← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تحت السيف يحكم كونه مسلما فإن هذا إكراه بحق فلم يغير الحكم. اتفقت الطرق على هذا مع ما فيه من الغموض من طريق المعنى؛ فإن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عن الضمير منزلة الإقرار، والظاهر من المحمول عليهما أنه كاذب في إخباره. انتهى. وقد حكاه عن الرافعي إلا أنه أسقط قوله: في إخباره. وليس بجيد؛ لأن الكذب عدم المطابقة لما في نفس الأمر١. وقائل الشهادتين مطابقتين، فلا يقال: إنه كاذب؛ نعم هو كاذب في إخباره أن ضميره مشتمل على الاعتقاد، فقد تبين أن قول الإمام: في إخباره قيد لا بد منه حذفه الرافعي ظنا منه أنه لا حاجة إليه فورد ما لا قبل له به. واعترضه ابن الرفعة بأن هذه نزعة أسامة بن زيد قد أجاب النبي ﷺ عنها٢ وكيف لا يكون ونحن نؤاخذ المقر للعبادة بما يغلب على الظن كذبه [فيما] ٣ إذا احتمل الصدق على بعد، وحق الله أولى بذلك، نعم هو إذا كان في نفس الأمر بخلاف ذلك لا يحصل له الفوز في [الدار] الآخرة. انتهى. قلت: الإمام لا يخفى عليه نزعة أسامة. ولم يرد التشكيك على قبول إسلامه بل ذكر أن قبول إسلامه شرعا غامض من حيث المعنى، ولذلك قال: من حيث المعنى ولم

стр. 37

يقل من حيث الحكم، والحاصل أن هذا عنده مما حكم فيه بخلاف الظاهر، وأنه أمر بعدي غير معقول المعنى. فطريقة جوابه أن يبين أن هذا جارٍ على وفق الأقيسة الواضحة المعاني، لا أن يقال له: هذه نزعة أسامة، فإنه لا ينكر ذلك، بل نقول: ومن ثم لم يوجب رسول الله ﷺ على أسامة قودا ولا دية. إنما ذلك –والله أعلم- حيث كان [أقدم] ١ عن اجتهاده ساعده المعنى، ولكن بين رسول الله ﷺ أنه حكم الله أن من قالها فقد عصم دمه وماله، وقال: "هل شققت عن قلبه" ٢ إشارة إلى نكتة الجواب. والمعنى –والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ أن هذا الظاهر مضمحل بالنسبة إلى أن القلب لا يطلع على ما فيه إلا خالقه، ولعل هذا أسلم حقيقة وإن كانت تحت السيف ولا يمكن دفع هذا الاحتمال. وفي الحديث الصحيح٣: "عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل"، وفي لفظ: "يقادون إلى الجنة في السلاسل" ٤. قيل: أراد بالجنة الإسلام وبالقوم الأسرى يكرهون على الإسلام٥، فجعل

стр. 38

الشهادتين مناطا بدار الحكم عليهما فحيث وجدا حكم بمضمونهما بالنسبة إلى الظاهر وأمر الباطن إلى الله تعالى. ومن هنا يوجد جواب عن الإمام فنقول: استغماضه من حيث المعنى قبول إسلام المكره؛ لكونه حكما بخلاف الظاهر، يوضحه أن الإقدام على قتله من تلفظه بالشهادتين واحتمال أنه صادق فيما أخبر به عن ضميره ارتكاب ما لعله يكون ظلما له، والكف عن القتل أولى من الإقدام عليه. ويوضح هذا أن الشارع لا مقصد له في إزهاق الأرواح وإنما المقصد الهداية والإرشاد فإن تعذرت بكل سبيل، تعين زهوق الروح طريقا لزوال مفسدة [الكفر] ١ من الوجود، ومع التلفظ بكلمة الحق لم تتعذر الهداية بكل طريق، بل حصل عز الإسلام بانقياد المتلفظ بها ظاهرا، ويرجى مع ذلك أن تكون الهداية حصلت وبتقدير أن تكون حصلت فقد يحصل في المستقبل فمادة الفساد الناشئ عن كلمة الكفر قد زالت بانقياد ظاهر ولم يبق إلا الباطن وهو مشكوك أو مرجو مآلا، إن لم يكن مرجوا حالا، فقد لاح من حيث المعنى وجه قبول الإسلام –والله الحمد- وأنه على وفق الأقيسة ومنهاج لمحاسن الشريعة، لا يدفعه منقول ولا معقول. فإن قلت -على تقدير ما قاله الإمام من كونه غير معقول المعنى: فما فائدة بحث الإمام عن ذلك. قلت: خطر لي أنه يحال تخريج إسلام الذمي مكرها عليه ويتوصل منه إلى ترجيح أنه لا يصح؛ وذلك لأنه يقول إذا قلنا بالصحة في الحربي فهي غير معقولة المعنى، فلا يقاس عليها الذمي؛ لأن القياس إنما يكون حيث يعقل معنى. ويدل لهذا أنه ذكر مسألة الذمي عقبها، فقال: ولو أكره ذمي على الإسلام فأسلم فقد ذكر أصحابنا وجهين في أنَّا هل نحكم بإسلامه، والمصير إلى الحكم بإسلامه بعيد مع إن إكراهه عليه غير شائع، فلئن استمر ما ذكرناه في إكراه الحربي من جهة أنه إكراهٌ بحق فلا ثبات لهذا المسلك والمكره ذمي والإكراه ممنوع. انتهى. وتقريره أن يقال: صحة إسلام الحربي بالإكراه إما غير معقولة المعنى. فلا يلحق

стр. 39

بها الذمي. وإما معقولة المعنى، وهي أنه إكراه بحق، فلا يلحق الذمي أيضا؛ لأنه لم يكره بحق، وإنما أكره على حق. نعم؛ إن جعل المعنى أنه أكره على حق صلح إسلام الذمي وهو وجه ضعيف ومنها: لو قال: لزيد علي أكثر مما لفلان، قبل تفسيره بأقل متمول وإن كثر مال فلان؛ لاحتمال أنه أراد بالأكثرية الحل أو نحوه. فصل: استثنى ابن القاص من قولهم: اليقين لا يرفع بالشك إحدى عشرة مسألة١: الأولى: إذا شك المقيم هل تم يوم وليلة لم يجز له المسح. الثانية: إذا شك المسافر هل مسح وهو مقيم أو بعد السفر لم يمسح إلا مسح مقيم. الثالثة: مسافر أحرم خلف رجل لا يدري أمسافر هو أم مقيم لم يقصر. الرابعة: ظبي بال في ماء فوُجد متغيرا فهو نجس. الخامسة: المستحاضة عليها الصلاة والاغتسال في كل يوم شكت هل هو يوم انقطاع الدم. السادسة: إذا علم نجاسة ما أصابت ثوبه أو بدنه إلا موضعها وجب غسله كله. السابعة: شك المسافر. هل نوى الإقامة لم يترخص. الثامنة: المستحاضة والسلس توضآ ثم شكَّا هل انقطع ثم صليا لم يجزهما. العاشرة: طلب الماء في سفره فلم يجده فتيمم ثم أبصر شيئا يحتمل كونه ماء بطل تيممه. الحادية عشرة: رمى إلى صيد فجرحه ثم غاب فوجده ميتا وشك هل أصابته رمية أخرى من حجر أو غيره لم يجز أكله٢.

стр. 40

وزاد الإمام على ابن القاص: إذا شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها وفي وجه أو فيها. وجمع النووي هذه الصور في تحقيق المذهب. وزاد ثالثة عشرة ورابعة عشرة وهما: إذا شك في نقص وضوء أو صلاة بعد الفراغ، كمن شك هل مسح رأسه وهل صلى الظهر ثلاثا أو أربعا، فإنه لا أثر لهذا الشك١. والظاهر الأرجح مضي الوضوء والصلاة على الصحة. واعترض القفال وغيره على ابن القاص، وقالوا: لم يعمل بالشك في شيء من ذلك بل بأصول أُخر، الظن المستفاد منها أقوى، عاد الشاك إليها عند شكه. قلت: وأقرب من هذه المسائل عندي –ولم أر من ذكره- إذا جاء من قدام الإمام واقتدى به وشك. أهو متقدم عليه؟ فالصحيح في شرح المهذب وفي التحقيق أنه يصح. فهذا أصل ترك من غير معارض وهذا مشكل جديد لا جرم قال ابن الرفعة: الوجه ما نقل عن القاضي؛ لأنه لا يصح عملا بالأصل السالم عن المعارض٢. وهو قول حكاه النووي في تحقيق المذهب عن الجديد. ويقرب منه مسائل منها الصحيح انقضاء عدة المعتدة بالأقراء بالطعن في الحيضة الثالثة إن طلقها في الطهر والطعن في الرابعة إن طلقها في الحيض. وقيل حتى يمضي يوم وليلة بعد رؤية الدم

стр. 41

ليعلم أنه حيض وقيل إن رأت الدم لعادتها انقضت برؤيته، وإن رأته على خلافها اعتبر يوم وليلة. وهذا متجه، فإن الحكم بكونه قرء فيمن رأته على خلاف العادة طرح اليقين بمجرد الشك لكن يسهل هذا اتفاق الأصحاب على أنا إذا حكمنا بانقضائها بالرؤية فانقطع الدم لدون يوم وليلة ولم يعد حتى مضى خمسة عشر يوما أنا نتبين أن العدة لم تنقض. ومنها: إذا شك القاضي في عدالة وصي قرره قاضٍ قبله [وأنفذ تصرفه] ١ فهل يقر المال في يده؛ لأن الظاهر الأمانة، أو ينتزعه حتى تثبت عدالته؟ اختلف في ذلك الإصطخري٢ وأبو إسحاق٣، فقال الإصطخري: يقره، وقال أبو إسحاق: ينتزعه. وهذا هو الذي يظهر ترجيحه. وعلى هذا فقد طرح أصل العدالة وظاهرها بمجرد الشك. ومنها: من [كان] ٤ له كفان عاملتان أو غير عاملتين فبأيهما مس انتقض وضوءه ومع الشك في أنها أصلية أو زائدة لا تنقض. ولهذا لو كانت إحداهما عاملة فقط انتقض بها وحدها على الصحيح٥. فإن قلت: أيصح أن ينضم إلى هذه المسأئل النوم فإنه يرفع يقين الطهر وليس في

стр. 42

نفسه حدثا: قلت: لا؛ لأنه وإن لم يكن في نفسه حدثا، ولكنه مظنة الحدث، والشارع أقام المظنة، مقام المظنون فليس من هذا الباب. ومنها: من صلى في مقبرة شك أنها منبوشة فإنه لا يصح على الوجه وعلى هذا تراك أصل عدم النبش بمجرد الشك، لكن الصحيح الصحة. ومنها: ادعى الغاصب تلف المغصوب صدق بيمينه على الصحيح عند الرافعي١ والنووي٢ والشيخ الإمام رحمهم الله٣ تعالى قالوا: وإلا؛ لتخلد الحبس عليه إذا كان صادقا وعجز عن البينة. والثاني: يصدق المالك؛ لأن الأصل البقاء٤ قالوا وقل من يقول هذا الوجه قلت: فعلى ما صححه المشايخ –رفع اليقين بمجرد الشك خشية الوقوع في مفسدة تخلد الحبس على غير مستحقه. وهذا عندي مشكل ودعواهم تخلد الحبس ممنوعة بأخذ القيمة للحيلولة. ثم لا حبس. فصل: مما يتشبث بأذيال تعارض الأصل والظاهر قاعدة يخلطها الأصحاب بها؛ لتقارب مسائلهما. وهي: "إذا تعارض أصلان جرى غالبا قولان"٥. قال الإمام في النهاية قبيل باب عتق العبيد: لا يخرجون من الثلث ولا ينبغي أن يعتقد الإنسان أن المعنى بتقابل الأصلين تعارضهما على وزن واحد في الترجيح، فإن هذا كلام متناقض إذا كنا نفتي –لا محالة- بأحد القولين إلى أن قال: نعم، من حكم تقابل الأصلين أنه يدقق النظر في محاولة ترجيح جانب على جانب٦.

стр. 43

ذكره في مسألة ما إذا ادعى الغارم نقيضه تنقض القيمة بسببها وأنكر الطالب. حيث قال: فإن قال الغارم: كان عبدا سليما ولكن غاب قبل أن أعتق نصيبي منه ففي تصديقه قولان. ولو لم يسلم الغارم السلامة الخلقية، بل قال: خلق أكمه أو بفرد عين، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الغارم يصدق إلى أن قال: وإذا لم يسلم الغارم السلامة، فهذا يخرج عن قبيل تقابل الأصلين، وإن تكلف متكلف وقال: الأصل في الناس السلامة كان مستبعدا. انتهى. وما ذكره من تعارض الأصل يجري في تعارض الأصل والظاهر. والحاصل أن التعارض -يكون- بحيث يدقق النظر، لا كأصل بعيد من أصل قريب، ولا مع ظاهر قوي، ثم لا ينبغي أن يكونا على حد سواء وإلا لفقد الترجيح بل يكون التعارض بحيث يتخيل الناظر في ابتداء نظرة تساويهما ثم دقق نظره وحقق فكره رجح. وإذا حقق هذا. ظهر الجواب عن كل موضع لا يجري الخلاف فيه. ولنعد ما يحضرنا من تقابل الأصلين. وذلك في مسائل: منها: إذا شك في وقت خروج الجمعة، فالأصح يتم جمعه أخذا بالأصل القريب وهو بقاء الوقف، دون البعيد، وهو الظهر. وبهذا يظهر الجواب من عدها مم يرفع فيه الشك١. ومنها: إذا أصدقها تعليم بعض القرآن، ووجدناها تحسنه فقال: أنا علمتها وأنكرت، فقولان؛ لأن الأصل بقاء الصداق وبراءة ذمته٢. ومنها: إذا شككنا فيما أصاب من دم البراغيث، أقليل هو أم كثير؟ فللإمام احتمالان؛ لأن الأصل اجتناب النجاسة والأصل في هذه النجاسة العفو٣. واحتمالا الإمام هذان يشبهان احتماليه فيما إذا وقعت نجاسة في الماء وشك أكثير هو أم قليل، هل ينجس؟

стр. 44

والذي جزم به صاحب الحاوي وآخرون أنه ينحبس، ولتحقق النجاسة والأصل عدم الكثرة. ورجح النووي أنه طاهر١؛ لأن الأصل الطهارة، وقد شككنا في نجاسة منجسه. قال: ولا يلزم من النجاسة التنجيس. ورجح الشيخ زين الدين الكيناني مقالة صاحب الحاوي. ورد على النووي. ورجح الشيخ الإمام رحمه الله تعالى مقالة النووي ورد على ابن الكيناني. وخرج ابن أبي الصيف اليمني على هذه المسألة فرعا. وهو قلتان متغيرتان بنجاسة غاب عنهما ثم عاد، ولا تغير. وشك في بقاء الكثرة فقال: إن قلنا بالطهارة فيما إذا شك في بلوغ الماء –الذي وقعت فيه النجاسة- قلتين، فهنا أولى، وإلا فوجهان؛ لأن الأصل بقاء الكثرة. ونازعه الفقيه الحافظ محب الدين الطبري في شرح التنبيه فقال: لا وجه للبناء. ولا للخلاف؛ لأن تلك تعارض فيها أصلان فنشأ قولان وهنا الأصل بقاء الكثرة بلا معارض٢. ومنها: لو أدرك الإمام راكعا فكبر وانحنى، وشك، وهل بلغ الحد المعتبر قبل ارتفاع الإمام عنه: فالأصح لا يكون مدركا للركعة؛ لأن الأصل عدم الإدراك. والثاني: يكون مدركا؛ لأن الأصل عدم الرفع٣. ومنها: أذن المرتهن في البيع ثم ادعى الرجوع قبل البيع فالأصل أنه بيع، ولا رجوع قبله فتعارضا٤. ومنها: لو تنحنح إمامه فبان منه حرفان، فأحد الوجهين لا يتابعه؛ لأن الأصل سلامته وصدور أفعاله عن اختياره فتبطل صلاته؛ لكونه عامدا، وأصحهما يتابعه؛ لأن الأصل بقاء العبادة والظاهر احترازه عن مبطلات الصلاة فيحمل على أنه كان مغلوبا. ومنها: شك في أنها أرضعته الخمس في حولين أو بعضهما فيما دون بعض

стр. 45

فالأصح لا يثبت التحريم، استصحابًا لأصل الحال دون أصل بقاء الحولين١. ومنها: لو باعه عصيرا وأقبضه. ووجد خمرا فقال البائع: تخمر في يدك. وقال المشتري: بل تسلمته خمرا. فالأصل عدم التخمير وعدم القبض الصحيح وأظهر القولين عند النووي تصديق البائع٢. ومنها: [إذا] ٣ ادعى أحد الزوجين التفويض. والآخر التسمية ولم نوجب المهر في التفويض بالعقد. فالأصل عدم التسمية وعدم القبض فتعارض أصلان. ومنها: ادعى الغاصب بالمغصوب عيبا حادثا لا خلقيا، ككونه أقطع فأظهر القولين تصديق المالك؛ لأن الأصل عدم حدوث العيب، والثاني الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته فما زاد من الغرامة. ومنها: إذا قال: كان له عليّ كذاء فالأصل الاستمرار والأصل براءة الذمة، وفي جعله [بذلك مقرا] ٤ خلاف مشهور. ومنها: إذا اطلعنا على كافر في دارنا. [فقال] ٥: دخلت بأمان مسلم ففي مطالبته بالبينة وجهان؛ لأن الأصل عدم الأمان، ويعضده أن الغالب على من يستأمن الاستئناس بالإشهاد. ويعارضه أن الأصل عدم حقن الدماء ويعضده أن الظاهر أن الحربي لا يقدم على هذا إلا بأمان. وهذان أصلان متقاومان لاعتضاد كل منهما بظاهر. ومنها: لو شهد عليه شاهدان بكلمة الكفر. فقال: إنما قلتها مكرها فليجدد الإسلام، فإن قتله مبادر قبل التجديد، ففي الضَّمَان وجهان، قال الغزالي: في الوسيط: مأخوذان من تقابل الأصلين: الإكراه وبراءة الذمة.

стр. 46

ومنها: طار طائر. فقال: إن لم أصد هذا الطائر اليوم فأنت طالق ثم اصطاد ذلك اليوم طائرا، وجهل هل هو ذلك أو غيره، ففي وقوع الطلاق تردد حكاه الرافعي في فروع الطلاق لتعارض أصلين: بقاء النكاح، وعدم اصيطاده. ومنها: إذا ضربها الزوج وادعى نشوزها. وادعت هي أن الضرب ظلم. قال ابن الرفعة: لم أر فيها نقلا والذي يقوى في ظني أن القول قوله؛ لأن الشارع جعله وليا في ذلك. قلت: تعارض هنا أصلان: عدم ظلمه وعدم نشوزها. فصل: وإنما قيدنا جريان القولين بالغلبة في قولنا: إذا تعارض أصلان جرى غالبا قولان؛ لأنه قد يكون الخلاف وجهين، وقد يعتضد أحد الأصلين بظاهر أو أصل آخر يرجحه ويدرأ عنه الخلاف. وزعم بعضهم أن الخلاف إنما يأتي عند تجرد الأصلين عن مرجح لأحدهما على الآخر، أما إذا ترجح أحدهما جزم به. وهذا غير مطرد، بل قد يجزم به وقد لا يجزم به، وسنيبين ذلك القول في أصلين يعتضد أحدهما بظاهر ثم يجري الخلاف مع ذلك وذلك في مسائل: منها: إذا قذف مجهولا وقال: هو عبد. وقال المقذوف: أنا حر فقولان في قبول قول القاذف. وقد تعارض أصل الحرية المعتضد بظاهر الدار مع أصل براءة الذمة. ومنها: إذا قطع طرفه ثم ادعى نقصه بشلل أو غيره فالمذهب تصديق المجني عليه في العضو الباطن دون الظاهر عند إمكان أصل السلامة. ووجه الفرق اعتضاد أحد الأصلين المتعارضين -وهما: السلامة، وبراءة الذمة- بظاهر يرجحه. وفي قول يصدق المجني عليه، قيل: مطلقا، وقيل: إن ادعى السلامة من الأصل، لا إن ادعى زوال النقص بعد وجوده. وقيل يصدق الجاني مطلقا.

стр. 47

ومنها: إذا قدم ملفوفا وقال: كان ميتا، وقال الولي: بل حيا فالأظهر تصديق الولي؛ لأن الأصل بقاء الحياة. والقول الثاني: يصدق الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة. وفرق أصحابنا بين أن يكون ملفوفا على هيئة التكفين، أو في ثياب الأحياء ليعتضد أحد الأصلين بظاهر. وقال الإمام: إن هذا لا أصل له. قلت: وهو رأي أبي الحسن الطيبي -من أصحابنا- كما نقله الرافعي عنه وحكى أيضا -أعني الرافعي- طريقة أخرى عن أبي إسحاق، أنه ينظر إلى الدم السائل، فإن قال أهل الخبرة: هو دم حي صدق الولي، أو دم ميت صدق الجاني. وهذه الطريقة –مع عزو ذلك الوجه إلى الطيبي- لم يذكر الرافعي في فصل "اختلاف الجاني ومستحق الدم" وهو موضع المسألة، بل قبل كتاب البغاة. ونقل النووي في زيادة الروضة عن البغوي تفريعا على تصديق الولي: أن الواجب الدية دون القصاص. وأن المتولي قال: هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة. قلت: والرافعي حكى في القصاص وجهين ذكرهما قبل كتاب الإمامة. ومنها مقطوع بعض الذكر إذا أجل بسبب العنة ثم ادعى الوطء في المدة، وأنكرت المرأة، فالأصح أن القول قوله؛ لأن الأصل بعد وقوع العقد عدم تسلطها على الفسخ. ويعارضها أصل عدم الوطء المعتضد بالظاهر وهو أن النقصان الذي لحقه يورث ضعف الذكر. "القول في أصلين تعارضا وجزم بأحدهما": وذلك في مسائل: منها: سليم الذكر والأنثيين إذا أجل لأجل العنة ثم ادعى الوطء في المدة وأنكرت المرأة يقبل قوله، مع معارضة الأصل عدم الوطء؛ وما ذاك إلا لأن الأصل

стр. 48

بعد وقوع العقد عدم تسلطها على الفسخ، مع اعتضاد هذا الأصل بظاهر أن سليم الذكر والأنثيين لا يكون عنينا في الغالب. ومنها: قالت: سألتك الطلاق بعوض فطلقني عليه متصلا فأنا منك بائن، وقال: بل بعد طول الفصل ولم تقبلي فلم تحصل بينونة فلي الرجعة فالمصدق الزوج. قال الشيخ الإمام الوالد ﵀: ولم يخرجوه على تقابل الأصلين. فصل: ومما يثبت أيضا تعارض الأصلين تعارض الظاهرين وذلك في مسائل: منها اختلاف الزوجين فيما في البيت، فإنه بينهما، لا فرق بين الصالح لهما أو لأحدهما اعتمادا على اليد. وذهب مالك -رحمه لله- إلى القضاء لكل واحد بما يصلح له فلا يكون السلاح للمرأة ولا الإزار للرجل. قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: وهو مذهب ظاهر متجه. ومنها: أقرت بالنكاح، وصدقها المقر له بالزوجية. فالجديد: قبول الإقرار؛ لأن الظاهر صدقهما فيما تصادقا عليه لا فرق بين العربيين والبلديين. والقديم إن كان بلديين طولبا بالبينة لمعارضة هذا الظاهر بظاهر آخر هو أن البلديين يعرف حالهما غالبا ويسهل عليهما إقامة البينة١. فائدة: اختلف الزوجان في الإصابة فالقول قول النافي٢ لاعتضاده بالأصل إلا مواضع عارض فيها ما هو أقوى منه٣. منها: ادعت عنته وادعى إصابتها. صدق بيمينه. ومنها: طالبته في الإيلاء بالفيئة أو الطلاق فادعى أنه فاء، صدق.

стр. 49

ومنها: أتت بولد يمكن كونه منه، وادعت أنه أصابها، وأنكر بعد الاتفاق على الخلوة فأظهر القولين تصديقه، والثاني: إنها المصدقة، وعلى هذا يقع الاستثناء. ومنها: قال لامرأته الطاهرة: أنت طالق للسنة، ثم اختلفا فقال: جامعتك في هذا الطهر فلم يقع طلاق، وأنكرت، فالقول قوله –على ما ذكر البوشنجي إسماعيل١ أنه مقتضي المذهب. ومنها: إذا قلنا: خيار الأمة بالعتق يسقط بالوطء فادعى الزوج أنه وطء وأنكرت فمن المصدق؟ فيه وجهان. ومنها: تزوجها بشرط البكارة، فوجدت ثيبا، وقالت: افتضَّني وقال: بل كنت ثيبا. قال البغوي: القول قولها بيمينها لدفع الفسخ٢، لا لدفع كمال المهر. ومنها: إذا طلقها ثلاثا فادعت أنها تزوجت بزوج وأنه وطئها وأحلها وكذبها الزوج الثاني، فإنها تصدق لحلها الأول وإن لم تصدق لكمال المهر. فصل: جميع ما قدمناه في استصحاب الماضي في الحاضر [وأما عكسه] ٣ وهو استصحاب الحاضر في الماضي فهو الاستصحاب المقلوب، ولك أن تعبر عنه برد الأول إلى الثاني، وأن تعبر عن الأول برد الثاني على الأول. وقد قيل بالاستصحاب المقلوب في مسائل.

стр. 50

منها: مسألة، سمعت الشيخ الإمام الوالد ﵀ يقول: لم يقل به الأصحاب في سواها، وهي ما إذا اشترى شيئا فادعاه مدَّعٍ أو انتزعه منه بحجة مطلقة، حيث أطبقوا إلى ثبوت الرجوع له على البائع، بل لو باع المشتري أو وهب، وانتزع المال من المتهب أو المشتري منه، كان للمشتري الأول الرجوع أيضا. وهذا استصحاب الحال في الماضي، فإن البينة لا تنشئ الملك ولكن تظهره، والملك سابق على إقامتها، لا بد من تقرير زمان لطيف له ويحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي. ولكنهم استصحبوا مقلوبا. وهو عدم الانتقال منه فيما مضى. ومنها على وجه ضعيف: إذا وجدنا ركازا ولم ندر هل هو جاهلي أو إسلامي أنه يحكم بأنه جاهلي. ومنها: إذا اختلف الغاصب والمالك في عيب حادث فقال الغاصب: حدث قبل الغصب، وقال المالك: بل عند الغصب فالصحيح أن القول قول المالك وهذا إذا كان تالفا فإن كان باقيا –وهو أعور مثلا- وقال الغاصب: هكذا غصبته قال الشيخ أبو حامد: فالظاهر أن القول قول الغاصب، وسكت عليه الشيخ الإمام وهذا استصحاب مقلوب١، ونظيره: لو قال المالك: طعامي المغصوب كان جديدا وقال الغاصب: عتيقا، فالمصدق الغاصب٢. تنبيه: فبتمام الكلام على هذا الفصل نجز الكلام على قاعدة الاستصحاب. المعبر عنها بأن اليقين لا يرفع بالشك. ومن أول الكلام إلى هذا الفصل الأخير مخصوص برد الآخر إلى الأول. وهذا الفصل مخصوص برد الأول إلى الآخر. ولو بسطنا القول في هذه القاعدة لاحتمل سِفرًا كاملا، وفيما أوردناه كفاية.

стр. 51

القاعدة الثانية: الضرر يزال ١ ومن ثم الرد بالعيب٢ والحجر٣ والشفعة والقصاص٤ والحدود والكفارات، وضمان المتلف٥ والقسمة٦ ونصب الأئمة، والقضاة٧ ودفع الصائل وقتال المشركين٨. ويدخل فيها: الضرر لا يزال بالضرر وهو كعائد لعود على قولهم: الضرر يزال –أي يزال ولكن لا يضرر- فشأنهما شأن الأخص مع الأعم في الحقيقة. بل هم سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق: الضرر يزال٩.

стр. 52

ومن فروع قولنا: الضرر لا يزال بالضرر عدم وجوب العمارة على الشريك، وهو القول الجديد١, ومنها: الساقط على جريح، يقتله إن استمر قائما عليه، ويقتل غيره إن انتقل عنه. قيل: يستمر لأن الضرر لا يزال بالضرر٢. وقيل: يتخير الاستواء. وقال الإمام الحاكم: لا حكم في هذه المسألة. وتوقف الغزالي: ومنها: إذا وقع في نار تحرقه ولم يخلص إلا بماء يغرقه، ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات النار فله ذلك على الأصح. وشكك ابن عقيل الحنبلي في الفنون على تصوير هذه المسألة وجعل محلها ما لم تمس النار الجسد، أما إذا مسته فالإنسان بالطبع يتحرك إلى خارج؛ لأن طبع الحيوان الهرب من المحبس، فالحبس غالب على التماثل والنظر في العاقبة، ألا ترى أن من يناله ألم الضرب وبين يديه بئر يوقع نفسه فيها وإن كانت أجدر بهلاكه وما ذاك إلا؛ لأن الضرر فيها ليس بمحس وأطال فيه. وحاصله أن لا اختيار -حينئذ- ولا تكليف وكلام ابن عقيل هذا قريب من كلام إمام الحرمين في باب الصيد والذبائح وقد ذكر أنه لو كان صاحب المدية يحركها وكانت

стр. 53

البهيمة تحك حلقها، فحصل قطع الحلقوم والمريء بتحاملها وتحريك صاحب السكين يده ما نصه، فالوجه التحريم؛ لاشتراك البهمية والذابح. وقد يرد على ما ذكرنا أن من أضجع شاة ليذبحها فإذا أمر بالسكين فقد يضطرب المذبح تحت السكين اضطرابا يؤثر في القطع. ولو قيل: قد لا تخلو شاة عما ذكرناه لم يكن بعيدا ففتح هذا يوجب تحريما في معظم الذبائح. قلنا: هذا التصوير غير سديد، فإن الشاة إذا ربطت فمسها حد السكين فإنها تحبس الحلقوم بطباعها، ولعل من يغفل عن التحرز إذا أصاب عضوا منها مؤلم فتحرز عنه، فإذا الأمر كذلك ولا يمكن ادعاء عموم حركتها في استقبال المدية، وما يفرض من اضطراب فهو بعد فري الحلقوم والمرئ ولا أثر له، فإن صور مصور اضطرابا يعين على القطع قبل تمام القطع. فهذا مما يجب التحرز منه. وإن ظهر فعل الذابح وقد أمر خفي يجري مثله في الوساوس فالتعويل على فعل الذابح. انتهى لفظ النهاية، وقد نقله الرافعي ملخصًا إلا أنه جزم بما ذكره الإمام أنه الوجه فأوهم جزمه أن المسألة مسطورة وإنما هي من مولدات الإمام ﵀. ومنها: قطع السلعة المخوفة. ومنها: إذا مال حائط إلى مالك غيره أو إلى الشارع. ومنها: حصل فصيل رجل في بيت رجل ولم يمكن إخراجه إلا بنقض البناء فإن كان بتفريط صاحب البيت نقض ولم يغرم صاحب الفصيل شيئا، وإن كان بتفريط صاحب الفصيل نقض. ولزمه أرش النقض وكذا إذا دخل بنفسه على المذهب، وقيل لا أرش عليه. ولو وقع دينار في محبرة. ولا يخرج إلا بكسرها فإن كان بفعل صاحب المحبرة كسرت ولا غرم، وإن كان بفعل صاحب الدينار أو لا بفعل أحد كسرت وعلى صاحبه الأرش. وقال ابن الصباغ: إذا لم يفرط أحد فالتزم صاحب المحبرة ضمان الدينار ينبغي أن لا تكسر؛ لزوال الضرر بذلك، وهذا الاحتمال عائد في صورة البيت والفصيل.

стр. 54

ولو أدخلت بهيمة رأسها في قدر. ولم تخرج إلى بكسرها فإن كان معها صاحبها فهو مفرط بترك الحفظ، فإن كانت غير مأكولة كسرت القدر وعليه أرش النقص وإن كانت مأكولة ففي ذبحها وجهان. وإن لم يكن معها أحد فإن فرط صاحب القدر كسرت ولا أرش له، وإلا فيغرم صاحب البهيمة الأرش وتكسر. هذا ترتيب الأصحاب، وقيد الزبيري في كتاب المسكت المسألة بما إذا كانت المسألة بما إذا كانت قيمة القدر أخف -وهو الأغلب- أما إذا كانت قيمة القدر أكثر فالأولى ذبح المأكول، ولعل الإطلاق محمول على هذا. ومنها: إذا التقت دابتان على شاهق. ولم يمكن تخليص واحدة إلا بإتلاف الأخرى١. ومنها: ليس للعبد للأمة إجبار السيد على النكاح ولو كانت ممن لا يحل له نكاحها كالأخت على الأصح. ومنها: لا يجب عليه إعفاف٢ ولده ولا والدته. ومنها: ليس للمضطر أكل الطعام مضطر آخر، ولا قطع فلذة من فخذه وليس له قتل ولده، ولا عبده، وهل له قطع الفلذة من نفسه؟ إن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أكثر حرم وإلا فلا على الأصح٣. ومنها: لا تثبت الشفعة فيما لا ينقسم ولو طلب أحد الشريكين قسمة ما في قسمته ضرر لا يجاب. ولو أراد وضع جداره على الحائط جاره منع على الجديد. [ومنها] : إذا كان بذل الماء لماشية الغير أو زرعه يضر بماشيته أو زرعه لا يجبر على بذله، وهي كثيرة جدا.

стр. 55

ويستثنى من القاعدة: أصل شرعية القصاص، والحدود، وقتال البغاة، وقاطع الطريق، ودفع الصائل، ومن أكرهك على شي بغير حق، والفسخ بعيب البيع، النكاح، والإعسار والإجبار على قضاء الديون، والنفقة الواجبة لعبد أو قريب أو دابة أو زوجة، وله أن يأخذ مال من له عليه مال إذا ظفر بجنسه، وفي غير الجنس خلاف، وللمضطر أن يأخذ طعام غير المضطر وأن يقاتله عليه وإن أتى على نفسه، ويجب بذل الماء لشرب الآدمي المحترم وإن أضر بماشية الباذل وزرعه، وله قطع شجرة الغير إذا حصلت في هواء داره، وإذا ابتلع الميت مالا لغيره، والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد، إذا تترسوا بالنساء والصبيان. ومنها أعتاق الأب. بعض صور: إذا اشترى أرضا ووجد فيها حجارة مدفونة. إذا باع الثمرة للبائع واحتاج إلى السقي. إذا غرس المفلس، أو قصر، أو صبغ. أو إذا غرس الغاصب، أو قصر، أو صبغ. وهي أيضا كثيرة: حاصلها. دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. "ومن القواعد المنتزعة من هذه القاعدة أيضا" قولهم: "الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها"١. ومن ثم جاز؛ بل وجب –على الأصح- أكل الميتة للمضطر٢ –إلا أن يكون الميت نبيا، لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر غير النبي٣. ومنها: قولهم: متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها.

стр. 56

ويستثنى مسائل: منها: من وجد زانيا بامرأته فله دفعه بالقتل وإن اندفع بدونه. [كذا] ١ قال الماوردي وتبعه صاحب البحر وهو –على تقدير تسليمه- مقيد بقيد إن تأملته طاح الاستثناء، والقيد أن يكون زمن الدفع بالسيف أقل من غيره لكن تعليلهما يدل على أنه لا فرق بين أن يكون زمن الدفع أقل أولا؛ لأن صاحب البحر قال: إذا رآه أوقع [أو] ٢ أولج جاز أن يبدأ في دفعه بالقتل، وله أن يتعجله لأنه في كل لحظة تمر عليه مواقع بما لا يستدرك بالأناة فجاز من أجلها أن يعجل بالقتل ثم في هذا القتل وجهان: أحدهما: أنه قتل دفع؛ فعلى هذا يختص بالرجال ويستوي البكر والثيب. والثاني: أنه قتل حد. جوز له أن ينفرد به دون السلطان، لتفرده بالمشاهدة التي لا تتعداه فعلى هذا يدفع الرجل والمرأة المطاوعة. وهل يفرق بين البكر والثيب؟ وجهان أظهرهما لا فرق، ويقتل البكر أيضا لأن القتل حد وجاز تغليظه حالة مواقعة المعصية، ولأن السنة لم تفرق بين البكر والثيب. ثم إذا قتل عزر، لتفويت القتل على الإمام. قال صاحب البحر: كذا قال أصحابنا [قال] ٣: وعندي أن لا يعزر لأنه كان يلزمه. قلت: فعلى القول بأنه قتل حد يزول الاستثناء وقد فرض صاحب الحاوي والبحر المسألة في الزوج يجد من يزني بزوجته لا من كل زان وكأن الأمر غلظ على الزاني [بحضرة] ٤ الزوج لما فيه من الغيرة فلا يلحق به من وجد يزني بأجنبية إذ ليس فيه من الغيرة ما يحمل على هذا. ومنها: هل يجوز رمي الناظر في دار إنسان إلى حريمه قبل إنذاره؟ في وجهان، أظهرهما عند الرافعي –وعبر عنه النووي في أصل الروضة –بالأصح- الجواز واستدل به صاحب التقريب؛ على أن لا يجب تقديم الكلام في كل دفع، وأنه يجوز للمصول عليه الاتبداء بالفعل، وربما روى عنه تخريجه على الخلاف في وجوب استتابة المرتد وذكر الإمام أن مجال التردد الكلام الذي هو موعظة وتخجيل، وقد يفيد، وقد لا يفيد فأما ما يوثق بكونه دافعا من تخويف وزعفة مزعجة فلا يجوز أن يكون في وجوب البداية به خلاف. قال الرافعي: وهذا حسن٥. قال: وينبغي أن يقال: ما لا يوثق بكونه دافعا

стр. 57

ويخاف من البداية به مبادرة الصائل وخروج الأمر من اليد. لا يجب البداية به بلا خلاف١. ومنها: من أكره على الطلاق وأمكنه التورية فلم يفعل: فالأصح لا يقع طلاقة لمظنة الاندهاش. وإن لم يندهش؛ بخلاف من ألقي في الماء. وهو يحسن السباحة. فتركها ولا مانع فلا قصاص. ولا دية على الأصح؛ لأن العاقل في تلك الحالة لا يندهش عن مدافعة الموت؛ بل في الطبع المدافعة ما أمكنت حبا للحياة. ومنها: [إذا] ٢ أكره على الكفر. على تفصيل ذكره الماوردي. ومنها: إذا أكره على طلاق إحدى امرأتيه فطلق معينة على وجه [وما] ٣ إذا أمكنه أن يهرب على وجه. ومنها: إذا وجد المضطر ميتة شاة وميتة كلب أو حمار فهل يتخير؟ أو يقدم الشاة لأنها أسهل؟ فيه وجهان. قال النووي٤: ينبغي ترجيح ترك الكلب والتخيير في الباقي. وقال: إذا وجد العطشان خمرا وبولا شرب البول كما لو وجد بولا وماء نجسا شرب الماء٥. فصل: قدمنا الكلام على قاعدة الضرر يزال. وما يدخل فيها من القواعد الناشئة عن تقابل ضررين وقد يجمع تقابل الضررين اللذين تعين وقوع أحدهما عبارة شاملة؛ فيقال [من تقلب بين] ٦ محذورين ما حكمه؟ فإن خص الكلام بمحذورين متساويين من كل الوجوه المعتبرة في نظر الشارع؛ فهي مسألة أبي هاشم في الساقط على جريح يقتله إن استمر قائما عليه ويقتل نظيره إن انتقل عنه. وقد قيل: لا حكم لله تعالى فيها. وقيل: حكمه التخيير. وقيل يستمر ولا ينتقل وقيل: بالوقف. وإن لم يخص شمل محذورين أحدهما أخف من الآخر، ولا يخفى أن ارتكاب الأخف أولى، وهو ما ذكرناه من دفع أعظم المفسدتين بأدناهما وقد تقدم من صوره ما

стр. 58

يغني، وتبين ما تعين فيه الأدنى والأعلى، وهو الذي تقدم، وما تعين فيه التساوي، وهو مسألة أبي هاشم. درجات وصور تظهر تارة أنها من هذا القبيل، وتارة أنها من هذا القبيل يعبر عنها بالتقلب بين محذورين. منها: إذا لم نوجب ركوب البحر في الحج ونحوه. فلو توسطه فهل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان يبنيان على القولين في المحصر إذا أحاط به العدو من الجوانب. هل له التحلل؟ وإن قلنا: نعم فله الانصراف، وإن قلنا لا: فلا وهو الصحيح، وموضع الوجهين ما إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في غالب الظن، وكان يمكنه الرجوع إذا تمادى في غير طريق البحر؛ فإن كان ما بين يديه أكثر لم يلزمه، أو أقل لزمه. وإن أوجبنا ركوب البحر فعرض خطر في توسطه. [لو] ١ كان في ابتدائه لم يجب فهل يطرقه ما ذكرناه من الخلاف؟ والتفصيل أن يقطع بوجوب التمادي [اعتبارا بأوله أو بعدم التمادي] ٢ اعتبارا بأخره، فإن الركوب في الصورة الأولى كان حيث لا وجوب وحيث لا وجوب يحرم الركوب إن غلب الهلاك، وكذا إن استوى الحال على الأصح فيكون ركوبه عدوانا. [وفي هذا] ٣ كله نظر واحتمال، ولم أجده مسطورا. ومنها: إذا اشترى الكافر كافرا من كافر فأسلم قبل القبض، قال الإمام: لا ينفسخ لأنه كيفما تقلب القلب إلى كافر: وقد يقال: ليس هذا الفرع من هذا القبيل؛ لأن الفسخ وعدمه ليس إلى العبد حتى يقال: تقليب بين محذورين.

стр. 59

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير وإن شئت قلت: السادسة. المشقة نجلب التيسير وإن شئت قلت: إذا ضاق الأمر اتسع. وقد عزا الخطابي هذه العبارة إلى الشافعي –﵁ عند كلامه على الذباب يقع في الماء القليل، ويقرب منها "الضرورات تبيح المحظورات" ومن ثم التيمم والمسح وصلاة المتنفل قاعدا، والرخص جميعها، إسقاطا وتخفيفا. ومن فروعها: لو تنجس الخف بخرزه بشعر الخنزير فغسل سبعا إحداهن بتراب طاهر [طهر] ظاهره دون باطنة وهو موضع الخرز. قال الرافعي في باب الأطعمة وقيل كان الشيخ أبو زيد يصلي في الخف النوافل دون الفرائض فراجعه القفال قال: الأمر إذا ضاق اتسع. قال الرافعي: أشار إلى كثرة النوافل، وقال النووي: بل إلى عموم البلوى بذلك ومشقة الاحتراز منه؛ فعفى عنه مطلقا، وكان لا يصلي فيه الفريضة احتياطا لها، وإلا فلا فرق بين الفرض والنقل في اجتناب النجاسة. قلت: لم يبين لي في كلام النووي مخالفة لكلام الرافعي بل في قول الرافعي أنه إشارة إلى كثرة النوافل ما يرشد إلى ما قاله النووي من أن كثرتها أوجبت التساهل فيها تيسيرا وقد حاول ابن الرفعة –في باب مسح الخف تأييدا كلام أبي زيد بأن الداخل من مواضع الخرز انسد بالخيط؛ فصار في حكم الباطن والنجاسة في الباطن لا تمنع الصحة بدليل [أن] ١ ظاهر النص صحة الصلاة في جلد الميت المدبوغ، وإن قلنا: إن الدباغ لا يطهر باطنه وأطال ابن الرفعة في ذلك، وقد يقال عليه: لو كان أبو زيد يرى أن نجاسة الباطن لا تمنع الصحة لصلى فيه الفرض والنفل جميعا، ويجاب عن هذا بأنه أمر ظني فاحتيط فيه للفرض. ومنها: القادر على تحصيل البدل والمبدل الفاقد لهما، هل يجب عليه تحصيل المبدل كما لو وجده، أو له أن يحصل البدل لكونه إذا حصله صار واحدا له دون المبدل؟ فيه تردد في صور. منها: لو لم يكن في إبله بنت مخاض عدل إلى ابن لبون بالنص؛ فلو فقدهما فهل يتعين شراء بنت مخاض أو له أن يشتري ابن لبون فيه وجهان.

стр. 60

القاعدة الرابعة: الرجوع إلى العادة ١: ومن ثم مقادير الحيض٢ والنفاس٣ والطهر٤ وقصر الزمان وطوله عند البناء على الصلاة أو الأشياء وتناول الثمار الساقطة٥ من الأشجار المملوكة في الطريق وأخذ طرف هدية لم يعتد رد مثله، وحمل الإذن في النكاح على الكفء، ومهر المثل واعتماد العرف في قدر القليل والكثير من دم البراغيث وفي قدر الموالاة بين الصلاتين لمن جمع تقديما، وخفة اللحية وكثافتها في الوضوء وعادة الرماة في مسافة الغرض المرمي إليه، ومقدار [ثواب] الهدية في وجه مسألة الغسال، وقدر المحقرات على رعي قطيع من الغنم. هل يجب بيان العدد أو يكتفي بما جرت العادة أن يرعاه الواحد ويحمل قول العاقد. أجرتك سنة -على المتصلة بالعقد، وإيجاب السرج والإكاف في استئجار دابة للركوب وكذلك الغطاء الذي يستظل به٦، واعتبار ثلاثمائة ذراع بين الإمام والمأموم –على القول بأنه مأخوذ من العرف- وهو الصحيح. ولو شافهته امرأته بما يكره من شتم وسب فقال: إن كنت كذلك فأنت طالق فإن قصد المكافأة طلقت في الحال، وإن لم توجد

стр. 61

الصفة أو قصد التعليق طلقت بتلك الصفة بالرجوع إلى العرف إذا طلق، والعرف يقتضي ذكر ذلك للمكافأة١. قال [الرافعي] ٢ ... يحتمل وجهين واتباع اللفظ أولى. والمنكوحة الرقيقة إذا كانت جميلة تخدم في العادة، لم يجب إخدامها. وقيل يجب للعادة. ومنها: كتب المراسلات، قال ابن الصباغ في باب الوليمة من الشامل: حكى القاضي أن بعض أصحابنا قال: لا يملكها المكتوب إليه؛ ولكن له الانتفاع بها حكم بحكم العادة الجارية في إباحة ذلك. فصل: واشتهر عند الفقهاء أن ما ليس له ضابط في اللغة ولا في الشرع يرجع فيه إلى العرف، وهذا صريح في تقديم اللغة على العرف وعند الأصوليين أن العرف مقدم على اللغة٣.

стр. 62

ولا منافاة بين الأمرين لعدم تواردهما على محل واحد كما قررناه في شرحي المختصر والمنهاج وحكيناه عن الشيخ الإمام تغمده الله برحمته. ومن ثم مسائل: منها: التفرق القاطع لخيار المجلس؛ فإن لفظ التفرق ورد من الشارع ولم يبين حده، فيجب حمله على ما بعد تفرقا في العرف. ومنها: الحرز في السرقة. ومنها: الإحياء. ومنها: الاستيلاء في الغضب، اتفق الأصحاب على أن المرجح في كون الفعل استيلاء وغير استيلاء إلى العرف. فصل: العادة في الحيض على أربعة أنواع١. أحدها: ما يثبت بمرة على الصحيح وهو قدر الحيض، وفي وجه بمرتين وفي [ثالث] ٢ بثالث. النوع الثاني: عادة تثبت بمرة بلا خلاف وهي الاستحاضة؛ لأنها علة مزمنة فالظاهر أنها إذا وقعت دامت٣، وعادة تثبت بمرة ولكن على الصحيح وهي ما ذكرناه في المستحاضة المردودة إلى عادتها. والثالث: عادة لا تثبت بمرة ولا بمرات وإن تكررت بلا خلاف، وصورتها منقطعة الدم إذا رأت يوما دما ويوما نقاء واستمرت بها الأدوار هكذا وقلنا: بقول اللفظ، وأطبق الدم على لون واحد. فإنا لا نلتفظ بها قدر أيام الدم بلا خلاف؛ وإنما يحيطها ما كنا نجعله حيضًا بالتلفيق، قال الإمام والاحتمال فيه أدنى مجال. وكذا لو ولدت مرارا ولم تر نفاسا ثم ولدت ويطبق الدم وجاوزت ستين يوما؛ فإن عدم النفاس لا يصير عادة لها بلا خلاف بل هي مبتدأة في النفاس٤.

стр. 63

والرابع: عادة لا تثبت بمرة ولا [بمرات] ١ على الأصح. وصورتها: التوقف بسبب تقطع الدم، إذا كانت ترى يوما دما ويوما نقاء؛ فإن الانقطاع الثاني والثالث وما بعده إلى آخر الخمسة عشر لا يخرج عل الخلاف في ثبوت العادة بالمرة وهي الانقطاع الأول؛ بل تمر بما تمر به الطاهرات بمجرد الانقطاع، بخلاف الشهر الثاني فإنه مخرج على الخلاف لأن الشهر الأول قد أثبت عادة في الانقطاع فهذه عادات باب الحيض الأربع. فصل: جزموا في الكلب المعلم بأنه لا بد من تكرار يغلب على الظن أنه عادة ولا يكفي مرة واحدة قطعا وفي المرتين خلاف، وكذلك في الثلاث٢، وجزموا باشتراط التكرار في القائف٣، وفي اختبار الصبي قبل البلوغ٤، ونظائره كثيرة، ومنها: فرعان لم أر فيهما نقلا. أحدهما: أن القاضي لا يقبل الهدية ممن لم يكن له عادة قبل الولاية، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له خصومة٥. بماذا تثبت العادة المذكورة؟ ولم أجده مسطورا وكلام الأصحاب يلوح بثبوتها بمرة واحدة؛ ولذلك عبر [الرافعي] ٦ بقوله: تعهد منه الهدية، والعهد صادق بمرة٧. والثاني: أنهم حرموا صوم يوم الشك ما لم يوافق عادة له٨، كما إذا كان يصوم

стр. 64

الاثنين والخميس مثلا فصادف يوم الشك أحدهما أو يصله بما قبله. بماذا تثبت العادة المذكورة؟ لم أجده١. وكذا في الصيام بعد انتصاف شعبان٢.

стр. 65

القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها وأرشق وأحسن من هذه العبارة: قول من أوتي جوامع الكلم ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" ١.

стр. 66

ومن ثم وجوب النية حيث تجب. وإذا كان عليه دينان بأحدهما رهن؛ فأدى أحدهما. ثم قال: أديت عن المرهون. فقال الدائن: بل على الآخر. صدق الدافع. وصرح الإمام والرافعي والشيخ الإمام الوالد ﵀ وغيرهم بأنه لا بد في أداء الديون من نية التمييز. قال الشيخ الإمام: وعلى هذا إذا نوى دينا وبان أنه ليس عليه لا يقع عن غيره وقاعدة النية طويلة الذيل. متسعة الأنحاء. ويدخل فيها قاعدة. ما تعمل فيه النية قال الإمام في الأساليب: "موضوع اللفظ يحتمل النية بالإجماع كلفظ العين والقرء إذا نوى أحد مسمياته، واللازم لا يحتملها إجماعا كما إذا نوى زمان الطلاق ومكانه، والمدلول محل الخلاف كما إذا نوى بقوله: أنت طالق، عددا، يقع عندنا؛ خلافا لأبي حنيفة، ولهذا اختلف الأصوليون في قوله: والله لا آكل إذا نوى بعض المأكولا هل يختص يمينه؟ فهل يقوم عموم المدلول مقام اللفظ مع اتفاقهم على أن تعيين زمان الأكل. ليس في يمينه والصحيح إلحاق المدلول بالموضوع؛ لأنه مراد اللافظ فله التصرف فيه. انتهى. ومراده بالإجماع في اللازم إجماع الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، وقد يتعرض بما روي عن البويطي١ فيمن قال: أنت طالق بمكة أو في مكة أو البحر. تطلق في الحال إلا أن يريد إذا حصلت هناك، وكذا لو قال في الظل وهما في الشمس. قال: بخلاف ما إذا كان الشيء منتظرا غير حاصل كقوله في الشتاء وهما في الصيف. لا يقع حتى يجيء الشتاء.

стр. 67

وحكى صاحب الذخائر١ وجهين فيما إذا أطلق قوله أنت طالق بمكة: أحدهما: يتخير. والثاني: يتقيد بالحلول في مكة. ونص الشافعي فيمن قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق، وقال: أردت شهرا، [بأنه] ٢ لا يقع الطلاق باطنا. قال الغزالي في [الوسيط] ٣ لأن اللفظ العام كالعام في الأزمان كلها. واعلم أن الكلام على قول الإمام –هذا- يستدعي في اللام فيما يدين المرء فيه وما لا يدين، وقد ذكره الأصحاب في كتاب الطلاق ونحن نعقد له فصلا في آخر هذه القاعدة. فصل: يدخل في قاعدة النية أيضا: قاعدة اللفظ في النية، وقد ذكرها الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب التيمم من شرح المنهاج. فقال: كل ما لا يجب التعرض له جملة وتفصيلا؛ فإذا عينه وأخطأ لم يضر كتعيين مكان الصلاة وزمانها، كما إذا عين الإمام من يصلي خلفه، أو صلى في الغيم ونوى الأداء فبان خروج الوقت٤ وكل موضع يجب فيه التعيين فالخطأ فيه مبطل٥، كالخطأ من الصوم إلى الصلاة، ونحوه [كل] ٦ موضع يجب فيه التعرض له جملة ولا تجب تفصيلا فإذا عينه وأخطأ

стр. 68

تبطل؛ فلو نوى الاقتداء بزيد فبان عمرا أو الصلاة على زيد الميت فبان عمرا لم يصح؛ فلو قال في المسألتين زيد هذا فوجهان لتعارض الإشارة والعبارة كبعتك هذا الفرس فبان بغلا، وزوجتك هذه الشابة فكانت عجوزا. والأصح في الصلاة والنكاح الصحة تغليبا للإشارة، وفي البيع البطلان تغليبا للعبارة. وهنا بحثان للشيخ الإمام ﵀. أحدهما: فيما إذا نوى الاقتداء بزيد فبان عمروا قال: ينبغي بطلان نية الاقتداء، لا نية الصلاة وإذا بطل الاقتداء فإن تابعه يخرج على متابعة من ليس بإمام بل ينبغي هنا الصحة، وجعل ظنه أنه إمام عذرا١. وثانيهما: قد يقال: إذا كان الواجب مطلق نية الكفارة أو مطلق الزكاة أو مطلق الاقتداء فعين وامتنع حصول المعين لأجل الخطأ فالمطلق في ضمنه فلم لا يخرج على أن الخصوص إذا بطل هل يبطل العموم؟ ثم أجاب بوجهين. أحدهما: أن الواجب ليس مجرد المطلق: بل لا بد من تعيين ما، كالإمام الحاضر، والميت الحاضر؛ فإذا نوى ما ليس كذلك. كان مباينا. لا أخص. والثاني: أن الخصوص هنا باعث، ولا يلزم من كون الخصوص باعثا كون العموم باعثا إذ لا يلزم عليه المجموع عليه الجزء. فصل: ويدخل فيها أيضا قاعدة: النية لتمييز العبادات على العادات ولتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. فالأول: كالجلوس في المسجد، يتردد بين الجلوس للاعتكاف والجلوس للاستراحة، وكالوضوء والغسل يتردد بين التبرد والتنظيف والقرية فلولا النية لما تميزت العبادة عن غيرها ولا حصلت٢.

стр. 69

فصل: ويدخل في هذه العبارة قاعدة: كل نية يجب مقارنتها لأول العمل إلا الصوم لأن الحرص على مقارنته يخشى منه عدم مقارنته. [الأول زمانه، ولذلك لم تجب] ١ للطف زمانه. ولذلك لم تجب المقارنة فيه على وجه فاجتذب صورة الصوم هذان المأخذان، [ويرجح] ٢ الثاني؛ فقطع إلحاقه بالأول؛ وإلا الزكاة وإلا الكفارة إذا أخرجها الموكل ونوى ولم ينو الوكيل على وجه٣، وهنا سر لطيف، وهو أنه إذا حصلت النية التي بها تميزت العباة عن العادة فقد يقارنها أمر يقوي كونها مميزة ونية، أو يضعف ذلك. فهذان قسمان. أولهما: المقارن المقوي وذلك هو الإخلاص وهو أمر وراء النية زائد عليها. يلزم من حصوله حصولها ولا عكس؛ فمن أخلص نوى، ومن لم ينو لم يخلص. فالإخلاص أخص من النية، والنية قصد الفعل مع زيادة كونه لله تعالى وهو كمال في النية. من هنا يظهر لك أن الأصح عدم وجوب الإضافة إلى الله تعالى في نية الصلاة والصوم؛ لأن النية تتحقق بدون الإخلاص والذي يوجبه الفقهاء إنما هو النية، أما تخليصها من الشوائب وإضافتها إلى رب المشارق والمغارب فكمال زائد وفضل آخر ومن أوجب التعرض لذلك اشتبه عليه الإخلاص بالنية، فظنه أحد أركانها. فتاوى الصلاة إذا قصد صلاة الظهر هذه فقد كفاه ذلك تمييزا لها عما عداها، ولا يكفيه نية فريضة الوقت عن نية الطهر مثلا –على الأصح- لعدم حصول التمييز فقد تكون فائتة يتذكرها يشاركها في كونها فريضة الوقت. وثانيهما: المقارن المضعف؛ فقد ينتهي حال إلى أن تبطل النية بالكية وقد لا

стр. 70

ينتهي مثال المنتهي: ذبح الأضحية لله ولغيره، فانضمام غيره يوجب حرمة الذبيحة؛ وإلا أن يضمه لمعنى غير الذبح له. وأما ما لا ينتهي: فقد يكون المنضم غير قربة كنية التبرد من نية الوضوء فلا تبطل في الأصح وكنية الصلاة ودفع الغريم، فلا تبطل، على ما نقله النووي في زوائد الروضة١ في باب الوضوء عن صاحب الشامل، ورأيت أن القاضي أبا منصور ابن أخي صاحب الشامل – قد خرج فيها وجهين في ضم نية التبرد إلى نية الوضوء. وقد يكون قربة. كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعلاء القوم. فلا تبطل جزما، ولا يجيء فيه وجه التبرد؛ لأن المنضم هنا مطلوب للشارع، ونفس تكبيرة الإحرام لا نية لها تختص بها؛ وإنما النية لمجموع الصلاة وتكبير الإحرام محلها. وأما الثاني: وهو قولهم: ولتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض فكتمييز صلاة النفل عن الفرض. والراتب عن المطلق، ومن ثم وجوب التعرض لفريضة الصلاة والصوم على الأصح. فصل: ويدخل في هذه العبارة قاعدة: "كل مفروضين فلا تجزيهما نية واحدة إلا الحج والعمرة" وألحق القفال بقية العبادات بالمفروضات ونقض عليه نية عسل الجنابة. والجمعة والعيد والاستسقاء فإنها تحصل. فصل: ويدخل فيها أيضا قاعدة: ما تميز بنفسه لا يحتاج إلى نية. ومن ثم لم يحتج الإيمان والعرفان والأذان والأذكار، والقراءة إلى نية التقرب بل [كفى] ٢ مجرد القصد ليخرج الذاهل؛ فإنه غير فاعل في الحقيقة. وحكى صاحب البحر في باب إمامة المرأة وجهين في احتباج الوقوف بعرفة والأذان إلى نية٣. والمعروف في المذهب –على ما ذكره الرافعي في كتاب الإجازة

стр. 71

وجزم به ابن عبد السلام في القواعد- إن الأذان لا يحتاج إلى نية، ووقوف عرفة أولى منه بعدم الاحتياج. أما المتروك: كترك الزنا وغيره فلا يحتاج إلى نية البتة لمجرد القصد ولا غيره بل يحصل اجتناب المنهي بكونها لم توجد وإن لم يقصد شيئا، ولا يتعرض بأن من خطرت المعصية بباله ونوى الكف عنها يثاب، فدل أن للنية مدخلا في [الثواب] ١ ثم على نية التقرب والكف الذي هو فصل يتردد بين الأصلين. إزالة النجاسة شابهت الأذان من حيث أنها نعل، وترك من حيث أنها قريب من التروك وغلبت هذه المشابهة، فلا يفتقر إلى النية، خلافا لابن سريج وأبي سهل الصعلوكي: حيث اشترطاها إلا في الاستنجاء بالحجر. نقل هذا الاستثناء عنهما صاحب التتمة وادعى نفي الخلاف فيه

стр. 72

القول في مباحث نختم بها الكلام على قاعدة النية لتشبثها بأذيالها المباحثة الأولى. هل يشترط لتحقيق النية وصحتها – قدرة الناوي على المنوي وإمكان حصوله أولا يشترط؟ فيه نظر واحتمال مستمد من مسائل: منها: لو تبع العبد، أو الزوجة أو [الجندي] ١ مالك أمره في السفر، ولا يعرف مقصده ونووا مسافة القصر قال في المنهاج٢ قصر الجندي دونهما –يعني فيما قبل المرحلتين وكذا ذكر في الروضة٣؛ إلا أنه قال قبل ذلك: لو نوى العبد أو الزوجة أو [الجيش] ٤ ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير- فأقوى الوجهين أن لهم القصر، وظاهره في الجيش يخالف ما ذكره في الجندي. قال الشيخ الإمام والدي [﵀] ٥ والذي يقتضيه الفقه أن الجندي الخارج

стр. 73

مع أمير يجب عليه طاعته كالخارج للقتال، حكمه حكم العبد والزوجة؛ فليحمل لفظ الجيش عليه؛ وإلا فهو مستقل لا تابع. ومنها: لو نوى بوضوئه استباحة صلاة لا يمكن فعلها كما إذا نوى أول السنة صلاة العيد، ومن بالشام الطواف بمكة؛ ففي ارتفاع حدثه خلاف حكاه في الأولى الروياني في تلخيصه عن والده وفي الثانية بعض الشارحين. وقربه من الخلاف فيمن يحرم بالظهر قبل الزوال. ومنها: نية الإمام [الإمامة] ذكر الشيخ أبو محمد في التبصرة.. أن كمال نية الإمام أن ينوي أداء الظهر مثلا ويقول بقلبه إماما. وعن تعليق الحسين في باب صفة الصلاة أن الإمام لا ينوي الجماعة لأنه لا يقتدي بأحد حتى ينويها. قلت: وهذا فيه نظر؛ فإن الجماعة تحصل للمقتدي والمتقدى به، وقال أبو إسحاق: ينويها، وعن البيان١: لا تصح نية الإمامة عند الإحرام؛ لأنه لا يكون ذاكرًا لها؛ إذ ليس بإمام حتى يأتم به غيره فإن أراد أنه وعد لا نية، قلت: والأرجح ما ذكره أبو إسحاق، واقتضاء كلام الشيخ أبي محمد من أنه يصح، بل ينبغي نية الإمام لمن وثق بالجماعة خلفه، دون من لا يثق، وكونه لا يصير إماما إلا بعد الاقتداء صحيح. غير أن المنوي أبدًا كذلك لا يكون إلا بعد انعقاد النية؛ فإنه لا يكون مصليا حتى يتم نيته. فإن [قيل] ٢ لكن إذا نوى بعقله كونه مصليا، ولا كذلك كونه إماما لتوقفه على

стр. 74

المقتضى.. قلت: إذا غلب على الظن حصوله كفى ذلك، وليس من الوعد في شيء بل هو نية جازمة تشهد العادة بوقوعه. ومنها: وهو نظيرها، نقل الحافظ محب الدين الطبري في شرح التنبيه: "عن محمد بن علي التهامي من فقهاء اليمن أنه نقل أن من صلى سنة الجمعة المتقدمة عليها، ينوي [بها] ١ سنة الظهر. قال لأنه: ليس على ثقة من استكمال شرائط الجمعة. قال التهامي: فأما نحن فننوي بها سنة الجمعة، لأن الغالب حصولها. وقيل: ينوي بها سنة فرض الوقت، قال الطبري شارح التنبيه: ولا يتجه غيره قلت: الذي لا يتجه غيره أن ينوي سنة الجمعة، [ولا مبالاة بما يعرض من عدم حصولها إلا أن يكون في مكان يغلب فيه وبتقديره أقول: يصح أيضا أن ينوي سنة الجمعة] ٢ ولا يلزم من ذلك وقوع الجمعة، كما ينوي سنة الظهر وإن أمكن ألا يصليه؛ بل نحن نستحب سنة الظهر لمن في نيته معصية الله بتركها، وينوي مع ذلك سنة الظهر هذا الذي يظهر. المباحثة الثانية: هل يشترط لصحة النية كون المحل قابلا لما نواه الناوي؟ يظهر ذلك في مسائل: منها: إذا نوى المسافر الإقامة في موضع لا يصلح لها كالمفازة، فأظهر القولين انقطاع السفر. ومنها: إذا نوى الإقامة وهو سائر، ولم تؤثر هذه النية؛ لأن السير يكذبها، وبذلك صرح النووي في شرح المهذب وأشار إليه الرافعي –كما قلناه- في الترشيح. المباحثة الثالثة: هل من شرط تحقق النية الجزم بمتعلقها؟ فيه نظر واحتمال. والأقوى الاشتراط، ويشهد له مسائل. منها: لو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطا ثم تبين الحدث أعاد

стр. 75

على الصحيح، لكونه توضأ مترددا. وقد زالت الضرورة بالتيقن. ولو تيقن الحدث شك في الطهارة فتوضأ ثم بان محدثا أجزأه قطعا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه. ومنها: لو نسي صلاة من الخمس فصلى الخمس ثم علم المنسية. قال النووي: لم أر فيه شيئا قال: ويحتمل أن يكون على الوجهين أي في المسألة قبلها ويحتمل القطع بعدم الإعادة وهو الأظهر. ومنها: تيمم لفائتة ظنها عليه أو لفائتة الظهر فكانت العصر لم يصح. [ومنها: لو اقتدى بخنثى ثم بان بعد الفراغ كونها رجلا عاد في الأصح] ١. ومنها: لو نوى يوم الشك صوم غد إن كان من رمضان، فاعتقد كونه منه بشهادة أو استصحاب جاز. ومنها: لو نذر صيام يوم قدوم زيد فبان بعلامة قدومه في الغد جاز تبييت الصوم له على قول. ومنها: لو قال: اعتقت هذا العبد عن كفارة يميني إن حنث فبان أنه حنث، عتق عن الكفارة، وإلا فلا. ولو قال: إن حلفت وحنث فبان حالفا. فعن البغوي ينبغي أن لا يجزيه لأنه شك في اليمين. وفي الصورة السابقة، الشك في الحنث، والتكفير قبل الحنث جائز. تنبيه: اعلم أنا لا يشترط في الجزم حصول القطع؛ بل يكفي ظن غالب لا اعتبار مع بالاحتمال. ومن ثم يقولن: النية إذا اعتضدت بأصل لا يضرها التردد، بذلك صرح قوم منهم الوالد في شرح المنهاج في باب صلاة المسافر، ومثلوا له بالنية في آخر يوم من رمضان، وبما لو نوى المسافر مقصدا يقصر فيه، ثم نوى أنه إن وجد غريمه رجع، فلا يضره وله القصر على الصحيح.
следующие страницы →