Полный текст (196 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وعقولهم تعرف أن كل مخلوق لا بد له من خالق، وكل موجود لا بد له من موجد، وأن نظام هذا الكون المنضبط الدقيق لا بد له من مدبر حكيم، قدير عليم، من أنكره فهو إما فاقد لعقله، أو مكابر قد ألغى عقله وسفه نفسه، وهذا لا عِبرةَ به.
стр. 72
الفصل الثاني
الشرك: تعريفه، أنواعه
أ - تعريفه: الشرك هو: جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته.
والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يَصرفَ له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة. والشركُ أعظمُ الذنوب؛ وذلك لأمور:
١ - لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله أحدًا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وذلك أعظم الظلم.
٢ - أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
٣ - أن الله أخبر أنه حرَّم الجنة على المشرك، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
стр. 73
٤ - أنَّ الشركَ يُحبطُ جميعَ الأعمال، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
٥ - أنَّ المشرك حلالُ الدم والمال، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .
وقال النبي ﷺ : «أمرتُ أن أقاتلَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .
٦ - أنَّ الشركَ أكبرُ الكبائر، قال ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ... » الحديث.
قال العلامة ابن القيم: (أخبر سُبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يُعرفَ بأسمائه وصفاته، ويُعبدَ وحده لا يُشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات
стр. 74
والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزلَ كُتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه؛ وإن الشرك ظلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشد منافاةً لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر) .
إلى أن قال: (فلما كان الشرك منافيًا بالذات لهذا المقصود؛ كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدًا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملًا، أو يقبلَ فيه شفاعة، أو يَستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها رجاء؛ فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندًّا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربَّه، وإنَّما ظلَمَ نفسه) انتهى.
٧ - أنَّ الشركَ تنقص وعيب نزه الرب سبحانه نفسه عنهما، فمن أشرك بالله فقد أثبت لله ما نزه نفسه عنه، وهذا غاية المحادَّةِ لله تعالى،
стр. 75
وغاية المعاندة والمشاقَّة لله.
ب - أنواع الشرك
الشرك نوعان:
النوع الأول: شرك أكبر يُخرج من الملة، ويخلَّدُ صاحبُهُ في النار، إذا مات ولم يتب منه، وهو صرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء غير الله، والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يُمرضوه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكُربات، مما يُمارسُ الآن حولَ الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة؛ لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو قسمان:
القسم الأول: شرك ظاهر على اللسان والجوارح وهو: ألفاظ وأفعال، فالألفاظ كالحلف بغير الله، قال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . وقول: ما شاء الله وشئت، قال ﷺ : لما قال له
стр. 76
رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله نِدًّا؟ ! قُلْ: ما شاءَ الله وحده» . وقول: لولا الله وفلان، والصوابُ أن يُقالَ: ما شاءَ الله ثُمَّ شاء فلان؛ ولولا الله ثمَّ فلان، لأن (ثم) تفيدُ الترتيب مع التراخي، وتجعلُ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
وأما الواو: فهي لمطلق الجمع والاشتراك، لا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا؛ ومثلُه قول: ما لي إلا الله وأنت، و: هذا من بركات الله وبركاتك.
وأما الأفعال: فمثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، ومثل تعليق التمائم خوفًا من العين وغيرها؛ إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه، فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه أسبابًا، أما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر لأنه تَعلَّق بغير الله.
القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات، كالرياء والسمعة، كأن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله؛ يريد به ثناء الناس عليه، كأن يُحسن صلاته، أو يتصدق؛ لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه، أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس، فيُثنوا عليه ويمدحوه. والرياء إذا خالط العمل أبطله، قال الله تعالى:
стр. 77
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وقال النبي ﷺ : «أخوفُ ما أخافُ عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» .
ومنه: العملُ لأجل الطمع الدنيوي، كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال، أو يتعلم العلم الشرعي، أو يجاهد لأجل المال. قال النبي ﷺ : «تَعِسَ عبدُ الدينار، وتَعِسَ عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط» .
قال الإمام ابن القيم ﵀: (وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه؛ فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يُخلصَ لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يُقبلُ من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
стр. 78
وهي ملَّةُ إبراهيمَ ﵇ التي من رغب عنها فهو من أسفَهِ السُّفهاء) انتهى.
يتلخَّصُ مما مرّ أن هناك فروقًا بين الشرك الأكبر والأصغر، وهي:
١- الشرك الأكبر: يُخرج من الملة، والشرك الأصغر لا يُخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد.
٢- الشرك الأكبرُ يخلَّدُ صاحبه في النار، والشرك الأصغر لا يُخلَّد صاحبُه فيها إن دَخَلها.
٣- الشركُ الأكبرُ يحبطُ جميعَ الأعمال، والشركُ الأصغرُ لا يُحبِطُ جميع الأعمال، وإنما يُحبِطُ الرياءُ والعملُ لأجل الدنيا العملَ الذي خالطاه فقط.
٤- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال، والشرك الأصغر لا يبيحهما.
стр. 79
الفصل الثالث
الكفر: تعريفه - أنواعه
أ - تعريفه:
الكفر في اللغة: التغطية والستر، والكفر شرعًا: ضد الإيمان، فإنَّ الكُفرَ: عدم الإيمان بالله ورسله، سواءً كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب، بل مجرد شك وريب أو إعراض أو حسد، أو كبر أو اتباع لبعض الأهواء الصادة عن اتباع الرسالة. وإن كان المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحدُ والمكذِّب حسدًا؛ مع استيقان صدق الرسل.
ب - أنواعه:
الكفر نوعان: النوع الأول: كفر أكبر يخرج من الملة، وهو خمسة أقسام:
القسم الأول: كُفرُ التَّكذيب، والدَّليلُ: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] .
القسم الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
стр. 80
القسم الثالث: كفرُ الشّكِّ، وهو كفر الظّنّ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥- ٣٨] .
القسم الرابع: كفرُ الإعراضِ، والدليلُ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] .
القسم الخامس: كفرُ النّفاقِ، والدليلُ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقين: ٣] .
النوع الثاني: كفرٌ أصغرُ لا يُخرجُ من الملة، وهو الكفرُ العملي، وهو الذنوب التي وردت تسميتها في الكتاب والسنة كُفرًا، وهي لا تصلُ إلى حدِّ الكفر الأكبر، مثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] .
ومثلُ قتال المسلم المذكور في قوله ﷺ : «سباب المسلمِ فُسوقٌ، وقتالُه كفر» .
стр. 81
وفي قوله ﷺ : «لا تَرجعوا بعدي كُفَّارًا يضربُ بعضكم رقابَ بعض» .
ومثل الحلف بغير الله، قال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» .
فقد جعل الله مُرتكِبَ الكبيرة مُؤمنًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
فلم يُخرج القاتلَ من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
والمرادُ: أخوة الدين، بلا ريب.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] .
إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] . انتهى من شرح الطحاوية باختصار.
стр. 82
وملخص الفروق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر:
١- أنَّ الكفر الأكبر يُخرجُ من الملة، ويحبط الأعمال، والكُفر الأصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال، لكن ينقصُها بحسبه، ويعرِّضُ صاحبَها للوعيد.
٢- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُخلد صاحبه في النار، والكفر الأصغر إذا دخل صاحبه النار فإنه لا يخلد فيها؛ وقد يتوب الله على صاحبه، فلا يدخله النار أصلًا.
٣- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يُبيحُ الدم والمال.
٤- أن الكفر الأكبر يُوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب، وأما الكفر الأصغر فإنهُ لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحَبُّ ويُوالى بقدر ما فيه من الإيمان، ويبغض ويُعادى بقدر ما فيه من العصيان.
стр. 83
الفصل الرابع
النفاق: تعريفه، أنواعه
أ - تعريفه:
النفاق لغة: مصدر نافق، يُقال: نافق يُنافق نفاقًا ومنافقة، وهو مأخوذ من النافقاء: أحد مخارج اليربوع من جحره؛ فإنه إذا طلب من مخرج هرب إلى الآخر، وخرج منه، وقيل: هو من النفق وهو: السِّرُ الذي يستتر فيه.
وأما النفاق في الشرع فمعناه: إظهارُ الإسلام والخير، وإبطانُ الكفر والشر؛ سمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، ويخرج منه من باب آخر، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] .
أي: الخارجون من الشرع.
وجعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٩، ١٠] .
стр. 84
ب - أنواع النفاق:
النفاق نوعان: النوع الأول: النفاقُ الاعتقادي: وهو النفاق الأكبر الذي يُظهر صاحبه الإسلام، ويُبطن الكفر، وهذا النوع مخرج من الدين بالكلية، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، وقد وصَفَ الله أهله بصفات الشر كلها: من الكفر وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدين وأهله، والسخرية منهم، والميل بالكلية إلى أعداء الدين؛ لمشاركتهم لهم في عداوة الإسلام. وهؤلاء مَوجودون في كل زمان، ولا سيما عندما تظهر قوة الإسلام ولا يستطيعون مقاومته في الظاهر، فإنهم يظهرون الدخول فيه؛ لأجل الكيد له ولأهله في الباطن؛ ولأجل أن يعيشوا مع المسلمين ويأمنوا على دمائهم وأموالهم؛ فيظهر المنافق إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولًا للناس يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه، وقد هتك الله أستار هؤلاء المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن الكريم، وجلى لعباده أمورهم؛ ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكرَ طوائف العالم الثلاث في أول البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم
стр. 85
الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة؛ يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
وهذا النفاق ستة أنواع
١ - تكذيب الرسول ﷺ .
٢ - تكذيبُ بعض ما جاءَ به الرسول ﷺ
٣ - بُغضُ الرسول ﷺ
٤ - بغضُ بعض ما جاء به الرسول ﷺ .
٥ - المسرَّة بانخفاض دين الرسول ﷺ .
٦ - الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ .
النوع الثاني: النفاق العملي: وهو عمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء الإيمان في القلب، وهذا لا يُخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى ذلك، وصاحبه يكونُ فيه إيمان ونفاق، وإذا كثر صارَ بسببه منافقًا خالصًا، والدليل عليه قوله ﷺ : «أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا»
стр. 86
«اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» .
فمن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع، فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، ومَن كانت فيه واحدة منها صار فيه خصلة من النفاق، فإنه قد يجتمع في العبد خصال خير، وخصال شر، وخصال إيمان، وخصال كفر ونفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك.
ومنه: التكاسل عن الصلاة مع الجماعة في المسجد؛ فإنه من صفات المنافقين، فالنفاق شر، وخطير جدًّا، وكان الصحابة يتخوفون من الوقوع فيه، قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كُلُّهم يخاف النفاق على نفسه) .
الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر:
١ - إن النفاقَ الأكبرَ يُخرجُ من الملَّة، والنفاقَ الأصغر لا يُخرجُ من الملَّة.
٢ - إن النفاق الأكبر: اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، والنفاق الأصغر: اختلاف السر والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد.
٣ - إن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.
٤ - إن النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه، ولو تاب فقد اختلف
стр. 87
في قبول توبته عند الحاكم. بخلاف النفاق الأصغر؛ فإن صاحبه قد يتوب إلى الله، فيتوب الله عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وكثيرًا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوبُ الله عليه، وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق، ويدفعه الله عنه، والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قال الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخرّ من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: «ذلك صريح الإيمان» . وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به، قال: «الحمدُ لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة» ، أي حصول هذا الوسواس، مع هذه الكراهة العظيمة، ودفعه عن القلب، هو من صريح الإيمان) انتهى.
وأما أهل النفاق الأكبر، فقال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] . أي: إلى الإسلام في الباطن، وقال تعالى فيهم: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اختلف العلماءُ في قبول توبتهم في الظاهر؛ لكون ذلك لا يُعلم، إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام) .
стр. 88
الفصل الخامس
بيان حقيقة كل من الجاهلية - الفسق - الضلال - الردة: أقسامها، أحكامها
١ - الجاهلية:
هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام؛ من الجهل بالله ورسله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر، وغير ذلك نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: (فإنَّ من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلًا مركبًا، فإن قال خلاف الحق عالمًا بالحق، أو غير عالم، فهو جاهل أيضًا، فإذا تبيّن ذلك فالناس قبل بعث الرسول ﷺ كانوا في جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون، من يهودية ونصرانية، فهو جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة.
فأما بعد بعث الرسول ﷺ فقد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكونُ في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلمَ فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام، فأما في زمان مطلق فلا
стр. 89
جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة، والجاهلية المقيدة قد توجد في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية ... » وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ونحو ذلك) انتهى.
وملخص ذلك: أن الجاهلية: نسبة إلى الجهل، وهو عدم العلم، وأنها تنقسم إلى قسمين:
١ - الجاهلية العامة: وهي ما كان قبل مبعث الرسول محمد ﷺ وقد انتهت ببعثته.
٢ - جاهلية خاصة ببعض الدول، وبعض البلدان، وبعض الأشخاص، وهذه لا تزال باقية، وبهذا يتضح خطأ من يُعمّمونَ الجاهلية في هذا الزمان فيقولون: جاهلية هذا القرن أو جاهلية القرن العشرين، وما شابه ذلك، والصواب أن يُقالَ: جاهلية بعض أهل هذا القرن، أو غالب أهل هذا القرن؛ وأما التعميم فلا يصحُّ ولا يجوزُ؛ لأنه ببعثة النبي ﷺ زالت الجاهلية العامة.
стр. 90
٢ - الفسق:
الفسق لغة: الخروج، والمراد به شرعًا: الخروج عن طاعة الله، وهو يشمل الخروج الكلي؛ فيقالُ للكافر: فاسق، والخروج الجزئي؛ فيقال للمؤمن المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب: فاسق.
فالفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وهو الكفر، فيسمَّى الكافرُ فاسقًا، فقد ذكر الله إبليسَ فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ، وكان ذلك الفسق منه كُفرًا.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ، يريد الكفار، دلَّ على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
ويُسمَّى مرتكب الكبيرة من المسلمين: فاسقًا، ولم يُخرجهُ فسقُهُ من الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي.
стр. 91
٣ -
الضلال:
الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، وهو ضد الهداية، قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥] .
والضلالُ يطلق على عدة معان:
١ - فتارةً يُطلقُ على الكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] .
٢ - وتارة يُطلقُ على الشرك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] .
٣ - وتارة يُطلقُ على المخالفة التي هي دون الكفر، كما يقال: الفرق الضالة: أي المخالفة.
٤ - وتارة يُطلق على الخطأ، ومنه قولُ موسى ﵇: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] .
٥ - وتارةً يُطلقُ على النسيان، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
٦- ويُطلقُ الضلالُ على الضياع والغيبة، ومنه: ضالة الإبل.
стр. 92
٤ - الردة وأقسامها وأحكامها:
الردة لغة: الرجوع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] .
أي: لا ترجعوا، والردة في الاصطلاح الشرعي هي: الكفرُ بعد الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
أقسامها: الردة تحصل بارتكاب ناقضٍ من نواقضِ الإسلام، ونواقضُ الإسلام كثيرة ترجع إلى أربعة أقسام، هي:
١ - الردة بالقول: كسبِّ الله تعالى، أو رسوله ﷺ أو ملائكته، أو أحد من رسله. أو ادّعاء علم الغيب، أو ادّعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها. أو دعاء غير الله، أو الاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعاذة به في ذلك.
٢ - الردة بالفعل: كالسجود للصنم والشجر، والحجر والقبور، والذبح لها. وإلقاء المصحف في المواطن القذرة، وعمل السحر، وتعلمه وتعليمه، والحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا حله.
٣ - الردة بالاعتقاد، كاعتقاد الشريك لله، أو أن الزنا والخمر والربا حلال، أو أن الخبز حرام، وأن الصلاة غير واجبة، ونحو ذلك مما أُجمع على حله، أو حرمته أو وجوبه، إجماعًا قطعيًّا، ومثله لا يجهله.
стр. 93
٤ - الردة بالشك في شيء مما سبق، كمن شكَّ في تحريم الشرك، أو تحريم الزنا والخمر، أو في حل الخبز، أو شك في رسالة النبي ﷺ أو رسالة غيره من الأنبياء، أو في صدقه، أو في دين الإسلام، أو في صلاحيته لهذا الزمان.
٥ - الردة بالترك، كمن ترك الصلاة متعمدًا؛ لقول النبي ﷺ : «بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» وغيره من الأدلة على كفر تارك الصلاة.
وأحكامها التي تترتب عليها بعد ثبوتها هي:
١ - استتابة المرتد، فإن تاب ورجعَ إلى الإسلام في خلال ثلاثة أيام قبل منه ذلك وترك.
٢ - إذا أبى أن يتوبَ وجب قتله؛ لقوله ﷺ : «من بدَّلَ دينه فاقتلوه» .
٣- يُمنع من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له؛ وإلا صار فيئًا لبيت المال، من حين قتله، أو موته على الردة. وقيل: من حين ارتداده يصرف في مصالح المسلمين.
٤- انقطاع التوارث بينه وبين أقاربه؛ فلا يرثهم ولا يرثونه.
٥- إذا ماتَ أو قُتلَ على ردته فإنه لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ في مقابر المسلمين، وإنما يُدفَنُ في مقابر الكفّار، أو يُوارى في التراب في أي مكان غير مقابر المسلمين.
стр. 94
الباب الرابع
أقوال وأفعال تُنافي التوحيد أو تُنقِصُه
وفيه فصول:
الفصل الأول: ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان، والتنجيم ... إلخ.
الفصل الثاني: السحر والكهانة والعرافة.
الفصل الثالث: تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها.
الفصل الرابع: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية.
الفصل الخامس: الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته.
الفصل السادس: الحكم بغير ما أنزل الله.
الفصل السابع: ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم.
الفصل الثامن: الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية.
الفصل التاسع: النظرة المادية للحياة.
الفصل العاشر: التمائم والرقى.
الفصل الحادي عشر: الحلف بغير الله والتوسل والاستعانة بالمخلوق دون الله.
стр. 95
الفصل الأول
ادِّعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما
المراد بالغيب: ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه، وقد اختص الله تعالى بعلمه، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] .
فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وحده، وقد يُطلع رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] .
أي: لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب؛ لأنه يُستدل على نبوته بالمعجزات التي منها الإخبار عن الغيب الذي يطلعه الله عليه، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ولا يطلع غيرهما لدليل الحصر. فمن ادّعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله فهو كاذب كافر، سواء ادّعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان، أو الكهانة أو السحر أو التنجيم، أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين من الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة، وعن أسباب بعض الأمراض، فيقولون: فلان عَمِلَ لكَ كذا وكذا فمرضتَ بسببه، وإنما هذا لاستخدام الجن والشياطين، ويظهرون
стр. 96
للناس أن هذا يحصل لهم عن طريق عمل هذه الأشياء من باب الخداع والتلبيس، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية (والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يَخلطون الصِّدقَ بالكذب) إلى أن قال: (ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما) انتهى.
وقد يكون إخبارهم عن ذلك عن طريق التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هُبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزود بنجم كذا وكذا، حصل له كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا، ومن وُلد بنجم كذا وكذا حصل له كذا؛ من السعود أو النحوس، كما يعلن في بعض المجلات الساقطة من الخزعبلات حول البروج وما يجري فيها من الحظوظ.
وقد يذهب بعضُ الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين، فيسألهم عن مستقبل حياته وما يجري عليه فيه وعن زواجه وغير
стр. 97
ذلك.
ومن ادَّعى علم الغيب أو صدَّق من يدَّعيه فهو مشركٌ كافر؛ لأنه يدَّعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه، والنجوم مسخَّرة مخلوقة، ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل على نحوس، ولا سعود، ولا موت، ولا حياة، وإنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع.
стр. 98
الفصل الثاني
السحرُ والكهانةُ والعِرافة
كل هذه الأمور أعمال شيطانية مُحرَّمة تخل بالعقيدة أو تناقضها؛ لأنها لا تحصل إلا بأمور شركية.
١ - فالسحرُ عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببُهُ
سُمِّي سِحْرا؛ لأنه يحصل بأمور خفية، لا تدرك بالأبصار، وهو عزائم ورقى، وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات، وله حقيقة. ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيُمرض ويقتُل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القَدَريّ، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بما تحب، والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها؛ ولهذا قرنهُ الشارع بالشرك، حيث يقول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبعَ الموبقات، قالوا: وما هي؟ قال: الإشراكُ بالله، والسحر ... » الحديث. فهو داخل في الشرك من ناحيتين:
الناحية الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين، والتعلق بهم والتقرب إليهم بما يحبونه؛ ليقوموا بخدمة الساحر، فالسِّحرُ من تعليم الشياطين، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
стр. 99
الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، أي: نصيبٌ.
وإذا كان كذلك فلا شكَّ أنه كفر وشرك يناقض العقيدة، ويجبُ قتل متعاطيه، كما قتله جماعة من أكابر الصحابة ﵃ وقد تساهل الناس في شأن الساحر والسِّحر، ورُبما عدوا ذلك فنًّا من الفنون التي يفتخرون بها، ويمنحون أصحابها الجوائز والتشجيع، ويُقيمون النوادي والحفلات والمسابقات للسحرة، ويحضرها آلاف المتفرجين والمشجعين، أو يسمونه بالسيرك، وهذا من الجهل بالدين والتهاون بشأن العقيدة، وتمكين للعابثين.
٢ - الكهانة والعرافة
وهما ادعاء علم الغيب، ومعرفة الأمور الغائبة، كالأخبار بما سيقع في الأرض، وما سيحصل، وأين مكان الشيء المفقود؛ وذلك عن طريق استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] .
وذلك أن الشيطان يسترق الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، ويكذب الكاهن مع هذه الكلمة مائة كذبة، فيصدقه الناس
стр. 100
بسبب تلك الكلمة التي سُمعت من السماء، والله هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك، بكهانة أو غيرها، أو صدق من يدعي ذلك فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه. والكهانة لا تخلو من الشرك؛ لأنها تَقَرُّبٌ إلى الشياطين بما يحبون؛ فهي شرك في الربوبية من حيث ادعاء مشاركة الله في علمه، وشرك في الألوهية من حيث التقرب إلى غير الله بشيء من العبادة.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » .
ومما يجب التنبيه عليه والتنبه له: أن السحرة والكهان والعرافين يعبثون بعقائد الناس بحيث يظهرون بمظهر الأطباء، فيأمرون المرضى بالذبح لغير الله؛ بأن يذبحوا خروفًا صفته كذا وكذا، أو دجاجة، أو يكتبون لهم الطلاسم الشركية، والتعاويذ الشيطانية بصفة حروز يعلقونها في رقابهم، أو يضعونها في صناديقهم، أو في بيوتهم.
والبعض الآخر يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات، وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال فيسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم بها أو يحضرها لهم، بواسطة عملائه من الشياطين. وبعضهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات، أو بمظهر الفنان، كدخول النار
стр. 101
ولا تؤثر فيه، وضرب نفسه بالسلاح، أو وضع نفسه تحت عجلات السيارة ولا تؤثر فيه، أو غير ذلك من الشعوذات التي هي في حقيقتها سحر من عمل الشيطان، يجري على أيدي هؤلاء للفتنة. أو هي أمور تخيلية لا حقيقة لها؛ بل هي حيل خفية يتعاطونها أمام الأنظار، كعمل سحرة فرعون بالحبال والعصي.
قال شيخ الإسلام في مناظرته للسحرة البطائحية الأحمدية الرفاعية (قال: " يعني شيخ البطائحية " ورفع صوته: نحن لنا أحوال وكذا وكذا، وادَّعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها) . قال شيخ الإسلام: (فقلتُ ورفعتُ صوتي وغضبت: أنا أُخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها: أي شيء فعلوه في النار؟ ! فأنا أصنع مثل ما يصنعون، ومن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؛ فقلت: لأن لهم حيلًا في الاتصال بالنار، يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق، فضج الناس بذلك؛ فأخذ يظهر القدرة على ذلك، فقال: أنا وأنت نُلَفُّ في بارية بعد أن نطلي جسومنا بالكبريت. فقلت: فقُم، وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك، فمدَّ يده يظهر خلع القميص، فقُلتُ: لا، حتى تغتسل بالماء الحار والخل؛ فأظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحبُّ الأمير
стр. 102
فليحضر خشبًا - أو قال: حزمة حطب - فقلتُ: هذا تطويلٌ وتفريقٌ للجمع ولا يَحصلُ به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأُدخل أصبعي وأصبعك فيه بعد الغسل، ومن احترقت أصبعه فعليه لعنة الله، أو قلت: فهو مغلوب، فلمَّا قلتُ ذلك تغير وذل) انتهى.
والمقصود منه بيان أن هؤلاء الدجالين يكذبون على الناس بمثل هذه الحيل الخفية، كجرهم السيارة بشعرة، وإلقائه نفسه تحت عجلاتها، وإدخال أسياخ الحديد في عينه، إلى غير ذلك من الشعوذات الشيطانية.
стр. 103
الفصل الثالث
تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها
لقد سدّ النبي ﷺ كل الطرق المفضية إلى الشرك، وحذّر منها غاية التحذير، ومن ذلك: مسألة القبور، قد وضع الضوابط الواقية من عبادتها، والغلو في أصحابها، ومن ذلك:
١ - أنه قد حذّر ﷺ من الغلو في الأولياء والصالحين؛ لأن ذلك يؤدِّي إلى عبادتهم، فقال: «إياكم والغُلُوَّ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغُلُوُّ» وقال: «لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ الله ورسوله» .
٢ - وحذر ﷺ من البناء على القبور، كما روى أبو الهياج الأسدي قال: «قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته» .
٣ - ونهى عن تجصيصها والبناء عليها، عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»
стр. 104
«بناء» .
٤ - وحذَّر ﷺ من الصلاة عند القبور، عن عائشة ﵂ قالت: «لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنةُ الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذرُ ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتَّخذَ مسجدًا» .
وقال ﷺ : «ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» .
واتخاذُها مساجد معناهُ: الصلاة عندها وإن لم يبن مسجد عليها؛ فكلُّ موضع قصد للصلاة فيه فقد اتُّخذَ مسجدًا، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» فإذا بني عليها مسجد فالأمر أشد.
وقد خالف أكثر الناس هذه النواهي، وارتكبوا ما حذر منه النبي ﷺ فوقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر؛ فبنوا على القبور مساجد وأضرحة ومقامات، وجعلوها مزارات تمارس عندها كل أنواع الشرك الأكبر، من الذبح لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وصرف
стр. 105
النذور لهم، وغير ذلك.
قال العلامة ابن القيم ﵀: (ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدُهما مضادًا للآخر مناقضًا له؛ بحيث لا يجتمعان أبدًا؛ فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السُّرُج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تُتَّخذَ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في صحيحه «عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بنُ أبي طالب ﵁: ألا أبعثُكَ على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته» . وفي صحيحه أيضًا عن ثُمامَة بن شُفيّ قال: «كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» .
стр. 106
وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.
إلى أن قال: (فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه؟ ! ولا ريبَ أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره) .
ثم أخذ يذكر تلك المفاسد، إلى أن قال: (ومنها: أن الذي شرعه النبي ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه والاستغفار، وسؤال العافية له؛ فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة: الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤال حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك؛ فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له) انتهى.
وبهذا يتضح أن تقديم النذور والقرابين للمزارات شرك أكبر؛ سببه مخالفة هَدْي النبي ﷺ في الحالة التي يجب أن تكون عليها القبور من عدم البناء عليها وإقامة المساجد عليها؛ لأنها لما بنيت عليها القباب،
стр. 107
وأقيمت حولها المساجد والمزارات، ظن الجهال أن المدفونين فيها ينفعون أو يضرون، وأنهم يُغيثون من استغاث بهم، ويقضون حوائج من التجأ إليهم، فقدموا لهم النذور والقرابين؛ حتى صارت أوثانًا تُعبدُ من دون الله، وقد قال النبي ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» وما دعا بهذا الدعاء إلا لأنه سيحصل شيء من ذلك، وقد حصل عند القبور في كثير من بلاد الإسلام، أما قبره فقد حماه الله ببركة دعائه ﷺ وإن كان قد يحصل في مسجده شيء من المخالفات، من بعض الجهال أو الخرافيين، لكنهم لا يقدرون على الوصول إلى قبره؛ لأن قبره في بيته وليس في المسجد، وهو محوط بالجدران، كما قال العلامة ابن القيم ﵀ في نونيته:
فأجاب ربُّ العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
стр. 108
الفصل الرابع
في بيان حكم تعظيم التماثيل والنصب التذكارية
التماثيل جمع تمثال، وهو الصورة المجسمة على شكل إنسان أو حيوان، أو غيرهما مما فيه روح، والنصب في الأصل: العَلَمُ، وأحجار كان المشركون يذبحون عندها. والنُّصُبُ التذكارية: تماثيلٌ يُقيمونها في الميادين ونحوها؛ لإحياء ذكرى زعيم أو مُعظَّمٍ.
ولقد حذّر النبي ﷺ من تصوير ذوات الأرواح، ولا سيما تصوير المعظَّمين من البشر كالعلماء والملوك والعُبَّاد والقادة والرؤساء، سواء كان هذا التصوير عن طريق رسم الصورة على لوحة أو ورقة، أو جدار أو ثوب، أو عن طريق الالتقاط بالآلة الضوئية المعروفة في هذا الزمان، أو عن طريق النحت، وبناء الصورة على هيئة التمثال، ونهى ﷺ عن تعليق الصور على الجدران ونحوها، وعن نصب التماثيل، ومنها: النصب التذكارية؛ لأن ذلك وسيلة إلى الشرك؛ فإن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور، وذلك أنه «كان في قوم نوح رجال صالحون، فلما ماتوا حزن عليهم قومهم، فأوحى إليهم الشيطان: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد؛ حتى إذا هلك أولئك ونُسي»
стр. 109
«العلمُ عُبدت» . ولما بعثَ الله نبيه نُوحًا ﵇ ينهى عن هذا الشرك الذي حصل بسبب تلك الصور التي نصبت، امتنع قومه من قبول دعوته، وأصروا على عبادة تلك الصور المنصوبة التي تحوّلت إلى أوثان: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
وهذه أسماء الرجال الذين صورت لهم تلك الصور على أشكالهم؛ إحياء لذكرياتهم، وتعظيمًا لهم.
فانظر ما آل إليه الأمر بسبب هذه الأنصاب التذكارية من الشرك بالله، ومعاندة رسله! مما سبب إهلاكهم بالطوفان، ومقتهم عند الله وعند خلقه مما يدلك على خطورة التصوير ونصب الصور، ولهذا لعن النبي ﷺ المصورين، وأخبر أنهم أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة، وأمر بطمس الصور، وأخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، كل ذلك من أجل مفاسدها، وشدة مخاطرها على الأمة في عقيدتها، فإنَّ أول شرك حدث في الأرض كان بسبب نصب الصُّور، وسواء كان هذا
стр. 110
النصب للصور والتماثيل في المجالس، أو الميادين أو الحدائق؛ فإنه محرم شرعًا؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، وفساد العقيدة. وإذا كان الكفار اليومَ يعملون هذا العمل؛ لأنهم ليس لهم عقيدة يحافظون عليها؛ فإنه لا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بهم ويشاركوهم في هذا العمل؛ حفاظًا على عقيدتهم التي هي مصدر قوتهم وسعادتهم. ولا يقال: إن الناس تجاوزوا هذه المرحلة وعرفوا التوحيد والشرك؛ لأن الشيطان ينظر للجيل المستقبل حينما يظهر فيهم الجهل، كما عمل مع قوم نوح لما مات علماؤهم وفشا فيهم الجهل، ولأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فخاف على نفسه الفتنة، قال بعض السلف: (ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟) .
следующие страницы →