ إذْ لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ هَذَا الْعَقْدِ إلَّا بِذَلِكَ، إذْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ وَلَا خَلَاصَ مِنْهُ. الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَنْ لَا يَمْلِكُ تَصَرُّفًا لَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ النِّكَاحَ وَتَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ عَلَى الْعَيْنِ وَيَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِمَا. وَأَمَّا إيجَارَةُ نَفْسِهِ وَشِرَاؤُهَا مِنْ سَيِّدِهَا وَكِتَابَتِهِ عَلَيْهَا فَجَائِزٌ لِعِلْمِهِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْإِنْشَاءَاتِ وَقَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الْمَرْأَةُ لَا تَمْلِكُ

стр. 435

إنْشَاءَ النِّكَاحِ وَتَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ مَجْهُولُ الْحُرِّيَّةِ إنْشَاءَ الرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ وَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ، الْإِنْسَانُ وَيَصِحُّ مِمَّا مَلَكَهُ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُ مِلْكِهِ وَوُجُوبُهُ وَلَمْ يَمْلِكْ فَفِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ قَوْلَانِ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ تَقْدِيرُ الْمِلْكِ وَالْوُجُوبُ عِنْدَ التَّسَبُّبِ، وَحُكْمُ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْإِبْرَاءِ. الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: لَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ، إنَّمَا جُوِّزَتْ لِمَصَالِحِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا، وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ كَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَاجْتَمَعَ الْأَجْرُ وَالْأُجْرَةُ لِوَاحِدٍ، وَإِنَّمَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ مُقَابِلَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْأَوْقَاتِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ الَّتِي يَخْتَصُّ أَجْرُهَا بِالْمُؤْذِنِ. وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ وَالنِّضَالُ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهِمَا يَفُوزُ بِالْغَلَبِ وَأَخْذِ السَّبْقِ، لِأَنَّ الْحُصُولَ عَلَيْهَا حَاثٌّ عَلَى تَعَلُّمِ أَسْبَابِ الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ تِلْوُ الْإِيمَانِ، فَإِنْ كَانَ السَّبْقُ مِنْ وَاحِدٍ جَازَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَالْمُتَنَاضَلِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ مُحَلَّلٍ بَيْنَهُمَا تَمْيِيزًا لِصُورَةِ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ، كَمَا شُرِطَ فِي النِّكَاحِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ تَمْيِيزًا لِصُورَةِ النِّكَاحِ عَنْ صُورَةِ السِّفَاحِ. الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ: إيجَارُ الْمَأْجُورِ بَعْدَ قَبْضِهِ جَائِزٌ مِنْ أَنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ تُقْبَضْ، وَلَكِنْ أَقَامَ الشَّرْعُ قَبْضَ مَحَلِّهَا مَقَامَ قَبْضِهَا فِي نَفْسِهَا لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَانْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ لِفَوَاتِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ: إيجَارُ عُمَرَ ﵁ أَرْضَ السَّوَادِ بِأُجْرَةٍ مُؤَبَّدَةٍ مَعْدُومَةٍ مَجْهُولَةِ الْمِقْدَارِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ ، وَلَوْ أَجَّرَهَا ذُرِّيَّةُ مُسْتَأْجَرِيهَا بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ إذْ يَجُوزُ لِلْمَصَالِحِ

стр. 436

الْعَامَّةِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْخَاصَّةِ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَمَنٌ، وَهُوَ أَيْضًا خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَبْعَدُ مِنْ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْجَهَالَةَ وَاقِعَةٌ فِي الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شُرَيْحٍ تَخْتَصُّ الْجَهَالَةُ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمُثَمَّنِ، لَكِنَّهُ خَالَفَ النَّقْلَ فِي أَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَهَا مِنْ الْكُفَّارِ. وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ بِالْوَقْفِ عَلَى أَرْبَابِ الْأَيْدِي بِمُجَرَّدِ الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا إقْرَارٍ مِنْ ذِي الْيَدِ، فَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَا تَزَالُ فِي الشَّرْعِ بِمُجَرَّدِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا تَزَالُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِشْكَالِ وَارِدٌ عَنْ مَالِكٍ فِي أَرَاضِي مِصْرَ. الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ: لَا يَجُوزُ تَقْطِيعُ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ إلَّا عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِبَعْضِ الْأَعْمَالِ يَوْمًا خَرَجَتْ أَوْقَاتُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلَاةِ وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ عَنْ ذَلِكَ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى هَذَا التَّقْطِيعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِبَعْضِ الْأَعْمَالِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ جُمُعَةً خَرَجَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ مَعَ اللَّيَالِي عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ مُنِعَ لَأَدَّى إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ. وَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُك مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الظُّهْرِ وَمِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ لَمَا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، إذْ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْطِيعِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِئْجَارُ لِلْحَمْلِ وَالنَّقْلِ وَالرُّكُوبِ تَنْقَطِعُ فِيهِ الْمَنَافِعُ فِي الْمَرَاحِلِ وَالْمَنَازِلِ الْخَارِجَةِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَمُطَّرِدِ الْعَادَاتِ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجَارَةَ فِي الْحَالِ وَعَلَى الْحَوْلِ الْقَابِلِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَكُونُ فِي حَالِ الْعَقْدِ إلَّا مَعْدُومَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنَافِعِ الْمُتَعَقِّبَةِ الْعَقْدَ وَبَيْنَ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَجْعَلُ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لِلْعَقْدِ الْمُتَّحِدِ تَابِعَةً لِمَا يَتَعَقَّبُ الْعَقْدَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْقَلِيلَ يَتْبَعُ الْكَثِيرَ فِي الْعُقُودِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ

стр. 437

مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ تَابِعًا لِأَقَلِّهِ فَلَوْ أَجَّرَهُ عَشْرَ سِنِينَ لَكَانَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ مَقْصُودِ الْعَقْدِ تَابِعًا لِمَا يَتَعَقَّبُ الْعَقْد مِنْ الْمَنْفَعَةِ التَّافِهَةِ. (فَائِدَةٌ) كُلُّ مَا يَثْبُتُ فِي الْعُرْفِ إذَا صَرَّحَ الْمُتَعَاقِدَانِ بِخِلَافِهِ بِمَا يُوَافِقُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ صَحَّ فَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّهَارَ بِالْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَيَقْطَعُ الْمَنْفَعَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ أَدْخَلَ أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ فِي الْإِجَارَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِحَالِ الْأَجِيرِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّوَاتِبَ وَأَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى الْأَرْكَانِ صَحَّ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَوْقَاتَ إنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْعُرْفِ الْقَائِمِ مَقَامَ الشَّرْطِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا يُجَوِّزُهُ الشَّرْعُ وَيُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ جَازَ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَ بَعْضَ اللَّيْلِ فِي الْإِجَارَةِ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ شَهْرًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِحَيْثُ لَا يَنَامُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَاَلَّذِي أَرَاهُ بُطْلَانَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِهِ، فَإِنَّ النَّوْمَ يَغْلِبُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ الْأَجِيرُ مِنْ الْعَمَلِ، فَكَانَ ذَلِكَ غَرَرًا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ. الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَكَلَ الْوَصِيُّ الْفَقِيرُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْمَعْرُوفِ إنْ جَعَلْنَاهُ قَرْضًا فَقَدْ اتَّحَدَ الْمُقْرِضُ وَالْمُقْتَرَضُ لِأَنَّهُ مُقْتَرِضٌ لِنَفْسِهِ وَمُقْرِضٌ عَنْ الْيَتِيمِ، وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ قَرْضًا فَقَدْ قَبَضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالْمَعْرُوفِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ. الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْمُخَالَطَةُ فِي الطَّعَامِ جَائِزَةٌ مِنْ الْمُطْلِقِينَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَالِطِينَ بَاذِلٌ لِلْآخَرِينَ مَا يَأْكُلُونَهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، إذْ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ فِي الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّ الْمَنَائِحَ وَالْعَوَارِيَ وَثِمَارَ الْبَسَاتِينِ جَائِزَةٌ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُبَاحُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْكُلُهُ الضَّيْفَانِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 438

وَأَمَّا مُخَالَطَةُ الْأَوْصِيَاءِ وَأَوْلِيَاءِ الْيَتَامَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إبَاحَةً فِي مُقَابَلَةِ إبَاحَةٍ، فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ هِيَ الَّتِي لَا مُقَابِلَ لَهَا، بِخِلَافِ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَالَطَةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ وَمُخَالَطَةُ الْمُطْلِقِينَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، فَيَكُونُ مَا يَأْكُلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ نَصِيبِ غَيْرِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ نَصِيبِ نَفْسِهِ، وَإِنْ تَفَاوَتَ الْمُتَقَابِلَانِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُخَالِطَ الْيَتِيمَ بِحَيْثُ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ أَكَلَ مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِمَّا بَذَلَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أَيْ يَعْرِفُ الْمُفْسِدَ لِمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمُقَابَلَةِ، وَالْأَوْلَى بِالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ أَنْ يُخَالِطَا الْيَتِيمَ بِمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الْيَتِيمَ يَأْكُلُ بِقَدْرِ مَالِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَتْ الْمُخَالَطَةُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى الرِّبَا لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَطْعِمَةِ خَارِجٌ عَنْ حَالِ كَمَالِ الْمَأْكُولِ، فَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا رُخْصَةٌ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ لِلْحَاجَاتِ الْعَامَّةِ فَلَا يَتَقَاعَدُ عَنْ رُخْصَةِ الْعَرَايَا فِي الْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ وَخُرُوجِ الرُّطَبِ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، بَلْ لَوْ عُلِمَتْ الْمُفَاضَلَةُ هَهُنَا بَيْنَ الْمُخَالِطِينَ لَجَازَ فِي مُخَالَطَةِ غَيْرِ الْأَيْتَامِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَيْتَامِ، إذَا كَانَ مَا يَأْكُلُ الْيَتِيمُ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ: لَا يَصِحُّ قَبْضُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِشَيْءٍ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالدُّيُونِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَدَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ، كَثِيَابِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَمَا يُدْفَعُ إلَيْهِمَا مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِيَأْكُلَاهُ، وَكَذَلِكَ إرْضَاعُ الصَّبِيِّ لِمَا اُسْتُؤْجِرَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى رَضَاعَةٍ فَلَا يَصِحُّ قَبْضُهَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجَازَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْخُلْعَ عَلَى الْإِرْضَاعِ وَمِنْ طَعَامِ الصَّبِيِّ عَشْرَ سِنِينَ إذَا وُصِفَ الطَّعَامُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ، فَإِنْ سَلَّمَتْ

стр. 439

الطَّعَامَ إلَى الْوَلِيِّ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهَا لِتُطْعِمَهُ الصَّبِيَّ بَرِئَتْ ذِمَّتُهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي إطْعَامِهِ إيَّاهُ فَهَذَا مِمَّا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ الْعَامَّةُ وَلَا الضَّرُورَةُ الْخَاصَّةُ إلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِمُخَالَفَةِ الْقَاعِدَةِ فِيهِ لِنُدْرَتِهِ وَسُهُولَةِ الِانْفِكَاكِ مِنْهُ وَالِانْفِصَالِ عَنْهُ. وَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ ادْفَعْ دَيْنِي عَلَيْك إلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ أَلْقِهِ فَفَعَلَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ، إذْ لَا بَرَاءَ مِنْهُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ وَثَبَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ فَقَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا فَفِي وُقُوعِهِ قِصَاصٌ خِلَافٌ، لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْقِصَاصِ تَفْوِيتُ نَفْسِ الْجَانِي وَإِزَالَةُ حَيَاتِهِ بِسَبَبٍ مُضَمَّنٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ. الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: لَوْ عَمَّ الْحَرَامُ الْأَرْضَ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهَا حَلَالٌ جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلَا يَقِفُ تَحْلِيلُ ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَاتِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لَأَدَّى إلَى ضَعْفِ الْعِبَادِ وَاسْتِيلَاءِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَقْطَعُ النَّاسُ عَنْ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي تَقُومُ بِمَصَالِحِ الْأَنَامِ. قَالَ الْإِمَامُ ﵀: وَلَا يُتَبَسَّطُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ كَمَا يُتَبَسَّطُ فِي الْمَالِ الْحَلَالِ بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى مَا تَمَسُّ إلَيْهِ الْحَاجَةُ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَشُرْبِ الْمُسْتَلَذَّاتِ وَلُبْسِ النَّاعِمَاتِ الَّتِي هِيَ بِمَنَازِلِ التَّتِمَّاتِ، وَصُوَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَجْهَلَ الْمُسْتَحِقِّينَ بِحَيْثُ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَعْرِفَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ يَئِسْنَا مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ لَمَا تَصَوَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَنَاوُلُ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ كَالضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةُ وَاحِدٍ إلَى غَصْبِ أَمْوَالِ النَّاسِ لَجَازَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ لِجُوعٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَإِذَا وَجَبَ هَذَا لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا الظَّنُّ بِإِحْيَاءِ نُفُوسٍ، مَعَ أَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهَا قَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ، بَلْ إقَامَةُ هَؤُلَاءِ أَرْجَحُ مِنْ دَفْعِ الضَّرُورَةِ عَنْ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ، وَقَدْ جَوَّزَ الشَّرْعُ أَكْلَ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الضَّرُورَةَ.

стр. 440

وَمَنْ تَتَبَّعَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، حَصَلَ لَهُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ اعْتِقَادٌ أَوْ عِرْفَانٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَصْلَحَةَ لَا يَجُوزُ إهْمَالُهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ خَاصٌّ، فَإِنَّ فَهْمَ نَفْسِ الشَّرْعِ يُوجِبُ ذَلِكَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَاشَرَ إنْسَانًا مِنْ الْفُضَلَاءِ الْحُكَمَاءِ الْعُقَلَاءِ وَفَهِمَ مَا يُؤْثِرُهُ وَيَكْرَهُهُ فِي كُلِّ وِرْدٍ وَصَدْرٍ ثُمَّ سَنَحَتْ لَهُ مَصْلَحَةٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ لَمْ يَعْرِفْ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ بِمَجْمُوعِ مَا عَهِدَهُ مِنْ طَرِيقَتِهِ وَأَلِفَه مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يُؤْثِرُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ وَيَكْرَهُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ. وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مَقَاصِدَ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِعِلْمِنَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ دَقَّهُ وَجَلَّهُ، وَزَجَرَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ دَقَّهُ وَجَلَّهُ، فَإِنَّ الْخَيْرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَالشَّرَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْخَيْرِ الْخَالِصِ وَالشَّرِّ الْمَحْضِ. وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ أَوْ يَعْرِفْ تَرْجِيحَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ أَوْ تَرْجِيحَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ أَوْ جَهِلْنَا الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ، وَمِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَا لَا يَعْرِفُ إلَّا كُلُّ ذِي فَهْمٍ سَلِيمٍ وَطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْرِفُ بِهِمَا دَقَّ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَجَلَّهُمَا، وَأَرْجَحَهُمَا مِنْ مَرْجُوحِهِمَا، وَتَفَاوَتَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ تَفَاوُتِهِمْ فِيمَا ذَكَرْته، وَقَدْ يَغْفُلُ الْحَاذِقُ الْأَفْضَلُ عَنْ بَعْضِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْأَخْرَقُ الْمَفْضُولُ وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ. وَأَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِلْحَثِّ عَلَى الْمَصَالِحِ كُلِّهَا وَالزَّجْرِ عَنْ الْمَفَاسِدِ بِأَسْرِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فَإِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ لِلْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ، فَلَا يَبْقَى مِنْ دَقِّ الْعَدْلِ وَجَلِّهِ شَيْءٌ إلَّا انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] وَلَا يَبْقَى مِنْ دَقِّ الْإِحْسَانِ وَجَلِّهِ

стр. 441

شَيْءٌ إلَّا انْدَرَجَ فِي أَمْرِهِ بِالْإِحْسَانِ، وَالْعَدْلِ هُوَ التَّسْوِيَةُ وَالْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ: إمَّا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ عَامَّةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِأَنْوَاعِ الْفَوَاحِشِ وَلِمَا يُذْكَرُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. وَأَفْرَدَ الْبَغْيَ - وَهُوَ ظُلْمُ النَّاسِ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إذَا اهْتَمُّوا أَتَوْا بِمُسَمَّيَاتِ الْعَامِّ. وَلِهَذَا أَفْرَدَ الْبَغْيَ وَهُوَ الظُّلْمُ مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، كَمَا أَفْرَدَ إيتَاءَ ذِي الْقُرْبَى بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. (فَائِدَةٌ) الْإِحْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ عَنْهُمَا. وَتَارَةً يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْعُقْبَى: أَمَّا فِي الْعُقْبَى فَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا وَالْإِعَانَةِ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَعَلَى دَفْعِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْإِرْفَاقِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إسْقَاطُ الْحُقُوقِ وَالْعَفْوُ عَنْ الْمَظَالِمِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ الظَّالِمِ كَيْ لَا يَجْتَرِئَ عَلَى الْمَظَالِمِ وَهُوَ بَعِيدٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِمَّنْ يُعْفَى عَنْهُ أَنَّهُ يَسْتَحِيَ وَيَرْتَدِعَ عَنْ الظُّلْمِ وَلَا سِيَّمَا عَنْ ظُلْمِ الْمُعَافَى وَقَدْ وَصَفَ الرَّسُولُ ﷺ : بِأَنَّهُ لَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، مَعَ أَنَّ الْجُرْأَةَ عَلَيْهِ أَقْبَحُ مِنْ كُلِّ جُرْأَةٍ، وَلِأَنَّ الْعَفْوَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْجُرْأَةِ غَالِبًا إذْ لَا يَعْفُو مِنْ النَّاسِ إلَّا الْقَلِيلُ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَهُوَ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، وَقَدْ رَغَّبَ فِي الْعَفْوِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ فِي الْقِصَاصِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] . قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَرْخَصَ بَعْضُ النَّاسِ فِي السِّعْرِ عَلَى النَّاسِ وَسَامَحَهُمْ فِي الْبَيْعِ

стр. 442

وَسَاهَلَهُمْ فِي الثَّمَنِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ كَسَادِ أَهْلِ سُوقِهِ، وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ فَإِنَّ الَّذِينَ يُسَامِحُونَ مِنْ الْمُشْتَرِينَ أَكْثَرُ مِنْ الْكَاسِدِينَ مِنْ أَهْلِ السُّوقَةِ فَلَا تُرَجَّحُ مَصَالِحُ خَاصَّةٌ عَلَى مَصَالِحَ عَامَّةٍ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذَا بَاعَ، سَمْحًا إذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إذَا قَضَى، سَمْحًا إذَا اقْتَضَى» . الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْكِتَابَةُ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ بَيْعُ مِلْكِ السَّيِّدِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْعَبْدِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ الْأَكْسَابَ خَارِجَةً عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ. وَجَعَلَ الْأَعْمَالَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ كَالْمُعَامَلَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِ الْعِتْقِ. وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ التَّنْجِيمَ بِنَجْمَيْنِ. وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى ثَمَنِ دِرْهَمٍ وَأَجَّلَهُ مَثَلًا بِشَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَهَذَا لَا يُلَائِمُ أَوْضَاعَ الْعُقُودِ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعُقُودِ كَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِقُرْبِهِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ وَمُنِعَ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ مَعَ كَوْنِهَا مُقْتَضِيَةً لِتَعْجِيلِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ النُّجُومِ الْحَالَّةِ، وَقَدْ رُدَّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ مِنْ الْمُفْلِسِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ فَيَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَاحِدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ مُعْظَمِ الثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ عَيْنًا غَائِبَةً وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ، وَهُمَا فِي بَرِّيَّةٍ وَمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ، وَالْبَيْعُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ أَمْوَالَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ أَيْضًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ: فَجَعَلَ

стр. 443

لِلرَّاجِلِ سَهْمًا وَاحِدًا لِأَنَّ لَهُ حَاجَةً وَاحِدَةً، وَجَعَلَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ لِأَنَّ لَهُ ثَلَاثَ حَاجَاتٍ: حَاجَةٌ لِنَفْسِهِ وَحَاجَةٌ لِلْفَرَسِ، وَحَاجَةٌ لِسَائِسِ فَرَسِهِ. وَكَذَلِكَ مَوَارِيثُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ: فَجَعَلَ لِلْإِنَاثِ مِنْ هَؤُلَاءِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَجَعَلَ لِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ، لِأَنَّ لِلذَّكَرِ فِي الْغَالِبِ حَاجَةً لِنَفْسِهِ وَحَاجَةً لِزَوْجَتِهِ، وَلِلْأُنْثَى فِي الْغَالِبِ حَاجَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا مَكْفُولَةٌ فِي الْغَالِبِ، وَالرَّجُلُ كَافِلٌ فِي الْغَالِبِ، لَكِنْ خُولِفَ هَذَا الْقِيَاسُ فِي الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ: فَسَوَّى فِيهِمْ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ مِنْ جِهَةِ إدْلَائِهِمْ بِالْأُمِّ، وَسَوَّى بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ: فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ مَعَ وُجُودِ الْأَوْلَادِ، وَفَضْلِ الْأَبِ مَعَ الْأُمِّ مَعَ فَقْدِهِمْ، وَقَدَّمَ الْأَبْنَاءَ عَلَى الْآبَاءِ فِي التَّعْصِيبِ لِأَنَّ الِابْنَ بِضْعَةٌ مِنْ الْأَبِ وَبَعْضٌ لَهُ، فَكَانَ بَعْضُ الْمَيِّتِ أَحَقَّ بِمَالِهِ مِنْ أَبِيهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ الْآبَاءُ عَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، لِأَنَّهُنَّ بِضْعَةٌ مِنْ الْأَمْوَاتِ، لَكِنْ خُولِفَ الْقِيَاسُ فِيمَا إذَا مَاتَ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَعَنْ مِائَةِ بِنْتٍ وَأُخْتٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّ الْأُخْتَ تَفُوزُ بِالثُّلُثِ وَهُوَ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ لِلْبَنَاتِ مَعَ قُرْبِهِنَّ، إذْ يَحْصُلُ لِكُلِّ بِنْتٍ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَيَحْصُلُ لِلْأُخْتِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا مَعَ كَوْنِ الْبِنْتِ بِضْعَةً لِلْمَيِّتِ وَبَعْضًا لَهُ، وَالْأُخْتِ بِضْعَةً مِنْ الْجَدِّ مَعَ بُعْدِهِ، وَهَذَا مُوغِلٌ فِي الْبُعْدِ عَنْ الْقِيَاسِ. وَكَذَلِكَ خُولِفَ الْقِيَاسُ فِي الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِالْأَبِ وَالْأَخِ أَوْلَى بِالْأَبِ الْمُدْلَى بِهِ، وَالْجَدُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ الْأَخَ فِي بَابِ الْوَلَاءِ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَدِّ عَلَى قَوْلٍ، لَكِنَّهُ بِضْعَةٌ مِنْ الْمُدْلَى بِهِ، وَلَوْلَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَخَ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ فِي الْإِرْثِ لَقَالَ بِتَقْدِيمِ الْأَخِ كَمَا قَالَ بِهِ فِي الْوَلَاءِ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَحْدَاثُ الْمُطَلَّقُونَ مُسْتَقِلُّونَ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِ أَمْوَالِهِمْ وَأَجْسَادِهِمْ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِمَا فِي

стр. 444

مُبَاشَرَتِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْخَجَلِ وَالِاسْتِحْيَاءِ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُحْضَرَاتِ بِحَضْرَةِ شُهُودِ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إجْبَارُ الْأَبِ الْبِكْرَ الْمُسْتَقِلَّةَ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِ الْحُرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، لَكِنَّهُ جَازَ لِلْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، لِمَا فِيهِمْ مِنْ الِاسْتِصْلَاحِ وَتَحْصِيلِ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ. الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَفَعَلَتْ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إنْ حَمَلَ الْإِعْطَاءَ عَلَى الْإِقْبَاضِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ أَقْبَضْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ أَرَادَ إعْطَاءَ التَّمْلِيكِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَامَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى الْإِعْطَاءِ مِنْ الْإِيجَابِ، قُلْنَا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِيجَابُ بِالْفِعْلِ، وَقَاعِدَةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعُقُودَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْأَفْعَالِ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ أَلْفًا مِنْ غَيْرِ النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْإِبْدَالُ بِأَلْفٍ مِنْ الْغَالِبِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنْ عُلِّقَ عَلَى غَيْرِ الْغَالِبِ لَمْ يَجِبْ إبْدَالُهُ، كَمَا لَوْ نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ عُلِّقَ عَلَى الْغَالِبِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ الْغَالِبِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ. الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَجَّانًا وَيُسْتَثْنَى بَعْدَ ذَلِكَ عَفْوُ الْوَلِيِّ الْمُجْبَرِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَا فِي الْمُسَامَحَةِ مِنْ وَلِيِّهَا. الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ لَزِمَهُ الضَّمَانُ جَبْرًا لِمَا فَاتَ مِنْ الْحَقِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ. إحْدَاهَا: مَا أَتْلَفَهُ الْكُفَّارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فَإِنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ لِمَا فِي تَضْمِينِهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَإِتْلَافُهُمْ إيَّاهُ مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ.

стр. 445

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَا يُتْلِفُهُ الْمُرْتَدُّونَ فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَفِي تَضَمُّنِهِ مَعَ تَحْرِيمِهِ اخْتِلَافٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّضْمِينَ مُنَفِّرٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ الرِّدَّةَ لَا تَعُمُّ عُمُومَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ مَا يُتْلِفُهُ الْبُغَاةُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي حَالِ الْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَهُ عَلَى قَوْلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ، وَعَلَى قَوْلٍ يَضْمَنُونَ لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَتَّصِفُ إتْلَافُهُمْ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ وَلَا إبَاحَةٍ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يُتْلِفُهُ الْعَبِيدُ عَلَى السَّادَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَهُ مَعَ تَحْرِيمِ إتْلَافِهِمْ وَفِي هَذَا إشْكَالٌ، لِأَنَّ إيجَابَ مَا يُتْلِفُهُ الْعَبِيدُ فِي ذِمَّتِهِمْ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّادَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ لَا وَجْهَ لَهُ. وَأَمَّا مَا يُتْلِفُهُ الْعَبْدُ عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةٍ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا وَلَا تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ أَنْ يُبَثَّ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّمَا وَقَعَ التَّعَلُّقُ بِرَقَبَتِهِ، لِتَفْرِيطِ السَّيِّدِ فِي حِفْظِهِ فَصَارَ كَالْبَهِيمَةِ إذَا قَصَّرَ صَاحِبُهَا فِي حِفْظِهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالرَّقَبَةِ فِي عَبِيدِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ ثَابِتٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ تَقْصِيرٌ بِسَبَبٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا شَرْطٍ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حِفْظِ الدَّابَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِمَالِكِهَا بَلْ يَعُمُّ مَنْ قَصَّرَ فِي ضَبْطِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ مَالِكٍ أَوْ غَالِبٍ أَوْ مُودِعٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ أَوْ مُسْتَأْجِرٍ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ إذَا أَتْلَفَا شَيْئًا مِنْ النُّفُوسِ أَوْ الْأَمْوَالِ فِي تَصَرُّفِهِمَا لِلْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ دُونَ الْحَاكِمِ وَالْإِمَامِ

стр. 446

وَدُونَ عَوَاقِلِهِمَا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَصَرَّفَا لِلْمُسْلِمِينَ صَارَ كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الْمُتْلِفُونَ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ فِي حَقِّهِمَا فَيَتَضَرَّرَانِ بِهِ وَيَتَضَرَّرُ عَوَاقِلُهُمَا. الصُّورَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الْجَلَّادَ إذَا قَتَلَ بِالْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مِنْ ضَمَانِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُلْجِئٍ إلَى الْإِتْلَافِ، وَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ خَطَأً عَلَى مَالِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ إلَّا الْحُكَّامَ وَأُمَنَاءَ الْحُكَّامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعُهْدَةِ مَا بَاعُوهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ شُرِطَ لَزَهِدَ النَّاسُ فِي الْبَيْعِ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَنِيَابَةِ الْحُكْمِ. الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: إهْدَارُ الضَّمَانِ مَعَ التَّسَبُّبِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ تَارَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، وَتَارَةً بِالتَّسَبُّبِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى التَّسَبُّبِ إلَيْهَا. إحْدَاهَا: إرْسَالُ الْبَهَائِمِ لِلرَّعْيِ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تُتْلِفُهُ لِمَا فِي تَضَمُّنِهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَامِّ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا أَوْقَدَ فِي دَارِهِ نَارًا عَلَى الِاقْتِصَادِ الْمُعْتَادِ فَطَارَ مِنْهَا شَرَرٌ فَأَتْلَفَ شَيْئًا بِالْإِحْرَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا سَقَى بُسْتَانَه عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي مِثْلِهِ فَسَرَى إلَى جَارِهِ فَأَفْسَدَ لَهُ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا سَاقَ دَابَّتَهُ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَثَارَتْ غُبَارًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَوْحَالِ وَالْإِيذَاءِ فَأَفْسَدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي السُّوقِ. وَلَوْ سَاقَ فِي الْأَسْوَاقِ إبِلًا غَيْرَ مَقْطُورَةٍ أَوْ رَكِبَ دَابَّةً نَزِقَةً لَا يُؤَثِّرُ

стр. 447

فِيهَا كَبْحُ اللِّجَامِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِخُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ الْمُعْتَادِ، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ فِي الطَّرِيقِ فَتَلِفَ بِذَلِكَ إنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا فَزَادَ انْتِشَارُ بَوْلِهَا وَرَوْثِهَا بِسَبَبِ وَقْفِهَا فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا لَزِمَهُ الضَّمَانُ. الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَصْلُ فِي الضَّمَانِ أَنْ يَضْمَنَ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ، وَالْمُتَقَوِّمَ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ رَجَعَ إلَى الْقِيمَةِ جَبْرًا لِلْمَالِيَّةِ، وَلَوْ شَرِبَ الْمُضْطَرُّ مَاءً لِأَجْنَبِيٍّ لَهُ قِيمَةٌ خَطِيرَةٌ حَيْثُ شَرِبَهُ ضَمِنَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ بِقِيمَتِهِ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِصْرِ إذْ لَا قِيمَةَ لِمِثْلِهِ فِي الْأَمْصَارِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فَهِيَ خَسِيسَةٌ. الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ: الذَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ تَقْلِيلًا لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّمِ النَّجِسِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى ذَكَاتِهِ مِنْ الْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَشَوَارِدِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّ جَرْحَهَا يَقُومُ مَقَامَ ذَكَاتِهَا لِتَعَذُّرِ ذَكَاتِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ يَتَعَذَّرُ رَفْعُهُ مِنْهُ، وَأَمْكَنَ طَعْنُهُ فِي بَعْضِ مَقَاتِلِهِ حَلَّ بِذَلِكَ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: بُنِيَتْ الْأُصُولُ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ يُرِيدُ؛ بِالْأُصُولِ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ، وَبِالِاتِّسَاعِ التَّرْخِيصَ الْخَارِجَ عَنْ الْأَقْيِسَةِ وَاطِّرَادِ الْقَوَاعِدِ، وَعَبَّرَ بِالضِّيقِ عَنْ الْمَشَقَّةِ. (فَائِدَةٌ) إذَا سَقَطَ الصَّيْدُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ: فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سَعَى إلَيْهِ عَدْوًا لَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حُرِّمَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ حَلَّ وَإِنْ بَقِيَ عَلَى حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ لِيُدْرِكَ ذَكَاتَهُ، بَلْ يَعْدُو إلَيْهِ عَدْوًا كَعَدْوِ الصَّيَّادِينَ. الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: إذَا ظَهَرَ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الْمُقْتَسِمِينَ حَقٌّ مُعَيَّنٌ لِإِنْسَانٍ كَبَيْتٍ مِنْ دَارٍ يَطْلُبُ الْقِسْمَةَ لِخُرُوجِهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَادُ مَا يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقْتَسِمِينَ وَلَا يَحِقُّ لَهُ هَهُنَا، وَلَوْ خَرَجَ ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ

стр. 448

الْغَنَائِمِ وَعَسُرَ إبْطَالُهَا لِكَثْرَتِهِمْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهَا، وَعُوِّضَ مَنْ وَقَعَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِمَا فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْجُنْدِ مِنْ الْعُسْرِ، وَلَوْ كَانَ الْجُنْدُ قَلِيلًا كَعَشَرَةٍ مَثَلًا فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ إذْ لَا عُسْرَ فِي إعَادَتِهَا. الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ مَلَكَ شَيْئًا ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا الْغَنَائِمَ إذَا تَرَكَ حَقَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ وَيَبْطُلُ مِلْكُهُ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْجِهَادِ الْأَعْظَمِ إنَّمَا هُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الدِّينِ، وَمِلْكُ الْغَنَائِمِ تَابِعٌ لِذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَإِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ سَقَطَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلِيَتَمَحَّصَ الْجِهَادُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَنَافِعِهِ وَأَشْغَالِهِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اسْتَدْعَاهُ الْحَاكِمُ بِطَلَبِ خَصْمِهِ لِإِحْضَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، وَكَذَلِكَ تَعْطِيلُ الشُّهُودِ إذَا اُسْتُحْضِرُوا لِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ اسْتِحْضَارُهُمْ لِمَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِالشَّهَادَةِ كَالنِّكَاحِ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ فَصَارَ كَتَعْطِيلِهِمْ فِيمَا لَا يُثْمِرُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ إلَّا بِالتَّعْلِيلِ: كَالْغَزَوَاتِ وَالْجُمُعَاتِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرَاتِ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: لَا يَسْتَوْفِي أَحَدٌ حَقَّ نَفْسِهِ بِالضَّرْبِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ إذَا اسْتَغْنَى مِنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَلَمْ يَرْتَدِعَا بِالْوَعْظِ وَالْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ النَّاشِزَةُ عَلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَالضَّرْبُ فِي هَذَا كُلِّهِ غَيْرُ مُبَرِّحٍ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَضْرُوبِ فِي الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ. الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقٍّ لَهُ مَضْبُوطٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ: كَانْتِزَاعِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ، وَالْمَسْرُوقِ مِنْ سَارِقِهِ، وَيُسْتَثْنَى

стр. 449

مِنْ ذَلِكَ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِاسْتِيفَائِهِ مُحَرِّكٌ لِلْفِتَنِ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِحَيْثُ لَا يَرَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَوْفَى حَدُّ الْقَذْفِ إلَّا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ، وَلَا يَنْفَرِدُ مُسْتَحِقُّهُ بِاسْتِيفَائِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فِي شِدَّةِ وَقْعِهِ وَإِيلَامِهِ. وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرُ لَا يُفَوَّضُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ إلَّا أَنْ يَضْبِطَهُ الْإِمَامُ بِالْحَبْسِ فِي مَكَان مَعْلُومٍ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُسْتَحِقُّ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَفْوِيضُ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ إلَى عَدُوِّ الْمَحْدُودِ وَالْمُعَزَّرِ: لِمَا يُخْشَى ذَلِكَ مِنْ مُجَاوَزَةِ الشَّرْعِ فِي شِدَّةِ الضَّرْبِ. وَكَذَلِكَ لَا يُفَوَّضُ إلَى الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِاتِّهَامِهِمْ فِي تَخْفِيفِهِ عَنْ الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، وَلَوْ فَوَّضَ الْإِمَامُ قَطْعَ السَّرِقَةِ إلَى السَّارِقِ، أَوْ وَكَّلَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ فِي قَطْعِ عُضْوِ الْقِصَاصِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِاسْتِيفَائِهِ. وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِغَيْرِهِ أَزْجَرُ لَهُ كَمَا قَالَتْ الزَّبَّاءُ لَمَّا مَصَّتْ السُّمَّ مِنْ خَاتَمِهَا: بِيَدِي لَا بِيَدِك يَا عَمْرُو. وَلَوْ أَوْجَرَ رَجُلًا سُمًّا مُدَفَّفًا فَقَتَلَهُ فَأَمَرَهُ وَلِيُّ الْقِصَاصِ بِأَنْ يَشْرَبَ مِثْلَ ذَلِكَ السُّمِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا نَظَائِرَ كَثِيرَةً لِمَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ وَالْأَقْيِسَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا مَصَالِحُ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ لِعِبَادِهِ فَيَا خَيْبَةَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ نُصْحَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ ؟ ارْضَ لِمَنْ غَابَ عَنْك غَيْبَتَهُ ... فَذَاكَ ذَنْبٌ عِقَابُهُ فِيهِ وَكَفَى بِالْإِنْسَانِ شَرَفًا أَنْ يَتَزَيَّنَ بِطَاعَةِ مَوْلَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ. وَكَفَى بِهِ شَرًّا أَنْ يُؤْثِرَ هَوَاهُ عَلَى طَاعَةِ مَوْلَاهُ ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .

стр. 450

[فَصْلٌ فِي الْأَذْكَارِ] ِ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخْتَارُ مِنْ الْأَذْكَارِ أَفْضَلَهَا، وَمِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَشْرَفَهَا، وَيَأْتِي بِالْأَفْضَلِ فِي أَحْيَانِهِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا. وَيَأْتِي بِالْمَفْضُولِ فِي وَقْتِهِ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ، وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ كَمَا فِي ثَنَاءِ الْفَاتِحَةِ وَدُعَائِهَا، وَكَذَلِكَ دُعَاءُ السُّجُودِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ وَالثَّنَاءِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ بَعْضِ الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا نَهَى عَنْ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ الثَّنَاءِ فِي الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَعَنْ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، وَعَنْ الصَّوْمِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ. أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْمَلَالَةِ وَالسَّآمَةِ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إمَّا إلَى اسْتِثْقَالِهَا وَكَرَاهِيَتِهَا لِثِقَلِهَا، أَوْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَفْهَمَ أَقْوَالَهَا، فَيَذْهَبُ إلَى أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُلَابِسَهَا وَقَلْبُهُ سَاهٍ عَنْهَا، وَلَا لَاهٍ عَنْ الْمَقْصُودِ مِنْهَا. فَإِنْ قِيلَ أَيُّمَا أَفْضَلُ قِرَاءَةُ تَبَّتْ أَمْ سُورَةِ الْكَافِرُونَ أَوْ الِاشْتِغَالِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَهِيَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، مَعَ أَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَللَّهِ وَهِيَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ، وَتَبَّتْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَبِي لَهَبٍ وَبِالْكُفَّارِ، وَالْقَوْلُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مُتَعَلِّقِهِ. فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ الْأَذْكَارِ كَالْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَكُونُ الْأَذْكَارُ أَفْضَلَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي بَعْضِ الْأَطْوَارِ، بَلْ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ: كَالْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ

стр. 451

وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الثَّنَاءُ أَفْضَلَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ فِي بَعْضِ الْأَطْوَارِ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. فَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا لِلْأَذْكَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ فَهَلْ تَكُونُ قِرَاءَةُ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْإِلَهِ أَوْلَى مِنْ الْأَذْكَارِ لِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ وَيَأْتِي مِنْ الْأَذْكَارِ بِمَا شَاءَ، أَوْ تَكُونُ الْأَذْكَارُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْإِلَهِ أَوْلَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْإِلَهِ؟ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْأَذْكَارَ أَوْلَى نَظَرًا إلَى شَرَفِ مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ. وَأَمَّا مَا يَشْتَمِلُ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَذْكَارِ وَالثَّنَاءِ: كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّمْجِيدِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذْكَارِ إلَّا أَنْ يَحْكِيَ بِالْأَذْكَارِ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ فَحِينَئِذٍ الشَّرَفَانِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعَارِفَ وَالْعِبَادَاتِ مَقَاصِدُ وَوَسَائِلُ إلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالنَّظَرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَعْلَى مَقَاصِدِ الْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ رِضْوَانُهُ وَتَسْلِيمُهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ أَعْلَى الْمَقَاصِدِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي الدُّنْيَا وَسِيلَةٌ إلَى حُصُولِ السَّلَامَةِ، وَكَذَلِكَ الشَّفَاعَاتُ وَالدَّعَوَاتُ وَالْخَوْفُ وَسِيلَةٌ إلَى الْكَفِّ عَنْ الْعِصْيَانِ، وَالرَّجَاءُ وَسِيلَةٌ إلَى الطَّاعَاتِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّحْمَنِ، وَالتَّوَكُّلُ مَقْصُودٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَوَسِيلَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَالْحُبُّ وَالْإِجْلَالُ مَقْصُودَانِ، وَالْمَقْصُودُ وَسَائِلٌ إلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ مِنْ الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِ الِاغْتِذَاءِ وَالِارْتِوَاءِ وَالشِّفَاءِ، وَالْحَيَاءُ وَسِيلَةٌ إلَى الْكَفِّ عَنْ الْقَبَائِحِ، وَالْغَضَبُ وَسِيلَةٌ إلَى دَفْعِ الضَّيْمِ، وَشَهْوَةُ الْجِمَاعِ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى كَثْرَةِ النَّسْلِ، كَمَا أَنَّ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَسِيلَةٌ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَسِيلَتَانِ إلَى الِاغْتِذَاءِ وَالِارْتِوَاءِ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي

стр. 452

الْقُرُبَاتِ وَسِيلَةٌ إلَى مَصَالِحِ الْمَبْذُولِ لَهُ الْعَاجِلَةِ، وَإِلَى مَصَالِحِ الْبَاذِلِ الْآجِلَةِ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ الذِّكْرُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَوَسِيلَةٌ إلَى حُصُولِ الْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ عَنْهُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهَا الِاسْتِقَامَةُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. وَأَفْضَلُ الْأَذْكَارِ مَا صَدَرَ عَنْ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ، وَدُونَهُمَا ذِكْرُ الْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْحُبِّ وَالشُّكْرِ، وَذِكْرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَسِيلَتَانِ إلَى تَرْكِ الْعِصْيَانِ لَيْسَا بِمَقْصُودَيْنِ إلَّا لِلْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ، وَذِكْرُ الْجِنَانِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ لِأَنَّهُ مَنْشَأُ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ يَحْضُرُ ذِكْرُ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَكَلُّفِ اسْتِحْضَارٍ، وَذَلِكَ غَالِبٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَغَلَبَتُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَكْثَرُ مِنْهَا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَلَمَّا عَسُرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ عَامَّةِ الْخَلْقِ سَقَطَ عَنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَفِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ لَمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ وَلَا أُجِيبَتْ دَعَوَاتُهُمْ، وَلَمَّا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ أَعْظَمَ الْمَصَالِحِ اقْتَضَى عِظَمَ مَصَالِحِهِ أَنْ يَجِبَ، لَكِنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَى أَعْظَمِ الْخَلْقِ سَقَطَ رِفْقًا بِهِمْ وَرَحْمَةً. وَأَمَّا مَنْ قَدَرَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ. [فَائِدَةٌ الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُخْتَرَعَةِ] (فَائِدَةٌ) الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُخْتَرَعَةِ، وَكَذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الدَّعَوَاتِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْرُوعَةِ أَوْلَى مِنْ الدَّعَوَاتِ الْمَجْمُوعَاتِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً. وَكَذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الْكَلِمَاتِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالْمُرَاجَعَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ الْبَيَانَ، وَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْإِلَهِ مِنْ الْمُرَادِفَاتِ إلَّا مَا أَطْلَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْصَى فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ. وَكَذَلِكَ لَا يُعَبَّرُ عَنْ طَاعَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ إلَّا بِمَا سَمَّاهَا بِهِ: كَالْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْجُمُعَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالِاعْتِكَافُ، وَكَذَلِكَ

стр. 453

لَا يُقَالُ حُظِرَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، وَلَا يُقَالُ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُبِيحَ وَالْمُبَاحَ لَهُ بَدَلَ قَوْلِهِ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ، بَلْ الْأَدَبُ التَّعْبِيرُ عَنْ الْمَعَانِي بِمَا عَبَّرَ الْعُظَمَاءُ عَنْهَا مُوَافَقَةً لَهُمْ وَإِجْلَالًا لَهُمْ، وَكَذَلِكَ تَنْزِيهُ الْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ الَّتِي جَرَى فِيهَا ذِكْرُ الْإِلَهِ عَنْ أَنْ يُذْكَرَ بِهَا سِوَاهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَحُثُّ الضَّرُورَةُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي السُّؤَالِ] ِ يَشْرُفُ السُّؤَالُ بِشَرَفِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ: فَالسُّؤَالُ عَنْ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ سُؤَالٍ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ثُمَّ السُّؤَالُ عَمَّا تَمَسُّ لِضَرُورَةٍ أَوْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَمَّا يُلَابِسُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ مَجْهُولِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، ثُمَّ السُّؤَالُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَصَالِحِ مَا يَعْزِمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُقَدَّمَةِ قَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُؤَخَّرَةِ أَخَّرَ، وَإِنْ جَهِلَ أَهُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُقَدَّمَةِ أَمْ الْمُؤَخَّرَةِ فَلَا يُقَدِّمُ حَتَّى يَعْلَمَ الْأَصْلَحَ مِنْ تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ. وَأَمَّا سُؤَالُ الشَّيْءِ وَطَلَبُهُ: فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مُحَرَّمًا فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَسُؤَالُهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَسُؤَالُهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَسُؤَالُهُ نَدْبٌ، وَأَمَّا طَلَبُ الْمُبَاحِ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَأَذَّى الْمَطْلُوبُ مِنْهُ بِبَذْلِهِ وَلَا رَدِّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَالسُّؤَالِ عَنْ الطَّرِيقِ وَعَنْ اسْمِ الرَّفِيقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَأَذَّى بِبَذْلِهِ الْمَسْئُولُ مِنْهُ وَيَخْجَلُ إذَا رَدَّهُ فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَخْجَلَ الْمَسْئُولُ أَنْ يَرُدَّهُ فَيَتَأَذَّى بِمَشَقَّةِ الْخَجَلِ وَيَسْتَحِي إذَا مَنَعَهُ: إمَّا لِبُخْلِهِ، وَإِمَّا لِحَاجَتِهِ،

стр. 454

وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِهِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِسُؤَالِهِ، كَمَا سَأَلَ مُوسَى وَالْخَضِرُ ﵉ الضِّيَافَةَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ لِئَامٍ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمَا. فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ ﵇ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ: «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ، رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقْضِيَهَا ثُمَّ يَمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ يَا قَبِيصَةُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا» فَجَعَلَ مَا عَدَا ذَلِكَ سُحْتًا. قُلْنَا ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ الزَّكَاةَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَذَلِكَ مِنْ الطَّلَبِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ سَأَلَ جَمَاعَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ الرَّسُولُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَكِنْ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا وَقَائِعُ أَحْوَالٍ، وَلَعَلَّ الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ شَاهَدُوا مِنْ ضَعْفِ السُّؤَالِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُجَوِّزُ لَهُمْ السُّؤَالَ، فَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ تَظْهَرُ مِنْهُمْ الْقُدْرَةُ عَلَى كَسْبِ الْكِفَايَةِ لِصِحَّةِ أَجْسَامِهِمْ وَقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ لَحَصَلَ الْغَرَضُ، وَقَدْ يَسْأَلُ الْكَرِيمُ الْأَرْيَحِيُّ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَيَتَأَذَّى بِمَنْعِهِ وَبَذْلِهِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكَرْمِ وَالْمُرُوآتِ، وَكَيْفَ يُفْلِحُ مَنْ عَوَّدَ نَفْسَهُ السُّؤَالَ مَعَ مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ وَالْإِنْكَارِ، وَمِمَّا يُكْرَهُ السُّؤَالُ عَنْهُ سُؤَالُ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مِنْ الْفُضُولِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَمُحَرَّمٌ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] . وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْمُرُوآت لَيَعِزُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ الطُّرُقَاتِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ.

стр. 455

[فَصْلٌ فِي الْبِدَعِ] ِ الْبِدْعَةُ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى: بِدْعَةٌ وَاجِبَةٌ، وَبِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَبِدْعَةٌ مَنْدُوبَةٌ، وَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَبِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ، وَالطَّرِيقُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْإِيجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ التَّحْرِيمِ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمَنْدُوبِ فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمَكْرُوهِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمُبَاحِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَلِلْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ أَمْثِلَةٌ. أَحَدُهَا: الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ ﷺ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ لِأَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ وَلَا يَتَأَتَّى حِفْظُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. الْمِثَالُ الثَّانِي: حِفْظُ غَرِيبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ اللُّغَةِ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: تَدْوِينُ أُصُولِ الْفِقْهِ. الْمِثَالُ الرَّابِعُ: الْكَلَامُ فِي الْجُرْحِ وَالتَّعْدِيلِ لِتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ السَّقِيمِ، وَقَدْ دَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَعَيَّنِ، وَلَا يَتَأَتَّى حِفْظُ الشَّرِيعَةِ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلِلْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ، وَمِنْهَا مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ، وَمِنْهَا مَذْهَبُ الْمُرْجِئَةِ، وَمِنْهَا مَذْهَبُ الْمُجَسِّمَةِ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ.

стр. 456

وَلِلْبِدَعِ الْمَنْدُوبَةِ أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: إحْدَاثُ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَمِنْهَا كُلُّ إحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا: صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ، وَمِنْهَا الْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ التَّصَوُّفِ، وَمِنْهَا الْكَلَامُ فِي الْجَدَلِ فِي جَمْعِ الْمَحَافِلِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسَائِلِ إذَا قُصِدَ بِذَلِكَ وَجْهُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَلِلْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ، وَمِنْهَا تَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ، وَأَمَّا تَلْحِينُ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ أَلْفَاظُهُ عَنْ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ. وَلِلْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَلُبْسِ الطَّيَالِسَةِ، وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ. وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، فَيَجْعَلُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيَجْعَلُهُ آخَرُونَ مِنْ السُّنَنِ الْمَفْعُولَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ كَالِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْبَسْمَلَةِ. [فَصْلٌ فِي الِاقْتِصَادِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْخُيُورِ] الِاقْتِصَادُ رُتْبَةٌ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ، وَمَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَالْمَنَازِلُ ثَلَاثَةٌ: التَّقْصِيرُ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَالْإِسْرَافِ فِي جَلْبِهَا، وَالِاقْتِصَادُ بَيْنَهُمَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّقْصِيرَ سَيِّئَةٌ، وَالْإِسْرَافَ سَيِّئَةٌ، وَالْحَسَنَةَ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْصِيرِ،

стр. 457

وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، فَلَا يُكَلِّفُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنْ الْخُيُورِ وَالطَّاعَاتِ إلَّا مَا يُطِيقُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَدِّي إلَى الْمَلَالَةِ وَالسَّآمَةِ، وَقَالَ ﵇ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ: «لِيَصِلَ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا وَجَدَ كَسَلًا أَوْ فُتُورًا فَلْيَقْعُدْ - أَوْ قَالَ فَلْيَرْقُدْ» - وَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْ الْعِبَادَةِ مَا لَا يُطِيقُهُ، فَقَدْ تَسَبَّبَ إلَى تَبْغِيضِ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمَنْ قَصَّرَ عَمَّا يُطِيقُهُ، فَقَدْ ضَيَّعَ حَظَّهُ مِمَّا نَدَبَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وَحَثَّهُ عَلَيْهِ، قَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ وَقَدْ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ، «وَأَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْتِزَامَهُ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَصِيَامَ النَّهَارِ، وَاجْتِنَابَ النِّسَاءِ وَقَالَ لَهُ أَرَغِبْت عَنْ سُنَّتِي؟ فَقَالَ: بَلْ سُنَّتَك أَبْغِي، قَالَ: فَإِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ عَمَّا عَزَمُوا عَلَيْهِ: مِنْ سَرْدِ الصَّوْمِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالِاخْتِصَاءِ، وَكَانُوا قَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْفِطْرَ وَالنَّوْمَ ظَنًّا أَنَّهُ قُرْبَةً إلَى رَبِّهِمْ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ وَاعْتِدَاءٌ عَمَّا شَرَعَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] وَالتَّقْدِيرُ وَلَا تُحَرِّمُوا تَنَاوُلَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالنِّكَاحِ وَلَا تَعْتَدُوا بِالِاخْتِصَاءِ، إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُخْتَصِّينَ، أَوْ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بِالِاخْتِصَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا تَعْتَدُوا بِمَا الْتَزَمْتُمُوهُ: أَيْ وَلَا تَعْتَدُوا الِاقْتِصَادَ إلَى السَّرَفِ، وَإِنَّمَا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ تَحْبِيبًا إلَى اللَّهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ اعْتَدَى حُدُودَهُ، وَمَا رَسَمَهُ مِنْ الِاقْتِصَادِ فِي أُمُورِ الدِّينِ. وَلِلِاقْتِصَادِ أَمْثِلَةٌ: فِي اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ الطَّهَارَةِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا قَدْرُ الْإِسْبَاغِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ، لِأَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» ، وَلِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسَلِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ

стр. 458

مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ كَاعْتِدَالِ خَلْقِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي اجْتِنَابِ التَّنْقِيصِ عَنْ الْمُدِّ وَالصَّاعِ. الْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ ضَئِيلًا لَطِيفَ الْخَلْقِ بِحَيْثُ يُعَادِلُ جَسَدُهُ بَعْضَ جَسَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْ الْمَاءِ مَا تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إلَى جَسَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْحَالُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ مُتَفَاحِشَ الْخَلْقِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَعَظْمِ الْبَطْنِ وَفَخَامَةِ الْأَعْضَاءِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ مِقْدَارٍ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى بَدَنِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إلَى بَدَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مُفْرِدًا وَمُثَنِّيًا وَمُثَلِّثًا، وَقَالَ وَهَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إبْرَاهِيمَ، فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» . وَلَفْظُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنِهِ وَمَسَحَ إبْهَامَهُ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسِّبَابَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ» - وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ نَقَصَ عَنْ الْمَرَّةِ فَقَدْ أَسَاءَ وَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِلْقُرْبَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَدْ أَسَاءَ لِتَقَرُّبِهِ إلَى الرَّبِّ بِمَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ تَبَرُّدًا أَوْ تَنَظُّفًا بِالْمَاءِ الْحَارِّ أَوْ تَدَاوِيًا، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهَا فَقَدْ أَسَاءَ بِتَفْرِيقِ الْوُضُوءِ لَا بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ.

стр. 459

وَمِنْهَا الِاقْتِصَادُ فِي الْمَوَاعِظِ: «كَانَ ﷺ يَتَحَوَّلُ أَصْحَابُهُ بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْهِمْ» ، وَالْمَوَاعِظُ إذَا كَثُرَتْ لَمْ تُؤْثِرْ فِي الْقُلُوبِ فَيَسْقُطُ بِالْإِكْثَارِ فَائِدَةُ الْوَعْظِ. وَمِنْهَا الِاقْتِصَادُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّرَفِ فِيهِ، وَقَالَ: «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» . وَمِنْهَا الِاقْتِصَادُ فِي الْعُقُوبَاتِ وَالْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَيُعَاقَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُنَاةِ عَلَى حَسَبِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، وَكَذَلِكَ رَجْمُ الزُّنَاةِ لَا يُرْجَمُ بِحَصَيَاتٍ وَلَا بِصَخَرَاتٍ وَإِنَّمَا يُضْرَبُ بِحَجَرٍ لَطِيفٍ يُرْجَمُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، وَكَذَلِكَ الِاقْتِصَادُ فِي الضَّرْبِ لَا يُبَالَغُ فِيهِ إلَى سَفْحِ الدَّمِ، وَلَا يُضْرَبُ ضَرْبًا لَا أَثَرَ لَهُ فِي الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، بَلْ يَكُونُ ضَرْبُهُ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ سَوْطُ الضَّرْبِ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، لَيْسَ بِحَدِيدٍ يَقْطَعُ الْجُلُودَ وَلَا بِبَالٍ لَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَكَذَلِكَ الزَّمَنُ يَكُونُ بَيْنَ زَمَانَيْنِ كَزَمَنَيْ الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ دُونَ زَمَنَيْ الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَهَذَا الِاقْتِصَادُ فِي الضَّرْبِ وَالسَّوْطُ جَارٍ فِي ضَرْبِ الرَّقِيقِ وَالصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالنِّسْوَانِ عِنْدَ التَّأْدِيبِ وَالرِّيَاضَةِ وَالنُّشُوزِ. وَمِنْهَا الِاقْتِصَادُ فِي الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَدْعِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا اخْتِيَارُ الْأَدْعِيَةِ، فَنُقِلَ عَنْهُ ﷺ دَعَوَاتٌ مُخْتَصَرَاتٌ جَامِعَاتٌ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالتَّضَرُّعِ وَالْخُفْيَةِ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَحْضُرُ ذَلِكَ غَالِبًا إلَّا بِالتَّكَلُّفِ، وَإِذَا أَطَالَ الدُّعَاءَ عَزَبَ التَّضَرُّعُ وَالْإِخْفَاءُ وَذَهَبَ أَدَبُ الدُّعَاءِ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ دُعَاءُ التَّشَهُّدِ دُونَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ. وَمِنْهَا الْجَهْرُ بِالْكَلَامِ لَا يُخَافِتُ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ حَاضِرُوهُ، وَلَا

стр. 460

يَرْفَعُهُ فَوْقَ حَدِّ أَسْمَاعِهِمْ، لِأَنَّ رَفْعَهُ فَوْقَ أَسْمَاعِهِمْ فُضُولٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَ إخْفَاءُ الدُّعَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ الْخَفِيَّ كَمَا يَسْمَعُ الْجَلِيَّ، فَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي مُنَاجَاةِ الرَّبِّ فُضُولٌ لَا حَاجَة إلَيْهِ. وَمِنْهَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لَا يَتَجَاوَزُ فِيهِمَا حَدَّ الشِّبَعِ وَالرَّيِّ، وَلَا يَقْتَصِرُ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُضْعِفُهُ وَيُضْنِيهِ وَيُقْعِدُهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وَقَالَ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَمِنْهَا إمْكَانُ السَّيْرِ إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا تُزَادُ فِيهِ شِدَّةُ الْإِسْرَاعِ الْمُضْنِيَةِ لِلْأَجْسَادِ وَلَا التَّبَاطُؤُ الْخَارِجُ عَنْ الْمُعْتَادِ. وَمِنْهَا زِيَارَةُ الْإِخْوَانِ لَا يُكْثِرُ مِنْهَا بِحَيْثُ يَمَلُّونَهُ وَيَسْتَثْقِلُونَهُ، وَلَا يَقِلُّ مِنْهَا بِحَيْثُ يَشْتَاقُونَهُ وَيَعْتِبُونَهُ. وَمِنْهَا مُخَالَطَةُ النِّسَاءِ لَا يُكْثِرُ بِحَيْثُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ أَخْلَاقُهُنَّ، وَلَا يُقَلِّلُهَا بِحَيْثُ يَتَأَذَّيْنَ بِذَلِكَ. وَمِنْهَا دِرَاسَةُ الْعُلُومِ لَا يُكْثِرُ مِنْهَا بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلَى السَّآمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَلَا يُقَلِّلُهَا بِحَيْثُ يُعَدُّ مُقَصِّرًا فِيهَا. وَمِنْهَا السُّؤَالُ عَمَّا تَدْعُوَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ إلَى السُّؤَالِ عَنْهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَا يُكْثِرُ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مَاسَّةٍ. وَكَذَلِكَ الْمِزَاحُ وَالضَّحِكُ وَاللَّعِبُ. وَكَذَلِكَ الْمَدْحُ الْمُبَاحُ لَا يُكْثِرُ مِنْهُ وَلَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الْيَسِيرِ مِنْهُ عِنْدَ مَسِيسِ
следующие страницы →