← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التمايز بالشخصية والطابع النفسي: "وإن الشعراء بعيدون كل البعد عن أن يصلوا إلى ما وصل إليه الكتاب من التمايز بألفاظهم، وأساليبهم، وآرائهم وشخصياتهم، وأن يستقلوا عن القدماء من فحول الشعراء ... حتى أصبح من أيسر الأمور على الناقد إذا قرأ قصيدة لشوقي، أو لحافظ أو غيرهما، أن يرد القصيدة إلى أصلها القديم الذي أخذت منه، أو أن يرد كل جزء من أجزاء هذه القصيدة إلى أصله الذي أخذ منه١". فكما جرت حسنة إسهام الشعر في النضال إلى غلبة شعر المناسبات والمحافل، الذي جر بدوره إلى عدم الاهتمام بصدق التجربة، ثم إلى الخطابية والمباشرة في التعبير؛ كذلك جرت حسنة الكلف بتجويد الصياغة، إلى عدم العناية بالأفكار الدقيقة، والتجارب النفسية العميقة، وإلى عدم اتضاح شخصية الشاعر وطبعه، ولون نظرته إلى الحياة والكون، ورسمه للطبيعة والناس.. وهناك ظاهرة سيئة أخرى جاءت أيضًا نتيجة لعدم رعاية الجانب المعنوي في الشعر، وتلك الظاهرة هي عدم رعاية الوحدة العضوية، بحيث جاءت أغلب قصائد الشعراء المحافظين مشتملة على عدد من الأغراض أولًا، ثم جاء الغرض الواحد غير مترابط المعاني، ولا مرتبها ترتيبًا بنائيًا متآزرًا ثانيًا. وهكذا أصبح الشعر المحافظ البياني ليس المثل الفني الأعلى، رغم ما له من حسنات روعة للصياغة، والإسهام في النضال، والقضاء الكامل على بقايا الاتجاه التقليدي المتخلف، وملء الحياة الأدبية بالشعر المشرق الحي، وأصبحت الحاجة ماسة إلى شعر آخر يخطو إلى مرحلة جديدة غير مرحلة البعث التي رادها البارودي، ويتجنب عيوب الشعر المحافظ البياني، التي في مقدمتها: الالتفات إلى القديم، ومحاكاته بالتمثل، والاستيحاء أو المعارضة، ثم الإكثار من القول في المناسبات والمجاملات، مما يجعل أكثر النتاج الشعري متناولًا لخارج نفس الشاعر ووجدانه، غير صادر عن تجاربه وأحاسيسه، ثم الاهتمام البالغ بجانب الصياغة، وعدم رعاية جانب المعنى، وما يطلبه من فكر صائب ووجدان صادق، وأخيرًا عدم رعاية الوحدة العضوية، نتيجة للاهتمام بجوانب بلاغية جزئية، والكلف بجمال البيت المفرد، وعدم النظر إلى القصيدة كبناء فني.

стр. 142

٢- ظهور الاتجاه التجديدي الذهني: لقد دعت الحاجة الفنية إلى ظهور لون جديد من الشعر، يحالو القيام بما عجز عنه الاتجاه المحافظ البياني، من تحقيق المثل الشعري الأعلى، الذي يلائم العصر والبيئة، ويتجنب ما تورط فيه الاتجاه المحافظ البياني من مآخذ. وقد ولد هذا الاتجاه الجديد على يد ثلاثة من الشبان المصريين، اشتركوا في عدة سمات، فهم أولًا من ذوي الثقافة الأدبية الإنجليزية بالإضافة إلى الثقافة العربية، وهم ثانيًا من المفكرين المغلبين كثيرًا لجانب العقل، وهم ثالثًا من الشباب الثائر، المتطلع إلى آفاق عليا وقيم أفضل، وهم آخر الأمر من الطموحين الذين يرون آمالهم أكبر من إمكانيات عصرهم، وظروف معيشتهم. أما هؤلاء الشبان الثلاثة فهم عبد الرحمن شكري١، وإبراهيم عبد القادر

стр. 143

المازني١، وعباس محمود العقاد٢، وقد اتصل الأول والثاني بالثقافة الأدبية الإنجليزية أولًا عن طريق دراستهما الرسمية في مدرسة المعلمين العليا، ثم عمقا هذه الثقافة بالدراسة الشخصية، والعمل في الحقل الأدبي، أما العقاد؛ فقد اتصل بتلك الثقافة الإنجليزية عن طريق قراءته الشخصية، وتثقيفه الذاتي، الذي وصل به إلى القمة التي تربع عليها كواحد من أعلام الأدب المعاصر.

стр. 144

وقد كانت لهؤلاء الثلاثة قراءات في الشعر الإنجليزي، وتعرف على شعرائه، وخاصة الرومانتيكيين من أمثال "وردزورث" و"شيلي" و"بيرون" وغيرهم، كما كانت لهم قراءات في النقد، وإعجاب بالناقد الإنجليزي "هازلت" بصفة خاصة١. وقد وجههم ذلك -بالإضافة إلى ميولهم، وثقافتهم الفكرية- إلى أن يقولوا شعرًا مخالفًا للشعر المحافظ البياني، متسمًا بسمات مغيرة لسمات شعر المحافظين. وكانت أهم سمات هذا الشعر الذي ظهر مع هؤلاء سمتين، هما التجديدية والذهنية، أما التجديدية فتتمثل في جانبين، جانب المفهوم الحقيقي للشعر، وجانب الشكل الفني للقصيدة، والمفهوم الحقيقي للشعر عندهم هو أن الشعر تعبير عن النفس الإنسانية في فرديتها وتميزها، والشكل الفني للقصيدة هو ما يقوم على اعتبارها كائنًا حيًّا، لكل جزء من أجزائه وظيفة ومكان، كوظيفة عضو المس ومكانه٢. وأما الذهنية، فتتمثل في رعاية الجانب الفكري في النسيج الشعري، وعدم قصر هذا النسيج على خيوط من العاطفة وحدها، فالواجب عندهم أن يخاطب الشعر العقل كما يخاطب القلب، وأن يتسع مفهوم الوجدان بحيث يشمل كل ما يجده الإنسان في نفسه من شعور، ومن فكر معًا٣. ومن هنا ثار هؤلاء المجددون على طريقة المحافظين، ونعوا عليهم اتخاذهم النماذج البيانية القديمة مثلًا أعلى٤، كما نعوا عليهم زجهم بالشعر في المناسبات والمحافل٥، والبعد عن النفس الإنسانية٦، كما عابوهم أيضًا بالاهتمام

стр. 145

بقشور الأشياء وظواهرها١، وعدم اتضاح الشخصية وتميزها٢، وأخيرًا عابوهم بعدم رعاية الوحدة العضوية في القصيدة٣. ونتيجة لطموح هؤلاء الشبان وكبر آمالهم، وعدم مواتاة إمكانيات عصرهم بالنسبة إليهم، أو نتيجة لشعورهم بعدم القدرة على تحقيق آمالهم الفنية، وشق طريقهم أمام هذا الطود الشامخ، الذي يمثله الاتجاه المحافظ البياني، ويتربع عليه الشاعر الكبير شوقي؛ قد أحس هؤلاء الشعراء الشبان بكثير من المرارة والظلم٤، فشابت حركتهم ثورة، وأخذت أحيانًا شكل تدمير، فلم يكتف هؤلاء الثائرون بإذاعة شعرهم الجديد، الذي يمثل مذهبهم التجديدي، وطابعهم الذهني، وإنما قدموا لشعرهم وصاحبوه، وأتبعوه بمقالات وكتابات تهدم الاتجاه القديم، وتجرح أعلامه وخصوصًا شوقي وحافظ٥، وتصل في هذا وذاك إلى درجة كبيرة من المبالغة، وهذا مظهر من مظاهر المرارة والإحساس بالظلم. وهناك مظر آخر لتلك المرارة، وهو كثرة الشكوى، وانعكاس طابع الأسى عمومًا على كثير من نماذج الشعر لهؤلاء الشباب٦. أ- زيادة هذا الاتجاه: يذهب بعض الدارسين إلى أن الشاعر خليل مطران، هو الأب الشرعي لهذا الاتجاه٧. ويعللون هذا الرأي بأن الشاعر مطران، قد بدأ يكتب عن

стр. 146

خطوط هذا الاتجاه الشعري الجديد منذ سنة ١٩٠٠، حين كتب في المجلة المصرية مبشرًا به، لافتًا الأنظار إليه، بمثل قوله: "إن اللغة غير التصور والرأي، وإن خطة العرب في الشعر لا يجب حتمًا أن تكون خطتنا، بل لهم عصرهم ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعلومهم، ولنا آدابنا وأخلاقنا وحاجاتنا وعلومنا، ولهذا وجب أن يكون شعرنا مماثلًا لتصورنا وشعورنا، لا لتصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغًا في قوالبهم، محتذيًا مذاهبهم اللفظية١". ثم أذاع ديوانه سنة ١٩٠٨، مصدرًا بمقدمة تمثل الخطوط العريضة للمبادئ الأساسية لهذا الاتجاه، ومحتويًا على كثير من النماذج التي تعتبر تطبيقًا ناجحًا له. وفي هذه المقدمة يقول مطران: "هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن، أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد، ولو أنكره جاره، وشاتم أخاه، ودابر المطلع، وقاطع المقطع، وخاتم الختام، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته، وفي موضعه، وإلى جملة القصيدة في تركيبها وترتيبها، وفي تناسق معانيها ومواقفها٢". ويضيف أصحاب هذا الرأي أن العمل الشعري الأول لهذا الاتجاه، قد ظهر سنة ١٩٠٩، وهو الديوان الأول لشكري، ثم تبعه الديوان الأول للمازني سنة ١٩١٣، وأخيرًا ظهر الديوان الأول للعقاد سنة ١٩١٦، وقد يزيد أصحاب هذا الرأي أن العمل النقدي الأول الذي يحوي مبادئ هؤلاء في تجديد الشعر، إنما هو كتاب الديوان، الذي أصدره العقاد والمازني سنة ١٩٢١، وهذا معناه عند أصحاب هذا الرأي أن هؤلاء الشعراء المجددين المصريين الثلاثة، قد أظهروا آثارهم التجديدية بعد كتابات مطران التي تعتبر الريادة الأولى لهذا الاتجاه٣.

стр. 147

ولكن العقاد ينكر تأثره هو أو أحد رفاقه بمطران، ويؤكد أنه كان هو وزميلاه يتعرفون على ألوان التجديد في الشعر بقراءاتهم المباشرة في الأدب الإنجليزي، وعدم احتياجهم، لأن يتأثروا بالتجديد نقلًا عن مطران، الناقل بدوره عن الفرنسية، بل يبالغ العقاد فيرى أن مطران قد تأثر بهؤلاء الشعراء الثلاثة، ويستدل على ذلك باتجاه مطران أخيرًا إلى الأدب الإنجليزي، وترجمته لبعض أعمال شكسبير١. والواقع أن العقاد وصاحبيه، لم يظلوا غافلين عن التجديد حتى ظهر ديوان مطران سنة ١٩٠٨، ولم يكن كتاب "الديوان" الذي ظهر سنة ١٩٢١ هو بداية المعركة بينهم وبين المحافظين؛ فالحق أن كتاباتهم التجديدية قد بدأت بكتابات العقاد في صحيفة الدستور منذ سنة ١٩٠٧، حيث نشر بها وبغيرها آراء نقدية تجديدية عن "التشبيه الشعري"، و"الشعر والألفاظ"، و"الكاتب والشاعر" وغير ذلك٢، والحق أيضًا أن معركتهم مع المحافظين قد بدأت بنقدات العقاد لحافظ وشوقي، التي بدأها منذ سنة ١٩٠٩، مثل نقده لحافظ إبراهيم، ونعيه عليه خلطه للأغراض في قصيدة واحدة، وقوله عند سنة ١٩٠٩ ما خلاصته، أنه أخذ قطعة من الحرير، وقطعة من المخمل وقطعة من الكتان، وكل منها صالح وحده لصنع كساء فاخر في نسجه ولونه، ولكنها إذا جمعت على كساء واحد، فتلك مرقعة الدراويش٣. ومثل نقده لشوقي، واتهامه له بالغول والتقليد وعدم الصدق، وقوله عنه سنة ١٩١٠ما نصه: "ليت شعري ماذا كان يعني شوقي بك بقوله على قبر بطرس غالي باشا: القوم حولك يا ابن غالي خشع ... يقضون حقًّا واجبًا وذماما يتسابقون إلى ثراك كأنه ... ناديك في عهد الحياة زحاما

стр. 148

يبكون موثلهم وكهف رجائهم ... والأريحي المفضل المقداما أكان يريد أن يقول: إن زائري قبر الراحل، وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء والعلماء، وفيهم نائب مولاه الأمير، ووكلاء الدول وأكابر السراة والوجهاء؛ أكان يريد أن يقول: إن هؤلاء كلهم ممن كانوا يقصدون من نادى ابن غالي موئلا وكهف رجاء، يستعطون من أريحة ساكنة الجواد، ويستدرون من أفضاله؟ أم أراد أن يقول كما قال الناس في هذا المعنى، فأخطأ التقليد؟ أم كان لا يريد أن يقول شيئًا؟ أم تراه يحسب أنهم ملكوا عليه حتى دموع عينيه، وأنه نائحة المعيَّة، أعد ليرثي كل من يموت من خدامها بلا مقابل؟! ١". وقد اتضحت المعركة بظهور دواوين شكري، والمازني والعقاد، وكتاباتهم في تأييد مذهبهم، ونقد المذهب المقابل، ومن أهم ما كان من تلك الكتابات المتقدمة زمنًا، المقدِّمة التي كتبها العقاد للجزء الثاني من ديوان شكري سنة ١٩١٣، والمقدمة التي كتبها في نفس العام للجزء الأول من ديوان المازني، والتي يقول فيها: "لقد تبوأ منابر الأدب فتية لا عهد لهم بالجيل الماضي، ونقلتهم التربية والمطالعة أجيالًا بعد جيلهم، فهم يشعرون بشعور الشرقي، ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربي، وهذا مزاج أول ما يظهر من ثمراته، أن نزعت الأقلام إلى الاستقلال ورفع غشاوة الرياء، والتحرر من القيود الصناعية، هذا من جهة الأغراض، أما من جهة الروح والهوى، فلا يعسر على البصير أن يلمح القطوب للحياة في أسر الشاعر العصري الحديث.. وحسب الأدب في العصر الحديث من روح الاستقلال في شعرائه، أنهم رفعوه من مراغة الامتهان التي عفرت جبينه زمنًا، فلن نجد اليوم شاعرًا حديثًا يهنئ بالمولود، وما نفض يديه من تراب الميت، ولن نراه يطري من هو أول ذامية في خلوته،

стр. 149

ويقذع في هجو من يكبره في سريرته، ولا واقفًا على المرافئ يودع الذاهب ويستقبل الآيب١". ومن تلك الكتابات كذلك، المقالات النقدية التي كتبها المازني في صحيفة عكاظ سنة ١٩١٣، ناقدًا لحافظ إبراهيم، ومقارنًا بينه وبين عبد الرحمن شكري، وقائلًا في ذلك: " ... وبعد فإن حافظًا إذا قيس إلى شكري لكان كالبركة الآجنة، إلى جانب البحر العميق الزاخر، وحسب القارئ أن يتأمل ديوانيهما ليعلم ما بينهما من البعد، وليعرف كيف يقعد الخيال بحافظ، ويسمو بشكري في سماء الفكر، وكيف يجني التقليد على رجل، ويغلق في وجهه أبواب التصرف والتفنن؛ فإن حافظًا قد حذا في شعره حذو العرب، وقلدهم في أغراضهم، وفرط عنايتهم بإصلاح اللفظ، وإن فسد المعنى٢". ومن تلك الكابات المتقدمة أيضًا، كتابات العقاد في صحيفة عكاظ سنة ١٩١٤ بعنوان "شعر الندابون"، ومما جاء في تلك الكتابات قوله: "إن للشعراء الندابين شعرهم وللعصر شعره، وعليهم أن يقروا في قبورهم، ويتزملوا بأكفانهم، حتى إذا تهدم جدار أو اصطدم قطار أو وقع طيار، هنالك يثوّب الداعي بهم٣". على أن من أهم الكتابات الموضحة لمعالم هذا الاتجاه، ما جاء في مقدمة شكري لديوانه الخامس الصادر سنة ١٩١٦، والتي يقول فيها: " ... ويمتاز الشاعر العبقري بالشره العقلي، الذي يجعله راغبًا في أن يفكر كل فكر، ويحس كل إحساس.. ولقد فسد ذوق المتأخرين في الحكم على الشعر، حتى صار الشعر عبثًا لا طائل تحته؛ فإذا تغزلوا، جعلوا حبيبهم مصنوعًا من قمر وغصن، وتل وعين من عيون البقر، ولؤلؤ وبرد.. وأجل المعاني

стр. 150

الشعرية ما قيل في تحليل عواطف النفس، ووصف حركاتها ... والشعر ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدًا، لا ما كان لغزًا أو خيالًا من خيالات معاقري الحشيش. فالمعاني الشعرية، هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه، وأحوال نفسه وعبارات عواطفه ... إن قيمة البيت في الصلة بين معناه، وبين موضوع القصيدة.. ومثل الشاعر الذي لا يعني بإعطاء وحدة القصيدة حقها، مثل النقاش الذي يجعل نصيب كل أجزاء الصورة التي ينقشها من الضوء نصيبًا واحدً١". وليس يبعد بعد ذلك أن يكون مطران بما كتبه مبكرًا في المجلة المصرية سنة ١٩٠٠، قد كان من عوامل التنبيه، التي حمست هؤلاء الشبان على ارتياد آفاق جديدة في الشعر ونقده، وإن كان من البعيد جدا أن يصل هذا التنبيه المحتمل إلى مستوى الأستاذيه أو الريادة؛ وذلك لما عرفنا من تمكن هؤلاء الشبان من أداة الاتصال بالينابيع الشعرية الجديدة في مصادرها الأصلية، ثم لما نعرف من انطوائية مطران ووضعه الحساس، كواحد من مهاجري الشام المسيحيين؛ الأمر الذي يصعب معه أن يكون إمامًا، أو رائدًا لمثل هؤلاء الشبان الثائرين الطامحين الغيورين. هذا، وكما يعتبر شوقيس قمة الاتجاه المحافظ البياني، يعتبر العقاد قمة هذا الاتجاه التجديدي الذهني، فهو الذي حمل لواءه، في وفرة النتاج واستمراره، وتنوع جوانبه، وهو الذي ظل يكافح عن تقاليده أكثر من خمسين عامًا دون أن يلين أو يفتر، وهو الذي خلف تلاميذ يعتبرون امتداد هذا الاتجاه بعد عمده الثلاثة الأول٢. ب- موضوعات هذا الاتجاه: ظهر هذا الاتجاه التجديدي الذهبي، كرد فعل للاتجاه المحافظ البياني. ولذا كان فيه عند أول ظهوره، شيء من المبالغة التي تصاحب عادة ردود

стр. 151

الأفعال، ففي مجال الموضوعات، نجد أعلامه يبتعدون كثيرًا عن المجال الخارجي، النائي عن نفس الشاعر ووجدانه، فلا يقولون في المناسبات، ولا في السياسات ولا في الإصلاحيات، وإنما يهتمون كل الاهتمام بالعالم النفسي للشاعر، وما يتصل بهذا العالم من تأملات فكرية، ونظرات فلسفية، تهتم بحقائق الكون، وتفتش عن أسرار الوجود، وواضح أن ذلك كان رد فعل لتطرف المحافظين، وإسرافهم في الخوض بالشعر في شتى المناسبات، والمجاملات من مدح ورثاء وتهنئة، وما إلى ذلك. ومن هنا يتحدث العقاد عن المعرفة، ويقرر أن نهايتها كالذرى الثلجية، يجمد عندها الوجود؛ حيث تتعرى الحقائق، وتختفي من الحياة حرارة الشوق إلى المجهول ... وفي ذلك يقول من قصيدة "القمة الباردة". إذا ما ارتقيت رفيع الذرى ... فإياك والقمة البارده هنالك لا الشمس دوارة ... ولا الأرض ناقصة زائده ولا الحادثات وأطوارها ... مجددة الخلق أو بائده ويا بؤس فإن يرى ما بدا ... من الكون بالنظرة الخالدة فذلك رب بلا قدرة ... وحي له جثة هامده إلى الغور، أما ثلوج الذرى ... فلا خير فيها ولا فائده١ ويتحدث كذلك عن الحياة، ويوضح أن فيها استمرارًا يذوب معه الأمس في اليوم، ويبقى الأب في الابن. وفي ذلك يقول من قصيدة "أمنا الأرض": أسائل أمنَّا الأرضا ... سؤال الطفل للأم فتخبرني بما أفضى ... إلى إدراكه علمي

стр. 152

جزاها الله من أم ... إذا ما أنجبت تئد تغذي الجسم بالجسم ... وتأكل لحم ما تلد أقاموا أمس وانصرفوا ... فليس لفلهم شمل فأين نفوس من سلفوا ... وأين يكون من يتلو فقالت: في ملامحكم ... يبين الجد والخلف فجرسوا في جوانحكم ... فثم يجوس من سلفوا وأين عظام من نبها ... ن الماضين في السير فقالت: قد صنعت بها ... لكم حلوى من الثمر١ كذلك يتحدث المازني عن قضية الجبر، وتحكمه في مصائر البشر، وفرضه للخير والشر على الناس، فيقول من قصيدة له: "على لسان الأقدار": بأيدينا قلوبكم ... لنا فيها ألاعيب وفينا الخير موجود ... ومنا الشر مجلوب ولا عن صرفنا معدى ... ولا في الأرض محجوب نصرف أمر دنياكم ... بما فيه الأعاجيب٢ كما يتحدث عن مأساة الإنسان، وغروره برغم عجزه، وسخطه برغم ملازمة الظلم له، وفي ذلك يقول من قصيدة بعنوان "الإنسان والغرور": أقم وادعًا واصبر على الضيم والأذى ... فإنك إنسان وجدك آدم وهبك على الدنيا سخطت وظلمها ... أتملك دفع الظلم، والظلم لازم بني آدم للغرور رمى بكم ... مراميه، حتى غدا وهو حاكم

стр. 153

تظنون أن الأرض قد بسطت لكم ... ومن أجلكم تجري الغمام الروائم وأن النجوم الزهر علقن زينة ... تقر بها الألحاظ وهي هوائم فما لكم لا تنظمون نثيرها ... فيصبح منها حليكم والتمائم؟! ١ ثم يتحدث شكري عن فكرة البعث، وما يكتنفه من فزع وهول، ويتخذ من ذلك وسيلة لتصوير إحساسه بثقل الحياة وعبء العيش، حتى ليتمنى الموت الأبدي، ويكره البعث الذي يعود به إلى الحياة من جديد؛ وذلك لما يتصور في العودة إلى الحياة من تكرار لما فيها من آثام العيش، وسخافات الناس.. وفي ذلك يقول شكري من قصيدته "حلم بالبعث" التي اتخذ لها صورة الحكاية التي تقع أحداثها في حلم: رأيت في النوم أني رهن مُظْلمة ... من المقابر ميتا حوله رِمَمُ ناء عن الناس، لا صوت فيزعجني ... ولا طموح ولا حُلم ولا كلم مطهر من عيوب العيش قاطبة ... فليس يطرقني هم ولا ألم ولست أشقى لأمر لست أعرفه ... ولست أسعى لعيش شأنه العدم فلا بكاء ولا ضحك ولا أمل ... ولا ضمير ولا بأس ولا ندم والموت أطهر من خبث الحياة وإن ... راعت مظاهره الأجداث والظلم مازلت في اللحد ميتًا ليس يلحقني ... نبح العدو وبي عن نبحه صمم مرت علي قرون لست أحفظها ... عدا كأن مر بي الآباد والقدم حتى بعثت على نفخ الملائك في ... أبواقهم وتنادت تلكم الرمم وقام حولي من الأموات زعنفة ... هوجاء كالسيل جمٌّ لُجُّه عرم فذاك يبحث عن عين له فقدت ... وتلك تعوزها الأصداغ واللمم وذاك يمشي على رجل بلا قدم ... وذاك غضبان لا ساق ولا قدم ورب غاضب رأس ليس صاحبه ... وصاحب الرأس يبكيه ويختصم ويبحثون عن المرآة تخبرهم ... عن قبح مما تترك الأجداث والعدم جاءت ملائكة باللحم تعرضه ... ليلبس اللحم من أضلاعنا الوَضَم

стр. 154

رقدت مستشعرًا نومًا لأوهمهم ... أني عن البعث بي نوم وبي صمم فأعجلوني، وقالوا: قم فلا كسل ... ينجي من البعث، إن الله محتكم قد مت ما مت في خير وفي دعة ... وقد بعثت، فماذا ينفع الندم استغفر الله من لغو ومن عبث ... ومن جناية ما يأتي به الكلم١ على أن الشعراء التجديديين الذهنيين لم يحصروا أنفسهم في الموضوعات التجريدية، كالمعرفة والحياة والجبر، والغرور والبعث؛ وإنما طرقوا كثيرًا من الموضوعات الحسية، ولكن على طريقتهم؛ تلك الطريقة التي يغلب أن تتخذ من البصر طريقًا إلى البصيرة، ومن الحس سبيلًا إلى المعنى، ومن المحدود معبرًا إلى ما لا يحد، فهم يتناولون الموضوع الحسي لا ليصفوه من الخارج، متحدثين عن حجمه ولونه، ذاكرين ما يشبهه من الأشياء أو ما لا يشبهه؛ وإنما يتناولون المحسوس لينتقلوا منه إلى نفوسهم، ويصوروا ما يثيره فيها هذا المحسوس العابر من خوالد المعاني٢، ولنأخذ مثلًا لذلك قول العقاد عن "العقاب الهرم": يهم ويعيبه النهوض فيجثم ... ويعزم إلا ريشه ليس يعزم لقد رنق الصرصور، وهو على الثرى ... مكب، وقد صاح القطار وهو أبكم يلملم حدباء القدامى كأنها ... أضالع في أرماسها تتهشم ويثقله حمل الجناحين بعد ما ... أقلاه، وهو الكاسر المتقحم جناحين لو طارا لنصت فدومت ... شماريخ رضوى واستقل يلملم ويغمض أحيانًا، فهل أبصر الردى ... يحط عليه أم بماضيه يحلم؟؟ لعينيك يا شيخ الطيور مهابة ... يفر بغاث الطير عنها ويهزم وما عجزت عنك الغداة وإنما ... لكل شباب هيبة حين يهرم٣ فالعقاد في هذا الأبيات يرسم صورة العقاب الهرم، من خلال نفسه وما

стр. 155

أثار فيها مشهد هذا العقاب من أحاسيس، وهو بهذا الرسم الملون بلون نفس الشاعر، أو النابع من داخله ينقل القارئ من الصور الجزئية العابرة للعقاب الهرم، إلى الصورة الكلية الخالدة، لكل مجلد تليد تمسه عوادي الأيام، فتصيب منه الجانب المادي، أما الجانب المعنوي فيه، فيبقى برغم العوادي وبرغم الأيام، حاملًا على الإجلال باعثًا للمهابة١. حـ- أسلوب هذا الاتجاه: وفي مجال الأسلوب نجد هؤلاء الشعراء التجديديين يبتعدون غالبًا عن اتخاذ النماذج القديمة مثلًا أعلى؛ فلا يتمثلون معانيها، ولا يترسمون صورها، ولا يحاكون بناءها، وإنما يرتبطون بها فقط في حدود استخدام اللغة العربية في تراكيب قويمة، ولكن للتعبير عن معانيهم هم، ولتصوير صور من تأليفهم هم، ثم لتأليف بناء شعري من تصميمهم هم. يفعلون ذلك وإن سبب شيئًا من عدم رونق الصياغة، أو جر إلى البعد -بعض الشيء- عن إشراق البيان. كما نجد هؤلاء التجديديين أيضًا يحاولون جاهدين أن يستنبطوا الحقائق، وينفذوا من الأمور إلى الجوهر، غير مكتفين بالظواهر، ولا واقفين عند المحسوسات، يفعلون ذلك وإن أدى في بعض الأحيان إلى شيء من البرود في الشعر، أو أفضى إلى شيء من الجفاف في القصيد. وأخيرًا نجدهم يحاولون تحقيق الوحدة في القصيدة، وجعلها بناء حيًّا بحيث لا تتعدد أغراضها، ولا تتنافر أجزاؤها، وإنما تتناول تجربة واضحة، وتصلح لأن يوضع لها عنوان يشير إلى مضمونها، على أن تتآزر أجزاؤها، ويؤدي كل منها وظيفة حية في مكانه.

стр. 156

د- العاطفة في هذا الاتجاه: وفي مجال العاطفة، يلاحظ على شعر هذا الاتجاه التجديدي الذهني أن العاطفة قد تأتي وراء الذهن، على أن تلك العاطفة حين تنضح تكون من لون مفعم بأحاسيس الأسى، مليء بمشارع المرارة، جياش بالحزن والضيق الذي يبلغ أحيانًا حد اليأس، وليس من شك في أن قراءات رواد هذا الاتجاه في الأدب الرومانتيكي الإنجليزي، قد كان لها أثر في شيوع هذه العاطفة في شعرهم، ولكن طبيعة هؤلاء الرواد أولًا، وظروف حياتهم ثانيًا، كان لها أعظم الأثر في هذا الشأن، فإحساسهم المفرط بما يكتنف الحياة من مظالم وشرور وآثام، ومعاناتهم الواعية للمتاعب، والعقبات التي سدت الطرق إلى ما كانوا يرون أنفسهم جديرين به من مجد، ومقاساتهم الشديدة لألوان من الاضطهاد التي وصلت أحيانًا إلى درجة المحاربة في الرزق، كل ذلك كان المصدر الأول لهذه العواطف المفعمة بالأسى، المليئة بالمرارة، الجياشة بالحزن والضيق الذي يبلغ أحيانًا حد اليأس. ومما يمثل هذا الطابع من شعر المازني قوله في قصيدة يعبر بها عن مأساة الضيق بالحياة وعدم احتمالها، نتيجة لفرط الإحساس، وخيبة الآمال، وتحدي الأحداث المستمر: لبست رداء الدهر عشرين حجة ... وثنتين، يا شوقي إلى خلع ذا البرد عزوفًا عن الدنيا، ومن لم يجد بها ... مرادًا لآمال تعلل بالزهد تراغمني الأحداث حتى كأنني ... وجدت على كره من الحدثان فلا هي تصمي القلب مني إذا رمت ... ولا ترعوي يومًا عن الشنآن أبيت كأن القلب كهف مهدم ... برأس منيف فيه للريح ملعب أواني في بحر الحوادث صخرة ... تناطحها الأمواج وهي تقلب

стр. 157

سأقضي حياتي ثائر النفس هائجًا ... ومن أين لي عن ذاك هدى ومذهب على قدر إحساس الرجال شقاؤهم ... وللسعد جو بالبلادة مشرب١ ومما يمثل هذا الطابع من شعر العقاد، قوله في قصيدة يصور فيها تجربة الظمأ الروحي، والسأم النفسي، والحيرة العقلية، واليقضة الشعورية، والعجز المعذب عن نيل السعادة أو السلو عنها: ظمآن ظمآن لا صوب الغمام ولا ... عذب المدامخ ولا الأنداء ترويني حيران حيران لا نجم السماء ولا ... معالم الأرض في الغماء تهديني يقظان يقظان لا طيب الرقاد يدا ... ويني، ولا سمر السمار يلهيني غصان غصان لا الأوجاع تبليني ... ولا الكوارث والأشجان تبكيني شعري دموعي وما بالشعر من عوض ... عن الدموع نفاها جفن محزون يا سوء ما أبقت الدنيا لمغتبط ... على المدامع أجفان المساكين هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم ... وما استرحت بحزن في مدفون أسوان أسوان لا طب الأساة ولا ... سحر الرقاة من اللأواء يشفيني سأمان سأمان لا صفو الحياة ولا ... عجائب القدر المكنون تعنيني أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني ... على الزمان ولا خل فيأسوني يديك فامح ضنى يا موت كبدي ... فلست تمحوه إلا حين تمحوني٢ وكثير من شعر شكري يمثل هذا الطابع الذي رأيناه بوضوح في "حلم بالبعث". وليس كل شعر أصحاب هذا الاتجاه آخذًا هذا المنحى الباكي، وليس كله مفعمًا بالعاطفة على هذا النحو؛ فلهم كثير من الشعر في مناح أخرى، تصل أحيانًا إلى حد السخرية والإضحاك، كما لهم كثير من الشعر لا تكاد تحس فيه إلا برودة الذهن وجفاف العقل، ولكن طابع النفس الإنسانية وقلقها وعدم

стр. 158

رضاها، وطابع الفكر الممزوج بالعاطفة، أو العاطفة التي يساندها الفكر، وهو الطابع الغالب على شعر هؤلاء الشعراء. هـ- التجديديون بين النظرية والتطبيق: وبعد، فهل وفت كل نماذجهم بمبادئ مذهبهم؟ أو جاءت كل أشعارهم ممثلة لدعوتهم؟ الحق أننا لا نرى التطابق الكامل بين مذهبهم النظري، وكل نماذجهم التطبيقية، وخاصة بعد امتداد الزمن بهم، وبعدهم رويدًا رويدًا عن التحمس لتجديداتهم، أو عن فترة رد الفعل الذي صاحب حركتهم، فقد رأينا العقاد ثملًا -وهو أقواهم شكيمة، وأشدهم تحمسًا لهذا المذهب- يعود فيمدح، ويشارك بشعره في بعض المناسبات، ويضطر إلى الاعتذار عن ذلك بأن المدح الصادق لا يعاب على الشاعر١، بل إننا رأينا العقاد وبعض رفاقه يعارضون بعض نماذج الشعر القديم، ومن أمثلة ذلك معارضتهم لنونية ابن الرومي، كما رأينا كثيرًا من نماذجهم لا تتحقق فيها الوحدة على الوجه الذين طالبوا به في كتاباتهم. ومع ذلك قد أحدث اتجاههم تأثيرًا كبيرًا في حياة الشعر الحديث، وخلق تيارًا ثانيًا إلى جانب التيار الأول، قد يتشرك مع في بعض السمات، ولكنه يخالفه في كثير من الأسس، وهو بعد ذلك يمثل حلقة هامة في سلسلة تطور الشعر العربي الحديث، برغم أن الاتجاه المحافظ ظل مسيطرًا، وغالبًا على الشعراء وجمهور الشعر جميعًا، وربما كانت تلك الغلبة لما كان يساند كبيري الشعر المحافظ من اعتبارات خارجة عن طبيعة الفن، ككون شوقي شاعر القصر، والقادر على تحريك الأقلام وكسب الأنصار، وكون حافظ شاعر الزعماء السياسيين، والحائز على عطف طبقات الشعب، وربما كان لغلبة الطاقة الشعرية والقدرة البيانية عند واحد كشوقي، أثر في شيوع حب

стр. 159

الشعر البياني وعدم الكلف بغيره١ حينذاك. وقد ألف بعض الدارسين أن يطلقوا على هذا الاتجاه اسم "شعراء الديوان"، أو "جماعة الديوان" أو "مدرسة الديوان"٢، ووجهة نظره في نسبة هؤلاء الشعراء إلى الديوان مسوغة بأن هذا الكتاب الذي أصدره العقاد، والمازني سنة ١٩٢١، يحوي أهم مبادئ هؤلاء الشعراء جميعًا، ويمثل حركتهم التجديدية التي قابلوها بها الحركة المحافظة، ولعل من الأفضل ترك هذه التسمية لسببين، أولهما أن كتاب "الديوان"، قد ظهر بعد ظهور هذا الاتجاه الشعري بوقت ليس باليسير، ونسبة الاتجاه إليه توهم الارتباط الزمني بين الاتجاه والكتاب، وتوهم تأخر ظهور هذا الاتجاه عن زمنه أكثر من عشر سنين. وثاني السببين، هو أن كتاب "الديوان" قد تضمن هجومًا عنيفًا على شكري أحد أعلام هذا الاتجاه ومؤسسيه٣، فمن الأفضل ألا ينسب شعر شكري إلى كتاب قد حوى هجومًا عليه وتجريحًا له، ومن الأفضل كذلك، ألا ينسب الشاعر نفسه إلى كتاب بلغ من ظلمه له أن وصفه بالجنون.

стр. 160

ثانيًا: النثر ١- المقالة وظهور أول طريقة فنية للنثر الحديث: لقد أثمرت تلك الجهود التي بذلها محمد عبده، وأنصاره منذ الفترة السابقة١، حتى تبلور الاتجاه الذي راده في طرقة فنية للمقالة، تعتبر

стр. 161

الطريقة النثرية الأولى -من الناحية الزمنية- في الأدب الحديث، وقد كان مصطفى لطفي المنفلوطي١، وهو العلم البارز في تلك الطريقة، التي يمكن أن تحمل اسمه، فيقال لها: "طريقة المنفلوطي". وطريقة المنفلوطي لها سمات أسلوبية واضحة، أهمها: البعد عن التكلف، والنأي عن التقليد، والقصد إلى الصدق، والاهتمام بحسن الصياغة، وجمال الإيقاع ورعاية الجانب العاطفي، ثم الميل إلى السهولة والترسل، وترك التعقيد والمحسنات، فيما عدا بعض السجع المطبوع، الذي يأتي بين الحين والحين للإسهام في موسيقى الصياغة٢. وقد كان المثل الأعلى لتلك الطريقة، ذلك النثر المرسل الجيد الذي خلفته عصور الازدهار العربية، لكن لم تكن كتابات المنفلوطي مع ذلك محاكاة لتلك النماذج التي يمثلها نثر تلك العصور القديمة، وإنما كانت كتابات -برغم محافظتها- فيها كثير من الإبداع والأصالة، وعليها طابع الكاتب وفيها ملامح شخصيته، والطريقة التي أوضح معالمها المنفلوطي، طريقة محافظة بيانية، أشبه بطريقة شوقي في الشعر، وقد كان المنفلوطي قمة من كتبوا بها منذ رادها محمد عبده في الفترة السابقة، كما كان شوقي قمة من نظموا بالأسلوب المحافظ

стр. 162

البياني، منذ اتجه إليه البارودي في الفترة السابقة أيضًا، كذلك كانت تلك الطريقة النثرية تسهم في النضال بكل ميادينه السياسية، والاجتماعية والإصلاحية، تمامًا كما كان الشعر المحافظ يفعل. وأهم ما يمثل تلك الطريقة مقالات المنفلوطي، التي كان ينشرها في المؤيد١، والتي جمعها بعد ذلك في ثلاثة مجلدات باسم "النظرات"، وهي مقالات في الأدب والأخلاق والاجتماع، تتسم بهذه الخصائص الأسلوبية التي أشير إليها من قبل، والتي من أهمها: رعاية جمال الأسلوب دون اعتماد على المحسنات، باستثناء القليل من السجع المطبوع، ثم الاهتمام بتحريك العاطفة، وهزها بمختلف الوسائل. وقد سيطرت تلك الطريقة، وغلبت نزعتها على الكتابة خلال تلك الفترة وبعدها بسنوات، حتى لقد طبعت النظرات إلى الآن ست عشرة مرة٢، نظرًا لأسلوبها الذي يجذب القراء، وخاصة الشادين في الأدب، والناشئة في صناعة القلم، فبقيت حية مقروءة على حين اختفت معظم الكتابات التي كانت تهاجم صاحبها، وذلك؛ لأنها كانت أكثر تمثيلًا لروح العصر٣. ومع هذا لم تكن "طريقة المنفلوطي" هي المثل الأعلى لكتابة المقالة، فقد عيب عليها: الاهتمام البالغ بالأسلوب، وفقر الجانب الفكري، والمبالغة في اصطناع الأسى وإثارة العاطفة، ثم عدم الدقة في الاستعمال اللغوي أحيانًا، والميل إلى حشد الألفاظ المترادفة، والعبارات المكملة، والكلمات المؤكدة، دون حاجة إلى ذلك يقتضيها الموقف، أو تحتاجها الفكرة٤.

стр. 163

وبرغم ذلك وغيره مما أخذ على المنفلوطي وأسلوبه، قد كانت المقالات التي خلفها هذا الكاتب أول نماذج فنية للمقالة، يمكن أن تقرأ وتستعاد، فتمتع وتعجب، ويمكن لهذا أن تعتبر -بحق- قطعًا من الأدب، لا مجرد كتابات في الأدب، أو الأخلاق أو الاجتماع ككتابات كثيرين غيره. وهذا نموذج من النظرات، عنوانه: "أيها المحزون" يقول فيه المنفلوطي: "إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي، فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطالب، وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنحها،، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها، حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء، ومن ينام على بساط الغبراء؛ فخفض من حزنك، وكفكف من دمعك، فما أنت أول غرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بأول بدعة طريفة في جريدة المصائب والأحزان". "أنت حزين؛ لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك، فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته فما وجدته. ولو أنك أجملت في أملك، لما غلوت في حزنك، ولو أنك أنعمت نظرك فيما تراءى لك، لرأيت برقًا خاطفًا، ما تظنه نجمًا زاهرًا، وهناك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله". "أسعد الناس في هذه الحياة، من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظر المستريب بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وغلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل". "لولا السرور في ساعة الميلاد، ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا

стр. 164

الوثوق بدوام الغنى، ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة الفراق١". على أن طريقة المنفلوطي -أو الاتجاه المحافظ البياني- في النثر، لم تكن الطريقة الوحيدة لكتابة المقالة في تلك الفترة؛ فالحق أن تلك الطريقة كانت الطريقة الوسط، التي تأتي بين اتجاهين آخرين، لم يكونا من الوضوح والقوة حينذاك، بحيث يعتبران طريقتين مميزتين أخريين. أما أحد هذين الاتجاهين، فقد كان أكثر تشبثًا بالتراث، وأقوى تعلقًا ببعض مخلفاته، حيث اصطنع السجع على طريقة أسلوب المقامات، وكانت كتابات أصحاب هذا الاتجاه، مقالات في موضوعات أشبه بموضوعات طريقة المنفلوطي، فبعضها أدبي، وبعضها أخلاقي، وبعضها اجتماعي، ومع ذلك لم يتخذ أسلوبًا فيه كثير من طابع الكتابة التنليدية التي عرفت في الفترة السابقة٢، والتي كانت تتناول في أكثر الأحايين موضوعات ليس لها صفة العموم، وأغلب الظن أن امتداد تأثير هؤلاء السجاعين الشكليين من جانب، والتشبث الشديد بالتراث، وبفن المقامات من جانب آخر؛ ثم محاولة بعض الشعراء كتابة نثر فيه بعض خصائص الشعر من جانب ثالث؛ كل هذا قد أوجد هذا الاتجاه في كتابة المقالة المسجوعة، رغم انطلاق لغة المقالة وتحررها، وميلها إلى طبيعة الفن النثري الحي. ومن أبرز ما يمثل هذا الاتجاه من اتجاهات الكتابة، كتاب "أسواق الذهب"٣ للشاعر أحمد شوقي، وكتاب "صهاريج اللؤلؤ" للسيد توفيق

стр. 165

البكري١، إذا استثنينا منه قصائده المستقلة، فكل من الكتابين يحوي مقالات في موضوعات مختلفة، وإن غلب عليها طابع التأملات، والانطباعات والوصف، وما إلى ذلك من الموضوعات القريبة من ميدان الشعر، وكل مقالة تعتمد أساسًا في أسلوبها على السجع، وحشد المترادفات، وإيراد الإشارات التاريخية، وبث الحكم والأمثال، ويزيد "صهاريج اللؤلؤ" على ذلك، تضمين المقالات بعض ما يناسب المقام من الشعر، إما للمؤلف، وإما من التراث. كما يزيد "صهاريج اللؤلؤ" أيضًا اشتماله على بعض قصائد شعرية للمؤلف لا تتخلل النثر، وإنما ترد مستقلة. وليس من شك في أن هذا الاتجاه -برغم جودة بعض نماذجه- كان صحوة الموت بالنسبة للنثر البديعي المتكلف، الذي لفظ آخر أنفاسه بعد سيطرة الاتجاه المرسل، وتطور طرقه وتنوعها، منذ الفترة التالية. وهذا نموذج من "أسواق الذهب" لشوقي، يقول فيه تحت عنوان المال: "يا مال الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سحرت القرون، وسخرت من قارون، وسعرت النار يا نيرون. تعود الحقد أن يحالفك، وكتب على الشر أن يخالطك ويؤالفك، الفتنة إن حركتها اتقدت، وإن تركتها رقدت، والحرب وهي الحرب، تبعثها ذات لهب، منك الرياح ومنك الحطب، تزري بالكرام، وتغري بالحرام، وتضري بالإجرام، فقدانك العر والضر، ونكد الدنيا على الحر، حالك وحال الناس عجب، تملكهم من المهد، ويقولون: أصبنا وملكنا، وترثهم عند اللحد، ويقولون، ورثنا وتركنا، من عاش قوموه بما ملك، ومن هلك، تساءلوا: كم ترك؟ المحروم من أوثقك، والضائع من أطلقك، وهما فقيران، من جمعك ومن فرقك، كثير هم، وقليلك غم، ومع التوسط الخوف والطمع، والحرص والجشع؛ حذر النفاد، ورغبة في الازدياد. الملك سوقة إذا نزل إليك، والسوقة ملك إذا علا عليك.

стр. 166

أرخصت الجمال، ونقصت الكمال، وخطبت لهجن الرجال ربات الحجال، صويحباتك هن المفضلات، وغيرهن المتروكات المعطلات. العريان من ليس له منك سترة، والمستضعف من ليس له منك قدرة، فسبحان من قهر بك الخلق، وقهرك برجال الخلق"١. وهذا نموذج من "صهاريج اللؤلؤ" للبكري، يقول فيها تحت عنوان "العزلة" متحدثًا عن عوامل هجرة للحياة الاجتماعية الحضرية، وما فيها من مفاسد: " ... وأما الأخلاء، والصحب والسجراء٢، فحسبك من رجل غون في كل أمر لم ترده، ونصير في كل مطلب لم تقصده، فإن عرض لك بعض الحاج، فالعلوي يسترفد الحجاج. ماء يتلون بلون الإناء، ونيلوفر يدور مع الشمس في الإصباح والإمساء، إن جددت فإليك، أو شقيت فعليك، مدحٌ مع المادح، وقدح مع القادح. والقوم من يلق خيرًا قائلون له ... ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل أجسام متدانية، وقلوب متنائية، وإنكان خبر سوء فحماد الراوية. حدث عن البحر ولا حرج، مئذنة في ظاهر مستقيم وباطن معوج. له لطف قول دونه كل رقية ... ولكنه في فعله حية تسعى وأما أبناء السامة٣، فإن أحدهم غادة ينقصها الحجاب، ينظر في المرأة ولا ينظر في كتاب، إنما هو لباس على غير ناس، كما تضع الباعة مبهرج الثياب على الأخشاب. وهل ينفع الوشي السحيب مضللا ... وإن ذكوت في القوم قيمته خزي رماد تخلف عن نار، وحوض شرب أوله، ولم يبق منه غير أكدار. آباء وأحساب، وحال كشجر السلجم٤ أحسن ما فيه ما كان تحت التراب "ترى

стр. 167

الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل" إلى رطانة بالعجمية بين الأعراب "أبرد من استعمال النحو في الحساب"، "لو كان ذا حلية لتحول"، "وهل عند رسم دارس من معول". وقح تواصوا بترك البر بينهم ... نقول: ذا شرهم بل ذاك بل هذا ميسر يلعب، ومال يسلب. وخدن يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفح، وفرس يضبح. أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فضل عجابه ولا في فراهة برذونه ... ولا في نظافة أثوابه دنيا موجودة، ونفس مفقودة. وعقل أسير، وهو أمير. "اليوم خمر، وغدًا أمر". فبيناه غني يتملك، إذ هو فقير يتصعلك. قوت، كيلا تموت. ومن إيوان كسرى إلى بيت العنكبوت ... "١. وأما الاتجاه الآخر، فقد كان كرد فعل للاتجاهين السابقين، فهو لم يكن شديد الكلف بتجويد الصياغة، ورعاية جانب البيان، كما لم يكن -من باب أولى- متكلفًا للسجع مصطنعًا لغة المقامات، وذلك؛ لأن السائرين في هذا الاتجاه، لم يكونوا من المتعلقين بالتراث، ولا من المؤمنين بفكرة الجامعة الإسلامية التي تشد إليه، وإنما كانوا من المولين وجوههم شطر الغرب، ومن المؤمنين بالحضارة الأوروبية أشد الإيمان، ومن هنا لم يشغلوا أنفسهم بتجويد الأسلوب تجويدًا بيانيًا كما فعل المنفلوطي، كما لم يرهقوا أقلامهم بتحميلها أعباء البديع كما فعل البكري، وإنما اهتموا أعظم الاهتمام بالجانب الفكري، فمالوا إلى الموضوعية، واصطناع المنطق، وجنحوا إلى الوضوح والدقة، والترسل الكامل. هذا إلى تحميل الكلام شحنة من الثقافة والفكر الغربي، وخير من يمثل هذا الاتجاه في تلك الفترة أحمد لطفي السيد٢، ومن أمثلة مقالاته ما كتبه تحت عنوان:

стр. 168

"غرض الأمة هو الاستقلال"، حيث يقول: "استقلال الأمة في الحياة الاجتماعية، كالخبز في الحياة الفردية، لا غنى عنه؛ لأنه لا وجود إلا به، وكل وجود غير الاستقلال مرض يجب التداوي منه، وضعف يجب إزالته، بل عار يجب نفيه.. استقلال الأمة عمن عداها، أو حريتها السياسية حق لها بالفطرة، لا ينبغي لها أن تتسامح فيه، أو أن تني في العمل للحصول عليه، بل ليس لها حق التنازل عنه لغيرها، لا بكله ولا بجزئه؛ لأن الحرية لا تقبل القسمة، ولا تقبل التنازل، فكل تنازل من الأمة عن حريتها -كلها أو بعضها- باطل بطلانًا أصليًّا، لا تلحقه الصحة بأي حال من الأحوال، فلا جرم مع هذا المبدأ المسلم به عند علماء السياسة أن قلت: إنه يجب على الأمة أن توجه كل قواها -بغير استثناء- للحصول على وجودها، أي الحصول على الاستقلال١..". هذا، وقد كانت تلك الاتجاهات الأسلوبية الثلاثة، تتقاسم أقلام الناثرين

стр. 169

عمومًا في تلك السنين، على اختلاف الميادين التي فيها يكتبون؛ فقد كانوا يسيرون في تلك الاتجاهات الثلاثة، ولكن مع غلبة الاتجاه المحافظ البياني، أو سيطرة الأسلوب المرسل الجانح إلى جمال العبارة وجودة الصياغة، حتى فيما سوى المقالة من فنون النثر الفني، ولذا يمكن أن يقال: إن تلك الفترة قد شهدت -بظهور أول طريقة فنية للمقالة- ظهور أول طريقة فنية للنثر الحديث، وهي طريقة المنفلوطي.

стр. 170

٢- الخطابة ونشاطها: في السنوات العشر الأولى للاحتلال. خفت صوت الخطابة، الذي كان قد بدأ يعلو منتعشًا في الفترة السابقة، وخاصة مع الثورة العرابية١، وحين بدأت الحركة الوطنية تعود إلى اليقظة، وتتخذ سبيل النضال كانت الخطابة من أهم أسلحتها في هذه السبيل، وقد تعددت المجالات وتنوعت الميادين التي منحت الخطابة الانتعاش ثم النشاط؛ حتى شهدت تلك الفترة طائفة كانوا من أعظم من عرف تاريخ الأدب الحديث من خطباء، كما حظي التراث الأدبي بجمهرة من أروع ما ضم هذا التراث من خطب٢. وكان من أهم مجالات الخطابة المجال السياسي، والمجال الاجتماعي، والمجال الفضائي، أما المجال السياسي، فكان له ميدانان: ميدان رسمي يتمثل في الجمعية العمومية، ومجلس شورى القوانين ثم في الجمعية التشريعية بعد ذلك، وميدان غير رسمي يتمثل في الأحزاب، والهيئات السياسية التي كانت تناضل لتحقيق ما ترى أنه الخير للبلاد، وقد كان أهم هذه الهيئات السياسية غير الرسمية الحزب الوطني، وحزب الأمة.

стр. 171

وعلى الرغم من أن المؤسسات الرسمية السالفة الذكر قد أقامها الاحتلال أول الأمر للتمويه بأن الأمة تشارك في حكم نفسها؛ قد استطاع المخلصون من الوطنيين أن يتخذوا منها منبرًا لنقد الحكومة، وفضح ألاعيب الاحتلال، كما استطاعوا أن يكونوا معارضة قوية تقف في وجه كل ما يرونه ضارًّا بمصلحة البلاد من مشروعات، فقد تصدوا لمشروع مد امتياز شركة قناة السويس، وهاجموا قانون المطبوعات، الذي كان الهدف منه كبت الحريات، وحملوا الحكومة على إعادة اللغة العربية لغة للتعليم في المدارس، إلى غير ذلك من الوقفات الجريئة التي كانت الخطابة لسانها الناطق، وسلاحها الباتر١. وطبيعي أن أعضاء تلك المؤسسات السياسية رسمية، لم يكونوا جميعًا من المعارضين بل كان فيهم -بحكم التنظيم الديمقراطي في ذلك الحين- ممثلون للحكومة يدافعون عن مشروعاتها أمام المعارضين، ومن هنا ظهر من الطرفين خطباء مفوهون، وكان من ألمع الخطباء الحكوميين سعد زغلول، وفتحي زغلول٢. هذا في المجال الرسمي، أما في المجال الشعبي، فقد كان الميدان أرحب؛ إذا رأينا زعماء الحزبين الكبيرين يخوضون معركة النضال أكثر جرأة، وأعظم انطلاقًا؛ لأنهم لم يكونوا مقيدين برسوم ومواضعات، ولوائح تحد من نشاطهم، وتلجم بعض الشيء ألسنتهم، فهم لا يتحرجون تحرج الخطباء الرسميين من التنديد بالاحتلال والهجوم على المحتلين، وإنما يوجهون جل نشاطهم إلى هذا الميدان من ميادين النضال، وليس من شك في أن زعماء الحزب الوطني قد كانوا في تلك الفترة أكثر جنود هذا اللون ممن ألوان النضال حماسة، وأقواهم شكيمة، ويأتي في مقدمة هؤلاء جميعًا

стр. 172

مصطفى كامل١، الذي يعد علمًا من أعلام الخطابة السياسية في التاريخ الأدبي. فقد كان ذا موهبة خطابية مبكرة، من أهم مظاهرها: التحمس الشديد، والتدفق المنساب، والقدرة البالغة على تحريك مشاعر الجماهير، وإلهاب عواطف المستعمين، ثم المهارة في تفنيد حجج الخصوم، وتدعيم الرأي الذي يدعو إليه، بمزيج من الحجج العقلية، والمؤثرات العاطفية. وقد كان مصطفى كامل لا يدع فرصة إلا انتهزها، للتشهير بالاحتلال وجرائمه، ثم للمطالبة الحارة بالجلاء والدستور، وتحقيق آمال البلاد٢. وقد كانت الخطابة من أهم عوامل نجاح مصطفى كامل، بل أصبحت تشكل جزءًا من شخصيته كزعيم، ومن يومها ارتبط النجاح السياسي بالنجاح في الخطابة والقدرة عليها، وأصبحنا نرى جل الزعماء الكبار يهتمون بالخطابة ويتخذون منها وسيلة فعالة من وسائل النجاح. هذا في المجال السياسي، أما المجال الاجتماعي؛ فقد كان نشاط الخطابة فيه لا يقل عن نشاطها في المجال السياسي، لما عرفنا من أن السياسيين كانوا أيضًا أصحاب دعوات إصلاحية اجتماعية، بل كثيرًا ما كان الخطيب السياسي الناجح هو نفسه الخطيب، والمصلح الاجتماعي الناجح؛ لأن هذا الجيل كان يخوض معركة نضال في عدد من الميادين، وإن كان أهمها الميدان السياسي بطبيعة الحال، ومن هنا جال الخطباء في ميادين الدعوة

стр. 173

إلى نشر التعليم، وتحرير الفرد، وإصلاح الفكر، وإنهاض الاقتصاد، ومحاربة التخلف، وما إلى ذلك؛ في الوقت الذي غالبًا فيه في ميادين الدعوة إلى الاستقلال وإجلاء الإنجليز، وإصلاح أداة الحكم، وغير هذا من ميادين النضال السياسي. بقي مجال ثالث قد نشطت فيه الخطابة أيضًا في تلك الفترة، وهو المجال القضائي، وقد أدى إلى نشاط الخطابة في هذا المجال، ما كان من إنشاء المحاكم الأهلية في تلك الفترة١، بعد أن أنشئت المحاكم المختلفة في الفترة السابقة، وبعد أن بدأت مدرسة الحقوق تؤتي ثمارها، وتقدم للأمة رجالًا يعتبر اللسن من أدوات صناعتهم في تلك الأحايين، وهكذا ظهر جيل من الخطاء القضائيين الرائدين، الذين درسوا القانون، واحترفوا العمل القضائي الذي كانت الخطابة من أهم وسائله، حيث عمل البعض مدعين عموميين، وعمل آخرون محامين، وهؤلاء وأولئك كانوا يعتمدون على المقدرة في الخطابة القضائية، وكانت مقوماتها تزيد على مقومات الخطابة الأخرى: المقدرة على تفسير القانون، وفهم نصوصه لصالح من يمثله الخطيب، ثم القدرة على الجدل، وإبطال أدلة الخصم، وتدعيم موقف الطرف الذي يقابله، فهي تجمع إلى مقومات الخطابة كثيرًا من مقومات المناظرة، وتضم إلى ثقافة الخطيب العامة وقدراته الخاصة، ثقافات وقدرات منطقية. وقد كان من عوامل نشاط هذا اللون من الخطابة، أن كثيرين من رجالها كانوا في الوقت نفسه خطباء سياسيين، وربما خطباء اجتماعيين أيضًا؛ من أمثال سعد زغلول وغيره من رجال هذا الجيل، الذي عمل في المجال القضائي والميدان السياسي، والإصلاح الاجتماعي في كثير من الأحايين. وهكذا نشطت الخطابة في تلك الفترة، وإن خمدت في السنوات الأولى منها. وقد تعددت مع هذا النشاط ميادينها، وكثر النابعون فيها.

стр. 174

ولم تكن المسألة متعلقة بالكم فحسب، بل قد شملت الكيف أيضًا، حيث لم تعد الخطابة في هذه الفترة في نفس المستوى الفني الذي كانت عليه في الفترة السابقة، والذي يتمثل في خطب رجل كعبد الله النديم، لقد عرفت الخطابة في هذه الفترة -زيادة على ما عرفته في الفترة السابقة- ثقافة أعمق وفكرًا أنضج، واتصالًا بالمعارف السياسية والمباحث الاجتماعية، والمواد الدستورية والقانونية. وقد أمدها كل ذلك بحيوية أكثر وفاعلية أقوى، ومنحها قيمة فنية أعلى. وبالإضافة إلى ذلك كله، قد زاد بعد الخطابة عن المحسنات والزخرف، وقوى اتصالها بالأصالة والإبداع والموضوعية، ومن هنا يعتبر كثير من خطب تلك الفترة، التي خلفها مصطفى كامل، وسعد زغلول وغيرهما نماذج أدبية ممتازة للخطابة. وغني عن الإيضاح أن نقول: إن الخطابة قد اختلفت أساليبها -بعد ذلك- باختلاف ميادينها أولًا، ثم باختلاف الخطباء وطبيعتهم وثقافتهم ثانيًا. فعلى حين كان رجل مصطفى كامل يميل في خطبه إلى العاطفية والمصارحة والعنف. كان أخر كسعد زغلول يميل إلى الذكاء والمراوغة واللباقة، هذا في الوقت الذي يجنح ثالث كلطفي السيد إلى الموضوعية، والمنطقية والعمق. على أن التعرف الكامل على خصائص كل يحتاج إلى دراسة مستقلة١، وحسبنا هنا معرفة الخصائص المشتركة التي تمس الخطابة بوجه عام، والتي سبق إيضاحها بما سمح به المقام في هذه السطور، ويمكن أن يقرب خصائص الخطابة السياسية هذا النموذج من خطب مصطفى كامل. قال في حفل وطني بالإسكندرية سنة ١٩٠٠: "سادتي وأبناء وطني الأعزاء، كلما جئت إلى الإسكندرية، ورأيت هذه الحياة الحقيقية التي جعلت لكم مقامًا محمودًا بين بني مصر، أعود

стр. 175

شاعرًا بان في هذه المدينة الزاهرة أساتذة في الوطنية، عنهم تؤخذ دروس محبة الأوطان، ومنهم تعرف الأمة حقوقها وواجباتها، وهذا ما أخرني في السنين الأخيرة عن الوقوف أمامكم هذا الموقف، ومناجاتكم في شئون الوطن العزيز. ولكني أشعر بأن تبادل الميول، وانتقال العواطف الطاهرة من فؤاد إلى فؤاد، واجتماع القلوب في وقت واحد حول آمال واحدة، وسريان روح مشتركة في المجموع العظيم، مما يزيدنا اعتقادًا على اعتقاد، وحبًّا للديار على حب، ويخفف حب، ويخفف عن الوطن المقدس آلام مصائبه العظام. ".. إني أشد الناس أملا في مستقبل أمتي وبلادي، وأرى الشعب الذي أنا منه جديرًا بالرفعة والسمو، حقيقا بالمجد والحرية والاستقلال. ولولا هذا الأمل وهذا الاعتقاد، لكنت فارقت الحياة، وتركت الدنيا غير آسف على أحد، وكيف لا أكون ذا أمل، وهذه أمتي أجد فيها روحًا جديدة، وحياة صادقة، ووطنية ناشئة قوية؟ ومن منكم لا يرى ما أرى؟ هل ينكر أحد شعور الأمة بحالها وانتباهها من رقدتها، وقيامها من وهدتها وعملها لخيرها، وسعادتها؟! " ... قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء؟ ولكني أرى أن الدين والوطنية توأمان متلازمان، وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده، يحب وطنه حبًّا صادقًا، ويفديه بروحه وما تملك يداه، وليست فيما أقول معتمدًا على أقوال السالفين، الذين ربما اتهمهم أبناء العصر الحديث بالتعصب والجهالة، ولكني أستشهد على صحة هذا المبدأ بكلمة "بسمارك" أكبر ساسة هذا العصر، وهو خير رجل خدم بلاده ورفع شأنها، فقد قال هذا الرجل العظيم بأعلى صوته: "لو نزعتم العقيدة من فؤادي لنزعتم محبة الوطن معها١ ... ". ولعل مما يزيد الأمر إيضاحًا هذين النموذجين الآخرين للخطابة القضائية في تلك الفترة, وأولهما جزء من مرافعة ثروت حين كان ممثلًا للنيابة في قضية

стр. 176

اغتيال بطرس غالي، وفيه يقول عن الورداني المتهم: ".. إن الوطنية التي يدعي الدفاع عنها بهذا السلاح المسموم لبراء من هذا المنكر، إن الوطنية الصحيحة لا تحل في قلب ملأته مبادئ تستحل اغتيال النفس. إن مثل هذه المبادئ مقوضة لكل اجتماع". "وماذا يكون حال أمة إذا كان حياة أولي الأمر فيها رهينة حكم متهوس، يبيت ليلة فيضطرب نومه وتكثر هواجسه، فيصبح صباحه ويحمل سلاحه، يغشاهم في دار أعمالهم، فيسقيهم كأس المنون؟ ثم إذا سئل في ذلك تبجح وقال: إنما أخدم وطني! لأن أعتقد أن مثلهم خائنون للبلاد ضارون بها". "تبًّا لتلك المبادئ وسحقًا لها، كيف تقوم لنظام قائمة مع تلك المبادئ الفاسدة؟ إن مبادئ كل اجتماع، ألا ينال إنسان جزاء على عمل مهما كان هذا الجزاء صغيرًا، إلا على يد قضاة اشترطت فيهم ضمانات قوية، وبعد أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، حتى ينتج الجزاء النتيجة الصالحة التي وضع لها من حماية الاجتماع، فإذا كان هذا هو الشأن في أقل جزاء يلحق بالنفس أو بالمال، فما بالك بجزاء هو إزهاق الروح والحرمان من الحياة؟ "تلك مبادئ لا وجود المجتمع إلا بها، ولا سعادة له بدونها؛ فالطمأنينة على المال والنفس هي أساس العمران، ومن الدعائم التي بني عليها في كل زمان ومكان، ولكن الورداني له مذهب آخر في الاجتماع، فهو يضع نفسه موضع الحكم على أعمال الرجال، فما ارتضاه فيها كان هو النافع، وما لم يرتضه كان هو الضار، ويريد أيضًا أن يكون القاضي الذي يقدر الجزاء، ثم يقضي به عن غير معقب ولا راد. " ... إن مثل هذا الحق لا يمكن أن يكون إلا الله ، المطلع على السرائر، العليم بالنيات، ومع ذلك فإنه جل شأنه شرع الحساب قبل العقاب، ثم إن هذا الحق لم يتطلع إليه أحد من العالمين

стр. 177

حتى الأنبياء أنفسهم؛ وقد أجمعت الشرائع على عصمتهم من الزلل والخطأ. ولكن الورداني يريد أن يضع نفسه فوق كل الدرجات المتصورة، فحاكم وحكم، وقتل: "إني لترتعد فرائصي إذا تصورت منظر البلاد، وقد فشا فيها البلاء الأكبر بفشو تلك المبادئ القاضية١". والنموذج الثاني جزء من مرافعة أحمد لطفي حين كان مدافعًا في القضية نفسها، وفيه يقول مخاطبًا الورداني ... " " ... أما أنت أيها المتهم، فقد همت بحب بلادك حتى أنساك هذا الهيام كل شيء حولك؛ أنساك واجبًا مقدسًا هو الرأفة بأختك الصغيرة، وأمك الحزينة، فتركتها تبكيان هذا الشباب الغض، تركتهما تتقلبان على جمر الغضا، تركتهما تقلبان الطرف حولهما، فلا تجدان غير منزل مقفر غاب عنه عائله، تركتهما على ألا تعود إليهما، وأنت تعلم أنهما لا تطيقان صبرًا على فراقك لحظة واحدة؛ فأنت أملهما ورجاؤهما. "دفعك حب بلادك إلى نسيان هذا الواجب، وحجب عنك كل شيء غير وطنك، فلم تعد تفكر في تلك الوالدة البائسة، وهذه الزهرة اليانعة، ولا فيما ينزل بهما من الحزن والشقاء بسبب ما أقدمت عليه، ونسيت كل أملك في هذه الحياة، وقلت: إن السعادة في حب الوطن وخدمة البلاد، واعتقدت أن الوسيلة الوحيدة للقيام بهذه الخدمة هي تضحية حياتك، أي أعز شيء لديك ولدي أختك ووالدتك؛ فأقدمت على ما أقدمت راضيًا بالموت لا مكرهًا، ولا حبًّا في الظهور، أقدمت وأنت تعلم أن أقل ما يصيبك هو فقدان حريتك، ففي سبيل أمتك بعت حريتك بثمن غال. "فاعلم أيها الشاب أنه إذا اشتد معك قضاتك -ولا إخالهم إلا

стр. 178

راحميك -فذلك؛ لأنهم حذقة القانون، وهذا هو السلاح المسلول فوق رأس العدالة والحرية، وإذا لم ينصفوك -ولا أظنهم إلا منصفيك- فقد أنصفك ذلك العالم الذي يرى أنك لم ترتكب ما ارتكبته بنية الإجرام، ولكن باعتقاد أنك تخدم بلادك، وسواء وافق اعتقادك الحقيقة أم خالفها، فتلك مسألة سيحكم التاريخ فيها. "وإن هناك حقيقة عرفها قضاتك وشهد بها الناس، وهي أنك لست مجرمًا سفاكًا للدماء، ولا فوضويًّا من مبادئه الفتك ببني جنسه، ولا متعصبًا دينيًّا؛ وإنما أنت مغرم بحب بلادك هائم بوطنك. "فليكن مصيرك أعماق السجن أو جدران المستشفى، فإن صورتك في البعد والقرب مرسومة على قلوب أهلك وأصدقائك، وتقبل حكم قضاتك باطمئنان، واذهب إلى مقرك بأمان"١.

стр. 179

٣- القصص بين استلهام التراث، ومحاكاة أدب الغرب: خطا القصص في تلك الفترة خطوات واضحة، واتجه اتجاهات مختلفة، ولكنه تدرج آخر الأمر بين طرفين متقابلين، أولهما محافظ يستلهم التراث، ويتأثر ببعض قوالبه، وآخرهما تجديدي يحاكي قصص الغرب، وينسج على منواله. وبين هذين الطرفين وجدت ألوان أخرى، تختلف قربًا وبعدًا من هذين الطرفين، باختلاف طبيعة أصحابها وثقافتهم وأهدافهم، وفيما يلي رصد لأهم تلك الاتجاهات جميعًا. أ- الرواية الاجتماعية المقامية: تنوعت الأعمال القصصية التي تسير في الاتجاه المحافظ، وتستلهم التراث وما فيه من ألوان قصصية، مثل "ألف ليلة" و"المقامات"، وتنوعت كذلك مادة هذه الأعمال روحها وأهدافها؛ فكانت أحيانًا خيالية

стр. 180

المادة شاعرية الروح، تهدف إلى التسلية مثل "ورقة الآس" لأحمد شوقي، التي تأثر في مادتها "بألف ليلة"، وفي أسلوبها "بالمقامات"١. كما كانت أحيانًا أخرى اجتماعية المادة تأملية الروح، تهدف إلى الإصلاح، مثل "ليالي سطيح" لحافظ إبراهيم، التي تأثر في مادتها بالمقالات والأحاديث الاجتماعية والسياسية، ولكنه استلهم في أسلوبها المقامات، وبعض شخصيات التراث؛ حيث استخدم شخصية "سطيح"، وهو كاهن بني ذئب في الجاهلية، ليجري على لسانه ما يريد أن يقدم من آراء وتأملات٢. على أن أهم هذه الأعمال القصصية المحافظة التي كانت تستلهم التراث، هو اللون الاجتماعي الغاية، المقامي الأسلوب، الروائي البناء، الذي يمثله "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي٣، والذي يمكن أن يسمى "الرواية الاجتماعية المقامية"، باعتبار غايته وطابع أسلوبه. "فحديث عيسى بن هشام" يمكن اعتباره رواية أخذت طريقًا تهذيبيًّا، يهدف إلى تبصير المواطنين بطائفة من عيوبهم ليعدلوا من سلوكهم، وعلى هذا يكون هذا العمل رواية تهذيبية ذات طابع اجتماعي، ويكون
следующие страницы →