← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 596–618 · переход к 601.

стр. 596

س ٦: سئل الشيخ: هل هناك بدعة حسنة؟ فقال الشيخ ﵀: ليس هناك بدعة حسنة. وما يسمونه بدعة حسنة هو من المصالح المرسلة. س ٧: سئل الشيخ: هل هناك حرج في أن يحدد الإنسان لنفسه صلوات أو أوراد من الذكر والتلاوة؟ فقال الشيخ ﵀: ما دام هذا التحديد لنفسه، ولم يدع إليه غيره فلا بأس.

стр. 597

ثامنا: فتاوى متفرقة

стр. 598

فتاوى متفرقة س ١: سئل الشيخ: متى يحمل الأمر على الندب والنهي عن التحريم؟ فقال الشيخ ﵀: إذا كان الأمر متعلقا بالضروريات فإنه يحمل على الوجوب وإذا كان متعلقا بالتحسينات فهو محمول على الندب. والنهي إذا كان في باب الضروريات أو الحاجيات فهو للتحريم وإن كان في باب التحسينات فهو للكراهة. وهذه قاعدة ضابطة وإن شئت تفصيل الكلام فيها فارجع إلى كتاب المقاصد من الموافقات - بفتح الفاء - للإمام الشاطبي ﵀. س ٢: سئل الشيخ: هل يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف في مسائل الاعتقاد على سبيل الاحتجاج لمذهب السلف عند فقد دليل صحيح؟ فقال الشيخ ﵀: لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف لا في العقائد ولا في غيرها. س ٣: سئل الشيخ: عن معنى حديث: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه» (١)؟ فقال الشيخ ﵀: مهما فعل الولد من المعروف والإحسان إلى والده لا يجزيه في بره له، ولا يستطيع أن يكافئه على تربيته إياه، إلا أن يجد الولد والده عبدا فيحرره، فيكون بذلك قد كافأه بنص الحديث. أما من قال: إنه لا يكافئه حتى لو أعتقه لحديث أنت ومالك لأبيك. فكيف يعتق المملوك مالكه؟ فليس بصحيح؛ لأن ملك الوالد لولده ملك معنوي وليس

стр. 599

حقيقيا لأن الولد لا يكون عبدا لأبيه، ولكنه مع ذلك مأمور بطاعة أبويه كطاعة العبد لسيده أو أكثر. س ٤: سئل الشيخ: ما هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال الشيخ ﵀: (لابد من أن يكون المنكر الذي ينهى عنه والمعروف الذي يأمر به مما لا خلاف في كونه معروفا أو منكرا عند جميع العلماء أو بالنصوص الشرعية. كذلك لابد ألا يجلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعطيل مصلحة أعظم من المعروف المأمور به، أو جلب مفسدة هي أعظم مما نهى عنه. ولابد من تحمل الأذى في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ (١) وقد أوذي الرسول ﷺ . وتغير المنكر بدون أذى غير موجود في الدنيا). س ٥: سئل الشيخ: عن الفديو؟ فقال الشيخ ﵀: الفديو آلة إذا استعملت في الخير فهو خير، وإذا استعملت في الشر فهو حرام، هذا من ناحية مشاهدة أشرطتها. س ٦: سئل الشيخ: عن القصة؟ فقال الشيخ ﵀: القصة يشترط أن تكون صدقا، وأن يكون هدفها خيرا، ولا يجوز اختلاق قصة لم تقع. س ٧: سئل الشيخ: عن الحكاية؟ فقال الشيخ ﵀: يصح لك أن تروي حكاية حكاها ابن الجوزي بشرط أن تنسبها إليه. قال ابن الجوزي: حصل كذا وإن كانت كذبا فعهدتها.

стр. 600

عليه وإن كانت صدقا فأجرها له. س ٨: سئل الشيخ: ماذا يفعل الإنسان إذا اغتاب شخصا آخر؟ فقال الشيخ ﵀: إذا اغتاب رجل آخر يستسمحه إجمالا يقول: أخطأت في حقك فسامحني، ولا يقول له تفصيلا حتى لا تحصل فتنة وإذا كان في بلد أخرى كتب له. س ٩: سئل الشيخ: ما حكم اتهام العلماء بعدم الفهم؟ فقال الشيخ ﵀: لا يجوز اتهام عالم من العلماء بأنه لا يفهم الواقع، هذا تشويه ولا يصح أن يقال أن العلماء أو بعض العلماء لا يدركون الواقع إذا كان الذهن ينصرف إلى علماء بعينهم. س ١٠: سئل الشيخ: هل ننال فضل الاجتماع على الطعام بالرغم من استقلال كل واحد بصحن؟ فقال الشيخ ﵀: نعم: المقصود بالاجتماع الاجتماع على المائدة لا الإجتماع على نفس الصحن. س ١١: سئل الشيخ: عند تدريس التربية الإسلامية للنصارى هل يجوز لهم مس المصحف، وقراءته ويختبرون وترصد لهم الدرجات لعلهم يسلمون؟ فقال الشيخ ﵀: لنا فتوى في هذا الموضوع بجواز دخول الكافر مدارس المسلمين ولو كان بوذيا. س ١٢: سئل الشيخ: عن زواج الجني بالإنسية؟ والإنسي بالجنية؟ فقال الشيخ ﵀: ممكن ولكن من ادعى ذلك فعليه الإثبات. س ١٣: سئل الشيخ: عن تشبيك اليدين خلف الظهر؟ فقال الشيخ ﵀: هي عادة الأعاجم وهي من المشابهة المنهي عنها.

стр. 601

س ١٤: سئل الشيخ: عن وقت أذكار المساء؟ فقال الشيخ ﵀: هناك من يقول: من بعد الظهر، وهناك من يقول بعد العصر، وهناك من يقول بعد غروب الشمس. والراجح عندي: أنها من بعد غروب الشمس كما قال ابن القيم، وأنا لم أستقص الأذكار حتى أحدد إذا كان بعضها مقيدا بما قبل الغروب. وقوله: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ (١) المقصود به الخمس صلوات. س ١٥: سئل الشيخ: امرأة متزوجة لا ينبت لها شعر في رأسها. هل لها أن تلبس شعرا مستعارا بعلم زوجها؟ فقال الشيخ ﵀: لا يجوز. س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز الاستشهاد بكافر في المحكمة في قضية أو الشهادة له؟ فقال الشيخ ﵀: نعم، إذا كانت الشهادة بحق ليست بباطل يجوز أن تستشهد به، أو تشهد له. س ١٧: سئل الشيخ: ما هو الضابط في مسألة الإحسان إلى الكافر الذمي متى تكون من باب الموالاة؟ ومتى تكون من باب تأليفه على الإسلام؟ فقال الشيخ ﵀: حسب نيته. إذا نوى موالاته فهي موالاة، وإذا نوى تأليفه على الإسلام فهي تأليف على الإسلام. س ١٨: سئل الشيخ: عن ورقة بن نوفل هل يعتبر صحابيا أو من أهل الفترة؟ ولم؟ فقال الشيخ ﵀: إذا كان قد ثبت إسلامه في زمن الرسول ﷺ فهو صحابي. وقوله: إنه الناموس الأكبر ليس تصريحا بإسلامه؛ لأنه قال: إن يدركني يومك ولم يدركه.

стр. 602

س ١٩: سئل الشيخ: عن الروائح المخلوطة بالكحول؟ فقال الشيخ ﵀: لا بأس به ما لم تكن مسكرة والمسكر فيها أنواع مخصصة وهي التي تكسرها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس كل كحول مسكر فقشر البرتقال فيه كحول لكنه غير مسكر. س ٢٠: سئل الشيخ: امرأة باق في عدة وفاة زوجها خمسة أيام ومضى منها أربعة أشهر وخمسة أيام هل يجوز لها الخروج؟ فقال الشيخ ﵀: لا يجوز لها أن تخرج من بيتها، ولا أن تسافر إلى الحج ولو كان عمرها عمر نوح. س ٢١: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الورق المكتوب فيه اسم الله؟ فقال الشيخ ﵀: المهم ذهاب معالم الكتابة التي تجعلها تقرأ فيصح أن يشق اسم الله، فيفصل اللامين عن بعضهما، والرحمن يفصل اللام والراء عن الحاء والميم. س ٢٢: سئل الشيخ: شخص يلحقه ضرر في ماله إذا لم يشفع له آخر عند من له سلطة؟ فقال الشيخ ﵀: يجب على من يستطيع الشفاعة أن يشفع بدون مقابل لوجه الله، وإذا لم يشفع إلا بدفع رشوة له فيجوز دفعها لإزالة هذا الضرر، والإثم في هذه الحالة على الآخذ. أما الدافع فمعذور. والله أعلم. س ٢٣: سئل الشيخ: هل يلزم تغطية الفواكه والخضروات قبل النوم؟ فقال الشيخ ﵀: يشرع تغطية الإناء والتسمية عند التغطية سواء أكان شرابا أم طعاما جامدا، ويستثنى من ذلك الفاكهة أو الخضروات إذا كانت في قشرتها

стр. 603

س ٢٤: سئل الشيخ: عمن سها وترك تغطية الطعام فهل يأكل منه؟ فقال الشيخ ﵀: إذا سها وترك تغطية الطعام فعليه أن يطعمه للحيوان ولا يأكل منه. وإذا أكل منه فقد أساء إلى نفسه. س ٢٥: سئل الشيخ: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للعمل؟ فقال الشيخ ﵀: إذا وجد عملا في بلاد المسلمين لم يجز له السفر إلى بلاد الكفار. وإذا لم يجد يجوز له السفر للعمل هناك بشرط أن يأمن على نفسه من شبه الكفار، فإن لم يأمن فحفظ دينه أولى. س ٢٦: سئل الشيخ: ما حكم الأموال التي اكتسبها المسلم من عمله في بلاد الكفار مع فرض أن إقامته فيها محرمة؟ فقال الشيخ ﵀: إذا كان المال مكتسبا من وجه حلال كالبيع والشراء، فهو حلال. س ٢٧: سئل الشيخ: إذا كان الإنسان يعمل المعصية ثم يندم على فعلها ويتوب إلى الله، ولكن بعد ذلك بمدة يعود إلى هذه المعصية مرة أخرى، ثم يندم ويتوب، ثم يعود إليه وهكذا فماذا يفعل؟ فقال الشيخ ﵀: إذا علم الله منه الصدق في التوبة والإخلاص ثم طرأ عليه فيما بعد تغير، وتسلط عليه الشيطان وغير من حاله، فالله يغفر ما مضى مما قد تاب منه توبة خالصة نصوح، ولا يعود إليه الذنب الماضي بعودته إلى الذنب مرة أخرى. أما إذا علم الله منه عدم الصدق في التوبة في المرة الأولى، فذنبه لم يغفر لعدم الإخلاص في التوبة الأولى ولعدم النصح فيها، وليس لأنه عاد إلى الذنب مرة أخرى.

стр. 604

س ٢٨: سئل الشيخ: هل هناك حرج في قولة أدامك الله، وهل هذه القولة تعارض قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أم لا؟ فقال الشيخ ﵀: لا حرج في أن يقول الإنسان لأخيه آدامك الله، والدوام ليس معناه أن لا يموت، والدوام يطلق على طول المدة مثل أطال الله بقاءك، فالمراد بأدامك الله، أطال الله بقاءك المراد بها هذا، ولو قال أطال الله بقاءك كان خيرا منها، حتى لا يحتاج إلى تأويل فيما يتكلم به، والكلام الذي لا تكلف فيه ولا يحتاج إلى تأويل خير من الكلام الذي يحتاج إلى تأويل وشرح لمقصده. س ٢٩: سئل الشيخ: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الإنتهاء من الدعاء وهل ورد فيه حديث عن النبي ﷺ -؟ فقال الشيخ ﵀: ليس مسح الوجه بعد الدعاء من السنة بل هو بدعة لأن مسح الوجه باليدين عقب كل دعاء يعتبر نسك وعبادة. وهو لم يثبت أن النبي ﷺ فعله فيكون بدعة في الدين والحديث الذي ورد في هذا ضعيف ولم يصح. س ٣٠: سئل الشيخ: رجل كان له دكان يبيع فيه أشرطة الأغاني المنحرفة، ثم هداه الله وحول المحل إلى بيع أشرطة إسلامية، فما الحكم في المال الذي كسبه وأكله من بيع الأشرطة المحرمة التي كان يسجلها ويبيعها قبل التوبة؟ فقال الشيخ ﵀: ما أكله من هذا المال الحرام فإنه يتوب إلى الله ويستغفره. وما أكله يكفيه التوبة وليس في وسعنا إسترجاعه من جوفه ومن بطنه. وما بقى عنده من المواد المحرمة على الأشرطة فيسهل التخلص منها بمحوها ويسجل عليها قرآن وأذكار، أو كتاب في التوحيد والعلم. فيسمع حتى يتعلم دينه، فيترك السوء والشر ويجعل مكانه الخير. وأما ما مضى منه فالله يتوب عليه، وما بقى من الكسب الحرام ينفقه في وجوه البر، ليس على سبيل الصدقة

стр. 605

إنما أقول يتخلص منه بانفاقه في وجوه الخير والبر، لأن الصدقه لا تكون إلا من كسب طيب ولذلك لا نسميه صدقه لكن نسميه تخلصا من كسب حرام. وسوف يكسب أجرا وثوابا على تخلصه من هذا المال إن شاء الله. س ٣١: سئل الشيخ: خادمة صغيرة السن حملت طفلة ثم سقطت وماتت فهل عليها دية لهذه الطفلة؟ فقال الشيخ ﵀: إذا كانت ماتت من السقطة فعليها الدية وعليها الكفارة لأن هذا قتل خطأ. ولو كانت جاهلة. والدية على العاقلة وهم عصبتها.

стр. 606

تاسعا: نظرة إلى واقع المسلمين ما يجب عليهم

стр. 607

١ - التحذير من كيد الأعداء المتربصين بالأمة الإسلامية قال رحمه الله تعالى: إن أعداء المسلمين ما فتئوا يكيدون للمسلمين ويحاولون إضعاف قوتهم وتفريق كلمتهم بكل سبيل. فلما أعيتهم الحيل للنيل من الإسلام وأهله بالقوة، والسيف، أو بالحجة والبرهان، عمدوا إلى السلاح النسوي، سلاح الدس البغيض، والتلبيس. فلبسوا لذلك لأمة النفاق، وتدرعوا بدروع التقية خشية الظنون والريب، وخشية أسياف الغيورين من المجاهدين. مستبطنين الكفر والعدوان، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة … ... . إن ما ترزخ تحته الأمة الإسلامية اليوم من تفرق في الرأي، وضعف في الدفاع، وتأخر إلى الوراء حين يتقدم غيرهم، ليس كل ذلك إلا نتيجة غفلتهم عن مخططات أعدائهم وبعدهم عن تراث السلف الصالح وسلوكهم لغير خطتهم علما وعملا وفي موضع آخر يتحدث الشيخ ﵀ عن حقيقة العداوة بين المؤمنين والكافرين وطرق مواجهتها فيقول: إن العداوة التي بين المؤمنين والكافرين عداوة قديمة مستأصلة، وإن الخصومة التي بين الفريقين خصومة مستحكمة، وإن قلوب الكافرين لم تزل ولا تزال تتوهج فيها جمرات الغيظ، وتشتعل فيها نيران الضغائن والأحقاد، لا يكاد يخبو لهيبها أو تخمد جمرتها، بل لا تزال تزداد يوما بعد يوم، تتخذ ألوانا مختلفة من الكيد والتلبيس، وأشكالا من الحروب الضاربة خفية وجهرة، سرا وعلانية، وما خفي منها أشد ضراوة، وأعظم فتكا بالمسلمين مما ظهر، ولذا حذرنا الله من موالاتهم واتخاذ بطانة منهم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ (١١٨)

стр. 608

﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (١). تارة تكون حربا مادية تدور رحاها في الجو، أو البحر، أو على بساط الأرض، بالطائرات والغواصات والدبابات وأمثال ذلك من الأسلحة الفتاكة، وتارة تكون نظرية تدور رحاها في عالم الأفكار بإلقاء الشبه، ونشر نظريات الإلحاد ونحوها لتشكيك المسلمين في دينهم، وزلزلة العقيدة في نفوسهم، ومحو ما في قلوبهم من حق ويقين، وآونة تكون حرب أعصاب وفتن توهن العزائم، وتبعث الرعب في القلوب، وتحطم وحدة المسلمين وتفرق جماعتهم بما تلقيه في نفوسهم من بذور الأثرة وأسباب العدواة والبغضاء، وتجعل بعضهم حربا على بعض، إلى غير ذلك من ألوان الكيد والحروب، فلابد للمسلمين أن يواجهوهم بمثل أسلحتهم، فيواجهونهم بأسلحة مادية يضعونها في نحورهم، ويقضون بها عليهم، ويواجهونهم بأدلة علمية يثبتون بها الحق في قلوب المؤمنين ويمحون الشبه حتى لا تكون فتنة ولا إلحاد، ولا حيرة ولا شكوك ويواجهونهم بإيجاد يقظة في الأمة الإسلامية، ونشر الوعي فيها حتى ينكشف لهم ما بخصوصهم من الكيد والدس، وحتى لا يغتروا بالبهرج الكاذب والمظاهر الخداعة، ولا يأخذ التهريج من نفوسهم مأخذه. وكل هذه المواجهات والمكافحات أنواع من الجهاد في سبيل الله، فيجوز أن يستعان في القيام بها بأموال الزكاة وغيرها من تبرعات المحسنين من أغنياء المسلمين، وبيوت الأموال في الدول الإسلامية عن طريق ولاة الأمور، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 609

٢ - التحذير من الفرقة وآثارها المدمرة كان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق، فمتزقت وحدتهم واختلفت كلمتهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما. قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (٢). وقال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٣). الحديث، وقد أمر الله - تعالى - في كتابه وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة والاعتصام بشرعه، وحذر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما خاق بها من الدمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البيان والبلاغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطا لكيد دعاة السوء واستهوائهم النفوس الضعيفة. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٤). وقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ (٥).

стр. 610

وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (١). وعن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فمذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. ومع ذلك دب الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلف بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا يبني عليها مذهبه وإليها يرجع في خصومته. فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدى رسوله ﷺ إلا أنه - سبحانه - جرت سنته واقتضت حكمته أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازا للوعد بحفظ دينه وإقامة للحجة، وإسقاطا للمعاذير، قال تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (٣). وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٤). وقال ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة

стр. 611

على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وفي رواية، قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي». وفي رواية، قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي (١) وغيرهم. وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق … الحديث (٢). وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وأن شعارها كتاب الله، وهدى رسوله ﵊، وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة فشعارها مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها أثنوا عليه وقربوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرأوا منه ونبذوه وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة.

стр. 612

٣ - وجوب تنصيب ولي أمر المسلمين ووجوب طاعته في المعروف إن إقامة ولي أمر عام للمسلمين يتولى شؤونهم، وتنتظم به أمورهم، ويجمع شملهم، واجب على المسلمين، فيجب عليهم أن يختاروا من بينهم من يصلح للقيام بواجب الأمة، وإن لم يكن في الأمة من يصلح لذلك إلا واحدا تعين عليهم أن يقيموه وليا عاما عليهم، ويتعين عليه أن يقبل تولي هذا، حفظا لكيانها، وتحقيقا لما ينهض بها، سياسة وتدبيرا، وثقافة وعلما، وانتاجا في السلم والحرب، والشدة والرخاء، وفي جميع الأحوال. والحكمة في ذلك: رعاية مصلحة الأمة، وصيانتها من أن يدب إليها دبيب الفشل، فتضعف شوكتها، وتذهب ريحها، فيطمع فيها أعداؤها ويستولوا عليها وعلي مرافق حياتها، ويسخروها لمصالحهم، ويسومونها سوء العذاب. وقد شهدت الفطرة بضرورة إقامة ولي عام على المسلمين، يسهر على مصالحهم، ويسعى جهده في دفع كيد أعدائهم، ويبذل وسعه في توحيد كلمتهم، ولم شعثهم، بل عرف الإنسان أن اتخاذ القيادة وضرورتها أمر جبلت عليه الحيوانات العجماوات، فإنا لا نكاد نجد طائفة من الحيوانات على اختلاف أنواعها، كالنمل والنحل في المأوى وجمع الغذاء، وكالطيور في الهواء، والأسماك في الماء، إلا وقد اتخذت لنفسها قيادة تنظم سيرها وعملها ورئاسة تهيمن على شؤونها وحركاتها، ولو قدر تخلف ذلك كان تخلفه نادرا، وإذا فقدت القيادة في أمة من الحيوانات تجدها قد ضربت أطنابها في الفوضى، وصارت يضرب بها المثل في الهمجية والتهرج والاضطراب كأمة الجراد. وقد زخرت أدلة الكتاب والسنة بالحث الكثير على طاعة ولاة الأمور، والتحذير الشديد من الخروج عليهم ومنازعتهم. والحديث في أصل الولاية.

стр. 613

بالخبر عنها، وانتظام الأمر بها مبسوط في مصنفات العلماء وهي تنص على أن وجوب تنصيب الولاة والأئمة وهو أمر معروف، طبعت عليه القبائل والأمم، كما دل العمل المستمر من النبي ﷺ ، في بعث السرايا على أنه ما بعث سرية إلا وقد أمر عليها أميرا، وأوصها بطاعته، ودل عمله في البلاد الإسلامية أنه لم يترك بلدا دون أن يؤمر على أهلها أميرا، ولم يسافر عن المدينة إلا وقد أمر عليها أميرا، فإذا كان هذا شأنه في الولايات الخاصة، فالولاية العامة ألزم، والعناية بها أتم وأوجب، بل لا تكون ولاية خاصة في أمة إلا عن طريق الولاية العامة ومستمدة منها.

стр. 614

س ١: فضيلة الشيخ في الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي اليوم من فرقة وانقسام وضياع لمقدسات المسلمين وموالاة لبعض دول الغرب الكافرة، والبعض الآخر لقوى الشرق يسأل الشباب المسلم عن دوره تجاه أمته الإسلامية حتى تعود للمسلمين عزتهم ومقدساتهم؟ فقال الشيخ ﵀: الجواب عن هذا نأخذه من تاريخ المسلمين. أولا: كيف كثروا بعد أن كانوا قلة، وكيف اجتمعت قلوبهم على قلب رسول الله ﷺ وكانوا جبهة وقوة بعد ضعف، وكيف انتصروا على أعدائهم؟ وبماذا كان هذا الانتصار؟ وبما كانت هذه الوحدة وهذا التآلف بينهم؟ وبما كان هذا التآخي؟ إذا نظرنا في تاريخ المسلمين وجدناهم كالجسد الواحد يتأثر كل فرد منهم بما يصيب أخاه؛ وكل جانب أو بلد من البلاد التي كان يسكنها المسلمون في الصدر الأول في عهد الرسول ﵊، والصحابة، والتابعين ومن تبعهم في القرون الثلاثة الأولى نجدهم جميعا كانوا وحدة لا تتجزأ، ويحس كل واحد منهم بإحساس الآخر، انظر إلى المادة أو الغذاء أو الدينامو إن شئت أن تسميه دينامو الذي بعث في قلوبهم تلكم القوة، وأنار تلك القلوب وأحياها، وجعل فيها إن شئت قل الصواريخ التي تصيب أعداءهم، وإن شئت قل السهام والنبال، وإن شئت قل السيوف، أذكر ما شئت من العدد الحربية والقوة القلبية والشجاعة النفسية، أذكر ما شئت من هذا، مبعثه أمر واحد وهو الاعتقاد والإيمان بكتاب الله - جل شأنه - وبما جاء في سنة رسوله ﷺ مما يتصل بأسماء الله وصفاته، وبما يتصل بتوحيد العبادة والإخلاص فيها الله وحده وبما يتصل بالجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته ونصرة لدينه وإحقاقا للحق وإبطالا للباطل وقضاءا علي الكفر وأنصاره. وهذا المعنى هو مبعث الإخاء والقوة التي في قلوب المسلمين والشجاعة التي في قلوب المسلمين.

стр. 615

وأضرب لكم مثلا بأمر واقع في غزوة الحديبية (١) الرسول ﷺ كان معه ألف وأربعمائة مقاتل، ولما وصل إلى المكان المسمى بالحديبية وهو قريب من وادي فاطمة، بركت ناقته وأرادوا أن يسيروها بالإكراه فقال: دعوها فإنها مأمورة فتركوها ثم بلغه أن أهل مكة في شدة وفي إباء أن يقبلوا دخوله مكة وأرسل إليهم عثمان بن عفان ليرى شأنهم فتأخر بالرد على النبي ﷺ ووقع في نفوس الكثيرين أنه قتل أو أسر. وكان القصد من إرسال عثمان إلى هناك لكي يتبين الأمر، فلما تأخر وظنوا أنه قتل عاهد النبي ﷺ أصحابه على القتال وألا يفروا من وجه الكفار حتى ولو جاءوا بجميع ما عندهم من قوة، بايعوه جميعا وسميت البيعة بيعة الرضوان. في الوقت نفسه اجتمعت قريش في كيفية مواجهة النبي ﷺ ، وذلك بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء الخزاعي بقوله إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته فقال: سمعته يقول إنا لم نأتي لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا أن يخلو بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيدي لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن أمره. وعلى أثره بعثت قريش مكرز بن حفص فلما رآه ﷺ قال: هذا الرجل غادر فلما جاء وتكلم، قال له مثل ما قال لبديل فرجع إلي قريش وأخبرهم. ثم قال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة: دعوني أته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فبعثوا

стр. 616

له الهدي واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا وجرى بينه وبين قريش كلام كثير، فقال عروه بن مسعود الثقفي إن هذا قد عرض عليكم خطه رشد فأقبلوها ودعوني أن آتيه. فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال له عروه عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل يكلم النبي ﷺ ، وكلما كلمه أخذ بلحيته. وكان المغيرة بن شعبة مدججا بالسلاح واقفا على رأس النبي ﷺ وكلما أشار بالسلاح إلى رسول الله ﷺ قال له المغيرة: كف يدك وهدده بقطعها إذا لم يكفها، فقال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة. فقال له: يا غدر بالأمس غسلنا سوءتك، وكف يده، لكن قال كلمة سيئه هي التي يسمونها اليوم حرب أعصاب، قال للنبي ﷺ جئت بجيش بعضه غفاري، وبعضه جهني، وبعضه من المهاجرين، وبعضه من الأنصار، وهم قسمان أوس، وخزرج، وبين الفريقين ما بينهما من العداوة والبغضاء في زمن الجاهلية، وهم أخلاط جئت بهم من كل حدب وصوب، وهم خليط، كيف أمنت علي نفسك أن تحارب قومك ويحمي هؤلاء ظهرك، يريد أن يفتر همة النبي ﷺ وأن يخدعه، ويخدع قومه حتى يمهد بذلك للصلح والرجوع دون أن يدخل مكة، ولكن أبو بكر لم يستطيع أن يصبر، وأن يترك الجواب للنبي ﷺ بل قال له أمصص بظر اللات، البظر هو الذي يقطع في الختان من البنت، واللات صنم تعبده قريش، فقال له ذلك سخرية به واستهزاء بإلهه وبالكفار جميعا. إن أخوة الإيمان أقوى من أخوة النسب، ولننظر إلى هذا

стр. 617

الرباط الروحي، الرباط القلبي، رباط الإيمان فإنه يجمع بين القلوب أكثر مما يجمع النسب بين القلوب. كان الإيمان حلقة اتصال بين المؤمنين كان الإيمان رباطا انبني عليه الإخاء الصادق، وانبنت عليه الأخوة الصادقة، وإخلاص كل منهم للآخر، وإخلاص الجميع لله وحده، والرضا بقضائه وقدره رضا يجعله لا يجبن عن القتال، ولا يتأخر عن مواجهة الكفار أعداء الله، وأعداء المسلمين كما قال تعالى في بداية سورة الممتحمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ (١) و كما أمر الله تعالى المسلمين بأن يؤاخي بعضهم بعضا، وأن يربطوا بينهم برباط الإيمان، وأن يجعلوه مقدما على النسب، وقال في سورة براءة: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (٢) فبين أن قلوب المؤمنين يجب أن تكون ممتلئة بحب الله، وبحب رسول الله، وبالحب بين المؤمنين فيما بينهم وأن يكون هذا الحب مقدما على كل شيء من متاع الدنيا وحطامها، ومن الأقارب، و من الأزواج، ومن الأولاد، ومن كل شيء إلا الله ورسوله، وإلا التشريع الإسلامي، فهذا يجب أن يكون في قلوبهم مقدما على كل شيء بهذا حقق الله للمسلمين القوة التي لا يستطيع الكفار أن يدفعوها مهما كان عددهم. كان الروم كثرة، والمسلمون قلة، ومع ذلك انتصروا عليهم كان كسرى، والفرس قوة في الجاهلية، وفي صدر الإسلام يخشاهما ويقدرهما الناس قدرهما، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه المسلمين.

стр. 618

وقد بشر الرسول ﷺ بأنهم سينتصررون على الروم، وأنهم سينتصرون على كسرى، وأنهم سيسكنون بلادهم، ويعمرونها بالإسلام، وأنهم سيأخذون كثيرا من أموالهم، وتفتح عليهم الدنيا بكثرة، هذا كله نتيجة لما لديهم من إيمان جعله الله جل شأنه حياة لهم وقوة لهم، فلم يخشوا على أنفسهم من القتال ولا من الجهاد في سبيل الله، ولم يتفرقوا فيما بينهم، وكان المشركون يخشون منهم، وهم على مسافة بعيدة، وينزل بهم الرعب على مسافات كثيرة فكانوا ينصرون لمجرد السماع، وهذا من فضل الله جل شأنه جزاء للمسلمين على ما وهبهم من قوة إيمان، وقوة إخاء، وحب في الله، وبغض في الله، وعمل بتشريع الله . هذا الذي كان في الأول هو العلاج الذي يجب أن يكون اليوم، ولن تجتمع كلمة المسلمين إلا بمثل ما اجتمعت عليه كلمة آبائهم، وأجدادهم من المؤمنين الأولين. هذا هو الطريق الذي رسمه الله وبينه رسوله ﷺ . وعمل به المسلمون الأولون، فإذا رجع المسلمون إليه في الوقت الحاضر رجع إليهم مجدهم، ونصرهم، ووحدتهم، ورعبوا أعدائهم، وماداموا على الوضع الذي هم عليه من الفرقة والاختلاف وترك العمل بالشرع وموالاة أعداء الله من الكفار، ولم يتحولوا عنه لا قدر الله فهم في شر، وفرقة، وخصومات وأحقاد، وضغائن أسأل الله السلامة والعافية.