وروي إن رسول الله ﷺ قال " مر بي جبريل ﵇ ليلة أسري بي عليهم فدعوتهم إلى الله تعالى فأجابوني فمحسنهم مع محسنكم ومسيئهم مع مسيئكم ".
روى وهب بن منبه بإسناد له عن النبي ﷺ أنه قال " إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد، وما العمران في الدنيا إلا كخردلة في كف أحدكم ".
وقال بعض أهل الاثمر فيما رواه: إن الله عزوجل دابة في مرج من مروجه، والمرج في غامض علمه رزقها في كل يوم، مثل رزق العالم بأسره.
سبحان القادر على كل شئ.
ذكر البحر المحيط وما فيه من العجائب
ويقال إن فيه عرش إبليس لعنه الله فوق البحر المظلم يتشبه بالباري (١) ، ويحمله نفر من الأبالسة والعفاريت العظام لحمله، ويحيط به عفاريت من الجن الذين هم في طاعته فمنهم من في لججه لا يفارقه، ومنهم من يتصرف عن أمره، وإنه لا يزول مرتبته إلا إلى من يطمع في فتنته أو عبد صالح يريد
كيده، والباقون من أعوانه الذين يسعون إلى الناس ويضلونهم، وسجنه في جزيرة منه يحبس فيه من خالفه من الجن والشياطين.
وفيه هيكل سليمان النبي ﵇، وفيه جسده وهو قصر عجيب في
стр. 37
جزيرة، وفيه مواضع لا تزال على مر الزمان ترمي ناراً ترتفع على مائة ذراع وفيه أسماك طول الحوت مدة أيام، وكل صورة عجيبة مختلفات الأشكال والصفات الملونة في كل لون من الألوان.
وفيه مدائن تطفو على الماء وتغيب عنهم.
وفيه الثلاثة أصنام (١) التي عملها أبرهة أحدها أصفر يومئ بيده كأنه يخاطب من جاوزه، ويأمره بالرجوع.
والصنم الثاني أخضر رافع يديه باسط لهما كأنه يريد إلى أين تذهب، والصنم الثالث اسود مفلفل الشعر يومئ بأصبعه إلى البحر: من جاز هذا المكان غرق، مكتوب على صدره " هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري لسيده الشمس تقرباً إليه ".
وحكي أن فيه كالحصون ترتفع على الماء، ويظهر منها الصور الكثيرة وتغيب في الماء.
ويقال إن عمق هذا البحر يختلف، فمنه مالا يلحق قعره ولا يدري، ومنه ما يكون سبعة آلاف باع وأكثر وأقل، ومنه ما يكون فيه شجر كالمرجان وأما البحر الأسود الزفتي وهو متصل به وهو شديد النتن، وليس فيه غير القلعة الفضية، قيل إنها معمولة، وقيل إنها خلقة.
ويخرج من هذا البحر بحر الصين أوله من بلاد الغرب، بحر فارس إلى
بلاد الصين، وهو بحر ضيق فيه مغايص اللؤلؤ.
وقيل إن فيه اثني عشرة (٢) ألف جزيرة، وثمانمائة جزيرة.
وفيه الدردور موضوع يدور فيه الماء فاذا سقط فيه مركب لم يزل يدور
стр. 38
فيه حتى يتلف، وفيه كسير وعوير وهما جبلان.
وفي هذا البحر عجائب كثيرة وصور شتى وحيتان ملونة، منها ما يكون طوله مائة ذراع ومائتي باع وأقل وأكثر يأكل بعضها بعضاً.
وفيه جزائر تنبت الذهب وبها معادن الجوهر، وفيه ثلاثمائة جزيرة عامرة مسكونة فيها ملوك عدة.
ويقال إن في هذا البحر قصراً (١) من البلور، على قلعة تضئ طول الدهر بقناديل فيه لا تنطفئ.
وبعد هذا بحر لا يدرك عمقه، ولا يضبط عرضه، تقطعه المراكب بالريح الطيبة في شهرين وأكثر، وليس في البحر المحيط أكبر منه ولا أشد هولا، وفيه من جميع المعادن من الزمرد ومنابت القنا والخيزران، وفيه أيضاً كل سمكة يكون طولها أربعمائة ذراع وأقل وأكثر، وسمكة صغيرة بقدر الذراع فإذا طغت هذه السمكة وبغت وآذت سمك البحر ومراكبه سلطت عليها هذه السمكة الصغيرة فصارت في أذن هذه الكبيرة فلا تفارقها حتى تقتلها، وربما لم تقرب الكبيرة ذلك الموضع (٢) خوفاً من الصغيرة.
وفيه سمكة يحكي وجهها وجه الإنسان تظهر في الماء، وفيه أسماك طيارة تطير ليلاً وترعى الندا، فإذا كان قبل طلوع الشمس رجعت إلى البحر.
وفيه سمكة تكتب مرارتها الكتابة فتقرأ بالليل.
وفيه سمكة خضراء دسمة من أكل منها اعتصم عن الطعام أياماً (٣) كثيرة
لا يريد ذوقه وفيه سمكة لها قرنان كأنهما قرنا السرطان، يرميان بالليل نارا
стр. 39
وفيه سمكة مدورة يقال لها المصح فوق ظهرها كالعمود، مستحد الرأس لا تقوم لها سمكة في البحر، لأنها تلقاهن بهذا القرن فتقتلهن، وربما نقبت به المراكب، وقرنها أصفر كالذهب مجزع، يقال إنه ضرب من الحوت (١) وفيه سمكة يقال لها هفس من صدرها إلى رأسها مثل الترس يطيف به عيون تنظر بها ورأسها طويل مثل الحية في طول عشرين ذراعا (٢) بأرجل كثيرة مثل أسنان المنشار من صدرها الى آخر الذنب، فليس تتصل بشئ إلا أتلفته ولا ينطوي ذنبها على أحد إلا أهلكته، يقال إن لحمها يشفي من كل الاوصاب، وقليل ما يوجد وفيه عنبر وبحر آخر يقال هركند فيه جزائر كثيرة وفيه سمك ربما ينبت على ظهره الحشيش والصدف، وربما أرسا عليها أصحاب المراكب فيعتقدون أنه جزيرة فإذا فطنوا به أقلعوا عنها وربما نشر هذا السمك أحد جناحيه الذي في صلبه، فيكون كالجبل العظيم، وإذا رفع رأسه من الماء فيكون كالجبل عظماً، وربما إذا رفع أذنيه فيكون مثل المنارة العظيمة، فإذا سكن البحر جر السمك بذنبه ثم فتح فمه فينزل السمك الى حلقه كأنه ينزل إلى بئر، ويقال له العنبر طوله ثلاثمائة ذراع.
واهل المراكب يخافون منه، فهم يضربون بالليل بالنواقيس (٣) مخافة إن
يتكئ على المركب فيغرقه.
وفيه حيات عظام تخرج إلى البر فتبتلع الفيلة، وتلتف على صخور في البر فتتكسر في أجوافها ويسمع لها صوت هائل، وفيه حية يقال لها الملكة لا تظهر إلا مرة واحدة، وربما احتال فيها ملوك الزنج فأخذوها وتطبخ حتى
стр. 40
يخرج ودكها ويدهن به الملك فتزيد في قوته ونشاطه ويستعمل من جلود هذه الحية - وهي منمرة - فرش إذا جلس عليها صاحب السل ذهب عنه السل ومن جلس عليه أمن السل أن يصيبه أبدا.
وريح هذا البحر من قعره، ربما ألقى عند اضطرابه ناراً لها ضوء شديد والبحر الرابع يقال له دوانحد (١) وبينه وبين بحر هر كند (٢) جزائر كثيرة، يقال (إنها) ألف وتسعمائة جزيرة، ويقع بين هذه الجزائر عنبر كثير وهذا العنبر (٣) ينبت في قعر البحر نباتاً، فإذا اشتد هيجان البحر قذفه من قعره فيرتفع مثل الرمل والحمأة، وهو عنبر دسم وقرأت في كتاب الطيب الذي ألفه إبراهيم بن المهدي، أن أحمد بن حفص العطار قال كنت في مجلس أبي اسحق وهو يصفي (٤) عنبراً قد أذابه، وقد أخرج ماكان فيه من الحشيش الذي على خلقه مناقير الطير، فسألني فقلت هذه مناقير الطير الذي يأكل العنبر إذا راثته دوابه، فضحك أبو اسحق وقال هذا قول تقوله العامة.
ما خلق الله دابة تروث العنبر، وما العنبر إلا شئ يكون في قعر البحر
ولقد عني الرشيد بالمسألة عن العنبر، فأمر حماداً البدوي (٥) في البحث بالمسألة، فكتب إليه أن جماعة من أهل عدن أعلموه أنه شئ يخرج من عيون في قعر البحر تقذفه الريح بالأمواج، كما تخرج أرض هتبة القار وهي أرض الروم الزفت الرومي.
وآخر جزائر هذا البحر بسرنديب في بحر هر كند وهي رأس هذه الجزائر كلها، وفي سرنديب أكثر مغايص اللؤلؤ ونبات الجوهر، وببحر
стр. 41
سرنديب طرق بين جبال، وهي مسالك لمن أراد بلاد الصين، وفي جبال هذا البحر معادن ذهب فيه أيضاً مغايض اللؤلؤ، وفيها بقر وحشية وخلق مختلفة الصور، ويسلك من هذا البحر إلى بلاد المهراج وربما أظلت السحاب هذا البحر يوماً وليلة، ولا ينقطع عنه المطر ولا تظهر حيتانه ودوابه وتخرج منه إلى بحر الصنف، وفيه يكون شجر العود وليس فيه أحداً يعرفه ورأسه تخرج من قرب الظلمة الشمالية وتمر أيضاً على بلاد الواق وفيه ملك الجزائر الذي يدعى المهراج، وله من الجزائر والأعمال ما لا يحصى كثرة، ولو أراد مركب من مراكب البحران أن يطوف بجزائره في سنين كثيرة لم يقدر أن يطوفها، ولملكه جميع أفاويه الطيب والكافور والقرنفل والصندل والجوزة والبسباسة والقاقلة والعود، وليس لملك من
الملوك ما لملك هذا البحر من أصناف الطيب، ويقال إن فيه قصراً أبيض يسير على الماء ويتراءى لأصحاب المراكب في السحر فيتباشرون به إذا هم أبصروه ويكون لهم دليل السلامة والربح والفائدة وفيه جزيرة برطايل، فيها جبال مسكونة يسمع فيها باليل والنهار والعزف والطبول والأصوات المنكرة ووجوه أهلها مثل المجان المطرقة، وهم مخرقو الآذان وأكثر البحريين مجمعون على أن الدجال فيها، ومنها يخرج إذا بلغ منتهاه وفيها يباع القرنفل، ويشترونه التجار من قوم لا يبصرونهم وفيه البراقية (١) وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض براق يسمع فيها ضوضاء وأصوات، ولا يرى بها ساكن وربما نزل إليها البحريون وأخذوا من مائها فوجدوه أبيض (٢) زلالا حلو الطعم فيه روائح الكافور
стр. 42
ومنه جزيرة بها مساكن وقباب بيض تلوح وتتزايا (١) للناس فيطمعون (٢) فيها وكلما قربوا منها تباعدت منهم فلا يزالون كذلك حتى ييأسوا منها فينصرفوا عنها ويتصل هذا البحر بالواق، ويقول البحريون انهم لا يعرفون منتهاه غير أن أقصاه جبال تتوقد ناراً ليلا ونهاراً يسمع لها قواصف مثل قواصف الرعود من شدة التهابه، وربما سمعوا من تلك النار صوتاً عرفوه يدل على موت ملك من ملوكهم أو كبير من كبرائهم، وهذا الموضع لا يدرك قعره.
وبعد بحر الصنف الذي ذكرناه بحر الصين، وهو بحر خبيث بارد ليس في غيره من البحار مثل برده، ويقال: إن ريحه من قعره، ويقال إنه بحر
مسكون له أهل في بطن الماء.
واخبر الثقة من أصحاب البحر انهم يرونهم إذا هاج البحر في جوف الليل كهيئة الريح، ويطلعون إلى المراكب: وليس يكون ذلك الا عند هيجان البحر وذكر البحريون انهم لا يعرفون بعد بحر الصين بحرا يسلك، وهو بحر يغلي كما تغلي القماقم، وليس صفة ما به كسائر البحار وفي بحر الصين سمكة مثل الحراقة (٣) يرمي بها الماء إلى الساحل، فإذا انجذر (٤) الماء بقيت على الطين فلا تزال تضطرب مقدار نصف نهار، ثم تنسلخ في اضطرابها ذلك، فيخرج لها جناح فتستقل به فتطير وزعموا أن عرض بلاد الصين الذي تمر عليه المراكب ألف وخمسمائة فرسخ وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صور الناس إلا أنه أعظم منه، مستدير
стр. 43
يشبه لون القمر، يغطي ما بين جبلين وأبواب الصين البحر بين كل جبلين فرجة وقيل إن بمدينة بقمولية (١) وهي القسطنطينية الأولى كنيسة في جوف البحر وربما تنكشف يوماً في السنة فيحج أهل النواحي إليها ويستعدون لها قبل ذلك فيقيمون فيها يومهم ويتفرقون ويهدون إليها بدنهم (٢) فإذا كان العصر بدا الماء في الزيادة فينصرفون ويبادرون الخروج عنها ولا يزال الماء
يغطيها فتغيب إلى رأس السنة أيضاً.
ويقال إن في بحر الهند حيواناً (٣) يشبه السرطان، فإذا خرج من الماء صار حجراً يتخذ منه كحل لبعض علل العين وأما بحر المرجان فهو في بحر الأندلس خاصة، ينبت في قعره مثل الشجر فما بعد منه عن درك الغواصين يحتال في قلعه، بأن يربط بالشرايط في كتان القنب، ويثقل بالرصاص ويدلى حتى يصل إلى الشجر، ثم يحرك المركب بالجذب، وتلك منوطة بهايمنة ويسرة حتى يعلم تشبكها في اغصان المرجان، ثم تقلع الشرايط، فيوجد المرجان قد اتخذ، وله نفاق كثير بالحجاز والهند والصين، وفيه عنبر كثير، وفيه سمك من أكل منه رأى كأنه ينكح، وفيه سمك في صور الناس.
خبر تنيس
أما خبر تنيس فكانت جنات وكرومات ومتنزهات وكانت مقسومة بين ملكين من ولد ابريت بن مصر، وكان احدهما مؤمناً، والآخر كافرا
стр. 44
فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر حتى باع حصته منامن أخيه، وفرق الذي أخذ بها في وجوه البر فأفلحها، وزاد فيها عروشاً كثيرة، وأجرى فيها انهاراً، وبنى فيها بنياناً، واحتاج أخوه إلى ما في يده فكان يمنعه ويفتخر عليه بما له، من المال والجنة فخاطبه أخوه في بعض الأيام مبسطاً عليه فقال له: أنا أكثر منك مالا وأعزا نفراً، فقال له أخوه: فما أراك شاكراً
لله تعالى عى ما أعطاك، ويوشك أن ينزع ذلك منك، ويقال إنه دعى عليه فغرق ماء البحر جميع ما كان له في ليلة واحدة حتى كأن لم يكن قبل ذلك.
وقيل إن هذين الرجلين اللذين ذكرهما الله تعالى في كتابه فقال (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين إلى قوله أحداً) وكانت تنيس عظيمة، لها مائة باب وباقي ذكرها عند ذكر مدائن مصر إن شاء الله تعالى.
وقيل إن بحيرة تنيس تعذب وقت مجئ النيل وتقيم ستة أشهر حلوة ثم تملح وبالقرب (منها) عين لا يخرج ماؤها إلا عند أوقات الصلوات فيتوضأ منها ثم تفيض لذلك عند وقت كل صلاة، وهي معروفة تسمى عين الأوقات.
ولأهل الهند نهر عظيم معهم (١) عليه شجرة باسقة من حديد أو نحاس وتحتها وعمود من نحاس أو حديد مثبت في الأرض مائل إلى الماء طوله على اللارض عشرة أذرع وعرضه نحو الذراع، ويزيد قليلاً، في رأسه ثلاث شعب غلاظ مستوية محدودة كالمنار، وعنده رجل يقرأ كتاباً ويقول للنهر: يا عظيم البركة، وسيل الجنة، أنت الذي خرجت من عين الجنة، ودللت الناس عليها فطوبى لمن صعد هذه الشجرة وألقى نفسه على هذا العمود، فينتدب الواحد لذلك والعدة ممن حوله ويصعدون على تلك الشجرة، ويلقون أنفسهم
стр. 45
على العمود فيقطعون * قطعاً ويقعون على الماء فيدعون لهم أصحابهم بالطوبى والمصير إلى الجنة واللذة ولهم نهر مكران الذي مد النيل (١) فيما ذكروا منه، وقالوا إنه يخرج من الجنة، وإنه لو لم ينجس بالذنوب لما كان (يموت) (٢) من شرب منه
ولهم نهر آخر من سنتهم أن يحضره رجال بأيديهم سيوف قاطعة، فإذا أراد الرجل من عبادهم أن يتطهر ويتقرب إلى الباري سبحانه، أتى في جماعة يأخذون ما عليه من الحلى واللباس وأطواق الذهب والأسورة والقراطق لأن أبناء الملوك كثيراً (٣) ما يخرجون إلى هذا النهر ثم يطرحونه على لوح عظيم ويأخذون بأطواقه ويضربونه بسيوفهم ويقطونه نصفين فيلقون أحد النصفين في هذا النهر والنصف الآخر في بحر كند (٤) ويزعمون أن هذين النهرين يخرجان من الجنة وفي جبال سرنديب وادي الماس وهو بعيد القعر وبه حيات عظام مؤذية فإذا أرادوا إخراج الماس طرحوا فيه ما أمكنهم لحماً حاراً طري السلخ، فترى نسود تلك الجهة وهي به كثيرة، ذلك اللحم فنتقض عليه وتأخذه وترفعه إلى حيث تأكله خوفاً من حيات الوادي، فيقصد طالب ذلك إلى موضع المأكول فيجدون بها ما تعلق باللحم من الماس على قدر العدسة والفولة والحمصة، وأكبر ما يجدونه قدر الباقلا، ويتخذ منه الملوك فصوصاً لخواتم يلبسونها وذكر صاحب المنطق أن من الماس حجارة كبار إلا أنه يوصل إليها لأجل الحيات التي في ذلك الوادي
стр. 46
وبالهند وادي القرنفل ولم يدخل إليه من التجار ولا ممن سلك البحار ولا
ذكروا أنهم رأوا شجرة، وإنما تبيعه الجن فيما يقولون الناس يرسون بالمراكب في جزيرتهم، ويجعلون بضاعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم فيكونون بها، فإذا أصبحوا جاؤا فوجدوا إلى جانب كل بضاعة جزأ من القرنقل وربما ترك البضاعة والقرنفل إذا طلب الزيادة فربما يزاد فيه وذكر عن بعض الناس أنه طلع إلى الجزيرة وأمعن فيها فرأى قوماً صفراً بغير لحى، في زي النساء، ولهم الشعور فغابوا عنه، وأن التجار أقاموا بعد ذلك مدة يترددون إلى ساحل تلك الجزيرة، فلا يخرج إليهم بشئ من القرنفل، فعلموا إن ذلك من اجل من كان نظر اليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه.
ويقال إنه رطباً كان حلو المطعم يأكلون منه فلا يمرضون ولا يهربون، وذكر أن لباسهم من ورق شجر عندهم فهم يلحفونها ولا يعرفها الناس.
وأما الجزائر فذكر بطليموس أن في البحر الأخضر سبعاً وعشرين الف جزيرة عامرة وغير عامرة، منها جزيرة فيها أمة من بقايا النسناس، ولهم شجر يقال له اللوب يأكلون ثمره ويلتحفون بورقه ويأكلون لحوم الدواب البحرية وجزيرة المرجان فيها شجر المرجان في ضحضاح بين الملوحة والعذوبة وقد اطلعت رؤوساً مشعبة، فإذا سقطت إليها مراكب أخذوا من ذلك المرجان ما قدروا عليه.
وجزيرة في وسطها كالضم العظيم من حجر أسود براق لا يدرى ما داخله وحوله أموات وعظام كثيرة
стр. 47
وقد كان بعض الملوك سار إليها فلما نزل عليها وقع إلى أصحابه النعاس
وخدر الأجسام، وضعفت أنفسهم، ولم يقدروا على الحركة، فبادر من حضر منهم إلى المراكب، وهلك من أخلد منهم إلى المقام والتخلف ويقال إن ذا (١) القرنين لما صار إلى الظلمة مر بجزيرة فيها أمم رؤوسهم رؤس الكلاب العظام، بادية أنيابهم يخرج من أفواههم لهب النار، يخرجون إلى المراكب فحاربوه وحاربهم وتخلص منهم، وسار فرأى نوراً ساطعاً فقصده فإذا هو (قد) بلغ جزيرة القصر وهذه الجزيرة في وسطها قصر مبني من البللور الصافي على شاطئ البحر، فأراد النزول بها فمنعه من ذلك بهرام فيلسوف (٢) الهند، وعرفه إن من نزل إليها وقع عليه النوم وغرب (٣) عنه عقله، ولم يستطع الخروج عنها حتى يهلك ويقال انه ظهر بها قوم قد صار لباسهم ورق الشجر، فسأل بهراماً عن مقامهم فيها كيف امكنهم على ما ذكره، فأخبره بهرام إن بها ثمراً إذا أكلوه زال ذلك عنهم وذكروا إنه إذا كان الليل ظهر بشرافات ذلك القصر مثل المصابيح تسرج إلى الصبح ثم تخمد نهارها إلى الليل ثم تسرج ايضاً وفي هذا البحر جزيرة بيضاء واسعة وبها ماء وشجر (٤) وفيها قوم شقر وجوههم فيما وراءهم (٥) وهم عراة، وللواحد منهم ذكر وفرج (٦) امرأة
стр. 48
يتكلمون بمثل كلام الطير وطعامهم من نبات يشبه القطور (١) والكمأة ويشربون من غدران هناك.
وجزيرة التنين فيها جبال وأنهار وزروع وهي عامرة وعلى مدينتهم حصن عالي، وكان تنين عظيم قد سام (٢) أهلها (أقبح) سوم فيقال إن الاسكندر وصلها، وإن اهلها استغاثوا به، وذكروا عنه أنه أتلف مواشيهم حتى جعلوا له ضريبة في كل يوم ثورين ينصبوهما قرساً من موضعه، فيخرج فيبتلع الثورين ويعود إلى موضعه، ثم يعود من غد، فقال لهم أروني مكانه، فلما أصبح أقفوا الاسكندر في موضع يشرف عليه ونصبوا له الثورين فأقبل كأنه سحابة سوداء وعيناه كالبرق، والنار تخرج من جوفه فابتلع الثورين، وعاد إلى موضعه، فأمر الاسكندر بثورين عظيمين فسلخهما، ثم أمر فملئت جلودهما زفتاً وكبريتاً وجبساً وزرنيخاً، ومزج تلك الاخلاط كلاليب حديد وأجسادا، ثم نصبها في ذلك الموضع، فأقبل التنين على عادته فابتلعها ومضى لوجهه، فلم يلبث الا قليلاً فاضطربت تلك الاخلاط في حلقه فخر مستلقياً لا يملك من نفسه، وفتح فاه ليستروح، فأمر الاسكندر بقطع الحديد فأحميت وجعلت على ألواح من حديد فقذفت في حلقه فمات في الوقت واستراح أهل ذلك البلد منه فرحوا لموته وانكفأوا (٣) للاسكندر وحملوا إليه من طريف (٤) ما عندهم.
وكان فيما حلوه إليه دابة في خلق الارنب وَبرها (٥) اصفر يبرق كما يبرق الذهب يسمونه بتراح (٦) وفي رأسها قرن واحد أسود، فإذا الأسود والسباع
стр. 49
والطيور والوحش هربوا منها، وكذلك كل دابة تراها تهرب منها، وتفر بين يديها وفي هذا البحر جزيرة تظهر ستة اشهر وتغيب شته أشهر بكل من فيها تعود إلى هيئتها، وقيل إنها جزيرة مدبرة وجزيرة ملكان، وملكان دابة عظيمة بحرية، قد استوطنت تلك الجزيرة، ولهذه الدابة رؤوس كثيرة، ووجوه مختلفة، وأنياب معقفة، وليس لها طعام إلا ما تصيده من دواب البحر وقيل انها مركب لبعض ملوك الجن من أهل البحر، لأن لها جناحين إذا أقامتهما، وجمعت بين رأسيهما صارا كأنهما رف يلتبس بظل من الشمس * * وذكرتها الأوائل، وزعموا أنها بقدر الجبل، وجزيرة ملكان فيها أمة مثل خلق الإنسان إلا أن رؤوسهم مثل رءوس الدواب يغوصون في البحر ويخرجون (١) بما قدروا على إخراجه من دواب البحر فيأكلونه وجزيرة صيدون، وصيدون هذا ملك وهذه الجزيرة مسيرة شهر في مثله، وكان بها عجائب كثيرة وأشجار وأنهار، وكان في وسطها مجلس على عمد مرمر ملون، وكان المجلس من ذهب مفصل بأنواع الجوهر يشرف على هذه الجزيرة وقيل إن هذا الملك كان ساحراً، وكانت الجن تطوف به تعمل له العجائب فدل بعض الجن سليمان ﵇ عليه فغزاه سليمان وخرب
الجزيرة وقتل اكثر أهلها، لأنهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقاً كثيراً وآمن به أكثرهم، واسر ابنة لصيدون لم يكن على وجه الأرض في زمانها اجمل منها ولا اكمل كمالاً وظرفاً وحلاوة، فاصطفاها سليمان ﵇ لنفسه وتزوجها وكانت تديم البكاء والحزن لمفارقتها لملك أبيها وغضارة نعيمها وأنس حشمها وخدمها وأهلها، فقال لها سليمان ﵇: ما لي اراك
стр. 50
بهذه المنزلة من الحزن وانا خير لك من أبيك ملكي اجل من ملكه.
قالت: اجل، ولكني إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج لي ذلك وجداً فلو أمرت الشياطين ان يصوروا لي صورته، فلعلي إذا رأيتها سلوت فأمر سليمان فصوروا لها صورة أبيها في مجلس يشبه، لمجلس الذي كان فيه، ويقال إن الذي صوره شيطان كان يصحب أباها، وقيل انه هو كان أشار عليها بذلك حتى سألت سليمان ﵇ ذلك، فأمر الشياطين بعملها فكان في مقاصرها التي اسكنها سليمان ﵇ في قصربناه لها، وقد غرس فيه بدائع الشجر وفجر الأنهار في قنوات ذهب وفضه مطوقة بأصناف الجواهر على النعت الذي كان رآه لأبيها في مساكنه، فعمدت إلى تلك (الصورة) فألبستها أصناف الثياب الفاخرة المنسوجة بالذهب المزينة بأنواع الجواهر، وجعلت على رأسه اكليلاً من الجوهر النفيس، وتوجته بتاج من ذهب منظوم بالجوهر الملون وأجلسته في صدر المجلس وجعلت حوله مخاد الديباج واوقدت بين يديه مجامراً من العود والعنبر، ونثرت عليه سحيق المسك، وفرشت بالبعد منه بحيث تحاذيه أصناف الأفاويه والريحان والزعفران، وكانت تدخل عليه بكرة وعشية، فتسجد له مع جميع وصائفها وخدمها، لما كانت تصنع
لأبيها، وخرج الخبر واتصل بآصف بن برخيا، وكان من قراء سليمان ﵇ وكاتبه وهو الذي كان عنده علم من الكتاب، وهو الذي احضر عرش بلقيس وكان عنده علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبه لها فلم يدر كيف يدخل إلى تعريفه بذلك إلى أن اتجه له الأمر (في ذلك) (١) فقال لسليمان يا نبي الله: أني سائلك شيئاً.
قال: سل.
قال أني قد كبرت ولست آمن إن يفجأني الموت، وقد أردت إن اقوم مقاماً اذكر فيه الأنبياء واثني عليهم واصف فضائلهم، فلتأمر باحضار الناس وتجمع وجوه بني
стр. 51
إسرائيل، فيجلسون في مراتبهم، وتنصب لي منبراً أرقى عليه واتكلم بما يمكن إن يحضرني من الكلام في النحو الذي أريد الكلام فيه ففعل سليمان ﵇ ذلك فقام على المنبر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وأقبل يذكر الأنبياء واحداً بعد واحد، فيثني على من ذكره منهم في صغره وكبره ومدة أيامه إلى أن ذكر داود، فأثنى عليه واستغفرله حتى مات، ثم ذكر سليمان فأثنى عليه في صغره خاصة ولم يذكر بشئ في كبره، ولا ذكر شيئاً من أيامه بخير ولا بشر.
فأحفظ ذلك سليمان ودعاه (١) لما فرغ فقال له سليمان أخبرني عنك يا آصف سمعتك ذكرت جميع الأنبياء فأثنيت عليهم في أيامهم وفي جميع أحوالهم، فلما بلغت ذكري أثنيت عليّ صغيراً وتركتني كبيراً فلم فعلت هذا؟ فقال له ذكرت ما علمت، فلما ألح عليه قال وبما استحققت (٢) أني أثني عليك في أيامك هذه؟ فقال له وما الذي صنعت فيها؟ قال لأن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوماً، وما هذا جزاء نعمته عليك ولا شكر تمليكه لك ما
ملكك وأباك من قبلك، فاستغفر سليمان وقال صدقت ودخل فعاقب المرأة وكسر الصنم وهرب شيطانه فظفر به بعد ذلك وحبسه ويقال إن ذلك الصنم كان يخاطب المرأة بلسان ابيها، ويقول لها قد أحسنت فيما فعلت، وكان يغويها ذلك بالسجود فعنف الله سليمان لذلك، وأخذت الجن خاتمه وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فيذكرونه، ثم سأل الله فرد ملكه وخاتمه بعد أربعين يوماً، وهي عدد الأيام التي سجدت المرأة فيها للصنم وقيل إن المرأة ماتت وكان ولد سليمان ﵇ منها ومنها جزيرة الرود وهم خلق له أجنحة وشعور وخراطيم ضيقه، يمشون
стр. 52
على رجلين وعلى اربعه ويطيرون ويعدون إلى الجزيرة، وقيل إنهم من الشياطين الأول ومنها جزيرة القاس وهو (١) دابة مامامة كالكرة تصيح صياحاً شديداً ولا يدرى من أين يخرج صياحه، ويقال إنها تقيم ستة اشهر في البحر وستة أشهر يكون ظاهراً في تلك الجزيرة، ولا يعرف ما هو ولا يعرف ما هو ولا أي شئ يأكل، ولا من أي موضع يأكل.
ومنها جزيرة مر بها قوم، وقد هاج عليهم البحر وعظم، فنظروا فإذا شيخ ابيض الرأس واللحية، وعليه ثياب خضر مستلق على وجه الماء، وهو يقول سبحان مدبر الأمور، وعالم ما في الصدور، وألجم البحر بقدرته على أن لا يفور، سيروا بين الشمال والشرق حتى تنتهوا إلى جبال الطوق
فاسلكوا وسطها تسلموا من الغرق.
ففعلوا ذلك فاذاهم إلى مدينة بها أمة طوال الوجوه، معهم قضبان الذهب يعتمدون عليها، ويحاربون بها وطعامهم الموز والقسط، فأقاموا عندهم شهراً وأخذوا القضبان الذهب التي (٢) عندهم، فلم يمنعوهم، ثم ساروا على ذلك السمت فخلصوا ويقال إن الرجل الذي أرشدهم الخضر ﵇ وإن هذه الجزيرة مكانه وهي وسط البحر الأعظم وذكر بطليموس أن في بحر الشرق والصين ثلاث عشرة الف وسبعمائة جزيرة، وذكر بعضها منها جزيرة سرنديب، يقال إنها ثمانون فرسخاً في مثلها، ونقول أهل الهند إن بها الجبل الذي اهبط الله تعالى عليه آدم ﵇ تراه أهل المراكب على أيام
стр. 53
وتذكر البراهة (١) أن عليه قدم آدم ﵇ مغموسة وهي سبعون (٢) ذراعاً وأن على هذا الجبل مثل البرق ليلا ونهاراً فلا يمكن أحد من النظر إليه، وأن آدم ﵇ خطا فيه إلى البحر خطوة واحدة، وهي على مسيرة يومين، وحوله ألوان الياقوت والاشياء (٣) كلها وعليه أصناف العطر والأفاويه، ودواب المسك.
وارضه السنبادج، وفي أوديته الماس، وفي أنهاره البلور، وحوله في البحر غوص اللؤلؤ.
ويتصل بها جزيرة الرامي، والرامي مدينة بالهند، وبها الكركند، وفيها البقم، وعروقه دواء من السم لساعته، وقد جربه البحريون من سم الأفاعي والحيات
وبها جواميس لا أذناب لها، وناس عراة في غياض لا يفهم كلامهم، وهم متوحشون من الناس، وطول الواحد منهم أربعة أشبار، وللرجل منهم فرج صغير، وكذلك المرأة.
وشعورهم زغب احمر، ويتسلقون على الشجر من غير أن يستعينوا بأيديهم، وهم يلحقون المراكب سباحة وهم في سرعة الريح يبيعون العنبر بالحديد، ويحملونه في أفواههم، وبقرب من هؤلاء قوم سود، وشعورهم مفلفلة، يأكلون الناس أحياء إذا ظفروا بهم يشرحوهم تشريحا، ولهم فيها جبل طينه فضة، إذا أصابته النار ذاب ويتصل بها ارض الكافور، وهو شجر نبت بها ظل الشجرة منها مائة إنسان واكثر، تثقب الشجرة فيسيل منها ماء يملأ عدة جرار، ثم يكون ذلك ماء الكافور، والكافور صمغ يخرج على اغصانها قطعا، ثم وخشبها ابيض خفيف وفي هذه الجزيرة عجائب كثيرة بحريات، وأطيار عجيبة، وغير ذلك من العجائب وجزيرة كله وهي جزيرة كبيرة يسكنها الهند، وفيها معدن الرصاص
стр. 54
القلعي ومنابت الخيزران وهو عن يمينها على يومين منها.
وجزيرة مالو عن، وأهلها يأكلون الناس، وبها موز كثير وكافور ونار جيل وقصب سكر وأرز.
وجزيرة خاقه وبها مدينة سلاهيط وبها ملك يسير أحسن سيرة، لباسه والثياب المذهبة، وعلى رأسه قلنسوة من ذهب، مكللة بغرائب الجواهر وبها نارجيل وموز وسكر وصندل وسنبل وقرنفل.
وبحذائها جبل في ذروته نار تتقد مقدار سمكها علو مائة ذراع في مثلها فهي بالليل نار، وبالنهار دخان.
وجزيرة الطيب من هذه خمسة عشر يوما، من البحر، فيها من كل الاوفاويه وفي مملكة المهراج جزيرة، يقال لها فرطائيل يسمع منها الطبول والعزف والزمر وأصناف الغناء، والبحريون يقولون أن الدجال فيها، وبالقرب منها موضع في البحر يخرج منه خيل لها أعراف تجرها في الأرض وجزيرة ميمونة في طريق الصين، فيها العود والكافور، ومنها إلى قماري إلى الساحل أيام يسيرة وبقماري العود القماري والصندل.
وجزيرة الصندل على الساحل، وبها العود والصنفي، وهو عندهم أفضل من العود القماري، لأنه يغرق في الماء لجودته وثقله، وبها بقر وجواميس وبلاد الواق وجزائها في مشارق الصين وهي كثيرة الذهب، حتى إن مقاود دوابهم وسلاحهم وسلاسل كلابهم ذهب، ويعملون القصب المنسوجة بالذهب ذات التماثيل العجيبة ومن هذه النواحي يجنى العود والمسك والآبنوس والدراصيني، وأصناف التجارات والعجائب وجزيرة الزنج وفيها أمم مختلفو (١) الاشكال والا خلاط، وملوك مختلفه
стр. 55
المعاني والمذاهب، وفيها أصناف من الدواب وفي بحر الزنج جزائر كثيرة يستخرجون منها الودع والحلزونات الملونة وهم يلبسونها مثل الحلى.
ويدفنون أنياب الفيلة، فإذا عفنت أتى تجارها من الهند السند فاشتروها منهم
وفي بحر هر كند على ما ذكره بطليموس وجماعة من البحرين الف وسبعمائة جزيرة عامرة سوى الخراب، ويملك هذه الجزائر كلها امرأة، ويقع إليها عنبر كثير، وربما وقع إليها القطعة بقدر البيت أو نحوه، وإنما يخرج هذا العنبر إذا هاجت الريح من قعر البحر رمت من تحته فقذفت به إلى السواحل.
وهذه عامرة بالناس وتجارتهم الودع يأتيهم على وجه الماء وفيه روح، فيأخذون شقف النار جيل فيطرحونها على وجه البحر، فيتعلق هذا الودع بها فيأخذونه منه ويجمعونه وملك المهراج عظيم مملكته ليس في البحر بالشرق أكثر من جزائره، ولو شاء إنسان أن يركب مركبا، ويطوف بها لم يدرها في سنين كثيرة وهو بحر لا تحصى عجائبه، وعند ملوكه جميع الأفاويه من الكافور والقرنفل والجوزة والبسباسة والقاقلة والكبابة والعود، وليس لغيره من الملوك ما له من العطاء ولا يشاركه في ذلك احد تتمنهم ببلاد الصين يقال إن بلاد الصين ثلاثمائة مدينة ونيف، عامرة كلها سوى القرى والأطراف والجزائر، وأبواب الصين اثنا عشر (١) بابا، وهو جبل في البحر بين كل جبلين منها فرجة وبحر يصار منه إلى موضع مدينة من مدائن الصين المعروفة الكبار وهذه الجبال التي تمر بينها المراكب مسيرة سبعة أيام فإذا جاوزت السفينة هذه الأبواب صارت في بحر فسيح وماء عذب، وصارت كذلك حتى تسير إلى
стр. 56
الموضع الذي تريده من بلاد الصين.
وأول مرسا تنزله خانقوا وماؤها عذب من أنهار عذبة وفي كلها أمن ومصالح وشجر وعمارة وزرع، وفي تلك الميناء (١) أودية كلها تدور [بين] جزيرتين في اليوم والليلة، وفي هذا المرسا أسواق وتجار وخروج ودخول، وتجارات تحط، ومراكب تذهب وتجئ.
وجزيرة خلنجان فيما بين سرنديب وفلنتن ببلاد الهند فيها قوم سود عراة
إذا وقع إليهم إنسان عربي (٢) من غير بلادهم، علقوه من كسائه وقطعوه قطعا، وليس لهم ملك وغذاؤهم السمك والموز والنار جيل وقصب السكر، وبها آجام تنبت الخيزران، وهم عراة لا يستترون بشئ، وبقرب الصين موضع من البحر يقال له منجي وهو أخبث البحار وأكثرها رياحا وموجا ومضايقا وجبالا، تتطاير منه إلى المراكب صبيان مثل صبيان الزنج، طول أحدهم نحو خمسة أشبار يخرجون من الماء ويتواثبون إلى المراكب ويدورون فيها، ولا يؤذون أحداً ثم يعودون إلى البحر، فإذا كان ذلك منهم وظهروا كان ذلك علامة لأخبث الرياح عندهم، فيستعدون ويأخذون أهبتهم، ويخففون المراكب، ويلقون بعض ما فيها ويقطعون من الذقل ذراعا أو ذراعين إن خافوا كسرها ويقولون أيضاً إنهم إذا رأوا على دور المكان سمكة يقال لها البليقة يكون منها ما طوله مائة ذراع في عرض عشرين ذراعا وينبت على ظهرها الحجارة، وربما تعرضت للمراكب فكسرتها وزعموا أنها ربما قربت من الساحل وهي لا تعلم، فتندفع بقوتها تتبع لبعض
стр. 57
السمك هارب منها فلا تشعر الا وقد حصلت في البر بجملتها فلا يمكنها الرجوع فتهلك فإذا كان كذلك قطع لحمها وذوب في القدور فيذوب لحمها كله، ويصير دهنا ينتفع به في المراكب وغيرها وجزيرة بقرب الزنج فيها جبل يقال لها جبل النار يظهر منه بالنهار دخان
وبالليل لهب نار، فلا يقدر أحد على الدنو منه.
وجزيرة المدر وهم سودان ولهم مدينة لها بارند، وأهل هذا البلد يقطعون الطريق ويسبون ويقتلون.
فالمراكب الصينية يعد فيها التجار السلاح والنفط، وربما كان في المراكب أربعمائة نفس من التجار وخمسمائة مقاتل، فلا يطمع فيهم، ويطمع في سواهم، وتغتال سفينتهم وجزيرة الرانج وهي جزيرة عظيمة كثيرة الأهل والزرع والتجارات ويقال إنها لما فسد من بالصين بالخوارج والهرج صارت المراكب الصينية تقصد جزيرة الرانج هذه ويقاتلون أهلها وكذلك جزائرها كلها ومدائنها.
وأصبح أبواب الصين في التجارات الباب الذي يدخل منه إلى خانقوا وهو أقرب، ومن دخل من غيره بعد الطريق عليه وجزائر الرانج كثيرة منها جزيرة تعرف بسديدة، تكسيرها أربعمائة فرسخ وبها متاجر وطيب وجزيرة الرامي أيضاً عامرة يقال إن تكسيرها ثمانية فراسخ فيها منابت البقم وفيها الكافور والاوفاوية وتكسيرها ثمانون فرسخاً وجزيرة كله، يقال إنها النصف بين أرض الصين وأرض العرب وتكسيرها ثمانون فرسخاً.
стр. 58
وبكله مجتمع الأمتعة من العود والكافور والصندل والعاج والرصاص القلعي والآبنوس والبقم، والجهاز إليها في هذا الوقت من عمان.
وجزيرة المهراج الذي هو ملك هذه الجزيرة، وهي جزيرة كبيرة في غاية العمارة والخصب.
حكي عن بعض التجار الذين يوثق بقولهم أن الديكة إذا غردت بها في الأسحار تجاوبت من نحو مائة فرسخ لاتصال عمارتها، وانتظام قراها لا مفاوز فيها ولا خراب، وأن المسافر يسافر فيها بلا زاد، وينزل حيث أراد.
وفي جزيرة سرنديب موضع يجتمع إليه أهليها يتدارسون فيه سريانياتهم، وقصص ملوكهم في الزمن السالف وبها صنم عظيم من ذهب مبلغ وزنه وقدر الجوهر الذي عليه مائة رطل وهو في هيكل لهم وفيها مواضع أخرى يجتمع فيها اليهود وأهل الملك يتدارسون فيها علومهم ويتكلمون في أديانهم، والملك يبيح لهم ذلك وفي هذه الجزيرة أعناب يقال لها أعناب سرنديب، والعنب واد عظيم يجوز المجتاز في هذا العنب شهرين وأكثر في رياض وغياض وهواء معتدل، والشاة عندهم بنصف درهم، وأكثر عملهم القمار بالنرد والشطرنج، ويستزير (١) الرجل المرأة بعلم أهلها وجزيرة الرانج جزيرة كبيرة واسعة، وكلما يزرع فيها من ذرة وقصب وسائر النبات فهو أسود، ولهم في جزائرهم قوم يعرفون بالمخرمين قد خرمت أنوفهم، وقد أتموا أسلحتهم ويأخذ بطرف كل سلسلة يجره ويمنعه من التقدم حتى يسفر السفراء (٢) بينهم فان وقع الصلح وإلا شدت تلك السلاسل في أعناقهم
стр. 59
وتركوا للحرب، فلم تقم لهم قائمة، ويأكلون من وقعت عليه نهشا، ولا يزول أحدهم من مركزه دون أن يقتل وللعرب في قلوب الزنج هيبة عظيمة، فإذا عاينوا رجلاً منهم سجدوا له وقالوا هذا أبن مملكة تنبت في بلادهم شجر التمر، لجلالة التمر في صدورهم
ولأن العرب إنما يصرفون صبيانهم بالتمر وفيهم خطباء بلغاء بألسنتهم، ومن يتعبد منهم يستتر بجلد نمر، ويأخذ بيده عصا، ويجتمع إليه الناس ويقف على رجله من أول النهار إلى الليل يخطب ويذكرهم الله تعالى، ويذكر لهم أمور من ملك منهم، ومن مضى من الملوك.
وجزيرة سقطرى وبها منابت الصبر السقطري، وموضعها بين بلاد الزنج وبين بلاد العرب، وأكثر أهلها نصارى.
والسبب في ذلك إن الاسكندر لما غلب على ملوك فارس وقتل فور (١) الهندي، وكان يكاتب ارسطاطاليس بما يجري من أمره، ويعرفه بما وقف عليه وغلبه عليه من الممالك، وكان ارسطاطاليس يكتب إليه ويؤكد عليه في طلب جزيرة في البحر تعرف بسقطرى لان بها منابت الصبر السقطري، وبها الدواء العظيم الذي لا تتم الأيارجات إلا به، وأن الجزيرة إن وجدها لا ينتقل عنها حتى يصلح عمارتها ويسكنها قوما من اليونانيين ويطوف (٢) لهم بملكها والحفظ لها (٣) ففعل الاسكندر ذلك، وتقدم إلى ملوك الطوائف بالاحتفاظ بها، وكان ذلك حتى بعث السيد عيسى بن مريم ﷺ وتنصرف الروم ودخل هؤلاء في الجملة وتنصروا مع الناس فبقاياهم بها إلى هذا الوقت مع سائر من يسكنها من عندهم، وفي البحر الكبير الذي عن يمين الخارج من عمان جزائر
стр. 60
كثيرة، وهي تحاذي بلاد الشجر فيها منابت اللبان، وما يتصل بذلك من أرض عاد وجرهم والتبابعة وفيها قوم من العرب وهم في هذه الجزيرة في قشعمة وضيق عيش إلى أن تتصل بعمان وسواحل اليمن فيتسع أمرهم قليلا، وعيش هؤلاء من السمك ومن
نبات عندهم، وربما وقع إليهم العنبر فباعوه من أصحاب المراكب.
وبحر اليمن متصل ببحر البحار والقلزم، وينقطع هناك، ومن عجائب الجزائر التي في هذا البحر جزيرة يقال لها سلطا منها قوم يسمع كلامهم وضجيجهم وتصرفهم في معاشهم، ومن وصل إليهم يخاطبهم ويخاطبونه ولا يراهم، وسئلوا عن أمرهم فذكروا أنهم من الأنس، وأنهم كانوا بعث إليهم نبي يقال له سافر بن جردول (١) فآمنوا به وهم على دينه.
وإذا نزل الغريب إليهم جعلوا له من الزاد في ليلة ما يكفيه ثلاث ليال تمرا في نهاية الحلاوة والطيب ونارجيلا وطيورا مشوية على قدر اليمام، أطيب مضغة من اليمام، وإذا أراد من وقع عندهم الرجوع إلى أهله سيق له مركب وأكثرهم لا يتجه له المسير عنهم حتى يحمل وإن لم يحملوه أقام على حاله ولم يسر إلى بلاد غيرها لطيب الموضع وكثرة الخير، وقد عرف ذلك البحريون.
وجزيرة فرش، وهو شجر عرفت به الجزيرة يحمل ثمرا في خلق اللوز إلا أنه اكبر منه، يؤكل بقشره فيقوم مقام كل دواء، ومن أكل منه لم يمرض إلى موته ولم يهرم، وإن كان شعره أبيض عاد أسود، ولهذه الجزيرة ملك يمنع منها، وذكر أن بعض ملوك أهل الهند جلبه وزرعه فأورق ولم يثمر وجزيرة الدهان وهو شيطان في صورة الإنسان راكب على ظهر طائر يشبه النعامة وعلى قدرها، يأكل لحوم الناس وإذا طرحهم البحر رفعهم إلى
стр. 61
موضع لا خلاص لهم منه وأكلهم واحدا بعد واحد عند إرادته، ويأكلهم أحياء
وحكي أن البحر حمل مركباً إلى تلك الجزيرة وقد كانوا سمعوا به، فلما أتاهم وقفوا على مركبهم ورموه وحاربوه وصبروا على قتاله، فصاح بهم صيحة سقطوا منها مغشيين على وجوههم، وجعل عبرهم إلى موضع عادته وكان فيهم رجل صالح فدعا الله عليه فهلك من حينه، وصار موضعه ذلك مطلباً لما معه من أموال الناس وأمتعتهم وجزيرة الضريف، وهي جزيرة تلوح لأصحاب المراكب فيطلبونها حتى إذا ظنوا أنهم قد قربوا منها تباعدت عنهم، وربما أقاموا كذلك أياماً لا يقدرون على الوصول إليها ولا يقول أحد من أهل البحر إنه وصل إليها ولا دخلها، وهم يرون فيها شخوصاً ودواباً وعمارة وشجراً وجزيرة البيدج فيها صنم من زجاج أخضر يجري من عينيه دمع على ممر الأيام يقول البحريون إنه يبكي على قومه لأنهم كانوا يعبدونه فغزاهم بعض الملوك فاستباهم وقتلهم وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشئ لم يعمل فيه وعاد الضرب إلى وجوههم فتركوه، وإذا دخلت الريح إلى أذنيه صفر تصفيراً عجيباً وجزيرة سرهانة، بها عمارة وشجر وأكثر أهلها أوانيهم ذهب، وثيابهم منسوجة بالذهب، وسلاحهم أعمدة ذهب، ولهم ملك متى وقع لهم من يريد الخروج بشئ منه دفعه عنه.
ومن الجزائر ببلاد الغرب صقلية وهي جزيرة كبيرة دورها أكثر من خمسة عشر يوماً، ومملكتها واسعة ولها جبال وأشجار وأنهار ومزارع، وهي بازاء أفريقية، وبها جبل البركان لا يزال يظهر دخانه بالنهار وناره
стр. 62
بالليل ويطير منه في البحر شرارات، وهي حجارة سود مثقبه مثل
الإسفنج (١) تطفو على الماء فتحملها الناس إلى البلاد يحكون بها في الحمامات أقدامهم وربما خرج من هذا البركان فيدخل في البحر فيحرق كلما صادف من دوابه وحيتانه، فتلقيه الأمواج إلى الساحل، فلا يقدر أحد على الدنو من هذا الموضع وجزيرة سردانية، وهي جزيرة كبيرة مسيرة عشرين يوماً وفيها شجر وعيون وزروع وجبال وتجارات وجزيرة أقريطش، وهي في بحر الروم، وبها جبال ومعدن ذهب وأنهار وثمار، وهي اثنا عشر يوماً في ستة أيام، وفي البحر الكبير جزيرة ترى على بعد في البحر فإذا قرب منها القاصد بعدت عنه وغابت، فإذ رجع إلى الموضع الذي كان فيه رآها كما كان يراها قبل.
وقيل إن بها شجراً يطلع بطلوع الشمس ولا يزال طالعاً إلى نصف النهار ثم يعود إلى الانحطاط حتى تغيب الشمس، ويقول البحريون إن في ذلك البحر سمكة صغيرة يقال لها السائل إذا حملها الإنسان مع نفسه أبصر الجزيرة ولم تغب عنه ودخلها، وهذا شئ عجيب ظريف وجزيرة طاوراق، وهو ملك له أربعة آلاف امرأة، ومن لم يكن له ذلك فليس بملك ويتفاخرون بكثرة الأولاد، وعندهم اشجار إذا أكلوا منها قووا على الباه قوة عجيبة وجزيرة السيارة، والبحريون مجمعون (٢) عليها، منهم من يذكر أنه رآها مراراً كثيرة وليس بمسكون فيها.
وهي جزيرة فيها جبال وعمارة، فإذا هبت الريح من الغرب صارت إلى الشرق، وإذا ذهبت من الشرق صارت إلى الغرب، هذا دأبها
стр. 63
ويقال إن حجارتها خفيفة يكون الحجر العظيم الذي وزنه عندنا قناطير يزن عدة أرطال واقل من ذلك ويحمل الإنسان القطعة العظيمة من الجبل.
وذكر بعض اليهود لعنهم الله من أصحاب التجارات أن مركبهم انكسر بهم في بعض السنين، وان البحر طرحهم إلى جزيرة ترابها وحجارتها وكل ما فيها ذهب، فأقاموا فيها أياماً لا يجدون غذاء غير السمك وهو مع كل ذلك قليل، فلما خافوا على أنفسهم التلف وكانوا مع ذلك سلم لهم زورق للمركب فجروه عندهم فأسقوه من ذلك الذهب وثقلوه بالطمع فوق ما يحمل، ثم دخلوا به البحر واجتهدوا في طلب النجاة فلم يسيروا به إلا يسيراً حتى عطب بهم الزورق وتلف الذهب ولم ينج منهم إلا بعضهم من أهل السباحة نحو مهب الريح من إلى الساحل وذكروا أن في جزائر الكافور قوماً يأكلون الناس، ويأخذون رؤسهم فيجعلون فيها الكافور والطيب ويعلقونها في بيوتهم ويعبدونها، فإذا عزموا على أمر من الأمور أخذوا رأساً من تلك الرؤس، فكبروا له وسجدوا بين يديه، وسألوه عما يريدونه، فيخبرهم بكل ما سألوه عنه من خير وشر.
وجزيرة النساء، وهذه الجزيرة في تخوم من الصين، وحكوا عنها أنه لم يسكنها إلا النساء، وأنهن يلقحن الريح ويلدون نساء، وقيل إنهن يلقحن من الريح (١) وزعموا إن الذهب عروق عندهم مثل الخزران، وتربتها ذهب، وأنه وقع إليهن مرة رجل فهممن بقتله، فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسلمته (٢) في البحر فحملته الأمواج والرياح، حتى أتت به بلاد الصين فدخل إلى ملك الصين وعرفه حال الجزيرة، فوجه المراكب في طلبها، فطافت
تطلبها ثلاثة أشهر فما وقعوا لها على خبر ولا أثر.
стр. 64
وجزيرة ابن أسعلاق، فيها شخص مشوه لا يدرى ما هو، ذكر قوم أنه شيطان تجسد بين الجن والأنس، وزعم قوم أنه خلق بحري مشوه مقارب لصورة الإنسان، وانه يأكل من وقع إليه من الناس.
وفي خبر ذي القرنين: إن مراكبه وقعت إلى جزيرة بيضاء نقية ذات أنهار وأشجار وأثمار، وفيهم خلق على خلق الانسان في الا نتصاب، رؤوسهم مثل رءوس السباع والكلاب، فلما دنوا منهم غابوا عن أبصارهم، وبوسط الجزيرة نهر شديد البياض بشاطئه شجرة عظيمة فيها من كل ثمرة طيبة لذيذة الطعم مشرقة بأنواع الألوان ورقها كالخلال (١) كبراً وليناً وحسناً، والشجرة تسير بسير الشمس من الغد والى الزوال، فإذا زالت الشمس تقلصت وانحطت، بانحطاط الشمس، وغابت بعد نبتها، وثمرها أحلى من العسل والين من الزبد، وورقها أطيب رائحة من المسك، فجمعوا من ورقها كثيراً ليحملوه إلى الاسكندر، فضربوا وظهرت عليهم اثار الضرب ولم يروا من يضربهم وصيح بهم " ردوا ما قد أخذتم من هذه الشجرة ولا تتعرضوا لها فتهلكوا " فردوا ما كان أخذوه من ذلك وركبوا مركبهم وساروا ودخل الاسكندر جزيرة العباد فوجدها قفاراً (٢) غير حشيش فيها وغدران ووجد فيها قوما قد نهكتهم العبادة وصاروا كالحمم من سواد الألوان، فوقف بهم وسلم عليهم فردوا عليه، فقال لهم ما عيشكم في بلادكم هذه؟ فقالوا ما يأتينا من رزق من اسماك البحر وضروب الحشيش، وما نشربه من ماء هذه الغدران، قال أفلا أنقلكم إلى موضع اخصب لكم من
هذا المكان، فقالوا وما نصنع به إن عندنا في جزيرتنا هذه ما نغنى به عن جميع العالم، ويكفيهم لو أنهم وصلوا إليه، قال: وما هو؟ قال: فانطلقوا به إلى واد لهم يسرج من الوان الدر والياقوت فوق ما تتوهم
стр. 65
النفس، وأخرجوه من هناك إلى أرض واسعة كثيرة الفواكه فيها من أصناف الثمرات مالا يوجد مثله ببلد من البلدان، فقالوا له أتصل بنا إلى اكثر من هذا؟ قال والله ولا إلى بعضه، فقالوا فهذا بين أيدينا فما نلتفت إلى شئ منه، وإنا لنؤثر الحشيش عن هذه الفواكه، فذهب أصحابه ليأخذوا من ذلك الجوهر شيئا فمنعهم، وودع القوم وانصرف إلى مركبه متعجبا منهم.
وحكي أنه ذكرت له جزيرة في البحر الأخضر فيها قوم حكماء فصار إليهم فرأى قوما سرابيلهم ورق الشجر وبيوتهم الكهوف، وعليهم السكينة فسألهم عن مسائل من الحكمة فأجابوه فقال لهم سلوني ما أحببتم، فقالوا له إنا نسألك الخلد فقال أنى لي به، ولا أقدر على زيادة نفس واحد في أنفاسي! فقالوا فعرفنا بقية آجالنا، فقال أنا لا أعرف بقية أجلي، فكيف لي بمعرفة أجل غيري! قالوا فامنحنا منحة تبقى لنا ما بقينا، فقال وهذا ما لا أبلغه لنفسي فكيف لغيري! قالوا فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر عليه! وجعل الناس منهم يتطاولون بالنظر إلى عساكر الاسكندر، وكان على شاطئ البحر رجل حداد لا يرفع بصره إليه، ولا إلى شئ من عساكره فعجب الاسكندر من ذلك فأقبل عليه وقال له ما منعك من النهوض إلي والنظر إلى عسكري؟ فقال له لا يعجبني ملكك فأنظر إليه! قال ولم؟ قال أني عاينت قبلك ملكا لا يبلغ ملكك ملكه، وكان في جواري رجل مسكين
لا يملك شيئاً، فمات الملك والمسكين في يوم واحد، ودفنا في ناحية واحدة فكنت أتعاهدهما حتى بليت أكفانهما وبقيت رممهما، ثم اختلطا فجهدت إن اعرف الملك والمسكين فلم أقدر على ذلك، فهان عليَّ كل ملك بعد ذلك.
قال فصناعتك تكفيك؟ قال أنا اكسب بها ثلاثة دراهم كل يوم أنفق درهما واقضي درهما وأسلف درهما، فالدرهم الذي انفق هو مؤنتي ومؤنة عيالي
стр. 66
والدرهم الذي أقضيه عما يلزمني في كراء بيتي وموضع عملي، والدرهم الذي أسلفه هو الذي أنفقه على ولدي لينفقه علي إذا كبرت قال أفلا تنفق ذلك على أصحابك؟ قال هم لا يحتاجون إلى ذلك، وأنا لا أحتاج إليه، وإنما يحتاج إلى ذلك من لا ينصف عن نفسه، فأما من انصف منها فلا يحتاج إلى شئ! فعجب ذو القرنين من حكمهم وانصرف عنهم
ذكر آدم ﵇ وولده
أجمع أهل الأثر أن آدم ﵇ خلق يوم الجمعة، لست خلون من نسيان وكساه الله لباساً من ظفره، وأسجد له ملائكته فسجدو إلا إبليس وكان ملكا على الأرض يصعد إلى السماء متى شاء فأبى من السجود لآدم، وقال أنا كنت خليفتك على الأرض وهو من تراب كنت أطؤه، وأنا من نار وهو من طين، فلي عليه الفضل من كل جانب، وأفضله بالاجنجة التي أغشى بها أقطار الأرض في اقل من لمح البصر، فلما امتنع من السجود أبلسه الله ولعنه.
وخلق حواء وألبسها لباسه واسكنها الجنة لثلاث ساعات مضت من ذلك اليوم وأباحهما جميع ما في الجنة الا الشجرة التي نهاهما عنها، وهي على قول اكثر أهل العلم البر، وكانت الحبة بقدر الأترجة فألقتهما الحية، وكانت من
أحسن دواب الجنة، وكانت ذات قوائم.
ولما رأى آدم ما أعطيه من الكرامة اشتاق إلى الخلود فطمع فيه إبليس، فاحتال حتى ادخله الجنة.
فخاطب حواء فيها وقال (مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا إن تكونا
стр. 67
[ملكين أو تكونا] من الخالدين، وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين) ولم يزل بحواء حتى أكلت من الشجرة وأطعمت منها لآدم فأكل، فلما أكلا منها انكشف لباسهما عنهما إلى أطراف أصابعهما وبدت لهما سوآتهما، وهرب آدم في الجنة يميناً وشمالاً لا يدرى ما يصنع، فتعلقت به شجرة الا ترج وحبسته بناصيته ومعه حواء، فطفقا يأخذان من ورق الجنة ويستتران بها فقال الله عزوجل قد جعلت هذه الشجرة غذاء لكما ولذريتكما، يعني الشجرة التي آكلا منها عاصيين فاهبطوا جميعاً أنتما وإبليس والحية فان بعضكم لبعض عدو.
ونزع الله من الحية قوائمها فهبطوا، فكان مقام آدم في الجنة مع حواء ثلاث ساعات، مقدار مائتين وخمسين سنة من أيام الدنيا، وهو ربع يوم من أيام الآخرة الذي هو ألف سنة.
فاهبط آدم على جبل سرنديب وعليه الورق المخصوف من الجنة، فلما جف الورق وذهبت رطوبته تقطع وسقط فنسفته الريح وطرحته إلى كل جهة فنبت منه بأرض الهند أنواع الطيب والافاويه، والتمر الذي لا يوجد إلا هناك، وفيه العود ودواب المسك، وحوله أصناف اليواقيت والماس، وفي بحره مغايص اللؤلؤ.
وسمى الله آدم عبد الله وكناه أبا محمد وكان طويلا جعد الشعر أحسن من خلق الله تعالى، فلما نزل إلى الأرض نقص من لونه وحسنه وطوله.
وكان يتكلم بالعربية فحول الله عزوجل لسانه إلى السريانية، وانتزع منه ما علمه ثم رده الله بعد توبته إليه.
وأهبط حواء على جدة وبيدها قبضة من جوهر الجنة فتناثر منه من يدها شئ فكانت الجواهر منه، ونقص أيضاً من حسنها وبهائها وأهبط إبليس ومعه قبضة من النار وعصا من بعض شجر الجنة يقال إنه
стр. 68
العوسج ويقال إنها كانت من آس الجنة، وهي التي صارت إلى موسى ﵇ وأنزل معه ثلاثين قضيباً من ثمار الجنة وجعلها إكليلاً على رأسه، منها عشرة ظاهرة القشور وهي: الجوز واللوز والبندق والفستق والخشخاش والبلوط والقسطل وجوز الهند والرمان والموز وعشرة لها نوى وهي الخوخ والمشمش والأجاص والتمر والزعور والغبيرا والقراصيا والشاه بلوط والنبق والمقل وعشرة لا قشور لها نوى وهي، التفاح والسفرجال والكمثرى والعنب والتوت والأترج والخرنوب والخيار والبطيخ والبر (١) وكان أول ما خلق الله تعالى في الأرض الكمثرى وتاب الله على آدم ﵇ بعد مائة سنة: أتاه جبريل ﵇ وعلمه الكلمات، وهي لا إله إلا أنت عملت سوءا فاغفر لي وأنت خير الغافرين وقيل في طوله أنه كان يبلغ السماء فلما أهبط إلى الأرض.
جعل طوله مائتين وسبعين ذراعاً، وعلم استخراج الحديد وسبكه وعمل الزبدة والمطرفة والكلاليب والمدية وآلات الأرض وما يحتاج إليه من جميع الآلات.
وعلم ما يأكله من دواب الأرض، وما يجتنبه وأمر بالمسير إلى مكة، وكان موضع قدمه عمرا وما بينهما مفاوز، وأتى جدة فوجد بها حواء تبكي فقال لها هذا عملك (٢) .
وقيل له إيت الكعبة فطفت بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالأبطح فقالوا له حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام ولسنا بأول من حجه وعلمه جبريل ﵇ المناسك، وأنزلت عليه إحدى عشرون
стр. 69
صحيفة، وفرض عليه الصلاة والزكاة والاغتسال من الجنابة والوضوء، وزرع، وحصد، وطحن، وخبز، ثم قيل هذا دأبك أنت وذريتك، فقال يا رب ما بلغت هذا إلا بشق النفس فقيل له هذا بخطيئتك.
وعوقبت حواء بعشر خصال، وجع العذرة، ووجع الولاة، وطول الحمل والحيض، وحزن الموت، وقناع الرأس، وملكة الرجال للنساء، وأن تكن تحت الرجل عند الجماع، والولولة عند المصيبة، ورقة القلب عند الحزن - جمع بين آدم وحواء بجمع وتعارفا وعوقب آدم بنقصان طوله، وتغير حسنه، وخوفه من السباع، وكانت تخافه، وحتم عليه وعلى ذريته بالموت، وحفظت عليه أعماله، وكلف النظر في رزقه والتعب فيه.
وعوقبت الحية بقص جناحيها وعدم يديها ورجليها ومشيها على بطنها وشق لسانها، وخوفها من الناس وعدواتهم لها، وجعل من التراب غذاؤها، وإن طلبت أن تقتل أخرجت للناس لسانها.
وإن آدم غشي حواء فولدت له قابيل وتوأمته قليما، وكان كذلك يولد له
توأمين في كل بطن.
ثم ولدت له هابيل وتوأمته لبوذا فشغل قابيل بالحرث، وشغل هابيل برعي الغنم، ثم أمره أن يزوج هابيل من أخت قابيل فضربها وقال أنا أحق بأختي منه، فأمرهما أبوهما أن يقربا قرباناً فأيهما تقبل قربانه كان أحق بأخت قابيل، فرضيا بذلك.
وقرب هابيل أسمن كبش كان عنده، وقرب قابيل من أرذل ما كان عنده من الغنم وكان ذلك بينهما يوم الجمعة، وجاءت النار إلى القربان، وأخذت الكبش الذي كان لهابيل، وحملته ولم تقبل قربان قابيل، فأغضبه ذلك وعزم على قتل أخيه بعد منصرفهما من منى، فلم يدر
стр. 70
كيف يقتله فتصور له إبليس لعنه الله في صوره إنسان، وأخذ طائراً ففشخ رأسه بحجر فقتله، وحمله معه حتى غاب عن عينه فاغتفل قابيل هابيل حتى نام عند غنمه، وهي ترعى فحمل حجراً فطرحه على رأسه فقتله فاصبح من النادمين، وطال تحسر آدم ﵇ على ابنه هابيل وعلى الجنة فانزل الله تعالى له خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء وضعت مكان الكعبة ولمائتين وثلاثين سنة من مهبط آدم ولد له شيث وهو هبة الله وتوأمته، فتقول أصحاب التواريخ: إنه ولد له مائة وعشرون بطناً، وأمر آدم ﵇ بكتب الصحف، وعلم اللغات كلها، وعلم الأسماء التي قهر بها الجان والشياطين وعلم حساب الأزمنة وسير الكواكب وسأل ربه أن يريه الدنيا وما يكون فيها من خير وشر، فمثلت له براً وبحراً فنظر اليها والى ملوكها وسكانها من ولده، وصور الأنبياء وما يكون في العالم ويدور فيه من خير وشر الى انقضائه ولما كثر ولده وولد ولده بعثه الله إليهم وأمره أن يأمرهم بما أمره الله به
وينهاهم عما نهاه عنه، ويقال إنه أرسل وهو ابن تسعمائة سنة وسبعين سنة.
ولما أراد الله أن يتوفاه أمره ان يسند وصيته الى ابنه شيث ويعلمه جميع العلوم التي علم بها ففعل، وكان سبب وفاته ﵇ أنه انصرف من الفلاحة موعوكاً (١) فحم ومرض إحدى وعشرين يوماً والملائكة تختلف اليه.
ويقال إنه اشتهى قطفاً من عنب الجنة فوجه بعض ولده يسأل له ذلك ممن لقيه من الملائكة، فلقيه جبريل ﵇ فعزاه في ابيه وقال ارجع فان أباك قد مات.
وكان سنه يومئذ تسعمائة وثلاثين سنة، وقالوا تسعمائة
стр. 71
وخمسين سنة بعد ما وهب لداود منها خمسين سنة وأتاه جبريل ﵇ بكفن وحنوط من الجنة وعلم شيث كيف يغسله ويكفنه، وقيل هذه سنة لكم في موتاكم بعده، وحمل الى غار الكنز في جبل أبي قبيس فدفن فيه، وكانت وفاته ﵇ يوم الجمعة، ومات وولده وولد ولده أربعون ألف بيت ورفعت مع موته الخيمة الياقوت التي كانت بموضع الكعبة.
وحزنت عليه حواء حزناً شديداً وبقيت بعده سنة ثم ماتت، ﵇ والرحمة، وصلى عليها شيث ودفنها الى جانب آدم ﷺ وعلى جميع النبيين والمرسلين.
ذكر شئ من أخبار ولده
كان قابيل ولد آدم ﵇، وأول من عصا وقتل وكفر ولما قتل أخاه هرب عن ذلك الجبل بأخته وبنى قرية يقال لها خلوا وسكنها، وقابيل
أول من عبد النار، وقيل إنه أشقى البرية وإن عليه نصف عذاب الخلق، وقيل إنه متى سفك دم بغير وجه حق كان شريكاً لصاحبه فيه.
شيث بن آدم بعثه الله الى ولد أبيه وأنزل عليه سبعاً وعشرين صحيفة عليه وعلى أبيه، وأمره ببناء البيت هو وولده بالحجاز، وأمره بالحج والعمرة، وكان أول من اعتمر، وأمر بجهاد ولد قابيل إلا أنه لا يبرح بين تهامة ومكة.
وولد الأنوش بن شيث ﵍ وهو بكره ووصيه، ومن ولد أتركين (١) ابن شيث يغوث ويعوق ونسر وسواع وود، فكان هؤلاء النفر
стр. 72
قوماً صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم أبناؤهم حزنا شديداً فتمثل لهم إبليس وصور لهم صورهم من المرمر، وجعلها في بيوتهم ليتذكروا (١) بها ويتآنسوا ويخف حزنهم عليهم، فلما ملكوا ونشأ غيرهم صور عندهم إبليس أنها آلهة وأن آباءهم كان يعبدونها واستهواهم فعبدوها، وكان عمر شيث سبعمائة سنه واثنا (٢) عشرة سنة، وولد له وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأوصى الى ابنه قينان وقد كان علمه الصحف وبين له قسمة الأرض، وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج، وبجهاد ولد قابيل ففعل ما أمره به أبوه، ومات قينان وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.
وأوصى الى ابنه مهلايل ووصاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة.
وأوصى الى ابنه بوارد وعلمه الصحف وعلمه قسمة الأرض، وما يحدث في العالم ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه مهلاييل (٣) الملك لآدم ﵉ وكانوا يتوارثونه مختوماً لا ينظرون فيه.
وولد لبوادر وهو ابن مائة سنة ابنه خنوخ، ويقول بعض اهل التاريخ إنه تم للعالم في وقته ألفان وستمائة سنة وأربع سنين.
وخنوخ هو إدريس النبي ﵇ ونبأه الله تعالى وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله عزوجل، وسنن الدين وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزلة يومئذ ثلاثين صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع اليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير إدريس ﵉.
وفي بعض الاخبار أنه أول من كتب [من ولد] آدم ﵇.
وقال آخرون إنه لم يخل قط جيل ولا أمة من الكتابة لان ادريس بدت
стр. 73
فيه النبوة وعلم عدة خطوط وأمر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وأمر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الأخبار انهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان.
وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم ﵇ من غزل حواء.
ويقال إنه لما ولد إدريس ﵇ ضعف أمر عبادة الأصنام من أولاد قابيل، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل، فاجتمعوا اليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم ابليس في صورة شيخ قد كثر شيبه، وكان الشيب عندهم عجيباً لأنهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح
﵇ بعد الطوفان.
وقيل أول من شاب إبراهيم ﵇، فقال يا رب ماهذا؟ قال وقار، قال اللهم زدني وقاراً.
ويقال إنه أتاهم ابليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدواً للآلهة وعدواً للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه؟ قال سأحرص على ذلك.
فوكل الله بإدريس ملائكة يحفظونه، فاذا أتاهم إبليس ومن معه من جنوده منعوهم منه وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهراً نيفاً وثلاثين يوماً، فجعله أبوه سالماً الهيكل، وعلمه الصحف، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك يعلمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج
стр. 74
وقيل أنه أول من نظر في النجوم بعد آدم ﵇.
وفي التوارة ان إدريس ﵇ احسن خدمة الله فرفعه الله تعالى اليه.
ولما رأى إدريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله ان يرفعه اليه، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله اليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته أربعين يوماً وأوصى إدريس الى ابنه متوشلخ لأن الله أوحى اليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فإني سأخرج من ظهره نبياً يرتضي فعله.
فقيل انه رفع الى السماء السابعة، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضواناً ويدخله الجنة، ففعل.
ولم يخرج من الجنة، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه، أمام الهيكل يعبدون الله تعالى والنقباء السبعون معهم ولما رفع الله تعالى إدريس ﵇ كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه إبليس أنه هلك، وأنه كان كاهناً أراد الصعود إلى الفلك فأحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزناً شديداً، وأظهر ان صنمهم الأكبر أهلكه فزاد في عبادة الأصنام وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عيداً لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر (١) وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات.
وانقطع الوحي بعد إدريس ﵇، ومات أولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا
стр. 75
له، وكان متوشلخ أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى الى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد اليه أبوه ودفع اليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لإدريس ﵇، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة.
وانتقلت الوصية الى لمك وهو أبو نوح ﵉، وقد كان رأى أن ناراً أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتاً آخر كأنه على شجرة في
وسط بحر لا غير.
ولما ولد له نوح ﵇ ذكر العلماء والكهان ذلك ليمحويل الملك وعرفوه أن العالم يهلك في زمانه وأنه يكون طويل العمر.
وقد كانوا رأوا أنه طوفان يغرق الأرض، فأمر يمحويل أن يبنيا له المعاقل على رءوس الجبال، بنياناً عاليا ليتحصنوا بها، فعملوا منها سبعة معاقل بعدة الأصنام التي كانت لهم وعلى أسمائها، وزبروا عليها شيئاً من علومهم ويقال إن الملك عملها لنفسه خاصة.
وكبر نوح ﵇ فنبأه الله عزوجل وهو ابن خمسين سنة وارسله الى قومه، وكان من نعته أنه آدم رقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم العينين رقيق الساعدين والساقين، كثير لحم الفخذين طويل اللحية عريضها، طويل، جسيم وكان حياً بعد إدريس ﵉، وهو من أهل العزم من الرسل.
وفي بعض الأخبار أن عمره ألف ومائتين وخمسين سنة، وأنه لبث في قومه يدعوهم الى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً كما قال الله تعالى، وقال من ينكر طول الأعمار على مذهب الفلاسفة ان حياته لبنيه، وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة أعداء الله من ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، ولم يكن فرضت عليه أحكام ولا مواريث ولا حدود، وأمر أن يدعو الناس الى الله تعالى، ويحذرهم عذابه، ويذكرهم آلاءه.