← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8660

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Полный текст (817 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بمنزلة صه ومه لا إعراب فيه، كما لا إعراب في صه ومه وحَيْهَل، غير أنه بُني على الحركة التي كانت له في حال الظرفية، كما أن فتحة لام رجل من قولك: لا رجل في الدار١، وهي الحركة التي تحدثها "لا" إعرابًا في المضاف والممطول، نحو: لا غلام رجل عندك، ولا خيرًا منك فيها، وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ ٢، الفتحة في نون "مكانكم" فتحة بناء؛ لأنه اسم لقولك: اثبُتوا، وليست كفتحة النون من قولك: الزموا مكانكم، هذه إعراب، وتلك في الآية بناء. وهذا موضع فيه لطف فتفهمه. ولما دخل شيخنا أبو علي ﵀ الموصل سنة إحدى وأربعين، قال لنا: لو عرفتُ في هذا البلد من يعرف الكلام على قولك: دونك زيدًا؛ لغدوت إلى بابه ورُحت. وكذلك قوله تعالى: "كَتَب الله عليكم" و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ ، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في الموضعين جميعًا منصوبة الموضع بنفس كَتَب وكتاب، ولو قلت: عليكم كتاب الله لما كان لقولك عليكم موضع من الإعراب أصلًا، ولا كانت متعلقة بشيء ظاهر ولا محذوف ولا مضمر على ما تقدم، فاعرفه "٤٢ظ". ومن ذلك قراءة إبراهيم والأعمش وحُميد: "فَسوْف نَصْليه نارًا"٣ بفتح النون، وسكون الصاد. قال أبو الفتح: يُروى في الحديث أنه أُتِيَ بشاة مَصْلِيَّة؛ أي: مشوية، يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، ويكون منقولًا من صَلِي نارًا وصَلَيتُه نارًا، كقولك: كَسِي ثوبًا وكَسَوتُه ثوبًا، ومثله -إلا أنه قبل النقل غير متعد- شَتِر٤ وشَتَرْتُه، وغارت عينُه وغُرْتُها. وعليه قوله: وصالياتٍ كَكَما يؤثفَيْن٥ فهذا من صلي. فأما قراءة العامة: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ بضم النون، فهو منقول من صلِي أيضًا، إلا أنه

стр. 177

نُقل بالهمزة لا بالمثال، كقولك: طعِم خبزًا وأطعمته خبزًا، وعلِم الخبر وأعلمته إياه؛ أي: عرف وعرفتُه. والصَّلَى: النار منه، وهو من الياء لقولهم: صلَيْتُه نارًا. وليست الصلاة من الياء لقولهم في جمعها: صلوات. قال لنا أبو علي سنة سبع وأربعين: الصلاة من الصَّلَويْنِ١، قال: وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصَّلَويْنِ للركوع، فأما القيام فلا يخص الصلاة دون غيرها، وهو حسن. ومن ذلك قراءة طلحة: "فالصَّوالِحُ قوانِتُ حوافِظُ للغيب"٢. قال أبو الفتح: التكسير هنا أشبه لفظًا بالمعنى؛ وذلك أنه إنما يراد هنا معنى الكثرة، لا صالحات من الثلاث إلى العشر، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى الكثرة من لفظ القلة بمعنى الكثرة، والألف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدون من الواحد إذا كان على حد الزيدان. هذا موجب اللغة على أوضاعها، غير أنه قد جاء لفظ الصحة والمعنى الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٣، والغرض في جميعه الكثرة، لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة. وكان أبو علي ينكر الحكاية المروية عن النابغة وقد عرض عليه حسان شعره، وأنه لما صار إلى قوله: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحا ... وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما٤ قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك. قال أبو علي: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ٥، ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التي في الجنة من الثلاث إلى العشر. وعذر ذلك عندي أنه قد كثُر عنهم وقوع الواحد على معنى الجميع جنسًا، كقولنا: أَهْلَكَ الناسَ الدنيارُ والدرهم، وذهب الناسُ بالشاة والبعير. فلما كثر ذلك جاءوا في موضعه بلفظ الجمع الذي هو أدنى إلى الواحد أيضًا؛ أعني: الجمع بالواو والنون والألف والتاء. نعم، وعلم أيضًا أنه إذا

стр. 178

جيء في هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة لا يتدارك معنى الجنسية، فلهوا عنه، وأقاموا على لفظ الواحد تارة ولفظ الجمع المقارِب للواحد تارة أخرى؛ إراحة لأنفسهم من طلب ما لا يُدرك، ويأسًا منه، وتوقفًا دونه. فيكون هذا كقوله: رَأى الأَمرَ يُفضي الي آخِرٍ ... فَصيَّر آخِرَهُ أوَّلا١ ومثل الجمع بالواو والنون والألف والتاء مجيئهم في هذا الموضع بتكسير القلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ٢. وقول حسان: "٤٣و" وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما٣ ولم يقل: عيونُهم ولا سيوفُنا. وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الخصائص. ومن ذلك قراءة يزيد بن القعقاع: "بما حَفِظَ اللهَ" بالنصب٤ في اسم الله تعالى. قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف؛ أي: بما حفظ دين الله وشريعة الله وعهود الله، ومثله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ٥ أي: دين الله وعهود الله وأولياء الله، وحَذْفُ المضاف في القرآن والشعر وفصيح الكلام في عدد الرمل سعة، وأستغفر الله. وربما حَذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررًا؛ أُنسًا بالحال ودلالة على موضوع الكلام، كقوله : ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ٦ أي: من أثر حافر فرس الرسول. وقد ذكرنا في كتابنا ذلك هذا وغيره من كتبنا وكلامنا. ومن ذلك قراءة الأعمش: "لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكْرَى"٧ مضمومة السين، ساكنة الكاف من غير ألف. وقراءة إبراهيم: "وَأَنْتُمْ سَكْرَى". وفي قراءته أيضًا: "تُرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى"٨.

стр. 179

قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن وكيع عن الدمشقي عن ابن قطرب عن قطرب١ في كتابه الكبير: أن قراءة أبي زرعة الشامي: "وتَرَى النَّاسَ سُكْرَى وَمَا هُمْ بِسُكْرى". وسألت أبا علي عن "سُكْرَى" فردد القول فيها، ثم استقر الأمر فيها بيننا على أنها صفة من هذا اللفظ والمعنى، بمنزلة حبلى مفردة كما ترى. فأما "سَكْرَى" بفتح السين فيمن قرأ كذلك فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون جمع سكران؛ إلا أنه كُسِّر على فَعْلَى؛ إذ كان السكر علة تلحق العقل، فجرى ذلك مجرى قوله: فَأَمَّا تَميمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ ... فَأَلفاهُمُ القَومُ رَوْبَى نِياما٢ فهذا جمع رائب؛ أي: نومى خُثَراءُ الأنفس٣؛ فيكون ذلك كقولهم: هالك وهلكى ومائد ومَيْدَى٤، فيجري مجرى صريع وصرعى وجريح وجرحى؛ إذ كان ذلك علة بُلوا بها، وإن كان هالك ومائد ورائب فعلًا منسوبًا إليهم، لا مُوقَعًا في اللفظ بهم. والآخر: أن يكون "سَكْرَى" هنا صفة مفردة، مذكرها سكران، كامراة سكرى. ويشهد لهذا الأمر قراءة مَن قرأ: "سُكْرى" بالضم، وهذا لا يكون إلا واحدًا. ويشهد للقول الأول قراءة العامة: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ . وجاز أن يوقع على الناس كلهم صفة مفردة تصورًا لمعنى الجملة والجماعة وهي بلفظ الواحد، كما جاز للَبيدٍ أن يشير أيضًا إلى الناس بلفظ الواحد في قوله: وَلَقَد سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وَطولِها ... وَسُؤالِ هَذا الناسِ كَيفَ لَبيدُ٥ ومن معكوسه في إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ٦ والمراد به الواحد٧، كلٌّ من كلام العرب.

стр. 180

وقراءته: "وتُرَى الناسَ سُكرى" بضم التاء يقوي ما قدمناه من أن أُرَى في اليقين دون أَرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ . ومن ذلك قراءة ابن مسعود والزهري أيضًا: "أو جاء أحد منكم من غَيْط"١. قال أبو الفتح: فيه صنعة، وذلك "٤٣ظ" أن هذا الحرف مما عينه واو؛ لقوهم تغوَّط الرجل: إذا أتى الغائط، وهو مُطْمَأَنٌّ من الأرض كانوا يقضون فيه حوائجهم. وظاهر أمر غَيْط أنه فَعْل مما عينه ياء، بمنزلة شيخ وبيت. وأمثل ما ينبغي أن يقال فيه: إنه محذوف من فَيْعِل، كأنه في الأصل غيِّط كميت وسيد، ثم حذفت عينه تخفيفًا فبقي مَيْت وسيْد، ومثاله قَيْل٢؛ لأن العين محذوفة. فإن قلت: فإنا لا نعرف في الكلام غَيِّطًا كما عرفنا سيِّدًا وميِّتًا؟ قيل: قد يجوز أن يكون محذوفًا من فيعِل مقدرًا غير مستعمل، كما أن قولهم: يَذَر ويدع استُغني عنهما بِتَرَك، كما استُغني أيضًا بغائط عن غيِّط، وكما استغني أيضًا بذَكَر ولَمْحة عن مِذْكار ومَلْمَحة اللتين عليهما٣ كسر ملامح ومذاكير. ويؤكد هذا أن غائطًا إلى غيِّط أقرب من ذَكَر ولَمْحة إلى مِذْكار ومَلْمَحة؛ وذلك لأن ثاني فاعل ألف زائدة كما أن ثاني فيعِل ياء زائدة، والعين فيهما كليهما مكسورة، واللام تلي العين فيهما جميعًا، والياء أيضًا أخت الألف، فكأنهما مثال واحد من حيث ذكرنا، فَبِقدر هذا القرب بينهما ما٤ حسنت إنابة فاعل عن فيعِل، لا سيما وكأن غَيْطًا في اللفظ غيِّط لقربه منه وزنًا. وفيه قول ثانٍ؛ وهو أن يكون غَيْط فَعْلًا وأصله غَوْط، إلا أن الواو قلبت للتخفيف ياء، كما قلبوها إليها لذلك في قولهم: لا حَيْل ولا قوة إلا بالله؛ أي: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقالوا: هو أَليط بقلبي من كذا، وظاهر أمره أن يكون من لُطت الحوض أَلوطه؛ أي: ألصقت بعضه ببعض، فكذلك هو أَليط بقلبي: إذا لصق به، وأصله على هذا أَلْوط، وقلبت الواو ياء استحسانًا كأشياء نحو ذلك، نحو: العلياء وهي من علوت، والعَيْصاء بمعنى العوصاء٥، فهذا الوجه أقرب، والأول أشد وأصنع.

стр. 181

ومن ذلك١ قراءة حميد بن قيس٢: "سَوْفَ نَصْلِيهِمْ نَارًا"٣. قال أبو الفتح: قد أتينا على ما في ذلك فيما مضى من هذا الكتاب آنفًا٤. ومن ذلك قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة: "تعالُوا"٥ بضم اللام. قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه حذف اللام من تعاليت استحسانًا وتخفيفًا، فلما زالت اللام من "تعالى" ضُمت لام تعال لوقوع واو الجمع بعدها، كقولك: تقدموا وتأخروا. ونظير ذلك في حذف اللام استخفافًا قولهم: ما باليت به بالةً، وأصلها بالِيَة، كالعافية والعاقبة، ثم حذفت اللام كما ترى. وذهب الكسائي في "آية" إلى أن أصلها: آيِيَة فاعلة، فحذفت اللام كما ذكرنا، ولو كانت إنما حذفت لام "تعالُوا" لالتقاء الساكنين كما حذفت لذلك في قولك للجماعة آمرًا: ترامَوا وتغازَوا؛ لبقيت العين مفتوحة دلالة على الألف المحذوفة، وكنحو قولك: اخشَوا واسعَوا، إذا أمرت الجماعة. ونظير حذف اللام استحسانًا في هذه القراة قراءة الحسن أيضًا في قوله الله تعالى: "إِلَّا مَنْ هُوَ صَالُ الْجَحِيمِ"٦. حدثنا بذلك أبو علي، وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافًا، وإلى أنه يجوز أن يكون أراد: إلا من هو صالون الجحيم؛ فحذف النون للإضافة، وحذف "٤٤و" الواو التي هي عَلَم الجمع لفظًا لالتقاء الساكين، واستعمل لفظ الجمع حملًا على المعنى دون اللفظ، كقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٧، وله نظائر، إلا أن الظاهر ما ذهب إليه أبو علي. وأما حديث "تَعَالَ" والقول على ماضيه ومضارعه وتصرفه، ومن أين جاز استعمال لفظ العلو في التقدم، فأَمْرٌ يحتاج إلى فضل قول، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، إلا أن من جملته أنهم استعملوا لفظ التقدم والارتفاع على طريق واحد، من ذلك قولهم: قدَّمته إلى الحاكم، فهذا

стр. 182

كقولك: ترافعنا إلى الحاكم، كذلك قولك للرجل: تعال، كقولك له: تقدم. وأصله أن التقدم تعالٍ، والتأخر انخفاض وتراخٍ، فافهمه. ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا: "لَيَقولُن"١ بضم اللام على الجمع. قال عبد الوارث٢: سئل أبو عمرو٣ عن قراءة الحسن: "لَيَقولُن" برفع اللام، فسكت. قال أبو الفتح: أعاد الضمير على معنى "مَنْ" لا على لفظها الذي هو قراءة الجماعة؛ وذلك أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ٤ لا يُعنى به رجل واحد؛ لكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعًا في المعنى أعيد الضمير على معناه دون لفظه، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٥، الحال فيهما واحدة، وكأن الموضع لحقه احتياط في اللفظ؛ خوفًا من إشكال معناه، فضُمَّ اللام من "ليقولُن" ليُعلم أن هذا حكم سارٍ في جماعة، ولا يُرى أنه واحد ولا أكثر منه، فاعرفه. ومن ذلك قراءة الحسن ويزيد النحو: "يا لَيتَني كنْتُ معهم فأفوزُ فوزًا عظيمًا"٦ بالرفع، قال روح: لم يجعل لليت جوابًا. قال أبو الفتح: محصول ذلك أن يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز فوزًا عظيمًا، ولو جعله جوابًا لنصبه؛ أي: إن أكن معهم أفز، هذا إذا أصبحت بالشرط، إلا أن الفاء إن دخلت جوابًا للتمني نُصب الفعل بعدها بإضمار أن، وعُطف أفوز على كنت معهم لأنهما جميعًا متمنيان، إلا أنه عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ إذ كان الأول ماضيًا والثاني مستقبلًا. وذهب أبو الحسن في قوله : "يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"٧ بالرفع إلى أنه عطف عل اللفظ، ومعناه معنى الجواب: قال: لأنهم لم يتمنوا

стр. 183

ألا يكذبوا؛ وإنما تمنوا الرد، وضَمِنوا أنهم إن رُدوا لم يكذِّبوا، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ١. وعليه قول الآخر: فَلَقَد تَرَكتِ صِبيَّةً مَرحومَة ... لَم تَدرِ ما جَزَعٌ عَلَيك فَتَجزَعُ٢ والقوافي مرفوعة؛ أي: هي تجزع، ولو كان جوابًا لقال فتجزعا، وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الموسوم بالتنبيه، وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة. ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"٣ برفع الكافين، قال ابن مجاهد: وهذا مردود في العربية. قال أبو الفتح: هو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم. ولو قال: مردود في "٤٤ظ" القرآن لكان أصح معنى؛ وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدركُكُم الموت، ومثله بيت الكتاب: مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشكُرُها ... وَالشَرُّ بِالشَرِّ عِندَ اللهِ مِثلانِ٤ أي: فالله يشكرها، ومثله بيته أيضًا: بنو ثُعل لا تنكَعوا العنز شِرْبَها ... بني ثعل من ينكَع العنزَ ظالِم٥ فكأنه قال: فهو ظالم، فحذف الفاء والمبتدأ جميعًا، إلا أنه لما ترك هناك اسم الفاعل فهو لشبهه بالفعل كأنه هو الفعل؛ فيصير إلى أنه كأنه قال: من ينكع العنز يَظْلِمُ، وشَبَهُ الفعل في هذه اللغة أفشى من الشمس، حتى إنهم استجازوا لذلك أن يُولُوه نون التوكيد المختصة بالفعل، فقالوا: أَريتَ إن جئتُ به أُملودا ... مُرَجَّلا ويَلبس البُرودا أَقائِلُن أَحضِرِي الشهودا٦

стр. 184

فكأنه قال: أيقولن، والنظائر فيه كثيرة جدًّا. ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إِلَى الْفِتْنَةِ رُكِّسُوا فِيهَا"١ مثقل بغير ألف. قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شيء بعد شيء؛ وذلك لأنهم جماعة، فلما كانوا كذلك وقع شيء منه بعد شيء فطال، فلاق به لفظ التكثير والتكرير، كقولك: غلَّقتُ الأبواب، وقطَّعتُ الحبال، وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف، أنشد أبو الحسن: أنت الفداء لقبلة هدَّمْتَها ... ونَقَرتها بيديك كلَّ مُنَقَّر فصار "ونقرتها" كأنه قال: ونقَّرتها، يدل عليه مصدره الذي هو "مُنَقَّر". وهذا ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معاني الأجناس، حتى إن اللفظة الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله. ومن ذلك قراءة الزهري فيما رواه عنه الوقاصي: "إلا خَطًا"٢ مقصورًا خفيفًا بغير همز. قال أبو الفتح: أصله خطأً بوزن خَطَعًا كقراءة العامة، غير أنه حذف الهمزة حذفًا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جَا يجَى، وسَا يسُو. وهذا ضعيف عند أصحابنا وإن كان قد جاء منه حروف صالحة، إلا أنه ليس تخفيفًا قياسيًّا؛ وإنما هو حذف وخبط للهمزة ألبتة، وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالًا على حد قَرَبْتُ، فجرى مجرى عصا ومطا. ومن ذلك قراءة إبراهيم: "إِنَّ الَّذِينَ تُوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ"٣. قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يُعَدُّون على الملائكة يُرَدُّون إليهم يحتسبون عليهم، فهو نحو من قولك: إن المال الذي تُوفَّاه أَمَةُ الله؛ أي: يُدفع إليها ويحتسب عليها، كأن كل ملَك جُعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم مُكن من ذلك ووفيه، أو كأن ذلك في بعض الملائكة، فجرى اللفظ على الجميع، والمراد البعض على ما مضى في هذا الكتاب.

стр. 185

ومن ذلك ما رواه الواقدي١ عن عباس عن الضبي٢ عن أصحابه: "مَرْغَمًا"٣، وقراءة الجماعة: ﴿مُرَاغَمًا﴾ . قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا إنما جاء على حذف الزيادة من راغَمَ، فعليه جاء مَرْغم؛ كمضرب من ضرب، ومذهب من ذهب. وأصل هذه المادة ر غ م، فمنه الرَّغام التراب "٤٥و" وهو إلى الذل والشدة، والمراغِم: الْمُغَارُّ الذي يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث المرفوع: "إذا صلى أحدكم فليُلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرَّغْمُ" أي: حتى يذل ويخضع لله ، وعليه بقية الباب. ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان٤: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ"٥ برفع الكاف، وقراءة الحسن والجراح: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ" بنصب الكاف. قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن "يدركُه" رفع على أنه خبر ابتداء محذوف؛ أي: ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة التي من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة. وجاء العطف هاهنا أيضًا لما بين الشرط والابتداء من المشابهات، فمنها أن حرف الشرط يجزم الفعل، ثم يعتور الفعل المجزوم مع الحرف الجازم على جزم الجواب، كما أن الابتداء يرفع الاسم المبتدأ، ثم يعتور الابتداء والمبتدأ جميعًا على رفع الخبر؛ ولذلك قال يونس في قول الأعشى: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نُزُل٦

стр. 186

إنما أراد: أو أنتم تنزلون، أفلا تراه كيف عطف المبتدأ والخبر على فعل الشرط الذي هو تركبوا؟ وعليه قول الآخر: إن تُذنبوا ثم تأْتيني بقيتكم ... فما عليَّ بذنب منكم فوت١ فكأنه قال: إن تذنبوا ثم أنتم تأتيني بقيتكم، هذا أوجه من أن يحمله على أنه جعل سكون الياء في تأْتيني علَم الجزم، على إجراء المعتل مجرى الصحيح نحو قوله: ألم يأْتيك والأنباء تنمي٢ فهذا جواب كما تراه. وإن شئت ذهبت فيه مذهبًا آخر غيره، إلا أن فيه غموضًا وصنعة؛ وهو أن يكون أراد: ثم يدركْه الموت جزمًا، غير أنه نوى الوقف على الكلمة فنقل الحركة من الهاء إلى الكاف؛ فصار يدركُه، على قوله: من عنَزِيِّ سبَّني لَمْ أضربُه٣ أراد: لم أضربْه، ثم نقل الضمة إلى الباء لما ذكرناه، كقوله: أَلْهَى خليلي عن فراشي مسجدُهْ ... يأيها القاضي الرشيد أَرشِدُهْ أي: أَرشِدْه، ثم نقل الضمة، فلما صار يدركُهْ حرك الهاء بالضم على أول حالها، ثم لم يُعِدْ إليها الضمة التي كان نقلها إلى الكاف عنها؛ بل أقر الكاف على ضمها، فقال: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ"، وقد جاء ذلك عنهم. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بقول الشاعر: إن ابن أحوص معروفًا فبلِّغُهُ ... في ساعديه إذا رام العلا قِصَرُ

стр. 187

أراد: فبلِّغْه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين فصار فبلِّغُهْ، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها، فقال: فبلغُهُ؛ وذلك أنه قد كثر النقل عنهم لهذه الضمة عن هذه الهاء، فإذا نُقلت إلى موضع قرَّت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه. وفي إقرار الحركة بحالها مع تحريك ما بعدها دلالة على صحة قول سيبويه بإقرار الحركة التي "٤٥ظ" يحرك بها الساكن عند الحذف إذا رُد إلى الكلمة ما كان حُذف منها في نحو قوله في النسب إلى شِيَهٍ: وِشَوِيّ، وهذا مشروح هناك في موضعه، فهذا وجه ثانٍ كما تراه في قوله: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ" بضم الكاف، فاعرفه. وأما قراءة الحسن: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ" بالنصب فعلى إضمار "أن"، كقول الأعشى: لنا هضبة لا يَنْزل الذلُّ وسطها ... ويأْوي إليها المستجير فيُعْصَمَا١ أراد: فأَن يعصما، وهو ليس بالسهل؛ وإنما بابه الشعر لا القرآن. ومن أبيات الكتاب: سأَترك منزلي لبني تميم ... وأَلحقُ بالحجاز فأَستريحا٢ والآية على كل حال أقوى من ذلك؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف، وليس بواجب، وهذا واضح. وفيه أكثر من هذا، إلا أنا نكره ونتحامى الإطالة لا سيما في الدقيق؛ لأنه مما يجفو على أهل القرآن. وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتابه الحجة، وظاهرُ أمره أنه لأصحاب القراءة، وفيه أشياء كثيرة قلما ينتصف فيها كثير ممن يدعي هذا العلم؛ حتى إنه مجفو عند القراءة لما ذكرناه. ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن الأعرج: "أَنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ"٣ بفتح الألف. قال أبو الفتح: أن محمولة على قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تهنوا لأنكم تألمون، كقولك: لا تجبن عن قرنك لخوفك منه، فمن اعتقد نصب أن بعد حذف الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهي على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت "أن" لكونها كالعوض في اللفظ من اللام.

стр. 188

ومن ذلك قراءة يحيى: "فإنهم يِيلَمون كما تِيلَمون"١. قال أبو الفتح: العرف في نحو هذا أن من قال: أنت تِئمن وتِئلف وإِيلف، فكسر حرف المضارعة في نحو هذا إذا صار إلى الياء فتحها ألبتة، فقال: هو يَأْلف، ولا يقول: هو يِيلف؛ استثقالًا للكسرة في الياء. فأما قولهم في يَوْجَل ويَوْحَل ونحوهما: يِيجل ويِيحل بكسر الياء، فإنما احتُمل ذلك هناك من قِبَلِ أنهم أرادا قلب الواو ياء هربًا من ثقل الواو؛ لأن لياء على كل حال أخف من الواو، وعلموا أنهم إذا قالوا: يَيْجل ويَوحَل٢، فقلبوا الواو ياء والياء قبلها مفتوحة كان ذلك قلبًا من غير قوة علة القلب، فكأنهم حملوا أنفسهم بما تجشموه من كسر الياء توصلًا إلى قوة علة قلب الواو ياء، كما أبدلوا من ضمة لام أَدلُو جمع دَلْوٍ كسرة فصار أَدلِوٌ لتنقلب الواو ياء بعذر قاطع؛ وهو انكسار ما قبلها وهي لام، وليس كذلك الهمزة؛ لأنها إذا كسر ما قبلها لم يجب انقلابها ياء، وذلك نحو: بئر وذئب، ألا تراك إذا قلت: هو يِئْلف، لم يجب قلب الهمزة ياء؟ فلهذا قلنا: إن كسرة ياء يِيجل لما يعقب من قلب الأثقل إلى الأخف مقبول، وليس في كسر ياء يئلف ما يدعو إلى ما تُحْتَمل له الكسرة، وليس فيه أكثر من أنه إذا كسر الياء ثم خفَّف الهمزة صار يِيلمون فأشبه في اللفظ ييجل، وهذا "٤٦و" له قدر لا يُحتمل له كسر الياء، فاعرفه. ومن ذلك قراءة النبي ﷺ فيما روته عائشة ﵂: "أُثُنا"٣ بثاء قبل النون، ورُوي أيضًا عنها عنه ﵇: "أُنُثا" النون قبل الثاء. وقراءة ابن عباس: "إلا وُثْنا"، ورُوي عنه أيضًا: "إلا أُنُثا" بضمتين والثاء بعد النون، وقراءة عطاء بن أبي رباح: "ألا أُثْنا" الثاء قبل، وهي ساكنة. قال أبو الفتح: أما "أُثُن" فجمع وَثَن، وأصله وُثُن، فلما انضمت الواو ضمًّا لازمًا قلبت همزة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت﴾ ٤، وكقولهم في وُجوه: أجوه، وفي وُعِد: أُعِد، وهذا باب واسع. ونظير وَثَن وأُثُن أَسَد وأُسُد. ومن قال: "أُثْنا" بسكون الثاء فهو كأُسْد، بسكون السين.

стр. 189

حكى سيبويه هذه القراءة: "أُثْنا" بسكون الثاء. وذهب أبو بكر محمد بن السري في قولهم: أَسَد وأُسُد إلى أنها محذوفة من أُسُود، ويقوي قوله هذا بيت الأخطل: كَلَمْعِ أَيدي مَثاكيلٍ مُسَلِّبَةٍ ... يَندُبنَ ضَرس بنَاتِ الدَهرِ وَالخُطُبِ١ يريد: الخُطُوب، فقصر الكلمة بحذف واوها، ومثله قول الآخر: إن الفقير بيننا قاضٍ حَكَمْ ... أن ترِد الماءَ إذا غاب النُّجُم٢ يريد: النجوم. وأما "أُنُثًا" بتقديم النون على الثاء، فينبغي أن يكون جمع أَنيث، كقولهم: سيفٌ أنيث الحديد، وذلك كقراءة العامة: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: به الأصنام. قال الحسن: الإناث كل شيء ليس فيه رُوح: خشبة يابسة وحجر يابس، قال: وهو اسم صنم لحي من العرب، كانوا يعبدونها ويسمونها أُنثى بني فلان، وعليه القراءة: "إِلَّا أوثانًا". ومن ذلك قال حماد بن شُعيب٣: قلت للأعمش: "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ"٤، فقال: أيعدُهم؟ إنما هو: "يَعِدْهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدْهُم" ساكنة. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نحو هذا ما أُسكن في موضع الرفع تخفيفًا لثقل الضمة. قال أبو زيد فيما حكاه عنهم: "بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ"٥ بسكون اللام تخفيفًا على هذا.

стр. 190

ومن ذلك ما رواه الضبي عن أبي عبد الله المدني: "في يَيامَى النساء"١ بياءين. قال أبو الفتح: القراءة المجمع عليها: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بياء وتاء بعدها. ولا يجوز قلب التاء هنا ياء. والقول عليه -والله أعلم- أنه أراد أَيامى، فأبدل الهمزة ياء، فصارت "يَيامى"، وقلبت الهمزة ياء كما قلبت الهمزة ياء في قولهم: "قطع الله أَدْيَه"، يريدون: يده، فرد لام الفعل، وأعاد العين إلى سكونها؛ فصارت يَدْيَه، ثم أبدل الياء همزة فصارت أَدْيه، ولم أسمع هذا إلا من جهته، وأيًّا ما كان فقد قُلب الياء همزة. ونظير قلب الهمزة في "أَيامى" إلى الياء حتى صارت "يَيامى" قولهم: باهلة بن يعصُر، فالياء فيه بدل من همزة أَعصُر؛ وذلك لأنه يقال: باهلة بن أَعصُر٢ ويعصُر، وإنما سُمي أعصر ببيت قاله: أبُنَي إن أباك غيَّر لونَه ... كرُّ الليالي واختلاف الأعصر٣ فهذا دليل على كون "٤٦ظ" الهمزة أصلًا والياء بدل منها. وأما "أَيامى" فقالوا: إنها جمع أَيِّم، وأصلها عندهم أيائم كسيد وسيائد، كذا رواها ابن الأعرابي: سيد وسيائد بالهمز كما ترى، وفي هذا شاهد لقول سيبويه: إنه متى اكتنف ألف التكسير حرفا علة أَيَّيْنِ كانا وجاور الآخر منهما الطرف فإنه يهمز. وشاهد ذاك أيضًا ما رواه أبو عثمان عن الأصمعي: أنهم قالوا: عيِّل وعيائل بالهمز. وحكى أبو زيد:" سَيِّقة٤ وسيائق بالهمز. وكان أبو علي يُسَر بما حكاه أبو زيد من همز سيائق، ولم يقع له إذ ذاك ما حكيناه عن ابن الأعرابي من همز سيائد، ولا كان إذا ذاك وقع هذا الحرف إليَّ فأذكره له، كأشياء كانت تخطر لي أو تنتهي إليَّ فأحكيها له، فنقع مواقعها المرضية عنده. ومذهب أبي الحسن بخلاف ذلك، فلما صارت إلى أَيائم قُدِّمت اللام وأُخرت العين فصارت "أَيامِي"، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت "أَيامَى"، ووزنها الآن فيالع، وأصلها أَيائِم فياعل؛ لأن أَيما فيْعِل، هذا مذهب الجماعة في أيِّم وأَيامى.

стр. 191

ولو ذهب به ذاهب إلى ما أذكره لم أرَ به بأسًا؛ وذلك أنه كأنه كسَّر آيِم فاعِل على فَعْلى، وهو أَيْمَى، من حيث كانت الأَيْمَة بليَّة ندفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، ومائد وميدى١، وجريح وجرحى، وزمن وزمنى، وسكران وسكرى، ثم كُسرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فَعالى، ولا قلب فيها. وأنت إذا سلكت هذه الطريق أحرزت غنمين، وكُفيت مئونتين: إحداهما: أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شيء من حروفها، والآخر: أنه لو كان الأصل "أيائم" لجاز؛ بل كان الوجه أن يُسمع؛ وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك، "فالييامى" على هذا القول فعالى، تكسير أَيْمَى على فَعْلَى، كهَلْكَى. وعلى القول الآخر فيالِع. ومما كُسِّر على فَعْلى ثم كسرت فعلى على فَعالى ما رويناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى في أماليه من قول بعضهم: مثل القتالى في الهشيم البالي٢ فهذا تكسير قتيل على قَتْلى، ثم قَتْلى على قَتَالى. ومن ذلك قراءة عاصم الجحدري: "أَنْ يَصَّلِحَا"٣. قال أبو الفتح: أراد: يصطلحا أي يفتعلا، فآثر الإدغام فأبدل الطاء صادًا، ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء، فصارت يصَّلحا، ولم يجز أن تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الصفير، ألا ترى أن كل واحد من الطاء وأختيها والظاء وأختيها يُدغمن في الصاد وأختيها، ولا يدغم واحدة منهن في واحدة منهن؟ فلذلك لم يجز "إلا أن يَطَّلحا"، وجاز "يصَّلحا".

стр. 192

ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن في رواية عطاء عنه وقراءة عاصم الجحدري أيضًا: "وملائكتِه وكتابِه"١ على التوحيد. قال أبو الفتح: اللفظ لفظ الواحد والمعنى معنى الجنس؛ أي: وكتبه، ومثله قوله سبحانه ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٢ "٤٧و" أي: كتبنا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٤، فلكل إنسان كتاب، فهي جماعة كما ترى، وقد قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ . ووقوع الواحد موقع الجماعة فاشٍ في اللغة، قال الله تعالى: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ٥ أي: أطفالًا، وحَسَّن لفظ الواحد هنا شيء آخر أيضًا؛ وذلك أنه موضع إضعاف للعباد وإقلال لهم، فكان لفظ الواحد لقلته أشبه بالموضع من لفظ الجماعة؛ لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد، فاعرف ذلك. ومن ذلك قراءة عبد الله بن أبي إسحاق٦ والأشهب العقيلي: "يُرَءُّون الناس"٧، مثل يُرَعُّون، والهمزة بين الراء والواو من غير ألف. قال أبو الفتح: معناه يُبصِّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهي أقوى معنى من "يُراءُون" بالمد على يفاعِلون؛ لأن معنى يراءونهم يتعرضون لأن يروهم، و"يُرَءُّونهم" يحملونهم على أن يروهم. قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة إذا أمسكتها له ليرى وجهه، ويدلك على أن يرائي أضعف معنى من يُرَئِّي قوله: تَرَى أو تُرَاءَى عند معقد غرزها ... تهاويل من أجلاد هِرٍّ مووَّم٨

стр. 193

ومن ذلك قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد١: "مُذَبْذِبِين"٢ بكسر الذال الثانية. قال أبو الفتح: هو من قوله: خيالٌ لأمِّ السلسبيل ودونه ... مسيرة شهر للبريد المذبذِب٣ أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء، فهو مثل قوله: ﴿لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ٤، وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئًَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه، كما يقول البغداديون وأبو بكر معهم؛ وذلك أن ذَبَّبْتُ من ذوات الثلاثة، وذبذب من مكرر الأربعة، فهو كقولهم: عين ثرّة وثرثارة، وهو كثير في معناه. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المنصف. ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك٥ بن مزاحم وزيد بن أسلم٦ وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار وعطاء بن السائب٧ وابن يسار: "إِلَّا مَنْ ظَلَمَ"٨ بفتح الظاء واللام. قال أبو الفتح: ظَلَم وظُلِم جميعًا على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل على ذلك قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ . ومن ذلك قراءة مالك بن دينار وعيسى الثقفي وعاصم الجحدري: "والمقيمون"٩ بواو.

стр. 194

قال أبو الفتح: ارتفاع هذا على الظاهر الذي لا نظر فيه؛ وإنما الكلام في "المقيمين" بالياء، واختلاف الناس فيه معروف، فلا وجه للتشاغل بإعادته؛ لكن رفعه في هذه القراءة يمنع من توهمه مع الياء مجرورًا؛ أي: يؤمنون بما أَنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، وهذا واضح. ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى"١ اسم الله نصب. قال أبو الفتح: يشهد لهذه قوله -جل وعز- حكاية عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٢، وغير من الآي "٤٧ظ" التي فيه كلامه لله تعالى. ومن ذلك قراءة العامة: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٣ بالفتح، وقراءة الحسن: "إِنْ يَكُونُ" بكسر الألف. قال أبو الفتح: هذه القراءة توجب رفع يكون، ولم يذكر ابن مجاهد إعراب يكون؛ وإنما يجب رفعه لأن "إن" هنا نفي كقولك: ما يكون له ولد، وهذا قاطع. ومن ذلك قراءة مسلمة: "فَسَيَحْشُرْهُمْ"٤ "فَيُعَذِّبْهُم" ساكنة الراء والباء. قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا، وأنه إنما يسكن استثقالًا للضمة. نعم، وربما كان العمل خَلْسًا فظُن سكونًا، وقد سبقت شواهد السكون بما فيه.

стр. 195

سورة المائدة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ذلك قراءة الحسن وإبراهيم ويحيى بن وَثَّاب: "وَأَنْتُمْ حُرْم"١ بإسكان الراء. قال أبو الفتح: هذه اللغة تميمية، يقول في رُسُل: رُسْل، وفي كُتُب: كُتْب، وفي دجاج بُيُض٢: دجاج بِيض؛ وذلك أنه صار إلى فُعْل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت: بِيض. واعلم من بعد هذا أن إسكان "حُرْم" كأن له مزية على إسكان كُتُب؛ وذلك أن في الراء تكريرًا، فكادت تكون الراء الساكنة لما فيها من التكرير في حكم المتحركة لزيادة الصوت بالتكرير نحوًا من زيادته بالحركة، وكذلك الكلام في جِراب وجُرُب وسِراج وسُرُج، وكذلك القول فيما جاء عنهم من تكسير فرد على أفراد، فيه هذا المعنى الذي ذكرناه؛ وذلك أن التكرير في راء فرد كاد يكون كالحركة فيها فصار "فَرْد" وإن كان فَعْلًا ساكن العين، كأنه فَعْلٌ محركها، وقد تقصيت في هذا كتاب المحاسن وبسطته هناك ونظائره. ومن ذلك قراءة أبي واقد والجراح ونُبَيْج والحسن بن عمران: "فِاصْطادُوا"٣ بكسر الفاء. قال أبو الفتح: هذه القراءة ظاهرة الإشكال؛ وذلك أنه لا داعي إلى إمالة فتحة هذه الفاء كما أُميلت فتحة الراء الأولى من الضرر لكسرة الثانية، وكما أُميلت فتحة النون من قولهم: "وإنا إليه راجعون"؛ لكسر الهمزة، ونحو ذلك. فمن هنا أَشْكل أمر هذه الإمالة، إلا أن هنا ضربًا من التعلل صالحًا؛ وهو أنه لك أن تقول: فاصطادوا، فتميل الألف بعد الطاء إذ كانت منقلبة عن ياء الصيد، فإن قلت: فهناك الطاء، فهلَّا منعت الإمالة، وكذلك الصاد.

стр. 196

قيل: إن حروف الاستعلاء لا تمنع الإمالة في الفعل؛ إنما تمنع منها في الاسم، نحو: طالب وظالم، فأما في الفعل فلا، ألا تراهم كيف أمالوا طغى وقضى وهناك حرفان مستعليان مفتوحان؟ وسبب ذلك إيغال الأفعال في الاعتلال، وأنها أقعد فيه من الأسماء. فإن قلت: فإنه لم يُحكَ في الطاء إمالة. قيل: هي وإن لم تسمع معرضة، والكلمة لها معرضة فكأنها لذلك ملفوظ، كما أن مَن قال في الوقف هذا ماشْ، فأمال مع سكون الشين نظرًا إلى الكسرة إذا وصل فقال: هذا ماش، وكما أن من قال: أغزيت نظر إلى وجوب الياء في "٤٨و" المضارع لانكسار ما قبل الواو في يُغزى، وكما أن من أعلَّ يخاف وأصلها يَخْوَفُ نظر إلى اعتلالها في الماضي وأصلها خَوِف، ولولا ذلك لوجب أَغْزَوْتُ ويَخْوَفُ؛ لأنه لا علة فيهما في مكانهما، وكما أن من قال في الإضافة إلى الصِّعِق١ صِعْقِي أقر كسرة الصاد مع فتحة العين نظرًا إلى أصل ما كان عليه من كسرة العين، ولذلك نظائر. وإن شئت قلت: لما كان يقول في الابتداء: اصطادوا، فيكسر همزة الوصل، نظر إليها بعد حذف الهمزة فقال: "فِاصطادوا" تصورًا لكسرة الهمزة إذا ابتدأت فقلت: اصطادوا. فهذا وجه ثانٍ لما مضى. ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَلا يُجْرِمَنَّكُم" بضم الياء "شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ يصَدُّوكُمْ"٢ بكسر الألف. قال أبو الفتح: في هذه القراءة ضعف؛ وذلك لأنه جزم بإن ولم يأتِ لها بجواب مجزوم أو بالفاء، كقولك: إن تزرني أعطك درهمًا أو فلك درهم، ولو قلت: إن تزرني أعطيتك درهمًا قبح لما ذكرنا؛ وإنما بابه الشعر: إن يسمعوا رِيبة طاروا لها فرحًا ... يومًا وما سمعوا من صالح دفنوا٣

стр. 197

ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وأَكيلُ السَّبُع"١. قال أبو الفتح: ذهب بالتذكير إلى الجنس والعموم، حتى كأنه قال: وما أكل السبع، ولو قال ذلك لما كان لفظ "ما" إلا إلى التذكير، والأَكيل هنا إذن يصلح للمذكر والمؤنث، وأما الأَكيلة فكالنطيحة والذبيحة، اسم للمأكول والمنطوح كالضحية والبلية في قوله: مثل البليَّة قالصا أهدامُها٢ فنقول على هذا: مررت بشاة أكيل؛ أي: قد أكلها السبع ونحوه، وتقول: ما لنا طعام إلا الأَكلية؛ أي: الشاة أو الجزور المعدة لأن تؤكل، فإن كانت قد أُكلت فهي أَكيل بلا هاء، وكذلك أَكيل السبع هنا ما قد أَكل السبع بعضه. ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "غَيْرَ مُتَجَنِّفٍ لإِثْمٍ"٣ بغير ألف. قال أبو الفتح: كأن متجنفًا أبلغ وأقوى معنى من متجانف؛ وذلك لتشديد العين، وموضوعها لقوة المعنى بها نحو تَصوَّن هو أبلغ من تصاون؛ لأن تصون أوغل في ذلك، فصح له وعرف به، وأما تصاون فكأنه أظهر من ذلك وقد يكون عليه، وكثيرًا ما لا يكون عليه، ألا ترى إلى قوله: إذا تخازرتُ وما بي من خَزر٤ فصار متجنِّف بمعنى مُتَمَيِّل ومتَثنٍّ، ومتجانف كمتمايل، ومتأَوِّد أبلغ من متاوِد، وعليه قراءة عبد الله بن أبي إسحاق والأشهب العُقيلي: "يُرَءُّون الناس"؛ أي: يُكرهونَهم على أن يروهم على ما يتجمَّلون به، ويراءُون يتصنعون لذلك فربما تم لهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.

стр. 198

ومن ذلك قراءة أبي رزين: "مُكْلِبين"١ ساكنة الكاف. قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "مُكْلبين" من قولهم: آسدتُ الكلب؛ أي: أغريته، وكذلك إكلاب الجوارح هو إغراؤها بالصيد وإسآدها عليه٢ ليكون كالكلب الكلِب، كلِب وأكلبته كضرِي "٤٨ظ" وأضريته، وغَرِي وأغريته، وأَسِدَ وآسدته، وعَرِص وأعرصته٣، وهَبِصَ وأَهْبَصْتُه٤. ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: "وَأَرْجُلُكُم"٥ بالرفع. قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون رفعه بالابتداء والخبر محذوف، دل عليه ما تقدمه من قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: وأرجلُكم واجبٌ غسلُها، أو مفروض غسلُها، أو مغسولة كغيرها، ونحو ذلك. وقد تقدم نحو هذا مما حذف خبره لدلالة ما هناك عليه، وكأنه بالرفع أقوى معنى؛ وذلك لأنه يستأنف فيرفعه على الابتداء، فيصير صاحب الجملة، وإذا نصب أو جر عطفه على ما قبله، فصار لَحَقا وتبعًا، فاعرفه. ومن ذلك قراءة الجحدري: "وَعَزَرْتُمُوهُمْ"٦ خفيفة. قال أبو الفتح: عزَرت الرجل أعزِرُه عَزْرًا: إذا حُطتَه وكنفتَه، وعزَّرْتُه: فخَّمت أمره وعظمته، وكأنه لقربه من الأزر وهو التقوية معناه أو قريبًا منه، ونحوه عَزَر٧ اللبنُ وحَزَر: إذا حمَض فاشتد، فانظر إلى تلامح كلام العرب واعْجَبْ. ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير٨ ومجاهد: "قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ"٩ بضم الياء. قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون من المؤمنين الذين يُرْهَبون ويُتَّقَوْن

стр. 199

لما لهم في نفوس الناس من العفة والورع والستر؛ وذلك أنه مَن كان في النفوس كذلك رُهب واحتُشم وأُطيع وأُعظم؛ لأن من أطاع الله سبحانه أُكرم وأُطيع، ومن عصاه امتُهن وأُضيع. والآخر: أن يكون معناه من الذين إذا وُعِظُوا رَهِبُوا وخَافُوا، فإذا أتاهم الرسول بالحق أطاعوا وخضعوا؛ أي: ليسوا ممن يركب جهله ولا يُصغي إلى ما يُحد له، فيكون كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ١، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ ٢، ونحو ذلك من الآي الدالة على رهبة المؤمنين وطاعتهم، فهذا إذن من أُخِيفَ والأول من خِيف. ومن ذلك قراءة الحسن بن عمران وأبي واقد والجراح، ورُويت عن الحسن: "فطَاوَعَتْ له نَفْسُهُ"٣. قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن يكون هذا على أن قَتْل أخيه جذبه إلى نفسه ودعاه إلى ذلك، فأجابته نفسه وطاوعته. وقراءة العامة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: حسنته له وسهلته عليه. ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "فَأُوَارِي سَوْءَةَ أَخِي"٤ بسكون الياء في "أوارِي". قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الياء في موضع النصب في نحو قوله: كأن أيديهن بالْمَوْماةِ ... أيدي جوارٍ بِتْنَ ناعماتِ٥ وقول أبي العباس: إنها من أحسن الضرورات. ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "مِنِ اجْلِ ذَلِكَ"٦ غير مهموز والنون مكسورة. قال أبو الفتح: يقال: فعلت ذلك من أَجلك ومن إِجْلِك بالفتح والكسر، ومن إجلاك ومن جلَلِك ومن جلالِك ومن جَرَّاك، فيجب على هذا أن تكون قراءة أبي جعفر: "مِنِ اجْلِ ذَلِكَ"

стр. 200

على تخفيف همزة "إِجْل" بحذفها وإلقاء حركتها على نون مِن، كقولك في تخفيف: كم إبلُك "٤٩و": كم بِلُك، وفي من إبراهيم: منِ بْراهيم، وهو واضح. ومن ذلك قراءة الحسن: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ"١ بنصب الفساد. قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على فعل محذوف يدل عليه أول الكلام؛ وذلك أن قتل النفس بغير النفس من أعظم الفساد، فكأنه قال: قال أو أتى فسادًا، أو ركب فسادًا، أو أحدث فسادًا. وحذفُ الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه وإبقاء علمه ناطقًا به ودليلًا عليه مع ما يدل من غيره عليه -أكثرُ من أن يؤتى بشيء منه مع وضوح الحال به، إلا أن منه قول القطامي: فكرت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومَصرَعِه السباعا٢ فنصب السباع لأنها داخلة في الموافقة، ألا تراها إذا وافقت السباع على دمه فقد دخلت السباع في الموافقة، فيصير كأنه قال: وافقت السباع؟ وهو عندنا بعد على حذف المضاف؛ أي: آثار السباع؛ لأنها لو صادفت السباع هناك لأكلتها أيضًا، وهناك مضاف آخر محذوف؛ أي: صادفت السباع على أشلائه وبقاياه، لأنها إذا وافقت آثار السباع على دمه ومصرعه؛ فإنما وافقت بقاياه لا جميعه. وسمعت سنة خمس وخمسين غلامًا حدثًا من عُقيل ومعه سيف في يده، فقال له بعض الحاضرين وكنا مُصْحِرين: يا أعرابي، سيفك هذا يقطع البطيخ؟ فقال: إي والله وغواربَ الرجل، فنصب الغوارب على ذلك؛ أي: ويقطع غواربَ الرجال. ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم والسلمي: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ"٣ بالياء ورفع الميم.

стр. 201

قال ابن مجاهد: وهو خطأ. قال: وقال الأعرج: لا أعرف في العربية "أفحكمُ"، وقرأ: "أفحكمَ" نصبًا. وقرأ الأعمش: "أفَحكَمَ الجاهلية"١ بفتح الحاء والكاف والميم. قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف؛ لكنه وجه غيره أقوى منه، وهو جائز في الشعر، قال أبو النجم: قد أصبحَتْ أَمُّ الخيار تدَّعي ... عليَّ ذنبًا كلُّه لم أصنع٢ أي: لم أصنعه، فحذف الهاء. نعم، ولو نصب فقال: "كلَّه" لم ينكسر الوزن، فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرروة مطلقة؛ بل لأن له وجهًا من القياس، وهو تشبيه عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة، وهو إلى الحال أقرب؛ لأنها ضرب من الخبر، فالصفة كقولهم: الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت؛ أي: أكرمته وأهنته، والحال كقولهم: مررت بهند يضرب زيد؛ أي: يضربها زيد، فحذف عائد الحال وهو في الصفة أمثل؛ لشبه الصفة بالصلة في نحو قولهم: أكرمت الذي أهنت؛ أي: أهنته، ومررت بالتي لقيتُ؛ أي: لقيتها، فغير بعيد أن يكون قوله: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ" يراد به يبغونه، ثم يُحْذَف الضمير، وهذا وإن كانت فيه صنعة فإن ليس بخطأ. وفيه من بَعْدِ هذا شيئان نذكرهما: الأول: وهو أن قوله: "كله لم أصنع" وإن كان قد حذف منه الضمير، فإنه قد خلفه وأُعيض منه ما يقوم مقامه في اللفظ؛ لأنه يعاقبه ولا يجتمع معه، وهو حرف الإطلاق؛ أعني: الياء في "أصنعي"، فلما حضر ما يعاقب الهاء فلا يجتمع معها صارت لذلك كأنها حاضرة "٤٩ظ" غير محذوفة، فهذا وجه. والثاني: أن هناك همزة استفهام، فهو أشد لتسليط الفعل، ألا ترى أنك تقول: زيد ضربته فيختار الرفع، فإذا جاء همزة الاستفهام اخترت النصب ألبتة، فقلت: أزيدًا ضربته، فنصبته بفعل مضمر يكون هذا الظاهر تفسيرًا له. فإذا قلت: "أفحكمَ الجاهلية تبغون" ولم تُعد ضميرًا ولا عوضت منه ما يعاقبه، وحرف الاستفهام

стр. 202

الذي يختار معه النصب والضمير ملفوظ به موجود معك، فتكاد الحال تختلف على فساد الرفع، وبإزاء هذا أنه لو نصب فقال: "كلَّه لم أصنع" لما كَسَر وزنًا، فهذا يؤنسك بالرفع في القراءة. وإن شئت لم تجعل قوله "يبغون" خبرًا؛ بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، فكأنه قال: أفحكمُ الجاهلية حكمٌ يبغونه، ثم حذف الموصوف الذي هو حكم، وأقام الجملة التي هي صفته مقامه؛ أعني: يبغون، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ١ أي: قوم يحرفون، فحُذف الموصوف وأُقيمت الصفة مقامه، وعليه قوله: وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح٢ أي: فمنهما تارة أموت فيها، فحذف تارة وأقام الجملة التي هي صفتها نائبة عنها فصار أموت فيها، ثم حذف حرف الجر فصار التقدير أموتها، ثم حذف الضمير فصار أموت. ومثله في الحذف من هذا الضرب؛ بل هو أطول منه: تروَّحي يا خيرَةَ الفَسيلِ ... تروَّحي أجدرَ أن تقيلي٣ أصله: ائتي مكانًا أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف الفعل الذي هو "ائتي" لدلالة تروحي عليه، فصار مكانًا أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الموصوف الذي هو مكانًا فصار تقديره أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الباء أيضًا تخفيفًا فصار أجدر أن تقيلي فيه، ثم حذف حرف الجر فصار أجدر أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار أجدر أن تقيلي. ففيه إذن خمسة أعمال؛ وهي: حذف الفعل الناصب، ثم حذف الموصوف، ثم حذف الباء، ثم حذف "في"، ثم حذف الهاء، فتلك خمسة أعمال. وهناك وجه سادس؛ وهو أن أصله: ائتي مكانًا أجدر بأن تقيلي فيه من غيره، كما تقول: مررت برجل أحسن من فلان، وأنت أكرمُ عليَّ من غيرك. فإذا جاز في الكلام توالي هذه الحذوف ولم يكن معيبًا ولا مَشِينًا ولا مُستكرَهًا كان حذف الهاء من قوله تعالى: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ"، والمراد به حكمٌ يبغونه، ثم حذف الموصوف وعائده أسوغ وأسهل وأسير. وأما قوله:

стр. 203

"أَفَحَكَمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ" فيمن قرأه كذلك، فأمره ظاهر في إعرابه، غير أن "حَكَمًا" هنا ليس مقصودًا به قصد حاكم بعينه؛ وإنما هو بمعنى الشِّياع والجنس؛ أي: أفحكامَ الجاهلية يبغون؟ وجاز للمضاف أن يقع جنسًا كما جاء عنهم في الحديث من قولهم: منعت العراق قَفِيزها١ ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وله نظائر. ثم يرجع المعنى من بعد إلى أن معناه معنى: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ"؛ لأنه ليس المراد والْمَبْغيّ هنا نفس "٥٠و" الحكام، فإنما المبغي نفس الحُكْم، فهو إذن على حذف المضاف؛ أي: أفحُكمَ حَكَمِ الجاهلية يبغون؟ وهذا هو الأول في المعنى، فاعرف ذلك. ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "فَيرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ"٢ بالياء. قال أبو الفتح: فاعل يرى مضمر دلت عليه الحال؛ أي: فيرى رائيهم ومتأمِّلُهم، والذين في موضع نصب كقراءة الجماعة، وقد كثر إضمار الفاعل لدلالة الكلام عليه، كقولهم: إذا كان غدًا فائتني؛ أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في غد فائتني، وهو كثير، ودل عليه أيضًا القراءة العامة؛ أي: فترى أنت يا محمد -أو يا حاضر- الحال الذين في قلوبهم مرض يسارعون في ولاء المشركين ونصرهم. ومن ذلك قراءة الحسن وابن هُرْمُز وابن عمران ونُبيج وابن بريدة: "مَثْوبة"٣ ساكنة الثاء. قال أبو الفتح: هذا مما خرج على أصله، شاذًّا عن بابه وحال نظائره، ومثله مما يحكى عنهم من قولهم: الفُكاهة مَقْوَدةٌ إلى الأذى، وقياسهما مَثابة ومَقادة، كما جاء عنهم من منامة وهي القطيفة، ومزادة، ومثله مزْيد، وقياسه مزاد، إلا أن مَزْيَدًا عَلَم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره في الأجناس، نحو: مَحبب ومَكوزة ومريم ومدين ومعد يكرب ورجاء بن حيوة، ومنه: موظب ومورق اسم رجلين، ومَثْوَبة مَفْعَلةٌ ومَثُوبة مَفْعُلة، ونظيرها الْمَبْطَخة والْمَبْطُخة والمشرَفة والمشرُفة، وأصل مَثُوبَة مَثْوُبَة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وأما مئونة

стр. 204

فمختلف فيها، فمذهب سيبويه أنها فَعُولة من مُنت الرجل أَمونه، وأصلها مَوُونة بلا همز، كما تقول في فَعول من القيام: قَوُوم، ومن النوم: نَوُوم، ثم تُهمز الواو استحسانًا للزوم الضمة لها؛ فتصير مئونة. وقال غيره: هي مَفْعُلة من الأَوْن؛ وهو الثِّقْل من قول رؤبة: سِرًّا وقد أوَّن تأْوينَ العُقُق١ أي: ثقلت أجوافهن فصار كأن هناك أَونَين؛ أي: عِدْلين، فمئونة على هذا كمعونة، هذا من الأَوْن، وهذا من الْمَوْن، وأجاز الفراء أن تكون من الأَيْن -وهو التعب- من حيث كانت المئونة ثِقْلًا على ملتزها، فسلك الفراء في هذا مذهب أبي الحسن في قوله في مَفْعُلَة من البيع: مَبْوُعَة، وحجته في هذا ما سمع منهم في قول الشاعر: وكنتُ إذا جارِي دَعَا لمضوفة ... أُشَمِّر حتى يَنْصُفَ الساقَ مئزري٢ وهي من الضيف. والكلام هنا يطول، وقد أشبعناه في كتابنا المنصف٣. ومن ذلك ما يُروى في قول الله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٤، وهو عشر قراءات: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ على فَعَل ونصب الطاغوت. "وعَبُدَ الطاغوتِ" بفتح العين، وضم الباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت، وهما في السبعة. ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والأعمش، وأبان بن تغلب، وعلي بن صالح، وشيبان: "وعُبُد الطاغوتِ"بضم العين والباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت. وروى عكرمة عن ابن عباس: "وعُبَّدَ الطاغوتِ" "٥٠ظ" بضم العين، وفتح الباء وتشديدها، وفتح الدال، وخفض الطاغوت.

стр. 205

وأبو واقد: "وعُبَّادَ الطاغوتِ"، و"وعِبَادَ الطاغوتِ" قراءة البصريين١. وقال معاذ: قرأ بعضهم: "وعُبِدُ الطاغوتُ"، كقولك: ضُرب زيد لم يسم فاعله. وقرأ عون العقيلي٢ وابن بُرَيدة: "وعابِدَ الطاغوتِ". وقرأ أبي بن كعب: "وعَبدُوا الطاغوتَ" بواو. وقرأ ابن مسعود فيما رواه عبد الغفار عن علقمة٣ عنه: "وعُبَدَ الطاغوتِ" كصُرد. قال أبو الفتح: أما قوله: "وعَبد الطاغوتَ" فماض معطوف على قوله سبحانه: "وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ". وأما "وعَبُد الطاغوتِ" فاسم على فَعُل. قال أبو الحسن: جاء به نحو حَذُر وفَطُن. قال: وأما "وعُبُدَ" فجمع عبيد، وأنشد: انسب العبدَ إلى آبائه ... أسود الجلد ومن قوم عُبُد٤ هكذا قال أبو الحسن، وقد يجوز أن يكون عُبُد جمع عَبْد، كرَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف، ومن جهة أحمد بن يحيى: عُبُد جمع عابد، وهذا صحيح، كبازل وبُزُل، وشارف وشُرُف. وقال أبو الحسن: والمعنى -فيما يقال- خَدمُ الطاغوت. وأما "عُبَّد الطاغوت" فجمع عابد، ومثله عُبَّاد، كضارب وضُرَّب وضُرَّاب، وعليه القراءتان: "عُبَّد الطاغوت" و"عُبَّاد الطاغوت"، وعليه قراءة من قرأ: "وعِبَادَ الطاغوت"، عابد وعباد، كقائم وقيام، وصائم وصيام. وقد يجوز أن يكون "عِبَادَ الطاغوت" جمع عَبْد، وقلما يأتي عِباد مضافًا إلى غير الله. وقد أنشد سيبويه: أتوعدني بقومك يابن حَجْل ... أُشَاباتٍ يُخالون العِبادَا٥

стр. 206

يريد: عبيدًا لبني آدم، ولا يجوز أن يكون في المعنى عباد الله، لأن هذا ما لا يُسب به أحد، والناس كلهم عباد الله تعالى١، وأما قول الآخر: لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن ما سرني أنَّ إبْلي في مبارِكها ... وأن شيئًا قضاه الله لم يكن فيحتمل أن يكون جمع عبد، إلا أنه أنثه فصار كَذِكارة٢ وحجارة وقصارة، جمع قصير. ويجوز أن تكون العبادة هنا مصدرًا؛ أي: أنا عبد في طاعته. وأما "عُبِدَ الطاغوتُ" فظاهر، وعليه قراءة أُبي: "وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ" بواو. وأما "وعابِدَ الطاغوتِ" فهو في الإفراد كعبد الطاغوت، واحد في معنى جماعة على ما مضى. وعليه أيضًا: "وعُبَد الطاغوتِ" لأنه كحُطَم٣ ولُبَد٤، كما أن عبُدًا كندُسٍ٥ وحذُرٍ ووظيف عَجُرٍ٦، ومن جهة أحمد بن يحيى "وعَبُدَ الطاغوتُ" أي: صار الطاغوتُ معبودًا؛ كفقُه الرجل وظرف: صار فقيهًا وظريفًا، ومن جهته أيضًا: "وعبدَ الطاغوتِ" وقال: أراد عبَدَة فحذف الهاء، قال: ويقال: عَبَدة الطاغوتِ والأوثان، ويقال للمسلمين: عُبَّاد. ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "والصَّابِيُون"٧ يثبت الياء ولا يهمز. وقرأ: "الصابُون" بغير همز ولا ياء أبو جعفر وشيبة، و"الخاطون"٨ و"مُتَّكُون"٩. قال أبو الفتح "٥١و": أما "الصابيون" بياء غير مهموزة، فعلى قياس قول أبي الحسن في "يستهزئون": يَستهزيُون بياء غير مهموزة، ويحتمل ذلك فيها لتقدير الهمزة في أصلها؛ فيكون ذلك فرقًا بينها وبين ياء يَسْتَقْضُون، ألا ترى أن أصله يستقضِيوه، كما فرَّق

стр. 207

أبو الحسن بقوله في مثل عنكبوت من قرأت: قرْأَيوُت بضمة الياء بينه وبين مثال عنكبوت من رميت رَمْيَوُوت. وأصلها رَمْيَيُوت، وقد مضى هذا في موضعه. وأما "الصابُونَ" و"مُتَّكُون" فعلى إبدال الهمزة ألبتة، فصارت كالصابون من صبوت، وكمتَجَنُّون من تَجَنَّيْتُ، والوجه أن يكون الصابيون بلا همز تخفيفًا لا بدلًا، وإن جعلته بدلًا مُراعي به أولية حاله كقرْأَيوت جاز أيضًا. ومن ذلك قراءة عثمان وأُبي بن كعب وعائشة وسعيد بن جبير والجحدري ﵃: "والصابِيين" بياء. قال أبو الفتح: الخطب في هذا أيسر من "الصابيون" بالرفع؛ لأن النصب على ظاهره؛ وإنما الرفع يحتاج إلى أن يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى على ما يقال في هذا، حتى كأنه قال: لا خوف عليهم ولاهم يحزنون والصابئون كذلك. ومن ذلك قراءة يحيى والنخعي: "ثُمَّ عُمُوا وَصُمُّوا"١ بضم العين والصاد. قال أبو الفتح: يجب أن يكون هذا على تقدير فُعِلَ، كقولهم: زُكِمَ وأزكمه الله، وحُمَّ وأَحَمَّه الله، فكذلك هذا أيضًا، جاء على عُمِي وصُمَّ، وأعماه الله وأصمه الله، ولا يقال: عَمَيتُه ولا صَممْته، كما لا يقال: زكَمه الله ولا حَمَّه، فاعرف ذلك. ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهَالِيكُمْ"٢. قال أبو الفتح: يقال أَهل وأَهْلَة، قال: وأَهْلةِ وُدٍّ قد تَبَرَّيْتُ ودَّهم ... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي٣

стр. 208

فأما أهالٍ فكقولهم: ليالٍ؛ كأن واحدها أهلاة وليلاة، وقد مر بنا تصديقًا لقول سيبويه: فإن واحده في التقدير ليلاة -ما أنشده ابن الأعرابي من قوله: في كل يوم ما وكل ليلاهْ ... حتى يقول من رآه إذ رآهْ يا ويحه من جمل ما أَشقاهْ١ ومن ذهب إلى أن "أهالٍ" جمع أهلون فقد أساء المذهب؛ لأن هذا الجمع لم يأتِ فيه تكسير قط، قل الشنفرى: ولي دونكم أهلون سِيد عملَّسٌ ... وأرقط زهلول وعرفاء جيئل٢ ونحو من ذلك أرض وأراضٍ، القول فيهما واحد، ويقال: أرض وأرَضُون وأَرْضون، بفتح الراء وتسكينها أيضًا. قال كعب بن معدان الأشقري: لقد ضجت الأَرْضون إذ قام من بنى ... هَداد خطيبٌ فوق أعواد منبر٣ وحكى أبو زيد فيه: أَرَض، وقيل: آراض. وأسكن الياء من أهاليكم في موضع النصب تشبيهًا لها بالألف، وقد سبق مثل ذلك. ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومحمد بن السميفغ: "أو كإِسْوتِهِم"٤ من الإِسْوة. قال٥ أبو الفتح: كأنه -والله أعلم- قال: أو كما يكفي مثلهم، فهو على حذف المضاف، أو ككفاية إسوتهم، وإن شئت جعلت الإسوة هي الكفاية ولم تحتج "٥١ظ" إلى حذف المضاف. ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "فجزاءٌ"٦ رفع منون، "مثلَ" بالنصب. قال أبو الفتح: "مثلَ" منصوبة بنفس الجزاء؛ أي: فعليه أن يجزِي مِثْلَ ما قَتَلَ، "فمثلَ" إذن

стр. 209

في صلة الجزاء، والجزاء مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ أي: فعليه جزاءٌ مثلَ ما قتل، أو فالواجب عليه جزاءٌ مثل ما قتل، فلما نوَّن المصدر أَعمله كقوله: بضربٍ بالسيوف رءوسَ قوم ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عن الْمَقيل١ ومن ذلك قراءة محمد بن علي وجعفر بن محمد: "يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ مِنْكُمْ"٢. قال أبو الفتح: لم يوحِّد ذو؛ لأن الواحد يكفي في الحكم؛ لكنه أراد معنى مَنْ؛ أي: يحكم به مَنْ يعدل، ومن تكون للاثنين كما تكون للواحد، نحو قوله: نَكُنْ مثلَ من يا ذئبُ يصطحبانِ٣ ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حَرَمًا"٤. قال أبو الفتح: معنى "حَرَمًا" راجع إلى معنى قراءة الجماعة "حُرُمًا"؛ وذلك أن الْحُرُم جمع حرام، والْحَرَم المحرَّم، فهو في المعنى مفعول، فجعلهم حَرَمًا؛ أي: هم في امتناعهم مما يمتنع منع الْمُحْرِم، وامتناع ذلك أيضًا منهم كالْحَرَم، فالمعنينان إذن واحد من حيث أَرينا. ومن ذلك قراءة إبراهيم: "قد سِالَهَا"٥ بكسر السين. قال أبو الفتح: يعني ويريد الإمالة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدًا إلا مفتوحًا، ووجه الإمالة أنه على لغة من قال: سِلتَ تسال، فهي في هذه اللغة كخفتَ تخاف، فالإمالة إذن إنما

стр. 210

جاءت لانكسار ما قبل اللام سِلت، كمجيئها في خاف١ لمجيء الكسرة في خاءِ خِفت، ويدلك على أن هذه اللغة من الواو لا من الهمزة ما حدثنا به أبو علي من قوله: هما يتساولان، وهذه دلالة على ما ذكرنا قاطعة. ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يضُرْكُم"٢، وقراءة إبرهيم: "لا يَضِرْكُم". قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: ضاره يَضيره، وضاره يَضُوره، وضرَّه يَضُرَّه، وضَرَّه يَضِرَّه -بكسر الضاد وتشديد الراء- وهي غريبة؛ أعني: يفعِل في المضاعف متعدية، وقد ذكرناها وقراءة من قرأ: "لَنْ يَضِرُّوا اللَّهَ شَيْئًا"٣، وجزم يَضُرْكم ويَضِرْكم لأنه جُعل جواب الأمر؛ أعني قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ويجوز أن تكون "لا" هنا نهيًا كقولك: لا تقم إذا قام غيرك، والأول أجود. ومن ذلك قراءة الأعرج والشعبي٤ والحسن والأشهب: "شهادةٌ بَيْنَكم"٥ رفع، وعن الأعرج بخلاف: "شهادةً بينَكم" نصب. قال أبو الفتح: أما الرفع بالتنوين فعلى سمت قراءة العامة ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بالإضافة، فحذف التنوين فانجرَّ الاسم. وأما "شهادةً بينَكم" بالنصب والتنوين، فنصبها على فعل مضمر؛ أي: ليُقِمْ شهادةً بينكم اثنان ذوا عدل منكم، كما أن من رفع فنَوَّن أو لم يُنوِّن فهو على نحو من هذا؛ أي: مقيمُ شهادةِ بينِكم أو شهادةٍ بينَكم اثنان ذوا عدل منكم، ثم حُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وإن شئت كان "٢٥و" المضاف محذوفًا من آخر الكلام؛ أي: شهادةٌ بينَكم شهادةُ اثنين ذوَي عدل منكم؛ أي: ينبغي أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا.

стр. 211

ومن ذلك قراءة علي -كرم الله وجهه- والشعبي بخلاف ونعيم بن ميسرة١: "شهادةً آلله"٢. ورُوي عن الشعبي: "شهادةً أًللهِ" مقصور وينون شهادة. ورُوي عنه أيضًا: "شهادهْ آللهِ" مجزومة الهاء ممدودة الألف. ورُوي عنه "شهادهْ أللهِ" بجزم شهادة وقصر الله. فهذه أربعة أوجه رُويت عن الشعبي، وتابعه على "شهادةً أَللهِ" السلمي ويحيى وإبراهيم وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر والحسن والكلبي. قال أبو الفتح: أما "شهادةً" فهي أعم من قراءة الجماعة: ﴿شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ بالإضافة، غير أنها بالإضافة أفخم وأشرف وأحرى بترك كتمانها لإضافتها إلى الله سبحانه، وأما "ألله" مقصورة بالجر فحكاها سيبويه: أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: أللهِ لقد كان كذا، قال: وذلك لكثرة الاستعمال. وأما "آلله" بالمد، فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضًا من حرف القسم، ألا تراك لا تجمع بينهما فتقول: أولله لأفعلن؟ وأما سكون هاء "شهادة"، فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن؛ وذلك ليُستأنف القسم في أول الكلام فيكون أوقر له وأشد هيبة من أن يدرج في عرض القول؛ وذلك أن القسم ضرب من الخبر يُذْكَر ليؤكد به خبر آخر، فلما كان موضع توكيد مُكِّنَ من صدر الكلام، وأُعطي صورة الإعلاء والإعظام. ويزيد في وضوح هذا المعنى وبيانه أنه لما نون شهادة فأَدرج وقَّر الهمزة عن حذفها كما يجب فيها من حيث كانت همزة وصل، فأقرها مقطوعة كما تُقطع مبتدأة، فقد جمع في هذه القراءة بين حالي الوصل والوقف. أما الوصل فلتنوين شهادة، وأما الوقف فلإثباته همزة الوصل التي إنما تُقطع إذا وُقف على ما قبلها ثم استؤنفت، والعناية بقطعها واستئنافها ما قدمت ذكره لك من تمكن حال القسم بتوفية

стр. 212

اللفظ جميع وجوهها، وقُطع ليكون في حال إدراجها في لفظ المبدوء بها لا الآتية مأتى النَّيِّف الذي لم يُوَفَّ من صدر الكلام ما يجب لها، فافهمه. ويؤكد عندك شدة الاهتمام بهذا القسم لما فيه مجيئُه وحرفُ الاستفهام قبله، فكأنه- والله أعلم- قال: أنقسم بالله إنا إذن لمن الظالمين"١، ففي هذا تهيب منهم للموضع، وتكعكع٢ عن القسم عليه باستحقاق الظلم عنه؛ كأنه يريد القسم بالله عليه كما أقسم في الأخرى بلا استفهام، ثم إنه هاب ذلك فأخذ يشاور في ذلك كالقائل: أَؤُقدِم على هذه اليمين يا فلان أم أتوقف عنها؛ إعظامها لها ولا أرتكب ما أُقسِم عليه بها؟

стр. 213

سورة الأنعام: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن ذلك قراءة الأعرج: "وهُمْ لا يُفْرِطُون"١. قال أبو الفتح: يقال: أفرط في الأمر إذا زاد فيه، وفرَّط فيه "٥٢ظ": إذا قصَّر، فكما أن قراءة العامة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾ : لا يقصرون فيما يؤمرون به من تَوَفِّي من تحضر منيته، فكذلك أيضًا لا يزيدون، ولا يَتَوَفَّوْنَ إلا من أُمروا بتَوَفِّيه. ونظيره قوله جل وعز: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار﴾ ٢. ومن ذلك قراءة أُبي وابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن يزيد المدني ويعقوب، ورُويت عن سليمان التيمي٣: "لِأَبِيهِ آزَرُ"٤. وقرأ ابن عباس بخلاف: "أَأَزْرًا نَتَّخِذ" بهمزتين، واستفهام، وينصبهما، وينون. وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام: "أَئزرًا" مسكورة الألف منونة "تتَّخذ". قال أبو الفتح: أما "آزَرُ" فنداء، وأما "أَئِزْرًا" فقيل: "إِزْرًا" هو الصنم، و"أَزْرًا" بالفتح أيضًا. ومن ذلك قراءة الأعرج: "قَنْوَان"٥ بالفتح. قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون قَنْوَان هذا اسمًا للجمع غير مكسر، بمنزلة رَكْب عند سيبويه والجامل والباقر٦؛ وذلك أن فَعْلان ليس من أمثلة الجمع.

стр. 214

وقرأت على أبي علي في بعض كتب أبي زيد قوله: خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شَجَرُ العُرا وعُرَاعِرُ الأقوام١ وقال أبو زيد: عُراعِر جمع عُرْعُرة، فقلت لأبي علي: كيف يكون هذا وأوله مضموم؟ فقال -يعني أبو زيد: إنه اسم للجمع يفيد مفاد التكسير. ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "وخَلْقَهم"٢ بجزم اللام. قال أبو الفتح: أي وخَلْق الجن، يعني ما يَخْلُقونه: ما يأفكون فيه ويتكذَّبونه. يقول: جعلوا له الجن شركاء، وأفعالهم شركاء أفعاله أو شركاء له إذا عَني بذلك الأصنام ونحوها. ومن ذلك قراءة عمر وابن عباس ﵄: "وحَرَّفُوا له" بالحاء والفاء. وقال أبو الفتح: هذا شاهد بكذبهم، ومثله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣ وأصله من الانحراف؛ أي: الانعدال عن القصد، وكلاهما من حرْفِ الشيء؛ لأنه زائل عن المقابلة والمعادلة، وهو أيضًا معنى قراءة الجماعة: ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالخاء والقاف، ومعنى الجميع: كَذبوا. ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وَلَم يَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ"٤ بالياء. قال أبو الفتح: يحتمل التذكير هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون في "يكن" ضمير اسم الله؛ أي: لم يكن الله له صاحبة، وتكون الجملة التي هي "له صاحبة" خبر كان. والثاني: أن يكون في "يكن" ضمير الشأن والحديث على شريطة التفسير، وتكون الجملة بعده تفسيرًا له وخبرًا، كقولك: كان زيد قائم؛ أي: كان الحديث والشأن زيد قائم.

стр. 215

والثالث: أن تكون "صاحبة" اسم "كان"، وجاز التذكير هنا للفصل بين الفاعل والفعل بالظرف الذي هو الخبر؛ كقولنا: كان في الدار هند. ومثل ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: حضر القاضيَ اليوم امرأةٌ. وأنا أرى أن تذكير "كان" مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير الأفعال سواها وسوى أخواتها مع فاعليها. وكان في الدار هند أسوغ من قام في الداره هند؛ وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله؛ لأن الفعل انطبع "٥٣و" بالفاعل حتى اكتسى لفظه من تأنيثه، فقيل: قامت هند وانطلقت جُمْل، من حيث كان الفعل والفاعل يجريان مجرى الجزء الواحد، وإنما كان ذلك كذلك لأن كل واحد منهما لا يستغني عن صاحبه، فأنث الفعل إيذانًا بأن الفاعل الموقع بعده مؤنث، وليس كذلك حديث كان وأخواتها؛ لأنه ليست "كان" مع اسمها كالجزء الواحد، من قِبَل أنك لو حذفت "كان" لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت في قولك: كان أخوك جالسًا: أخوك جالس، فلما أن قام ما بعدها برأسه، ولم يحتج إليها؛ لم يتصل به اتصال الفاعل بفعله، نحو: قام جفعر وجلس بِشر. ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءًا برأسه، فلم يستقل بنفسه استقلال الجملة بعد "كان" بنفسها؟ فلما لم تَقْوَ حاجته إلى "كان" قوة حاجة الفاعل إلى الفعل انحطت رتبته في حاجته إلى "كان"، فامتاز منها امتيازًا قد أحطنا به، فساغ لذلك ألا يلزم تأنيث "كان" لاسمها إذا كان مونثًا تأنيث الفعل لفاعله إذا كان مؤنثًا، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا، فافهمه؛ فإن هذه حاله. ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وقتادة، ورُويت عن الحسن: "دُرِسَتْ"١، ابن مسعود وأُبي: "دَرَسَ". ابن مسعود أيضًا: "دَرسْن".
следующие страницы →