← Адаб

Адаб · id 8651

فن الكتابة الصحفية

فاروق أبو زيد

Полный текст (317 стр.). Показаны 281–317 · переход к 286.

стр. 281

محددة يعاقب عليها القانون، إلا إذا استطعت إثباتها، ودليل الإثبات لا يمكن أن يقوم إلا بإبراز العقد نفسه.. وقال الصديق: إن هناك أربعة فقط في مصر كلها يعلمون خبر هذا العقد وهم طرفاه، والشخص الذي نقل نصوصه بالقلم الرصاص، وهو.. وقد أصبحوا خمسة بعد أن عرفت أنا به.. أما طرفاه فليس من مصلحتهما نشر العقد وإثارة ضجة حوله، فكلاهما متهم، أما الشخص الآخر فقد يملك صورة من العقد؛ ولكنه لا يريد أن يبرزها.. وذهبنا إلى هذا الشخص الآخر، وكنا خمسة من الشبان، وكان تجمعنا بعضنا مع بعض يكفي ليخيف أي إنسان؛ ولكننا لم نحاول أن نخيف أحدًا؛ إنما استطعنا أن نقنع الشخص المذكور، بأن من مصلحة القضية أن يسلمنا صورة العقد.. وفي صباح اليوم التالي سلمها لنا، وكانت صورة فوتوغرافية واضحة.. وبقي سؤال: كيف استطاع هذا الشخص أن يحصل على هذه الصورة قبل أن يسلمها لنا؟ وهو سؤال حير سعادة النائب العام، ولم يجد أمامه تعليلًا إلا بأن يعتقد أني قد حصلت على هذا العقد من تاجر السلاح الذي هو طرف فيه. وهو ما اعتقدته أيضًا حرم الضابط، وأعلنته أمام النيابة، فقد اعتقدت أن الخلاف الذي وقع بين زوجها وبين تاجر السلاح وهو طرف فيه، دعا هذا الأخير، إلى التشهير عن طريقي، وقيل أيضًا: إني اشتريت هذا العقد من تاجر السلاح بمبلغ مائتي جنيه.. وعندما سئلت في التحقيق عن المصدر الذي حصلت منه على هذا العقد، رفضت الإجابة، محتجًّا بسر المهنة الذي يصونه لي القانون.. والحقيقة التي أبَى أن يصدقها الجميع، هو أني لم ألتقِ بتاجر الأسلحة، إلا بعد أن حصلت على هذا العقد فعلًا، وقد سعيت إلى لقائه لأتأكد من صحة العقد وقد أكدها لي، وقال: إن هذا العقد كتب في قهوة "بالميرا" بمصر الجديدة، وقد كتب بخط الضابط نفسه لا بخط زوجته، ثم حمله -أي: الضابط- إلى بيته، وعاد به موقعًا من الزوجة.. وقال لي تاجر السلاح: إنه لم يلتقِ بالزوجة أبدًا، ولم يقصد التعاقد معها؛ إنما العقد كان قائمًا في الواقع بينه وبين الضابط، وقد حاولا مرارًا الاستفادة منه، كما أن هذا الضابط هو الذي قدمه إلى إبراهيم المسيري بك، عندما أراد -أي: تاجر السلاح- أن يشترك في توريد الأسلحة والذخائر للجيش المصري..

стр. 282

كما أبرز لي التاجر عدة عطاءات قدمها للجنة الاحتياجات لتوريد أسلحة، وعدة برقيات متبادلة بينه وبين أصحاب مصانع الذخيرة في فرنسا.. ولو أن هذه العطاءات قبلت؛ لكان الضابط -أو زوجته- شريكا في أرباحها بنسبة ٤٥% كنص العقد.. فإذا كان العقد لم ينفذ -كما قيل في التحقيق- فإنه لم ينفذ لسبب خارج عن إرادة الطرفين؛ وهو ما يسميه القانون "الجريمة الخائبة".. بل إن هذا العقد يمكن اعتباره قد نفذ، إذا علمنا أن تاجر الأسلحة قد عقد صفقة توريد أسلحة للحكومة السورية -كما اعترف لي- حتى لو لم يكن الطرف الثاني -أي: الضابط- يعلم بخبر هذه الصفقة، وذلك كنص المادة الخامسة من العقد التي جاء فيها: "لا يحق لأي من الطرفين سواء الأول أو الثاني بالتعاقد أو التعامل أو بيع أو شراء أي أسلحة وما يشابهها أو أجهزة أو أدوات أو مهمات، مما تفيد الحروب لمصلحة قضية البلاد العربية، أو قضية العرب بفلسطين بدون علم الطرف الآخر، وأي تعاقد يظهر يكون كل من الطرف الأول والثاني مشتركين فيه، وتكون نسبة الأرباح موزعة بينهما كما هو مدون بالفقرة الرابعة من هذا العقد".. ومعنى هذه المادة أن زوجة حضرة الضابط تعتبر شريكة في أي صفقة سلاح يعقدها التاجر، حتى لو لم تتم هذه الصفقة بعلمها.. ومع ذلك، فإني -كما قلت- لم أهتم بالعمليات التي ترتبت على هذا العقد؛ بل اعتبرت العقد في حد ذاته واقعة خطيرة، ثم اهتممت بمظاهر الثراء التي تحيط بالضابط، وكان قد بلغني أنه عضو في نادي السيارات، وأنه يشترك هناك في لعبة "البكاراه" فاتصلت بمفتي باشا محمود باعتباره عضوًا في النادي فأكد لي الواقعة، ثم جمع شهودًا آخرين على أن هذا الضابط كان يشتغل في مكتب إبراهيم باشا خيري وكيل وزارة الدفاع الأسبق، وأحد رجال الشركات الآن، ثم اشتغل في مكتب عمر سيف الدين، وهو ضابط على الاستبداع وأحد موردي السلاح للجيش المصري، وشريك

стр. 283

الأميرالاي حلمي حسين بك مدير الركائب الملكية، في شركة "دلتا موتورز"، وقد وضعت جميع هذه المعلومات أمام النائب عندما استمع إلى شهادتي، ثم طلبت الاستماع إلى أقوال تاجر السلاح في مواجهتي.. ولم يكن تاجر السلاح مقيمًا في بيته في القاهرة؛ بل كان في الإسكندرية، ولم يكن له فيها عنوان معروف.. وسألني النائب العام: أين يمكن العثور عليه؟ قلت: إنه ابن ذوات معروف، وهو يتردد كل ليلة على نادي "الاسكرابية".. ودعا النائب العام ثلاثة من رؤساء النيابة الذين اختارهم ليعاونوه في التحقيق وقال لهم: - إنكم جميعًا أولاد ذوات، فهل تعرفون علي عبد الصمد "اسم التاجر"؟! وأجابوا النفي.. وعاد يسألهم ... - هل تعرفون نادي الاسكرابية؟ وأجابوا بالنفي.. واتصل النائب العام بمحافظة الإسكندرية، وطلب استدعاء علي عبد الصمد إلى مكتبه في اليوم التالي، وأبلغها أن محله المختار هو "نادي الاسكرابية" أو "نادي الجعران الليلي" كما هو باللغة العربية.. واتصل رجال المحافظة بنادي الاسكرابية، فلم يعثروا على علي عبد الصمد.. وذهبت أنا إلى هناك في الساعة الثالثة صباحًا، فوجدته واتفقت معه على أن نتوجه سويًّا في الساعة العاشرة إلى النائب العام.. وكان مستعدًّا -كما كان دائمًا- لأن يتكلم.. وكنت أعتقد أن النائب العام سيسمع أقواله كشاهد، وكان قد غاب عن ذهني تمامًا أن القانون ينطبق في مثل هذه الحالة على التاجر والموظف..

стр. 284

واستطاع النائب العام أن يكتسب ثقة عبد الصمد، بعد أن حدثه عن عائلته وعن خاله إبراهيم بك يحيى المستشار بمجلس الدولة، ثم بدأ يستمع إلى أقواله.. ولاحظت أنه لم يحلفه اليمين القانونية، التي يحلفها الشهود قبل أن يدلوا بأقوالهم؛ ولكنها كانت ملاحظة عابرة لم تستقر في ذهني طويلًا.. وبدأ عبد الصمد يتكلم فقال كل ما قاله لي وأكثر، وأبرز العقد الأصلي، وجميع أوراقه التي تشمل العطاءات التي تقدم بها إلى وزارة الدفاع، وروى حادث وكيل مصانع الأسلحة الذي استدعاه -أي: علي عبد الصمد- إلى مصر فإذا به يختطف، ويحيط به جماعة من المتعاملين مع لجنة الاحتياجات؛ ليتعاقدوا معه مباشرة. روى علي عبد الصمد كل هذه الوقائع في صراحة وإسهاب، مؤيدًا أقواله بالمستندات، ثم إذا به يفاجأ -وأفاجأ معه- بالنائب العام وهو يوجه الاتهام إليه.. واصفر وجه علي عبد الصمد، وسكت عن الكلام، ونظر إليَّ نظرة عتاب، وكأنه يقول لي: "عملتها في!! " أو كأنه يتهمني باستدراجه لأقف به أمام النيابة موقف الاتهام، وهو حتى اليوم لا يزال يعتقد أني "عملتها فيه! ". والواقع أني كنت حسن النية، وكنت جاهلًا بالقانون، وحتى لو لم أكن جاهلًا به لما سعيت لأن أعفي أحدًا من نصوصه إذا انطبقت عليه، فإن الأشخاص لم يكن لهم قيمة في نظري أمام الوقائع، حتى لو كانوا أقرب المقربين إِلَيَّ.. وقبض على التاجر وأفرج بكفالة خمسين جنيهًا.. وقبض على زوجة الضابط وأفرج عنها بكفالة.. وقبض على الضابط وبقي في الحبس حوالي خمسة أشهر.. ولكن هذه الحادثة في حد ذاتها لم تكن ذات قيمة؛ وإنما الضابط المقبوض عليه كان يستطيع أن يتكلم، وأن يتكلم كثيرًا، وكنت قد ذكرت في المقال الذي أذعت فيه خبر هذا العقد: "لو حدث وثارت الريب في نفس صاحب المعالي

стр. 285

الوزير، فقد أمسك بطرف خيط طويل، قد يؤدي به إلى كل شيء، فهذا الضابط ليس هو كل شيء؛ بل هو بعض الشيء". وكان يجب إقناع الضابط بأن يتكلم.. وقد اقتنع، بعد أن خيل إليه أن رؤساءه قد تخلوا عنه، وأنه هو وحده الذي سيتحمل المصيبة كلها، وعندما تكلم جر الجميع معه إلى السجن، وكان هذا هو ما نسعى إليه.. ورغم ذلك فلم تكن قصة هذا العقد هي أول ما نشرته؛ بل بدأت بنشر تفاصيل صفقة شراء ١٦ مدفعًا ١٠٥ م. م عن طريق شركة أوليكن التي يمثلها في مصر النبيل عباس حليم.. وهي صفقة أرجو أن يرفع الحظر عنها قبل أن أبدأ في روايتها في العدد القادم١. - وفي الحلقة الثالثة من هذه السلسلة أشار إحسان عبد القدوس إلى أربع وقائع هامة؛ وهي: شراء ١٦ مدفعًا عن طريق شركة أوليكن.. وواقعة شراء ٢٥٠ ألف قنبلة يدوية.. وواقعة شراء المراكب "لوتشيا" التي سميت الغردقة.. ثم واقعة تعاقد زوجة أحد الضباط مع أحد موردي السلاح، وهذا هو نص المقال الثالث: ٣- كيف أثيرت تحقيقات الجيش أمام النيابة؟ - ماذا يعني لقب "النبيل الشريف"؟ - الرجل الإنجليزي الذي أدلى بشهادته.. - هل أنا مهدد بالقتل؟ شمل قرار الاتهام الخاص بقضية الجيش الذي أذاعته النيابة العامة في الأسبوع الماضي أربع وقائع: ١- واقعة شراء ١٦ مدفعًا ١٠٥ م. م عن طريق شركة أوليكن. ٢- واقعة شراء حوالي ٢٥٠ ألف قنبلة يدوية عن طريق شركة "كستروسيوني ميكانيكا".

стр. 286

٣- واقعة شراء المركب "لوتشيا" التي سميت "الغردقة". ٤- واقعة تعاقد زوجة أحد الضباط مع أحد موردي السلاح. وهذه الوقائع الأربعة هي الوقائع التي قدمتها "روزاليوسف" إلى النيابة العامة؛ لتحقق مع المسئولين عنها.. ورغم ذلك -رغم أن النيابة أثبتت صحة جميع الوقائع التي تقدمت بها- فإني أعترف وأقر أني عندما وقفت أمام النائب العام لأول مرة لم أكن أعتقد أن سعادته سيستمر في التحقيق حتى نهايته، أو أن الظروف ستمكنه من ذلك، ومع أنه كان يستمع إلى أقوالي كشاهد فإني كنت أخشى أن يعتبرني متهمًا بين كل لحظة وأخرى، وكانت التهمة التي يمكن أن يوجهها إليَّ تهمة خطيرة بالنسبة إلى سمعة كاتب مثلي ومستقبله، وهي تهمة "التشهير بالجيش"، وكنت أخاف هذه التهمة، رغم أني كنت حريصًا في كل مقال كتبته على تمجيد ضباط الجيش وجنوده، وعلى تعداد السوابق المماثلة التي حدثت في الجيوش الأجنبية الأخرى.. وقلت في إحدى هذه المقالات: " ... لن أسكت قبل أن أطالب بحق الذين استشهدوا وجرحوا وشوهوا في فلسطين، وإسرائيل براء من دمائهم.. حقهم في الانتقام من المجرم، وحقهم في أن تكون تضحياتهم ثمنًا لجيش أفضل، ولوطن أفضل، ولسلاح أفضل.. سلاح نقتل به العدو.. ولا يقتل صاحبه". وقلت: "إذا كانت الرشوة دعاية سيئة، فإن التستر على رشوة دعاية أسوأ، وإذا كانت الجريمة لها خطر محدود، فإن التستر عليها أخطر، وإذا كان الرأي العام ينقم على المتهم في مثل هذه الجرائم، فإن السكوت عليها يجعل الرأي العام ينقم على المتهم وعلى البريء معًا". وكان لي عذري في هذا الشك الذي داخلني وأنا أقف أمام النائب العام؛ فإن هذه الجرائم التي أعرضها عليه، سبق أن اكتشف مثلها ديوان المحاسبة ولم يستطع أن ينال المسئولين عنها، وسبق أن سمعت الحكومة بها فلم تتحرك لتحقيقها، وسبق أن أثير مثلها في مجلس الشيوخ، فلم يستطع حيالها

стр. 287

شيئًا، والنيابة العامة التي أقف أمامها هي جزء من السلطة التنفيذية -كما قررت محكمة النقض- وهي تخضع أحيانًا للتيارات السياسية والحكومية.. وجميع هذه التيارات تقف ضدي، وتهددني في حريتي ومستقبلي، فمن يضمن لي السلامة؟! كان هذا هو شعوري في اليوم الأول الذي أدليت فيه بشهادتي؛ ولذلك كنت حريصًا على اختيار كل لفظ أنطق به، وعلى ألا أواجه اتهامًا إلا وتحت يدي مستند قاطع بصحته؛ بل حرصت وأنا أسلم هذه المستندات إلى النائب العام أوقع عليها بإمضائي، وأن أطلب من سعادته أن يوقع عليها بإمضائه؛ زيادة في الحرص، كما أني كنت أرفض أن أسجل في التحقيق أي حادثة سمعت تفاصيلها دون أن أحصل على مستنداتها، وقد أثار هذا الحرص سعادة النائب العام، "وشخط" فِيَّ مرة صائحًا: - أنت عامل جريء، عامل نفسك وطني متطرف، وبيتحدى ناس كبار، ماتورينا جرأتك دي! وأجبت في هدوء: - إني جريء في حدود القانون! ثم قلت له في صراحة: - مَن يضمن لي ألا تجعل مني متهمًا وتقبض عليَّ؟ فأجاب: - لا أحد.. وسأقبض عليك بمجرد أن أرى ذلك! وكنت في أحوال كثيرة أرفض أن أجيب على بعض الأسئلة إلا بعد استشارة أصدقائي المحامين الذين يشاركونني سوء الظن، وكانوا عندما أعود إليهم ينصحونني ألا أجيب إلا في حدود ما بين يدي من مستندات، وهذا الحرص الذي أبديته جعل النائب العام يعاملني معاملة خشنة، فلم يسمح لي بشرب القهوة طوال مدة الإدلاء بشهادتي التي استمرت ثلاثة أيام، وكان يسمح لي بالتدخين بعد رجاء وإلحاح، وبعد أن أهدد بالتوقف عن الإدلاء بأقوالي.. وفي اليوم الأول كنت متعبًا، فقد غادرت القاهرة في قطار الصباح، ولم أكن قد نمت في الليلة السابقة لكثرة تفكيري في هذا التحقيق، ثم إني بدأت

стр. 288

أدلي بأقوالي في الساعة العاشرة صباحًا حتى الرابعة مساء دون أن أستريح، ودون أن أشرب قهوة، ودون أن أغفو أو أريح رأسي من التنبه اليقظ لكل سؤال وجواب، وبدأت أحس بدوار، وطلبت من سعادة النائب العام أن يريحني، وأن يؤجل التحقيق لليوم التالي؛ ولكنه رفض وقال بحدة: - لن أتركك تغادر هذا المكتب حتى تتم أقوالك ولو اقتضى الأمر أن تبيت هنا.. وما أدراني؟.. ربما قتلت بعد أن تخرج من هنا، فكيف أتم التحقيق؟!.. قلت، وعلى فمي ابتسامة متعبة: - التحقيق في مقتلي، أو في صفقات الجيش؟! - إن مقتلك يحققه أي وكيل نيابة، أما أنا فيهمني تحقيق هذه الادعاءات! وكان النائب العام يغالي وهو يتحدث عن قتلي، ولم يكن قطعًا يقصد أي نوع من الإيماء، ورغم ذلك فقد فلت لسعادته أنني قد هددت فعلًا بالقتل قبل أن يستدعيني إليه، وكان التهديد بواسطة التليفون، ولم أبلغ عنه النيابة؛ لأني سبق أن أبلغت النيابة عن تهديد وصلني منذ عامين، فكانت النتيجة أن عين أحد رجال البوليس السري لحراستي، وكان هذا الرجل يتبعني في كل مكان، حتى خيل إلي أنه يراقبني وأني مقبوض علي، لا "محروس"، فطلبت إعفاءه وإعفائي من خدماته المشكورة.. وكان أطول نقاش دار بيني وبين سعادة النائب العام، هو النقاش الخاص بالنبيل عباس حليم، وكيل شركة أوليكن في مصر، التي تولت توريد ١٦ مدفعًا ١٠٥ م. م من إسبانيا بمبلغ قدره خمسة ملايين من الدولارات تقريبًا.. وكنت قد تتبعت هذه الصفقة من أولها إلى آخرها؛ أي: منذ تقدمت الشركة بعطائها إلى أن وصلت بعض هذه المدافع إلى مصر، وحصلت على أسماء جميع المتصلين بها، وأسماء جميع الضباط الذين علموا شيئًا عنها، وأسماء أعضاء اللجان التي اختبرتها؛ بل حصلت على تاريخ حياة كل مدفع والمكان

стр. 289

الذي وُضِعَ فيه، والمرات التي طُلب فيها تجربته، ورَفْضِ المختصين إجراء هذه التجربة؛ خوفًا على حياتهم منها.. وقدمت كل هذه المعلومات إلى النائب العام، وقدمت معها الصورة الأصلية للعقد الذي اشتريت به هذه المدافع، والمذكرة التي اشتريت على أساسها، والمذكرة التي قدمتها شركة "بوفرز"، وكان المسئولون في الوزارة قد أخفوها حتى لا تقع في أيدي المحققين.. وقد لا يعلم النائب العام أن هذه الأوراق -رغم علمي بمحتوياتها- لم تصلني إلا في صباح اليوم الذي سافرت فيه من القاهرة إلى الإسكندرية لأدلي إليه بشهادتي، كما لم يلاحظ النائب المحترم الأستاذ عبد الغني أبو سمرة المحامي -الذي تفضل وسافر معي ليقف بجانبي- أن هناك شخصًا طويل القامة احتك بي في محطة مصر، ودس في يدي مجموعة من الأوراق.. وكانت هي هذه الأوراق.. وقد وضعت هذه الأوراق في حقيبتي، ولم أخرجها إلا في مكتب النائب العام، وقد فوجئت ساعتها بوجود توقيع توفيق باشا أحمد على العقد! وسألني النائب العام "وأنا أكتب من الذاكرة": - ما معلوماتك عن النبيل عباس حليم في هذه الصفقة؟ - إنه وكيل شركة أوليكن في مصر.. - وما هو الدور الذي قام به في توريد هذه الصفقة؟ - لا أدري. - ما مسئوليته؟ - إن النبيل نفسه يستطيع أن يحدد مسئوليته! - لقد ذكرت في مقالاتك اسم النبيل عباس حليم تحت عنوان: "النبيل الشريف"، فماذا تقصد بهذا العنوان؟ - إن عباس حليم يحمل لقب نبيل؛ لأنه أحد أفراد العائلة المالكة، وقد سبق للوفد المصري أن أطلق عليه لقب "شريف" عندما حرم من لقب نبيل في عهد الملك فؤاد!

стр. 290

- ولكن العادة لم تجرِ بالجمع بينهما؟ - أقصد المعنى الظاهر منهما! - يفهم من هذا العنوان أنك تتهم النبيل عباس حليم في نزاهته؟ - أنا لا أتهم أشخاصًا؛ بل سردت وقائع، وما يهم النيابة هو أني رجوته أن يصدر بيانًا يشرح فيه وقائع هذه الصفقة ويحدد موقفه منها.. واستمرت المناقشة على هذا المنوال، وكان النائب العام يحتد خلالها ويحرص على أن يلقبني بلقب "أفندي"! وانتهى الأمر بيني وبين النائب العام على أن أدلي له بما لدي من معلومات ينقصها المستندات، ثم يتولى سعادته تحقيقها حتى إذا تثبت من صحتها ذكرها على لساني في التحقيق، وقلت له وقائع كثيرة، كان يتولى التحري عنها في التو واللحظة.. وبدأت أثق فيه، وأطمئن إليه، وأؤمن به.. وكان أول ما كتبته في الصحف بعد أن انتهيت من الإدلاء بشهادتي هو نداء إلى الجمهور، بأن يرسل ما لديه من معلومات عن صفقات الجيش إلى النائب العام، ولو في "بلاغ من مجهول". وعدت إلى النائب العام على وعد بأن أوافيه بكل ما أحصل عليه من معلومات جديدة.. ومضت أسابيع.. وكنت في زيارة صديق يقيم في أحد الفنادق الكبرى، عندما التقيت في البهو الخارجي بسيدة مصرية معروفة، حادثتني مليًّا عن قضية الجيش، ثم قدمتني إلى رجل إنجليزي من رجال الأعمال، قالت لي عنه: إن لديه معلومات هامة عن إحدى صفقات سلاح البحرية.. وقال الرجل الإنجليزي: إنه لا يريد أن يتدخل في هذه القضية أو يُذكر اسمه فيها؛ ولكنه سمع عني وسمع عن مدى اهتمامي بأمر هذه الصفقات، ثم إن مصر قد أكرمته كثيرًا، وأقل ما يستطيع أن يرد به كرمها هو أن يدلي بما لديه من معلومات خطيرة عن صفقة تمت على حساب مصالح الجيش ومصالح مصر.

стр. 291

والتقينا في اليوم التالي على مائدة شاي في مكان بعيد، وكان معنا السيدة المصرية المعروفة.. وبدأ يحدثني عن صفقة شراء ناقلة السوائل "لوتشيا" التي اشتراها السلاح البحري الملكي، وأطلق عليها اسم الغردقة. إن هذه المركب عرضها أحد التجار -واسمه "الكابتن عزو"- على السلاح البحري بمبلغ ٢٢ ألف جنيه تقريبًا.. ورفض السلاح البحري شراءها بحجة أنه ليس في حاجة إليها، وبعد ثلاثة أشهر اشترى السلاح البحري هذه المركب بالذات بمبلغ ٣٦ ألف جنيه تقريبًا.. وهذا في حين أن ثمن المركب الأصلي لا يزيد عن ١٦ ألف جنيه!! وسلمني الرجل الإنجليزي الكريم المستندات الخاصة بالمكاتبات بين التاجر حسن عزو والسلاح البحري الملكي. وكانت مستندات لا تقبل الشك، ورغم ذلك فإني لم أسلمها إلى النيابة توًّا، كما لم أنشر عنها شيئًا؛ لأن أمر الحظر كان قائمًا؛ إنما أرسلت بعض أصدقائي إلى الإسكندرية ليتأكدوا من واقعة شراء هذه المركب بالذات بمبلغ ٣٦ ألف جنيه، كما تأكدت من هذه الواقعة عندما عثرت على صورة هذه المركب في مكتب التاجر الذي تولى بيعها للسلاح البحري.. واستغرقت هذه التحريات أربعة أسابيع، توجهت بعدها إلى النيابة العامة، وسلمت هذه الأوراق إلى الأستاذ مختار بك قطب الذي يتولى التحقيق في صفقات البحرية، وعندما اطلع عليها في مكتب النائب العام شد على يدي مهنئًا، فقد كان يبحث بنفسه عن أسرار هذه الصفقة! وأدليت بأقوالي أمام الأستاذ مختار قطب، ولم أذكر اسم الرجل الإنجليزي ولا أشرت إليه؛ احتفاظًا بسر المهنة؛ ولكن استمرار التحقيق وتشعب أطرافه دل على اسمه، فاستُدعى كشاهد وأدلى بأقواله في مواجهتي، ثم قمت بترجمة هذه الأقوال له إلى اللغة الإنجليزية قبل أن يوقعها بإمضائه، وثبتت الواقعة واتهم بها أمير البحار وياور جلالة الملك أحمد بدر بك. وبعد.. فإني لم أنتهِ من ذِكْرِ جميع وقائع التحقيق.. ولكني أكتفي بهذا القدر إلى أن تُنظر القضية.. حتى لا أتعرض لأسرار ليس من صالح القضية إزاحة الستار عنها الآن١.

стр. 292

يوجد صورة سكانر

стр. 293

يوجد صورة سكانر

стр. 294

- استمرت التحقيقات في قضية الأسلحة الفاسدة، ثم نام التحقيق؛ بسبب دخول أسماء كبيرة ومعروفة منهم "فاروق" نفسه؛ لذلك لم تجد روزاليوسف بُدًّا من أن تعود لتثير القضية من جديد، وكان ذلك في مايو سنة ١٩٥١، وخاصة بعد أن أوقف التحقيق الخاص بالفساد في الجيش.. وعودة محمد حيدر باشا قائد الجيش المستقيل إلى منصبه!.. ففي أول مايو سنة ١٩٥١ كتب إحسان عبد القدوس مقالًا بعنوان: حيدر يعود والشهداء لا يعودون!.. نكتفي بنشر الجزء التالي منه: حيدر يعود، والشهداء لا يعودون.. الخط العريض الذي يسير فيه الجيش.. مطلوب من الوزير أن يكون صفرًا.. سياسة المساومة هي سياسة الوفد.. في شهر أكتوبر الماضي كتبت سلسلة مقالات عن تصرفات الفريق محمد حيدر باشا عندما كان وزيرًا للحربية إبَّان حملة فلسطين.. ولم أطالب في هذه المقالات باستقالة حيدر باشا من منصب قائد عام القوات المسلحة.. ولم أتهمه بمحاولة التأثير على الشهود في قضية صفقات الأسلحة؛ بل إني برأته من كل مسئولية جنائية عن هذه الصفقات، وأكدت في أكثر من مناسبة طهارة ذمته وطيبة قلبه؛ ولكني استشهدت بقول الشاعر القديم: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم كل ما طالبت به في هذه المقالات الطوال إجراء تحقيق مع الفريق محمد حيدر باشا في أسباب فشل حملة فلسطين، ولم أطالب بالتحقيق معه تحقيقًا مباشرًا؛ بل طلبت التحقيق في أسباب الهزيمة وتحديد المسئولين عنها،

стр. 295

وتوقيع العقوبات الإدراية عليهم، وإن كنت قد حصرت المسئولية بعد ذلك في حيدر باشا، لا لأني كنت أتعقبه شخصيًّا؛ بل لأن جميع الحوادث والوثائق الرسمية التي اطلعت عليها -والتي لا تزال تحت يدي- كانت تنتهي إليه وإلى تصرفاته، وقد قلت يومها بالحرف الواحد: "ليس ذنبي أن تنحصر المسئولية في حيدر باشا؛ بل ليثق معاليه أني تعبت وتعب معي قلمي لأعفيه من المسئولية، أو من بعض المسئولية؛ ولكن عبثًا، فكل مستند كان يقع في يدي كان ينتهي إليه، وكل تصرف أو إجراء أو عملية تمت خلال الحملة كانت تتم بعلم معاليه وموافقته.. فهو مسئول دائمًا، ومسئول أولًا، ومسئول أخيرًا". وكانت هذه الوثائق التي نشرتها، كلها وثائق رسمية محدودة التاريخ والصورة، وكانت تثبت أن حيدر باشا يتدخل في وضع الخطط الحربية، وفي إصدار أوامر التقدم رغم معارضة القواد، وفي إرسال فرق كاملة إلى القتال لتموت دون أن يدرب أفرادها؛ بل دون أن يلقنهم مبادئ الدفاع عن النفس، ثم يسد أذنيه عن صراخ المواوي وهو يشكو نقص تدريب الجنود، ويشكو فساد الأسلحة وفساد حتى سيارات النقل، ويشكو من التدخل في سلطاته، ويشكو من إجباره على الاستعانة بضباط معينين رغم عدم ثقته بهم ... إلخ!! ولم أكتفِ بهذه الوثائق الصارخة الدامغة لإقناع المسئولين بضرورة إجراء تحقيق في أسباب هزيمة فلسطين؛ بل استشهدت بالتاريخ.. تاريخ الجيوش العريقة التي تعتز بتقاليدها، والتي تحرص على معالجة مواضع الضعف فيها، وتحرص على أن تتجنب الوقوع في خطأ سبق أن وقعت فيه، وتأبَى أن تضع أرواح جنودها وضباطها في أيدي قواد جهلة عاجرين، حتى لو كان هؤلاء القواد من أبطال الفضيلة والنزاهة والشرف.. وقلت: إنه حدث مثل هذا التحقيق عندما هزم الجيش البريطاني في حرب البوير، وحدث مثله في الحرب العالمية الأولى عقب أسر فرقة إنجليزية بكامل معداتها في معركة "كوت العمارة" بالعراق، وحدث تحقيق آخر عقب فشل حملة الدردنيل، وفي كل مرة كان يتراجع فيها الجيش البريطاني، في الحرب الأخيرة كان يجرى تحقيق ينتهي بعزل القائد حتى تتابع على قيادة القوات البريطانية في الشرق خمسة قواد، كان آخرهم مونتجمري.. كتبت كل هذا بالتفصيل الذي لا يدع مجالًا للشك في ضرورة التحقيق في أسباب هزيمة فلسطين، والتحقيق مع الفريق حيدر باشا بالذات، ثم

стр. 296

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 297

انتهت هذه المقالات باستقالة سعادته من منصب القائد العام للقوات المسلحة. - وفي نهاية نفس الشهر "مايو سنة ١٩٥١" طرق إحسان عبد القدوس زاوية جديدة في موضوع حملة الأسلحة الفاسدة.. إذ أخذ يكشف قصة المؤامرة على قضية الأسلحة الفاسدة، وكيف تم الضغط على النائب العام "محمد عزمي بك" الذي وقف في بداية التحقيقات موقفًا صُلْبًا لحماية العدالة؛ ولكن ما لبث بعد فترة قصيرة أن استجاب للضغط، وحاول أن ينحرف بالتحقيق، ويتستر على بعض كبار المتهمين من أصحاب النفوذ.. وكتب إحسان عبد القدوس سلسلة مقالات بعنوان: "من يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟ ". وشرح في المقال الأول التفاصيل الكاملة للظروف التي تم فيها التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة.. وكيف تم الضغط على النائب العام للانحراف بالتحقيق: ١- من يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟ - النائب العام لا يريد أن يتكلم؛ لأن له ثمانية أولاد. - وزير العدل كان محاميًا عن متهم بالعيب في الذات الملكية. - تدخل سراج الدين باشا في القضية أثار أزمة.. - الأثر الذي تركته قضية القطن في قضية الجيش. - الأسباب التي استقال من أجلها حيدر باشا لا تزال قائمة. قال النبيل عباس حليم على لسان محاميه في قضية الجيش: إن هناك مؤامرة! فلتكن هناك مؤامرة.. ولكن، من يستطيع أن يروي قصة هذه المؤامرة؟! إني شخصيًّا لا أستطيع، أو على الأقل لا أستطيع أن أكتب وأنا مطمئن إلى أن القانون يقف بجانبي؛ لأن المؤامرت تتميز دائمًا بأنها تتم

стр. 298

بلا مستندات، والقانون يحتم على الكاتب أن يجمع مستنداته قبل أن يكتب.. ثم إني أبعدت نفسي عن قضية الجيش منذ أن تولت تحقيقها النيابة؛ لأني كنت أحد طرفي الاتهام بحكم البلاغ المقدَّم من حيدر باشا ووزير الحربية، فخشيت أن أحرج المحققين باتصالي بهم، كما أنهم خشوا على أنفسهم الحرج، فلم يحاول واحد منهم أن يتصل بي؛ بل إنهم فضلوا ألا يدرجوا اسمي في قائمة الشهود حتى لا يثير وجودي في قاعة المحكمة ثائرة المتهمين، كما قال النائب العام مرة.. ولذلك، وقفت من القضية -مع بقية المتفرجين- أرقب وأستمع وأتتبع، وأحاول أن أفهم، وإذا كان أحد لا يستطيع أن يدعي أن بين يديه من المستندات ما يمكنه من رواية تفاصيل المؤامرة كاملة، فإن كل إنسان يستطيع أن يفهم أنه كانت هناك مؤامرة، دون أن يكون في حاجة إلى ذكاء كبير يعينه على الفهم! إنسان واحد في مصر يستطيع أن يتكلم، وأن يفيض في الكلام، وأن يتحمل مسئولية كلامه، وهو محمد عزمي بك النائب العام السابق.. ولكن عزمي بك له ثمانية أولاد أكبرهم في الثامنة عشرة من عمره، وهو يريد أن يعيش لهم، ويخشى إن تكلم ألا يعيش! ويريد أن يعيش بينهم، ويخشى إن تكلم أن يفارقهم إلى السجن! ويريد أن ينفق عليهم حتى يصيروا رجالًا، ويخشى إن تكلم أن يعجز عن الإنفاق، وليس له من مورد إلا معاشه الحكومي.. ثم إنه يشعر أنه أصبح وحيدًا مكشوف الظهر، فالحكومة لن تتوانى عن أن تبيعه وهو في المعاش كما باعته وهو في منصبه، والرأي العام قد يهتف له؛ ولكنه أعجز من أن يحميه أو يعوض أولاده فيه، ثم إنه قد تعمق في دراسة القانون حتى آمن بأن القانون خدعة كبرى، وتعمق في دراسة أصحاب النفوذ، حتى عرف أن لكل منهم وجهين ولكل منهم لسانين، وليس لأحد منهم ضمير ولا قلب!

стр. 299

وهو لا يزال يذكر ذلك الكبير الذي كان يعاونه في التحقيق، وكان يجلس أمامه وعيناه مسبلتان من شدة خشية الله، وشفتاه تتمتمان بلا انقطاع بآيات القرآن، وأصابعه لا تفارق مسبحته، وصوته يهب كلما جاء ذكر "محمد" مصليًا عليه ومسلمًا.. لا يزال يذكر أن هذا الرجل التقي الورع الذي كسا وجهه الإيمان، كان حربًا على التحقيق، وكان ينقل أخباره وخطواته أولًا بأول إلى المتهمين الذين يهمهم أن يضعوا العراقيل، وأن ينصبوا الشباك، وأن يحبكوا أطراف المؤامرة. لذلك كله لن يتكلم النائب العام السابق، وسيبقى لسانه حبيس شفتيه، وسيبقى سخطه حبيس صدره، وسيبقى هو حبيس داره، تقوم من حوله أشباح تضطهده في عزلته كما اضطهدته في منصبه! ورغم ذلك، فهناك الكثير مما يقال: فقد كان يسيطر على التحقيق ثلاثة أطراف: النيابة العامة، والحكومة، والمتهمون، وكلهم -أو أغلبهم- من أصحاب النفوذ! وكانت النيابة تعتقد أن الحكومة تقرها في جميع تصرفاتها، وكان النائب العام يعرض خطوات التحقيق أولًا بأول على الحكومة، سواء على النحاس باشا شخصيًّا، أو على مَن يقوم مقامه. وكانت الحكومة تقر هذه التصرفات صغيرها وكبيرها؛ ولكنها كانت عندما تدير وجهها إلى الناحية الأخرى، تنفي عن نفسها مسئولية هذه التصرفات، وتلقي التبعة كلها على النائب العام وحده، ثم لا تتوانى عن اتهامه بالعناد و"بالجليطة" في اتخاذ إجراءاته. وهذا ما لم يستطع أن يلمحه النائب العام، أو يتنبه له إلا في المراحل الأخيرة من التحقيق١.

стр. 300

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 301

- وفي المقال الثاني أتم إحسان عبد القدوس قصة المؤامرة على قضية الأسلحة الفاسدة، وفيه شرح العوامل التي جعلت النائب العام يخضع للإغراءات: ٢- مَن يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟! - هل طلب النائب العام الإنعام عليه برتبة الباشوية؟ - وزير العدل يطلب أن يحتفظ بملفات القضايا التي حفظت! - كان النحاس باشا يخشى أن تقوم ثورة في مصر. - طه حسين يطرد النائب العام من سقارة!! - الصحفي الذي حاول أن يتوسط في قضية التموين!! - السؤال الذي يستطيع أن يجيب عليه النبيل عباس حليم. إني عندما أكتب، أرجو من القارئ أن يتعب معي، وأن يجهد ذاكرته، ويستعين بمعلوماته السياسية والدستورية؛ ليستطيع أن يرى الفراغ الكبير الذي أتعمد أن أتركه بين السطور، وأن يلمح القفزات الواسعة التي أقفزها وأنا أسرد الحوادث، محاولًا أن أحتفظ بتوازني بين ما يجب أن يقال، وما يمكن أن يقال!! وهذه القصة الطويلة التي بدأتها في العدد الماضي وأحاول أن أتمها بهذا المقال.. قصة المؤامرة على قضية الجيش -كما سماها النبيل عباس حليم- تدور حول مبدأ واحد، هو مبدأ فصل السلطات الذي قرره الدستور، وبالأخص فصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية. والنيابة العمومية جزء من السلطة التنفيذية؛ لأن الوزير ومجلس الوزراء يملك تعيين النائب العام ووكلائه أو فصلهم للإجراءات واللوائح؛ ولكن النيابة عندما تبدأ التحقيق تصبح سلطة قضائية، يسمونها "القضاء الواقف"، وليس من حق الوزير، ولا من حق مجلس الوزراء، ولا من حق أي هيئة من هيئات السلطة التنفيذية أن تتدخل في عملها، وإن كان يبقى لهذه السلطة التنفيذية دائمًا حق التصرف في مصائر النائب العام ووكلائه..

стр. 302

فهل تدخلت السلطة التنفيذية في تحقيقات الجيش؟ وهل اطمأن النائب العام ووكلاؤه على مصائرهم في جميع مراحل القضية؟! إني أترك الإجابة على هذا التساؤل لما يمكنني سرده من تطورات الحوادث التي مرت بهذه القضية؛ ولكني أحب أولًا أن ألفت النظر إلى أنه كان من المغالاة أن نطلب من النائب العام السابق أن يكون ملاكًا، أو أن يكون بطلًا وطنيًّا، فقد كان يكفي أن يكون رجلًا، وهو فعلًا كان رجلًا وخيرًا من كثيرين غيره من الرجال، رغم أنه في الخامسة والخمسين من عمره وله ثمانية أولاد صغار؛ ولكنه كان يخضع لجميع المؤثرات التي يخضع لها الرجال جميعًا، وأولها الحرص على بقائه في منصبه، والحرص على مستقبله، والحرص على أن يجنب نفسه طغيان ظالم، أو دسيسة واش، ثم إنه كان في حاجة إلى أن يشعر بالاستقرار حتى يستطيع أن يؤدي عمله، وحتى يكتسب ثقة معاونيه وتضامنهم معه.. وقد حاول كثيرًا أن يقاوم هذه المؤثرات التي يخضع لها جميع الرجال الذين قدر عليهم أن يتولوا مناصب الدولة، وحاول كثيرًا أن يبين وجة المصلحة العامة لمن لا يستطيع أن يرى إلا بعين المصلحة الخاصة.. ولكن مقاومته لم تُجْدِ، وجاء يوم أحس فيه أن الدنيا كلها قد انفضت من حوله، وتكشفت له وجوه القوم عن مخادعين وجواسيس، فخارت قواه، وبدأ يفقد ثقته في الرأي العام، ويتجه إلى أصحاب الرأي الخاص.. ورغم ذلك لم يغفر له ضعفه ولم تغفر له وَحْدَته، فلحقته يد الانتقام، وأخرج من منصبه قبل أن يتم مهمته.. ولم يستطع محمد عزمي بك أن ينأى بنفسه عن الاتهام، فاتهم بأنه كان يساوم أثناء التحقيق على رفع قيمة مرتبه.. وذلك غير صحيح، فقد رفع مرتبه فعلًا من ١٥٠٠ جنيه إلى ١٨٠٠ جنيه قبل أن يبدأ التحقيق في قضية الجيش، وكان وزير العدل يعارض في هذه الزيادة، وكان يريد أن يرفع قيمة مرتب النائب العام إلى ١٦٠٠ جنيه فقط١.

стр. 303

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 304

- ورغم عنف الحملة الصحفية، وإصرار الكاتب على الاستمرار فيها ومتابعتها؛ حتى يحتفظ بقوة دفعها، واهتمام الرأي العام بها.. إلا أن التحقيقات استمرت فترة.. ثم نام التحقيق؛ بسبب دخول أسماء كبيرة ومعروفة في القضية ومنها "فاروق" نفسه. وبعد عدة شهور قامت الثورة في ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، وأعيد التحقيق مرة أخرى في القضية.. وطلب من إحسان عبد القدوس أن يشهد في التحقيق.. وقد رفض الذهاب إلى المحكمة، وكانت حجته في ذلك كما يذكر في مذكراته: "قلت: إن شهادتي لن تجدي الآن بالنسبة لي.. لأن الهدف الذي كنت أرمي إليه من إثارة هذه القضية تحقق بالفعل؛ وهو قيام الثورة.. فأصبح لا يهمني أبدًا مصير القضية أو مصير المتهمين، ولا أحب أن أشهد عليهم أو أشهد معهم.. إن كل مسئوليتي تنحصر فيما كتبته في روزاليوسف.. ورفضت الشهادة.. طالما أن الهدف الذي سعيت من أجله تحقق.."١. - ويؤخذ على حملة الأسلحة الفاسدة أنها اعتمدت اعتمادًا كاملًا على فن المقال الصحفي.. ولم تحاول أن تستخدم الفنون الصحفية الأخرى؛ مثل: فن التحقيق الصحفي، وفن الحديث الصحفي، وفن التقرير الصحفي.. والفنون الثلاثة الأخيرة أقدر على التعبير عن مثل هذه الموضوعات أكثر من المقال الصحفي.. فضلًا عن شعبيتها وجاذبيتها للقراء!.. وإن كان من الضروري أن نتعرف أن الحملة لم تقتصر على مقالات إحسان عبد القدوس وحده.. فقد شارك فيها عدد كبير من رسامي الكاريكاتير بروزاليوسف، ونشر كثير من هذه الرسوم الكاريكاتيرية في صفحات متفرقة من المجلة وفي أعداد متعاقبة.. وقد احتل بعضها الصفحة الأولى.. ونقدم بعض النماذج من هذه الرسوم الكاريكاتيرية:

стр. 305

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 306

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 307

- وبجانب فن الكاريكاتير، فقد جندت مجلة روزاليوسف فن الخبر الصحفي لخدمة حملة الأسلحة الفاسدة، فطالما نشرت العديد من الأخبار التي تكشف بعض أسرار القضية في بابي "أسرار" و"حاول أن تفهم"؛ وبذلك تكون المجلة قد استخدمت ثلاثة فنون صحفية؛ وهي: المقال الصحفي، وفن الكاريكاتير، وفن الخبر. وهذه نماذج من الأخبار التي نشرتها مجلة روزاليوسف حول قضية الأسلحة الفاسدة. صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 308

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 309

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 310

- والتقييم النهائي لحملة الأسلحة الفاسدة أنها كانت حملة صحفية ناجحة بالمعيار الصحفي.. فقد نجحت الحملة في أن تحقق الهدف الذي أثيرت من أجله.. وهذا الهدف هو في نظرنا عكس ما يرى إحسان عبد القدوس كاتب الحملة!.. فقيام الثورة لم يكن هدفًا واضحًا أو متخفيًا للحملة.. ولكنه قد يكون أحد نتائجها المباشرة أو غير المباشرة. إن نجاح أية حملة صحفية رهن بوضوح هدفها.. والهدف الواضح لحملة الأسلحة الفاسدة كان الكشف عن عدد من كبار المسئولين في الدولة تورطوا في عقد صفقات مشبوهة لتوريد أسلحة فاسدة للجيش المصري، وقد حارب الجيش بهذه الأسلحة في فلسطين، وكانت أحد أسباب هزيمته!.. هذا هو الهدف الواضح للحملة، وقد تحقق بالفعل، ومن هنا تعتبر الحملة من الناحية الصحفية.. حملة ناجحة.. بصرف النظر عن مدى العقاب الذي نال مَن تورطوا في عقد هذه الصفقات.. إذ ليس من وظائف الصحافة.. ولا في إمكانها أن تعاقب المنحرفين.. وإنما كل ما تستطيعه هو أن تكشف الانحراف والمنحرفين أمام الرأي العام.. ثم يبقى أمر عقابهم مسئولية النظام السياسي وأجهزته القضائية.. وعدم توقيع العقاب على المسئولين في قضية الأسلحة الفاسدة لا يقلل من نجاح هذه الحملة الصحفية، وإن كان يطرح العديد من علامات الاستفهام حول مدى سلامة البناء السياسي والقضائي في المجتمع!..

стр. 311

المصادر والمراجع: الدوريات: أولًا: الدوريات العربية: ١- الأهرام. ٢- الأخبار. ٣- الجمهورية. ٤- الشرق الأوسط. ٥- المجلة. ٦- المستقبل. ٧- الحوادث. ٨- الوطن العربي. ثانيًا: الدوريات الأجنبية: ٩- The Tirres. ١٠- Daily Mirror. ١١- News Week. المؤلفات العربية: ١٢- حمزة عبد اللطيف: المدخل في فن التحرير الصحفي، الطبعة الأولى، "دار الفكر العربي"، القاهرة. ١٣- فابر فرانس: الصحافة الاشتراكية، ترجمة: نوال حنبلي وآخرون، "معهد الاعداد الإعلامي"، دمشق، ١٩٧١.

стр. 312

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 313

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 314

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 315

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 316

محتويات الكتاب: الصفحة الموضوع ١ المقدمة ١١ الفصل الأول: فن الحديث الصحفي ١٣ المبحث الأول: تعريف الحديث الصحفي ١٩ المبحث الثاني: الإعداد للحديث الصحفي ٢٥ المبحث الثالث: إجراء الحديث الصحفي ٣٧ المبحث الرابع: كتابة الحديث الصحفي ٧٥ المبحث الخامس: الحديث التليفوني ٨٣ المبحث السادس: المؤتمر الصحفي ٩١ الفصل الثاني: فن التحقيق الصحفي ٩٣ المبحث الأول: تعريف التحقيق الصحفي ١٠١ المبحث الثاني: إعداد التحقيق الصحفي ١٠٧ المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي ١٣٣ الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي ١٣٥ المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي ١٣٩ المبحث الثاني: كتابة التقرير الصحفي ١٥١ المبحث الثالث: التقرير الإخباري ١٥٩ المبحث الرابع: التقرير الحي ١٦٧ المبحث الخامس: تقرير عرض الشخصيات ١٧٧ الفصل الرابع: فن المقال الصحفي ١٧٩ المبحث الأول: تعريف المقال الصحفي

стр. 317

الصفحة الموضوع ١٨٣ المبحث الثاني: فن المقال الافتتاحي ١٩٣ المبحث الثالث: فن العمود الصحفي ٢١٧ المبحث الرابع: فن المقال النقدي ٢٢٩ المبحث الخامس: فن المقال التحليلي ٢٤٥ الفصل الخامس: فن الحملة الصحفية ٢٤٧ المبحث الأول: تعريف الحملة الصحفية ٢٥١ المبحث الثاني: التغطية الصحفية للحملة الصحفية ٢٥٨ المبحث الثالث: نموذج تطبيقي للحملة الصحفية ٣٣٩ المصادر والمراجع