← Фикх общий

Фикх общий · id 8631

أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (307 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأصل الذي بنيت عليه هذه الأحكام أن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به فهو فرض، وأنه إذا تعارض خوف الجور لو تزوج وخوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج قدم الأول وحظر الزواج؛ لأن الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله، وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى سبحانه١. وأما حكم الزواج بمعنى أثره المترتب عليه شرعا فإنه يختلف باختلاف العقد من حيث استيفاؤه شرائطه الشرعية أو عدم استيفائها، وهذا البيان: حكم الزواج الباطل: إذا حصل خلل في صيغة العقد كأن صدرت الصيغة بلفظين يعبر بهما عن المستقبل أو بما لا يدل على تمليك المتعة لا حقيقة ولا مجازا، أو حصل خلل في أصل أهلية العاقد لفقده التمييز بسبب جنون أو صغر، أو فقد أي شرط من شرائط الانعقاد كان الزواج باطلا. ولا يترتب على هذا العقد أثر ويعتبر وجوده كعدمه، ويجب عليهما الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. وإذا دخل الرجل بمن عقد عليها عقدا باطلا كان هذا الدخول بمنزلة الزنا غير أن شبهة العقد تسقط الحد، ولا عدة على المدخول بها بعد المتاركة، ولا يثبت به نسب ولا توارث، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة ولا أي حق من حقوق الزوجية وواجباتها. وعلى قول من أثبت حرمة المصاهرة بالزنا ودواعيه تثبت بهذا الدخول حرمة المصاهرة. وسيتبين هذا في المحرمات. حكم الزواج الفاسد: إذا اختل شرط من شروط صحة الزواج كما إذا عقد الزواج بغير حضور الشهود كان الزواج فاسدا. ويجب على الزوجين الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. ومجرد هذا العقد الفاسد لا يترتب عليه أثر، بمعنى أن المتزوجين زواجا فاسدا إذا افترقا قبل الدخول فلا عدة على الزوجة ولا مهر لها،

стр. 37

ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة ولا النسب، ولا يتوارثان لو مات أحدهما, ولا يترتب على مجرد هذا العقد أي أثر. أما إذا دخل الزوج دخولا حقيقيا بمن تزوجها زواجا فاسدا فإنه يترتب على هذا الدخول أربعة آثار من آثار الزوجية وهي: ١- وجوب المهر على الزوج. إما مهر المثل إن لم يكن سمي في العقد مهر, أو الأقل من المسمى ومن مهر المثل إن سمي في العقد مهر؛ وذلك لأن الدخول الحقيقي بالمرأة لا بد أن يترتب عليه في الشريعة الإسلامية أحد أمرين: المهر أو الحد. وحيث انتفى هنا الحد لشبهة العقد فيجب المهر، وهذا معنى قول الفقهاء: الوطء شرعا لا يخلو من عُقر أو عَقر، أي: من حد أو مهر. ٢- ثبوت نسب الولد الذي تحمل به من الدخول في هذا الزواج الفاسد، وذلك احتياطا لإحياء الولد وعدم ضياعه. ٣- وجوب العدة على الزوجة بعد التفريق بينهما ومبدؤها من وقت التفريق. وحكمة وجوبها اتقاء اختلاط الأنساب. ٤- حرمة المصاهرة فيحرم على زوجها أصولها وفروعها وتحرم هي على أصوله وفروعه. وما عدا هذا من آثار الزواج الشرعي لا يترتب على الدخول بعد العقد الفاسد، فلا تجب به نفقة ولا طاعة ولا يتوارث الزوجان ولا يحل استمتاع أحدهما بالآخر. فعلى هذا يشترك كل من الزواج الباطل والفاسد في وجوب الافتراق على الزوجين رفعا لهذا البطلان أو الفساد, فإن افترق الزوجان من تلقاء أنفسهما فبها وإلا رفع الأمر إلى القضاء الشرعي ليحكم بالتفريق بينهما. وهذا من المواضع التي ترفع فيها الدعوى حسبة؛ لأنها من باب إزالة المنكر مع مراعاة ما نص عليه في المنشور

стр. 38

١رقم ٣٥ سنة ١٩٨١. ويشتركان أيضا في أن مجرد العقد فيهما لا يترتب عليه أثر، وفي أن العقد شبهة تسقط الحد -ويختلفان فيما إذا دخل الزوج بزوجته على ما بينا. وقد قدمنا أن من شروط صحة الزواج كون الزوجة غير محرمة على زوجها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد أو المؤقت. ومقتضى هذا أن الزواج الذي فقد هذا الشرط يكون فاسدا ويكون حكمه كما ذكرنا من وجوب التفريق وعدم ترتب أثر ما على مجرد العقد, وترتب الآثار الأربعة على الدخول الحقيقي بعد العقد. ولكن يعترض هذا ما نص عليه فقهاء الحنفية من أنه إذا تزوج أحد إحدى محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة أو زوجة غيره أو معتدته, ودخل بها عالما بالحرمة فلا عدة على المرأة بعد التفريق، ولا يحرم وقاعها على الزوج الأول لو متزوجة، وإن دخل بها غير عالم بالحرمة تجب عليها العدة, ويحرم على زوجها الأول وقعاها قبل انقضائها. فمقتضى هذا أن زواج المحارم مع العلم بالحرمة يكون باطلا ولا عدة في الباطل. وزواجهن مع عدم العلم بالحرمة، كما إذا تزوجها غير عالم أنها أخته رضاعا أو غير عالم أنها معتدة غيره، يكو فاسدا وتجب في الفاسد العدة بعد المتاركة والدخول. فتكون الخلاصة من هذا أن الزواج الباطل هو ما حصل خلل في ركنه أو أهلية عاقديه أو فقد شرط من شروط انعقاده. ويلحق به في الحكم ما إذا حصل خلل في المعقود عليها بأن كانت محرمة على زوجها معلوما للعاقدين وقت العقد أنها حرام عليه.

стр. 39

وأن الزواج الفاسد هو ما لم تحضره شهود أو حصل خلل في المعقود عليها, ولكن لم يكن هذا الخلل معلوما للعاقدين وقت العقد، بأن جهل أنها محرمة. وبهذا يوفق بين الأحكام. حكم الزواج الموقوف: قال ابن عابدين: "وحكم الدخول في الزواج الموقوف كالدخول في الفاسد فيسقط الحد ويثبت النسب, ويجب الأقل من المسمى ومهر المثل"؛ وذلك لأن الزواج الموقوف استوفى شرائط انعقاده وصحته فما دام موقوفا، أي: لم يجزه الولي ولم يبطله، تترتب على الدخول الحقيقي فيه الآثار الأربعة التي تترتب على الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد. فإذا زوج المعتوه مثلا نفسه وقبل أن يرد وليه هذا الزواج أو يجيزه دخل بزوجته ترتب على هذا الدخول وجوب العدة على الزوجة بعد المتاركة، ووجوب المهر على الزوج، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة. أما بعد أن يرد وليه هذا الزواج فإنه يصير باطلا، وبعد أن يجيزه يكون نافذا. حكم الزواج الصحيح النافذ: أما عقد الزواج الصحيح النافذ فبمجرد تمامه تترتب عليه آثار الزوجية من حقوق وواجبات بدون توقف على دخول الزوج بزوجته حقيقة أوحكما. فنفس العقد الصحيح النافذ يوجب للزوجة على زوجها ما يأتي: ١- المهر إما المسمى إن سمي تسمية صحيحة وإما مهر المثل إن لم توجد تسمية صحيحة، فيكون المهر بمجرد العقد دينا واجبا لها في ذمته وجوبا على شرف التنصيف أو السقوط حتى يوجد ما يقرره، أي: إنه واجب بالعقد ولكنه عرضة؛ لأن يسقط أو ينصف، كما سيبين في أحكام المهر. ٢- والنفقة بجميع أنواعها من طعام وكسوة ومسكن، فتكون بالعقد حقا واجبا لها عليه ما لم تمتنع من طاعته بغير حق؛ لأن من لم يقم بالواجب عليه لا يستحق حقه.

стр. 40

٣- وعدم الإضرار بها بفعل أو قول أو أي معاملة. ٤- والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزوجات. ويوجب للزوج على زوجته: ١- دخولها في طاعته في المسكن الشرعي الذي يهيئه لها متى أوفاها معجل صداقها وكان أمينا على نفسها ومالها. ٢- وثبوت نسب ولدها منه بالشروط الآتية في ثبوت النسب؛ لأنه بمجرد العقد الصحيح يتحقق الفراش. ٣- وقرارها في بيته وعدم خروجها منه بغير حق شرعي إلا بإذنه وامتثالها له فيما لا يمنع مانع شرعي من الامتثال فيه. ٤- وولاية تأديبها بالمعروف شرعا. ويوجب لكل منهما: ١- التوارث، فإذا مات أحدهما بعد العقد ولو قبل الدخول ورثه الحي منهم, ما لم يمنع من إرثه مانع شرعي. ٢- وحرمة المصاهرة، فبالعقد تحرم الزوجة على أصول زوجها وفروعه, ويحرم على الزوج أصول زوجته، وأما فروعها فلا تحرم عليه إلا أن دخل بها. ٣- وحل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون به شرعا ما لم يمنع مانع شرعي من حيض أو نفاس أو غيرهما. ٤- وحسن معاشرة كل منهما لصاحبه.

стр. 41

المحرمات من النساء: قدمنا أن من شروط صحة الزواج أن تكون المعقود عليها غير محرمة على من يريد الزواج بها بأي سبب من أسباب التحريم. وهذا تفصيل المحرمات من النساء مؤبدا والمحرمات منهن مؤقتا: من النساء من يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤبدة دائمة، على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له في وقت من الأوقات. وهن النساء اللاتي تربطه بهن رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع. ومنهن من يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤقتة، على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له ما دامت على حال خاصة قائمة بها، فإن تغير الحال وزال سبب التحريم الوقتي صارت حلالا له أن يتزوجها، وهن من تعلق حق غيره بها بزواج أو عدة. ومطلقته ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، ومن يكون في عصمته محرم لها، ومن يكون في عصمته أربع سواها، ومن لا تدين بدين سماوي، والأمة إذا كانت في عصمته حرة. ومن عدا ذلك من النساء يحل للمسلم أن يتزوج منهن؛ لأن الله سبحانه بعد أن بيّن المحرمات قال عز شأنه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ . الحكمة في تحريم من حرم من النساء: أما تحريم من حرم من النساء مؤبدا بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، فحكمته عدة أمور. "الأول" أن كل إنسان في هذه الحياة محتاج إلى الارتباط بأفراد نوعه, وإلى عدة وسائل لهذا الارتباط بهم حتى يتبادل معهم الحاجات، ويتعاونوا على ما تتطلبه معيشتهم. وفي صلة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع, ما يكفل إيجاد هذا الارتباط ويحقق تعاون المرتبطين بها. لهذا جعل الزواج وسيلة لإيجاد رابطة أخرى تربط

стр. 42

الزوج بمن تكون أجنبية عنه، لا تربطه بها صلة قرابة أو مصاهرة أو رضاع حتى تكون الزوجية وصلة بين الأجانب، وكم أسر متباعدة صارت بالتزاوج أسرة واحدة. "الثاني" أن الإنسان كما أنه في حاجة إلى اكتساب رابطة تربطه بالأجانب عنه هو في حاجة إلى الاحتفاظ بصلات من تربطه بهم رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، وفي إباحة الزواج بمن تربطه بهم إحدى هذه الروابط تعريض الوصلة بهم إلى القطيعة؛ لأن تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين قد يؤدي إلى الخلف والخصومة فتتحول القرابة إلى عداوة، ويفقد المرء آثار الارتباط بمن تربطه بهم تلك الصلات. "الثالث" أن للقرابة حقوقا وللزوجية حقوقا وقد تتنافى هذه الحقوق وتتعارض فتكون من تجب لها الطاعة واجبا عليها الطاعة ومن له الرياسة مرءوسا. ولهذا التنافي حرم على السيد أن يتزوج أمته، وعلى السيدة أن تتزوج عبدها. "الرابع" ما قرره الأطباء من أن الزواج بالأقارب ينتج النسل الضعيف، وأن مصلحة الطفل في أن يتولد من أبوين من أسرتين؛ لأن هذا يهيئ له ما قد يكون فيه نماؤه وقوته وسلامته من الأمراض. وأما تحريم من حرم من النساء لأسباب وقتية فكل سبب من أسباب هذا التحريم الوقتي يشعر بحكمته وهي ترجع إلى منع الإنسان من الاعتداء على غيره، والخروج عن حدود دينه، وقطعه الرحم بين القريبات، واتخاذه زوجة لا تأتلف به غالبا, وليس من شأنها أن تتبادل معه ما تقتضيه الزوجية من مودة ورحمة. وغير ذلك مما سيتبين في تفصيل المحرمات.

стр. 43

المحرمات مؤبدا: ١- بسبب النسب "القرابة": بيّن الله سبحانه المحرمات بسبب القرابة بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ . فيؤخذ من القرآن الكريم أن المسلم يحرم عليه بسبب القرابة أربعة أنواع من قريباته، وهن: ١- أصوله، أي: أمه، وأم أمه، وأم أبيه، وإن علت؛ لأن لفظ الأم معناه الأصل فيشمل الجميع -حرمت عليكم أمهاتكم- أي: أصولكم من النساء. ٢- وفروعه، أي: بنته، وبنت بنته، وبنت ابنه، وإن سفلت؛ لأن لفظ البنت معناه الفرع فيشمل الجميع -وبناتكم- أي: وفروعكم من النساء. ٣- وفروع أبويه، أي: أخواته، وبنات إخوته، وأخواته، وإن نزلن لا فرق بين الشقيقة أو لأب أو لأم -وأخواتكم وبنات الأخ وبنات الأخت. ٤- وفروع جديه إذا انفصلن بدرجة واحدة، أي: عماته وخالاته، وعمات أصله، وخالاته. أما فروع جدية اللاتي انفصلن بأكثر من درجة فليست من المحرمات، وهن بنات الأعمام والعمات، وبنات الأخوال والخالات وبناتهن -وعماتكم وخالاتكم. ٢- بسبب المصاهرة: بيّن الله سبحانه المحرمات بسبب المصاهرة بقول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ

стр. 44

فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ . وقوله عز شأنه: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . فيؤخذ من القرآن الكريم أن المسلم يحرم عليه بسبب المصاهرة أربعة أنواع، وهن: ١- أصول زوجته، أي: أمها وأم أمها، وأم أبيها وإن علت -وأمهات نسائكم. ٢- وفروع زوجته التي دخل بها، أي: بنتها، وبنت بنتها، وبنت ابنها وإن سفلت -وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن. ٣- وزوجة أصله، أي: زوجة أبيه وإن علا -ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء. ٤- وزوجة فرعه، أي: زوجة ابنه، وابن ابنه، وابن بنته وإن نزل -وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم. فالدخول بالزوجة شرط لتحريم فرعها فقط. أما أصلها وزوجة الأصل وزوجة الفرع فتحرم بمجرد عقد الزواج ولو لم يحصل دخول، ولذا قال الفقهاء: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وعلى هذا لو عقد زواجه بامرأة ثم ماتت قبل أن يدخل بها أو طلقها قبل أن يدخل بها لا تحرم عليه بنتها ولا أي أنثى من فروعها. ولكن تحرم عليه أمها وكل أنثى من أصولها، ولو مات هو أو طلقها قبل الدخول تحرم هي على أصوله وفروعه. ولو تزوج الابن وقبل أن يدخل بزوجته مات عنها أو طلقها تحرم زوجته على أبيه. قال أبو حنيفة: ومن زنى بامرأة أو لمسها أو قبلها أو نظر إليها بشهوة ترتب على فعله حرمة المصاهرة، فيحرم على الزاني أصول من زنى بها وفروعها، وتحرم هي على أصوله وفروعه. ففي مذهبه: الزنا تثبت به حرمة المصاهرة ومثله مقدماته ودواعيه،

стр. 45

حتى لو زنى الرجل بأم زوجته أو بنتها حرمت عليه زوجته حرمة مؤبدة. وفي هذا أقوى ردع عن ارتكاب معصية الزنا ودواعيه مع أصول الزوجة أو فروعها. وأما في مذهب الشافعي فلا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا ودواعيه؛ لأن حرمة المصاهرة رابطة تجعل الأجانب محارم كالأقارب. وهذه الرابطة نعمة لا تترتب إلا على العقد أو الدخول الشرعيين ولا تبنى على المحظور. ٣- بسبب الرضاع: بينت المحرمات بسبب الرضاع في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ . وفي السنة بقوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وألحق الفقهاء المصاهرة بالنسب فقالوا: كل من تحرم بالنسب أو المصاهرة تحرم بالرضاع. فإذا أرضعت امرأة طفلا وهو في سن الرضاع أي: في الحولين الأولين من عمره سواء رضع قليلا أو كثيرا في مرة أو في عدة مرات صارت هذه التي أرضعته أما له من الرضاعة بمنزلة أمه من النسب، وصارت أخواتها خالات له من الرضاعة، وزوجها الذي در اللبن من ثديها بسببه أبا له من الرضاعة، وأخوات هذا الزوج عمات له من الرضاعة, وأولادها وأولاده أخواته وأخوته من الرضاعة، سواء أرضعتهم معه أو قبله أو بعده، وسواء كانوا أولادها من هذا الزوج أو من غيره، وسواء كانوا أولاده منها أو من غيرها، فقد يكون الأخ رضاعا شقيقا أو لأم أو لأب. فكما يحرم على المسلم بالنسب: أصوله، وفروعه، وفروع أبويه وإن نزلن، وفروع جديه إذا انفصلن بدرجة واحدة، يحرم عليه الرضاع: ١- أصوله، أي: أمه رضاعا، وأمها وإن علت، وأم أبيه رضاعا، وأمها وإن علت، لقوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ .

стр. 46

٢- وفروعه، أي: بنته رضاعا، وبنتها وإن نزلت، وبنت ابنه رضاعا، وبنتها وإن نزلت. ٣- وفروع أبويه، أي: أخواته رضاعا، وبناتهن وإن نزلن، وبنات إخوته رضاعا، وبناتهن وإن نزلن -وأخواتكم من الرضاعة. ٤- وفروع جديه اللاتي انفصلن بدرجة واحدة، أي: عماته وخالاته رضاعا. أما بنات عماته وأعمامه رضاعا، وبنات أخواله وخالاته رضاعا، فتحل له كما تحل له نسبا. وكما يحرم على المسلم بالمصاهرة أصول زوجته مطلقا، وفروع زوجته المدخول بها، وزوجات أصوله، وزوجات فروعه، ويرحرم عليه من الرضاع: ١- الأم الرضاعية لزوجته وأمها وإن علت. ٢- البنت الرضاعية لزوجته وبنتها وإن نزلت، وبنت ابنها الرضاعي وبنتها وإن نزلت بشرط أن تكون زوجته مدخولا بها. ٣- وزوجات أبيه الرضاعي وأبي أبيه وإن علا. ٤- وزوجات ابنه الرضاعي وابن ابنه وإن نزل. فالمحرمات من النساء بالرضاع ثمانية أنواع: وهن الأربع المحرمات بالنسب، والأربع المحرمات بالمصاهرة. والدليل على تحريمهن قوله تعالى في بيان المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ . وهذه الآية الكريمة صريحة في تحريم خصوص الأمهات رضاعا والأخوات رضاعا ولكنها تشير إلى تحريم الباقيات؛ لأنها أطلقت على التي أرضعت أنها أم وعلى أولادها أنهم أخوة وأخوات. فدل هذا الإطلاق على أن الرضاعة تصل الرضيع بمن أرضعته صلة الفرع بأصله؛ لأنه بتغذيه من لبنها صار بعضها وبعض زوجها، وعن هذه الفرعية والأصلية تتفرع سائر المحرمات. وهذا

стр. 47

الذي أشارت إليه الآية صرح به الحديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وإذ كانت التي أرضعت كالتي ولدت كل منهما أم، فأم الزوجة رضاعا كأمها نسبا، وبنتها رضاعا كبنتها نسبا. وإذ كان زوج المرضعة أبا للرضيع والرضيع فرع له, فزوجة الأب الرضاعي كزوجة الأب النسبي وزوجة الابن الرضاعي كزوجة الابن النسبي. ولهذا حرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة كما حرم من الرضاع ما يحرم بالنسب. وقد توجد بعض صور ظاهرها أنها مستثناة من هذ النص "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ولكن عند التأمل فيها وتحقيق معنى النص يتبين أنه لا استثناء. من ذلك أنه يحرم على المسلم أم أخيه نسبا؛ لأنه إن كان أخاه الشقيق أو أخاه لأمه فهي أمه، وإن كان أخاه لأبيه فهي زوجة أبيه. ولا تحرم عليه أم أخيه رضاعا؛ لأنها أجنبية منه ولم يتحقق فيها بالنسبة له سبب من أسباب التحريم، وكذلك يحرم على المسلم أخت ابنه نسبا؛ لأنها إما بنته أو بنت زوجته المدخول بها. ولا تحرم عليه أخت ابنه رضاعا؛ لأنها أجنبية منه. كما لا تحرم عليه أخت أخيه رضاعا وجدة ابنه رضاعا. والضابط العام لهذه الصورة أنها جزئيات في حال القرابة النسبية يتحقق فيها سبب من أسباب التحريم بأن توجد الأصلية أو الفرعية أو فرعية الأبوين أو الجدين.. وفي حال الرضاع لا يتحقق فيها سبب من ذلك فلا يوجد تحريم؛ لأن معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أنه إذا وجدت من الرضاع أصلية أو فرعية أو فرعية أبوين أو فرعية جدين ... فإنها تحرم كما في حال وجودها من النسب، وعند تحليل هذه الصور يتبين أن ليس فيها سبب تحريم.

стр. 48

المحرمات مؤقتا: ١- زوجة الغير ومعتدته: يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأة هي زوجة غيره أو معتدته. فإذا كانت المرأة زوجيتها بغيره قائمة حقيقة بأن لم تقع بينهما فرقة بأي سبب، أو قائمة حكما بأن كانت في العدة بعد الفرقة فإنه يحرم عليه التزوج بها. لكن إذا انقطعت هذه الزوجية بتاتا بأن طلقت الزوجة أو مات عنها زوجها وانقضت عدتها فإن هذا التحريم يزول لزوال سببه. والدليل على هذا التحريم قوله تعالى في بيان المحرمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . والمراد هنا بالمحصنات المتزوجات فهن من المحرمات. وقوله تعالى في شأن المعتدة من وفاة: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ . أي: ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقضي العدة. وقوله سبحانه في شأن المطلقات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ينتظرن ولا يتزوجن. والحكمة في هذا منع الإنسان من الاعتداء على غيره بالتزوج من زوجته أو معتدته، وحفظ الأنساب من الاختلاط والضياع، ولهذا لم يفرق الشارع بين ما إذا كانت زوجة للغير بزواج صحيح، أو مدخولا بها بعد زواج فاسد، أو بناء على شبهة؛ لأنها في الحالات الثلاث فراش يثبت نسب ولدها من زوجها أو ممن دخل بها. وأما لو كانت المرأة حاملا من الزنى فإنها لم يقم بها سبب هذا التحريم؛ لأنها لا هي زوجة للغير ولا معتدته، فيحل التزوج بها لمن زنى بها ولغيره غير أنه إذا تزوجها من زنى بها لا يحرم عليه قربانها في الحال. وأما إذا تزوجها غير الزاني بها فإنه يحرم عليه أن يدخل بها قبل أن تضع حملها، لقوله ﷺ : $"لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره".

стр. 49

٢- الجمع بين محرمين: يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأتين محرمين، أي: تحرم إحداهما على الأخرى بأي سبب من أسباب التحريم، لو فرضت إحداهما رجلا. فلا يحل له أن يجمع بين الأختين ولا بين البنت وأمها أو عمتها أو خالتها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . ولقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". وذلك لأن العداوة بين الضرائر لا تخفى. فالمرأتان المحرمان لا يحل الجمع بينهما بالزواج لا حقيقة بأن يجعلهما معا في عصمته ولا حكما بأن يتزوج الثانية وما تزال الأولى في عدته؛ لأنها ما دامت في عدته فهي زوجته حكما، ولا فرق بين أن يكونا محرمين بسبب النسب أو بسبب الرضاع، فالأختان رضاعا كالأختين نسبا لا يحل الجمع بينهما؛ لأن الشارع لا يبيح ما يقطع الصلة ويفكك الروابط ويجعل ذوات القربى ضرائر. ولا بد أن تكون الحرمة بينهما ثابتة من الجانبين على معنى أن أية واحدة منهما لو فرضت رجلا حرمت عليه الأخرى, فلو كانت الحرمة من جانب واحد جاز الجمع بينهما، فيجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل؛ لأنه لو فرضت البنت رجلا ما جاز له أن يتزوج بامرأة أبيه ولكن لو فرضت المرأة رجلا جاز له التزوج بالبنت؛ لأنه لا صله بينهما بقرابة أو رضاع، فالحرمة من جانب واحد. ولهذا جاز الجمع١. ولو أقدم رجل على الجمع بين المحرمين وتزوج الأختين مثلا فإما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، فإن تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما، وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد فيجب الافتراق على المتعاقدين

стр. 50

وإلا فرق بينهما القضاء، وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر، وإن حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل أو الأقل من مهر المثل والمسمى. ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد. أما إذا كان بإحداهما مانع شرعي بأن كانت زوجة غير أو معتدته مثلا، والأخرى ليس بها مانع، فإن العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح, وبالنسبة للأخرى فاسد تجري عليه أحكامه. وإن تزوجهما بعقدين متعاقبين واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه وعلم أسبقهما فهو الصحيح واللاحق فاسد، وإن استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق. وإن لم يعلم أسبقهما أو علم ونسي كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنين يتبين أنهما أختان، ولا يعلم أسبق العقدين, أو علم ونسي فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد. ٣- الجمع بين أكثر من أربع زوجات: يحرم على المسلم أن يجمع في عصمته أكثر من زوجات أربع. فمن في عصمته أربع زوجات وعقد زواجه بخامسة, فإن زواجه بهذه الخامسة فاسد؛ لأنها محرمة عليه ما دام في عصمته أربع سواها، ولا فرق بين أن تكون الأربع في عصمته حقيقة بأن لم يطلق واحدة منهن, أو حكما بأن طلق إحداهن ولكنها ما زالت في عدته. والدليل على إباحة التزوج بأربع وتحريم ما زاد عليهن قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . وقوله ﷺ لمن أسلم وكانت له عشر نسوة في الجاهلية أسلمن معه: "أمسك أربعا وفارق سواهن".

стр. 51

والحكمة في إباحة تعدد الزوجات أمور: منها أن الرجل قد لا تحصن نفسه واحدة فصونا له من الزنا واتخاذ الخليلات أباح الله له التزوج بأكثر من واحدة، ولم يبح للمرأة أكثر من زوج لئلا تضيع الأولاد باختلاط الأنساب. ومنها أن عدد النساء في الغالب يزيد على عدد الرجال في أكثر الأمم، فإذا لم يبح للرجل إلا واحدة بقي عدد من النساء بلا عائل يقوم بشئؤنهن ومن غير زوج يحصن نفوسهن فيكن عرضة للسقوط. ومنها أن الغرض الأول من الزواج وهو التوالد والتناسل يكون أكثر تحققا بتعدد الزوجات. ومنها أن الزوج قد يجد زوجته عقيما ولا يرضى أن يفارقها لعقمها ولا يرضى أن يعيش محروما من نعمة الأبوة، فأباح الله له أن يتزوج معها أخرى للخلاص من هذا الحرج. ومما يعترض إباحة التعدد أنه يؤدي غالبا إلى فساد الأسر؛ لأن العداوة بين الضرائر لا تنقطع ولها أسوأ النتائج في حل الروابط بين أفراد الأسرة؛ ولأن أولاد الرجل الواحد من أمهات شتى ينشئون متعادين متباغضين؛ ولأن الرجل في الغالب لا يستطيع العدل بين الزوجات ولا القيام بشئونهن جميعا فتكثر الخصومات والمنازعات؛ ولأن شعور الزوجة بأن لزوجها هذا الحق يجعلها غالبا مطمئنة. ولكن الشارع رأى أن مضار إباحة التعدد أخف من مضار حظره، فاتقى أشد الضررين وأباح التعدد, وقيد هذه الإباحة بالقدرة على العدل بين الزوجات، فمن خاف أن لا يعدل بين المتعددات فلا تباح له إلا واحدة. وأن ما أباحه الشارع من التعدد مع تقيد العدد بقصره على أربع واشتراط القدرة على العدل بينهن هو وسط معتدل بين ما كانت عليه الجاهلية من إباحة التعدد إلى

стр. 52

غير حد. وما عليه بعض الأمم الآن من حظر التعدد مطلقا، فإن لكل من هذين الطرفين أضرارا لا تخفى على من ينظر بعين النصفة ويبتغي وجه الحق. ٤- المطلقة ثلاثا: من طلق زوجته ثلاث تطليقات فقد استنفد ما يملكه من عدد طلقاتها, وبانت منه بينونة كبرى، وصارت لا تحل له إلا إذا انقضت عدتها منه ثم تزوجها زوج آخر, وفارقها هذا الآخر بعد أن دخل بها وانقضت عدتها، فحينئذ يحل لمطلقها الأول أن يتزوجها ثانيا. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ . ثم قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ . وبينت السنة أن زواج الثاني لا يحلها للأول إلا بعد الدخول الحقيقي. والحكمة في هذا أن الزوج إذا علم أنه بإيقاع الطلقات الثلاث تحرم عليه زوجته حتى تتزوج غيره يتروى في إيقاع الطلاق, ولا يتسرع في الإقدام عليه فيكون حل العصمة على أساس التفكير وتدبر العواقب. وكذلك الزوجة إذا علمت أن وقوع الطلقات الثلاث عليها يحرمها على مطلقها ويضطرها إلى الزواج بغيره حملها ذلك على حس العشرةو واجتاب ما يؤدي إلى إيقاع طلاق عليها. وحكمة ثانية: أن الزوجة إذا عادت إلى مطلقها بعد أن تزوجت غيره تكون قد خبرت أخلاق الرجال وعادت إلى زوجها الأول بعد هذه التجربة بأخلاق غير الأولى فلا يعود الشقاق الذي كان قد استوجب وقوع تلك الطلقات. ٥- من لا تدين بدين سماوي: يحرم على المسلم أن يتزوج امرأة لا تدين بدين سماوي ولا تؤمن برسول ولا كتاب إلهي بأن تكون مشركة من الوثنيات اللاتي يعبدن الأصنام أو المجوسيات

стр. 53

اللاتي يعبدن النار أو الصابئات اللاتي يعبدن الكواكب. وإنما يباح للمسلم أن يتزوج مسلمة أو كتابية ممن تؤمن برسول وكتاب، كاليهودية التي تؤمن بموسى والتوراة والمسيحية التي تؤمن بعيسى والإنجيل. ولا يباح للمسلمة أن تتزوج إلا مسلما. أما الدليل عل أن المسلم لا يباح له زواج المشركة فهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ . وقوله -صلى الله عليه سلم- في شأن المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم". وأما الدليل على أن المسلم يباح له زواج المسلمة والكتابية فهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . وأما الدليل على أن المسلمة لا يباح لها أن تتزوج غير المسلم فهو قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ . والحكمة في هذه الأحكام أن أهم أغراض الزوجية من سكون أحد الزوجين للآخر واطمئنانه إليه, وتعاونهما وتبادلهما المودة والرحمة لا تتحقق غالبا إلا مع اتحاد الزوجين دينا؛ لأن اعتقادهما يكون واحد, وكذلك ما يجب عليهما وما يحرم وما يحل. ولكن لما كان المسلم والكتابية تجمعهما كلمة واحدة وهي كلمة التوحيد كان بينهما من التقارب ما يمكن أن تتحقق معه أغراض الزوجية. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .

стр. 54

فهذه الكلمة السواء بين المسلم وأهل الكتاب قاربت بينهم وأحلت زواج المسلم بالكتابية. ولا كذلك المسلم والمشركة، فإنهما لا تجمعهما كلمة وبينهما غاية البون وشدة الخلف, ولا تتحقق بينهما أغراض الزوجية فلهذا حرمت على المسلم المشركة. ولما كان للزوج سلطان على زوجته، وهي في الغالب عرضة؛ لأن تتأثر به وتتابعه في دينه حرم على المسلمة أن تتزوج غير مسلم حتى لا تكون عرضة لمفارقتها الإسلام بتأثير زوجها وسلطانه؛ لأن الدين لا يبيح للمتدين به ما يجعله عرضة للخروج منه. ٦- الأمة على الحرة: من في عصمته زوجة حرة يحرم عليه أن يتزوج معها زوجة غير حرة، لقوله ﷺ : "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة". والحكمة في هذا عدم امتهان كرامة الحرة بتزوج الرقيقة عليها, والتنويه بشرف الحرية. ولهذا التنويه جعل الله إباحة زواج الأمة مقيدة بما إذا لم يستطع زواج الحرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ . ولكن الطول على مذهب أبي حنيفة يتحقق بوجود الحرة في عصمته فعلا لا بمطلق القدرة المالية على زواج الحرة، فمن في عصمته حرة فهو مستطيع طولا زواج الحرائر فلا يحل له زواج الرقيقات.

стр. 55

الولاية على الزواج: من تثبت عليه هذه الولاية: قدمنا في شروط الزواج أن فاقد الأهلية وهو الصغير غير المميز والمجنون لا ينعقد زواجه بنفسه, وإنما الذي يزوجه وليه، وأن ناقص الأهلية وهو الصغير المميز والمعتوه المميز والرقيق المملوك لا ينفذ زواجه بنفسه, وإنما يتوقف على إذن وليه أو إجازته. فمن هذا يؤخذ أن فاقد الأهلية وناقصها تثبت لغيرهما عليهما ولاية التزويج وهي التي تسمى الولاية على النفس, فلمن له الولاية عليهما أن يزوجهما وينفذ عليها تزويجه جبرا عنهما. ولذا عرف الفقهاء الولاية بأنها تنفيذ القول على الغير جبرا عنه، وليس لواحد منهما الولاية على نفسه؛ لأن فقد أهليته أو نقصها سلبه ولايته على نفسه. والحكمة في هذا أن الزواج عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من حقوق وآثار. ووجه المصلحة فيه لا يدركها أصلا فاقد الأهلية، ولا يستقل بفهمها ناقصها. وقد تدعو الحاجة إلى زواج واحد منهما لجلب منفعة أو دفع مضرة، فدفعا لما قد يطرأ من هذه الحاجات، وتلافيا لما قد يلحق فاقد الأهلية أو ناقصها من مباشرته بنفسه زوجية لا مصلحة لهما فيها جعلت ولاية تزويجهما للولي عليهما ليقدر برأيه ونظره وشفقته ما فيه المصلحة ويباشر ما يراه خيرا لهما, وتقوم إرادته ورضاه مقام إرادة المولى عليه ورضاه. وبهذا يجمع بين دفع الحاجة وتلافي الضرر كما جعلت الولاية على مالهما للولي المالي تحقيقا لهذه الحكمة. من تثبت له هذه الولاية: أما الرقيق المملوك فولاية تزويجه لمالكه, سواء كان صغيرا أو كبيرا كامل العقل أو فاقده أو ناقصه؛ لأن رقه جعل لمالكه هذ الحق عليه وسلبه حق ولايته على نفسه.

стр. 56

وأما الحر الصغير مميزا كان أو غير مميز، والكبير الملحق به لجنون أو عته فولاية تزويج كل منهما لعصبته وسائر أقاربه، فإن لم يوجد له ولي مستوف شروط الولاية من عصبته وسائر أقاربه فولاية تزويجه للقاضي. ترتيب الأولياء في حق التزويج: وترتيب العصبة في الولاية كترتيبهم في الإرث، فيقدم من كان من جهة البنوة, أي: الابن وابن الابن وإن نزل، ثم من كان من جهة الأبوة أي: الأب وأبو الأب وإن علا، ثم من كان من جهة الأخوة أي: الأخ الشقيق والأخ لأب وابن كل منهما وإن نزل، ثم من كان من جهة العمومة أي: العم الشقيق والعم لأب وابن كل منهما وإن نزل، ويسمى هذا تقديما بالجهة. وبناء عليه إذا اجتمع للمعتوهة ابنها وأبوها, وكل منهما مستوف شروط الولاية, فالولاية لابنها لا لأبيها. وإذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة واستوفى كل منهم شروط الولاية قدم أقربهم درجة إلى المولى عليه فيقدم الابن على ابن الابن، والأب على الجد، والأخ على ابنه، والعم الشقيق على ابنه، والعم لأب على ابنه، ويسمى هذا تقديما بقرب الدرجة. وإذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة ودرجة واحدة قدم أقواهم قرابة بالمولى عليه فيقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ لأب، ويسمى هذا تقديما بقوة القرابة. أما إذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة ودرجة واحدة وفي قوة قرابة واحدة كابنين أو أخوين شقيقين واستوفى كل منهما شروط الولاية، فإن كل واحد منهما له ولاية التزويج؛ لأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر. وأي واحد منهما إذا انفرد بتزويج الصغير أو من في حكمه صح عقده.

стр. 57

وإذا لم يوجد له ولي عاصب من هؤلاء ولم يوجد له عاصب من طريق الولاء وهم المعتق وعصبته انتقلت الولاية إلى سائر أقاربه من أصحاب الفروض وذوي الأرحام، ويقدم منهم من كان من جهة الأصول عدا الجد غير الصحيح، أي: تقدم الأم وأم الأب وأم الأم، ثم من كان من جهة الفروع أي: البنت وبنت الابن وبنت البنت، ثم الجد غير الصحيح، ثم من كان من فروع الأبوين أي: الأخوات ثم أولادهن. ثم من كان من فروع الجدين أي: العمات والأعمام لأم. ثم الأخوال والخالات. وإذا اجتمع عدة من هؤلاء الأقارب من جهة واحدة يقدم أقربهم درجة فتقدم الأم على أم الأب والبنت على بنت الابن. وإن اتحدت جهتهم ودرجتهم يقدم أقواهم قرابة فتقدم أم الأب على أم الأم، وبنت الابن على بنت البنت؛ لأن من ينتسب بعاصب أقوى ممن لا ينتسب به. وإن لم يوجد مرجح كأختين شقيقتين ثبتت لكل منهما الولاية منفردة كما تقدم في العصبات. وإذا لم يوجد له ولي مستوف شروط الولاية لا من عصبته ولا من سائر أقاربه, فولاية تزويجه للقاضي، حسب الاختصاص المبين بالمادة ٢٨ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ونصها "الإذن بالخصومة في غير الأوقاف بجميع مقتضياته الشرعية من اختصاص رؤساء المحاكم والقضاء الجزئيين في دائرة اختصاصهم. وكذا تزويج من لا ولي له من الأيتام وغيرهم". وليس لأحد غير من ذكر ولاية التزويج ولا الوصي الذي أوصى إليه الأب بذلك؛ لأن الولاية لمن جعلها له الشرع لا غير. وهذا هو مذهب أبي حنيفة فيمن له ولاية التزويج. وهو الذي عليه العمل. ومذهب مالك أن ولاية التزويج للأب لا غير، ومذهب الشافعي أن ولاية التزويج للأب والجد الصحيح لا غير، ومذهب الصاحبين أن ولاية التزويج للعصبة

стр. 58

لا غير. فأوسع المذاهب فيمن لهم الولاية على النفس مذهب الإمام أبي حنيفة وأضيقها مذهب مالك. شروط الولي: يشترط في الولي أن يكون كامل الأهلية بالحرية والعقل والبلوغ؛ لأنه إن كان فاقد الأهلية أو ناقصها كان هو مشمولا بالولاية فلا تكون له ولاية على غيره؛ ولأنه لا يقدر المصلحة وينظر في وجوه النفع والضرر إلا بكمال أهليته. وأن يكون متحدا في الدين مع المولى عليه، فلو كان للصغيرة أخوان شقيقان أحدهما مسلم والآخر مسيحي، فلو كانت هي مسلمة فالولاية على تزويجها لأخيها المسلم، وإن كانت مسيحية فالولاية للمسيحي؛ لأنه باتحاد الدين تتحد وجهة النظر في تقدير المصلحة ولقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . غيبة الولي وعضله: بما أن الأولياء مرتبون في استحقاق الولاية حسب جهاتهم ودرجتهم وقوة قرابتهم كما بينا لا يكون للبعيد منهم ولاية مع وجود الأقرب منه المستوفي شروط الولاية، فما دام الأب مثلا حاضرا مستوفيا شروط الولاية لا يكون للأخ أو للعم ولاية التزويج، فإن باشر واحد منهما زواج الصغير ومن في حكمه بغير إذن الأب وتوكيله كان فضوليا وعقده موقوف على إجازة من له الولاية وهو الأب. أما إذا غاب الأقرب بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه فإن الولاية تنتقل إلى من يليه حتى لا تفوت المصلحة، وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على ما باشره من يليه؛ لأنه لغيبته اعتبر كالمعدوم وصارت الولاية حق من يليه. وأما إذا امتنع الأقرب من تزويج المولى عليه بغير عذر مقبول والزوج كفء والمهر مهر المثل فإنه في هذه الحال يعد عاضلا أي: ظالما ولا تنتقل الولاية إلى من يليه بل تنتقل إلى القاضي؛ لأن العضل ظلم وولاية رفع المظالم إلى القاضي.

стр. 59

فإذا كان امتناعه؛ لأن الزوج غير كفء أو المهر أقل من مهر المثل أو لوجود خاطب كفء آخر يفضل الثاني بمزايا. لا يعد في هذه الحال عاضلا ولا تنتقل الولاية عنه. فالفرق بين الغائب والعاضل أن غيبة الغائب أمر حسي مادي لا يقع اختلاف في تحققه فبمجرد تحققه يعتبر كالمعدوم وتنتقل الولاية إلى الحاضر من غير حاجة إلى رفع الأمر للقاضي. وأما عضل العاضل فهو أمر نظري تقديري وربما كان امتناعه الذي يعده الولي الذي يليه عضلا وظلما ليس في الحقيقة كذلك بل هو للمصلحة فيرفع الأمر إلى القاضي حتى إذا تبين أن الولي ظالم بامتناعه رفع الظلم وزوج بنفسه. أحكام تزويج الأولياء: لما كان الأولياء ليسوا سواء في وفور شفقتهم بالصغير ومن في حكمه وفي شدة حرصهم على مصلحته, اختلفت أحكام تزويجهم تبعا لاختلاف شفقتهم ودرجات حرصهم. فالأب وأبو الأب ومثله الابن وابن الابن بالنسبة للمجنونة أو المعتوهة أو المجنون أو المعتوه أوفر الأولياء شفقة وأشدهم حرصا على مصلحة المولى، فما دام لا يعرف بسوء الاختيار لفسقه واستهتاره وعدم مبالاته فتزويجه المولى عليه صحيح نافذ لازم، سواء كان الزوج كفئا أو غير كفء, وسواء كان المهر مهر المثل أو أقل أو أكثر بغبن فاحش أو يسير؛ لأنه لوفور شفقته وشدة حرصه لا بد أن يكون أمعن النظر واختار ما فيه المصلحة, وعوض المولى من الكفاءة والمهر ما هو أنفع له وأبقى. وإذا كان معروفا بسوء الاختيار وجب الاحتياط للمولى. فإن زوجه بكفء والمهر مهر المثل كان زواجه صحيحا نافذا لازما، وإن زوجه بغير كفء أو على مهر أقل أو أكثر من مهر المثل بغبن فاحش فزواجه غير صحيح؛ لأنه لسوء اختياره لا يوثق بأنه فوت الكفاءة أو مهر المثل إلى ما هو خير منه.

стр. 60

وغير الأب والجد والابن وابن الابن من العصبات وسائر الأقارب والقاضي إذا زوج واحد منهم المولى عليه بغير كفء أو بأقل أو أكثر من مهر المثل بغبن فاحش فزواجه غير صحيح، وإذا زوجه واحد منهم بكفء وبمهر المثل فالزواج صحيح نافذ, ولكنه غير لازم فللمولى عليه أن يختار فسخ الزواج عند بلوغه إذا بلغ عالما به أو عند علمه إذا بلغ غير عالم به؛ وذلك لأن هذا الفريق الثاني من الأولياء ليس كالفريق الأول في الجمع بين وفور الشفقة وكمال الرأي فلا بد أن تكون المصلحة في تزويجه ظاهرة بأن يكون الزوج كفئا والمهر مهر المثل، وإذا تحققت هذه المصلحة الظاهرة فلا بد من أن تتاح للصغير إذا بلغ فرصة يتلافى بها ما قد يكون لحقه من الضرر الخفي بتزويج أخيه أو أخته أو أمه أو القاضي فجعل له الخيار إذا بلغ فإن شاء أمضى الزواج وإن شاء طلب فسخه ولو بعد الدخول. والأصل في ذلك أنه لما زوج رسول الله أمامة بنت عمه حمزة بن عبد المطلب من سلمة بن أبي سلمة. قال ﷺ : "لها الخيار إذا بلغت". ومن اختار فسخ الزواج عند بلوغه أو عند علمه لا ينفسخ الزواج بمجرد اختياره بل لا بد أن يرفع دعوى يطلب فيها الحكم بفسخ الزواج بناء على أن الولي الذي زوجه غير أبيه وجده, وأنه لم يرض بهذا الزواج صراحة ولا دلالة. وقبل أن يصدر الحكم بفسخ الزواج فهو صحيح نافذ تترتب عليه آثاره من لزوم المهر والتوارث. أما إن رضي به حين بلوغه أو حين علمه صراحة أو دلالة فلا تسمع منه دعوى الفسخ. ومن الرضا دلالة سكوت البكر عن اختيار نفسها عند بلوغها عالمة بالزواج أو عند علمها به. وأما سكوت الثيب في هذه الحال فلا يعد رضا دلالة فلا بد أن ترضى بقول أو عمل كأن تقول رضيت أو تطلب النفقة أو المهر، ومثل الثيب في هذا

стр. 61

الغلام. وكذلك إذا اسؤذنت البكر من أقرب أقاربها في أن يزوجها فسكتت مختارة اعتبر سكوتها إذنا. ولا كذلك الثيب١. أما كامل الأهلية وهو الحر العاقل البالغ فهو ولي نفسه وليس لأحد ولاية تزويجه ولا جبره عليه. غير أنه إذا كان كامل الأهلية أنثى ولها ولي عاصب لا يكون تزويجها نفسها صحيحا نافذا لازما إلا إذا كان الزوج كفئا لها, والمهر مهر مثلها حتى لا يعير وليها العاصب بمصاهرة غير الكفء أو بنقصها عن مهر مثلها فهو في ابتداء العقد له حق في الكفاءة ومهر المثل. فإن زوجت نفسها بغير كفء وبغير رضاء وليها العاصب قبل الزواج فلا يصح العقد ولو رضي العاصب بعد ذلك؛ لأن رضاه لا يجعل غير الصحيح صحيحا٢. وإن زوجت نفسها بمهر أقل من مهر مثلها يصح العقد ولا يلزم، فللولي العاصب أن يطلب إتمام مهر المثل فإن أتمه الزوج لزم العقد وإن لم يتمه رفع الأمر إلى القاضي ليفسخه. وإن لم يكن لها ولي عاصب بأن كانت لا ولي لها أصلا أو لها ولي غير عاصب فلا حق لأحد في الاعتراض على عقدها سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء بمهر المثل أو أقل؛ لأن الأمر في هذه الحال خالص حقها. ولا يتوهمن أحد أن قانون تحديد سن الزواج الذي أشرنا إليه في شروط سماع الدعوى قانونا بالزواج سلب الأولياء حق الولاية على الصغير والصغيرة؛ لأن القانون المذكور إنما منع من سماع دعوى الزوجية قضاء من زوجين أحدهما أقل من السن

стр. 62

المحددة وقت الدعوى، ومنع المختص بتحرير عقود الزواج أن يباشر العقد إذا كانت سن أحد الزوجين أقل من السن المحددة وقت العقد, ولم يمنع الولي من حقه الذي جعله الشارع له. وإن كان ما نص عليه من عدم تسجيل عقد زواج الصغار وعدم سماع الدعوى منهم مقصودا به أن يمتنع الأولياء من تلقاء أنفسهم أن يزوجوا الصغار، فليست السن المحددة شرطا شرعيا لانعقاد الزواج أو صحته أو نفاذه, وإنما هي شرط لمباشرة الموظف المختص تسجيله ولسماع القضاة الدعوى به، وعقد الزواج متى تحققت أركانه وشرائطه الشرعية فهو عقد صحيح شرعا مهما تكن سن الزوجين أو أحدهما وتترتب عليه جميع الآثار الشرعية.

стр. 63

الوكالة بالزواج: من القواعد الفقهية المقررة أن من ملك تصرفا من التصرفات كان له أن يباشره بنفسه, وله أن يوكل عنه غيره بمباشرته، ومن لا يملك تصرفا من التصرفات فليس له أن يوكل به غيره؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وبما أن كامل الأهلية وهو الحر العاقل البالغ يملك تزويج نفسه، فله أن يوكل عنه من يقوم مقامه في تزويجه، وفاقد الأهلية أو ناقصها لا يملك تزويج نفسه, فليس له أن يوكل عنه من يزوجه. والولي على كل واحد منهما هو الذي له أن يزوجه فله أن يوكل من شاء بتزويجه. والتوكيل كما يكون شفويا يكون كتابيا، ولا يشترط لصحته حضور شاهدين وقت صدوره بل يتم بين الموكل والوكيل وحدهما كسائر العقود عدا الزواج. ولكن الأحسن الإشهاد عليه احتياطا خشية الجحود والنزاع. وليس للوكيل بالزواج أن يوكل غيره؛ لأنه يستمد ولايته من الموكل والموكل أعطاه وحده الولاية ورضي برأيه فقط. فإذا أعطاه الموكل حق توكيله غيره عنه بأن أذنه أن يوكل عنه في هذا التزويج من شاء، أوكله بصيغة التفويض بأن قال له: فوضت أمر زواجي إلى رأيك في كل ما تفعله، ففي هاتين الحالتين للوكيل أن يوكل غيره عنه. ومهمة الوكيل بالزواج هي مباشرة الصيغة فقط؛ لأنه سفير ومعبر، وبعد انتهاء الصيغة لا يطالب بأي حق من حقوق أحد الزوجين على الآخر، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا النفقة، ولا يطالب وكيل الزوجة بإدخالها في طاعة الزوج؛ لأن السفير لا يطالب بحقوق إلا إذا ضمن الوكيل والتزم بشيء من الحقوق فإنه يطالب بمقتضى التزامه وضمانه لا بمقتضى وكالته.

стр. 64

وإذا تصرف الوكيل في حدود وكالته, ولم يخالف فيما وكل فيه نفذ تصرفه على الموكل. أما إذا جاوز حدود وكالته وخالف فيما وكل فيه فإنه يعتبر فضوليا, ويتوقف نفاذ تصرفه على إجازة الموكل. بناء على هذا، إذا قال الموكل للوكيل: زوجني، أو زوجني أية امرأة، فزوجه ينفذ زواجه على الموكل سواء كانت الزوجة سليمة من العيوب أو معيبة بأي عيب، وسواء كانت تكافئه أو لا تكافئه؛ لأن التوكيل مطلق فيدخل في حدوده تزويج أية امرأة تحل للموكل -ولا يخرج عنه إلا تزويج من يمنع مانع شرعي من زواجها به؛ لأن خلو المرأة من الموانع الشرعية قيد ملحوظ للموكل معنى وإن لم يصرح به لفظا- ويخرج عنه أيضا بنت الوكيل الصغيرة وأية صغيرة في ولايته للتهمة، فلو زوجه الوكيل موليته توقف على إجازة الموكل؛ لأنها لما اعتبرت خارجة عن حدود وكالته اعتبر فضوليا فيتوقف تزويجه. وكذلك لو كان الوكيل بالزواج امرأة فزوجت موكلها من نفسها بمقتضى توكيله المطلق لها لا ينفذ الزواج عليه بل يتوقف على إجازته للتهمة. ولأنه لو كان مراده أن يتزوجها هي لقال لها زوجيني نفسك فالظاهر أنه يريد غيرها، وهذا هو مذهب الإمام، فمقتضى الإطلاق في التوكيل عنده أن ينفذ على الموكل تزويج وكيله إياه من أية امرأة تحل له شرعا، سواء كانت المرأة تكافئه أو لا تكافئه، وسواء كانت معيبة أو سليمة، وسواء سمي لها مهر مثلها أو أكثر منه بغبن فاحش أو يسير؛ لأن الإطلاق بالنسبة للزوجة والمهر يقتضي هذا, ولو كان للموكل إرادة معينة بالنسبة لأحدهما لقيد بها وكيله، ولا يخرج عن هذا الإطلاق إلا تزويج الوكيل موكله من بنته أو أية أنثى في ولايته، وتزويج الوكيلة موكلها من نفسها للتهمة في الصورتين. ومواضع التهمة مستثناة معنى وإن لم يصرح باستثنائها لفظا. وقال صاحباه: التوكيل المطلق يتقيد بالمتعارف، والمتعارف أن يحتاج الموكل إلى الاستعانة بوكيل في أن يزوجه ممن تحل له وتكافئه بغير غبن فاحش عليه

стр. 65

في تسمية مهرها؛ لأن هذا هو الذي قد يعجز المرء عن أن يهتدي إليه بنفسه ويحتاج فيه إلى معونة غيره، وأما الزواج من أية امرأة بأي مهر فلا يعجز عنه أحد ولا يقصد إلى الاستعانة عليه بويل. فعندهما كما يخرج عن حدود الوكالة المطلقة الزواج الذي فيه تهمة الوكيل يخرج عنه أيضا تزويجه الموكل ممن لا تكافئه، وتزويجه ممن تكافئه بأكثر من مهر مثلها بغبن فاحش، فيكون العقد في هذه الحالات الثلاث موقوفا على إجازة الموكل. وقول الصاحبين هو الراجح وعليه العمل؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا. وأما إذا لم يطلق الموكل لوكيله بل قيده بزوجية معينة فإنه يتقيد بما قيد به ويكون فضوليا فيما عداه، فلو قيده بزوجة معينة بأن قال له: وكلتك في أن تزوجني فلانة فزوجه غيرها, توقف على إجازته. ولو قيده بمهر بأن قال له: وكلتك في أن تزوجني على مهر لا يزيد على مائة جنيه فزوجه على مهر قدره مائة وخمسون توقف أيضا على إجازته ولو التزم الوكيل بدفع الخمسين الزائدة من ماله؛ لأن صاحب المروءة يأبى أن يعير بمنة غيره عليه وخاصة في مهر الزواج. ولو قيده بأن يزوجه واحدة فزوجه باثنتين، فإن كان هذا في عقد واحد بأن قال الوكيل لاثنتين زوجتكما موكلي، فقالت كل منهما: قبلت توقف على إجازته. وإن زوجهما إياه في عقدين نفذ أولهما على الموكل؛ لأنه بمقتضى الوكالة وتوقف الثاني على إجازته لخروجه عن حدود الوكالة لانتهاء مهمة الوكيل بنفاذ العقد الأول. هذه أحكام توكيل الرجل غيره في أن يزوجه. وأما إذا وكلت المرأة غيرها في أن يزوجها. فإن كان التوكيل مطلقا بأن قالت لرجل: وكلتك في أن تزوجني ولم تقيده بزوج ولا مهر يخرج عن حدود هذه الوكالة المطلقة الزواج الذي فيه تهمة الوكيل، فلو زوجها من نفسه أو أصله أو فرعه لا ينفذ عليها بل يتوقف على إجازتها لاستثناء مواضع التهمة من الإطلاق؛ ولأنها لو أرادته هو زوجا لها لتزوجته بدل أن توكله. ويخرج عن حدودها أيضا بالاتفاق بين

стр. 66

الإمام وصاحبيه تزويجها من غير كفء لها؛ لأن كفاءة الزوج لزوجته وقت العقد شرط لصحته اتفاقا فالتقييد بالكفء ملحوظ في الوكالة معنى, وإن لم يصرح به لفظا، فلو زوجها الوكيل من غير كفء لها لا يصح العقد ولا تلحقه إجازة؛ لأن الإجازة لا تلحق الفاسد. ويخرج عنها أيضا تزويجها من كفء لها بأقل من مهر مثلها بغبن فاحش، فلو زوجها كذلك يكون موقوفا على إجازتها وإجازة وليها. فعلى هذا يكون تزويج وكيلها إياها نافذا عليها إذا زوجها من أجنبي عنه يكون كفئا لها على مهر مثلها أو أقل منه بغبن يسير. لأن هذا هو الذي يدخل في حدود وكالته المطلقة. ويكون فاسدا إذا زوجها من غير كفء لها. ويكون موقوفا على إجازتها إذا زوجها من نفسه أو أصله أو فرعه. ويكون موقوفا على إجازتها وإجازة وليها العاصب إذا زوجها بأقل من مهر مثلها بغبن فاحش. وأما إذا كان توكيلها غيرها في تزويجها مقيدا غير مطلق فإن الوكيل يتقيد بما قيدته به ويكون فضوليا فيما عداه شأن كل توكيل مقيد.

стр. 67

الكفاءة في الزواج: الكفاءة شرعا مساواة الزوج زوجته في المنزلة بحيث لا تكون الزوجة ولا أولياؤها عرضة للتعيير بهذه المصاهرة حسب العرف. وقد خص الفقهاء أمورا ستة, اعتبروا أن الكفاءة تتحقق بتحقق المساواة فيها، وأن عدم المساواة فيها أو في أحدها مفوت للكفاءة، وهي التي جمعها بعضهم في قوله: نسب وإسلام كذلك حرفة ... حرية وديانة مال فقط ولنبين معنى التكافؤ في كل أمر من هذه الأمور الستة: ١- النسب: إذا كانت الزوجة نسيبة، أي: معروفا لها نسب متصل بأصل معلوم لا يكون كفئا لها إلا نسيب مثلها متصل نسبه بأصل معلوم، وشرف العلم فوق شرف النسب، فالعالم غير النسيب كفء لأية نسيبة مهما شرف نسبها. وهذا التكافؤ في النسب خاص بما إذا كان الزوجان من العرب؛ لأنهم هم الذين حفظوا أنسابهم وجعلوها من مفاخرهم وأسباب هجوهم ومدحهم، فالعربية وهي هي التي يعرف اتصال نسبها بقبيلة من قبائل العرب لا يكون كفئا لها غير العربي وهو من لا يعرف اتصال نسبه بقبيلة من القبائل، وليس العرب كلهم متكافئين فقريش بعضهم أكفاء لبعض, أي: إن القرشية لا يكافئها إلا قرشي، وسائر العرب بعضهم أكفاء لبعض أي: إن العربية من غير قريش يكافئها أي: عربي وإن اختلفت القبائل فالقرشي كفء لأية عربية، وغير القرشي من العرب كفء لغير القرشية منهم.

стр. 68

وأما غير العرب فلأنهم لم يحفظوا أنسابهم ولم يعتدوه من مفاخرهم لا يعتبر بين الزوجين منهم التكافؤ في النسب١. ٢- الإسلام: إذا كانت الزوجة مسلمة لها أب وأجداد مسلمون لا يكافئها المسلم الذي ليس له في الإسلام أب ولا جد، ومن لها أب واحد في الإسلام يكافئها من له أب واحد فيه، ومن له أب وجد في الإسلام فهو كفء لمن لها أب وأجداد؛ لأن تعريف المرء يتم بأبيه وجده فلا يلتفت إلى ما زاد. وهذا التكافؤ في إسلام الأصول إنما يعتبر في غير العرب. أما العرب فلا يعتبر فيهم، فالعربي المسلم الذي ليس له أب في الإسلام كفء للعربية المسلمة التي لها أب وأجداد مسلمون؛ لأن العرب اكتفوا في التفاخر بأنسابهم ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم. أما غيرهم فيتفاخرون به. ٣- الحرفة: إذا كانت الزوجة بنت صاحب حرفة شريفة لا يكون كفئا لها صاحب الحرفة الدنيئة. والمعتبر في شرف الحرفة ودناءتها هو العرف، ولذا قال صاحب الفتح، فيكون الحائك كفئا للعطار بالأسكندرية لما هناك من حسن اعتبارها وعدم عدها نقصا ألبتة، وإذا تقاربت الحرف فلا عبرة بالتفاوت فيها، وهذا التكافؤ في الحرف معتبر في كل من يحترف من العرب وغيرهم. ٤- الحرية: إذا كانت الزوجة حرة لا يكون الرقيق كفئا لها, وإذا كانت حرة الأصل لا يكون المعتق كفئا لها, ومن لها أب وجد في الحرية لا يكافئها من له أب فقط، ومن لها أب وأجداد في الحرية يكافئها من له أب وجد فقط، كما قيل في إسلام الأصول، والحكمة في هذا أن الرق منقصة والأحرار يعيرون بمصاهرة الأرقاء.

стр. 69

ولما كان العرب لا يسترقون؛ لأنه لا يقبل منهم إلا أن يسلموا أو يقتلوا كان التكافؤ في الحرية معتبرا في غيرهم فقط؛ لأنهم لا رق فيهم. ٥- الديانة: المراد بها الصلاح والاستقامة، فإذا كانت الزوجة من بنات الأتقياء ذوي الاستقامة لا يكون الفاسق كفئا لها؛ لأنهم لتقواهم واستقامتهم يرون مصاهرة الفاسق عارا لهم، فلا يكون الفاسق كفئا لصالحة بنت صالح وإنما يكون كفئا لفاسقة بنت فاسق أو بنت صالح وهذا رأي الشيخين. وقال محمد: لا عبرة بالديانة والصلاح في الكفاءة؛ لأن الصلاح من أمور الآخرة التي بين المرء وربه, والكفاءة من الأحكام الدنيوية التي ترجع إلى علاقة الناس في الدنيا بعضهم ببعض، وكم من فاسق له بين الناس منزلة واعتبار ولا يعير أي تقي بمصاهرته، لكن إذا كان الفاسق وصل به فسقه إلى أن صار سخرية بين الناس يصفع ويضحك منه فهذا هو العار كله ولا يكون كفئا. ٦- المال: ليس المراد بالتكافؤ بين الزوجين في المال أن يتساويا في الغنى ودرجة اليسار وإنما المراد أن يكون الزوج قادرا على مقدم صداقها والإنفاق عليها شهرا، فمن كان قادرا على ذلك يعتبر كفئا لها ماليا, ولو كانت ثروتها وثروة أبيها أضعاف ماله. أما من كان غير قادر على ذلك فهو ليس كفئا لها ماليا، وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى؛ لأن الغنى لا ثبات له, والمال غاد ورائح فلا اعتبار في الكفاءة لكثرته وقلته، وقال الطرفان: إنما تتحقق الكفاءة في المال بعدم التفاوت البين بينهما في الغنى واليسار حتى إن الفائقة في اليسار لا يكافئها من لا يقدر إلا على المهر والنفقة الواجبة؛ لأن الناس يتفاخرون بغنى الصهر ويعيرون بفقره. من له الحق في الكفاءة: قدمنا في مبحث الولاية على الزواج أن الحرة العاقلة البالغة إذا زوجت نفسها من غير كفء لها بغير رضا وليها العاصب قبل الزواج فزواجها غير صحيح مراعاة لحق وليها، وأن الولي -ما عدا الأب الذي

стр. 70

لم يعرف بسوء الاختيار- إذا زوج موليته من غير كفء فتزويجه غير صحيح مراعاة لحق موليته. فيؤخذ من هذا أن الكفاءة حق للزوجة وللولي معا, وأن رضا أحدهما بتفويت حقه لا يفوت على الآخر حقه١. وبناء على هذا إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من رجل ولم تبحث في أمره حتى تعلم أنه كفء لها أو غير كفء, ثم تبين أنه غير كف فليس لها طلب فسخ هذ الزواج لعدم الكفاءة؛ لأنها أسقطت حقها بتقصيرها في البحث فكأنها رضيت به على أي حال. ولكن أولياءها لم يسقطوا حقهم فلهم طلب الفسخ؛ لأن الكفاءة حق الاثنين وإسقاط أحدهما حقه لا يؤثر في حق الآخر. وأما زوجها وليها بعلمها وإذنها وبرضاها رجلا من غير بحث في كفاءته أو عدمها, ثم تبين أنه غير كفء فليس للأولياء ولا للزوجة حق طلب الفسخ؛ لأنهم جميعا بتقصيرهم أسقطوا حقهم وكأنهم رضوا به على أي حال. ولكن إذا شرطت في العقد كفاءة الزوج ثم تبين أنه غير كفء، أو حصل تغرير من الزوج بأن زعم أنه كفء فإذا هو غير كفء لم يسقط حقهما في الحالين؛ لأنه مع الاشتراط أو تغرير الزوج لم يحصل تقصير ولا يعتبر واحد من الزوجة أو وليها مسقطا حقه؛ لأنه ما حصل رضا بزواجه إلا على أنه كفء. وإذا اختلفت مرتبة الأولياء فالكفاءة حق أقربهم، فإذا رضي الأقرب بغير الكفء فلا حق للبعيد في الاعتراض وطلب الفسخ، وإذا استووا في الدرجة كأخوة

стр. 71

أشقاء فهي حق لكل واحد منهم لا يتجزأ، فإذا رضي أحدهم بغير الكفء فقد سقط حقهم واعتبر رضاه رضا منهم فليس لأحدهم الاعتراض وطلب الفسخ. فيمن تعتبر الكفاءة: الكفاءة تعتبر من جانب الزوج فقط, أي: إنها تتحقق إذا لم يكن الزوج دون زوجته في أمر من أمورها. أما إذا كانت الزوجة دون زوجها في تلك الأمور أو بعضها فهذا لا ينفي الكفاءة المطلوبة شرعا ولا يمنع التزوج بها؛ لأن العادة جرت بأن الزوجة الشريفة تعير هي وأولياؤها بأن يكون زوجها القوام عليها المنسوب إليه أولادها خسيسا. أما الزوج الشريف فلا يعير بأن تكون زوجته خسيسة، وكم ملوك وخلفاء كانت زوجاتهم من الإماء. ولا تعتبر الكفاءة من جانب الزوجة إلا في حالتين: "الأولى" فيما إذا وكل الرجل عنه من يزوجه امرأة غير معينة فإنه يشترط لنفاذ تزويج الوكيل على الموكل أن يزوجه ممن تكافئه على قول الصاحبين وهو الراجح عملا بتقييد العرف. "الثانية" فيما إذا كان الولي الذي يزوج الصغير غير الأب الذي لم يعرف بسوء الاختيار فإنه يشترط لصحة تزويجه أن تكون الزوجة كفئا له احتياطا لمصلحة الصغير. متى تعتبر الكفاءة: إنما تعتبر الكفاءة في ابتداء العقد على معنى أنه متى كانت أمور الكفاءة محققة وقت العقد فلا يضر فقد شيء منها بعد، فلو كان الزوج صاحب حرفة شريفة ثم صار إلى حرفة دنيئة أو كان قادرا ماليا ثم أعسر فلا أثر لهذا في صحة العقد؛ لأنه لو شرط بقاء الحال على ما كانت عليه وقت العقد لنال الناس من هذا حرج؛ لأنه دوام الحال من المحال. وبعض الأئمة لا يعتبر الكفاءة مطلقا؛ لأن الناس سواء وقد قال ﷺ : "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إنما الفضل بالتقوى". وقال: "يا بني هاشم لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فكل مسلم كفء لأية امرأة مهما كان أصلها.

стр. 72

حقوق الزوجة على زوجها مدخل ... حقوق الزوجة على زوجها: إذا تم عقد الزواج يستحق شرعا كل واحد من الزوجين على الآخر حقوقا، ويجب على كل منهما أن يوفي صاحبه حقه. فالزوجة تستحق على زوجها حقوقا مالية وهي المهر، والنفقة، وحقوقا غير مالية وهي أن لا يلحق بها ضررا، وأن يعدل بينها وبين ضرائرها إن تعددت الزوجات. والزوج يستحق على زوجته حق طاعتها له، وولاية تأديبها بالمعروف. وكل منهما يستحق على الآخر حق الإرث، وحرمة المصاهرة، وحل الاستمتاع، وحسن المعاشرة. وقبل تفصيل الأحكام الشرعية لهذه الحقوق نبين بالإجمال الحكمة في أن الزوجة استحقت على الزوج حقوقا مالية، وهو لم يستحق عليها أي حق مالي؛ ذلك لأن الزوج وظيفته في الحياة السعي للرزق والعمل لكسب ما يسد به حاجات المعيشة، فهو قادر على أداء الحقوق المالية واحتمال أعبائها، وأما الزوجة فالشأن فيها أن تكون وظيفتها منزلية وأن تكون مشغولة بحق زوجها وأولادها عن كسب المال والمشاركة فيما تتطلبه الحياة الزوجية من مطالب مالية، فليس من العدل وهذا شأنها أن تكلف حقوقا مالية. ومن جهة أخرى الزوجة مقصورة على زوجها ومحتبسة لأجل حقه وصيانة نسب أولاده من الاختلاط بغيره، وكل من احتبس لغيره وجبت مئونته على من احتبس له. وبعض الأمم تسير على نظام يقضي بتكليف المخطوبة أن تدفع مبلغا من المال لخاطبها حسب حالهما وميسرتهما، وكثير من الباحثين من نقدوا هذا النظام ورأوا أنه قد يكون عقبة في سبيل الزواج ووسيلة إلى زلل بعض الفتيات الفقيرات اللاتي يدفعهن الحرص على الزواج إلى الحصول على المال، وقد تكون وسائل الحصول عليه مما تهوي بهن. وبعض القوانين الأوروبية يوجب على الزوجة إذا كان لها مال أن تساهم بثلث إيرادها في نفقات الأسرة، وهذا لا يتفق والمبدأ العادل الذي يقضي بأن من احتبس لحق غيره ومنفعته تكون نفقته على من احتبس له. وهذا تفصيل الأحكام الشرعية لحقوق الزوجة على زوجها.

стр. 73

١- المهر: تعريفه وسبب وجوبه: المهر هو الحق المالي الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها، أو الدخول بها. ويسمى الصداق، والفريضة، والأجر، والعُقر، والنِّحْلة. ويثبت وجوبه على الزوج بأحد سببين: إما بمجرد العقد على الزوجة، أو بالدخول الحقيقي بها، فإذا تم عقد الزواج صحيحا شرعا وجب المهر على الزوج بمجرد تمام العقد ولو لم يعقبه دخول بها, بحيث لو مات أحد الزوجين بعد العقد وقبل الدخول كان المهر حقا للزوجة أو لورثتها. وأما إذا كان عقد الزواج فاسدا شرعا كأن عقد بغير حضور شهود فلا يجب على الزوج المهر بمجرد هذا العقد الفاسد، وإنما يجب إذا أعقبه دخول الزوج حقيقة بمن عقد عليها بحيث لو مات أحد الزوجين بزواج فاسد بعد العقد وقبل الدخول أو افتراقا من تلقاء أنفسهما أو بتفريق القضاء قبل الدخول فلا يجيب على الزوج مهر. دليل وجوبه: والدليل على وجوب المهر في عقد الزواج قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ . وقوله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ

стр. 74

بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ . فالله أمر بإيتائهن مهورهن وسمى المهر فريضة, فدل على وجوب المهر في الزواج, وأنه لا زواج بلا مهر. مقداره: أقل المهر شرعا عشرة دراهم فضة تزن سبعة مثاقيل أو ما قيمته ذلك من أي مال، وقد كان وزن الدراهم الفضة في صدر الإسلام مختلفا، فمنها عشرة دراهم تزن عشرة مثاقيل، ومنها عشرة تزن ستة مثاقيل، ومنها عشرة تزن خمسة مثاقيل، وكان هذا الاختلاف يؤدي إلى النزاع بين أرباب المال وجباة الضرائب فاختار عمر بن الخطاب في خلافته المتوسط من هذ الأوزان وهو العشرة الدراهم التي تزن سبعة مثاقيل وصار هو المعتبر في كل نصاب شرعي مقدر بالدراهم، وهذه الدراهم العشرة تساوي بالنقود المصرية خمسة وعشرين قرشا صاغا. ولا حد لأكثره، فللمتعاقدين أن يزيدا عن العشرة إلى ما شاءا. أما الدليل على تحديد نهايته الصغرى بعشرة دراهم فهو الحديث: "ولا مهر أقل من عشرة دراهم" ١، وأما الدليل على أنه لا حد لأكثره؛ فلأنه لم يرد نص بتحديد نهايته الكبرى ولا تحديد إلا بنص، ولذا روي أن عمر ﵁ قال في خطبه له: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت له امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. ما يصح أن يكون مهرا: ولا يلزم أن يكون المهر دراهم مضروبة ولا أن يكون من الذهب أو الفضة بل يصح شرعا أن يكون المهر من الذهب أو الفضة المضروبين وغير المضروبين, ومن كل شيء معلوم له قيمة مالية من عقار أو منقول مكيل أو موزون أو حيوان، ومن منافع الأعيان التي يستحق في مقابلها

стр. 75

المال كسكنى المنزل أو زراعة الأرض، فكل مال معلوم متقوم قيمته عشرة دراهم فضة فأكثر سواء أكان نقدا أم عينا أم منفعة يصح شرعا أن يسمى مهرا. والمعتبر أن تكون قيمته عشرة دراهم وقت العقد حتى لو كان المسمى قيمته عشرة وقت العقد, ثم نقصت قيمته عنها عند التسليم ليس لها المطالبة بالنقص، ولو كانت قيمته وقت العقد أقل فلها المسمى وما يكمل العشرة. تعجيله وتأجيله: ولا يلزم أن يكون حالا بل يصح أن يكون حالا وأن يكون مؤجلا كله أو بعضه إلى أي أجل يتفق عليه العاقدان أو إلى عدة آجال يدفع عند كل أجل قسط منه حسب عرف البلاد فيما يعجل وفيما يؤجل. والمتعارف في القاهرة تعجيل الثلثين وتأجيل الثلث إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق، وفي بعض البلاد المصرية تعورف تعجيل النصف وتأجيل النصف إلى أحد الأجلين، فإن اتفق العاقدان على المعجل والمؤجل عمل باتفاقهما، وإن لم يتفقا عمل بما يقضي به عرفهما؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا. من له الحق في المهر: المهر في ابتداء العقد يتعلق به حقان حق الشرع، وحق الزوجة وأوليائها؛ لأن الشرع جعل المهر حكما وأثرا مترتبا حتما على الزواج بحيث لا يكون إلا بمهر، ولذا سماه الله فريضة في قوله: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ، ولا يكون بمهر أقل من عشرة دراهم للحديث: "ولا مهر أقل من عشرة دراهم" فوجوب مهر لا يقل عن عشرة دراهم هذا حق الشرع، ولذا لا تملك الزوجة ولا أولياؤها نفي وجوب المهر أصلا ولا نقص مقداره عن عشرة دراهم؛ لأن المهر إلى عشرة حق الشرع، والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره. وإبلاغ المهر إلى مقدار مهر المثل حق للزوجة وأوليائها، ولذا لو زوجت المكلفة نفسها بأقل من مهر مثلها بغير رضا وليها العاصب كان لوليها طلب الفسخ؛ لأنها برضاها أسقطت حقها هي ولكن بقي للولي حقه، ولو زوج الصغيرة الولي غير الأب
следующие страницы →