← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 316–343 · переход к 321.

стр. 316

فصل والمعترض قرر هذا التأويل على تقدير حياة النبي ﷺ وموته، وقد تبين بطلانه ولو قدر أنه ﷺ حي في قبره مع أن هذا التأويل الباطل إنما يتم به وقوله: ((إن من شفقته ﷺ على أمته أنه لا يترك الاستغفار لمن جاء من أمته)) ، فهذا من أبين الأدلة على بطلان هذا التأويل، فإن هذا لو كان مشروعاً بعد موته لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه وأسبق إليه، ولم ينقل عن أجد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكى إليه ولا سأله والذي صح عنه من الصحابة مجيء القبر هو ابن عمر وحده، إنما كان يجيء للتسليم عليه ﷺ وعلى صاحبيه عند قدومه من سفر، ولم يكن يزيد عل التسليم شيئاً البتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع مولى ابن عمر، أو من أجلهم، لا نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم، أو مرتكباً لنوع بدعة، كما قال عبد الله بن مسعود لقوم قد رآهم اجتمعو على ذكر يقولنه بينهم: لأنتم أهدى من أصحاب محمد، أو أنتم على شعبه ضلالة (١) . فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفراً بعد موته ممكناً، أو مشروعاً لكان كما شفقته ورحمته، بل رافقه مرسله ورحمته بالأمة يقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه ومبادرة خير القرون إليه. وأما قول المعترض: وأما الآية (٢) وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة فحق فإنها تعم ما وردت فيه، وكان مثله عامة في حق كل من ظلم نفسه وجاءه كذلك، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره بعد موته فقد عرف بطلانه، وقوله: وكذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، فيقال له: من فهم هذا من سلف الأمة وأئمة الإسلام، فاذكر لنا عن رجل واحد من الصحابة أو التابعين، أو تابعي

стр. 317

التابعين أو الأئمة الأربعة، أو غيرهم من الأئمة وأهل الحديث والتفسير أنه فهم العوم بالمعنى الذي ذكرته، أو عمل به أو أرشد إليه، فدعواك على العلماء بطريق العموم هذا الفهم دعوي باطله ظاهره البطلان. وأما حكاية العتبي الذي أشر إليها فإنها حكاية ذكرها بعض الفقهاء والمحدثين وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم كم بينا ذلك فيما تقدم، وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً، لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي، حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام فرمى بنفسه إلى قبر النبي ﷺ ، وحثى على رأسه من ترابه، وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، وعينا عن الله فما وعينا عنك، وكان فيما انزل الله عليك: وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القرب أنه قد غفر لك. والجواب أن هذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو، فهو متروك كذاب، وإلا فهو مجهول،وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة، ونشأ وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل، ثم أنتقل إلى بغداد فسكنها. قال عباس الدوري (١) : سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال المجلي وأبو داود (٢) كذاب، وقال أبو حاتم الرازي (٣) والنسائي (٤) والدولابي (٥) والأزدي (٦) : متروك الحديث، وقال البخاري (٧) : سكنوا عنه أي تركوه، وقال ابن

стр. 318

عدي (١) ، ما أقل ماله من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسماء ونسب وأشعار، وقال ابن حبان (٢) : كان من علماء الناس بالسير، وأيام الناس، وأخبار العرب إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال الحاكم أبو عبد الله الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حديث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة، وقال العباس بن محمد (٣) ، سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب. قال المعترض وأما السنة فما ذكرناه في الباب الأول والثاني من الأحاديث،وهي أدلة على زيارة قبره ﷺ بخصوصه، وفي السنة الصحية المتفق عليها الأمر بزيارة القبور وقال ﷺ ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها)) (٤) وقال ﷺ ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)) . وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه آداب زيارة القبور: ورد الأمر بزيارة القبور من حديث بريدة وأنس وعلي وابن عباس، وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وأبي بن كعب، وأبي ذر رضي الله عنههم، انتهى كلام أبي موسى الأصبهاني، فقبر النبي ﷺ سيد القبور داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها، انتهى ما ذكره المعترض. وقد تقدم الكلام على ذكره من الأحاديث مستوفى وبين أن الزيارة المتضمنة ترك مأمور، أو فعل محظور ليست بمشروعه، وقد قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الجواب الباهر لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتى به في زيارة المقابر، وقد تنازع المسلمون في زيارة القبور فقال طائفة من السلف: إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري، ولم تشتهر، ولما ذكر البخاري باب زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت على القبر. ونقل ابن بطال عن الشعبي قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي (٥) ، وقال النخعي كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله قال ابن

стр. 319

بطال: وقد سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: قد كان نهي عنه ﵇، أذن فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيراً لما بذلك بأساً، من عمل الناس، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها وكان النبي ﷺ قد نهى أولاً عن زيارة القبور، باتفاق العلماء، فقيل: لأن ذلك يقضي إلى الشرك،وقيل لأجل الناحية عندها، وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها، وقد ذكر طائفة من العلماء في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ () حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر ٠٠١-٠٠٢) أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى، وممن ذكره ابن عطية في تفسيره قال: وهذا ت|أنيب على الإكثار من زيارة القبور، أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة لكم العبادة والعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، ثم قال النبي ﷺ : ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزروها ولا تقولوا هجراً)) (١) فكان نهيه عن معنى الآية، ثم أباح الزيارة بعد لمعنى اتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر وتسنيمها بالحجارة الرخام وتلوينها سرفاً وبنيان النواويس عليها، هذا لفظ ابن عطية. والمقصود أن العلماء متفقون على أنه كان نهي عن زيارة البور،ونهي عن الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير، واختلفوا هل نسخ ذلك، فقالت طائفة: لم ينسخ ذلك لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة ولهذا لم يخرج البخاري ما فيه نسخ عام، وقال الأكثرون، بل نسخ ذلك، ثم قالت طائفة منهم: إنما نسخ إلى الإباحة فزيارة القبور مباحة لا مستحبة، وهذا قول في مذهب مالك وأحمد وقالوا: لأن صيغة افعل بعد الحظر، إنما تفيد الإباحة، كما قال في الحديث، ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكراً)) (٢) . وقد روى ولا تقولوا هجراً وهذا يدل على أن النهي كان لما يقال عندها من الأقوال المنكرة سداً للذريعة كالنهي عن الانتباذ في الأوعية كان لأن الشدة المطربة تذب فيها ولا يدري بذلك فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري. وقال الأكثرون: زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، وكما ثبت عنه في الصحيحين أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات (٣) ، وثبت في

стр. 320

الصحيحين أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكن العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم (١) ، وهذا في زيارة قبور المؤمنين، وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيه لأجل تذكار الآخرة، ولا يجوز الاستغفار لهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: ((استأذنت ربي في أن أزور فبرها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) . والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي،ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ () فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء ٠٧٨-٠٧٩) والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار، فإن الزيارة إذا تضمنت أمراً محرماً من شرك،أو كذب، أو ندب، أو نياحة، وقول هجر، فهي محرمة بالإجماع كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله، وفإن هؤلاء زيارتهم محرمة، فإن لا يقبل دين إلا الإسلام وهو الاستسلام لخلقه، وأمره، فنسلم لما قدره الله وقضاه، ونسلم لما يأمر به ويحبه، وهذا نفعله وندعو إليه وذلك نسلمه ونتوكل فيه عليه، فنرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً،ونقول في صلاتنا (إياك نعبد وإياك نستعين) مثل قوله (فأعبده وتوكل عليه) وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة ٠٤٥) ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ () وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود ١١٤-١١٥) والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته، أو صداقته فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب، ولا نياحة، كما زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)) فهذه الزيارة كان ينهي عنها لما كانوا يصنعون من المنكر، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت، فكثير من الناس إذا رأى قريبة وهو مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة وقد يحصل منه جزع فيتعارض الأمران، ونفس الجنس مباح أن قصد به طاعة كان طاعة وإن عمل معصية كان معصية.

стр. 321

وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة، فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه، لأن النبي ﷺ فعله، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور، وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتي قباء فيصلي فيه مسجدها، وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتي البقيع وشهداء أحد، كما كان النبي ﷺ يفعل، فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقاً من دون الله، ولا يجوز أن تتخذ مساجد، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت والصة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى، عند قبورهم، وهذا مشروع، بلهو فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين. ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركاً محرماً بإجماع المسلمين، ولو ندبه وناح لكان أيضاً محرماً، وهو دون الأول، فمن احتج بزيارة النبي ﷺ لأهل البقيع وأهل أحد، على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة، فهو أعظم ضلالاً ممن يحتج بصلاته على الجنازة، على أنه يجوز أن يشرك بالميت ويدعي من دون الله ويندب ويناح عليه، كما يفعل ذلك من يستدل بهذا اذلي فعله الرسول وهو عبادة الله وطاعة له يثاب عليه الفاعل، وينتفع المدعو له ويرضى به الرب على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء الميت وظلم من العبد لنفسه، كزيارة المشركين وأهل الجزع لا يخلصون لله الذين، ولا يسلمون لما حكم به . فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها، وهذه الثانية أعظم إثماً من الأولى، ولا يجوز أن يصلي إليها، بل ولا عندها، بل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ فقال: ((لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)) رواه مسلم في صحيحه (١) . فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه رسول الله ﷺ واتفق العلماء على أنه غير مشروع، وهو أن يتخذها مساجد ويتخذها وثناً ويتخذها عيداً فلا يجوز أن تقصد

стр. 322

للصلاة الشرعية، ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان، ولا أن تتخذ عيداً يجتمع إليها في وقت معين، كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى. وأما الزيارة الشرعية فهي مستحبة عند الأكثرين، وقيل:كلها منهي عنها كما تقدم والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن يحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد. وتفصيل الزيارة على ثلاثة أنواع: منهي عنه،ومباح، ومستحب،وهو الصواب قال مالك وغيره: لا تأت إلا هذه الآثار، مسجد النبي ﷺ ومسجد قباء، وأهل البقيع، وأحد فإن النبي ﷺ لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتيتن المقبرتين، كان يصلي يوم الجمعة في مسجده،ويوم السبت يذهب إلى قباء كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين (١) . وأما أحاديث النهي فكثيرة ومشهورة في الصحيحين وغيرهما: كقوله ﷺ : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢) ثم ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد سبق ذكرها غير مرة، ومنه قوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)) (٣) ، ورواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو حاتم في صحيحه، وفي سنن أبي داود عنه ﷺ أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) (٤) ، وفي موطأ مالك عن النبي ﷺ أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٥) . ثم ذكر الأثر المشهور في سنن سعيد بن منصور، وقال (٦) : فلما أراد الأئمة اتباع سننه في زيارة قبره والسلام طلبوا ما يعتمدون عليه من سننه، فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من رجل يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٧) ، وعنه أخذ أبو داود

стр. 323

ذلك، فلم يذكر في زيارة قبره غير هذا الحديث، وترجم عليه (باب زيارة القبر) مع أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل، فإنه لا يدل على كل ما يسميه الناس زيارة باتفاق المسلمين. ويبقى الكلام المذكور فيه، هل هو السلام عند القبر، كما كان من دخل عليه عائشة يسلم عليه، أو يتبادل هذا والسلام عليه من خارج الجرة، فاذلين استدلوا به جعلوه متناولاً لهذا، وهذا هوغاية ما كان عندهم في هذا الباب عنه ﷺ وهو ﷺ يسمع السلام من القرب، وتبلغه الملائكة عن أمتي السلام)) (١) ، وفي السنن عن أوس بن أوس أن النبي ﷺ قال: ((وأكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)) صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً (٢) . وذكر مالك في موطئه أن عبد الله بن عمر كان يأتي فيقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت (٣) ، ثم ينصرف، وفي رواية كان إذا قدم من سفر، وعلى هذا اعتمد مالك ﵀ فيما يفعل عند الحجرة إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن عمر، وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ ، ومع كثرة الصلاة والسلام عليه، فقد كره مالك،وذكر أنه بدعة لم يفعلها السلف ولا يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها والله تعالى أعلم. قال المعترض وأما الإجماع فقد حكاه القاضي عياض على ما سبق في الباب الرابع، وأعلم أن العلماء مجمعون على أن يستحب للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها للحديث المذكور، ومن حكى إجمال المسلمين على الاستحباب أبو زكريا النووي وقد رأيت في مصنف ابن أبي شيبة عن الشعبي، قال: لولا رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، وهذا إن صح يحمل مع أن الشعبي لم يبلغ الناسخ من أن

стр. 324

الشعبي لم يصرح بقول له ومثل هذا لا يقدح، وكذلك رأيت فيه عن إبراهيم قال: كانون يكرهون زيارة القبور، وهذا لم يثبت عندنا ولم يبين إبراهيم الكراهة عمن ولا كيف هي. فقد تكون محمولة على نوع من الزيارة مكروة، ولم أجد شيئاً يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين ومثلهما لا يعارض الأحاديث الصريحة والسنن المستفيضة والمعلومة من سير الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بل لو صح عن الشعبي والنخي التصريح بالكراهة، لكان ذلك من الأقوال الشاذة التي لا يجوز اتباعها والتعويل عليها. انتهى كلامه. والجواب: من وجوه؛ أحدها: أن يقال شيخ الإسلام لم يذهب إلى ما نقل عن الشعبي والنخعي في هذا الباب ولم يقل أن زيارة القبور محرمة، ولا مكروهة،بل ذكر أنها على أنواع كما تقدم ذكره قريباً، وقال: إن زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، فقول المعترض: ولم أجد شيئاً يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين، كلام في نهاية السقوط. الوجه الثاني: وهذا لم يثبت عندنا فيما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي كلام ساقط أيضاً، وذلك أن هذا الأثر المذكور عن إبراهيم، رواه عن منصور بن المعتمر وهو من أثبت الناس في إبراهيم أو أثبتهم ورواه عن منصور سفيان الثوري وهو أثبت الناس فيه بلا خلاف، ورواه عن الثوري عبد الرزاق وغيره، فقول المعترض: ((هذا لم يثبت عندنا)) بعد إطلاعه على إسناده ووقوفه عليه يقيناً يدل على أنه في غاية الجهالة، وفي نهاية العناد واتباع الهوى، وقد علم المبتدئون في هذا العلم القاصرون فيه أن ما رواه سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي من أثبت الروايات وأصح الأسانيد، بل أصح أسانيد أهل الكوفة على الإطلاق الثوري عن منصور عن إبراهيم، فإذا قال القائل فيما نقل بهذا الإسناد، وهذا لم يثبت عندنا دل على فرط جهله، وعمى بصيرته أو على شدة معاندته ومتابعته هواه نسأل الله التوفيق. الوجه الثالث: أنه ليس في المسألة إجماع لتحقيق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفاً من حيث الدليل، قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه (١) ، مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور، لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها وقال الشعبي: لولا أن

стр. 325

رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن أبن سيرين مثله، قال: وفي مجموعة قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: كان قد نهى عنه ﵊ ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان،ولم يقل إلا خيراً لم أر بذلك بأساً وليس من عمل الناس، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها. فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها، فلم يستحبها إلا في هذا، ولا في هذا انتهى ما حكاه الشيخ. وما رواه ابن |أبي شيبة في مصنفه (١) عن الشعبي قد رواه عبد الرزاق في مصنفه أيضاً عنه، فروى الثوري، عن مجالد بن سعيد (٢) ، قال: سمعت الشعبي يقول: لولا أن

стр. 326

رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، ومجالد من أصحاب الشعبي، وفيه مقال لبعض أهل العلم من قبل حفظه، وكان الشعبي سمع النهي عن زيارة القبور، ولم يبلغه الناسخ، وروى عبد الرزاق أيضاً عن معمر، عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: ((من زار القبور فليس منا)) (١) وهذا مرسل من مراسيل قتادة وهو منسوخ. وروى عبد الرزاق (٢) ، عن الثوري، عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون زيارة القبور، وهذا صحيح ثابت إلى إبراهيم وهو الذي ضعفه المعترض عنه بلا علم، وكثيراً ما يقول إبراهيم النخعي: كانوا يفعلون كذا، وكانون يكرهون كذا، والظاهر أنه يريد بهم شيوخه، ومن يحمل عنه العلم من أصحاب علي وابن مسعود وغيرهما. والمقصود أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق، وإن كان قوله من خالف الجمهور فيها ضعيفاً، وشيخ الإسلام لم يذهب إلى هذا القول المخالف لقول الجمهور، وإنما حكاه غيره من أهل العلم والله أعلم. قال المعترض فإنا نقطع ونتحقق من الشريعة بجواز زيارة القبور للرجال وقبر النبي ﷺ داخل في هذا العموم ولكن مقصودنا إثبات الاستحباب له بخصوصه للأدلة الخاصة بخلاف غيره ممن لا يستحب زيارة قبره لخصوصه، بل لعموم زيارة القبور، وبين المعنيين فرق لما لا يخفى، فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص بل أقول: إنه لو ثبت خلاف في زيارة قبر غير النبي ﷺ لم يلزم من ذلك إثبات خلاف في زيارته، لأن زيارة القبر تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ واجب وأما غيره فليس كذلك، ولهذا المعنى أقول والله أعلم: أنه لا فرق في زيارته ﷺ بين الرجال والنساء لذلك ولعدم المحذور في خروج النساء إليه،وأما سائر القبور فمحل الإجماع على استحباب زيارتها للرجال، وأما النساء ففي زيارتهن للقبور أربعة أوجه في مذهبنا أشهرها، أنها مكروهة جزم بهالشيخ أبو حامد

стр. 327

والمحاملي وابن الصباغ والجرجاني ونصر المقدسي، وابن أبي عصرون وغيرهم. وقال الرافعي: إن الأأكثرين لم يذكروا سواه، وقال النووي: قطع به الجمهور وصرح بأنها كراهة تنزيه. والثاني: أنها لا تجوز قال صاحب المذهب وصاحب البيان. والثالث: لا تستحب ولا تكره، بل تباع قاله الروياني. والرابع: إن كانت لتجديد الحزن والبكاء بالتعديد والنوح على ما جرت به عادتهم فهو حرام، وعليه يحمل الخبر، وإن كانت للاعتبار بغير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزاً لا تشتهي فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد، قاله الشاشي، وفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل معه من الضبط والقوة بحيث لا يبكي ولا يجزع بخلاف المرأة. واحتج المانعون بقوله ﷺ : ((لعن زوارات القبور)) (١) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه من حديث حسان بن ثابت. واحتج المجوزون بأحاديث منها قوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها)) وأجاب المانعون بأن هذا خطاب الذكور، ومنها قوله ﷺ للمرأة التي رآها عند قبر تبكي: ((اتقي الله واصبري ولم ينهها عن الزيارة)) (٢) وهو استدلال صحيح، ومنه قول عائشة، كيف أقول يا رسول الله قال: ((قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين)) (٣) ،وسنذكره في خروج النبي ﷺ للبقيع وهو استدلال صحيح. انتهى ما ذكره. والجواب: أن يقال: هذا المعترض لو نوقش على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي والخلل واللفظ المجمل لطال الخطاب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم وعنده أدنى علم، وقوله: زيارة القبور تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ و (٣) الكلام عليه من وجوه

стр. 328

أحدهما أن يقال: هاتان المقدمتان إن أخذتا على إطلاقهما أنتجتا أن زيارة قبره واجبه وهو إنتاج لازم للمقدمتين لزوماً بيناً (١) ، فإن الضرب الأول من الشكل الأول والحد الأوسط فيه محمول في الأولى موضوع في الثانية، فتكون النتيجة موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهي زيارة قبره واجبة، ثم يلزم على هذا لوازم منها أن تارك زيارة قبره عاص آثم مستحق للعقوبة منتفي العدالة لا تصح شهادته، ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا تفسيق جميع الصحابة إلا من صح عنه منهم الزيارة، ولا ريب أن هذا شر من قول الرافضة الذين فسوقا جمهورهم بتركهم توليه علي، بل هو من جنس قول الخوارج الذين يكفرون بالذنب. لأن تارك هذه الزيارة عنده تارك لتعظيمه، وترك تعظيمه كفر أو ملزوم للكفر، فإن تعظيم الرسول ﷺ من لوازم الإيمان فعدمه مستلزم للكفر، وعلى هذا فكل من لم يزر قبره فهو كافر، لأنه تارك لتعظيمه ﷺ ولا ريب أن الرافضة والخوارج لم يصلوا إلى هذا الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة. يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم، وأما عباد القبور فكفروا بموافقة الرسول في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد التوحيد كفراً وتنقصاً فأين المكفر بالذنب إلى المكفر بموافقة الرسول وتجريد التوحيد؟ يوضحه الوجه الثالث: أن زيارة قبره لو كانت تعظيماً له لكانت مما لا يتم الإيمان إلا بها، ولكان فرضاً معيناً على كل من استطاع إليها سبيلاً، من قرب أو بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض قام به الخلف الذين خلفوا من بعدهم يزعمون أنهم بذلك أولياء الرسول وحزبه القائمون بحقوقه، وما كانوا أولياء إن أولياؤه إلا أهل طاعته والقيام بما جاء به علماً ومعرفة وعملاً وإرشاداً وجهاداً، والذين جردوا التوحيد الخالق وعرفوا للرسول حقه، ووافقواه في تنفيذ ما جاء به والدعوة إليه والذب عنه. الوجه الرابع: أنه إذا كان زيارة قبره واجبة على الأعيان كانت الهجرة إلى القبر أكد من الهجرة إليه في حياته، فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح كما قال

стр. 329

النبي ﷺ : ((لا هجرة بعد الفتح)) (١) .وعند عباد القبور أن الهجرة إلى القبر فرض معين على من استطاع إليه سبيلاً، وليس بخاف أن هذا مراغمة صريحة لما جاء به الرسول وإحداث في دينه ما لم يأذن به،وكذب عليه وعلى الله، هذا من أقبح التنقص. وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أنه رأس فتيا بخط شيخ الإسلام وفيها: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية،وزيارة بعدية. فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمناً وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمناً أم كافراً، قال: وبعد ذلك: فالزيارة لقرب المؤمن نبياً كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته يدعي كما يدعي إذا صلى على جنازته. وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميت مثل: طلب الحوائج منه أو به، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك، فهذا كله لم يأمر اله به، ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ولا أحد من السلف يفعله لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره. قال المعترض: بعد حكايته هذا الكلام عن الشيخ: وبقي قسم لم يذكره وهو أن تكون للتبرك به من غير إشراك به فهذه ثلاثة أقسام . أولها: السلام والدعاء له، وقد سلم جوازه وأنه شرعي. والقسم الثاني: التبرك به والدعاء عنده للزائر، وقال:وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية أنه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه، وأن المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين، فكيف بالأنبياء والمرسلين، ومن أدعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء فقد أتى أمراً عظيماً نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حظ لرتبة النبي ﷺ إلى درجة من سواه من المؤمنين وذلك كفر بيقين.

стр. 330

فإن من حط رتبة النبي ﷺ عما يجب له فقد كفر، فإن قال: إن هذا ليس يحط، ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له، قلت هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدم في أول الباب الخامس الكلام في ذلك ونحن نقطع بأن النبي ﷺ يستحق التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب في ذلك من في قلبه شيء من الإيمان، هذا كله كلام المعترض. فانظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهودى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه أن يرمي أتباع الرسول وحزبه وأولياءه برأيه اذلي يشهد به عليه كلامه، لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عباد القبور: أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ أو نوعاً خاصاً من التعظيم؟ فإن أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره وتقبيله واستلامه والطواف به، لأنه من تعظيمه، وقد أنكر ﷺ على من عظمه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) (١) ، ومعلوم أن مطرية أنما قصد تعظيمه وقال ﷺ لمن قال له يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا،وأبن خيرنا: ((عليكم بقولكم ولا تستهوينكم الشيكان أنا محمد بن عبد الله ورسوله)) والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله (٢) ، فمن عظمه بما لا يحب فإنما أتى بضد التعظيم، وهذا نفس ما حرمه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ونهى عنه وحذر منه. وأيضاً فإن الحلف به تعظيم له، فقولوا: يجب على الحالف أن يحلف به، لأنه تعظيم له وتعظيمه واجب، وكذلك تسبيحه وتكبيره والتوكل عليه والذبح باسمه،كل هذا تعظيم له، معلوم أن إيجاب هذا مثل إيجاب الحج إليه بالزيارة على م استطاع إليه سبيلاً، ولا فرق بينهما، وإن قلتم إنما نوجب نوعاً خاصاً من التعظيم طولبتم بضابط هذا النوع وحده، والفرق بينه وبين التعظيم الذي لا يجب ولا يجوز، وبيان أن الزيارة من هذا النوع الواجب، وإلا كنتم متناقضين موجبين في الدين ما لم يوجبه الله وشارعين شرعاً لم يأذن به الله. الوجه السادس: أن يقال: الصلاة عليه ﷺ كلما خطر بالبال تعظيم له فأوجبوا له

стр. 331

هذا التعظيم، وحكموا على من قال: لا يجب بأنه تارك لتعظيمه، بل حكموا على من قال: لا تجب الصلاة عليه كلما ذكر،ولا تجب الصلاة عليه في الصلاة أولا تجب في العمر إلا مرة، أولا تجب أصلاً بأنه تارك للتعظيم، لأن الصلاة عليه تعظيم له بلا ريب، فهل كان أئمة الإسلام وعلماء الأمة نافين لتعظيمه تاركين له بنفيهم الوجوب،أم كانوا أشد تعظيماً له منكم وأعرف بحقوقه وأحفظ لدينه أن يزاد فيه ما ليس منه. يوضحه الوجه السابع: إن الذين كرهوا من الفقهاء الصلاة عليه عند الذبح يكونون على قولكم تاركين لتعظيمه، وذلك قادح في إيمانهم، وكذلك من كره، أو حرم الحلف به وقال: لا تعتقد يمين الحالف به يكون على قولكم تاركاً لتعظيمه، لأن الحلف به تعظيم له بلا ريب. الوجه الثامن: إن القول بعدم وجوب زيارة قبره، أو بعدم استحبابها، أو بعد جواز شد الرحال لا يقدح في تعظيمه بوجه من الوجوه، وهو بمنزلة قول من قال من أئمة الإسلام: لا تجب الصلاة عليه في التشهد الأخير وبمنزلة قول من قال منهم: تكره الصلاة عليه عند الذبح، وبمنزلة قوله من قال: لا تستحب الصلاة عليه في التشهد الأول، ولا عند التشهد في الأذان، بل قول من نفى وجوب الزيارة، أو جواز شد الرحال إلى أولى أن لا يكون منافياً للتعظيم من قول من نفى وجوب الصلاة عليه، أو استحبابها في بعض المواضع، لأن الصلاة عليه مأمور بها، وقد ضمن للمصلي عليه مرة أن يصلي الله عليه عشراً، بل الصلاة عليه محض التعظيم له، فنفي وجوبها أو استحبابها في موضع ليس بترك للتعظيم، وليس إنكار وجوب كل من الأمرين قادحاً في تعظيمه، بل ذلك عين تعظيمه يدل عليه. الوجه التاسع: أن تعظيمه هو موافقته في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، ولفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه والبعد عما جذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول، ثم يقدم المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض الذين تلقى عنهم أصول دينه، وقدم آرائهم وهو أحسن ظنونهم على كلام الله ورسوله، ثم ينسب ورثة الرسول الموافقين مع أوقاله المخالفين لما خلفها من ترك التعظيم والتنقيص، وأي إخلاف بتعظيمه وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول عن إفادة اليقين، وقدم عليه آراء الرجال وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول، وآراء الرجال على قوله.

стр. 332

الوجه العاشر: أن إيجاب زيارة قبرة، واستحبابها وشد الرحال إليه لأجل تعظيمه يتضمن جعل القبر منسكاً يحج إلي البيت العتيق كما يفعله عباد القبور ولا سيما فإنهم يأتون عنده بنظير ما يأتي به الحاج من الوقوف والدعاء والتضرع، وكثير منهم يطوف بالقبر ويستلمه ويقبله ويتمسح به، فلم يبق عليه من الأعمال المناسك إلا الحلق والنحر ورمي الجمار، فإيجاب الوسيلة إلى هذا المحذور، أو استحبابها من أعظم الأمور منافاة لما شرعه الله ورسوله. وقد آل الأمر بكثير من الجهال إلى النحر عند قبور من يشدون الرحال إلى قبورهم وحلق رؤوسهم عند قبورهم، وتسمية زيارتها حجاً ومناسك، وصنف فيه بعضهم كتاباً سماه مناسك حج المشاهد وكان سبب هذا هو الغلو الذي يظنه من علمه تعظيماص ولا ريب أن هذا أكره شيء إلى الرسول قصداً ووسيلة. الوجه الحادي عشر: أن هذا الذي قصده عباد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذي لأجله حرم رسول الله ﷺ اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها وحرم اتخاذ قبره عيداً، ودعا ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد ولأجله نهى فضلاء الأمة وساداتها عن ذلك، ولأجله أمر عمر بتعفية قبر دنيال (١) لما ظهر في زمان الصحابة، ولأجله منع مالك من نذر إتيان المدينة، وأراد القبر أن يوفي بنذره ولأجله كره الشافعي أن يعظم قبر مخلوق حتى يجعل مسجداً كما قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً، ولأجله كره مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ ، لما يوهم هذا اللفظ من أنه قصد المدينة لأجل زيارة القبر. ولما فيه من تعظيم القبر الزيارة إليه مع كونه أعظم القبور على الإطلاق وأجلها وأشرف قبر على وجه الأرض، فالفتنة بتعظيمه أقرب من الفتنة بتعظيم غيره من القبور، فحمى مالك رحمه الله تعالى الذريعة حتى في اللفظ، ومنع الناذر من إتيانه، ولو كان إتيانه قربة عنده لأوجب الوفاء به، فإن من أصله أن كل طاعة تجب بالنذر سواء كان من جنسها واجب بالشرع، أو لم يكن. ولهذا يوجب إتيان مسجد المدينة على من نذر إتيانه وقد منع ناذر القبر من الوفاء بنذره، فلو كان ذلك عنده قربة لألزمه الوفاء به، ومن رد هذا النقل عنه وكذب الناقل فهو من جنس من افترى الكذب وكذب بالحق لما جاءه، فإن ناقله ممن له لسان صدق في

стр. 333

الأمة بالعلم والإمامة والصدق والجلالة، وهو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أحد الأئمة الأعلام، وكان نظير الشافعي، وإماماً في سائر العلوم حتى قال المبرد: إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف، وروى عن يحيى بن أكثم أنه رآه مقبلاً فقال: قد جاءت المدينة، وقد ذكر هذا النقل عن مالك في أشهر كتبه عند أصحابه وأجلها عندهم وهو المبسوط فمن فهو بمنزلة من كذب مالكاً والشافعي وأبا يوسف ونظراءهم. ومتى وصل الهوى بصاحبه إلى هذا الحد فقد فضح نفسه وكفى خصمه مؤنته،ومن جمع أقوال مالك وأجوبته وضم بعضها إلى بعض، ثم جمعها إلى أقوال السلف وأجوبتهم قطع بمرادهم وعلم نصيحتهم للأمة، وتعظيمهم للرسول وحرصهم على اتباعه وموافقته في تجريد التوحيد وقطع أسباب الشرك، وبهذا جعلهم الله أئمة وجعل لهم لسان صدق في الأمة، وفلو ورد عنهم شيء خلاف هذا لكان من المتشابه الذي يرد إلى المحكم من كلامهم وأصولهم، فكيف ولم يصح عنهم حرف واحد يخالفه. فتبين أن هذا التعظيم الذي قصده عباد القبور هو الذي كرهه أهل العلم وهو الذي حذر منه رسول الله ﷺ ونهى أمته عنه، ولعن فاعله، وأخبر بشدة غضب الله عليه حيث يقول: ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (١) ،ويقول: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢) ، ومعلوم قطعاً أنهم إنما فعلوا ذلك تعظيماً لهم ولقبورهم، فعلم أن من التعظيم للقبور ما يعلن الله فاعله ويشتد غضبه عليه. الوجه الثاني عشر: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان، والجوارح وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولاً من تقديم محبته على نفسه والولد والوالد والناس أجمعين ويصدق هذه المحبة أمران: أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن

стр. 334

تصلي الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم،ونهى أن يقال:/ ما شاء الله وشاء فلان (١) ، ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك (٢) ونهى أن يصلي إلى القبر (٣) ، أو يتخذ مسجداً (٤) ، أو عيداً (٥) ، أو يوقد عليه سراج وذم (٦) ، من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: بئس الخطيب أنت (٧) ، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه، وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه. الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث المستعان به المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة، وإليه الوجهة والعمل الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب، والذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده وأحياهم وحده، وأماتهم وحده ويبعثهم وحده ويغفر ويرحم

стр. 335

ويهدي ويضل ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء، كائناً من كان بل الأمر كله لله. وأقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاهاً وأرفعهم لديه ذكراً وقدراً وأعمهم عنده شفاعة ليس له من الأمر شيء ولا يعطي أحد شيئاً، ولا يمنع أحد شيئاً، ولا يملك لأحد ضراً ولا رشداً، وقد قال الأقرب الخلق إليه وهم ابنته وعمه وعمدته: ((يا فاطمة بنت محمد لا أغني عليك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول اله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول اله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً)) (١) . فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم النافع للمعظم في معاشه ومعاده الذي هو لازم إيمانه وملزومه، وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه، فالغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الأجر من وجه دون وجه، وأولياءه سلكون بين ذلك قواماً؛ وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه وإعلانه كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه. وبالجملة:فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله وفيه وتحكيمه وجدة والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله: فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده، أو تأوله أو فوضه،أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد وكفى به شهيداً وملائكته ورسله وأولياؤه إن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، وهم يشهدون على أنهم بذلك. وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم،وأقوال متبوعهم على قوله، وأنه لا يستفاد من كلامه يقين، وأنه إذاعارضة الرجال قدمت عليه، وكان الحكم ما تحكم به، أفلا يستحي من الله ومن العقلاء من هذا حالة في أصول دينه وفروعه أن يستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسوله ناصر له

стр. 336

منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه، ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون: ((وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون)) ((وقيل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عال الغيب والشهادة فينبكم بما كنتم تعملون)) . قال المعترض وقد خرجنا عن المقصود إلى غرضنا وهو الاستدلال على أن زيارة قبر النبي ﷺ قربة؛ وما يدل على ذلك القياس، وذلك على زيارة النبي ﷺ البقيع وشهداء أحد وسنيين أن ذلك غير خاص به ﷺ ، بل مستحب لغيره، وإذا استحب زيارة قبر غيره ﷺ فقبره أولى لماله من الحق ووجوب التعظيم. فإن قلت: الفرق أن غيره يزار للاستغفار له لاحتياجه إلى ذلك، كما فعل النبي ﷺ في زيارة أهل البقيع والنبي ﷺ مستغن عن ذلك. قلت: زيارته ﷺ إنما هي لتعظيمه والتبرك به ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه كما إنا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم، وسؤال الله له الوسيلة وغير ذلك مما يعلم أنه حاصل له ﷺ بغير سؤالنا ولكن النبي ﷺ أرشدنا إلى ذلك لتكون بدعائنا له متعرضين للرحمة التي رتبها الله على ذلك. فإن قلت: الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور، وقبره ﷺ يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد. قلت: هذا كلام تقشعر منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته فإن فيه تركاً لما دلت عليه الدلالة الشرعية بالآراء الفاسدة الخالية، وكيف يقدم على تخصيص قوله ﷺ ((زوروا القبور)) وعلى ترك قوله: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنة، وهذا بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً وكون الصحابة احترزوا عن ذلك للمعنى المذكور، لأن ذلك قد ورد النهي فيه، وليس لنا نحن أن نشرع أحكاماً من قبلنا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى ٠٢١) فمن منع زيارة قبر النبي ﷺ فقد شرع من الدين ما لم يأذن له، وقوله مردود عليه، ولو فتحنا باب هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيراً من السنن، بل ومن الواجبات، والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير

стр. 337

الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ والمبالغة في ذلك. ومن تأمل القرآن العزيز وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة ف بتعظيمه وتوقيره والأدب معه،وما كانت الصحابة يعاملونه به من ذلك املآ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد، واستكف أن يصغي إليه والله تعالى هو الحافظ لدينه، ومن يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وعلماء المسلمين متكلفون بأن يبينوا للناس ما يجب من الأدب والتعظيم والوقوف عند الحد الذي لا يتجوز مجاوزته بالأدلة الشرعية، وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله، ومن أراد الله إضلاله من أفراد الجهال فلن يستطيع أحد هدايته، فمن ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب مع الربوبية فقد كذب على الله تعالى وضيع ما أمر به في حق رسله، وكما أن من أفرط وجاوز الحد إلى جانب الربوبية فقد كذب على رسول الله وضيع ما أمروا به في حق ربهم ، والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين، وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور، انتهى ما ذكره. والجواب: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من التلبيس والتمويه والغلو والتخليط، والقول بغير علم، والمناقشة على جميع ذلك نفضي إلى التطويل، ولكن التنبيه على البعض كاف لمن وفقه الله. وأعلم أن هذا المعترض من أكثر الناس تلبيساً وخلطاً للحق بالباطل (١) ، ولهذا قد يروج كلامه على كثير منهم، وقوله: إن زيارة قبره قياساً على زيارته ﷺ البقيع وشهداء أحد هو من أفسد القياس لما بين الزيارتين من الفرق المبين، وقد أقر المعترض بالفرق بأن زيارته ﷺ لهم إحصان إليهم وترحم عليهم واستغفار لهم، وأن زيارة قبره إنما هي لتعظيمه والتبرك به وكيف يقاس على الزيارة التي لا يتعلق بها مفسدة البتة، بل هي

стр. 338

مصلحة محضة، الزيارة التي يخشى بها أعظم الفتنة وتتخذ وسيلة إلى ما يبغضه المزور ويكرهه ويمقت فاعله حتى لو كانت الزيارة من أفضل القربات، وكانت ذريعة ووسيلة إلى ما يكرهه المزور ويبغضه لنهي عنها طاعة له وتعظيماً ومحبة وتوقيراً وسعياً في محابه، كما نهى عن الصلاة التي هي قربة إلى الله في الأوقات المخصوصة لما يستلزم من حصول ما يكرهه الله ويبغضه، ولم يكن في ذلك إخلال بتعظيم الله بل هذا عين تعظيمه وإجلاله وطاعته، فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه سر الفرق بين عباد القبور وأهل التوحيد. وقوله: إن زيارته سبب لأن تنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه، فيقال له: كأ، الرحمة لا تنال بالصلاة والسلام عليه عندك إلا من صلى عليه وسلم عند قبره،وهذا ما لا تقوله أنت ولا أحد من المسلمين معك، فهو كلام فيه تمويه وتلبيس، قوله: فإن قلت: الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور وقبره يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعيده، سؤال لا تخفى صحته وقوته على أهل العلم والإيمان، وقوله في جوابه: هذا الكلام تقشعر منه الجلود ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته، فيقال نعم تقشعر منه جلود عباد القبور، الذين إذا دعو إلى عبادة الله وحدة وأن لا يشرك به ولا يتخذ من دونه وثن يعبد اشمأزت قلوبهم واقشعرت جلودهم وأكفهرت وجوههم، ولا يخفى أن هذا نوع شبه موافقة للذين قال الله فيهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (الزمر ٠٤٥) ثم يقال: أما جلود أهل التوحيد المتبعين للرسول العالمين بمقاصده الموافقين له فيما أحبه ورغب فيه وكرهه وحذر منه، فإنها لا تقشعر من هذا الفرق، بل تزيد قلوبهم وجلودهم طمأنينة وسكينة وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوهم مرض فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته وحقائقه وأسراره إلا رجساً إلى رجسهم، وإذا سلك التوحيد في قلوبهم دفعته قلوبهم وأنكرته ظناً منهم أنه تنقص وهضم الأكابر وإزراء بهم، وحط لهم من مراتبهم واتباع هؤلاء ضعفاء العقول، وهم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. وأما أهل العلم والإيمان فإنما تقشعر جلودهم من مخالفة الرسول فيما أمر ومن ترك قبول فيما أخبر، ومنقول القائل وإقراره بأن اليقين لا يستفاد بقوله وأنه يجب تقديم عقول الرجال وآرائهم على قوله إذا خالفها وأنه يجب أو يشرع الحج إلى قبره، ويحعل من أعظم الأعياء ويحتج بفعل العوام والطغام على أن هذا من دينه ويقدم هديهم على هدي المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ويستحل تكفير من نهى عن أسباب الشرك

стр. 339

والبدع ودعى إلى ما كان عليه خيار الأمة وسادتها، ويستحل عقوبته وينسب إلى التنقص والازراء،، فهذا وأمثاله تقشعر منه جلودهم أهل العلم والإيمان. وقوله: إن في هذا الفرق تركاً لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخالية - ففي هذا الكلام من قلب الحقائق وترك موجب النصوص النبوية والقواعد الشرعية والمحكم الخاص المقيد إلى المجمل المتشابه العام المطلق، كما يفعله أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ ما نبينه بحول الله ومعونته وتأييده، فإن النصوص التي صحت عنه ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله من الصلاة عندها وإليها واتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها وشد الرحال إليها، وجعلها أعياداً يجتمع لها كما يجتمع للعبد، ونحو ذلك صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير. وهو أصل أسباب الشرك والفتنة به في العالم، فكيف يناقض هذا ويعارض بإطلاق زوار القبور، وبأحاديث لا يصح شيء منها البتة في زيارة قبره، ولا يثبت منها خبر واحد، ونحن نشهد بالله أنه لم يقل شيئاً منها كما نشهد بالله أنه قال:تلك النصوص الصحيحة الصريحة، وهؤلاء فرسان الحديث وأئمة النقل ومن إليهم المرجع في الصحيح والسقيم من الآثار، وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لم يصححوا منها خبراً واحداً، ولم يحتجوا منها بحديث واحد، بل ضعفوا جميع ما ورد في ذلك وطعنوا فيه وبينوا سبب ضعفه وحكم عليه جماعة منهم بالكذب والوضع. وكذلك دعواه إجماع السلف والحلف على قوله، فإذا أراد بالسلف المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فلا يخفى أن دعوى إجماعهم مجاهرة بالكذب، وقد ذكرنا غير مرة فيما تقدم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة شيء من هذا إلا عن ابن عمر وحده، فإن ثبت عنه إتيان القبر للسلام عند القدوم من سفر ولم يصح هذا عن أحد غيره ولم يوافقه عليه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا من الخلفاء الراشدين ولا من غيرهم. وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعم أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، وكيف ينسب مالك إلى مخالفة إجماع السلف والخلف في هذه المسألة، وهو أعلم أهل زمانه بعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، وهو يشاهد التابعين الذين شهدوا الصحابة وهم جيرة المسجد وأتبع الناس للصحابة، ثم يمنع الناذر من إتيان القبر ويخالف إجماع الأمة، وهذا لا يظنه بمالك إلا

стр. 340

جاهل كاذب على الصحابة والتابعين وأهل الإجماع، وقد نهى علي بن الحسين زين العابدين الذي هو أفضل أهل بيته وأعلمهم في وقته ذلك الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند القبر فيدخل فيها فيدعوا واحتج عليه بما سمعه من أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغي أينما كنتم)) (١) ، وكذلك ابن عمه حسن بن حسن بن علي شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول القبر: ما لي رأيتك عند القبر، فقال: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم (٢) ، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)) . وكذلك سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الأعلام وقاضي المدينة في عصر التابعين ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه كان لا يأتي القبر قط، وكان يكره إتيانه أفيظن بهؤلاء السادة الأعلام أنهم خالفوا الإجماع، وتركوا تعظيم صاحب القبر وتنقصوا به، فهذا لعمر الله هو الكلام الذي تقشعر منه الجلود وليس مع عباد القبور من الإجماع إلا ما رأوا عليه العوام والطغام في الأعصار التي قل فيها العلم والدين، وضعفت فيها السنن وصار المعروف فيها منكراً، والمنكر معروفاً من اتخاذ القبر عيداً، والحجج إليه واتخاذه منسكاً للوقوف والدعاء، كما يفعل عند موقف الحج بعرفة ومزدلفة وعند الجمرات وحول الكعبة، ولا ريب أن هذا وأمثاله في قلوب عباد القبور لا ينكرونه ولا ينهون عنه، بل يدعون إليه ويرغبون فيه، ويحضون عليه ظانين أنه من تعظيم الرسول ﷺ والقيام بحقوقه. وإن من لم يوافقهم على ذلك خالفهم فيه فهو منتقص تارك للتعظيم الواجب، وهذا قلب لدين الإسلام وتغيير له. ولولا أن الله سبحانه ضمن لهذا الدين أن لا يزال طائفة من الأمة قائمة به لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة لجرى عليه ما جرى على دين أهل الكتاب

стр. 341

قبله، وكل ذلك باتباع المتشابه وما لا يصح من الحديث وترك النصوص المحكمة الصحيحة الصريحة. وقوله أن من منع زيارة قبره فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وليس لنا ذلك جوابه أن يقال: أما من منع مما منع الله ورسوله منه وحذر مما حذر منه الرسول بعينه ونبيه على المفاسد التي حذر منها الرسول ﷺ بتعظيم القبور وجعلها أعياداً واتخاذها أوثناناً ومناسك يحج إليها كما يحج إلى البيت العتيق، ويوقف عندها للدعاء والتضرح والابتهال كما يفعل عند مناسك الحج وجعلها مستغاثاً للعالمين، ومقصداً للحاجات ونيل الرغبات وتفريج الكربات. فإنه لم يشرع ديناً لم يأذن به الله، وإنما شرعه من خالف ذلك ودعا إليه ورغب فيه وحض النفوس عليه، واستحب الحج إلى القبر وجعله عيداً يجتمع إليه كما يجتمع للعبد، وجعله منسكاً للوقوف والسؤال والاستغاثة به، فأي الفريقين الذي شرع من الدين ما لم يأذن به الله إن كنتم تعلمون. ونحن نناشد عباد القبور: هل هذا الذي ذكرناه عنهم وأضعافه كذب عليهم، أو هو أكبر مقاصدهم وحشو قلوبهم، والله المستعان. قوله: والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم الني ﷺ والمبالغة في ذلك - جوابه أنه قد عرف بما قررناه أهل تعظيمه المتبعون له الموافقون لما جاء به والتارك لتعظيمه بتقرير خلاف ما جاء به والحض على ما حذر منه والتحذير مما رغب فيه وترك ما جاء به لآراء الرجال وعقولهم وتقريره وتقرير سلفه أن اليقين والهدى لا يستفاد بكلامه، وأن ما عليه عباد القبور هو من الغلو لا من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان فلا حاجة إلى إعادته. قوله: ومن تأمل القرآن وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه، وما كنت الصحابة تعامله به من ذلك امتلأ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد واستكشف أن يصغي إليه، وجوابه: أن يقال: أنت وأضرابك من أقل الناس نصيباً من ذلك التعظيم، وإن كان نصيبكم من الغلو الذي ذمه وكره ونهى عنه نصيباً وافراً، فإن أصل هذا التعظيم وقاعدته التي يبنى عليها هو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، وأنت وأضرابك اكتفيتم من طاعته بأن أقمتم غيره مقامه: تطيعونه فيما قاله

стр. 342

وتجعلون كلامه بمنزلة النص المحكم وكلامه المعصوم إن التفتم إليه بمنزلة المتشابه، فما وافق نصوص من اتخذتموه من دونه وقبلتموه وما خالفها تأولتموه، أوردتموه، أو أعرضتم عنه ووكلتموه إلى عالمه، فنحن ننشدكم الله هل تتركون نصوص من قلدتموه لنصه، أو تتركون نصه لنص من قلدتموه واكتفيتم من خبره عن الله وأسمائه وصفاته بخبر من عظمتموه من المتكلمين الذين أجمع الأئمة الأربعة والسلف على ذمهم والتحذير منهم، والحكم عليهم بالبدعة والضلالة فاكتفيتم من خبره عن الله وصفاته بخبر هؤلاء وجعلتهم خبرهم قواطع عقلية، وأخباره ظواهر لفظية لا تفيد اليقين ولا يجوز تقديمها على أقوال المتكلمين. ثم مع هذا العزل الحقيقي عظمتم ما يكره تعظيمه من القبور وشرعتم فيها وعندها ضد ما شرعه، وعدتم بها التعظيم على مقصوده بالإبطال، فعظمتم بزعمكم ما يكره تعظيمه وتقربتم إليه بما يباعدكم منه واستهنتم بما الإيمان كله في تعظيمه ونبذتموه وراء ظهوركم،واتخذتم من دونه من عظمتم أقواله غاية التعظيم حتى قدمتموها عليه، وما أشبه هذا بغلو الرافضة في عطي، وهم أشد الناس مخالفة له، وكذلك غلو النصارى في المسيح، وهم من أبعد الناس منه، وإن ظنوا أنهم معظمون له فالشأن كل الشأن في التعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو لازم وملزوم له والتعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا بتركه،فإن إجلاله عن هذا الإجلال و (٣) وتعظيمه عن هذا التعظيم متعين. وقوله: إن المبالغة في تعظيمه واجبة - أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أجد تعظيماً حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين، أم يريد بها التعظيم الذي شرعه الله ورسوله ﷺ من وجوب محبته وطاعته ومعرفة حقوقه وتصديق أخباره، وتقديم كلامه على كلام غيره ومخالفة غيره لموافقته ولوازم ذلك، فهذا التعظيم لا يتم الإيمان إلا به، ولكن هذا المعترض وأضرابه عن هذا بمعزل، وإذا أخذ الناس منازلهم من هذا التعظيم فمنزلتهم منه أبعد منزل وهو وخصومه كما قال الأول. نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل وقوله: ((إن من ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب

стр. 343

مع الربوبية إلى آخر كلامه، فنعم، ولكن الشأن في التعظيم المشروع وتركه وهل هو إلا طاعته وتقديمها على طاعة غيره وتقديم خبره على خبر غيره، وتقديم محبته على محبة الولد والوالد والناس أجمعين، فمن ترك هذا فقد كذب على الله وعصى أمره، وترك ما أمر به من التعظيم، وأما جعل قبره الكريم عيداً تشد المطايا إليه كما تشد إلى البيت العتيق، ويصنع عنده ما يكره الله ورسوله ويمقت فاعله ويتخذ موقفاً للدعاء وطلب الحاجات وكشف الكربات، فمن جعل ذلك من دينه، فقد كذب عليه وبدل دينه، وبالله تعالى التوفيق تم الكتاب بإعانة رب الأرباب فالله الحمد على كل حال وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.