ويدل عليه ما جاء
فى حديث أبى بكرة: «أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين ... حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلمّ، وتعال، وأقبل، وأسرع، وعجّل» «١».
قال الطبرى: «فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة، إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: «هلمّ، وتعال» باتفاق المعانى، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام، وبمثل الذى قلنا فى ذلك صحّت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف» «٢». أى أن ابن جرير يرجّح هذا القول.
وقال ابن عبد البر فى تعليقه على هذه الرواية: «إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها، وأنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون فى شىء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده، كالرحمة التى هى خلاف العذاب» «٣».
وعلى هذا فهو من قبيل الترادف، حيث يختلف اللّفظ ويتفق المعنى.
وبهذا يفسّر ما نقله أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتاب «غريب الحديث» من قول ابن مسعود رضى الله عنه: «إنى سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم: «هلمّ، وتعال»، وكذلك قال ابن سيرين «٤»: إنما هو كقولك: هلمّ وتعال وأقبل» ثم فسّره ابن سيرين فقال:
стр. 72
«فى قراءة ابن مسعود: «إن كانت إلّا زقية واحدة»، وفى قراءتنا:
صَيْحَةً واحِدَةً «١» فالمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللّغات «٢».
ويؤيد هذا الرأى أحاديث كثيرة منها:
١ - قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فغيّر عليه، فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغيّر علىّ، قال: فاختصما عند النبى ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، قال: فوقع فى صدر عمر شىء، فعرف النبى ﷺ ذلك فى وجهه، قال: فضرب صدره وقال: «أبعد شيطانا» - قالها ثلاثا- ثم قال: «يا عمر، إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا، أو عذابا رحمة» «٣».
ووجه الدلالة: أن هذا الاختصام فى القراءة، وما يتبعه من الرجوع إلى رسول الله ﷺ ، وبقاء شىء فى صدر عمر بعد تصويب رسول الله ﷺ لا يكون إلا عن اختلاف اللّفظ فى القراءة.
٢ - وعن بسر بن سعيد «٤»: «أن أبا جهيم الأنصارى «٥»، أخبره أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا رسول الله ﷺ عنها، فقال رسول الله
стр. 73
صلّى الله عليه وسلم: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا فى القرآن، فان المراء فيه كفر» «١».
ووجه الدلالة فى هذا الحديث كوجه الدلالة فى الحديث السابق، ويزيد عنه أن المراة الذى يصل إلى الكفر لا يكون فى الاختلاف فى التصريف، أو فى الإعراب، أو فى الإفراد والتذكير وفروعهما، أو نحو ذلك من وجوه كيفية النطق.
٣ - وعن الأعمش قال: «قرأ أنس «٢» هذه الآية: «إنّ ناشئة اللّيل هى أشدّ وطا وأصوب قيلا» «٣»، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هى وَأَقْوَمُ فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد» «٤».
ووجه الدلالة فى هذا الحديث- وإن كان مرسلا- نصية، حيث جاء النص فى التمثيل بالألفاظ المختلفة الدالة على معنى واحد، وهو ما ندّعيه.
٤ - وجاءت آثار أخرى دالة على ذلك منها:
(أ) جاء عن أبىّ بن كعب أنه كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا «٥»:
стр. 74
«مهّلونا، أخّرونا، أرجئونا»، وكان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ «١»: «مرّوا فيه، سعوا فيه» «٢».
وهذا معناه أن أبىّ بن كعب كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا، و «للذين آمنوا مهّلونا»، و «للذين آمنوا أخّرونا»، و «للذين آمنوا أرجئونا» وكان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، و «كلما أضاء لهم مرّوا فيه» و «كلما أضاء لهم سعوا فيه» وهذا كله اختلاف فى اللفظ مع اتفاق المعنى فهى ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وهو المدّعى.
(ب)
وعن أبى بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «قال جبريل:
اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل ﵇: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية
عذاب، كقولك: هلمّ وتعال» «٣».
فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: «هلمّ، وتعال» باتفاق المعانى، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام.
(ج) وقال عبد الله بن مسعود: «إنى قد سمعت الى القراء، فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلمّ، وتعال» «٤».
стр. 75
مناقشة الرأى الثانى:
ويجاب عن الرأى الثانى الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه فى جملته لا يخرج فى كلماته عنها فهو يشتمل فى مجموعه عليها- بأن لغات العرب أكثر من سبع، وبأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشى من لغة واحدة، وقبيلة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدلّ ذلك على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه، ولا يكون هذا إلّا باختلاف الألفاظ فى معنى واحد، وهو ما نرجّحه.
وكان عمر شديدا فى الأمر بالمعروف إذ يقول: «فلببته بردائه» أى جمع عليه ثيابه عند لبته لئلا ينفلت منه، وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه فى الإسلام وسابقته بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فهو من مسلمة الفتح، فكان النبى ﷺ أقرأه على ما نزل أخيرا، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرة عمر بالإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع
حديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
إلا فى هذه الواقعة.
قال ابن جرير الطبرى بعد أن ساق الأدلة مبطلا هذا الرأى: «بل الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن هن لغات سبع فى حرف واحد، وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإلىّ، وقصدى، ونحوى، وقربى، ونحو ذلك، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعانى، وإن اختلفت بالبيان به الألسن، كالذى روينا آنفا عن رسول الله ﷺ ، وعمن روينا عنه ذلك من الصحابة، أن ذلك بمنزلة قولك:
«هلم وتعال وأقبل» وقوله: «ما ينظرون إلّا زقية»، وإِلَّا صَيْحَةً.
وأجاب الطبرى عن تساؤل مفترض: ففي أى كتاب الله نجد حرفا واحدا مقروءا بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى؟ أجاب: بأننا لم ندّع أن
стр. 76
ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى
قول النبى ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
على نحو ما جاءت به الأخبار التى تقدّم ذكرنا لها، وهو ما وصفنا، دون ما ادعاه مخالفونا فى ذلك، للعلل التى قد بينّا.
فإن قال- المتسائل- فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة إن كان الأمر فى ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله ﷺ ، وأمر بالقراءة بهن، وأنزلهن الله من عنده على نبيه ﷺ ؟ أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الامة، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟
أم ما القصة فى ذلك؟
قيل له: لن تنسخ فترفع، ولا ضيّعتها الامة، وهى مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت فى قراءته وحفظه بأى تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هى حنثت فى يمين وهى موسرة، أن تكفر بأى الكفّارات الثلاث شاءت، إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظرها التكفير بأى الثلاث شاء المكفّر، كانت مصيبة حكم الله، مؤدية فى ذلك الواجب عليها من حق الله، فكذلك الأمة، أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيّرت فى قراءته بأى الأحرف السبعة شاءت- فرأت- لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف السبعة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه، بما أذن له فى قراءته به.
فإن قال: وما العلّة التى أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية؟
قيل: حديث رواه زيد بن ثابت «١»، قال: لما قتل أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 77
باليمامة، دخل عمر بن الخطاب على أبى بكر «١» ﵀ فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ باليمامة تهافتوا تهافت الفراش فى النار، وإنى أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا- وهم حملة القرآن- فيضيع القرآن وينسى، فلو جمعته وكتبته! فنفر منها أبو بكر وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ ! فتراجعا فى ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، قال زيد: فدخلت عليه وعمر محزئل «٢»، فقال أبو بكر: إن هذا قد دعانى إلى أمر فأبيت عليه، وأنت كاتب الوحى، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقنى لا أفعل، قال: فاقتص أبو بكر قول عمر، وعمر ساكت، فنفرت من ذلك وقلت: نفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ ! إلى أن قال عمر كلمة: «وما عليكما لو فعلتما ذلك»؟ قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شىء والله، ما علينا فى ذلك شىء، قال زيد: فأمرنى أبو بكر فكتبته فى قطع الادم وكسر الأكتاف والعسب «٣»، فلما هلك أبو بكر وكان عمر، كتب ذلك فى صحيفة واحدة، فكانت عنده، فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة «٤»، زوج النبى ﷺ ، ثم إن حذيفة بن اليمان «٥» قدم من غزوة كان غزاها بمرج أرمينية، فلم يدخل بيته
стр. 78
حتى أتى عثمان بن عفان «١»، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك الناس! فقال عثمان: «وما ذاك»؟ قال: غزوت مرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبىّ بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فتكفّرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام فتكفّرهم أهل الشام، قال زيد: فأمرنى عثمان بن عفان أكتب لهم مصحفا، وقال: إنى مدخل معك رجلا لبيبا فصيحا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلىّ، فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص «٢» ... ثم أرسل عثمان رضى الله عنه إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، فأعطته إياها، فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا فى شىء، فردها إليها، وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر «٣» فى الصحيفة بعزمة، فأعطاهم إياها، فغسلت غسلا، وروى أن عثمان حين دعا إلى كتابة المصحف قال:
«اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما» وكتب إلى أهل الأمصار:
«إنى قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندى، فامحوا ما عندكم».
والآثار دالة على أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه، جمع المسلمين على مصحف واحد وحرف واحد، وحرق ما عدا المصحف الذى جمعهم عليه، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذى جمعهم عليه
стр. 79
أن يخرقه، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنّ فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التى عزم عليها إمامها العادل فى تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفّت آثارها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شىء منها، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها، فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذى اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
وإنما جاز ترك سائر الأحرف لأن أمر رسول الله ﷺ بالقراءة بها لم يكن فرضا، وإنما كان أمر إباحة ورخصه، ولو كانت القراءة بها فرضا لوجب نقلها بمن تقوم بهم الحجة، ويزيل الشك من قرأة الأمة، وفى تركهم هذا النقل دليل على أنهم كانوا فى القراءة بها مخيّرين، بعد أن يكون فى نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة «١».
مناقشة الرأى الثالث:
ويجاب عن الرأى الثالث الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه:
من الأمر، والنهى، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال، وما هو فى معنى ذلك من الوجوه والأنواع والمعانى- بأن عماد هذا الرأى هو الحديث الذى يرويه سلمة بن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن النبى ﷺ ، وقد قال فيه أبو عمر بن عبد البر: «هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت،
стр. 80
وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وقد ردّه قوم من أهل النظر، منهم أحمد ابن أبى عمران «١»، فيما سمعه الطحاوى منه قال: من قال فى تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد، لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه، لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله، قال أبو عمر: ويرويه اللّيث «٢» عن عقيل «٣»، عن ابن شهاب عن سلمة بن أبى سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا» «٤».
وما روى عن أبى قلابة، قال فيه الشيخ أحمد شاكر: هذا حديث مرسل، فلا تقوم به حجّة «٥».
وسائر ما روى فى هذا الباب لا يخرج عن أن يكون بيانا لأسماء الله تعالى التى وردت فى مواضع متعددة من القرآن، أو تأويلا للحديث بحمله على أنواع من العلوم دون سند أو دليل بتكلف وتمحل.
وظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة أن الكلمة تقرأ على وجهين أو ثلاثة إلى سبعة توسعة للأمة، والشيء الواحد لا يكون حلالا وحراما فى آية واحدة، والتوسعة لم تقع فى تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا فى تغيير شىء من الوجوه والمعانى المذكورة.
стр. 81
والذى ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الصحابة الذين اختلفوا فى القراءة احتكموا إلى النبى ﷺ ، فاستقرأ كل رجل منهم، ثم صوّب جميعهم فى قراءتهم على اختلافها، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم،
فقال ﷺ للذى ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: «إن الله أمرنى أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف».
ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك، لو كان تماريا واختلافا فيما دلّت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يصوّب جميعهم، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته فى ذلك على النحو الذى هو عليه، لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحا وجب أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمر بفعل شىء بعينه وزجر عنه- فى تلاوة الذى دلت تلاوته على النهى والزجر عنه- وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه، فى تلاوة من دلت تلاوته على التخيير.
وذلك من قائله- إن قاله- إثبات ما قد نفى الله جلّ ثناؤه عن تنزيله ومحكم كتابه فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «١».
وفى نفى الله جلّ ثناؤه ذلك عن محكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد ﷺ إلا بحكم واحد متفق فى جميع خلقه لا بأحكام فيهم مختلفة «٢».
стр. 82
مناقشة الرأى الرابع:
ويجاب عن الرأى الرابع- الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة وجوه التغاير الذى يقع فيه الاختلاف «١»، بأن هذا وإن كان شائعا مقبولا لكنه لا ينهض أمام أدلة الرأى الأول التى جاء التصريح فيها باختلاف الألفاظ مع اتفاق المعنى.
وبعض وجوه التغاير والاختلاف التى يذكرونها ورد بقراءات الآحاد، ولا خلاف فى أن كل ما هو قرآن يجب أن يكون متواترا، وأكثرها يرجع إلى شكل الكلمة أو كيفية الأداء مما لا يقع به التغاير فى اللّفظ، كالاختلاف فى الإعراب، أو التصريف، أو التفخيم والترقيق والفتح، والإمالة والإظهار والإدغام والإشمام، فهذا ليس من الاختلاف الذى يتنوّع فى اللّفظ والمعنى، لأن هذه الصفات المتنوّعة فى أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا.
وأصحاب هذا الرأى يرون أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها، بمعنى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من هذه الأحرف، فآية: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ «٢» التى تقرأ بصيغة الجمع، وتقرأ بصيغة الإفراد، جاءت فى الرسم العثمانى: «لأمنتهم» موصولة وعليها ألف صغيرة، وآية: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا «٣»، جاءت فى الرسم العثمانى: «بعد» موصولة كذلك وعليها ألف صغيرة ... وهكذا.
وهذا لا يسلم لهم فى كل وجه من وجوه الاختلاف التى يذكرونها، كالاختلاف بالزيادة والنقص فى مثل قوله تعالى: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ
стр. 83
«١». وقرئ: «من تحتها الأنهار» بزيادة «من»، وقوله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «٢»، وقرئ: «والذكر والأنثى» بنقص «ما خلق».
والاختلاف بالتقديم والتأخير فى مثل قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ «٣»، وقرئ: «وجاءت سكرة الحق بالموت».
ولو كانت هذه الأحرف تشتمل عليها المصاحف العثمانية لما كان مصحف عثمان حاسما للنزاع فى اختلاف القراءات، إنما كان حسم هذا النزاع بجمع الناس علي حرف واحد من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن، ولولا هذا لظل الاختلاف فى القراءة قائما، ولما كان هناك فرق بين جمع عثمان وجمع أبى بكر.
والذى دلت عليه الآثار أن جمع عثمان رضى الله عنه للقرآن كان نسخا له على حرف واحد من الحروف السبعة حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد، حيث رأى أن القراءة بالأحرف السبعة كانت لرفع الحرج والمشقة فى بداية الأمر، وقد انتهت الحاجة إلى ذلك، وترجّح عليها حسم مادة الاختلاف فى القراءة، بجمع الناس على حرف واحد، ووافقه الصحابة على ذلك، فكان إجماعا.
ولم يحتج الصحابة فى أيام أبى بكر وعمر إلى جمع القرآن على وجه ما جمعه عثمان، لأنه لم يحدث فى أيامهما من الاختلاف فيه ما حدث فى زمن عثمان، وبهذا يكون عثمان قد وفّق لأمر عظيم، رفع الاختلاف وجمع الكلمة، وأراح الأمة.
قال محيى السنّة الإمام البغوى: «جمع الله تعالى الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، وهو آخر العرضات على رسول الله ﷺ كان
стр. 84
أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه أمر بكتابته، جمعا بعد ما كان مفرقا فى الرقاع ليكون أصلا للمسلمين، يرجعون إليه ويعتمدون عليه، وأمر عثمان بنسخه فى المصاحف، وجمع القوم عليه، وأمر بتحريق ما سواه قطعا لمادة الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه فى حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع منه باتفاق الصحابة، والمكتوب بين اللّوحين هو المحفوظ من الله للعباد، وهو الإمام للأمة، فليس لأحد أن يعدو فى اللّفظ إلى ما هو خارج من رسم الكتابة والسواد» «١».
وقد نقل أبو شامة عن القاسم بن ثابت العوفى «٢» ما يؤيد ذلك فقال: «إن الله ﵎ بعث نبيه ﷺ والعرب متناءون فى المحال والمقامات، متباينون فى كثير من الألفاظ واللّغات، ولكل عمارة لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عادتهم، وفيهم الكبير العاس والأعرابى القح، ومن لو رام نفى عادته وحمل لسانه على غير ذرّيته تكلّف منه حملا ثقيلا، وعالج منه عبئا شديدا، ثم لم يكسر غربه ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط عنهم ﵎ هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عاداتهم، وكان الرسول ﷺ يقرئهم بما يفقهون، ويخاطبهم بالذى يستعملون بما طوّقه الله من ذلك، وشرح به صدره وفتق به لسانه وفضله على جميع خلقه».
ثم ذكر حديث نزول القرآن على سبعة أحرف من عدة طرق بروايات مختلفة، وقال:
стр. 85
«وهذه الأحاديث الصحاح التى ذكرنا بالأسانيد الثابتة المتصلة تضيق عن كثير من الوجوه التى وجهها عليها من زعم أن الأحرف فى صورة الكتابة وفى التقديم والتأخير والزيادة والنقصان، لأن الرخصة كانت من رسول الله ﷺ ، والعرب ليس لهم يومئذ كتاب يعتبرونه، ولا رسم يتعارفونه، ولا يقف أكثرهم من الحروف على كتبه، ولا يرجعون منها إلى صورة، وإنما كانوا يعرفون الألفاظ بجرسها، أى بصوتها، ويجدونها بمخارجها، ولم يدخل عليهم يومئذ من اتفاق الحروف ما دخل بعدهم على الكاتبين من اشتباه الصور، وكان أكثرهم لا يعلم بين الزاى والسين سببا، ولا بين الصاد والضاد نسبا» «١».
وقد قال بهذا أبو حاتم السجستانى، وابن قتيبة، والباقلانى، والرازى «٢»، وابن الجزرى وأقوالهم جميعا متقاربة.
وانتصر لهذا الرأى من المحدثين الشيخ محمد بخيت المطيعى «٣»، والشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى «٤».
حكى الزرقانى أقوال هؤلاء، واختار هذا الرأى لاعتماده على الاستقراء التام، وادعى أن جميع الأحرف السبعة موجودة بالمصاحف العثمانية، ورد الآراء الأخرى، وضعّف ما ذهب إليه ابن جرير الطبرى ومن لفّ لفه- حسب تعبيره.
стр. 86
ولم يرد فى الأحاديث والآثار التعبير بالأوجه، وإنما ورد التعبير بالأحرف، وتأويل الأحرف بالأوجه تكلف لا حاجة إليه، ومعظم علماء اللّغة يفسّرون الأحرف باللّغات.
وغاية ما يدل عليه الاستقراء هو استنباط وجوه اختلاف القراءات أو اللّغات، وحمل هذا على الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن يحتاج إلى دليل، ولا دليل، وهو استقراء ناقص لا يفيد الحصر فى سبعة، ولذا تفاوتت وجوه الاختلاف المستنبطة وتعددت عند القائلين بهذا الرأى.
مناقشة الرأى الخامس:
ويجاب عن الرأى الخامس- الذى يرى أن العدد سبعة لا مفهوم له- بأن الأحاديث تدل بنصها على حقيقة العدد وانحصاره:
«أقرأنى جبريل على حرف، فراجعته، فزادنى، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف» «١».
«يا أبىّ، أرسل إلىّ: أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فرد إلىّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هوّن على أمّتى، فرد إلىّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف» «٢».
فهذا يدل على حقيقة العدد المعيّن المحصور فى سبعة.
ويتضح هذا تفصيلا من رواية الإمام أحمد:
عن أبىّ بن كعب قال: «سمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فقلت: انطلق إليه، فأتيت النبى ﷺ ، فقلت: استقرئ هذا،
стр. 87
فقال: «اقرأ»، فقرأ، فقال: «أحسنت»، فقلت له: أو لم تقرئني كذا وكذا، قال: «بلى»، وأنت قد أحسنت، فقلت بيدى: قد أحسنت مرتين! قال: فضرب النبى ﷺ بيده فى صدرى، ثم قال: «اللهم أذهب عن أبىّ الشك»، ففضت عرقا، وامتلأ جوفى فرقا، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبىّ، إنّ ملكين أتيانى، فقال أحدهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، فقلت:
زدنى، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر: زده، فقلت: زدنى، قال:
اقرأ على ثلاثة، فقال الآخر: زده، فقلت: زدنى، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدنى، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدنى، قال: اقرأ على ستة، قال الآخر: زده، قال:
اقرأ على سبعة أحرف، فالقرآن أنزل على سبعة أحرف» «١».
فهذه الاستزادة المتتابعة العدد تقطع بأن المراد بالأحرف السبعة حقيقة السبعة الواقعة بين الستة والثمانية، ولا تحتمل تأويلا، وكلها نزل بها الوحى حرفا حرفا.
وقد رد ابن المنير «٢» على من قال بواو الثمانية فى مثل قوله تعالى:
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «٣» مؤيدا من أنكر ذلك فقال: «وهو الصواب، لا كمن يقول: إنها واو الثمانية، فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم، ويعدون من هذه الواو قوله فى الجنة: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٤» بخلاف أبواب النار، فإنه قال فيها: فُتِحَتْ أَبْوابُها «٥»، قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب
стр. 88
النار سبعة، وهب أن فى اللّغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر العدد فى أبواب الجنة حتى ينتهى إلى الثامن فتصحبه الواو، وربما عدوّا من ذلك: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ «١»، وهو الثامن من قوله: التَّائِبُونَ وهذا أيضا مردود، بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التى هى: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ لما بينهما من التناسب والربط، ألا ترى اقترانهما فى جميع مصادرهما ومواردهما، كقوله: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٢»، وكقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٣»، وربما عدد بعضهم من ذلك الواو فى قوله: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً «٤»، لأنه وجدها مع الثامن، وهذا غلط فاحش، فإن هذه واو التقسيم، ولو ذهبت تحذفها فتقول: ثيبات أبكارا، لم يسند الكلام، فقد وضح أن الواو فى جميع هذه المواضع المعدودة واردة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق» «٥».
مناقشة الرأى السادس:
ويجاب عن الرأى السادس- الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع- بأن القرآن غير القراءات، فالقرآن هو الوحى المنزل على نبينا محمد ﷺ للبيان والإعجاز المنقول إلينا تواترا، والقراءات: جمع قراءة، وهى فى اللّغة مصدر سماعى لفعل «قرأ»، وهى وجه من وجوه كيفية النطق بألفاظ الوحى، «فالقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، القرآن هو الوحى المنزّل على الرسول ﷺ الذى دفع به التحدى وكان الإعجاز، والقراءات هى اختلاف ألفاظ الوحى المذكور فى كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرها» «٦».
стр. 89
وعرّف ابن الجزرى القراءات بقوله: «علم القراءات، علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة».
وقد نقل القرآن إلينا بلفظه ونصه كما أنزله الله على نبينا محمد ﷺ نقلا متواترا، ولكن كيفية أدائه قد اختلف فيها الرواة الناقلون، فكل منهم يعزو ما يرويه بإسناده إلى النبى ﷺ وإن لم يكن متواترا.
قال أبو شامة: «وقد ظن جماعة ممن لا خبرة له بأصول هذا العلم أن قراءة هؤلاء الأئمة السبعة هى التى
عبّر عنها النبى ﷺ بقوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
فقراءة كل واحد من هؤلاء حرف من تلك الأحرف، ولقد أخطأ من نسب إلى ابن مجاهد «١» أنه قال ذلك» «٢».
وقال الطبرى: «وأما ما كان من اختلاف القراءة فى رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى
قول النبى ﷺ : «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»
بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن- مما اختلفت القراء فى قراءته بهذا المعنى- يوجب المراء به كفر الممارى فى قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء فيه الكفر من الوجه الذى تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهر عنه بذلك الرواية» «٣».
стр. 90
ولعل الذى أوقعهم فى هذا الخطأ الاتفاق فى العدد سبعة، فالتبس عليهم الأمر، قال ابن عمار: «١» «لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغى له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قلّ نظره أن هذه القراءات هى المذكورة فى الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة» «٢».
وقال ابن الجزرى: «أول إمام معتبر جمع القراءات فى كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين» .. ثم قال: «وكان فى أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وتوفى أربع وعشرين وثلاثمائة» .. ثم قال: «وإنما أطلنا فى هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هى التى عن هؤلاء السبعة، وأن الأحرف السبعة التى أشار إليها النبى ﷺ هى قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهّال أن القراءات الصحيحة هى التى فى الشاطبية والتيسير» .. ثم قال: «وكان من جواب الشيخ الإمام مجتهد ذلك العصر أبى العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية- ﵀ «٣»: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التى ذكر النبى ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القرّاء، السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد» «٤».
стр. 91
وقال مكى بن أبى طالب: «١» «هذه القراءات كلها التى يقرأها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هى جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن، ووافق اللّفظ بها خط المصحف الذى أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه وعلى اطراح ما سواه، ولم ينقط ولم يضبط فاحتمل التأويل لذلك» «٢».
زيادة بيان فى ترجيح الرأى الأول:
وبتلك المناقشة التى أوردناها على رأى يتبين لنا أن الرأى الأول- الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب فى المعنى الواحد تختلف فى الألفاظ وتنفق فى المعنى- هو الرأى الذى يتفق مع ظاهر النصوص وتسانده الأدلة الصحيحة.
عن أبىّ بن كعب قال: قال لى رسول الله ﷺ : «إنّ الله أمرنى أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: ربّ خفّف على أمتى، فأمرنى أن أقرأ على حرفين، فقلت: ربّ خفّف عن أمتى، فأمرنى أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شاف كاف» «٣».
قال الطبرى: والسبعة الأحرف هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة، والأبواب السبعة من الجنة، هى المعانى التى فيها، من الأمر والنهى والترغيب والترهيب والقصص والمثل، التى إذا عمل بها العامل، وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب به الجنة، وليس- والحمد لله- فى قول من قال ذلك من
стр. 92
المتقدمين خلاف لشيء مما قلناه، ومعنى: «كلها شاف كاف» كما قال جل ثناؤه فى صفة القرآن: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «١»، جعله الله للمؤمنين شفاء، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته» «٢».
وقد نقل الإمام البغوى ما ذكره أبو عبيد عن الأحرف السبعة، وبيّن أن الاختلاف فيها لا يدخل تحت قوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٣»، إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء فيما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة، وكلها كلام الله، نزل به الروح الأمين على الرسول ﷺ ، يدل عليه
قوله ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف»
فجعل الأحرف كلها منزّلة.
وكان رسول الله ﷺ يعارض جبريل فى كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله فيه ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسّر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، وكان يعرض عليه فى كل عرضة وجها من الوجوه التى أباح الله له أن يقرأ القرآن به، وكان يجوز لرسول الله ﷺ بأمر الله أن يقرأ ويقرئ بجميع ذلك، وهى كلها متفقة المعانى، وإن اختلف بعض حروفها.
وكان الأمر على هذا حياة رسول الله ﷺ ، وبعد وفاته كانوا يقرءون بالقراءات التى أقرأهم رسول الله ﷺ ولقّنهم بإذن الله ، إلى أن وقع الاختلاف
стр. 93
بين القرّاء فى زمن عثمان بن عفان، واشتد الأمر فيه بينهم، حتى أظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه، وخافوا الفرقة، فاستشار عثمان الصحابة فى ذلك، فجمع الله الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، هو آخر العرضات من رسول الله ﷺ ، وجمع عثمان القوم عليه وأمر بتحريق ما سواه قطعا لمواد الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه فى حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع منه باتفاق الصحابة» «١».
وهذا الرأى الذى اخترناه هو رأى جماعة من الأئمة الأعلام الثقات، الذين لا يساورنا شك فى سبقهم وعلمهم وفقههم وإمامتهم: سفيان بن عيينة، وابن وهب، وابن جرير الطبرى، والطحاوى. وعليه كثير من العلماء.
أبو طاهر عبد الواحد بن أبى هاشم: «وذلك أن أهل العلم قالوا فى معنى
قوله ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
: أنهن سبع لغات، بدلالة قول ابن مسعود رضى الله عنه وغيره: إن ذلك كقولك: هلم وتعال وأقبل.
فكان ذلك جاريا مجرى قراءة عبد الله: «إن كانت إلا زقية واحدة» «٢» و «كالصوف المنفوش» «٣».
ثم ذكر أن الأمر بقراءة القرآن على سبعة أحرف كان أمر تخيير، وعلل ذلك بقوله:
«فثبتت الأمة على حرف واحد من السبعة التى خيّروا فيها، وكان سبب ثباتهم على ذلك ورفض الستة ما أجمع عليه صحابة رسول الله ﷺ حين خافوا على الأمة تكفير بعضهم بعضا أن يستطيل ذلك إلى القتال وسفك الدماء وتقطيع
стр. 94
الأرحام، فرسموا لهم مصحفا، أجمعوا جميعا عليه، وعلى نبذ ما عداه لتصير الكلمة واحدة، فكان ذلك حجّة قاطعة، وفرضا لازما.
وأما ما اختلف فيه أئمة القراءة بالأمصار من النصب والرفع والتحريك والإسكان والهمز وتركه والتشديد والتخفيف والمد والقصر وإبدال حرف بحرف يوافق صورته فليس ذلك بداخل فى معنى
قول النبى ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف».
وذلك من قبل أن كل حرف اختلفت فيه أئمة القراءة لا يوجب إطراء كفرا لمن مارى به فى قول أحد من المسلمين، وقد أثبت النبى ﷺ الكفر للممارى بكل حرف من الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن».
فإن قيل: فما السبب فى اختلاف هؤلاء الأئمة بعد المرسوم لهم، ذلك شىء تخيّروه من قبل أنفسهم، أم ذلك شىء وقفوا عليه بعد توجيه المصاحف إليهم؟
قيل: لما خلت تلك المصاحف من الشكل والإعجام وحصر الحروف المحتملة على أحد الوجوه وكان أهل كل ناحية من النواحى التى وجّهت إليها المصاحف قد كان لهم فى مصرهم ذلك من الصحابة معلمون، كأبى موسى بالبصرة، وعلىّ وعبد الله بالكوفة، وزيد وأبىّ بن كعب بالحجاز، ومعاذ «١» وأبى الدرداء «٢» بالشام، فانتقلوا عما بان لهم أنهم أمروا بالانتقال عنه مما كان بأيديهم، وثبتوا
стр. 95
على ما لم يكن فى المصاحف الموجهة إليهم مما يستدلون به على انتقالهم عنه» «١».
شبهات المستشرقين:
الاستشراق: مصدر «استشرق» استفعل من الشرق مقابل الغرب، والشرق: هو الجهة التى تشرق منها الشمس، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وبابه نصر ودخل، وأشرقت: أضاءت، والمشرق ناحية الشروق، والغرب والمغرب: واحد كذلك، يقال: غربت الشمس غروبا، من باب دخل، والشرق والغرب: إذا قيلا بلفظ التثنية فإشارة إلى مطلعى ومغربى الشتاء والصيف، وإذا قيلا بلفظ الجمع فهذا باعتبار مطلع كل يوم ومغربه، أو مطلع كل فصل ومغربه، والتشريق: الأخذ فى ناحية الشرق، يقال: شتّان بين مشرق ومغرب، وشرّقوا: ذهبوا إلى الشرق، أو أتوا الشرق «٢».
وعلى هذا فالاستشراق معناه التحول والانتقال إلى الشرق، ثم أصبح بمعنى طلب علوم أهل الشرق ولغاتهم، ويقال لمن عنى بذلك من الإفرنج «مستشرق»، والجمع «مستشرقون».
وغلب إطلاق المستشرقين على الكتّاب الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام ولغته وحضارته، وعامتهم يلتمس المطاعن ويثير الشبه لتوهين الثقة فى الإسلام وأمته.
والدراسة التى يقوم بها المستشرقون تخضع للمصطلح السياسى الذى يقسّم العالم إلى شرق وغرب، ويقسّم الشرق إلى الشرق الأقصى: وهو البلاد التى تقع فى أقصى شرق آسيا، والشرق الأوسط: وهو المنطقة الجغرافية التى تضم
стр. 96
اليوم: تركيا، وإيران، والعراق، وسورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن، ومصر، والسودان، وشبه جزيرة العرب، وقبرص، والشرق الأدنى: ويشمل بلاد المغرب العربى.
وترجع هذه التسمية بهذا التقسيم إلى ما تعارفت عليه الدول الاستعمارية التى قسّمت مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية فى تلك البلاد، ويظل الغرب رمزا للسيادة عليها، ولذا فإن الدراسات الشرقية قلّما تتناول اليهودية والنصرانية مع وجودهما فى هذه المناطق، وإنما تعنى الإسلام.
وقد أثار المستشرقون- فيما أثاروه- شبهات حول القراءات ونزول القرآن على سبعة أحرف.
١ - اتهم «جولد زيهر» «١» النص القرآنى بالاضطراب وعدم الثبات لاختلاف وجوه القراءة، وزعم أن هذا لا يوجد فى أى كتاب منزّل سوى القرآن.
يقول «جولد زيهر»: «لا يوجد كتاب تشريعى اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا على أنه نص منزّل أو موحى به يقدم نصه فى أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد فى نص القرآن» «٢».
لقد غاب عن «اجناتس جولد تسيهر» ما عرف عن نصوص الشرائع السابقة، فإن ما وصلنا من هذه النصوص وصلنا بروايات مختلفة متضاربة،
стр. 97
ولا يجد القارئ نسخة من التوراة متفقة مع نسخة أخرى من كل وجه، كما أن الإنجيل كذلك، اختلفت نصوصه باختلاف رواته من الحواريين، وهذا الاختلاف أو ذاك لا يقتصر على وجوه النطق مع اتفاق المعنى، ولكنه اختلاف فى اللّفظ والمعنى معا، فهو اختلاف تضاد، وذلك هو الجدير بأن يوصف بالاضطراب وعدم الثبات فى النص.
وليس هذا شأن القرآن كما ادعى «جولد زيهر» فإن القراءات المتعمدة فى القرآن الكريم مع ثبوت نسبتها تتفق فى المعنى وإن اختلفت فى اللّفظ، ويظاهر بعضها بعضا، وليس بينها شىء من التضارب، حتى يوصف القرآن بالاضطراب وعدم الثبات أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «١».
٢ - وادعى «جولد زيهر» أن المسلمين مالوا إلى توحيد النص القرآنى فى كتابة مصحف عثمان رضى الله عنه، ولكنهم لم يحرزوا تقدما كبيرا.
يقول «جولد زيهر»:
«وفى جميع الشوط القديم للتاريخ الإسلامى لم يحرز الميل إلى التوحيد العقدى للنص إلا انتصارات طفيفة .. فليس هناك نص موحّد للقرآن، ومن هنا نستطيع أن نلمح فى
صياغته المختلفة أولى مراحل التفسير، والنص المتلقى بالقبول (القراءة المشهورة) الذى هو لذاته غير موحّد فى جزئياته، يرجع إلى الكتابة التى تمت بعناية الخليفة الثالث «عثمان»، دفعا للخطر الماثل من رواية كلام الله فى مختلف الدوائر على صور متغايرة ... بيد أن هذه الرغبة لم يصادفها التوفيق على طول الخط» «٢».
ولم يثبت أن أحدا من المسلمين مال إلى توحيد نص القرآن حيث لا يوجد اختلاف فى نصه المنزّل، ولو وقع هذا النقل إلينا لتوافر الدواعى على نقله.
стр. 98
أما جمع عثمان رضى الله عنه للمصحف، فلم يكن رغبة فى توحيد النص- كما توهمه «جولد زيهر»، إنما أراد عثمان أن يجمع المسلمين على مصحف واحد، هو المتفق على إنزاله المقطوع به، وهو ما كتب بأمر النبى ﷺ ، أو ثبت عنه أنه قرأ به، وترك ما عدا ذلك مما كانت القراءة به جائزة توسعة على الناس وتسهيلا عليهم، حتى لا تتسع شقة الخلاف بما يفضى إلى المماراة ويؤدى إلى تكفير بعضهم بعضا، وأحرق ما سوى ذلك من المصاحف تحقيقا لهذا الهدف الأسمى، بإجماع من الصحابة، حتى
قال علىّ رضى الله عنه حين حرق عثمان المصاحف: «لو لم يصنعه هو لصنعته».
وعن مصعب بن سعد «١»، قال: «أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد» «٢».
٣ - وعزّز «جولد زيهر» مزاعمه بما كتبه أستاذ له فقال: «وقد عالج هذه الظاهرة علاجا وافيا وبيّن علاقتها بفحص القرآن زعيمنا الكبير «تيودور نولدكه» فى كتابه الأصيل البكر «تاريخ القرآن» الذى نال جائزة أكاديمية النقوش الأثرية بباريس» «٣».
و «تيودور نولدكه» من كبار المستشرقين الألمان، كان يحسن اللّغات الشرقية كلها، كالعربية، والعبرية، والآرامية، والصابئية، والحبشية وغيرها، من مؤلفاته «تاريخ القرآن» و «حياة النبى محمد» توفى سنة ١٣٤٩ هـ «٤»، وإذا استشهد به «جولد زيهر» فإنه يستشهد برجل على شاكلته، فلا يعتد برأيه.
стр. 99
٤ - ثم عاد «جولد زيهر» وتكلم عن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، وأنه يبدى شبها كبيرا برأى التلمود «١»، فى نزول التوراة بلغات كثيرة فى وقت واحد، وأشار إلى تفسير الحرف بالقراءة، أو أن يكون العدد سبعة لا مفهوم له «٢».
وسبق لنا مناقشة ما أشار إليه «جولد زيهر» من هذين القولين.
٥ - وزعم «جولد زيهر» أن الاختلاف فى القراءات كان تصحيفا، لأن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل، والقراءات سنّة متّبعة، نقلت بالرواية والمشافهة من فىّ رسول الله ﷺ ، ولم تكن وليدة خط أو رسم أو عدم شكل لكتاب الله تعالى.
٦ - ولم تخرج شبهات المستشرق الفرنسى «بلادشير» «٣»، فى كتابه «مدخل إلى القرآن» عن شبهات «جولد زيهر» بما يغنى عن الرد عليه «٤».
حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف: تتلخص حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف فى أمور:
١ - تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لكل قبيل منهم لسان، ولا عهد لهم بحفظ الشرائع، فضلا عن أن يكون ذلك مما ألفوه، وهذه الحكمة نصّت عليها الأحاديث فى عبارات:
стр. 100
عن أبىّ قال: «لقى رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال: «إنى بعثت إلى أمة أميين، منهم الغلام، والخادم، والشيخ العاس، والعجوز، فقال جبريل: فليقرءوا
القرآن على سبعة أحرف» «١».
«إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه».
«إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك».
«إنّ الله أمرنى أن أقرأ القرآن على حرف، فقلت: اللهم ربّ خفّف عن أمتى».
«أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه: أن هوّن على أمتى».
قال ابن قتيبة: «ولو أن كل فريق من هؤلاء- أى من قبائل العرب- أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلّا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة، فأراد الله- برحمته ولطفه- أن يجعل لهم متسعا فى اللّغات، ومتصرفا فى الحركات، كتيسيره عليهم فى الدين حين أجاز لهم على لسان رسوله ﷺ أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته فى فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم» «٢».
وقال أبو جعفر الطحاوى: «كانت هذه السبعة للناس فى الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها، لأنهم كانوا أميين، لا يكتبون إلّا القليل منهم،
стр. 101
فكان يشق على كل ذى لغة منهم أن يتحوّل إلى غيرها من اللّغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسّع لهم فى اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك، حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ، فقرءوا بذلك على تحفظ ألفاظه، ولم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت فى وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد».
قال أبو عمر: «وهو الذى عليه الناس فى مصاحفهم وقراءاتهم من بين سائر الحروف، لأن عثمان رضى الله عنه جمع المصاحف عليه» قال: «وهذا الذى عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه، وتجوز الصلاة به، وبالله العصمة والهدى» «١».
فالواضح من ذلك أن يكون الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزّل عليهم أن يقرءوه بلغاتهم التى جرت عادتهم باستعمالها، على اختلافهم فى الألفاظ، واتفاقهم فى المعنى، ولم يكلّف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن العربى إذا فارق لغته التى طبع عليها يدخل عليه الحميّة من ذلك، فتأخذه العزّة، فجعلهم يقرءونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم منّا منه لئلا يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان، وكان الأصل على ما عهد رسول الله ﷺ من الألفاظ والإعراب جميعا مع اتفاق المعنى، فمن أجل ذلك جاء فى القرآن ألفاظ مخالفة ألفاظ المصحف المجمع عليه، كالصوف، وهو: كَالْعِهْنِ «٢»، وزقية، وهى: صَيْحَةً «٣»، وحططنا، وهى: وَضَعْنا «٤»،
стр. 102
وحطب جهنم، وهى: حَصَبُ ونحو ذلك، فقبض رسول الله ﷺ ، وكل رجل منهم متمسك بما أجازه به ﷺ ، وإن كان مخالفا لقراءة صاحبه فى اللّفظ، وعوّل المهاجرون والأنصار ومن تبعهم على العرضة الأخيرة التى عرضها رسول الله ﷺ على جبريل ﵇ فى العام الذى قبض فيه، وهى التى كتب بها مصحف عثمان.
٢ - تيسير قراءة القرآن على المسلمين جميعا فى كل عصر: فالإسلام هو دين الله للبشرية كافة، ولم تكن رسالة نبينا محمد ﷺ لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، بل كانت رسالته للإنسانية كلها على اختلاف الجنس والوطن واللّغة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً «١».
والقرآن الكريم هو دستور الإسلام، وكلام الله المنزّل على رسوله ﷺ ، ليبلغه للناس يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٢».
وإذا كانت حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف تتجلى فى تيسير الله تعالى لنبيه بأن يقرئ كل أمة بلغتهم على اختلاف اللهجات العربية، أما يوحى هذا بأن نتجاوز عن بعض الخلافات الصوتية اليسيرة لدى جميع المسلمين فى بقاع الأرض، عربا وعجما، ما دام كل واحد منهم يبذل غاية جهده فى النطق الصحيح، ولا يقدر على غيره، دون إخلال جوهرى باللّفظ العربى، أو لحن فاحش لا يغتفر؟
إننى لا أرى بأسا بهذا إذا كان لا يعدو النواحى الصوتية، من اختلاف فى مخرج الصوت، وتباين فى صفته، بين جهر وهمس، أو شدة ورخاوة، أو تباين فى موضع النبر من الكلمة، أو مقاييس أصوات اللين، إلى غير ذلك مما يعرف فى علم الأصوات اللّغوية، لأن لكل شعب من الشعوب صفات صوتية تميّزه.
стр. 103
والإسلام يفرض على المسلمين جميعا لا على العرب وحدهم قراءة بعض آيات القرآن بالعربية فى صلاتهم، فإذا انحرفت الألسنة بعض الانحراف عن النطق الصحيح لمشقة وعسر، فإن هذا يكون معفوا عنه، متى صدرت تلك القراءات عن قلب طاهر، وإيمان قوى، وبذل الجهد فى تحرى الصواب، إذ لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها.
والتفاوت الصوتى فى النطق قد نجده بين أبناء اللّغة الواحدة إذا اختلفت البيئة، ولا نعد ذلك لحنا، فكيف بأبناء اللّغات والبيئات فى أصقاع الأرض من المسلمين؟
والخلافات الصوتية فى النطق للاعتبارات السابقة لا تعدو أن تكون قراءة فردية، لا تكاد تجاوز بضع آيات من القرآن الكريم، يقوم بها أفراد المسلمين فى جميع أنحاء الدنيا على قدر استطاعتهم فى النطق، وليست القراءة التى تحتذى.
وهناك عوامل عضوية وبيئية ونفسية واجتماعية للتفاوت الصوتى بالنطق، كاختلاف أعضاء النطق فى بنيتها واستعدادها، ومنهج أدائها لوظائفها، لاختلاف الحناجر والحبال الصوتية والألسنة والحلوق وسائر أعضاء النطق.
وكاختلاف الشعوب وبيئتها وتنوع الخواص الطبيعية والوراثية فى أعضاء النطق وتأثرها بالبيئة.
وكاختلاف الحالات النفسية والاجتماعية التى لها أثرها على أصوات الكلمة فى النطق بها.
لهذا كان التجاوز اليسير فى القراءة أمرا مقبولا ما توافرت دواعيه.
٣ - تمييز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السابقة: فللقرآن خصائص كثيرة، منها أنه انماز بخصيصة نزوله بسبعة ألسن من لغات العرب، كل منها
стр. 104
هو وحى الله المنزّل، وليس تفسيرا ولا تأويلا، أما الكتب السماوية السابقة فنزل كل كتاب منها بلسان واحد، وإذا عدل عنه فإنه يكون من باب الترجمة والتفسير، وليس بالذى أنزل الله.
قال أبو جعفر الطبرى: «أخبر النبى ﷺ عما خصّه الله تعالى به وأمته من الفضيلة والكرامة التى لم يؤتها أحدا فى تنزيله.
وذلك أن كل كتاب تقدّم كتابنا نزوله على نبى من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حوّل إلى غير اللّسان الذى نزل به، كان ذلك ترجمة له وتفسيرا، لا تلاوة له على ما أنزل الله.
وأنزل كتابنا بألسن سبعة، بأى تلك الألسن السبعة تلاه التالى كان له تاليا على ما أنزل الله، لا مترجما ولا مفسرا، حتى يحوله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها، فيصير فاعل ذلك حينئذ- إذا أصاب معناه- له مترجما، لا تاليا على ما أنزله الله به.
فذلك معنى
قول النبى ﷺ : «كان الكتاب الأول نزل على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف» «١».
٤ - إعجاز القرآن للفطرة اللّغوية عند العرب: فتعدد مناحى التأليف الصوتى للقرآن تعددا يكافئ الفروع اللسانية التى عليها فطرة اللّغة فى العرب، حتى يستطيع كل عربى أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطرى ولهجة قومه مع بقاء الإعجاز الذى تحدى به الرسول ﷺ العرب، ومع اليأس من معارضته، لا يكون إعجازا للسان دون آخر، وإنما يكون إعجازا للفطرة اللّغوية نفسها عند العرب، وإعجاز الفطرة اللّغوية إعجاز لا يحده زمن، بل يمتد دائما مع اللّغة ما دامت هذه اللّغة قائمة.
стр. 105
٥ - إعجاز القرآن فى معانيه وأحكامه: فإن تقلب الصور اللّفظية فى بعض الأحرف والكلمات يعطى مزيدا من المعانى التى يدل عليها اللّفظ، وبتهيإ معه استنباط الأحكام التى تجعل القرآن ملائما لكل عصر، يلبى حاجات البشرية ويقيم حياتها على نهج الله الأقوم، ولهذا احتج الفقهاء فى الاستنباط والاجتهاد فى معرفة الأحكام بقراءات الأحرف السبعة.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
مناع بن خليل القطان الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمشرف على الدراسات العليا