← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خاصية الإيجابية: تمتاز الثقافة الإسلامية بأنها "إيجابية" ذلك لأن الإنسان، في مدلول الثقافة الإسلامية يعبد الله السميع البصير الخالق الرازق الفعال لما يريد ... له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وكل أسمائه وصفاته كاملة الإيجابية والفاعلية. قال جل من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١, وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ٢. وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ

стр. 37

تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. والثقافة الإسلامية "إيجابية" لأنها تلزم الإنسان بالعمل حسب طاقاته وإمكاناته ومواهبه، وتحذر بشدة من التواكل والتخاذل والتباطؤ والتكاسل ... ولهذا فهي لا ترضى للمسلم أن يكون كسولا يعيش على هامش الحياة دون أن يؤثر في الكون تأثيرا فاعلا إيجابيا، بل يجب أن يؤثر في المحيط حوله، وأن يؤثر في الناس، وأن يؤثر في دنياه ودنيا غيره ... وأن يكون إيجابيا في عقيدته متفاعلا معها، مدركا لمعانيها يحيا بكل عنصر من عناصرها، ينبض قلبه بحبها، ويسارع ليتمثل كل ركن من أركانها، فيجسده واقعا يرقى به نحو الأكمل والأفضل دائما، ويعايشه إحساسا ومشاعر وحيوية وجمالا وبهاء ... كما يكون إيجابيا في دعوته إلى الله على بصيرة وهدى. إيجابيا في مسارعته لأداء العبادات والفرائض. ولهذا فليس المسلم في عرف الثقافة الإسلامية ذلك الإنسان السلبي الذي يعيش بعيدا عن أحداث الحياة وقضاياها، لا يهمه في دنيا المسلمين أمر ولا يهزه خطب ولا يثيره حدث ولا تحرك وجدانه قضية. ويقنع بركيعات يركعها نافلة في ليل أو نهار، أو أذكار يؤديها منعزلا عن حياة الجماعة الإسلامية ... وإنما هو ذلك الإنسان المسلم الإيجابي في عقيدته، الإيجابي في دعوته، المهتم بأمر المسلمين وشئونهم، الذي يسعى جاهدا لتغيير كل واقع لا يخضع لحكم الله ولا يدين بدين الحق، وهو الذي يتمكن من أن يغير نفوس الآخرين الذين رضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فانحصرت اهتماماتهم في أهواء عابرة، ونسوا أنفسهم وضيعوا فرائض الله وتهاونوا في أداء العبادات وتقاعسوا عن أداء الحقوق إلى أصحابها، وأهل الحق عليهم. إن المسلم لا يهدأ له بال ولا يرتاح له ضمير، ولا تقر له عين ولا تطمئن له نفس حتى يرى راية الإسلام عالية خفاقة, وحتى يحس إحساسا حقيقيا أن القرآن الكريم يحكم ضمير الفرد، ويحكم تصرفات المسلمين ويحكم واقع المجتمع المسلم.

стр. 38

هذا هو المسلم في عرف الثقافة الإسلامية، وهذا ما تثيره الثقافة الإسلامية في نفسية المسلم من أحاسيس ومشاعر، إنه ليس إنسانا سلبيا يحسن إن وجد الناس قد أحسنوا، ويسيء إن وجد الناس قد أساءوا، كلا إنما هو إنسان يعمل في محيط هدفه ومبدئه وقيمه، وقد حدد الرسول ﷺ معالم شخصية الفرد المسلم بقوله: "لا تكونوا إمعة تقولوا إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تسيئوا". قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١. وقال جل من قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣. فهذه الآيات الكريمة وغيرها كثير تبين سمة الإيجابية التي يجب أن يتصف بها المسلم، لأنها ميزة مهمة من مزايا ثقافته الإسلامية، وما اتصفت به الثقافة يجب أن يبرز إلى الوجود ويتمثل في واقع الحياة سلوكا بناء وقولا مؤثرا وعاطفة بليغة وخلقا فعالا، وقوة حقيقية وطاقة معمرة تصون الحقوق، وتعطي المحروم، وتأخذ على يد الظالم، وتمنع الطغيان. والثقافة الإسلامية بخاصتها الإيجابية تشعر الفرد بأنه مكلف وأن عليه أن يبذل قصارى جهده. وهو مع ذلك مزود بالاستعدادات والمواهب والإمكانات، وأن الله سيعينه على عمله واجتهاده، يسدد خطاه، ويؤيده بنصره، وقد أبان له طريق الخير ووجهه نحوه، وأوضح له طريق الشر وأمره

стр. 39

باجتنابه، وإن قدر الله ينفذ عن طريق حركة الإنسان، وتفاعله مع الواقع ومع الحياة والأحداث. قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١ , وقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. ومن ثمرات إيجابية الثقافة الإسلامية أنها تشعر الفرد المسلم بضخامة مسئوليته وبأهميته في الحياة الدنيا وفي أحداثها ووقائعها، وأنه لم يخلق عبثا, وليس شيئا تافها وإنما هو قدر من أقدار الله، بتحركه تتحقق إرادة الله ومشيئته، وإن وجوده فوق الأرض يستوجب عملا إيجابيا بناء مستمرا دائما في ذات نفسه، وفي الآخرين من حوله، وهو خليفة الله في أرضه، والخلافة تقتضي شكر المنعم المتفضل دائما بأداء الواجبات الروحية والمالية، وأن يحرص على تطبيق منهج الله وشريعته في الحياة الإنسانية، وأن يجاهد بنفسه وماله، بيده ولسانه، بقلمه وفؤاده لدفع الفساد عن الأرض. ومن ثمرات إيجابية الثقافة الإسلامية أيضا أنها تعلي من شأن الفرد المسلم وترفع من قيمته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، المحبين، والمغرضين، وترفع من اهتماماته وغاياته وأهدافه، فيأبى أن يزاحم الناس من أجل مطالب قريبة، أو يقاتلهم حرصا على منافع شخصية، إذ المسلم أبعد هدفا من هذا كله.. إنه يحمل عبئا ثقيلا وأمانة عظيمة ورسالة قدسية تحلو في سبيلها التضحيات، ويعذب من أجل العذاب والجهاد. وهو يعمل بصمت وجدية وإخلاص من أجل أن يلقى الله تعالى وقد أدى الأمانة وسلك سبيل المصطفى ﵊، ونهج في الدعوة نهجه ودعى إلى هديه.

стр. 40

خاصية الواقعية المثالية: تمتاز الثقافة الإسلامية بميزة فريدة عظيمة تميزها عن سائر الثقافات، هذه

стр. 41

الميزة هي "الواقعية المثالية" ذلك لأن الثقافة الإسلامية تقوم أساسا على تصور اعتقادي يمتاز بالوضوح والصحة، والصدق والواقعية، ويفسر الحقائق الوجودية والآثار الإيجابية تفسيرا صادقا واقعيا، لا غموض فيه، ولا لبس، ولا مغالاة فيه ولا مجافاة للواقع. فالعقيدة الإسلامية تبين حقيقة التوحيد الإلهي، وأنه سبحانه هو الخالق المتصرف بالكائنات ... وما نرى من سماء وأفلاك، وبحار وأنهار، وإنسان ونبات، وحيوان وطير، أدلة على وجود الله وتفرده بالخلق والقدرة والإبداع.. سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العليا.. قال الله جل شأنه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. فالثقافة الإسلامية "واقعية"، لأنها تقوم على التصور العقيدي للحقيقة الإلهية، وعلى بيان آثار قدرة الله في المخلوقات المشاهدة المرئية٢. وهي "واقعية" أيضا، لأنها تعرف الإنسان على حقيقة الكون، وتدعوه للتعامل معه على النحو الذي بينته العقيدة الإسلامية.. فالكون ما هو إلا هذا

стр. 42

الوجود الخارجي الذي ندركه، والذي يتكون من السماوات والأرض والنجوم والكواكب والليل والنهار، والنور والظلام، والمطر والأحوال التي يتعرض لها هذا الكون. فالكون -في المحيط الثقافي الإسلامي- كل الخلائق التي أبدعها الله، وهي خاضعة له مسخرة بأمره عابدة له.. قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٢. والثقافة الإسلامية "واقعية"، لأنها تفسر حقيقة الإنسان، فهو إنسان مخلوق له وجوده الواقعي وهو جزء من الكيان البشري الذي له حقيقة واقعية موجودة. والإنسان ذلك المخلوق الكريم يتكون من كيان خاص له جسمه وعقله وروحه ونفسه وقلبه، وله أشواقه وميوله وأهدافه، وله غرائزه ومتطلباته، وهو في عيشته يشبع غرائزه وينمي ميوله ويسعى لتحقيق أهدافه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٣.

стр. 43

والإنسان السوي في اعتبار الثقافة الإسلامية هو ذلك الإنسان العاقل المفكر المتزن الذي يلبي أشواقه الروحية، وتطلعاته العاطفية، ويشبع غريزته الفطرية في حدود ما شرع الله وما أباح، وهو الذي يؤثر في غيره، ويبذل الخير للناس ويحملهم على قول الحق والجهر به، وعلى عمل المعروف ويحببهم فيه، ويبعدهم عن الشر ومواطنه.. وقد خالف الفطرة الإلهية والسنة المحمدية كل من قبع في صومعة منقطعا عن الحياة وما فيها من شئون وأحداث بدعوى التفرغ للعبادة يظن أنه كيان روحي فقط، وقد خالف الفطرة الإلهية والنهج المحمدي كل من يظن أنه جسم ولحم ودم وعصب وغريزة فقط، وعليه أن يطلق العنان لغرائزه تجوب في كل المواطن وتنال من كل مأثم، اعتقادا منه أن الحياة الدنيا فرصته الوحيدة، فيلغتنمها لإشباع غرائزه وتحقيق أهوائه، غير مبالٍ بما يقترف من معاصٍ وآثام، وما يصدر منه من جنح وجرائم.. هذا الإنسان الغبي، وذلك الإنسان المغالي كلاهما خارجان عن الفطرة السليمة والشرع القويم، لأنهما فقدا الاتزان والتعقل والحكمة في التصرف وفي السلوك وفي الاعتقاد.. وخير دليل على ما أقول قصة أولئك النفر الثلاثة الذين أتوا بيت رسول الله ﷺ فقال أحدهم: إني سأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فسأصوم ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلن أتزوج النساء.. فلما سمع رسول الله ﷺ بمقالتهم، بيَّن لهم فساد رأيهم وانحراف تصورهم وردهم إلى الحقيقة والواقعية قائلا: "أما إني والله لأخشاكم وأتقاكم له ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". والثقافة الإسلامية "واقعية" لأنها تقدم منهجا واقعيا شاملا للحياة البشرية فوق الأرض. إذ إن الأحكام المنهجية والمعالجات الواقعية التي استنبطت من كتاب الله وسنة رسوله تتعامل مع الإنسان ذي الوجود الواقعي، وتتعامل مع الحياة الإنسانية على حقيقتها وواقعيتها. هذا المنهج الواقعي قد أخذ باعتباره فطرة الإنسان وميوله، ورغائبه ونزعاته واستعداداته وفضائله، وقوته وضعفه. وهو لا يقلل من قيمة الإنسان ولا يهدر من كرامته، ولا يستهين بدوره في الحياة، أو في عبادته لله ﵎، أو في

стр. 44

خضوعه له. وكذلك لا يرفع من قيمته ومن مكانته ويجعله في مرتبة أعلى أو أقدس من الإنسان، بل هو مخلوق لله، وقد خلق ليقر بوحدانية الله، وليخلص له العبادة١. ونلاحظ أن هذا المنهج الواقعي قادر على أن يأخذ بالإنسان إلى أرفع مستوى وأعلى قمة يمكن أن يبلغها الإنسان، إنها مرتبة العبودية لله تعالى وإنها لمرتبة طاهرة رفيعة قد أرادها الله لبني البشر. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ٢. ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣. في هذه الخصائص التي سبق عرضها ومناقشتها تظهر قيمة الثقافة الإسلامية، وتبرز مكانتها الرفيعة السامية من بين سائر الثقافات الأخرى.. تلك الثقافات التي تقلل من منزلة الفرد وتحط من قدره. ولا ترفعه إلى المرتبة اللائقة به، لأنها تعتبر الإنسان المكون من الجسم والروح غلطة منكرة.. وأن الإنسان المثالي -في نظرها الخاطئ- هو الذي تخلى عن رغباته وأهوائه. كما تظهر جدية الثقافة الإسلامية وقوتها، وقدرتها على توجيه الإنسان والمجتمع الوجهة الخيرة الجادة الدائبة العاملة. إذ إنها تنمي الاستعدادات الفطرية والمواهب الإنسانية وتدعو إلى التعاون على التقوى، وإلى التعاون لإنتاج كل ما من شأنه أن يسعد البشرية ويخدم الإنسانية..

стр. 45

المبحث الثالث: أهمية دراسة الثقافة الإسلامية مدخل ... المبحث الثاني: أهمية دراسة الثقافة الإسلامية إن دراسة أي علم من العلوم يؤثر في ترقية مشاعر الفرد ونمو مداركه وتفتح أحاسيسه، وتنبه مواهبه وانطلاق طاقاته، وصقل ميوله وازدياد حركته ونشاطه، كما يؤثر أيضا في إحداث تفاعل ذاتي في داخل نفس الفرد، وقد يتخذه قاعدة يبني عليها معارف جديدة، أو ينطلق منه إلى آفاق بعيدة. وقد يؤدي به إلى اكتشاق حقائق علمية مجهولة. وبهذا تتسع دائرة المعارف الإنسانية وتزداد العلوم دقة وعمقا وعطاء وإنتاجا.. وبقدر ما تكون الدراسة دقيقة وعميقة وبقدر ما يكون البحث وافيا شاملا بقدر ما تعم الفائدة من العلم والبحث.. فكيف إذا كانت الدراسة تتعلق بكيان الفرد وبشخصيته الإسلامية، وبماضيه المجيد، وبتراثه العظيم وبالأسباب والعوامل التي تربط بين تاريخه وواقعه ومستقبله، وبالظروف التي أحاطت بتلك الشخصية عبر قرون عديدة من الزمن.. إن المسلم الذي يدرس ثقافته دراسة واعية ناضجة يشعر بأنه ليس كيانا مستقلا ولا فردا قائما بذاته يعيش حقبة من الزمن ثم يعتريه الموت والبلى، كلا، وإنما هو لبنة مهمة مؤثرة فاعلة في بنيان ضخم امتد قرونا طويلة وسيمتد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وهو بهذا الشعور، وبهذا الإحساس يستطيع أن يضيف إلى ما عمله السابقون ويستطيع أن يمثل الشخصية الإسلامية في عالم الضمير وفي واقع حياته الخاصة وفي واقع مجتمعه، ويستطيع أيضا أن يوصل الأمانة إلى من بعده، ويمدهم بمعارف جمة وحقائق علمية ثابتة، ويمهد لهم سبيل الاستمرار في تشييد النهضة العظيمة. إن المسلم ليس فردا مستقلا يعيش من أجل هواه النفسي ومأربه الشخصي

стр. 46

وأمنيته القريبة، وإنما يعيش من أجل تحقيق هدف أمثل وأكمل وأعظم، إنه يعيش لتحقيق "عبادة الله في الأرض"، يعيش ليبين للآخرين سبيل السعادة الحقة والراحة الكبرى في الدنيا والآخرة.. لذا فهو يمنح الناس جميعًا كل ما يستطيع من عطاء وكل ما يملك من قوة وخير. وتتجلى أهمية دراسة الثقافة الإسلامية في النقاط التالية: ١- بيان الازدهار الحضاري للأمة الإسلامية. ٢- تأثير الثقافة الإسلامية بالغرب. ٣- بيان الأدواء التي حلت بالأمة الإسلامية. ٤- تفاعل المسلم مع مبادئه وقيمه. ٥- الأساسيات التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية. ٦- دور الثقافة الإسلامية في العصر الحديث.

стр. 47

الازدهار الحضاري للأمة الإسلامية: لقد عاشت الأمة الإسلامية قرونًا طويلة عزيزة الجانب، مهيبة في سلطانها وسياستها، تتقدم الركب الحضاري الإنساني، وتحمل بيدها مشعل الهداية والنهضة العلمية والخلقية والإدارية.. بكل مقوماتها، فالعلوم الدينية والدنيوية قطعت شوطا بعيد المدى من الرقي والرفعة، والحالة الاقتصادية في أوج تطورها وازدهارها، تدر الأرباح الطائلة، وقد يسير الإنسان من المشرق إلى المغرب ومن الشمال إلى الجنوب، لا يجد في أقطار البلاد الإسلامية فقيرا محتاجا أو مظلوما مهيض الجناح. في هذه الفترة الزمنية حملت الأمة الإسلامية الحضارة إلى العالم كله، وإلى الدنيا بأسرها، حملتها بالعلم والخلق، ولم تحملها بالسيف والقوة، ولم يكن ثمة إكراه على العقيدة الخالدة، لأن المبدأ الذي نتمسك به هو قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١, ولكن الجمال والجلال والقيم والمثل العليا لا بد أن تؤثر

стр. 48

في النفس الإنسانية وبخاصة إذا كانت تعيش في ضيق وشظف، وبخاصة إذا ما قارنت هذا الرقي وهذه القيم أوضاع مناقضة لها من حيث الجوهر والأسلوب من جور وظلم واستعباد الإنسان أخاه الإنسان، ومن تسلط القوي على الضعيف، ومن استغلال الغني للفقير. وهكذا دخل الناس في دين الله أفواجا حينما رأوا صفاء العقيدة وسموها وحسن تطبيقها، وحماس المؤمنين بها وثقتهم بعدلها وعطائها، أدركوا تماما أن هذا الدين هو الذي ينشئ الفرد والجماعة، إنشاء جديدا، وأدركوا أنه هو الدين الذي يخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

стр. 49

تأثر الغرب بالثقافة الإسلامية: استمدت بذور النهضة الأوربية غذاءها من علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض وفي الأندلس١ ... وسعى الغرب لإصلاح الأوضاع الدينية للكنيسة تأثرا بعقيدة التوحيد الإسلامي، وثاروا على الكنيسة التي كانت تقف موقف المعادي المحارب لكل اكتشاف علمي، بعد ما رأو سماحة الإسلام ودعوته الملحة لطلب العلم ونشره في كافة الأوساط، واعتبار العلم دعامة مهمة وقوية لبناء عقيدة الفرد ... ووقف الغربيون في وجه الإمبراطوريات، حينما بهرتهم عدالة الإسلام، ونادوا بحقوق الإنسان تأثرا بمبدأ الإسلام الذي يدعو للمساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وأنه لا يفضل عربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، وبما يقدم من عمل خير كريم لإصلاح المجتمع.. وهكذا فإن النهضة الأوربية بكل ما دعت إليه وما نادت به ما هي إلا أصداء لتأثرها بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.. إنها تأثرت به تأثرا كبيرا وعميقا ولكنها أرادت أن تكوِّن لنفسها شخصية مستقلة عن الدين الإسلامي، فلمت شتات أمرها وأسكتت أفواه العارفين للحق، ودعت إلى النهضة الأوربية، فقام للباطل دولة وصولة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ٢.

стр. 50

الأدواء التي حلت بالمسلمين: حينما بدأ الغرب في نهضته، بدأ الشرق الإسلامي في كبوته، وكان لذلك أسباب بعضها يرجع إلى المسلمين أنفسهم، وبعضها يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادتهم. أما الأسباب التي ترجع إلى المسلمين أنفسهم: فتتجلى بأن الله تعالى لم يكن مبدلا نعمه التي أنعمها على عباده حتى يبدلوا ما بأنفسهم من خير إلى شر ومن هدى إلى ضلال ومن قوة عسكرية وإدارية إلى ضعف ينتاب الجهاز العسكري والإداري، ومن قوة خلقية وتمسك بالقيم والمبادئ إلى فساد خلقي واستمتاع بالمغنيات وبالشعر الرخيص، ومن إقامة شعائر الله وتطبيق حدوده إلى التهاون في إقامة الشعائر وإلى الاستهانة بإقامة الحدود، ومن القيام بالجهاد إلى التقاعس عن هذه الفريضة والركون إلى ملذات الحياة الدنيا والاستمتاع بمباهجها.. وهكذا حصل التغيير النفسي والتبديل الذي أتى من المسلمين أنفسهم. فطبق الله سنته فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١, ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ ٢, ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣, ونسي المسلمون أن الله جعلهم خير أمة لما اتصفوا به من إقامة حدود الله، ولما عاهدوا الله عليه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٤, ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ٥, ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٦, ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٧.

стр. 51

ويمكن أن ألخص أهم عوامل ضعف المسلمين التي ترجع إلى أنفسهم في النقاط التالية: ١- بعد المسلمين عن كتاب الله وسنة رسوله، وركونهم إلى الملذات العاجلة المحرمة شرعا، وانتشار العادات الفاسدة، كالكهانة والسحر، وكعادة الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل، وفي السهرات الأسرية. ٢- تعطيل حدود الله الواجب تطبيقها على من تجرأ على حرمات الله. ٣- التهاون في إقامة شعائر الله، كالتهاون في أداء الصلوات على وقتها أو في جماعة. ٤- محاولة استيراد أنظمة غريبة عن مبادئنا الإسلامية وتطبيقها في المجتمع الإسلامي بدلا من تطبيق شريعة الله، ظنًّا منهم أن هذه الأنظمة المستوردة أكثر ملاءمة للعصر الحديث. ٥- الشعور الانهزامي الذي وسوس لبعض المسلمين بأن ما عند الناس أفضل مما نملك من قيم ومثل وخلق وعلم. ٦- تقليد كثير من المسلمين للغرب والشرق غير الإسلامي بالأقوال والأعمال التي شاعت واشتدت وطأتها على المسلمين فأصبحت شريعة يحتكم إليها، كحفلات الزواج والمآتم مثلا. ٧- الفرقة التي لعبت دورا كبيرا في تمزيق أوصال الوطن الإسلامي وانفصام عرى الأمة الإسلامية، وكان للمبادئ الجوفاء المستوردة أثر كبير في هذه الفرقة، ومن أهم تلك المبادئ غير الإسلامية: المناداة بالقومية، والدعوة للوطنية، والدعوة للعلمانية، وغير ذلك مما نَهَش في جسم الأمة فقطعها إربا إربا ... ٨- التخلف عن مضمار العلم التجريبي١ الذي بلغ مرتبة لا يستهان بها في العالم

стр. 52

غير الإسلامي، ورضي المسلمون بالاعتماد على غيرهم في هذه العلوم دون أن ينشئوا لأنفسهم مؤسسات علمية جماعية محاولة للإبداع في العلوم التجريبية والكونية. وإذا وجد من المسلمين من يصل إلى معرفة شيء من أسرار العلوم فإن العلماء غير الإسلاميين قادرون على طمس اللمسات الإسلامية، وجعل ما وصل إليه المسلم داخلا ضمن إطار معارفهم يخدم شخصيتهم، ويحقق أغراضهم. ٩- انحراف البعثات العلمية عن أغراضها الحقيقية التي بعثت من أجلها، وعدم الاستفادة من الحقائق العلمية سواء كان في مجال التسلح وصناعة الأسلحة والتدريب عليها أو في مجال التقنية العلمية، والاكتفاء بالانجراف في تيار الفساد الخلقي والاجتماعي، وهذا يعود بالوبال والخسران على المجتمع الإسلامي بعامة. هذه هي أهم العوامل الداخلية التي أدت إلى إضعاف الروح الإسلامية في نفوس أبنائها. أما العوامل الخارجية فسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى مفصلا في موضوع التيارات المعادية للإسلام. ولكن المسلمين بما أوتوا من عقيدة التوحيد الصافية السائغة، وبما تعهد الله سبحانه من حفظ كتابه العظيم الذي هو النبع الخالد للإسلام عقيدة ومنهج حياة، فإنهم سيتغلبون على كل قوة مادية مهما عظمت وسيحطون كل الوسائل التي توجه لطعنهم.. وسينتصرون على جميع دعاة البغي والعدوان مهما تآزرت ضدهم، بشرط أن يتحصن المسلمون بثقافتهم الإسلامية وأن يعتزوا بقيمهم ومبادئهم وأن ينقلوا تعاليم دينهم إلى الواقع العملي فيطبقوها على أنفسهم وعلى مجتمعهم.

стр. 53

تفاعل المسلم مع ثقافته: ومن هنا تبرز أهمية دراسة الثقافة الإسلامية، تلك الدراسة التي تجعل من المسلم قوة منفعلة مع مبادئه وقيمه، قوة تثبت كيان الأمة الإسلامية على وجه البسيطة، قوة تقلع الباطل من جذوره. قوة ترفع راية التوحيد، وتعلن للملأ جميعا أننا بالإسلام نحيا ومن أجله نموت، أننا أمة لنا خصائصنا المتميزة، ولنا وجودنا الحضاري ولنا تاريخنا العريق، الذي يحمل أروع صفحات المجد والعزة.. وإننا فوق هذا كله أمة لها من الأيادي البيضاء على البشرية جمعاء ما لا ينكره إلا مكابر جاحد. وأن المبادئ الإسلامية والأصول العقيدية التي صنعت لنا المجد الزاهر والحضارة العريقة الأولى ما زالت موجودة بيننا وقادرة بإذن الله على أن تضعنا في المكان نفسه الذي كنا فيه أيام الراشدين، وأيام الأمويين في المشرق والأندلس، وأيام العباسيين والأيوبيين والعثمانيين فاتحي القسطنطينية. وعلى هذا فالثقافة الإسلامية إنما هي فكرنا، وهي درعنا الواقي في مجابهة الصراع الفكري العالمي، وهي الحصن المنيع الذي يرد عنا كل التحديات الحضارية التي تهدد كياننا الحضاري وشخصيتنا الثقافية، ومن واجب كل مسلم أن يدرك بوضوح وعمق معنى الثقافة الإسلامية، وأن يتجاوب مع المبادئ الإسلامية، وأن يطبق المنهج الإسلامي على نفسه وعلى أسرته وعلى مجتمعه ... وإننا حينما نقف متمسكين بثقافتنا الإسلامية، متفاعلين مع مبادئها الحضارية، ملتزمين حدود الله، عارفين بكل ما يدور حولنا من مؤامرات ومخططات شرقية شيوعية ملحدة، أو غربية علمانية، وحينما نكون أقوياء في عقيدتنا، متراصين في صفوفنا، فإننا نستطيع أن نحمي أنفسنا من خطر أعدائنا، وحينذاك تتهاوى كل معاول العدو وأسلحته وقد باءت بالإخفاق الذريع.

стр. 54

الأساسيات التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية: ١- تستطيع الثقافة الإسلامية أن تقدم تصورا إسلاميا شاملا للحياة، بما فيها من إنسان وكون. ٢- إن الثقافة الإسلامية تصل حاضرنا ومستقبلنا بماضينا الزاهر المجيد ماديا وروحيا.

стр. 55

٣- إن الثقافة الإسلامية كفيلة بإحياء الانتماء إلى الإسلام مبدأ وشريعة وإلى الأمة الإسلامية سلوكا وخلقا. ومن هذه الأساسيات وغيرها تستمد الثقافة الإسلامية مكانتها وأهميتها في حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة.

стр. 56

دور الثقافة الإسلامية في العصر الحديث: إن أصول الثقافة الإسلامية حقائق كلية كبرى صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان وهي غير قابلة للتغيير، وأي دعوة تدعو إلى تغيير ولو حرف واحد منها هي دعوة باطلة مضلة، يجب القضاء عليها في مهدها، ذلك لأن هذه الأصول إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما فيها من قواعد وأحكام واضحة صريحة وفي تنفيذها على النحو الذي أراده الله تحقيق لمصلحة العباد. ويتفرع عن هذه الأسس والأصول مسائل معاشية وتطبيقات سلوكية في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وهذه المسائل يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة في التطبيق، وأذكر مثالا توضيحيا على ذلك "الشورى" في الإسلام وهي من المبادئ الثابتة شرعا والمقررة في نصوص القرآن الكريم، وفي تطبيق هذا المبدأ التزام لأمر الله، ولكن أسلوب التطبيق وكيفية التنفيذ يمكن أن يختلف باختلاف الأزمان والبيئات والأعراف ذلك لأننا لا نجد نصا ملزما يبيِّن أسلوبا معينا في تنفيذ قاعدة الشورى، والذي يحدد هذا الأسلوب حسب مقتضيات العصر هو الفكر الإسلامي، أو الثقافة الإسلامية. وعلى هذا فالثقافة الإسلامية يمكن أن تقوم بدور تطوير الأساليب والوسائل لتطبيق الأحكام الشرعية، والقواعد الثابتة التي لا تختلف باختلاف العصر والمجتمع.. وأذكر مثالا آخر يبيِّن دور الثقافة في تطوير المناهج والطرق "الربا" فإنه محرم شرعا ولعن الله المتعاملين به وكاتبه وشاهديه، وعلى هذا فكل مؤسسة وكل بنك يقوم على أساس التعامل بالربا يعتبر محرما، ولا يجوز لدولة إسلامية أن تسمح لإقامة البنوك الربوية في أرضها وديارها، ولكن هناك نظام آخر مصرفي يقوم على غير الربا كالمؤسسات المصرفية الإسلامية والتي تسمى "البنوك اللا ربوية"، ويأتي دور الثقافة الإسلامية هنا في غاية الأهمية، فهي التي تبيِّن الأسس العامة، لإنشاء مثل هذه المصارف الإسلامية، وهي التي تحدد الخدمات

стр. 57

المصرفية التي يمكن أن تقدمها هذه البنوك دون اللجوء إلى عملية الربا في أية جهة من اتجاهاتها١. وهناك مثال آخر حيوي وعصري هو "عقد التأمين التجاري" وهو من العقود التي نظمتها التشريعات الوضعية، وبعد التكييف الفقهي لهذا العقد استبان أنه يهدف إلى الحصول على المال في حالة تحقق الخطر، وأن شركات التأمين تبتغي اكتساب أكبر قدر من الأرباح من جراء هذا العقد، وهو فوق هذا كله بيع نقد غير محدد بنقد بالذمة. فهو يتضمن من هذه الناحية الغرر والربا، ولهذا فإن "التأمين التجاري" غير معتبر شرعا، ولكن هناك أنواعا من التأمين تقوم على فكرة التعاون والتكافل الاجتماعي، ولا يهدف المؤمن من وراء هذا التعامل الربح، كتأمين الحكومة المعاش للموظف. وعلى العلماء من الفقهاء والمتخصصين بالاقتصاد الإسلامي وغيرهم من رجال الفكر في الإسلام أن يقوموا بوزن العقود الجديدة وسائر ضروب التعامل الطارئة المستخدمة بالمعيار الإسلامي ويبينوا للناس ما يحل وما يحرم من ذلك وما يتفق مع الأحكام وما يجافيها. وبذلك يصبح المسلمون على بينة من أمرهم، فإن العلم دين، والقضايا المستحدثة إن كانت مخالفة للشريعة فلا يجوز التعامل بها. وبهذا الدور الذي تقوم به الثقافة الإسلامية في الوقت المعاصر، فإنها تخدم الأهداف العامة للشريعة الإسلامية في كافة ميادين الحياة. فالثقافة الإسلامية التي تقوم بواجب بناء الإنسان المسلم، تقوم في الوقت نفسه بواجب الدفاع عن حصنه ضد التيارات المعادية، وبما أن هذه التيارات قد تتطور وتلبس أثوابا جديدة، وتتخذ شعارات لها رنينها، وتظهر بأسماء براقة، وتوجد أساليب حديثة، فإن الثقافة الإسلامية يجب أن تقدم الوسيلة الدفاعية المتطورة. وأن تستعد لكل خصم يريد أن يزيف الحقائق الإسلامية، أو يشوه

стр. 58

تكامل ونقاء التصور الإسلامي المنسجم١. حينما حاول الشيوعيون نشر مبادئهم الهدامة في الشرق الإسلامي استعملوا كلمة "الاشتراكية" لتحل محل الشيوعية ظنًّا منهم أن استعمال تعبير مغاير يخفي نواياهم ومكائدهم يحقق لهم أغراضهم الخبيثة في البلاد الإسلامية، ولكن الاشتراكية لم تحقق لهم النجاح المنشود؛ حتى في أخص مجال يدعون إليه وهو النظام الاقتصادي وملكية الدولة لوسائل الإنتاج، فلجئوا إلى استعمال تعبير آخر متطور ومخالف للأول وهو "اليسارية" زاعمين أن هذا المبدأ يمثل الأسلوب الثوري المعارض في أي بلد وجد، وليس له علاقة في رفض دين التوحيد، وإشاعة الإباحية والفوضوية الخلقية والاجتماعية.. وهكذا فإن التيارات المعادية للفكر الإسلامي تلبس كل يوم لباسا جديدا، وتتخذ أسلوبا متغيرا، وهي في حقيقة أمرها تهدف إلى طعن المسلمين في ديارهم، وفي عقيدتهم وفي أخلاقهم، كما تهدف إلى تشويه البناء الإسلامي الكامل. ولهذا فإن الثقافة الإسلامية يجب أن تتخذ الوسائل المتغيرة المتطورة التي تتناسب مع كل عصر وتتلاءم مع كل بيئة، لتحمي الإنسان المسلم، ولتحمي العقيدة الإسلامية، ولترد كيد الأعداء٢. والثقافة الإسلامية زاد ضروري لكل مسلم يريد أن يعيش حياة إسلامية في ظل عقيدة التوحيد، وهي سلاح قوي بيد كل مسلم يملك العزم الإيماني والإرادة القوية ليواجه تحديات العصر، ويتغلب عليها. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٣, فخير زاد للإنسان المسلم الواعي ثقافة إسلامية تحصن عقله ونفسه وأسرته، ليتقدم في ركب الحياة ويعايش أحداث العصر.

стр. 59

ما الذي تقدمه الثقافة الإسلامية للإنسان المعاصر: لقد وصلت الإنسانية اليوم في الجانب العلمي إلى كنوز ضخمة من كنوز المعرفة والتقنية "Tec hnology" ولكنها لم تصل إلى الأمن والاطمئنان الذاتي

стр. 60

في الجانب الإيماني الروحي بل ما زالت تحس بالفراغ الداخلي الذي يولد قلقا نفسيا رهيبا، واضطرابا روحيا مريرا. ذلك لأن الإنسان الغربي حينما وجد أن المنهاج التجريبي مفيد، في مجال العلوم الطبيعية، امتلكه الغرور والعجب، وأراد أن يتخذ الواقعية المنطقية منهاجا له في مجال الفكر والروحانيات، فاعتمد على الحواس كوسيلة من وسائل المعرفة، فما لمسه ورآه آمن به وما غاب عن بصره ولمسه وسمعه أنكره وجحده. ولم يقف في يوم ما ليفكر في أن عالم الروحانيات يختلف اختلافا شاسعا عن عالم المادة، وما يقع تحت الحواس من العوالم الكونية، لا تدركه الحواس في عالم ما وراء المادة، وما وراء الطبيعة. وكان هذا الجهل في تفهم عالم الروحانيات أثرا من آثار الثقافة الغربية وسببا في شقاء الإنسان الغربي.. ونشأ عن هذه الثقافة أن انقطعت الصلة بين القيم الخلقية، والآفاق الإيمانية من جهة وبين الإنسان من جهة ثانية، ومن ثم فإن حياته قد تحولت إلى مادة يدور في فلكها، وإلى أرقام حسابية يلهث من أجل تحصيل أكبر رقم حسابي.. أما الإيمان بوحدانية الإله، أما تحكيم القيم والمثل في حياته العملية والعاطفية، فهذا لا وجود له عند الإنسان الغربي المعاصر.. ونتج عن عدم إيمانه بالروحانيات قلق نفسي أحسه الفرد الغربي داخل كيانه، وشعور بالضياع أخذ ينتابه صباح مساء، كما أحس بالاضطراب بين واقعه الذي يغرق بالمادة والعبث واللهو وبين نداءات فطرية خفيفة بين الحين والآخر تدعوه للالتزام بشيء من القيم والمثل في حياته.. وإذا نظرنا إلى هذا الإنسان من زاوية الثورات التي قام بها ضد الظلم والاستبداد فإننا نجد أنه قد وضع نفسه تحت شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي هذا التيه الذي يتخبط فيه الإنسان المعاصر غير المسلم حاول أن يتقمص شخصيات مختلفة لعلها توصله إلى شاطئ الأمان، وتمنحه سعادة ضائعة، وراحة نفسية مفقودة.. فتقمص الشخصية العلمية التي حددها هكسلي "Huxley"، ثم الشخصية الجنسية التي رسمها "فرويد" ثم شخصية الرجل

стр. 61

الاقتصادي التي وصفها "ماركس".. وفي جميع هذه المحاولات لم يتحقق للفرد الغربي ما يريد، ولم يصل إلى السعادة الحقيقية ولا إلى الاطمئنان النفسي، بل على خلاف ذلك زادته هذه المحاولات وتلك الثقافات حيرة وقلقا وضياعا١. وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن الثقافة الغربية قد أورثت الإنسان الغربي الانحراف الخلقي والضياع الذاتي، والخواء الإيماني والفراغ الروحي.. وهذا ما يؤدي إلى عذاب نفسي داخلي يحس فيه الفرد في أعماقه، فيختل التوازن في شعوره ومداركه، التوازن الذي يجب أن يتحقق بين الواقع المادي للحياة وبين القيم التي يؤمن بها، ولكن الإنسان الغربي يفقد هذا التوازن بين الواقع المادي الذي يعيشه وبين القيم التي تخلى عنها حتى اندثرت في طيات النسيان، وغدت الحياة كلها في تصوره لذة عاجلة ومتعة عابرة.. ولم يبق أي أثر للقيم الروحية وللتصور الفكري.. وهكذا فقد شوهت الثقافة الغربية معالم الإنسانية لدى الفرد الغربي٢. وكذلك وحَذْوُك الفشل بالفشل فإن الثقافة الشيوعية شوهت معالم الفرد الشيوعي ومسخت كيانه وجعلته نقطة تدور في دائرة فراغية حتى إذا ما تحسس نفسه وجدها أشلاء متهافتة متناثرة.. هذه الثقافة تفقد الإنسان ذاتيته وتقضي على مستقبله، وتجعله يلهث وراء سراب، فلم يصب من الدنيا حظًّا جديرا بالكدح، ولا يأمل في غد مشرق، ولا في آخرة تعوضه ما فاته في دنياه٣. وهكذا رأينا كيف تتهاوى جميع الثقافات المعاصرة، وتتساقط حاملة عنوان الإخفاق والخذلان، دون أن تحقق للإنسان المعاصر أدنى راحة وأدنى أمن، وهنا يأتي دور الثقافة الإسلامية لإنقاذ البشرية مما تعانيه من قلق وحيرة واضطرابات نفسية. فالثقافة الإسلامية هي الدواء وهي العلاج للآلام الحقيقية التي يعانيها الإنسان المعاصر -غربيا كان أو شرقيا، رأسماليا كان أو شيوعيا..

стр. 62

يقول "C.Wright Mills" "إن زماننا لهو زمان القلق وعدم الاهتمام واللا مبالاة بصورة لا تسمح للعقل أن يفعل مفعوله الهادئ، ولا تسمح للحياء أو الشعور الرقيق النبيل أن يفعل مثله"١. ويقول البروفسور "Z.Bouman": "مهما تختلف محاولات الإصلاح بين كونها جسورة أو خجولة، بعيدة المرمى أو حذرة فإنها جميعا تتفق على أن الأفكار الموجهة للحضارة أو الثقافة الجديدة، "المنشودة" يجب ألا يبحث عنها في الأشكال العادية أو المألوفة فإن المطلوب عمله ضرورة: لهو شيء أبعد مدى بكثير من مجرد إعادة تشكيل أو إعادة تنظيم للآراء السائدة"١. وهكذا فإن الكتاب والمفكرين الغربيين يدركون تماما الاضطراب الفكري والقلق النفسي الذي وصل إليه الإنسان المعاصر الغربي، وهذا الاضطراب ناتج عما حشر في الفكر الغربي من زيف، وما زين له من باطل، وناتج أيضا عن انحراف الإنسان نفسه عن الفطرة السليمة حتى أصبح الوصول إلى الحقيقة أمرا متعذرا صعبا يحتاج إلى ثقافة جديدة تختلف عما عرفه الغربيون والشرقيون من ثقافات مألوفة قاصرة عن إيجاد السلام النفسي والاطمئنان إلى حياة سعيدة.. وهذه الثقافة التي تخيلها "بومان" والتي قال عنها: إنها أبعد بكثير من إعادة تشكيل وإعادة تنظيم للآراء السائدة.. ما هي إلا الثقافة الإسلامية، لكنه ما استطاع أن يصل إلى تحديد اسمها لأنه لم يتلق الصورة الحية الصادقة عن ثقافتنا الإسلامية.. أجل إنها هي وحدها التي تنقذ الإنسانية مما تعانيه من قلق وحيرة، وهي وحدها البديلة للآراء السائدة في أوربا وأمريكا وفي البلاد الخاضعة للأنظمة الشيوعية. يقول الكسيس كاريل في كتابه "الإنسان.. ذلك المجهول": "إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا. فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العملية، وشهوات الناس وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت

стр. 63

بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا"١. إن مصير الإنسان في تلك الحضارة مصير مؤلم يتخبط فيه، ونهاية مفجعة تتمثل في حلول انتحارية ومشكلات معقدة وتصرفات شاذة وتطورات مفسدة.. وكانت المذاهب الهدامة والقوانين الوضعية قد حفزت الكثير من مفكري الغرب العقلاء إلى الدعوة بحرارة لإيجاد ديانة أو البحث عنها، لكون فيها خلاص الناس ويتحقق بها الهناء الذي يتوق إليه الناس في هذا العصر. وأشير هنا إلى أقوال الذين بحثوا بإمعان وأوصلتهم نزاهة بحثهم -رغم أنهم من الأعداء- إلى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الإنسانية المعذبة التي تسير نحو الهاوية. يقول "برناردشو": "إنه لن ينتعش العالم من كبوته إلا إذا أخذ بتعاليم الديانة الإسلامية، ولا بد من هذه النتيجة من نحو قرنين من الزمان"٢. ويقول "جواكيم راي يولف": "إننا إذا طالعنا مبادئ الإسلام ودرسنا قواعده بنظر عميق وبصيرة نافذة تجلت لنا حقيقة ناصعة وهي أن المسلمين المعاصرين قد بعدوا عن هذه المبادئ السامية بعدا شاسعا، وإن ظهرت فيهم روح قوية ذات عزيمة ثابتة توجههم للتمسك بركائز الإسلام، فإن قوتهم ستبلغ عنان السماء، ويكونون باعتبار الأخلاق والعلم والاجتماع منارة العالم كله. ولا يهمني الآن خطورة سياسة الإسلام، بل أود أن أبحث ناحية من نواحيه المختلفة عله يتأمل فيها أحد من الأوروبيين، إن هذه الأحكام والشرائع تتعلق بما فرضه القرآن الكريم على معتنقيه من التمسك بمبادئ الحق والخير وأوضح مثال على ذلك المحافظة على الصحة الجسمية العامة وبذلك أستطيع أن أقول: إن القرآن يمتاز بهذا الاعتبار امتيازا بارزا عن الكتب السماوية بتأكيد، بالانسجام الكامل والوضوح التام وهذا ما يوجب على الأمم الأوروبية التي تدعي الثقافة والحضارة أن

стр. 64

تغبط المسلمين، إن فضائل التعاليم الإسلامية بارزة بروز الشمس وخاصة أسسها.. وثمة سؤال يأتي في هذا السياق، وهو: لماذا حاد المسلمون عن طريق الإسلام وانصرفوا عن التعاليم القرآنية ونبذوها وراء ظهورهم"١. ذلك قول حق على لسان غير المسلم يشهد أن المستقبل للإسلام، لأنه الدين الوحيد الذي يواكب الحضارة، بل يحقق الحضارة الصحيحة. ويقول المؤرخ "ولز": كل دين لا يسير مع المدنية في كل طور من أطوارها فاضرب به عرض الحائط ولا تبال به لأن الدين الذي لا يسير مع المدنية جنبا إلى جنب لهو شر مستطير على أصحابه يجرهم إلى الهلاك، وإن الديانة الحقة التي وجدتها تسير مع المدنية أنَّى سارت هي الديانة الإسلامية، وإذا أراد الإنسان أن يعرف شيئا من هذا فليقرأ القرآن الكريم، وما فيه من نظريات علمية وقوانين وأنظمة لربط المجتمع فهو كتاب ديني علمي اجتماعي، تهذيبي، خلقي، تاريخي.. وإذا طلب مني أحد أن أحدد له الإسلام فسأقول له: الإسلام هو المدنية، وهل في استطاعة إنسان أن يأتي بدور من الأدوار التي ظهر فيها الإسلام مغايرا للمدنية والتقدم"٢. فهذه شهادة ناطقة بالحق معبرة بصدق عن روعة الإسلام وحضارته المعطاءة، وهذه شهادة تنم عن حقائق جلية تؤيدها وقائع الحضارة الغربية المفلسة من القيم العليا والمثل السامية الموافقة للفطرة الإنسانية. وعلى هذا فإن الثقافة الإسلامية هي وحدها التي تحقق الرخاء والهناء للإنسان المعاصر بما تملك من مصادر أصلية حقيقية تعطي تصورا متكاملا وشاملا عن الحياة، فهي تحدد علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالكون، كما تحقق الانسجام في علاقات الكائنات، وتجعلها جميعا بما فيها الطبيعة مخلوقة لله الذي تفرد بالربوبية والألوهية. والثقافة الإسلامية تهب الإنسانية حياة روحية سعيدة لا تستلزم الهروب إلى الصومعة أو إلى الدير، ولكنها تدعو إلى أداء الطاعة والعبادة مع الجماعة.

стр. 65

والثقافة الإسلامية تربأ بالإنسان أن يندفع وراء أطماع قريبة أو جشع مادي كما أنها لا تفسح مجالا لحصول منازعات وخصومات وصراعات من أجل جر مكاسب مادية أكبر كما تصنع الثقافة المادية. وفوق هذا كله فإن الثقافة الإسلامية تتيح لكافة المسلمين المؤمنين حياة راقية تتدرج في مدارج الكمال والتقدم العلمي لكي يبقى المسلم محافظا على التوازن بين الحياة الفردية والحياة الجماعية، بين المادة والروح، بين الدنيا والدين. والثقافة الإسلامية هي وحدها التي تلبي الحاجات المعقولة، وتحقق الرغبات الضرورية للجنس البشري، وهي في الوقت ذاته تمنع من الانحراف الخلقي، أو الانهيار النفسي، أو الجنوح السلوكي بما تتضمنه من توجيهات ربانية وإرشادات إلهية في القيام بالتكاليف التي تهدف إلى رفع الإنسان في سلم الارتقاء الذاتي والروحي والفكري والعاطفي، بحيث يصبح المسلم المثقف ثقافة إسلامية قوة خير موجهة تألف وتؤلف وتؤدي واجبها راضية وتأخذ حقها قانعة.. وهنا تكمن عظمة الثقافة الإسلامية التي تتمثل في إقامة مجتمع صالح يعيش أفراده بأخلاقية حقيقية بين أخذ وعطاء، وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وإقرار للحق ورفع للظلم، وترفع عن الرذائل والدنايا وتجنب للخبث والفحش.. وبهذا تتجلى مثالية الإنسان وواقعيته فهو يأخذ من الطيبات بحدود ما أحل الله، ويبتعد عن كل خلق ذميم أو قول بذيء أو فعل مشين، كما تتجلى شخصية المسلم المتميزة. وشخصيته الجماعية المرتبطة بالجماعة الإسلامية المتماسكة بها، المتعاونة معها، الراعية لتحقيق مصالح غيرها.. كما ترعى تحقيق مصالحها تماما وهكذا تبقى الذات الإنسانية في إطار الثقافة الإسلامية في المستويين الفردي والاجتماعي عاملة ومؤثرة بتوازن والتزام. وهذا العطاء الذي تغدقه الثقافة الإسلامية على الإنسان المسلم عطاء متفرد متميز، لم تصل إليه أية ثقافة شرقية أو غربية. والثقافة الإسلامية تقدم الكثير والكثير للبشرية، إنها إنسانية العطاء.. "وإن المجتمعات الصناعية المتقدمة منهجيا وتجريبيا وماديا، كالمجتمعات

стр. 66

الأوروبية والأمريكية تجد في الثقافة الإسلامية مكانا، وتجد من يأخذ بيدها في هذا المكان، فيرقى بها في المرتقى الصاعد إلى القمة العالية الرفيعة، تلك القمة التي حققها الإسلام في فترة حية من فترات التاريخ الإنساني"١. وقبل كل شيء فإن الثقافة الإسلامية وحدها هي التي تحرر البشر من عبودية البشر، لأنها تستمد تصورها ومبادئها، وموازينها وقيمها، وشرائعها وقوانينها، وأوضاعها وتقاليدها من الله سبحانه، فإذا أوجبت طاعة التشريع فإنما هي طاعة الله وحده، وإذا أمرت بتنفيذ نظام فإنما تأمر بالخضوع لله رب العالمين.. وحده لا شريك له.

стр. 67

الفصل الثاني: ركائز الثقافة الإسلامية مدخل ... الفصل الثاني: ركائز الثقافة الإسلامية المبحث الأول - الإيمان والعقيدة المبحث الثاني - التشريع ومصادره أ- القرآن الكريم ب- السنة الشريفة

стр. 68

المبحث الأول: الإيمان والعقيدة ... المبحث الأول: الإيمان الإيمان بالله تعالى أساس شخصية الأمة المسلمة: قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ, تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ, يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١. إن الإيمان بوجود الله ووحدانيته وتفرده بالخلق أساس الشخصية الإسلامية وسر قوتها وقوام حياتها ومفتاح حضارتها وباعث نهضتها، فبالإيمان خرج المسلمون من الجزيرة العربية يحملون راية التوحيد ويشيعون النور والعدل والأمن في أرجاء العالم. وبالإيمان انتصر المسلمون على الحملات الصليبية التسع التي أرادت أن تحصد البلاد والعباد. وبالإيمان انتصر المسلمون على التتار الذين زحفوا على الشرق الإسلامي كالريح العقيم: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٢, وألقوا المؤلفات الإسلامية في الفرات حتى غلب لون الحبر لون الماء، وأرادوا أن يدمروا الحضارة الإنسانية كلها لولا أن هيأ الله مسلمين مخلصين من الشام ومصر فردوهم على أعقابهم خاسرين في "عين جالوت" وكان مفتاح النصر كلمة "واإسلاماه" أطلقها القائد "قطز" فألهبت المشاعر واستجاشت العزائم وأيقظت الهمم٣.

стр. 69

والأمة الإسلامية اليوم وهي تواجه خطرًا شديدًا، وعدوًّا شرسًا، لا بد أن تتسلح بسلاح الإيمان وحسن الصلة بالله والإخلاص له في السر والعلن حتى تتمكن من التغلب على العدو الماكر، وحتى تتمكن من استعادة مجدها القديم، ولكي تأخذ بأسباب السعادة والتقدم والقوة.. "نحن أمة مؤمنة" هذه قضية يجب أن تتنبه إليها أقلام المفكرين وتتجه إليها مشاعر الأدباء والكتاب، وقادة الحرب والمعارك، وأرباب الأموال وأصحاب المشروعات. "نحن أمة مؤمنة" يجب أن يكون شعارنا في كل تقدم، وفي كل ازدهار ونمو وإصلاح وعمران.. "نحن أمة مؤمنة" يجب أن ترعاها الأم في بيتها والأستاذ في مدرسته والشاب في نشاطه.. كي تتضافر الجهود وتتحد الأهداف في سبيل تثبيت الإيمان في القلوب، وحماية هذه الحقيقة التي كانت سببا في كل مجد وعز. معنى الإيمان: الإيمان ما استقر في النفس أو ملك على الإنسان قلبه وعقله وأحاسيسه ومشاعره ووجدانه، فإذا فكر فضمن نطاق الإيمان، وإذا تكلم فبوحي الإيمان، وإذا عمل فمن أجل الإيمان.. وللإيمان ركائز يقوم عليها، هي التصديق القلبي الذي لا يدانيه ريب ولا يقاربه شك، والإقرار اللساني بالشهادتين وما يترتب عليهما والعمل الظاهري بالجوارح، وليس من الإيمان في شيء مجرد الإعلان باللسان، لأن هذا شأن المنافق. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ, يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ١. وليس من الإيمان في شيء أن يتظاهر الإنسان بأن يؤدي بعض الشعائر الدينية على مرأى من الناس ليقال عنه إنه مؤمن وإنه كذا وكذا، فهذا هو المرائي. وليس من الإيمان في شيء أن يعرف الإنسان حقيقة الإيمان معرفة ذهنية

стр. 70

فقط, فكم من أناس عرفوا حقائق الإيمان ولم يؤمنوا قال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ١. وقد أقر أبو طالب بنبوة الرسول ﵊ ونباهة شأنه ولكنه لم يؤمن به خوف اللوم والمسبة فأعلن: ودعوتني وزعمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا وعرفت دينك لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا وهذا هرقل عظيم الروم يقول: لو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لجلست عند قدميه. وجاء في فتح الباري: عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك.. والله إني لأعلم أنه نبي مرسل ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته، فقد وجد من هؤلاء التصديق والتسليم والإقرار إلى حد كبير ولكن العلماء متفقون على أنهم كافرون. والحق أن الجزء الذي يمتاز به الإيمان ويتضح هو التزام الطاعة مع التبري من كل دين سوى الإسلام.. فإذا التزم الطاعة فقد خرج عن ضلالة الكفر ودخل في هدى الإسلام، وبهذا تبين وجه كفر هؤلاء الكفرة مع تصديقهم ومعرفتهم وذلك لأن أبا طالب وإن جهر بحقية دين محمد ﷺ لكنه لم يلتزم طاعته ولم يدخل في دينه ولذا قال: لولا الملامة أو حذار مسبة، فآثر النار على العار، وهكذا هرقل تمنى لقاءه وبجَّلَه وعظَّمه بظهر الغيب لكنه خشي الروم أشد خشية فلم يلتزم طاعته، وكذلك حال الكفار الذين أخبر الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٢, ومع معرفتهم أعرضوا عن كلمة الحق ولم يدينوا بدين الإسلام، ولذا يقال: إن الإسلام من الإرادات بمعنى أنه لا يكفي فيه الإذعان الفكري الخالص٣. وعلى هذا فالإيمان في حقيقته عمل نفسي ووجداني داخلي، وإدراك وجزم

стр. 71

ويقين، وانقياد إرادي. قال الله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١. وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣. ولا بد أن يتبع المعرفة القلبية والتصديق الوجداني والإذعان النفسي الداخلي والإقرار اللساني التزامًا بالمبادئ الخلقية والسلوكية والجهاد في سبيلها بالمال والنفس, قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٤. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ, الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ, وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ, وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٥. وللإيمان أركان هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره من الله. وإن أسمى هذه الأركان وأعظمها أثرًا الإيمان بالله ﵎ ورسله، أما الإيمان بالكتب فهو منبثق عن الإيمان بالله ورسله. والإيمان بالبعث والقضاء متعلق بهما أيضا، فإذا آمن الإنسان بالإله الواحد الخالق المدبر، فإنه لا بد أن يترتب على إيمانه هذا الإيمان بالكتب ثم بالقدر ومسئولية الإنسان والجزاء والحساب.

стр. 72

الإيمان بالله تعالى: إن حاجة الإنسان إلى الإيمان بوجود الله وبوحدانيته وبقدرته حاجة أساسية سواء من الناحية العقلية أو من الناحية الفطرية أو من الناحية العاطفية، فالإنسان منذ أن وجد على سطح البسيطة وهو يتساءل: من أين جاء، وإلى أين يذهب ومتى يذهب، وكيف وجد؟ ... هذه الأسئلة ذاتية تنبعث على لسانه وتتحرك في ذهنه حالما يبدأ يدرك وجوده ويحس الكائنات حوله، الأمر الذي يجعل الإيمان حيًّا في النفوس متفاعلًا معها. وإذا قارن الإنسان نفسه مع سائر المخلوقات الكونية أدرك أنه مخلوق صغير بالنسبة للكون ولمظاهر الطبيعة وللسنن المستمرة، وهذا ما يشعره بضعفه فيلجأ إلى الإيمان بالله يستمد منه القوة في الحياة، والعون في التعامل مع السنن الكونية. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وإذا خففت العادة من الشعور الفطري في ساعات الرخاء واللهو فإنه يعود إلى الظهور عند الشدة والبأساء، أو عند النوائب والكوارث، أو عند الضيق والمرض. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢. وتبدو الفطرة قوية جلية حينما يفاجأ الإنسان بالسؤال عن مصدر هذا الكون ومدبره فلا يملك بفطرته إلا أن ينطق بحماسة "الله": ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣, ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ

стр. 73

السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ, فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنى تُصْرَفُونَ﴾ ١. وسبل المعرفة للإيمان بالله تعالى تختلف من إنسان إلى آخر، فهناك من يستجيب لداعي فطرته فيؤمن ويلتزم، وهناك من يصل إلى الإيمان عن طريق السببية وذلك بالإيمان أن وراء هذا الكون المنظم المنسجم إلها عظيمًا خالقًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ, الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢. ولكن العقل وحده من غير تأييد الرسل وهدايتهم قد يضل سبيل الهداية، وقد يهبط إلى الدرك الأسفل من السخف والنظر، فيتخذ من الأحجار والأشجار ومظاهر الطبيعة آلهة، فيجثو أمامها، ويخضع لها، ويستذل لما يبهره من أشكالها وأحوالها، ولذلك فلا بد من رسالة الرسل لتحمي العقول البشرية من الضلال والانحراف، وتردها إلى الصراط المستقيم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ, وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ, فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ, فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ, فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. والمعرفة البشرية لا يمكن أن تتوجه إلى ذات الله ، لأن

стр. 74

العقل البشري المخلوق المحدود بمكان وزمان عاجز عن إدراك الأبدي الأزلي الخالق العظيم، ولا عجب، فهناك في عالم المادة أشياء مخلوقة لم يعرف الإنسان كنهها وماهيتها كالمغناطيس والكهرباء، وككثير من الأفلاك السماوية، وعدم المعرفة بذاتها وحقائقها لا تستدعي في إنكار وجودها، بل من الجهل بمكان أن ينكر الإنسان شيئًا لعدم إحاطة حواسه به، إذ إن وجود الشيء لا يتوقف على إدراك حقيقته. والمعرفة البشرية يمكن أن تتجه إلى آثار الله سبحانه ومخلوقاته التي تحيط بنا أينما نظرنا وكيفما نظرنا، فالأرض والسماء، والأفلاك والنبات، والإنسان والحيوان والماء كل هذه أدلة ناطقة على وجود الله وتفرده بالخلق ووحدانيته بالتصرف. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. ولا شك أن الفطرة السليمة والعقل الواعي يقف مبهورا أمام كل هذه الآيات، والقرآن الكريم يلفت النفس الإنسانية إلى الدلائل الكونية الثابتة التي تشير إلى قدرة الخالق. وحدانية الله: وهو تعالى إله واحد ليس له شريك ولا مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٢، وكل ما في الكون من إبداع ونظام يدل على وحدانية مبدعه ووحدانية مدبره. قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا

стр. 75

بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١. وهو سبحانه واحد في ربوبيته، وهو واحد في ألوهيته، فلا خشية إلا منه ولا اعتماد إلا عليه ولا خضوع إلا لحكمه.. ولا يملك أحد من المخلوقات ضرًّا ولا نفعًا وحتى الرسل والأنبياء عباد الله، اصطفاهم سبحانه لحمل رسالته إلى الخلق ولدعوتهم إلى الإيمان. قال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ, وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. ومن هنا كانت كلمة "لا إله إلا الله" عنوان التوحيد والإخلاص، ومفتاح العقيدة الإسلامية، وهي تشتمل على معان عظيمة جليلة، تخص الله سبحانه بكل قدرة وبكل حكم وبكل سلطان. وهي منهج كامل متفرد عن سائر المناهج والأنظمة، هي إيذان بمجتمع مستقل متميز بعقيدته ونظامه لا عنصرية فيه ولا إقليمية ولا طبقية، لأنه ينتمي إلى الله وحده، ولا يعرف الولاء إلا له سبحانه. وقد أدرك زعماء الجاهلية وجبابرتها ما تنطوي عليه دعوة "لا إله إلا الله" من تقويض لعروشهم ومن القضاء على سلطانهم وطغيانهم، فأجمعوا كيدهم وحاربوا كل من يؤمن بها وكل من يدعو إليها. ولكن العلي العظيم سبحانه قد أتم نوره وأعز جنده وارتفعت كلمة الحق فوق كل بلد، وعشقها كل قلب صاف، وكل عقل نير، ولأن لها كل إنسان واعٍ ناضج متفتح المشاعر والأحاسيس.. الإيمان بصفات الله تعالى: ويلزم من الإيمان بوجود الله وبوحدانيته الإيمان بأنه تعالى متصف بكل كمال يليق بذاته العلية، وأنه منزه عن كل نقص، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣, ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
следующие страницы →