مقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
من موضوعات علوم القرآن التى تتشعب فيها الآراء «نزول القرآن على سبعة أحرف» فهو موضوع شائك، صحّت أحاديثه، وتعدّدت طرقها بما يشبه التواتر، ولكن الإجمال الذى فيها أدّى إلى الاختلاف على النحو الذى سنذكره فى هذا البحث.
والكلام فى نزول القرآن على سبعة أحرف يقتضى التمهيد له، ببيان اختلاف اللهجات العربية، واختلاف العلماء فى وجود كلمات أعجمية بالقرآن الكريم، ثم يكون الكلام عن درجة حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، وطرق روايته، وتجلية معنى الحرف فى اللّغة، وآراء العلماء فى المراد بالأحرف السبعة، وما يستند إليه أصحاب كل رأى، ثم نناقش هذه الآراء لترجيح ما نرى أنه أقرب إلى الصواب، ونرد على الشبه التى أثارها المستشرقون ومرضى النفوس عن هذا الموضوع، وننهى حديثنا ببيان حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف.
وقد رأيت أن أترجم للأعلام ترجمة موجزة تتميما للفائدة.
والبحث يعالج الموضوع بالمقاييس العلمية فى عرض الرأى مقترنا بدليله، ويحرر النزاع فى وضوح وجلاء، مع توخى وجه الحق الذى اقتنعت به، والاكتفاء بامهات المسائل التى تغنى عن فضول القول، وتحقق الهدف العلمى المرجو فى الدراسة العلمية.
стр. 2
اختلاف اللهجات العربية:
اللهجة فى الاصطلاح العلمى الحديث هى مجموعة من الصفات اللّغوية التى تنتمى إلى بيئة خاصة، ويشترك فى هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا فى مجموعة من الظواهر اللّغوية.
وتلك البيئة الشاملة التى تتألف من عدة لهجات هى التى اصطلح على تسميتها باللّغة، فالعلاقة بين اللّغة واللهجة هى العلاقة بين العام والخاص، فاللّغة تشتمل على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك فى مجموعة من الصفات اللّغوية التى تؤلّف لغة مستقلة عن غيرها من اللّغات.
ويعبّر القدماء عما نسميه الآن باللهجة بكلمة «اللّغة» كثيرا، فيشير أصحاب المعاجم إلى لغة تميم ولغة طيئ ولغة هذيل، وهم يريدون بذلك ما نعنيه نحن الآن بكلمة «اللهجة» وقد يعبّرون بكلمة «اللّسان» وهو التعبير القرآنى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «١».
والفرق بين لهجة وأخرى هو بعض الاختلاف الصوتى فى غالب الأحيان، فيروى لنا مثلا أن قبيلة تميم كانوا يقولون فى «فزت» «فزد»، كما يروى أن «الأجلح» وهو الأصلع، ينطق بها «الأجله» عند بني سعد.
وتشترك لهجات اللّغة الواحدة في الكثرة الغالبة من الكلمات ومعانيها «٢».
واللّغة العربية هى لغة جزيرة العرب، ولكن القبائل العربية المتعددة كان لكل قبيلة منها منازلها، ولها كيانها المستقل الذى يعزلها عن غيرها بما لها من
стр. 3
عادات وتقاليد تنمو وتتطور، فأدى هذا إلى نشأة اللهجات العربية التى تتميز كل منها بصفات خاصة.
وقد ذكر الدكتور شوقى ضيف كثيرا من اللهجات، فمن ذلك الكشكشة والكسكسة، وهما تخصان ضمير المخاطبة، إذ كان بعض تميم وأسد يلحقون بكاف المخاطبة شيئا فى الوقف، وفى الوصل أحيانا، فيقولون: رأيتكش وعليكش وبكش، وكانت بعض قبائل ربيعة تلحق السين بدل الشين، فتقول:
رأيتكس وعليكس وبكس، وكان منهم من يحذف الكاف ويضع مكانها الشين أو السين.
ومن ذلك العنعنة، وهى فى تميم وبعض قيس وأسد، إذ يجعلون الهمزة عينا في بعض الكلمات، فيلفظون «استعدى» بدلا من «استأدى» ويلفظون «أعدى» بدلا من «آدى» «١»، وكان هناك من يقول: «دأنى» عوضا عن «دعنى»، ومن يلفظ «لعل»: «لأن» بإبدال اللام أيضا نونا، وقالوا بدلا من «أن وإن»: «عن وعن».
وتقرب من العنعنة الفحفحة، وكانت في هذيل، إذ تبدل الحاء عينا، فيقولون فى «حتى»: «عتى»، وهذه اللهجات جميعا كانت تشيع فى بعض القبائل الشمالية المضرية، ومثلها التضجع، وهو الإمالة، إذ كانت تميم وقيس وأسد تميل إلى إمالة الألف، وكان الحجازيون ينطقونها بتفخيم فلا يميلون ...
وقد نسب اللّغويون إلى قبائل مضرية وأخرى قحطانية ما سموه الاستنطاء، إذ كانت قبائل هذيل وقيس والأزد والأنصار فى يثرب تبدل العين نونا فى مثل «أعطى» فتقول: «أنطى» ...
وهناك لهجات نسبها اللّغويون إلى القحطانيين، من ذلك التلتلة فى قضاعة وبهراء، إذ يكسرون الفعل المضارع فيقولون: «تعلمون وتكتبون وتنجحون».
стр. 4
ومن ذلك العجعجة فى قضاعة، إذ يجعلون الياء المشددة جيما، فيقولون:
«تميمج» فى «تميمى».
ونسب الرواة إلى قبيلة كلب اليمنية ما سموه الوهم، وهو كسر الهاء فى ضمير الغائبين وإن لم يكن قبلها ياء ولا كسرة فيقولون: «منهم وعنهم وبينهم».
واشتهرت حمير وأهل اليمن وبعض عشائر طيئ بالطمطمانية، وهى إبدال لام التعريف ميما، فيقولون فى «السهم والبر والصيام»: «امسهم وامبر وامصيام»، فيعرفون بالألف والميم.
وينسب إلى بعض الحميريين أنهم كانوا يجعلون السين تاء فى بعض الكلمات، فيقولون: ب «النات» بدل «الناس».
وكانت هناك فروق بين التميميين والحجازيين، فكان التميميون يدغمون الحرف الثانى فى الثالث فى أمر مثل «رد»، بينما كان يفك الحجازيون الإدغام فيقولون: «اردد»، ومما اشتهر بينهما من فروق إهمال «ما» عند التميميين فى نحو: ما زيد قائم، وإعمالها عند الحجازيين فيقولون: ما زيد قائما، ومن ذلك أيضا أن الحجازيين كانوا يجرون «هلمّ» مجرى أسماء الأفعال مثل «صه» فيلزمونها طريقا واحدا فى مخاطبة المفرد والمفردة والاثنين والاثنتين والجماعتين، فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلمّ يا امرأة، وهلمّ يا رجلان، وهلمّ يا امرأتان، وهلمّ يا رجال، وهلمّ يا نساء، أما التميميون فكانوا يجرونها مجرى الأفعال، فيقولون: هلم وهلمى وهلما وهلموا وهلممن يا نسوة، وبلغة الحجاز نزل القرآن الكريم فى قوله تعالى: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا «١».
وتلك اللهجات صار منها ما هو مقبول وحجّة، ومنها ما تدنى عن هذا المستوى وهجره الذوق العربى.
стр. 5
قال ابن جنى «١»: «باب اختلاف اللّغات وكلها حجّة» اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك، ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين فى ترك إعمال «ما» يقبلها القياس، ولغة الحجازيين فى إعمالها كذلك، لأن لكل واحد من القومين ضربا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللّغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية ما لك فى ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا، أو لا ترى إلى قول النبى ﷺ : «نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف».
هذا حكم اللّغتين إذا كانتا فى الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين، أو كالمتراسلتين.
فأما أن تقل إحداهما جدا وتكثر الأخرى جدا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية، وأقواهما قياسا ...
حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن «٢»، عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال:
ارتفعت قريش فى الفصاحة عن عنعنة تميم «٣»، وكشكشة ربيعة «٤»،
стр. 6
وكسكسة هوازن «١»، وتضجع قيس «٢»، وعجرفة ضبة «٣»، وتلتلة بهراء «٤»، «٥».
ومعظم الاختلاف- كما ترى- كان يرجع إلى الاختلاف فى إبدال الحروف، أو فى الحركات، أو فى الإمالة والتفخيم، أو فى الإدغام والفك، أو فى الإعراب، وهذا النمط من الاختلاف ليس فيه تباين كلى لما فيه من التقارب.
ويقل الاختلاف فى اللّفظ مع اتفاق المعنى: «كالعهن، والصوف» حيث توجد لغتان أو أكثر من اللّغات الفصيحة.
وبمرور الزمن وتوافر عوامل الوحدة صارت مكة وما حولها ملتقى للقبائل العربية، إذ يفدون إليها للحج الذى كان معروفا فى الجاهلية قبل الإسلام، كما يفدون إليها للتجارة، ويعقدون المناظرات والمساجلات فى الشعر والخطابة بأسواقهم التى اشتهر منها: «عكاظ» وهو السوق العامة عند العرب، وكانت تعقد حول مكة فى أوائل شهر ذى القعدة، وكانت سوق «مجنة» تعقد بعدها فى أواخر هذا الشهر، ثم تعقد سوق «ذو المجاز» فى أوائل شهر ذى الحجة.
وكان الشعراء والخطباء يحرصون على أن يتحدثوا بلغة خالية من فوارق الأصوات اللّغوية، وينتقون الألفاظ، ويختارون العبارات، فمهّد هذا لوحدة لغوية راقية، حيث انسابت جداول الفصاحة العربية وانتهى مصبها فى لغة قريش، فصارت بذلك أفصح العرب، وبلسانها كان نزول القرآن ابتداء على
стр. 7
الرسول العربى القرشى، وتوجّه الخطاب إلى قومه القرشيين أول الأمر:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «١»، حتى يكون هذا أدعى لقوة البيان فى البلاغ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ «٢»، إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «٣».
اختلاف العلماء فى وجود كلمات فى القرآن بغير العربية:
وما قيل من أن القرآن اشتمل على كلمات أعجمية غير عربية فإنه مع ندرته موضع خلاف بين العلماء.
١ - فقيل: إن فى القرآن الكريم كلمات بغير العربية، وهى كلمات محدودة، وهذا القول يرجع إلى ما جاء من آثار عن بعض الصحابة والتابعين فسّروا فيها كلمات بغير العربية.
فمن ذلك: الطُّورَ: جبل بالسريانية- طَفِقا «٤»: أى قصدا بالرومية- القسط والقسطاس: العدل بالرومية- إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٥»:
تبنا بالعبرانية- الرقيم: اللّوح بالرومية- المهل: عكر الزيت بلسان أهل المغرب- السندس: الرقيق من الستر بالهندية- الإستبرق: الغليظ من الديباج بالفارسية- السرى: النهر الصغير باليونانية- طه: يا رجل بالعبرانية- يصهر: أى ينضح بلسان أهل المغرب- سينين: الحسن بالنبطية- المشكاة:
الكوّة بالحبشية، وقيل: الزجاجة تسرج- الدرّى: المضيء بالحبشية- الأليم:
المؤلم بالعبرانية- ناظِرِينَ إِناهُ «٦»: أى نضجه بلسان أهل المغرب- الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ «٧»: أى الأولى بالقبطية، والقبط يسمون الآخرة: الأولى،
стр. 8
والأولى: الآخرة- وَراءَهُمْ مَلِكٌ «١»: أى أمامهم بالقبطية- اليمّ: البحر بالقبطية- بطائنها: ظواهرها بالقبطية- الأبّ: الحشيش بلغة أهل المغرب- إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ «٢»: قال ابن عباس: نشأ بلغة الحبشة: قام من الليل- كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ «٣»، قال أبو موسى الأشعرى «٤» رضى الله عنه:
«ضعفين» بلغة الحبشة- القسورة: الأسد بلغة الحبشة «٥».
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس، وتلاميذه: مجاهد «٦»، وسعيد بن جبير «٧»، وعكرمة «٨»، وعطاء «٩»، وآخرين من الصحابة والتابعين فيما روى عنهم فى كتب التفسير بالأثر.
وذكر السيوطى سوى هذه الكلمات كلمات أخرى أورد روايات فى تفسيرها عن ابن أبى حاتم «١٠»، وابن جرير، والثعالبى «١١»، وآخرين من علماء اللّغة منها:
стр. 9
أباريق: جمع إبريق، والإبريق بالفارسية طريق الماء، أو صب الماء على هينة- الأرائك: السرر بالحبشية- أسفار: هى الكتب بالسريانية، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحّاك «١» قال: هى الكتب بالنبطية- أكواب: أخرج ابن جرير عن الضحّاك أنها بالنبطية، وأنها جرار ليست لها عرى- أوّاه:
أخرج أبو الشيخ «٢» من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الأوّاه: الموقن بلسان الحبشة، وأخرج ابن أبى حاتم مثله عن مجاهد وعكرمة.
الجبت: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، وأخرج عبد بن حميد «٣» عن عكرمة قال: الجبت بلسان الحبشة: الشيطان- حصب: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ «٤». قال: حطب جهنم بالزنجية- ربانيون: قال أبو عبيدة «٥»: العرب لا تعرف الربانيين، وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم، قال: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هى عبرانية أو سريانية.
الصراط: حكى النقاش «٦» وابن الجوزى «٧» أنه الطريق بلغة الروم-
стр. 10
قنطار: ذكر الثعالبى فى فقه اللّغة أنه بالرومية: اثنتا عشر ألف أوقية، وقال الخليل «١»: زعموا أنه بالسريانية: ملء جلد ثور ذهبا أو فضة، وقال ابن قتيبة:
قيل: إنه ثمانية آلاف مثقال بلغة أهل إفريقية، وفى المحتسب لابن جنى «٢»:
السجل: الكتاب، قال قوم: هو فارسى معرّب- هَيْتَ لَكَ «٣»: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هيت لك: هلمّ لك بالقبطية، وقال الحسن «٤»:
هى بالسريانية كذلك، أخرجه ابن جرير، وقال عكرمة: هى بالحورانية كذلك، أخرجه أبو الشيخ، وقال أبو زيد الأنصارى «٥»: هى بالعبرانية، وأصله:
هينلج، أى تعاله- طوبى: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس، قال:
طوبى: اسم الجنة بالحبشية، وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال:
بالهندية- طور: أخرج الفريابى «٦» عن مجاهد قال: الطور: الجبل
стр. 11
بالسريانية، وأخرج ابن أبى حاتم عن الضحّاك أنه بالنبطية- غساق: قال الجواليقى «١»، والواسطى «٢»: هو البارد المنتن بلسان الترك، وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة «٣»، قال: الغساق: النتن- صلوات، قال الجواليقى:
هى بالعبرانية كنائس اليهود، وأصلها صلوتا، وأخرج ابن أبى حاتم نحوه عن الضحّاك- مرجان: حكى الجواليقى عن بعض أهل اللّغة أنه أعجمى- مسك:
ذكر الثعالبى أنه فارسى- مزجاة: قال الواسطى: مزجاة: قليلة بلسان العجم، وقيل: بلسان القبط- اليهود: قال الجواليقى: أعجمى معرّب، منسوبون إلى يهوذا بن يعقوب، فعرّب بإهمال الدال «٤».
وأجاب أصحاب هذا الرأى عن قوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «٥»، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «٦» ... ونحو ذلك، بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا، كما أن القصيدة الفارسية لا تخرج عن كونها فارسية بوجود لفظة فيها عربية.
وأجابوا عن قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ «٧»، بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمى ومخاطب عربى؟ على وجه الإنكار، والكلمات النادرة لا تجعله أعجميا.
стр. 12
٢ - وذهب الإمام الشافعي «١» وأبو عبيدة، وابن جرير، وابن فارس وآخرون إلى أنه لم يقع فى القرآن شىء بغير العربية «٢».
يقول الشافعي: «ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب» «٣»، ثم يقول: «فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلّا من حيث علموا، وقد تكلّم فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلّم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله، فقال منهم قائل:
إن فى القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شىء إلّا بلسان العرب» «٤».
وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس: إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، قال: ومعناه أتى بأمر عظيم، وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شىء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها، وفى ذلك ما فيه «٥».
وأجاب ابن جرير الطبرى عن الكلمات التى قال فيها ابن عباس وغيره إنها أعجمية بأنها من الكلمات التى تواردت فى عدة لغات فى العربية وغير العربية، ولا يدل نطق الأعاجم بها على أن العرب اقتبسوها منهم، كما أنهم
стр. 13
لم يقتبسوها من العرب، ولا مانع من أن تتفق لغتان أو أكثر فى بعض الألفاظ، وليس ادعاء أمة بأنها لغتها أولى من ادعاء أمة أخرى، ولم يقل أحد ممن فسّر هذه الكلمات فى القرآن بغير العربية، أنها ليست من كلام العرب.
يقول ابن جرير: «إن الذى قالوه من ذلك غير خارج عن معنى ما قلنا، من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما، ولا كان ذاك لها منطقا قبل نزول القرآن ... وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا، وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا، ولم تستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك- مما يتعب إحصاؤه، ويمل تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره- مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللّفظ والمعنى، ولعل ذلك كذلك فى سائر الألسن التى نجهل منطقها ولا نعرف كلامها» «١».
ثم قال: «وهذا المعنى الذى قلناه فى ذلك هو معنى قول من قال: «فى القرآن من كل لسان» «٢»، عندنا بمعنى- والله أعلم- أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الامم التى تنطق بها ... فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن بعض القرآن فارسى لا عربى، وبعضه نبطى لا عربى، وبعضه روميّ لا عربى، وبعضه حبشى لا عربى، بعد ما أخبر الله تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيا» «٣».
стр. 14
٣ - وذهب ابن عطية إلى أن فى القرآن ألفاظا أعجمية استعملها العرب بالمخالطة مع غيرهم، وشاع استعمالها حتى صار كسائر الألفاظ عند العربى، فأصبحت بعد تعريبها عربية.
وهذا الذى ذهب إليه ابن عطية يجمع بين الرأيين السابقين، وهو الذى يترجح لدىّ، وتميل إليه نفسى.
يقول ابن عطية: «والذى أقوله: إن القاعدة والعقيدة هى أن القرآن نزل بلسان عربى مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها إلّا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التى نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة، بتجارات، وبرحلتى قريش، وبسفر مسافر بن: أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس «١»، إلى الشام، وسفر عمر ابن الخطاب «٢»، وكسفر عمرو بن العاص «٣»، وعمارة بن الوليد «٤»، إلى
стр. 15
أرض الحبشة، وكسفر الأعشى «١» إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجّة في اللّغة، فعلقت (هوت وأحبت) العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية، غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها فى أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربى الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربى ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى «فاطر» إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها فى الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعرّبتها فهى عربية بهذا الوجه».
ثم رد على الطبرى فقال: «وما ذهب إليه الطبرى من أن اللّغتين اتفقتا فى لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع فى الأكثر، لأنّا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا» «٢».
وحكى ابن فارس عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف فى ذلك، ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء، والمنع إلى أهل العربية، ثم قال أبو عبيدة:
«والصواب عندى مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العرب فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق» .. قال: «و
إنما فسر هذا لئلا يقدم أحد على
стр. 16
الفقهاء فينسبهم إلى الجهل، ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن» قال ابن فارس: «وليس كل من خالف قائلا فى مقالته ينسبه إلى الجهل، فقد اختلف الصدر الأول فى تأويل آى من القرآن».
قال: «فالقول إذن ما قاله أبو عبيد، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره» «١».
стр. 17
نزول القرآن على سبعة أحرف
اتضح لنا فيما ذكرنا من قبل اختلاف اللهجات العربية، وأنها قد تسمى باللّغات، وما كان بين كل لهجة وأخرى من فوارق، منها ما اشتهر وفشا استعماله، ومنها ما لم يكن كذلك، وتبيّن أنه كان للعرب لهجات شتّى، تنبع من طبيعة فطرتهم، فى جرسها وأصواتها وحروفها، تعرضت لها كتب الأدب واللّغة بالبيان والمقارنة، فكل قبيلة لها من اللّحن فى كثير من الكلمات ما ليس للآخرين، ولكن قريشا من بين العرب قد تهيأت لها عوامل جعلت للغتها الصدارة بين فروع العربية الأخرى، من جوار البيت، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، والإشراف على التجارة، فأنزلها العرب جميعا لهذه الخصائص وغيرها منزلة الأم للغاتهم، فكان طبيعيا أن يتنزل القرآن بلغة قريش على الرسول ﷺ القرشى تأليفا للعرب، وتحقيقا لإعجاز القرآن حين يسقط فى أيديهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه.
وإذا كان العرب تتفاوت لهجاتهم فى المعنى الواحد بوجه من وجوه التفاوت، فالقرآن الذى أوحى الله به لرسوله محمد ﷺ يكمل له معنى الإعجاز إذا كان مستجمعا بحروفه وأوجه قراءته للخالص منها، وذلك مما ييسر عليهم القراءة والحفظ والفهم.
درجة حديث نزول القرآن على سبعة أحرف:
صحّ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف من عدة طرق فى الصحاح وفى كتب السنّة.
فرواه جمع كثير من الصحابة منهم: أبىّ بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس،
стр. 18
وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمر بن أبى سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبو بكرة «١»، وأبو جهم «٢»، وأبو سعيد الخدرى «٣»، وأبو طلحة الأنصارى «٤»، وأبو هريرة، وأبو أيوب «٥»، قال السيوطى فى الإتقان بعد أن عدّهم: فهؤلاء واحد وعشرون صحابيا» «٦».
وأخرج أبو يعلى فى مسنده الكبير «٧»،
أن عثمان رضى الله عنه قال يوما وهو على المنبر: «أذكّر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف»
لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا أن رسول الله ﷺ
قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف»
فقال عثمان رضى الله عنه: «وأنا أشهد معهم» «٨».
стр. 19
وهذه الرواية تدل على شهادة الجمع الكثير الذى لا يحصى بهذا الحديث، وأن هذا الجمع لم يكن من الصحابة وحدهم، بل كان من الصحابة والتابعين، إذ يترجح فى عهد عثمان أن يكون الحاضرون من الصحابة والتابعين معا، وهذا يعنى أن رواية العدد الكثير الذى يؤمن تواطؤه على الكذب
لحديث «نزول القرآن على سبعة أحرف»
ليست قاصرة على طبقة الصحابة.
لذا نقل السيوطى عن أبى عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) القول بتواتر هذا الحديث «١»، وعده السيوطى نفسه فى «التدريب» من الأحاديث المتواترة «٢».
ولا خلاف فى صحة الحديث، فقد رواه البخارى ومسلم وابن حبان والحاكم من طرق كثيرة، وأخرجه أبو داود والنسائى والترمذي وأحمد وابن جرير الطبرى والطبرانى بألفاظ متعددة.
والحديث بهذا على مذهب ابن الصلاح (عثمان بن عبد الرحمن- ت ٦٤٣ هـ) يفيد العلم اليقينى النظرى، فقد عدّ أقسام الحديث الصحيح قائلا: «فأولها:
صحيح أخرجه البخارى ومسلم جميعا، الثانى: صحيح انفرد به البخارى، أى عن مسلم، الثالث: صحيح انفرد به مسلم، أى عن البخارى، الرابع:
صحيح على شرطهما لم يخرجاه، الخامس: صحيح على شرط البخارى لم يخرجه، السادس: صحيح على شرط مسلم لم يخرجه، السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما، هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذى يقول فيه أهل الحديث كثيرا: «صحيح متفق عليه» يطلقون ذلك ويعنون به
стр. 20
اتفاق البخارى ومسلم «١». لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه، لاتفاق الأمة على تلقى ما اتفقا عليه بالقبول.
وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقينى النظرى واقع به، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد فى أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.
وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا، ثم بان لى أن المذهب الذى اخترناه أولا هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة فى إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجّة مقطوعا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك «٢».
فالحديث المتفق على صحته يفيد العلم اليقينى النظرى عند ابن الصلاح، وحديث «نزول القرآن على سبعة أحرف» متفق على صحته، فهو يفيد العلم اليقينى النظرى، وإن لم نقل: إن الحديث متواتر، فكلاهما يفيد العلم اليقينى، والفرق بينهما فى إفادة العلم، أن المتواتر يفيد العلم اليقينى الضرورى الذى يضطر الإنسان إليه دون حاجة إلى استدلال، أما المتفق على صحته فإنه يفيد العلم اليقينى النظرى الذى يحصل بالاستدلال، فالعلم الضرورى يحصل لكل سامع وإن كان عاميا، أما النظرى فإنه لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر «٣».
وبهذا كان حديث «نزول القرآن على سبعة أحرف» مفيدا للعلم اليقينى النظرى
стр. 21
وإن كان حديث آحاد، والأصل فى الآحاد بأقسامه باعتبار طرقه: المشهور، والعزيز، والغريب «١»، أنه يفيد الظن.
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلانى- أحمد بن على بن محمد (ت ٨٥٢ هـ) أن الآحاد يفيد العلم النظرى إذا احتفت به قرائن، والمحتف بالقرائن أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان فى صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر- كما ذكر ابن الصلاح- فإنه احتف به قرائن: منها جلالتهما فى هذا الشأن، وتقدمهما فى تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول- وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم ... ومنها: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل ... ومنها: الحديث المسلسل بالأئمة الحفّاظ المتقنين حيث لا يكون غريبا «٢».
طائفة من أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف:
١ - أخرج البخارى ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ومالك فى الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فى حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذ هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره فى الصلاة «٣»،
стр. 22
فتربصت حتى سلّم، فلببته بردائه «١»، فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءة التى كنت سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت»، ثم قال رسول الله ﷺ :
«اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التى أقرأنى، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه».
٢ - وأخرج مسلم والترمذي وأبو داود والنسائى عن أبىّ بن كعب رضى الله عنه- واللّفظ لمسلم- قال: «إن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار «٢»، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».
وفى رواية أبى داود: «ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب».
стр. 23
وفى رواية للنسائى أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبىّ، أنزل (أى القرآن) على سبعة أحرف، كلها شاف كاف» «١».
وفى رواية عند الترمذي، قال أبىّ بن كعب: «لقى رسول الله ﷺ جبريل، فقال: «يا جبريل، بعثت إلى أمة أميين «٢»، فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط»، فقال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف».
قال البغوى فى شرح السنّة:
وقوله فى حديث: «كلها شاف كاف»
يريد- والله أعلم- أن كل حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين، لاتفاقها فى المعنى، وكونها من عند الله وتنزيله ووحية، كما قال الله : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ «٣»، وهو كاف فى الحجّة على صدق رسول ﷺ لإعجاز نظمه، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله، والله تعالى أعلم» «٤».
٣ - وأخرج البخارى ومسلم عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأنى جبريل على حرف، فراجعته، فزادنى، فلم أزل أستزيده، ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف»
، قال ابن شهاب: «بلغنى أن تلك
стр. 24
السبعة الأحرف، إنما هى فى الأمر الذى يكون واحدا، لا يختلف فى حلال ولا حرام» «١».
٤ - وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو، أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هى كذا وكذا، فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأى ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا» «٢».
٥ - وروى الحاكم وابن حبان بسندهما عن ابن مسعود قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من آل حم، فرحت إلى المسجد، فقلت لرجل: اقرأها، فإذ هو يقرؤها حروفا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه، فتغيّر وجهه، وقال: «إنما أهلك من قبلكم الاختلاف»، ثم أسرّ إلى علىّ شيئا، فقال علىّ: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل يقرأ حروفا لا يقرؤها صاحبه».
وروى الطبرى والطبرانى عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأنى ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد بن ثابت، وأقرأنيها أبىّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول الله ﷺ ، وعلىّ إلى جنبه، فقال علىّ: ليقرأ كل إنسان منكم كما علم، فإنه حسن جميل» «٣».
стр. 25
٦ - وروى ابن أبى شيبة فى «المصنف» وأحمد بن حنبل فى «مسنده» عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه: «أن جبريل قال لرسول الله ﷺ : اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين، ثم قال:
استزده، حتى بلغ سبعة أحرف كلها كاف شاف، كقولك: هلم وتعال، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة» «١».
٧ - وروى البيهقى فى السنن الكبرى «٢»، عن سليمان بن صرد عن أبىّ بن كعب قال: «قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتينا النبى ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟
قال: بلى، قال: كلاكما محسن، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال:
فضرب صدرى وقال: يا أبىّ، إنى أقرئت القرآن، فقيل لى: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذى معى: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لى:
أعلى حرفين أم ثلاثة، فقال الملك الذى معى: على ثلاثة، فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، قال: ليس فيها إلا شاف كاف، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب».
قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا حديثا واحدا
يروى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: «أنزل القرآن على ثلاثة أحرف»
قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة.
стр. 26
قال أبو شامة «١»: أخرج حديث الثلاثة الحاكم فى مستدركه، فيجوز أن يكون معناه: أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف ك «جذوة» «٢»، و «الرهب» «٣»، و «الصدفين» «٤»، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه فى هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة والله أعلم «٥».
وقد عنى كثير من العلماء بأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف وتناولوها بالدراسة منذ زمن قديم، ومنهم: أبو عبيد القاسم بن سلام الهروى (ت ٢٢٤ هـ) فى كتابه «غريب الحديث»، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) فى كتابه «تأويل مشكل القرآن»، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى (ت ٣١٠ هـ) فى مقدمة تفسيره، ومكى بن أبى طالب (ت ٤٣٧ هـ) فى كتبه «الإبانة عن معانى القراءة»، وشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبى شامة المقدسى (ت ٦٦٥ هـ) فى كتابه «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز».
стр. 27
معنى الحرف فى اللّغة:
إذا كان حديث نزول القرآن على سبعة أحرف قطعى الثبوت يفيد العلم اليقينى الضرورى عند من ذهب إلى أنه متواتر، أو العلم اليقينى النظرى عند ابن الصلاح وغيره، فإنه ظنى الدلالة للإجمال فى الأحرف السبعة، إذ لا يتعين المراد منها، وقبل أن نذكر آراء العلماء فى المراد بالأحرف السبعة، فإنه يجدر بنا أن نعرف معنى الحرف فى اللّغة، حتى يساعدنا هذا فى بحث آراء العلماء على التنظير والاختيار.
قال ابن فارس «١»: «الحاء والراء والفاء ثلاثة أصول: حد الشيء، والعدول، وتقدير الشيء».
فأما الحد، فحرف كل شىء حده، كالسيف وغيره، ومنه الحرف، وهو الوجه، تقول: هو من أمره على حرف واحد، أى طريقة واحدة، قال الله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٢»، أى على وجه واحد، وذلك أن العبد يجب عليه طاعة ربه تعالى عند السّراء والضرّاء، فإذا أطاعه عند السرّاء وعصاه عند الضرّاء، فقد عبده على حرف، ألا تراه قال تعالى: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ «٣» ...
والأصل الثانى: الانحراف عن الشيء، يقال: انحرف عنه ينحرف انحرافا، وحرفته أنا عنه، أى عدلت به عنه، ولذلك يقال: محارف، وذلك إذا حورف كسبه فميل به عنه، وذلك كتحريف الكلام، وهو عدله عن جهته، قال تعالى:
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ «٤»، وفى المائدة: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ «٥».
стр. 28
والأصل الثالث: المحراف: حديدة يقدّر بها الجراحات عند العلاج ... وزعم ناس أن المحارف من هذا، كأنه قدّر عليه رزقه كما تقدّر الجراحة بالمحراف.
ومن هذا الباب: فلان يحرف لعياله، أى يكسب، وذلك من حرف واحترف، أى كسب» «١».
والذى معنا هنا من الأصل الأول فيما ذكره ابن فارس.
ويقول الراغب فى مفرداته «٢»: «حرف الشيء: طرفه، وجمعه أحرف وحروف، يقال: حرف السيف، وحرف السفينة، وحرف الجبل، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة».
وفى القاموس المحيط: «الحرف من كل شىء طرفه، وواحد حروف التهجى ..
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٣» أى وجه واحد، وهو أن يعبده على السرّاء، لا الضرّاء، أو على شك، أو على غير طمأنينة على أمره، أى لا يدخل فى الدين متمكنا، ونزل القرآن على سبعة أحرف: سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه، وإن جاء على سبعة أو عشرة أو أكثر، ولكن المعنى: هذه اللّغات السبع متفرقة فى القرآن».
وفى لسان العرب لابن منظور: «الحرف من حروف الهجاء، معروف واحد حروف التهجي، وكل كلمة تقرأ على الوجوه من القرآن تسمى حرفا، تقول:
هذا فى حرف ابن مسعود، أى فى قراءة ابن مسعود، قال ابن سيدة (على بن إسماعيل- ت ٤٥٨ هـ): والحرف: القراءة التى تقرأ على أوجه، وما جاء
فى الحديث من قوله ﵇: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف»
стр. 29
أراد بالحرف اللّغة، قال أبو عبيدة وأبو العباس «١»: نزل على سبع لغات من لغات العرب، قال: وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم يسمع به، قال: ولكن يقول هذه اللّغات متفرقة فى القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة أهل اليمن، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وكذلك سائر اللّغات ومعانيها فى هذا كله واحد، وقال غيره: وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه، على أنه قد جاء فى القرآن ما قد قرئ بسبعة وعشرة، نحو: «ملك يوم الدين»، و «عبد الطاغوت»، ومما يبين ذلك قول ابن مسعود: إنى قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال وأقبل، قال ابن الأثير (مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزرى- ت ٦٠٦ هـ): وفيه أقوال غير ذلك، هذا أحسنها، والحرف فى الأصل: الطرف والجانب، وبه سمى الحرف من حروف الهجاء «٢».
وروى الأزهرى (محمد بن أحمد بن الأزهر الهروى- ت ٣٧٠ هـ)، عن أبى العباس أنه سئل عن
قوله: «نزل القرآن على سبعة أحرف»
فقال: ما هى إلا لغات، قال الأزهرى: فأبو العباس النحوى، وهو واحد عصره، قد ارتضى ما ذهب إليه أبو عبيد واستصوبه ... وإلى هذا أومأ أبو العباس النحوى وأبو بكر بن الأنبارى (محمد بن القاسم بن محمد بن بشار- ت ٣٢٨ هـ) فى كتاب له ألّفه فى اتباع ما فى المصحف الإمام، ووافقه على ذلك أبو بكر بن مجاهد (أحمد بن موسى بن العباس التميمى- ت ٣٢٤ هـ) مقرئ أهل
стр. 30
العراق وغيره من الأثبات المتقنين، قال: ولا يجوز عندى غير ما قالوا، والله تعالى يوفقنا للاتباع، ويجنبنا الابتداع».
وقال ابن قتيبة: «والحرف يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها.
ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا فى كلمته، يعنون: فى قصيدته، والله جلّ وعز يقول: وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ «١»، وقال: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى «٢»، «٣».
ويتضح مما ذكر آنفا، أن الحرف يطلق حقيقة على أحد حروف التهجى، ويطلق مجازا على كلمة من إطلاق الجزء وإرادة الكل، مجاز مرسل علاقته الجزئية، لأن الكلمة تتركب من حروف، أو على اللّغة، لأن ألفاظها تتكوّن من حروف، أو على وجه من وجوه اللّغة للاختلاف فى طريقة النطق وكيفيته.
آراء العلماء فى المراد بالأحرف السبعة:
ذهبت آراء العلماء فى المراد بالأحرف السبعة مذاهب كثيرة، وقال ابن العربى «٤»: لم يأت فى معنى هذا السبع نفى ولا أثر، واختلف الناس فى تعيينها.
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستى «٥»: اختلف الناس فيها على
стр. 31
خمسة وثلاثين قولا، وقال: وقفت منها على كثير «١»، ونقل القرطبى (محمد ابن أحمد المفسر- ت ٦٧١ هـ) عنه ذلك فى مقدمة التفسير، ولكنه لم يذكر منها سوى خمسة فقال: «وقد اختلف العلماء فى المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستى، نذكر منها فى هذا الكتاب خمسة أقوال» «٢»، وقال المنذرى (عبد العظيم بن عبد القوى ت ٦٥٦ هـ) أكثرها غير مختار، وعلّق ابن حجر على ذلك فقال: ولم أقف على كلام ابن حبان فى هذا بعد تتبعى مظانه من صحيحه «٣».
ولكن السيوطى (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد- ت ٩١١ هـ) فى «الإتقان» نقل اختلاف العلماء فى معنى
حديث «نزول القرآن على سبعة أحرف»
على نحو أربعين قولا، وذكر منها خمسة وثلاثين قولا، ثم قال:
«قال ابن حبان: فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللّغة فى معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف، وهى أقاويل يشبه بعضها بعضا، وكلها محتملة، ويحتمل غيرها» «٤»، وهذا النص يدل على أن السيوطى اطلع على كلام ابن حبان فى كتب من كتبه، ونقله فى كتابه «الإتقان».
سبب اهتمام العلماء بهذا الموضوع:
وقد اهتم العلماء بهذا الموضوع وعنوا به حتى كثرت فيه الأقوال، وتعددت الآراء، واختلفت وجهات النظر، ويرجع ذلك إلى أمور:
стр. 32
الأول: أنه موضوع وثيق الصلة بالقرآن الكريم، وهو أساس الدين الذى قام عليه أمر الأمة، ومصدر التشريع الذى تصوغ عليه حياتها، وكلام الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والنقل المتواتر هو دعامة قطعية ثبوت القرآن.
الثانى: أن الأحاديث الواردة فى نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف مع كثرتها وتعدد رواياتها جاءت مجملة، لا تكشف عن حقيقة المراد بهذه الأحرف، ولم يأت نص صحيح صريح يبينها، فكان الاجتهاد فى تحديد المراد بها مدعاة للاختلاف.
الثالث: أن تخاصم الصحابة فى هذا الأمر وتحاكمهم إلى رسول الله ﷺ جاء الجواب عنه برد كل واحد إلى ما قرأ وتصويبه، ولم تبين الأحاديث الاختلاف الذى كان بين كل قراءة وأخرى، وهذا يدل على أن الأمر صار معروفا لدى الصحابة رضى الله عنهم، فلم يحتاجوا إلى بيان، ولو خفى عليهم لسألوا رسول الله ﷺ حتى يبيّن لهم، فينبغى البحث لمعرفة ذلك، وهو الذى حدا العلماء على التعمق فى دراسة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف رغبة فى ادراك المراد بهذه الأحرف.
الرابع: أن الروايات الواردة فى مجموعها يشوبها بعض الغموض والإبهام، فليس فيها ما يبيّن بجلاء نص الآية أو الكلمة التى وقع الاختلاف فى قراءتها، ولا نوع الخلاف فى تلك القراءات، أكان خلافا صوتيا يمكن أن يعزى إلى تباين اللهجات فى النطق وطريقة الأداء مع وحدة اللّفظ، أم كان اختلافا فى اللّفظ مع وحدة المعنى؟
وإذا أنعم الباحث النظر فى تلك الآراء التى وردت فى كتب علوم القرآن، يجد بعضها غير معزو إلى قائله، وبعضها الآخر استنباطا بعيد المأخذ، ومنها آراء كثيرة ذات مضمون واحد أو متقارب وإن تفاوت التعبير عنها، مما جعل
стр. 33
ابن سعدان النحوى «١» يرى أن الحديث مشكل، إذ يقول: «معنى
قوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
مشكل لا يدرى معناه، لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمى القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على الحرف المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف أيضا: المعنى والجهة، كقوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٢»، أى على جهة من الجهات ومعنى من المعانى» «٣».
لذا فإنى سأورد ما كان من تلك الآراء ذا بال، وأشير إلى ما قاربها من رأى.
الرأى الأول:
ذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات من لغات العرب فى المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب فى التعبير عن معنى من المعانى يأتى القرآن منزّلا بألفاظ على قدر هذه اللّغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتى بلفظ واحد أو أكثر، فهى أوجه سبعة من المعانى المتفقه بألفاظ مختلفة، بما يعرف بالاشتراك المعنوى، أو الترادف اللّفظى نحو: أقبل، وهلم، وتعال، وأسرع، وعجّل.
стр. 34
وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة «١»، وعبد الله بن وهب «٢»، وابن جرير الطبرى «٣»، والطحاوى «٤»، وغيرهم فالأحرف السبعة أوجه من اللّغات فى المعنى الواحد، بألفاظ مختلفة.
ونسب ابن عبد البر «٥» هذا الرأى لأكثر العلماء.
قال أبو عمر: وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى
حديث النبى ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
سبع لغات، وقالوا: هذا لا معنى له، لأنه
стр. 35
لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض فى أول الأمر، لأنه من كانت لغته شيئا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم ينكر عليه، وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشى مكى، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، كما محال أن يقرئ رسول الله ﷺ واحدا منهما بغير ما يعرفه من لغته، والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا، وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعانى المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وهلمّ، وعلى هذا أكثر أهل العلم» «١» ثم ذكر الأحاديث في ذلك.
الرأى الثانى:
وقال قوم: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه فى جملته لا يخرج فى كلماته عن سبع لغات هى أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل، أو ثقيف، أو هوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل فى مجموعه على اللّغات السبع.
وهذا الرأى يختلف عن سابقه، لأنه يعنى أن الأحرف السبعة إنما هى أحرف سبعة متفرقة فى سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة فى كلمة واحدة مع اتفاق المعانى.
стр. 36
وإلى هذا ذهب أبو عبيد «١» وثعلب «٢» والزهرى «٣» وآخرون، واختاره ابن عطية «٤» وصحّحه البيهقى فى الشعب.
قال أبو عبيد فى كتاب «غريب الحديث»: «قوله: سبعة أحرف يعنى سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللّغات السبع متفرقة فى القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه نزل بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة أهل اليمن وكذلك سائر اللّغات، ومعانيها فى هذا كله واحدة» «٥».
وقال فى كتاب «فضائل القرآن»: «وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شىء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة فى جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثانى بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما، كذلك إلى سبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بيّن فى أحاديث تترى».
стр. 37
وقال ابن عطية: معنى
قول النبى ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف»:
أى فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز فى اللّفظ، ألا ترى أن «فطر» معناه عند غير قريش ابتدأ. فجاءت فى القرآن فلم تتجه لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١»، وقال أيضا: ما كنت أدرى معنى قوله تعالى:
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «٢» حتى سمعت بنت ذى يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أى أحاكمك، وكذلك قال عمر بن الخطاب، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٣»: أى على تنقص لهم، وكذلك
اتفق لقطبة بن مالك، إذ سمع النبى ﷺ يقرأ فى الصلاة: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ «٤» ذكره مسلم فى باب القراءة فى صلاة الفجر
، إلى غير ذلك من الأمثلة» «٥».
ووردت روايات محتملة للرأيين السابقين: الأول والثانى لما فيها من إجمال.
فعن علىّ بن أبى طالب «٦»
، وابن عباس «٧»، رضى الله عنهما قالا: نزل القرآن بلغة كل حى من أحياء العرب.
стр. 38
وفى رواية عن ابن عباس أن النبى ﷺ كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل فقال: «يا محمد، أقرئ كل قوم بلغتهم» «١».
فهذا يفيد نزول القرآن باللّغات المعروفة عند العرب، ولا يتبين من ذلك ما إذا كان المراد نزول القرآن بهذه اللّغات فى المعنى الواحد حيث يكون هناك اختلاف فى اللّفظ- وهو الرأى الأول- أو كان المراد نزول القرآن فى مجموعه بهذه اللّغات، فلا تخرج كلماته عنها- وهو الرأى الثانى.
وقد علّق ابن حجر «٢» فى «الفتح» على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تعليقا مجملا فقال: «وهذه الأحاديث تقوّى أن المراد بالأحرف اللّغات، أو القراءات، أى أنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات، والأحرف جمع حرف، مثل: فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللّغات، لأن أحد معانى الحرف فى اللّغة الوجه، كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٣». وعلى الثانى يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها «٤».
ولعل الحافظ ابن حجر فى هذا يشير إلى الرأيين السابقين، ويعبّر عن الرأى الأول بقوله: «سبعة أوجه من اللّغات» كأنه يعنى اتفاقها فى المعنى وإن اختلفت الألفاظ، ويعبّر عن الرأى الثانى بالقراءات، باعتبارها كلمات متفرقة
стр. 39
من لغات سبع، فيكون إطلاق الحرف على كل كلمة منها على سبيل المجاز، من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
تحديد اللّغات السبع:
واختلف أصحاب هذين الرأيين فى تحديد اللّغات السبع:
(أ) فقال أبو حاتم السجستانى «١»: نزل القرآن بلغة قريش، وهذيل، وتميم، وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
قال أبو على الأهوازى «٢»: سمعت أبا عبد الله محمد بن المعلى الأزدى «٣» بالبصرة يقول: سمعت أبا بكر محمد بن دريد الأزدى «٤» يقول: سمعت أبا حاتم سهل بن محمد السجستانى يقول: معنى سبعة أحرف: سبع لغات من لغات العرب، وذلك أن القرآن نزل بلغة قريش، وهذيل، وتميم، وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر «٥»
стр. 40
واستنكر هذا القول ابن قتيبة «١»، فيما نقله عنه ابنه، محتجا بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ «٢»:
ما لم تكن هذه اللّغات السبع فى بطون قريش.
قال أبو علىّ الأهوازى: سمعت أبا الحسن علىّ بن إسماعيل بن الحسن القطان «٣»، يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم «٤» يقول:
سمعت أبى يقول: عن أبى حاتم السجستانى- وهذا القول عظيم من قائله، لأنه غير جائز أن يكون فى القرآن لغة تخالف لغة قريش، لقوله تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ إلّا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق من هذه اللّغات لغة قريش «٥».
ويؤيد هذا الاعتراض ما جاء فى حديث جمع القرآن الكريم فى عهد عثمان رضى الله عنه، حين ندب لهذا الأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم «٦».