← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأما في المكنى بها عن عدد؛ فليس إلا العطف ونصيب التمييز أبدًا؛ هذا قول سيبويه، وشذ سواه، ثم قال سيبويه هي للعدد مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا، وقال ابن مالك للتكثير مثل كم الخبرية. ولا أدي هل يقول لا يكنى بها عما نقص عن أحد عشر لأنه عدد قليل أو لا يلزم ذلك. إذا عرفت هذا؛ فلو قال له علي كذا وكذا درهمًا بالنصب وجب درهمان على المذاهب، وهو جار على مذهب سيبويه، وقال المزني١ والوالد رحمهما الله تعالى يلزمه درهم واحد. مسألة: اللام ترد لمعان كثيرة من أشهرها الملك والاختصاص والتعليل ويكثر في كلام الفقهاء ورودها للتوقيت؛ حتى قالوا في كتاب الطلاق اللام فيما ينتظر للتوقيت فإذا قال لها أنت طالق للسنة إذا لم يكن الحال حال سنة أو للبدعة إذا لم يكن الحال حال بدعة، يحمل على التأقيت؛ لأنهما حالتان منتظرتان يتعاقبان على المرأة تعاقب الأيام والليالي، ويتكرران تكرار الأسابيع والشهور، فأشبه ما إذا قال لرمضان معناه إذا جاء رمضان. قالوا واللام فيما لا ينتظر مجيئه وذهابه للتعليل؛ وذلك مثل أن يقول أنت طالق لفلان أو لرضا فلان فيقع فيا حلال رضي أو سخط والمعنى أفعل هذا ليرضى. فعن ابن خيران أنه إنما يقع في الحال إذا نوع التعليل، أما إذا أطلق فإنما يقع إذا رضى كقوله أنت طالق للسنة والمشهور المنصوص الأول؛ حتى لو قال أردت التعليق والتأقيت لم يقبل على الأصح؛ ولكن يدين هذا كلام الأصحاب، وفرقوا بين أن يأتي بالام كما ذكرنا، أو بالباء فيقول برضاء فلان كما قدمنا في حرف الباء عن صاحب التهذيب. وأقول لم يتضح لي هذا كل الوضوح، وما قاله ابن خيران عندي قوي بل أقول ولو

стр. 702

نووا التعليل؛ فكيف يقع في الحال إذا لم يكن قصده ليرضى، وما معنى التعليل إلا لوقوع رضاه، وليس معناه ليقع رضاه، وكأنهم أهملوا جانب الرضا واستعملوا أنت طالق معرضين عن سبب الطلاق، وهذا [مكان] ١ مشكل. مسألة: لو قال في التهذيب ما نصه ولو قال لولا لطلقتك لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يرد الإيقاع بل أخبر أنه لولا حرمة الأب لطلقها، كما لو قال لولا أبوك لطلقتك انتهى ذكره في باب طلاق المريض. [مسألة: لعل أشهر معانيها التوقع، ومن ثم٢] لو قال لي عليك ألف فقال لعل لم يكن إقرارًا. مسألة: ن لابتداء الغاية غالبًا، ولبيان الجنس وللتبعيض، وللتعليل، والبدل وغيرها. وفيها فروع: منها: لو قال: بع ما شئت من [مالي] ٣ أو ما تراه من عبيدي أو طلق من نسائي من شئت؛ ففيها أربعة أوجه جمعها الوالد ﵀ في "شرح المنهاج". أحدها: بطلان الوكالة. والثاني: الصحة في العبيد والنساء دون الأموال؛ لكونها أعم وأقرب إلى الجهالة. والثالث: الصحة في الكل ولكن لا يستوعب بل يبقى بعضًا. والرابع: الصحة، وله استيعاب الكل، وهو الأقرب عند الشيخ الإمام الوالد ﵀. قال: ولم أجد من صرح به إلا القاضي الحسين فإنه حكاه وجهًا في صورة الطلاق. والنووي قال: في صورة بع ما شئت من [مالي] ٤: "الصحيح المعروف أنه يجوز وهو ما ذكره صاحب المهذب والتهذيب".

стр. 703

فاحتمل أن يريد جواز الوكالة في الجملة -فلا يكون هو ما رجحه الوالد وأن يريد الجواز مع استيعاب الكل، فكون هو إياه. ومأخذ من أوجب إبقاء بعض أن من للتبعيض -كذا ذكره الإمام والروياني وغيرهما وفيه نظر؛ فإنه لا يصح أن يحل مكانها -هنا- بعض والذي يظهر أنها لبيان الجنس، وفيه يظهر أن له استيعاب الكل كما رجحه الوالد [ولو] ١ كانت للتبعيض للزم بطلان الوكالة كما ذكروه في "بع طائفة من مالي"؛ إذ لا فارق إلا التفويض إلى المشيئة، ولا يظهر له أثر ظاهر.

стр. 704

الكلام في المركبات وما ينبني على العربية من الفروع الفقهية: ونحن نوردها على أبواب النحو نختصر جدًا باب [شرح] ١ الكلمة والكلام وما يتعلق به: الكلام في اللغة: يطلق على الكلمة الواحدة -مستعملة أو مهملة- وأقل ما تكون الكلمة على حرفين. وأما عند النحاة: فالكلام ما تضمن من الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاته. جعلوا الكلم أعم من الكلام، وخصصوا الكلام بالمستعمل، واحترزوا بالإسناد عن النسبة التقييدية، كنسبة الإضافة نحو: غلام زيد، ونسبة النعت نحو: جاء الرجل الفقيه، واحترزوا بالمقصود لذاته عن الجمل التي تقع صلة، نحو: جاء الذي خرج أبوه، وعرف من هذا أن الجملة قد لا تكون مفيدة، بخلاف الكلام. إذا عرفت هذا فالمراد بالكلام -في قوله ﷺ : "إن صلاتنا لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين" ٢ -هو ما يعنيه اللغوي لا النحوي؛ فإن المصلي لو نطق بحروف مهملة بطلت صلاته. وعلم من اختلاف الطريقتين أن حديث الساهي والنائم كلام عند اللغوي لا النحوي؛ فلو حلف لا يكلم زيدًا -قال الرافعي في آخر تعليق الطلاق ... مسألة ٣: المضارع "حقيقة" في الحال مجاز في الاستقبال أن علته أو مشترك أقوال.

стр. 705

ومن فروعه: لو قالت: "أطلق" عقيب قوله: "طلقي نفسك" وأرادت الإنشاء -وقع فيا لحال وإن لم ترد شيئصا لم يقع شيء لأن مطلقه للاستقبال. نقله الرافعي عن البوشنجي. ولو قال: أقسم بالله لأفعلن فالأصح أنه يمين. ولو أوصى بما تحمله هذه الشجرة أعطي الحمل الحادث دون الموجود -قاله في الجعالة نقلًا عن الماوردي. مسألة: يطلق الكلام على الكتابة والإشارة وما يفهم من حال الشيء وهو إطلاق مجازي. باب النكرة والمعرفة: قدم ابن مالك في التسهيل تعريف المعرفة على النكرة ثم عرف النكرة بما سوى المعرفة وعكس في الألفية فقدم تعريف النكرة وعرفها بقابل "أل" المؤثرة كرجل أو الواقع موقع قابلها١ نحو: ذي، ومن، وما في قولك: مررت برجل ذي مال، وبمن معجب لك وبما معجب لك؛ فإنها واقعة موقع صاحب وإنسان وشيء. ووجه المتكلمون عليه تقديمه النكرة على المعرفة بأنها الأصل. والتحقيق عندي أن النكرة إن عرفت بدال على الوحدة فهي قسيمة المعرفة وينبغي تقديم المعرفة حينئذ؛ إذ ليست النكرة أصلًا، وإن عرفت بالمطلق -أعني الدال على الماهية من حيث هي- فهي الأصل وتقديمها متعين. ثم الصواب عندنا أنها الدال على الوحدة فإذا صنيع التسهيل أحسن. وقد فرق الفقهاء بين النكرة والمطلق بدليل. فرع: قال علي ألف في هذا الكيس فلم يكن فيه شيء لزمه الألف لأنه أقر بالألف ثم وصفها بصفة مستحيلة فيلغو المستحيل ولا يجري فيه خلاف بعقيب الإقرار برافع لأن ذلك عند انتظام الكلام وإن كان فيه أقل فالصحيح لزوم الإتمام.

стр. 706

ولو قال على [الألف] ١ التي في هذا الكيس فلم يكن فيه شيء لم يلزمه [الإتمام] ٢ على الأصح عند النووي والوالد وإن كان فيه دون الألف لم يلزمه الإتمام على الصحيح والفرق بين التنكير والتعريف أن الإخبار عن المنكر الموصوف في قوة خبرين فأمكن قبول أحدهما وإلغاء الآخر [والإخبار] ٣ عن المعرفة الموصوفة تعتمد الصفة؛ فإذا كانت مستحيلة بطل الخبر كله. تحقيق: اشتهر بين الناس أن الاسم إذا كرر ذكرًا فإن كانا معرفتين؛ فالثاني هو الأول٤ كما [قلنا] ٥ في القسم الأول، وإن كان الأول معرفة والثاني نكرة فخلاف فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ واستدل على ذلك بما روي مرفوعًا عن عمر وابن مسعود وابن عباس ﵃ "لن يغلب عسر يسرين". وخرج الحاكم هذا اللفظ في مستدركه في تفسير سورة آل عمران٦. وأما الثالث: فكقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ٧ وحاصل هذا جعل اللام للعهد. والرابع: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ٨. فقرآنًا نكرة بعد القرآن المعرف وهو هو، وقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا﴾ ٩ فالثاني غير الأول. هذا حاصل كلامهم في هذه القاعدة، ولم يتحرر لي فيها قول [بت] ١٠ فإن قولهم في المعرفتين: أن

стр. 707

الثاني هو الأول يرد عليه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ١ وكذلك في سورة العنكبوت: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية٢ ولا يخفي أن الكتاب في الآيتين ثانيًا غيره أولًا -وهما معرفتان- وقولهم في النكرتين: أنهما غيران قد يورد عليه نحو: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ ٣ ولا يخفى أن الضعف ثانيًا هو الأول -وهما نكرتان. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٥. فإن قلت: قد عرف الاتحاد فيما يكون من خارج. قلت: فقيد إطلاقك أن النكرتين غيران بما يندفع عنه مثل هذا، ولا يتبين لي الآن تحريرًا لتقييده. ومما يرد أيضًا قول أصحابنا قاطبة -في أنت طالق نصف طلقة وربع سدس طلقة- إن الواقع واحدة بخلاف ما إذا عطف بالواو فقال: نصف طلقة وربع طلقة وسدس طلقة وكان قضية القاعدة أن يكون ثلاث طلقات في الصورتين، ولا أثر للعاطف. وقالوا -في عبتك نصف وثلث وسدي دينار: إنه له دفع شق من دينار، ولا يجب دفع دينار صحيح. وفيه للوالد ﵀ منازعة لسنا لها الآن، وقد حاول الأخ سيدنا وشيخنا وبركتنا شيخ الإسلام ومحقق العلماء وبركتهم أبو حامد أحمد -أحمد الله عواقبه- في كتاب شرح التلخيص تحرير القاعدة فقال ما ملخصه: التحقيق أن يقال: إن كان الاسم عامًا في الموضعين فالثاني هو الأول؛ لأن ذلك من ضوررة العموم، وسواء كانا معرفتين [عامتين] ٦ أو نكرتين حصل لهما العموم بالموقع في سياق النفي. أما إذا كانا عامين -وهما معرفة ونكرة- فسنذكره.

стр. 708

وإن كان الثاني عامًا فقط فالأول داخل فيه؛ لأنه بعض أفراده -سواء المعرف والمنكر- ويلتحق بهذا القسم في دخول الأول في الثاني إن كانا عامين والأول نكرة كقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ، [أي لا يملكون شيئًا من الرزق فابتغوا عند الله كل رزق] ١، أو جنس الرزق. وإن كانا خاصين -بأن يكونا معرفتين بأداة عهدية- فكذلك بحسب القرينة الصارفة إلى المعهود. باب المضمر: مسألة: من المضمرات أنت -بفتح التاء للمذكر، وكسرها للمؤنث، وقد تعكس -بتقدير الذات أو نحوها- ويحتاج إلى ذلك عند الصلاة على ميت مجهول أذكر هو أم أنثى بقوله: اللهم اغفر له وارحمه؛ ينبغي عود الضمير على شخص الميت- رجلًا كان أو امرأة. ولو قال لرجل: زنيت -بكسر التاء- أو للمرأة بفتحها كان قذفًا -على ما قاله الرافعي- أو اللعان قال: وكذا زان للمرأة، وزانية للرجل وفيه قول قديم. مسألة: الضمير المسمى عند البصريين فصلًا وعند الكوفيين عمادًا صيغة ضمير مرفوع منفصل يتوسط بين المبتدأ والخبر نحو: هو من قولك: زيد هو القائم أو ما أصله المبتدأ أو الخبر نحو: كان زيد هو القائم وإن زيدًا هو القائم. مسألة: إذا سبق الضمير مضاف ومضاف إليه، وتعذر عوده إلا إلى واحد منهما تعين عوده إلى المضاف لأنه المتحدث عنه، دون المضاف إليه، لأنه جاء استطرادًا بطريق [التبع]- وهو تعريف المضاف أو تخصيصه، وكذا قاله شيخنا أبو حيان وجماعات، وهو معتمد أئمتنا في ردهم على الظاهرية حيث زعموا -في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٢ إن الضمير للخنزير لا للحمه محتجين بأنه أقرب مذكور، وجوابهم أن

стр. 709

الأقربية شرطها أن يكون متحدثًا عنه، وقد استدل بالآية -على نحو استدلالهم- ومن أصحابنا المارودي في تفسيره. فائدة: ذهب ابن حزم إلى أن من نسي صلاة وجب عليه - إذا تذكرها- قضاؤها في مكان غير الذي غفل فيه عنها- وهي مسألة التحول. قالت الظاهرية: "يجب التحول عن مكان الغفلة" ووافق على أن لا يتعين قضاؤها في وقتها، وعلى أنه لا يتعين أن يقضي معها مثلها، ثم ذكر حديث النسائي: "من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها "١، وقال: "إنه مشكل". ثم أجاب عنه بأن الضمير في "معها" للغداة لا للصلاة -أي فليقض مع الغداة مثل الصلاة- على حد صنعهم في "فإنه رجس". قاله فرارًا من أن يوجب ثنتين، ولكن يلزمه أن يتعين القضاء في وقت الغداة وهو لا يقول به. مسألة: إذا اشتكرت الجملتان -المعطوفة إحداهما على الأخرى- في اسم جاز أن يؤتي به في الثانية ظاهرًا، فيجوز أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، كما يجوز وأن محمدًا رسوله نحو: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ ٢؛ بل الإتيان به ظاهرًا في صيغة الشهادة خير؛ ألا ترى إلى اختلاف الأصحاب في أجزاء قول القائل في التشهد في الصلاة "وأن محمدًا رسوله" هل يقوم قمام "رسول الله" لكن المأخذ الفقهي في ذلك التعبد بالاسم المعظم لا ما يتعلق بصناعة اللسان. باب الموصول: مسألة: "من": للعقل، وقد يقع على غيره -قيل: مطلقًا- والصحيح إذا اختلط بالعاقل. "وخما" لغير العاقل، وقد يطلق على العاقل قيل: مطلقًا، وقيل: إذا اختلط ويطلق أيضًا على العاقل إذا جهل أذكر هو أم أنثى. وقد يصنع هذا في "من" ألا ترى إلى "مسألة" في حجر وقع من سطح؛ فقال الزوج: إن لم تخبريني من رماه فأنت طالق المسألة المنقولة عن القاضي الحسين وقد

стр. 710

تكلمنا عليها في ترشيح التوشيح؛ فالظاهر أنه إنما أتى "بمن" للجهل بالرامي [] ١ ومراده إن لم تخبرني براميه. مسألة: الموصول الحرفي: ما أول ما يليه بمصدر ولم يحتج إلى عائد، واحترزنا بقولنا: مع ما يليه عن اسم الفعل، نحو صه؛ فإنه يؤول بمصدر إن لم ينونن وينكره إن نون، والفعل المضاف إليه اسم زمان نحو: قمت حين قاموا، والضمير العائد على المصدر المفهوم من فعل قبله نحو: اعدلوا هو أقرب فإن هذه كلها مؤولة بمصادر لكن لامع ما يليها، بخلاف الموصول الحرفي، فإن تأويله بمصدر يكون مع ما يليه. ويقيد عدم احتياجه إلى عائد، الذي إذا وصف به مصدر ثم حذف المصدر وأقيم هو مقامه؛ فإنه إذا ذاك يؤول مع ما يليه بمصدر إير أنه يحتاج إلى عائد؛ فليس بموصول حرفي، ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢ أي كالخوض الذي خاضوا. إذا عرف هذا فاعلم أن النحاة لم يزيدوا على أن الموصول الحرفي مؤول بمصدر، فيقدرون أن والفعل في نحو: يعجبني أن تقوم بالقيامٍ، أما أن دلالتهما على القيام يكون سواء فلم يتعرضوا لذلك، وللشيخ الإمام ﵀ كلام نفيس [فيه تقدم] ٣. "باب المبتدأ": مسألة: لا بد أن يطابق الخبر المبتدأ فيتحد به معنى وإن غايره لفظًا. ومن هنا نتطرق إلى جواب عن إشكال أذكره قائلًا: اختلف أصحابنا فيما إذا قال: هذه الدار بعضها لزيد وبعضها لعمرو هل تجعل بينهما نصفين أو يكون مجملًا. يرجع فيه إلى إقراره ويقبل تفسيره بأن لزيد منها أكثر مما لعمرو-؟ على وجهين، نظيرهما إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة. وفي مسألة الطلاق هذه ثلاثة أوجه. الصحيح المنصوص: أنه يقع طلقتان في الحال الأول، وطلقة في الحال الثانية، لأن اللفظ محمول على [التشطير] ٤ فتكون

стр. 711

[حصة] ١ الحال طلقة ونصف طلقة، وبعض الطلاق يكمل فيقع طلقتان وتتأخر الثالثة إلى الحالة الأخرى. قال الرافعي: ووجه بأن الشيء إذا أضيف إلى حهتين بلفظ البعض لزمت التسوية؛ ألا ترى أنه لو قال: هذه الدار بعضها لزيد وبعضها لعمرو يحمل على التشطير. والثاني: وعليه المزني يقع [واحدة] ٢ في الحال وتتأخر اثنتان إلى الاستقبال، لأن لفظ البعض يقع على القليل والكثير، والمتيقن واحدة. قال الرافعي: ومن صار إليه لا يكاد يسلم مسألة الإقرار ويقول: بأنه محل يرجع إليه فيه. والثالث: أنه يقع الثلاث في الحال حملًا على إيقاع بعض من كل طلقة. قلت: وقد عرفت أن في مسألة الإقرار أو وجهين، والرافعي حكاهما في موضعهما. وإذا عرفت هذا فقد رأيت في تكلمة شرح المنهاج -لأخي شيخ الإسلام بهاء الدين أبي حامد أحمد أطال الله بقاءه وجمع شملي به في خير وعافية وصلى الله عليه سيدنا محمد- أن كون بعضها لزيد وبعضها لعمرو لا ينافي أن يكون بعضها لثالث؛ إذ ليس فيه ما يدل على الإخبار عن جملة الداعر، بخلاف هذا الدار لزيد وعمرو، فإن ضرورة مطابقة الخبر للمبتدأ تفضي بالحكم على جميعها، وبتقدير الحكم على الجميع فمن أين المساواة؟. هذا كلامه في كتاب الطلاق. وأقول: هذا السؤال يجيء في "أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبضعن للبدعة". فيقال: لم لا يقبل قوله: أردت واحدة للسنة وواحدة للبدعة وواحدة تتأخر إلى أن تصير هذه المرأة لا سنة لها ولا بدعة ولا يجيء في هذه الدار بعضها لزيد وبعضها لعمرو؛ لأن مطابقة الخبر للمبتدأ يجب أن يكون زيد وعمرو مشركين في جملة الدار وهذا لأبي أعرب "هذه الدار" مبتدأ و "بعضها" بدلًا، وقوله "لزيد" ظرف في موضع الخبر، والخبر مفرد. وإذا كان كذلك تعين أن يكون البعضان مستوعبين لجملة الدار، وإلا لزم عدم المطابقة وحمل العام على الخاص.

стр. 712

مسألة: "لا يخبر عن المعنى بالحياة ولا بالعكس إلا على تأويل". "فإذا قال: "حياتك طالق" لم تطلق، لأن الحياة عرض، وهو الصحيح. وإذا قال: "أنت الطالق" لم تطلق وبه جزم في "البحر" ولنا فيه بحث نحوي ذكرناه في كتاب "منع الموانع". "باب المفعول المطلق والمفعول له وفيه": المصدر: مدلوله الحدث، واسم المصدر مدلوله لفظ دال على الحدث كذا فرق بينهما ابن يعيش، والفرق آت في الفعل "كاسكت" مع اسم الفعل "كصه". وشذ من ذهب إلى أن اسم الفع واسم المصدر كالفعل والمصدر في الدلالة. المصدر المنسبك: نحو: يعجبني صنعك إن كان المعنى الماضي أو الحال أنحل إلى ما والفعل نحو ما صنعت أو ما تصنع وإن كان بمعنى الاستقبال انحل إلى أن والفعل. غير أن هنا وقفة محتومة على طالب الغايات وهي أن المنحل هل هو في منزلة ما ينحل إليه أو أرفع منزلة فيكون. "يعجبني صنعك" -يريد الاستقبال- أبلغ من "يعجبني أن تصنع". كان الشيخ الإمام يقطع بذلك، ويخرج عليه إذا قال: "وكلتك أن تبيع" ليس له أن يوكل في بيعه بل يباشر [المبيع] ١ بنفسه، أما إذا قال: "وكلتك في بيعه" قال: فله التوكيل". قلت: ونظيره "أوصيت بأن تسكن هذه الدار" تكون إباحة لا تمليكًا؛ بخلاف "أوصيت بسكانها - نقله الرافعي في الباب الثاني من الوصية- عن القفال ساكتًا عليه وكذا لو باع بشرط العتق وبشرط أن تعتق ينظر الفرق بينهما. باب الاستثناء: لا يجوز وضع المستثنى أول الكلام؛ لأن أداة الاستثناء بمثابة العطف "بلا" النافية وتقديم المعطوف ممتنع، وعقد بعضهم الإجماع على ذلك. قال شيخنا أبو العباس الأندرشي٢ -وقد وهم عفا الله عنا وعنه: فإن

стр. 713

الكسائي١ والزجاج٢ يجيزان ذلك وعليه جاء قول الشاعر: خلا الله لا أرجو سواك وإنما ... أعد عيالي شعبة من عيالك وإليه أشار ابن مالك بالشذوذ؛ حيث قال: لا يقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه مقابل على أحدهما. وأشار بقوله: "بل على أحدهما" إلى جواز قام إلا زيدًا القوم والقوم إلا زيدًا ذاهبون وفيه مسائل: منها: إذا قال: له علي إلا عشرة مائة فوجهان في أوائل كتاب الإيمان من الرافعي. أحدهما: الصحة فاللازم تسعون. والثاني: البطلان فيلزم المائة. باب الحال: الحال وصف من جهة المعنى وفيه مسائل: منها: إذا قال: أنت طالق مرضية -بالنصب- لا يقع الطلاق إلا إذا مرضت؛ قاله الرافعي في فروع الطلاق. قال لأن الحال كالظرف للفعل ولو رفع مريضة: قال الرافعي فقد قيل: يقع الطلاق في الحال، وقوله: "مريضة" وصف لها واختيار ابن الصباغ الحمل على الحال -أيضًا- إلا أنه لحن في الإعراب. انتهى.

стр. 714

وقوله: في مذهبه إشارة إلى أن البندنيجي قاله رأيًا له- لا أنه جادة المذهب- فانعكس على الرافعي وتوهم أن المراد بمذهبه مذهب الشافعي فجعله المذهب، وجعل ما هو المذهب اختيار لابن الصباغ. وقد رد ابن الصباغ على البندنيجي فإن "مريضة" نكرة، فلا تكون صفة للمعرفة -وهي أنت- قلت: والأمر كما قال، "ومريضة" إنما هو خبر ثان لأنت. ومنها: إذا قال: "أنت طالق طالقًا" قال الرافعي قبل فصل التعليق بالحمل والولادة -عن الشيخ أبي عاصم: "أنه لا يقع في الحال شيء لكن إذا طلقها يقع طلقتان؛ فيصير التقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق، وليكن هذا في المدخول بها انتهى. قلت: أما الفرع فحكى صاحب التتمة فيه عن القاضي وجهين آخرين. أحدهما: لا يقع الطلاق أصلًا لأن "طالقًا" نصب على الحال؛ فالتقدير حالة تكونين طالقًا والمرأة لا تكون طالقًا إنما تكون مطلقة، والرجل هو الطالق، والصفة لم توجد فلا يقع. قلت: هذا ضعيف بمرة، ولو تم لما وقع الطلاق بقوله أنت طالق. والثاني: يقع طلقة، وهو ما حكاه الإمام في "النهاية" قال: ويسأل عن قوله: طالقًا ونقله مجلي عن النص في "الأم"، وأما تقييد الرافعي المسألة بالمدخول بها ففيه نظر. ثم قال الرافعي: ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار طالقًا؛ فإن طلقها قبل الدخول فدخلت طالقًا وقعت الطلقة المعلقة إذا لم تحصل البينونة بذلك الطلاق، وإن دخلت غير طالق تقع تلك الطلقة. قلت: وفيه بحث سبق في مسائل أصول الفقه قال الرافعي: ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار طالقًا واقتصر عليه قال في التهذيب: أن قال: نصبت على الحال ولم أتم الكلام قبل ولم يقع شيء، وإن أراد ما يراد عند الرفع ولحن، وقع الطلاق إذا دخلت الدار. قلت بقي ما إذا أطلق ولم يرد شيئًا، والظاهر أن لا يقع شيء، لأن الكلام غير منتظم.

стр. 715

مسألة: الأصل كون الحال للأقرب فإذا قلت: ضربت زيدًا راكبًا، فراكبًا حال من المضروب لا من الضارب. وراعى الأصحاب في ذلك -القرينة فقالوا- واللفظ للبغوي في التهذيب: لو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنت طالق، يشترط أن يكون القاذف في المسجد. ولو قال: إن قتلت فسلانًا في المسجد يشترط أن يكون المقتول في المسجد؛ لأن مقصوده الامتناع عن هتك حرمة المسجد من القتل يكون المقتول فيه وبالقذف يكون القاذف فيه وجرى عليه الرافعي. فرع: قال شيخنا أبو حيان: "فإن تعدد ذو الحال وتفرق الحالان فيجوز أن يلي كل حال صاحبه نحو لقيت مصعدًا زيدًا منحدرًا ويجوز أن يتأخر عن صاحبهما. نحو: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا، وحينئذ فالصحيح كون الأول للثاني والثاني للأول وقال ابن السراج عكسه. مسألة: يقع الحال جملة خبرية بغير واو -نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو﴾ - أو بواو نحو: "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين" وقد يتغير المعنى عند وضع الجملة موضع الحال؛ ألا ترى أن من نذر أن يعتكف يومًا صائمًا لزمه الجمع بين الصوم والاعتكاف المنذورين على الصحيح ولا يغنيه الاعتكاف في نهار رمضان بخلاف ما لو قال: وأنا صائم لأنه لم يلتزم الصوم وإنما نذر الاعتكاف صفة، فإذا وجدت صح إيقاع المنذور -وهو الاعتكاف فيها. باب العدد: إذا ميزت العدد المركب بمختلط -نحو: ستة عشرة دينارًا ودرهمًا، فالمجموع ستة عشر من كل صنف فإن لم يقتض العدد التمييز- كخمسة عشر كان تمييزه مجملًا نص على المسألة شيخنا في كتاب الارتشاف ويتخرج عليها- مسألة صاحب التتمة- إذا قال: علي اثنى عشر درهمًا ودانقًا، وسنذكرها في باب الألغاز في آخر الكتاب. باب حروف الجر: [باب الإضافة] ١:

стр. 716

باب التوابع: الأشياء التي تتبع ما قبلها في الإعراب خمسة -النعت والتوكيد وعطف البيان والنسق والبدل. وفي الباب مسائل. مسألة: النعت: هو التابع الذي يكمل متبوعه بدلالته على معنى فيه أو فيما يتعلق به. وخرج بقيد "التكميل" "النسق والبدل" وبالقيد الثاني البيان والتوكيد والتكميل هو الإيضاح أو التخصيص أو مجرد المدح أو الذم أو الترحم أو التوكيد والأكثر مجيء النعت للأولين ويكثر مجيئه للتوضيح في المعرفة وللتخصيص في النكرة. مسألة: عطف البيان: تابع يشبه الصفه في توضيح متبوعه إن كان معرفة وتخصيصه إن كان نكرة. والثاني أثبته الكوفيون وجماعة، نحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيد﴾ والباقون يوجبون فيه البدلية. فرع: إذا قال من لا بنت له إلا واحدة: زوجتك بنتي فلانة وسماها بغير اسمها فالأصح الصحة. وعن شرح الهادي للريحاني أنه إن أراد عطف البيان صح لوقوع الغلط فيما ليس بمعتمد الكلام أو البدل فلا للغلط في العمدة، ولا بد في هذا من صلاحيته للإرادة بأن يكون عارفًا بالعربية. باب النداء والترخيم: يجوز ترخيم المنادي -أي حذف آخره تخفيفًا- بشرط كونه معرفة غير مستغاث ولا مندوب ولا ذي إضافة ولا ذي إسناد، ثم إن كان مختومًا بتاء التأنيث جاز ترخيمه مطلقًا وإلا فيشترط كونه علمًا زائدًا على ثلاثة، ولا يجوز ترخيم غير المنادي إلا في الضرورة بشرط صلاحية الاسم للنداء؛ فلا يجوز في نحو الغلام، ويشترط كونه إما زائدًا على الثلاثة أو بتاء التأنيث؛ فمن ثم ينبغي أنه إذا رخم طالقًا ولم ينادِ بل قال: أنت طالق لم تطلق إذ لا ترخيم في غير النداء ولا لغير الأعلام وبه صرح البوشنجي لكن قال الرافعي والنووي خلافه فإن أريد جعل ذلك كناية فغير بعيد، وإلا فالوجه ما ذكره

стр. 717

البوشنجي؛ فإن قال: "يا طال" فقد توافق البوشنجي والرافعي والنووي، على الوقوع، لوقوع ذلك في النداء. وأقول: ينبغي أن لا يقع أيضًا، لكونه غير علم. مسألة: يجب بناء العلم المفرد على ما رفع به لو كان معربًا؛ فلو كانت زوجته تسمى طالقًا فقال: يا طالق "قال الأصحاب" إن قصد النداء لا تطلق وكذا إن أطلق -في الأصح- وضبط النووي في المنهاج بخطه "طالق" بسكون القاف. قال الأخ شيخنا شيخ الإسلام أبو حامد -أطال الله بقاءه: وكأنه يشير إلى أنه إن قال: يا طالق -بالضمة- فلا يقع شيء جزمًا، وإن أطلق؛ لأن بناءه على الضم يرشد إلى إرادة العلمية وإن قال: يا طالقًا -بالنصب- تعين صرفه إلى التطليق. قال: وينبغي في الحالتين أن لا ترجع إلى خلاف ذلك. قلت: وإن لم يكن اسمها طالقًا طلقت -كذا أطلقوه ولم يقيدوه بما إذا سكن- وينبغي أن لا يتقيد؛ بل سواء أسكن أم ضم لأنه وإن ضم فغايته أن يكون لاحنًا ولا قرينة تشهد بصرف الطلاق عن معناه، لأن العلمية منتفية. مسألة: مع: أصله "معي" حذفوا ياءه للتخفيف، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالاسم المضاف إليه. فإذا قال: طلقة معها طلقة أو مع طلقة كانا معًا بتمام الكلام وهو الصحيح، وقيل: يتعاقبان، فلا تقع الثانيةعلى غير المدخول بها. تنبيه: حركة "مع" حركة إعراب ويجوز بناؤه على السكون على لغة لم يحفظها سيبويه وجعل ذلك من ضرورات الشعر قال: وقد جعلها الشاعر "كهل" حين اضطر فقال: منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما فرع: فانقطعت عن الإضافة نونت، نحو: قام زيد وعمرو معًا وقام الرجال معًا للجماعة كما تقع للاثنين، وغلط من خصها بالاثنين وكأنه توهم أن "ألفها" للاثنين -وذلك وهم.

стр. 718

قال طفيل الغنوي: إن النساء كأشجار نبتن معًا ... منهن مر وبعض المر مأكول وإذا نونت فالأكثر -حينئذ أن تكون حالًا وجاءت خبرًا في قول الشاعر: أفيقوا بني حرب وأهوانًا معًا ... ....................... وقال بعضهم في "أهوانا معًا": إنه حال والخبر محذوف تقديره "كائنة معًا" ورد عليه هذا القول. ثم قال ابن مالك في باب المفعول فيه: "إن معًا تساوي جميعًا في المعنى". قال شيخنا أبو حيان: "يعني أنها لا تدل على اتحاد الوقت". ورد عليه شيخنا بقول ثعلب: "إذا قلت قام زيد وعمرو جميعًا احتمل أن يكون القيام في وقتين. وأن يكون في وقت، وإذا قلت "معًا" فلا يكون إلا في وقت واحد وقد تضمن كلام شيخنا أمرين: أحدهما الحكم على ابن مالك بأنه أراد بقوله: "تساوي جميعًا في المعنى" عدم الاتحاد في الوقت؛ وإنما يتم هذا لو سلم ابن مالك أن "جميعًا" لا تدل على اتحاد الوقت، ومن أين لنا ذلك؟ فإن أخذ أبو حيان هذا من وقوع هذه المادة في التوكيد -كقولهم- جاء القوم أجمعون- فالصحيح كما ذكره هناك أنها لا تقتضيه، وإن لم يكن له مستند- فيأخذه إلا كلام فقد يرد ابن مالك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ أي مجتمعين أو متفرقين وبالجملة ليس في كلام ابن مالك ما يدل على أن "جميعًا" للمعية فلا يلزم أن تكون "معًا" ليس للمعية حتى يوجد في كلامه ذلك "في جميعًا". نعم قد يستدل على المعية في "معًا" بقول امرئ القيس في وصف الفرس. مكر مفرمقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل فإنه لم يرد إلا اتحاد الوقت لكن مبالغة وإلى ذلك أشار ابن خالويه بقوله في "شرح الدريدية": إن هذا الوصف بالمعية من الوصف بالمستحيل. ومثه قول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: فلما تفرقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معًا

стр. 719

باب أبنية الفعل ومعانيها: منها لماضيها المجرد من الزيادة ثلاثيًا مبنيًا للفاعل ثلاثة أبينة أحدها ["فعل" بفتح أوله وضم ثانيه نحو رف وشرف وثانيها "فعل" بفتح أوله وكسر ثانيه نحو علم وسلم وثالثها] ١ "فعل" بفتح أوله وثانيه نحو ضرب وذهب وإن كان رباعيًا فله بناء واحد -وهو فعلل- بفتح أوله وثالثه نحو: دحرج. فصل: عرفت أن الفعل المجرد من الزيادة ثلاثي ورباعي، وكل منهما قد يستعمل مزيدًا. فمن المزيد: "أفعل"، ويستعمل لمعان. الأول: "التعدية" نحو أدنيت زيدًا. والثاني: "الكثرة" نحو أظبي المكان: كثر ظباؤه. والثالث: "الصيرورة" أغدي البعير -صار له غدة. والرابع: "الإغانة" أحلبت فلانًا - أعنته على الحلب. والخامس: "التعريض" أقتلت فلانًا -أي عرضته للقتل. والسادس: "السلب" أشكيت فلانًا -أي أزلت شكايته. السابع: "إلفاء الشيء -بمعنى ما صنع- منه: أحمدت فلانًا بمعنى ألفيته منصفًا بما يوجب حمده. الثامن: "لجعله صاحبه بوجه ما" نحو أقبرت الرجل: أي جعلت له قبرًا. التاسع: "ذكره ابن عصفور كجعل الشيء افاعلًا نحو أخرجته وأدخلته -أي جعلته خارجًا وداخلًا. العاشر: لجعل الشيء على صفة نحو: أطردته -أي جعلته طريدًا. الحادي عشر: "بلوغ عدد" نحو: أعشرت الدراهم إذا بلغت عشرين. الثاني عشر: "بلوغ زمان" أصبحنا -بلغنا الصباح. الثالث عشر: "بلوغ مكان" أشام القوم: بلغوا الشام.

стр. 720

"ومنها: فعل يفعل". ومنها: "فاعل" لأقسام الفاعلية والمفعولية لفظًا، والاشتراك فيهما معنى ولموافقة أفعل المجرد، وللإغناء عنهما. ومنها: تفاعل. ومنها: افتعل. ومنها: انفعل. ومنها: استفعل "لاثنى عشر معنى". للطلب، نحو استغفر. وللتحويل: نحو استحجر الطين أي صار حجرًا. وللاتخاذ: نحو استعبد أي اتخذ عبدًا. ولإلغاء الشيء: بمعنى ما صنع منه، نحو استعظمت الشيء أي وجدته عظيمًا وعبر أو الحسن عن هذه بالإصابة. ولعده كذلك: نحو استعظمته أيضًا -أي عددته مع العظماء. ولموافقة نحو: أكانه فاستاكن. ولموافقة نحو: أبل من المرض واستبل. ولموافقة يفعل نحو استكبر وتكبر. ولموافقة يفعل نحو استكبر وتكبر. ولموافقة افتعل نحو: استعظم واعتصم. والمجرد: نحو: استغنى وغنى والإغناء عنه نحو: استحيا وللإغناء عن فعل نحو: استرجع. فرع: استوفي المال أي توفاه وأخذه كاملًا. قال في الصحاح استوفيت وتوفيت بمعنى ... قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ومن ثم قال الأصحاب: لو قال الدائن للمدين: استوفيت منك كان إقرارًا بالوفاء نقله الرافعي -عن صاحب التهذيب ساكتًا عليه- في الباب الثاني من الكتابة، وهو واضح ولا يقال: لم لا يحمل "استوفيت" على طلب الوفاء؛ لأن لهذه اللفظة بمعنى الأخذ -اشتهار صيرها حقيقة عرفية، ثم هو موضوع اللغة فيها بدليل الاستعمال وما ذكرناه من قوله تعالى ﴿يَسْتَوْفُون﴾ ونظيرها: استولدت هذه الجارية أو هي١ مستولدتي.

стр. 721

فإنه صريح في أنها أم ولد، لا أنه طلب منها الولد، وبه صرح الرافعي أيضًا. فرع: أما الاستخدام: فمعناه طلب الخدمة، ومن ثم إذا حلف لا يستخدم فلانًا فخدمه والحالف غير مطالب بالخدمة. لم يحنث قاله الأصحاب وهو ظاهر. باب أفعل التفضيل: لا يكون أفعل التفضيل -إذا قيدت إضافته بتضمين معنى من إلا بعض ما يضاف إليه. ومن ثم مسائل: منها: إذا قال: أعطوه أكثر [مالي] ١ "زيد على النصف شيئًا"؛ صرح به الأصحاب في باب الوصية. فإن قلت: قد صرحوا في الطلاق بأنه إذا قال: أنت طالق أكثر الطلاق "تطلق ثلاثًا" هذا مع قولهم فيما إذا أوصى بعامة ماله أنه بالأكثر مع أن العامة للجميع والأكثر للبعض فقد خالفوا مدلول اللفظ في الموضعين. قلت وجدوا أن الطلاق لسبب٢. باب إعمال المصدر واسمه ٣: باب إعمال اسم الفاعل والصفة المشبهة إذا أريد باسم الفاعل الحال والاستقبال عمل النصب، وإن أريد المضي تعينت إضافته إلا أن يكون معه "أل" فيجوز النصب. وقال الكسائي: يجوز أن ينصب مطلقًا؛ وحيث يجوز النصب يجوز الجر أيضًا ثم هما سواء عند سيبويه. وقال هشام: النصب أولى. وقال شيخنا أبو حيان؛ الجر أولى. ومن فروع المسألة: "أنا قاتل زيدًا" فإن نون لفظ قاتل ونصب زيدًا لم يكن

стр. 722

[ويحنث] ١ لعدم اقتضاء اللفظ للوقوع، وإن جر فهو موضع النظر، والمنقول عن محمد بن الحسن أنه قرار، وفيه نظر، "لجواز" أن يكون المضاف بمعنى الحال أو الاستقبال. باب عوامل الجزم: مسألة: لأداة الشرط صدر الكلام، فإن تقدم عليها شبه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إياه خلافًا للكوفيين والمبرد وأبي زيد. وفصل المازني -فمنع إن كان الجزاء ماضيًا فلا يجوز "قمت إن قام زيد أو إن لم يقم" وجوز إن كان مضارعًا فيجوز أقوم إن قام زيد وإن لم يقم" وحمل على هذا الشيخ تاج الدين أبا اليمن -زيد بن الحسن الكندي النحوي- على أن قال بعد أن ذكر أن قول المازني هو قول كل من يوثق بعمله في قول الرجل لامرأته طلقتك إن دخلت الدار بوقوع المازني هو قول كل من يوثق بعمله في قول الرجل لامرأته طلقتك إن دخلت الدار بوقوع الطلاق في الحال في الأولى، قال: لأن الفعل الماضي إذا وقع قبل حرف الشرط كان ثابتًا وما ثبت لا يجوز أن يوقع في جواب الشرط يعني فلا يكون للشرط جواب ولا دليل جواب فيطرح ويعمل الفعل الماضي عمله. وأطال في منع هذا التركيب في كلام له على هذه المسألة وعلى عكسها وهو قول القائل: إن دخلت الدار طلقتك؛ فإنه قال فيها إن الطلاق تعليق بدخول الدار. قرأته بجملته على ولادي الشيخ الإمام في ليلة الثلاثاء ثالث عشرين جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وسبعمائة [عندما] ٢ أملي علي في تلك الليلة كلامًا على قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . وكانت قراءتي لكلام الكندي تكررت على الشيخ الإمام والدي ﵀ في الشهر المذكور من ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادي الآخرة إلى ليلة الثلاثاء ثالث عشرة منه، وهو يكرر البحث فيها نهارًا، وإذا جاء الليل طلبني قرأت عليه كلام الكندي وأنا ألخص ما سمعته من والدي شفاهًا، وما كتبته عنه وما كتبه هو أيضًا بخطه على كلام الكندي. قال ﵀ -ومن لفظه سمعت "لم يصب الكندي في شيء من المسألتين والحق خلاف ما قاله فيهما، وأن الطلاق في الأول يقع عند دخول الدار لا قبله، وفي الثانية لا يقع أصلًا إلا أن ينوي

стр. 723

بقوله: طلقتك معنى قوله: فأنت طالق فحينئذ يقع عند وجود الشرط. قال: "ولا يساعد الكندي نحو ولا فقه، وقد قال تعالى حكاية عن شعيب١ وقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وبئيس فعل ماض، وقال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قراءة من كسر الضاد، وقال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والظاهر أن الشرط مرتبط في المعنى بما قبله، وقال ﷺ : "خبت وخسرت إن لم أعدل". وقال حسان بن ثابت: عدمت بنتي إن لم يزورها ... ... [بني] ٢ البقع [موعدها غدًا] ٣ وقال الملاعن: كذبت عليها إن أمسكتها. قلت أنا: وقالت أم الفضل في ولدها عبد الله بن عباس ﵃. ثكلت نفسي وثكلت بكري ... إن لم يسد قهرًا وغير قهر [بالحسب] ٤ الجم وبذل الوفر ... حتى يوارى في ضريح القبر وقال الأشتر٥ النخعي: لعنت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم يحل يومًا من يهاب نفوس خيلًا كأمثال السعالي سريًا ... تعد وتبيض في الكريهة سوس حمي الحديد عليهم [كأنهم] ٦ ... لمعان برق أو شعاع شموس

стр. 724

وقال الحماسي: شربت وما إن لم أرعك بدرة ... بغندة يهوى القرط طيبة النشر "انتهى" قال الشيخ الإمام ﵁: وقال الفقهاء في بعتك إن شئت إن قبل المشتري؛ ففي انعقاد البيع خلاف، وإن لم يقبل لم ينعقد بلا خلاف ولم يجعلوه إقرارًا، ومقتضى كلام الكندي أن يكون إقرارًا. ثم قال الشيخ الإمام: وهذه الشواهد كلها وكلام الكندي والنظر أيضًا يرده لأن كل ما أمكن تعليقه لا فرق من [بين] ١ أن يعبر عنه بالماضي أو بالمضارع؛ فإذا أريد بالماضي ذلك صح تعليقه، وكيف يحكم الكندي بمؤاخذته بطلقتك وإن أراد أنه إقرارؤ فليفرض في رجل لم يتقدم منه طلاق، فإنه لا يمكن حمله على الإقرار، وإن أراد إنشاء ولكن لم يصححه من جهة النحو -أعني تعليقه فيبقى إنشاء- بلى تعليق فيه الآن. والظاهر أن هذا مراده، فلا يصح تعليله بما قاله من أنه ماض وجب وثبت فإن هذا التعليل يرجع إلى المعنى الأول لا إلى الصناعة وكيف يوقع الطلاق على شخص لم يقصده. ولا دل عليه لفظه، لكونه أخطأ٢ من جهة النحو على زعمه. وهو [قوله] ٣: لو قال: إن دخلت الدار أنت٤ طالق [فكان] ٥ خطأ من جهة صناعة النحو ولا ينجر عليه الطلاق الآن؛ بل إذا دخلت: اعتبارًا بقصده لما بيناه من أنه ليس خطأ من جهة العربية، بل هو صواب. ثم ذكر الشيخ الإمام [ما] ٦ حاصله: أنه إذا وقع الالتباس على الكندي من جهة أن الفعل الماضي تارة لا يصح [أن] ٧ يراد به الإنشاء بوجه بل يكون خبرًا لا محالة؛ فهذا لا شك أنه لايعلق نحو: قمت أن قمت إن قصد [بالأولى] ٨ الإخبار عن القيام، وتارة يصح أن يراد به الإنشاء "كطلقتك" فإنه وإن كان موضوعه الخبر فقد يراد به الإنشاء بل ذكره الفقهاء في صرائح الطلاق كقوله: "أنت طالق". ومقتضى ذلك إطلاق صريح في الإنشاء ويكون قد نقل من الخبر إلى الإنشاء فإذا

стр. 725

كان كذلك فلا مانع من تعليقه وكذلك "قمت" إذا قصد بها الدعاء ونحوه ثم قال: الفعل الماضي ثلاثة أقسام: قسم يراد به الخير الماضي المحقق فلا تعليق أصلًا، ولا يقال: "لا يصح تعليق" لأن ما وقع لا يعلق. وقسم يظهر فيه الإنشاء "كطلقتك" فهذا [الأظهر] ١ فيه قبول التعليق حتى يصرفه صارف. وقسم بعكسه: كما في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ . قال: "وقول من منع قمت أن قمت" محمول على القسم الأول، أو على هذا القسم إذا أريد أصل وضعه -وهو الحال الغالبة عليه. قلت: ويدل لهذا أن النحاة نقلوا أن المازني وجه تفرقته بأن تقديم الجزاء ماضيًا كره مخالفة الأصل فيخرج الماضي عن ظاهره إلى الاستقبال. ويخرج الجزاء عن أصله بالتقديم؛ فدل أن مراده بما منعه "قمت" غير المقصود بها حينئذ الماضي. ثم قال فتسوية الكندي بينه وبين القسم الثاني -الذي يظهر فيه الإنشاء- غير متجه، ثم إنه يلزم ذلك في اسم الفاعل إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار لأن أنت طالق جملة اسمية تدل على الثبوت في الحال وما كان ثابتًا لا يعلق. كما لا يصح "أنا قائم في الحال إن قمت" إلا أن يقول: إن اسم الفاعل صالح للاستقبال فبالتعليق يحمل عليه؛ فنقول: وقوله "طلقتك" كذلك لأن الماضي قد يراد به المستقبل. ذكر الشيخ الإمام تحقيقًا تكرر منه ذكره وتقريره فقال ﵁: على أنا لا نقول: إن هذا الماضي أريد به المستقبل بل أريد به الإنشاء الناجز الواقع فيا حلال والمعق هو أثره - وهو وقوع الطلاق المنشأ بحسب ما أنشأه [وهو الواقع في الحال والمعلق هو أثره -وهو وقوع الطلاق المنشأ بحسب ما أنشأه] ٢ وهو حكم شرعي يقع عند دخول الدار -فالماضي هو التطبيق والإيقاع والمعلق هو الطلاق، والوقوع [لا شك] ٣ أن في "طلقتك" أمرين أحدهما التصرف الناجز من الزوج -وهو تطليق وإيقاع لا يمكن تأخره- والثاني: أثره -وهو طلاق ووقوع- وهذا يؤخر ويعلق قال: وهذا مثل قولك: "أضرب زيدًا يوم الجمعة"؛ ففي "أضرب" شيئان -أحدهما إنشاء لأنه فعل أمر، ومن ثم لا يعلق ولا يتأخر. وليس يوم الجمعة طرفًا له، إذ لو كان طرفًا له لزم تأخره.

стр. 726

والثاني: المصدر الذي يضمنه -وهو المأمور به- وهذا هو المعلق المظروف في يوم الجمعة. قال: وقول النحاة- إن يوم الجمعمة معمول لا ضرب فيه تسمح، ومرادهم ما ذكرناه وإن لم تفصح عبارتهم به. مسألة: اعتراض الشرط على الشرط سائغ في كلامهم ولا احتفال [بمن] ١ منعه من النحاة لأن القرآن العزيز ناطق به في آيات. قال الشيخ الإمام ﵀: أوضحها ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وغلط من تعقب كلام الوالد من أهل هذا العصر في قوله: إن هذه الآية ليست من اعتراض الشرط على الشرط زاعمًا أن الفاء يجب تقديرها في لفظ الشرط الثاني وهو "أن"، وأنها -حينئذ تكون للشرط الثاني، وجوابه كلاهما جواب عن الشرط الأول. ووجه غلطه أنه لما اعتقد تحتم تقدير الفاء زعم أن الشرط وجوابه جواب الشرط الأول ودخول الفاء غير مسلم له إلا أن يكون الشرط الثاني مع جوابه جوابًا؛ وذلك هو محل النزاع بل الصواب أن الجواب جواب عن الأول وقد استشهد سيبويه ﵀ على الاعتراض بهذه الآية نفسها، أفتراه خفي عليه هذا؟ وللوالد ﵀ مصنف في اعتراض الشرط -حافل يترفع عن همم الزمان سماه بيان حكم الربط [واعتراض الشرط على الشرط] ٢. وحظنا منه هنا: إذا اعترض شرط على آخر- نحو: إن أكلت إن شربت فأنت طالق -فالجواب المذكور للسابق منهما وجواب الثاني محذوف- هذا مذهب سيبويه وعليه [مذهب] ٣ شيخنا أبي حيان والشيخ الإمام الوالد ﵀. وكلام ابن مالك يقتضي أنه مستغ عنه وأنه لا يقدر جواب أصلًا. ومذهب الأخفش أن الجواب هما "ثم سيبويه -على ما فهمه الوالد عنه واختاره- يجعل الشرط كالظرف". وعلى مذهب سيبويه هل يقدر مثل جواب السابق فقط أو مضمون الجملة التي توسط الشرط بين جزأيها؟ فيه احتمالان [للوالد ذكر] ٤ أن الأول منهما قضية كلام من نقل

стр. 727

عن سيوبيه، والثاني قول أبي حيان. إذا عرفت هذا؛ فمن ثم كان الصحيح -في المثال المذكور- أنها لا تطلق حتى يقدم المؤخر ويؤخر المقدم١، ووجه هذا أن الشرط الثاني قيد في الأول -كما نقلناه عن سيبويه فلا بد من تقدمه عليه؛ إذ لو تأخر لم يشبه الظرف. فائدة حسنة: قال القاضي أبو الطيب -بعد ذكر مسألة اعتراض الشرط على الشرط [وتقدم] ٢ المؤخر. "قال أصحابنا: هذا في حق العالم العارف؛ فإن كان عاميًا فعل ما جرت به عادتهم" هذا كلام القاضي -وهو الصحيح- ولم أجده في كلام غيره، لكن قواعدهم تقتضيه. [والله الموفق] ٣.

стр. 728

المآخذ المختلف فيها بين الأئمة التي يبني عليها فروع [فقهية] ١: وهذا في الحقيقة -كتاب في الخلافيات على نمط غريب وأسلوب عجيب، وقسم أخذ من جملة التحقيق بأوفر نصيب، ما هو إلا تحصين المآخذ وتحسين القواعد التي يعض عليها بالنواجذ، وعائد بالنفع على من هو بالله من الضر عائذ. وقد رأينا أن نقدم -قبل افتتاح مسائله- مقدمة نافعة يعم نفعها على ما تقدم وما تأخر، وتشمل فائدتها من تبصر وتذكر وتعود عائدتها على من تأمل وتفكر، فنقول: القول في سبب اختلاف العلماء: الخلاف إما في مسائل مستقلة، أو في فروع مبنية على أصول، والأول ينشأ من أحد أمور. الأول: كون اللفظ مشتركًا وذلك في مسائل: منها القرء عند الشافعي ﵁ أنه الطهر على "حد" قول الشاعر: أفي كل عام أنت حاسر عروة ... تشد لأقصاها عريم عرابكا مورثة لما لا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكًا

стр. 729

وعند أبي حنيفة [﵁] ١ أنه الحيض لقول الشاعر: يا رب ذي طعن على قارض ... له قرء كقرء الحائض وهي مسألة واسعة النظر. ومنها [أول] في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ . قال مالك ﵁: "أو للتخيير فيفعل السلطان بقاطع الطريق- ما يراه من هذه الأمور وقال الشافعي وأبو حنيفة [﵄] ٢: للتفصيل والتقسيم؛ فمن حارب وقتل وأخذ المال صلب وقتل ومن قتل ولم يأخذ قتل ومن أخذ ولم يقتل، قطع. ومنها: الخلاف في عود الضمير نحو: الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُن﴾ هل يقدر "عن" أو "في"، نحو الخلاف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ . وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [أَوْ فِسْقًا] ﴾ ٣؛ فإن داود أعاد الضمير -في فتاويه- على الخنزير لا على لحمه المتحدث عنه، وخالف الجماعير والحق عود الضمير إلى المضاف إليه لكونه أقرب. وترك المتحدث عنه سبيلًا سلكها أصحابه في مواضع شتى فقال ابن حزم في "المحلي" في قوله ﷺ : "من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها" إن الضمير في "معها"راجع إلى الغداة- أي فليقض مع الغداة مثل هذه الصلاة التي تصلي بلا زيادة وأطال في ذلك ذكره في المسألة التي انفرد بها؛ حيث يوجبون التحول من المكان الذي نسيت فيه الصلاة إلى مكان آخر. ومن الخلاف في عود الضمير الخلاف في قوله ﷺ " لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره". الثاني: الحقيقة كحديث: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل". قال علماؤنا: لا صيام صحيح الصيام المفترض تنتفي بانتفاء نية الليل.

стр. 730

وقالت الحنفية: "لا صيام كامل فعدلوا إلى المجاز". ونحوه قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي". وأمثله كثرة: الثالث: "الخلاف الناشئ عن دعوى ارتباط إحدى الآيتين بالأخرى لا الحديثين بالآخر. نحو: ﴿وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ مع قوله ﷺ : "قد جعل لهن سبيلًا -البكر بالبكر- جلد مائة وتغريب عام ... " الحديث. وذلك نحو: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ . ونظيرهما: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ظاهرها أن مريد حرث الآخرة يؤتي منها؛ وإنما يؤتي منها من يشاء الله أتاه لا كل من أرادها، لقوله في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ . الرابع: وقد يدعي دخوله في الثالث ... "الغفلة عن أحد الدليلين المتقابلين -ولو بالعموم والخصوص -فينسحب على العموم من لم يبلغه دليل الخصوص". ويمثل لهذا القسم بما روى عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فلقيت أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا فقال: البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ليلى فقال: البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فقال: جائزان، فقلت سبحان الله؟ فقهاء القرآن لا يتفقهون على مسألة واحدة. فعدت إلى أبي حنيفة [﵁] ١ فأخبرته بقولهما فقال: ما أدري ما قالا حدثني عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط.

стр. 731

فعدت إلى ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها" البيع جائز والشرط باطل. فعدت [إلى ابن أبي] ١ شبرمة فأخبرته فقال: حدثني معد بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعث النبي ﷺ جملًا وشرطت حملاته إلى المدينة. البيع جائز والشرط جائز. ولهذا يترجح المتقدم على المتأخر ويكون أولى بالإتباع، لاجتماع المتقابلات عنده وهو أحد أسباب تقدم الشافعي على [السابقين] ٢، لأنه تأخر عنهم وحصل على ما حصلوا - واجتمع عنده ما تفرق بينهم فتصرف فيه، فكان مذهبه أقرب إلى الصواب. الخامس: الناشئ عن دعوى العموم والخصوص وهو قريب من الرابع. نحو: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قيل عامة وقيل مخصوصة فقيل لحديث: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل". وقالت عائشة ﵂: "بل الكافر يؤاخذ بإسراره وإعلانه". وقد يطرأ الخلاف من منكره ولكن ينكره في ذلك المقام لتخصيص الكتاب السنة عند من ينكره إما مطلقًا أو إذا كانت آحادًا، أو لا ينكر جوازه ولكنه يدعي أنه ارتفع فيه، وهذا المسلك يسلك بعينه في النسخ. السادس: الناشئ من جهة الراوي ضعفًا، أو إرسالًا ونحوه، أو نقله بما يظنه المعنى، أو جهله بالإعراب، أو بسبب الحديث، أو تصحيفه أو إسقاطه شيئًا به تمام المعنى -إما لعدم سماعه القدر الزائد، أو لظنه عدم ارتباطه بما اقتصر عليه، أو لنقله من الصحف. وقد كثرت أمثلة هذه الأقسام، وربما أدى الحال فيها إلى إخلال عظيم، كما روي أن النبي ﷺ وهب لعلي عمامة تسمى السحاب، فاجتاز علي متعممًا بها، فقال النبي

стр. 732

صلى الله عليه وسلم لمن معه: "أما رأيتم عليًا في السحاب" أو نحو هذا اللفظ؛ فبلغ ذلك بعض المتشيعين فاعتقدوا أنه يريد سحاب السماء، وفيه يقول القائل: برأت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم والرباب ومن قوم إذا ذكروا عليًا ... يردون السلام على السحاب والغزال -بالغين المعجمة- واصل بن عطاء كان يتصدق بالغزل على النساء، والرباب هو عمرو بن عبد والرباب بباءين موحدتين. ومن ذلك حديث "إن الله خلق آدم على صورته " ورد في رجل لطم رجلًا فزجره النبي ﷺ وقال ذلك، فالضمير في صورته عائد على الملطوم لا على الله تعالى عن قول المشبهة. السابع: الناشئ من قبل الاجتهاد وذلك يختلف باختلاف الفرائح والأذهان وما لها من استعداد، وفيه يتنافس المتنافسون ويتبين مقدار الأفهام في الفهم عن الله. وهو باب القياس، وهو مديان الفحول وميزان الأصول ومناط الآراء ورياضة العلماء؛ وإنما يفزع إليه عند فقدان النصوص كما قيل: إذا أعيى الفقيه وجود نص ... تعلق لا محالة بالقياس وقد ينشأ الخلاف من اشتباه العلة بالمحل. ونحن نتحفك بضابط في ذلك نأمن معه الخطأ إن شاء الله تعالى. فنقول: المحل ما تعين لعمل العلة ولم يؤثر في الحكم شيئًا، والعلة وصف يحسن أن ينسب الحكم إليه ويترتب عليه. وإن شئت فقل ما أثر في الحكم ونعني بالتأثير ما يعنيه الفقيه لا أنه موجب فقد عرف من أصلنا اندفاع ذلك، والشرط ما لا يفهم منه تأثير ولكن وضع لينتفي الحكم عند انتفائه من غير معنى فيه. مثاله: علة ربوية الأشياء الأربعة المنصوصة عندنا الطعم وحده، والجنسية محل التحريم، وعدم التساوي في معيار الشرع شرط والمعلول فساد العقد قال القاضي الحسين: "فكأن الشارع يقول: الطعم في الجنس الواحد مع انعدام التساوي -يوجب فساد العقد وزعم الأودني أن الجنس هو العلة والطعم شرط. هذا تحرير النقل عنه -صريح بها لقاضي الحسين وغيره- وكان الأودني جليل

стр. 733

القدر فعجيب منه جعل المحل علة والشرط محلًا ولا يتبين في الجنسية أثر بخلاف الطعم؛ فكيف يعلل بغير الوصف المؤثر ويعرض عن التعليل به؟ ومن ثم رد عليه القاضي الحسين بأن الله١ لم يخلق هذه الأشياء للجنسية وإنما [خلقها] ٢ للطعم وأخذه صاحب التمة فبسطه وأوضحه كما قررناه؛ فقال: "فإن قال قائل: لماذا جعل الطعم علة؟ وهلا قلت: الجنسية علة والطعم شرط. قلنا: الفرق بين العلة والشرط يظهر بأن يكون أحدهما صالحًا -بأن يجعل أمارة دالة على الحكم- والثاني- غير صالح كما وقع في الزنا مع الإحصان؛ فإن الزنا جناية ومعصية، والإحصان صفة كما تجتمع في الشخص، والجناية تصلح أن تكون سببًا للعقوبة، وأما وجود صفة الكمال فلا تصلح، فجعل الإحصان علة والزنا شرطًا هنا وكذلك الأموال ما خلقت للتجانس؛ وإنما خلق كل جنس ليكون منفعة "انتهى". وهو صحيح فإن الإحصان خصال محمودة، ومعظمها لا يحصل باختيار المحصن كالبلوغ والحرية والعقل والكمال لا يناسب العقوبة ولا يشعر، ولذلك قال علماؤنا تعليق العتق عليه ووجود صفة محل لنفوذه فإذا قال السيد لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخلها عتق، [وعلة] ٣ العتق التعليق ومحل نفوذه الصفة. ومن ثم الأصح عندنا -وبه قال أبو حنيفة- أنه إذا شهد بالزنا قوم وبالإحصان آخرون أو بالتعليق قوم وبالصفة آخرون وحكم بمقتضى شهادتهم ثم رجع [بالشهود] ٤ كان الغرم على شهود الزنا والتعليق، دون شهود الإحصان والصفة. وزعم بعض أصحابنا أن الجنسية شرط، واختاره الشريف المراغي والقطب النيسابوري زعيرهما من النظار المتأخرين من أصحابنا. وأعرب صاحب التتمة فقال: "الجنسية شرط ومحل" وزعم الرافعي في باب الزنا أنه ليس تحت٥ الخلاف أمر طائل وسبقه صاحب التتمة [فقال] ٦ في باب الغسل عند ذلك الخلاف في موجب الطهارة ما هو ليس يظهر لهذا الخلاف تأثير في الأحكام. وأقول: ليس الأمر كذلك، وقد بنى الخلافيون من الفريقين على قولنا: "الطعم

стр. 734

علة والجنس محل"، وقول أبي حنيفة جزء من العلة، والكيل جزؤها الآخر. مسألة: وهي أن الجنس بانفراده لا يحرم النساء عند الشافعي؛ حيث يجوز إسلام الثوب في جنسه من حيث إنه لا يحرم إلا العلة ولا علة للأحكام الثلاثة إلا الطعم نعم كانت الجنسية معتبرة محلًا للعلة في ربا الفضل، والمحل بانفراده لا يؤثر. وقال أبو حنيفة: "الجنسية تحرم ربا النساء؛ لأنها إحدى وصفي العلة كما أن الكيل أحدهما" ثم الكيل يقتضي عنده تحريم النساء؛ فكذلك الجنسية. ونحن وإن ضايقناه في هذا المقام وقلنا: كيف يعمل الجزء بمفرده والتأثير إنما هو للمجموع -فلسنا ننكر تفريع الرجل على أصله. مثال آخر: الإحصان شرط للرجم، والزنا علة، والمحصن محل كما عرفت. مثال ثالث: ذكره الإمام في باب صلاة العيدين -في التكبير المقتضي له الوقت، ولذلك إذا فاتت فريضة فقضاها في غير أيام التشريق لا يكبر جزمًا، ومحل العلة هو الصلاة واختلفوا فيها -فقيل: مطلق الصلاة، وقيل: بل الراتبة، وقيل: بل الفريضة. مثال رابع: خروج الحدث هو الموجب للطهارة بشرط القيام للصلاة؛ فليس القيام علة [ولا جزء علة] ١. وفي المسألة خلاف شهير. قال بعضهم: الموجب دخول الوقت، وصحح الوالد في تفسيره في صورة المجادلة في آية النجوى وذكر أن الشيخ أبا حامد قال: إنه ظاهر المذهب. وقال آخرون: الموجب أحد الأمرين من الحدث ودخول الوقت. قال صاحب التتمة: ليس يظهر لهذا الاختلاف تأثير في الأحكام؛ ولكن المقصود نفس علة الحكم "انتهى". وفيه نظر: بل للخلاف فوائد؛ منها إذا نوى بدخوله قبل دخول الوقت فريضة الوقت فالأصح الصحة. وبناء الخلاف على هذا الأصل متجه، إن قلنا. وجب بالحدث. صح بنية الفريضة، وإن قلنا: بالوقت فلا. ومنها: إذا مات بعد وجوب الصلاة وقبل فعلها في الوقت وقلنا: "إنه يعصي" فهل يحكم بعصيانه- لأجل ترك الوضوء من حين الحدث أو من أول الوقت؟

стр. 735

[وهاتان الفائدتان] ١ نبه عليهما بعض الشارحين - كما ذكره ابن الرفعة. ومنها: ما نبه عليه ابن الرفعة- إذا قلنا يجب بدخول الوقت "يصح وصفه بالأداء والقضاء كالصلاة فيقع عبد خروج الوقت قضاء. ومنها: الخلاف في ثمن ماء الاغتسال من الجنابة هل يجب على الزوج؟ يمكن أن يقال: إن أوجبنا الطهارة بالحديث وجبت عليه، لكونه سببه، أو بدخول الوقت فلا. ومنها: إذا صب الماء بعد دخول الوقت وصلى بالتيمم فهل يجب عليه القضاء؟ إن قلنا: يجب بدخول الوقت وجب أو بالقيام إلى الصلاة فلا؛ وإنما ذكرت هاتين الصورتين لمساواتهما لما قبلهما. وفي بناء كل من الصور نظر، إذا من أوجبه بالحدث جعل دخول الوقت شرطًا وكذا من أوجبه بالقيام جعل الحدث شرطًا وغذا اشترط أحدهما في الآخر لم يتجه البناء. ويوضح هذا أنه في الصورة الخامسة لو صح البناء لاقتضى أنه إذا صبه قبل دخول الوقت -وقلنا: يجب بالحدث يجب القضاء ولا قائل به فيما أحسب. وهذا الخلاف في الطهارة يجب بما إذا جاز في غسل الحائض؟ أيجب بخروج الدم؟ وعليه العراقيون من أصحابنا، أم بإنقطاعه؟ وعليه الخرسانيون، أم بالخروج عند الانقطاع فيكون الانقطاع شرطًا؟ وهو التحقيق. وفي الثاني الذي قال به الخراسانيون نظر؛ فإن الانقطاع لا يناسب وجوب الغسل، فلعل شرط العلة اشتبه بها. قال الوالد ﵀ في كتاب الجنائز: لهذا الخلاف فائدة حسنة، هي إذا استشهدت الحائض في قتال الكفار فإن قلنا بالانقطاع لم تغسل، أو بالخروج ففيه الوجهان فيغسل الجنب الشهيد. وذكر صاحب العدة فائدة أخرى: إذا أجنبت الحائض وقلنا بالقول الضعيف: إن الحائض تقرأ القرآن. فلها أن تغتسل من الجنابة لاستباحة قراءة القرآن وإن قلنا بالخروج فلا يمكن ارتفاع الجنابة وبقاء الحيض، كمن أحدث بنوم ثم شرع في البول وتوضأ في حال بوله عند النوم لا يصح.

стр. 736

الخلاف في فروع بعد الاتفاق على أصولها ذلك أما بعد تعيين العلة أو قبلها: الأول: مثاله في الأصول رفع حكم المجمع عليه باطل، ومن يجوز إحداث ثالث يدعي أنه غير رافع، ومن يمنعه يدعي أنه رافع. فلو اتفقوا على أنه رافع لاتفقوا على بطلانه أو على أنه غير رافع لاتفقوا على جوازه. وفي الفقه: الغرر مجتنب في البيع، لحديث "نهي عن بيع الغرر" والإجماع والخلاف في بيع الغائب ناشئ عن أنه غرر أو لايعود ذلك إلى الخلاف في معنى الغرر. وقد قال صاحب الحاوي: إنه ما [تردد] ١ بين جائزين "متضادين الأغلب منهما أخوفهما" وقال صاحب البحر: الغرر ما [تردد] ٢ بين جائزين "لا يرجح أحدهما صاحبه، أما إذا رجحت السلامة لم يكن غررًا". ومن الغريب وجه حكاه الفوراني في "الإبانة" أن المبيع [إن] ٣ كان [منضبط] ٤ الأوصاف -بخبر [التواتر] ٥ -فهو كالمرئي، ولا يخرج على قول [الغائب] ٦. وفي [البحر] ٧ أنه لا يخبر بصري أن يرفع اسم "إن" بعد العاطف قبل مجيء ذا

стр. 737

الخبر نحو: أن زيدًا وعمرًا قائمان لئلا يتوارد عاملان -وهما "أن" و"الابتداء" على معمول واحد، وهو الخبر. ولا يمنعه كوفي؛ لأنهم يرون الخبر مرفوعًا، بما كان مرفوعًا به قبل دخول "إن" وأخواتها، ولم تعمل فيه "إن" شيئًا. فلو اتفقوا على أنه مرفوع بأن لاتفقوا على منع المسألة، أو على أنه غير مرفوع بها لا تفقوا على تجويزها. وما من علم من العلوم إلا وفيه [نظائر] ١ هذه [الأمثلة] ٢ ما لا ينحصر لكثرته. الثاني: أن يكون قبل الاتفاق على عين العلة وهو ضربان. أحدهما: أن يحصل التردد قبل البحث عن العلة رأسًا، ويكون منشأ التردد في قرب الفرع من الأصل [أما] ٣ في أمر كلي أو شبه معنوي أو صوري كنظرنا في أن الخنزير هل يلتحق سؤره بالكلب قبل البحث عن العلة؟ وهذا الضرب صنفان. أحدهما: ما يكون [جلبًا] ٤ فيندره [الذهن] ٥ ويتسارع إليه الفهم من غير تأمل كإلحاق الأمة بالعبد في السراية. وثانيهما: أن يكون خفيًا. وهنا يضيق مجال النظر، وربما قامت في بعض الصور إشارات لا تنهض بها العبارات. [الضرب الثاني] ٦: أن يثور الخلاف [بين] ٧ تعيين العلة وضبط الوصف، كالنظر في الماء المستعمل في الحدث هل يمنع التوضؤ به؛ لأنه أديت به عبادة فيحلق به المستعمل في تجديد الوضوء، أو لأنه أدي به فرض، أو انتقل المنع إليه فلا يلتحق به المستعمل في التجديد. وقس على هذا؛ فإنه كثير "تقدم"٨ منه الكثير، وسنذكر عقيبه من مسائل الخلاف ونظيره.

стр. 738

مأخذ: قال علماؤنا: لا رابطة بين الإمام والمأموم، وكل منهما يصلي لنفسه؛ فلا يلزم من فساد صلاته فساد صلاة صاحبه، ولا من صحة صحتها وإنما صحة كل منهما وفساده بفعله لا بفعل غيره١. واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ $"يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم" أخرجه البخاري وفي ابن ماجه والبيهقي: "من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم من [انتقض] ٢ من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم. وقال أبو٣ حنيفة: "بينهما رابطة؛ فكل خلل حصل في صلاة الإمام يسري غلى صلاة المأموم لأنه فرع عليه. [واحتج] ٤ بقوله ﷺ : "الإمام ضامن"، ولا حجة لهم فيه إذا لا يلزم من كونه ضامنًا أن تفسد صلاة المأموم بفساد [صلاته] ٥، لا سيما وقد فسر الضامن بخلاف هذا؛ فإن في ابن ماجه "الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم وإن أساء يعني فعليه ولا عليهم"٦ وقال [مالك] ٧ وأحمد: يسري النقص إلي المأموم عند عدم العذر لا مع العذر [فإذا] ٨ اعتقد الإمتام طهارته كان [الإمام] ٩ معذورًا في الاقتداء وزعمًا أن هذا توسط بين المذهبين. لا بد من تحرير المذهب؛ فإنه غير منصوص ولا [نعني] ١٠ بانتفاء الرابطة انتفاء العلاقة رأسًا؛ فإن بينهما علاقة بلا شك وإنخما نعني بالرابطة أنه لا يلزم من فساد واحدة أو كونها مؤداة فساد الأخرى ولا كونها مؤداة؛ بل قد تكون صحيحة أو مقضية، وسر الجماعة [عندنا ليس] ١١ تعليق المأموم صلاة بصلاة الإمام وربطها به بل إبعاد الصلاة عن [السهر] ١٢، بالإجماع وشيوع أمر الدين، وبعث الهمم على إقامة هذا الفرض، فإن الهمم تنبعث بالمشاركة وتحصيل أجر الجماعة، [وما] ١٣ يدعو إليه الإجماع من

стр. 739

حضور القلب، لارتباط فعل المأموم بفعل الإمام. خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: مأخذ صلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام. صحة وفسادًا لا [أداء] ١ وعملًا، وهي كالمندرجة في ضمن صلاة الإمام. وقد أنشأ اختلافًا في هذا المأخذ "الخلاف" في مسائل: ومنها: أن القدوة لا تسقط قراءة الفاتحة عن المأموم. ومنها: أن اختلاف نية الإمام والمأموم لا تمنع القدورة مع التساوي في الأفعال حتى يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، والقاضي بالمؤدي والمتم بالقاصر، [وبالعكس] ٢. ومنها: وقوف المرأة بجنب الإمام لا يفسد صلاتها، وعند أبي حنيفة تنعقد ثم تفسد صلاة الإمام ثم تفسد صلاتها وصلاة المقتدين. ومنها: إذا أرتج على الإمام في القراءة ورد عليه المأموم قاصدًا الرد فقط بطلت صلاة المأموم دون الإمام: وقال أبو حنيفة "تبطل صلاتهما جميعًا" وقال أحمد "لا تبطل صلاة واحد منهما". ومنها: إذا اقتدى قارئ بأمي بطلت صلاة القارئس وحده، وقال أبو حنيفة: "تبطل صلاتهما جميعًا" لأنه ألزمه تحمل القراءة وليس أهلًا فكأنه ترك ركنًا، وبالغ بعضهم فقال لو وجد الأمي قارئًا يقتدي به لم تجز صلاته منفردًا؛ لأنه وجد من يتحمل عنه. ومنها: إذا بان بعد فراغ الصلاة كون الإمام جنبًا أو ذا نجاسة خفية لم تجب الإعادة. والحنفية أوجبوها بناء على قاعدة الاندراج وتنزيل حدث الإمام تنزيل حدث المأموم، ثم ادعوا أنا نقضنا قاعدتنا؛ حيث قلنا: إذا بان كونه كافرًا أو امرأة وجبت الإعادة. فقالوا: إن دعواكم إن كل مصلى يصلي لنفسه ولا ارتباط بين الإمام٣ وبينهم في غير.

стр. 740

الجمعة وأجاب علماؤنا: بأن الكفر والأنوثة كالنجاسة الظاهرة -لا يخفى حالها- فإنما بطلت صلاة القوم لتقصيرهم وتفريطهم، إذا الغالب١ يكون للكافر والمرأة علامة يتميزان بها؛ فإن فرض انتفاء العلامة فهو نادر لا حكم له؛ [فكان] ٢ من حق المأموم [أن] ٣ يعرف حال إمامه مما يغلب ظهوره؛ فإذا لم يتعرف وصلى كان التفريط من قبله؛ فكان كمن اقتدى بمن يعمله محدثًا أو امرأة. وهذا جواب من [يلتزم] ٤ أن يتبين حال الكفر إذا كان الكافر معلنًا فإن كان مستترًا لم تبطل، إذا لا تفريط -وهو ما صححه الرافعي. وصحح النووي والوالد رحمهما الله أن مخفي الكفر كمعلنه ويجب الإعادة فيهما وهو المعزو إلى النص. وعلى هذا فالجواب: أن الكافر ليس من أهل الصلاة بخلاف المؤمن المحدث فإنه من أهلها على الجملة. وقال المزني: لا تجب الإعادة وإن بان معلنًا بكفره، وهذا فيه وفاء بالقاعدة فلا سؤال عليه. واعترض الخصوم أيضًا بما إذا علم حدث الإمام قبل الاقتداء به وهذا [تناقض] ٥ فبطلان الصلاة -هنا إنما هو لبطلان النية؛ فإنه علم أن الإمام لاعب وإتباع اللاعب لعب حقيقة، فبطلت نية الصلاة. بخلاف ما إذا ظنه يصلي حقيقة. فإن نيته لا تبطل، وهو مصل لنفسه كما بيناه. ولا ننكر أن بينه وبين الإمام علاقة لكنها لا تنتهي إلى الحد الذي قالوه ومن ثم لا يلحق المأموم سهو الإمام إذا كان محدثًا ويلحقه إذا كان غير محدث. أما ثانيًا فللعلاقة، وأما أولًا فلعدم٦ الرابطة. ومنها: لو ظن المسافر إمامه مسافرًا فبان مقيمًا عد ما لزمه الإتمام مطلقًا -على ما
следующие страницы →