← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8677

منجد المقرئين ومرشد الطالبين

ابن الجزري

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

الطبقة الخامسة عشرة: البرهان إبراهيم بن عبد الله الرشيدي بمصر. وأبو العباس أحمد بن محمد سبط السعلوس١ بدمشق. والتقي محمد بن العازب بدمشق. وشيخنا أبو بكر بن

стр. 72

أيدغدي١. والمجد إسماعيل الكفي٢ بمصر. وموسى الضرير بمصر. وشيخنا عبد الرحمن بن أحمد الواسطي بمصر. والحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي٣ بدمشق قرأ الحروف وأقرأها. وشيخنا الإمام محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفي٤ بمصر. وعمر بن محمد الدمنهوري٥. وعلي بن أبي بكر الديروطي. وأبو البركات محمد بن محمد البلقيني٦ بالأندلس. والخطيب محمد بن الحسين الأموي بالغرب. وأبو العباس أحمد ابن الشيخ علي الديواني بالعراق. وشيخنا التقي عبد الرحمن بن الغمر الواسطي البكري بدمشق. والشيخ أبو الفتح محمد بن أحمد العسقلاني٧ بمصر إمام الجامع الطولوني.

стр. 73

الطبقة السادسة عشرة: شيخنا أبو المعالي محمد بن أحمد اللبان١ بدمشق. وعمر الصوفي الضرير الواسطي بدمشق. وعلي بن أحمد الدوري٢ ببلاد الشام. وشيخنا الحسن بن محمد

стр. 74

النابلسي١ بمصر. والفخر عثمان الضرير بمصر. وأحمد بن إبراهيم الطحان٢ بدمشق. وعيسى الضرير بمصر. والشيخ خليل بن المسيب بمصر. ونصر بن محمد المقري بدمشق أخبرني أنه قرأ بالعشر على العازب وهو يقرئ بها. والنور علي بن الحكري بمصر. ويعقوب المقرئ٣ بمصر. وأحمد بن سعيد القيسي٤ شيخ خانقاه شيخون بمصر وهو ممن شهد في إجازتي من الشيخ أبي بكر الجندي٥. ومحمد النشوي٦ بمصر. وعرم بن بلبان الخفاف العقبي٧ بدمشق. وأحمد بن مسعود بن الحاج البلنسي٨ بتونس. ومحمد بن غالب الأنصاري الأندلسي بها، ومحمد بن أحمد بن صفوان الأندلسي بمكة. ومحمد بن أحمد القباقبي بالإسكندرية. والشيخ فخر الدين عثمان الضرير إمام الجامع الأزهر بمصر. ومؤلف هذا الكتاب محمد بن محمد بن محمد بن الجزري بدمشق أثابه الله تعالى وخلائق من الشيوخ في أقطار الأمصار لم يصلنا خبرهم أحياء يرزقون ختم الله تعالى لنا ولهم بخير آمين. وكثير من الطلبة بمصر والشام منتشرون لا سيما في دمشق اليوم فإنها عش القرآن ومركز التحقيق والإتقان. وأكبر من تصدى في هذا الزمان لإقراء العشر والأخذ بها شيخ الشام من غير مدافعة الإمام أبو المعالي محمد بن أحمد بن اللبان المذكور في صدر الطبقة قصده الناس من الأقطار وقرأ عليه بها خلق كثير جزاه الله تعالى خيرا وجعل ذلك منه ومنا خالصا لوجهه الكريم. فهذه ست عشرة طبقة كل طبقتين من بعد الأولى كطبقة واحدة فرقت بينهما

стр. 75

للتجاذب واقتصرت فيها على من تحققت أنه قرأ بالثلاث الباقية منها مما بلغني عن القراء، ولعمري ما فاتني لكثير لأني لم أذكر إلا من تحققت أنه قرأ بها وكلهم مذكورون مترجمون في كتابي "طبقات القراء". فثبت من ذلك أن القراءات الثلاث متواترة تلقاها جماعة من جماعة مستحيل تواطؤهم على الكذب، وإذا كانت كذلك فليس تواترها ولا تواتر السبع مقتصرا عند أهلها فقط بل هي متواترة عند كل مسلم سواء قرأ القرآن أو لم يقرأه لأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة لأنها أبعاض القرآن، ولو أدخل شخص بعض القراءات العشر إلى بلدة لم تكن عند أهلها ليس لهم أن يقولوا له: إذا كان عدلا لا نأخذها إلا متواترة من جماعة كما أنه إذا أسلم شخص وأخبره عدل بآية أو بشيء من القرآن ليس له أن يقول: لا أؤمن بأن هذا من القرآن حتى ينتقل إلي نقلا متواترا بل يجب عليه أن يعتقد أنه من القرآن ولا بد فقد يكون ببلد ليس فيها من يحفظ القرآن إلا الرجل أو الرجلين وسيأتي ما يحقق ذلك من أقوال العلماء في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.

стр. 76

الباب الخامس: "في حكاية ما وقفت عليه من أقوال العلماء فيها " قال الإمام محيي السنة وخير الأمة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في أول كتابه "معالم التنزيل": ثم إن الناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدودية فهم متعبدون بتلاوته وحفظ وحروفه على سنن خط المصحف الإمام الذي اتفقت الصحابة عليه ﵃ وأن لا يجاوزوا فيما وافق الخط ما قرأته القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأمة على اختيارهم، وقد ذكرت في هذا الكتاب قراءة من اشتهر منهم بالقراءة واختياراتهم. وعد التسعة ولم يذكر خلفا. قلت: وحسبك بهذا الإمام إذا حكى اتفاق الأمة عليها وكونه لم يذكر خلفا لأنه لا يخالف في حرف فقراءته مندرجة معهم. ونقل الجعبري عن الإمام مهران أنه قال عنها: كلها حق وليس أحدهما أولى من الآخر. وقال الإمام حافظ المشرق المجمع على فضله أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني في أول كتابه الذي سماه "غاية الاختصار في قراءة العشرة أئمة الأمصار": أما بعد فهذه تذكرة في اختلاف القراء العشرة الذين اقتدى الناس بقراءاتهم وتمسكوا فيها بمذاهبهم من أهل الحجاز والعراق والشام واقتصرت فيها على الأشهر من الطرق والروايات وأرجأت وحشيها ونادرها ومنكرها ونافرها وقدم على الجميع أبا جعفر ويعقوب على الكوفيين وأجرى الثلاثة مجرى السبعة. وتقدم قول الحافظ المجتهد أبي عمرو بن الصلاح في الباب الثاني وهو يشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن النبي ﷺ قرآنا واستفاض نقله كذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو كما عدا العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة. قلت: وهذا نص على تواتر القراءات العشر. وقال إمام المغرب أبو بكر بن العربي في كتابه "المقتبس" بعد أن ذكر القراءات السبع: وليست هذه الروايات بأصل

стр. 77

للتعيين بل ربما خرج عنها ما هو مثلها أو فوقها كحروف أبي جعفر المدني وغيره. وقال الإمام الحافظ مجتهد العصر أبو العباس أحمد بن تيمية في الجواب المتقدم في الباب الثالث قال بعض أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانة يعقوب إلى أن قال ابن تيمية: ولم يتنازع علماء الإسلام المتبوعون أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة يعني السبع بل من ثبتت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب ونحوهما كما ثبتت عنده قراءة حمزة والكسائي قله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين، بل كثير من الأئمة الذين أدركوا حمزة كابن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر وشيبة بن نصاح وقراءة البصريين على قراءة حمزة والكسائي إلى أن قال: ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشر ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون في بلد بالمغرب فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه فإن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول ولكن ليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك. وللشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري ﵀ رسالة ذكر فيها أن القرآن وصل إلينا متواترا بأحرفه السبعة التي نزل بها القرآن على النبي ﷺ . قلت: وهذا عجب منه مع جلالة قدره ولو كان هذا الكلام من غيره لقلنا عنه إما أن يكون ما يدري الأحرف السبعة ما هي أو ما يدري التواتر ما هو وحاشاه من ذلك. ثم إنه ذكر فيها أنه لا فرق بين قراءات الأئمة السبعة وبين قراءة أحد الثلاثة. قال في كتاب "خلاصة الأبحاث في شرح القراءات الثلاث" بعد أن سمى الثلاثة وبعض رواتهم؛ فهذه كلها من جملة الأحرف السبعة المذكورة في الحديث وقد صرح بهذا جماعة، ثم نقل كلام الحافظ أبي العلاء المتقدم ثم قال: فقراءة هذه الثلاثة من جملة العشر التي تمسك بها وهي أشهر من غيرها، ولقد كان نقلة وجوه القراءات خلقا يعسر حصرهم كشيبة بن نصاح وابن جندب وابن هرمز وابن محيصن والأعمش وعاصم الجحدري وأمثالهم، فلما طالت المدة وقصرت الهمم اقتصر على بعضهم وكان هؤلاء إما لتصديهم للاشتغال أو لأنهم شيوخ المقتصر ولو عين غيرهم لجاز أو غير هؤلاء الرواة عنهم جاز. قال: وخفي هذا الأمر على أكثر المقرئين حتى لو نسبت قراءة أحد هؤلاء إلى من هو في سلسلة السند بعد أو قبل لقال شاذة، فإذا عزيت إلى أحدهم قال مشهورة. قلت: هذا كلام صحيح لا مرية فيه. وقال الإمام مجتهد عصره أبو الحسن السبكي في كتابه "شرح المنهاج" في صفة الصلاة في الركن الرابع فرع قالوا: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ولا تجوز بالشاذ. وظاهر هذا الكلام يوهم أن

стр. 78

غير السبع المشهورة من الشواذ وقد نقل البغوي في أول تفسيره الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة قال: وهذا القول هو الصواب. واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف فهذا لا شك في أنه لا تجوز القراءة به لا في الصلاة ولا في غيرها، ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به وإنما ورد من طرق غريبة لا يعول عليها وهذا يظهر لمنع من القراءة به أيضا، ومنه ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن قراءة به قديما وحديثا فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره. قال البغوي: أولى من يعتمد عليه في ذلك فإنه مقرئ فقيه جامع للعلوم. قال: وهكذا التفصيل في شواذ السبع فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا. قلت: هذا الكلام هو الصحيح الذي لا محيد عنه فدونك من هذا الإمام عض عليه بالنواجذ. وسئل ولده شيخنا الإمام قاضي القضاة عبد الوهاب عن قوله في كتابه "جمع الجوامع في الأصول": والسبع متواترة مع قوله والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ إذا كانت العشر متواترة فلم لا قلتم والعشر متواترة بدل قولكم والسبع؟ فأجاب: أما كوننا لم نذكر العشر بدل السبع مع ادعائنا تواترها فلأن السبع لم يختلف في تواترها وقد ذكرنا أولا موضع الإجماع ثم عطفنا عليه بموضع الخلاف على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط ولا يصح القول به ممن يعتبر قوله في الدين وهي -أعني القراءات الثلاث- قراءة يعقوب وخلف وأبي جعفر بن القعقاع لا تخالف رسم المصاحف. ثم قال: سمعت الشيخ الإمام -يعني والده مجتهد العصر أبا الحسن السبكي- يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه عنه أنه منع القراءة بها واستأذنه بعض أصحابنا في إقراء السبع فقال: أذنت لك أن تقرئ العشر. قلت: نقلته من كتابه "منع الموانع على سؤالات جمع الجوامع" وقد جرى بيني وبينه ﵀ في ذلك كلام كثير وقلت له ما معناه: كان ينبغي أن تقول والعشر ولا بد. فقال لي: أردنا التنبيه على الخلاف فقلت: يا سيدي وأين الخلاف وأين القائل بالخلاف ومن نص من الأئمة أو غيرهم على أن قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف غير متواترة؟ فقال: يفهم من قول ابن الحاجب والسبع متواترة. فقلت: أي سبع وعلى تقدير أن يقول هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي مع أن كلام ابن الحاجب ما يدل على ذلك فقراءة خلف لا تخرج عن قراءة أحد منهم أبدا بل ولا عن قراءة عاصم وحمزة والكسائي في حرف واحد، فكيف يقول أحد بعدم تواترها مع ادعائه تواتر السبع؟ وأيضا فلو قلنا إن

стр. 79

مراده قراءة هؤلاء السبعة فمن أي رواية ومن أي طريق ومن أي كتاب؟ فالتخصيص لم يدعه ابن الحاجب ولو ادعاه لما سلم إليه ولا يقدر عليه بقي الإطلاق وهو كل ما جاء عن السبعة فقراءة يعقوب وأبي جعفر فيما انفردا به جاءت عن السبعة. فقال لي ﵀. فمن أجل هذا قلت: والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ ما يقابل الصحيح إلا فاسد، وظهر منه في تلك الحالة أنه بدا له تغيير السبع بالعشر فلم يمهل وانتقل إلى رحمة الله تعالى. وأنشدته يوما من أول قصيدتي هداية المهرة في تتمة العشرة: وبعد فإني ناظم الأحرف الثلا ... ثة الغر نظما موجزا ومفصلا لمن أتقن السبع القراءات وهو يط ... لب العشر والطرق العوالي مكملا فكم من إمام قال فيها تواترت ... وإجماع أهل العصر في ذا تنزلا وذا الحق وهو الاعتقاد بلا مرا ... فتتلو بها في الفرض مع غيره كلا فاستحسنها كثيرا ثم سألته أن يكتب لي شيئا في هذا المعنى يشفي القلب فقال لي: اكتب لي فتوى أكتب لك عليها فكتبت له ما صورته: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين ﵃ أجمعين في القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم، هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كل ما انفرد به واحد من الأئمة العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة فماذا يجب على من جحددها أو حرفا منها؟ أفتونا مأجورين رضي الله عنكم أجمعين. فأجابني ما صورته ومن خطه نقلت: الحمد لله؛ القراءات العشر -السبع التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف- متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة متواتر معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر في ذلك إلا جاهل، وليس التواتر في شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا، ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا تسع هذه الورقة شرحه وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه والله تعالى أعلم؛ كتبه عبد الوهاب السبكي الشافعي. قلت: ولو عاش ﵀ حتى وقف على هذا المؤلف لأنصف ولكتب عليه كما كان يتفضل في غيره من تآليفي رحمه الله تعالى. وأما قول الشيخ علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي في آخر كتابه

стр. 80

"جمال القراء": واعلم أن أئمة الدين وعلماء المسلمين أجمعوا على قراءات السبعة حين اعتبروا قراءاتهم وتدبروا روايتهم وعلموا ثقتهم وعدالتهم وإنما سلكوا المحجة ونكبوا عن بنيات الطرق ورفضوا الشاذ واعتمدوا على الأثر وهجروا من خالف ذلك ولم يأخذوا عنه وتركوا قراءة من كان يرى جواز القراءة بما يجوز في العربية وإن لم يرجع إلى آثار مروية عملا بقول رسول الله ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ١. ا. هـ. فقد يتشبث به من لا تحقيق عنده ولا إنصاف. واعلم أنه صريح في عدم صحة قراءات الثلاثة أو غيرها مما عدا السبعة، وغاية ما يدل هو عليه أن الأئمة أجمعوا على قراءات السبعة ونحن نقول بذلك ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما عدا السبعة ليس بصحيح وهذا بعينه كقول الإمام محيي السنة البغوي المتقدم في أول هذا الباب حيث حكى اتفاق الأمة على قراءاتهم بل هو أبلغ، ولا يلزم أيضا أن يكون ما وراء العشرة غير صحيح. وأما قول السخاوي وتركوا قراءة من كان يرى جواز القراءة بما يجوز من العربية ولم يرجع إلى آثار مروية فإنه لا يريد بذلك أحدا من الأئمة الثلاثة ولا من رواتهم، وإنما عبر بذلك أبو بكر بن مقسم فإنه كان يرى ذلك وقد أنكر عليه أئمة زمانه ذلك فأحضر واستتيب وكتب عليه محضر بذلك وبرجوعه كما أثبتنا ذلك في كتابنا المسمى بتاريخ القراء وغيره. ومما يوضح أن السخاوي ﵀ لم يرد أن قراءة الثلاثة غير صحيحة ولا أنها شاذة ولا أنها لا تجوز التلاوة بها أنه قرأ القرآن كله بالقراءات العشر وما زاد عليها على شيخه الإمام العلامة أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي بدمشق. وقرأ أيضا بالقراءات العشر على الشيخ أبي الفضل الغزنوي بمصر، وقرأ أيضا بعدة كتب في القراءات سوى الشاطبية والتيسير على الشيخ أبي الجود غياث بن فارس بمصر أيضا، وذلك كله بعد قراءته على الشاطبي ﵀. وروى كتاب المصباح في القراءات العشر والروايات الكثيرة لأبي الكرم الشهرزوري عن داود بن ملاعب، ونقل منه ما نقل من الغرائب في كتاب "جمال القراء" ولكنه ﵀ كان مشغوفا بالشاطبية معنيا بشهرتها معتقدا في شأن مؤلفها وناظمها رحمه الله تعالى، ولهذا اعتنى بشرحها فكان أول من شرحها وهو الذي قام بشرحها بدمشق وطال عمره واشتهرت فضائله فقصده الناس من الأقطار فاشتهرت الشاطبية بسببه وإلا فما كان قبله تعرف الشاطبية ولا تحفظها. وكان أهل مصر

стр. 81

أكثر ما يحفظون العنوان لأبي الطائف مع مخالفته لكثير مما تضمنته الشاطبيه، وكان أهل العراق لا يحفظون سوى "الإرشاد" لأبي العز ولهذا نظمه كثير من الواسطيين والبغداديين، ولولا ما وقع من فتنة هؤلاء بالعراق وفتنة الجنكزخانيين، ببلاد العجم وما وراء النهر وقتل من قتل من أهل القراءات وغيرهم لما اشتهر فيها الشاطبية ولا التيسير كما هو معلوم عند العلماء المحققين الذين تعتبر أقوالهم ولهم على أكفا اطلاع يحصر. وأما قول الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في كتاب "التبيان" مما يفهم رد ما زاد على العشرة فقد أباه الأئمة المحققون والفقهاء المدققون كما تقدم الإشارة إليه من كلام السلف والخلف وغيرهم إذ مدار صحة القراءة على الأركان الثلاثة المتقدمة فهو الحق الذي لا محيد عنه والحق أحق أن يتبع والله الولي الموفق.

стр. 82

الباب السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة وأنها متواترة الفصل الأول: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة ... الباب السادس: "في أن العشرة بعض الأحرف السبعة وأنها متواترة" "فرشا وأصولا حال اجتماعهم وافتراقهم وحل مشكلات ذلك" وفيه فصلان: "الفصل الأول": "في أن العشرة بعض الأحرف السبعة" الذي لا شك فيه أن قراءة الأئمة السبعة والعشرة والثلاثة عشر وما وراء ذلك بعض الأحرف السبعة من غير تعيين، ونحن لا نحتاج إلى الرد على من قال إن القراءات السبعة هي الأحرف السبعة فإن هذا قول لم يقله أحد من العلماء، لا كبير ولا صغير، وإنما هو شيء اتبعه العلماء قديما وحديثا في حكايته والرد عليه وتخطئة أنفسهم وهو شيء يظنه جهلة العوام لا غير فإنهم يسمعون إنزال القرآن على سبعة أحرف وسبع روايات فيتخيلون ذلك لا غير، ونحن لا نتعب أنفسنا كما أتعب من قبلنا أنفسهم في ذكره أو الرد عليه. قال الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدودي: وأصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أن ما نحن عليه القرآن، وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي ﷺ أن القرآن نزل عليها يجري على ضربين: أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى، وتقدم كلمة على أخرى، وذلك نحو ما روي عن بعضهم "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" وروي عن بعضهم "حم سق" "وإذا جاء فتح الله والنصر" فهذا الضرب وما أشبهه متروك لا تجوز القراءة به، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن يأخذه بالأدب بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد،

стр. 83

ومن قرأ وجادل عليه ودعا الناس إليه وجب عليه القتل لقول النبي ﷺ : "المراء في القرآن كفر" ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم. والضرب الثاني: ما اختلف القراء فيه من إظهار وإدغام وروم وإشمام ومد وقصر وتخفيف وشد وإبدال حركة بأخرى وياء وبتاء وواو بفاء وما أشبه ذلك من الاختلاف المتقارب. فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا. هذا وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار سوى ما وقع فيه من الاختلاف في حروف يسيرة. قال: فثبت بهذا أن القراءات التي يقرأ بها هي بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن استعملت بموافقتها المصحف الذي أجمعت عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفتها لمرسوم خط المصحف إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن. ا. هـ. والذي ذهب إليه محمد بن جرير الطبري أن كل ما عليه الناس من القراءات مما يوافق خط المصحف هو حرف واحد من الأحرف السبعة فتكون القراءات العشر على قوله بعض حروف. قال في كتابه "البيان": واختلاف القراء فيما اختلفوا فيه كل اختلاف. قال: وليس هذا الذي أراد النبي ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" قال: وما اختلف فيه القراء عن هذا بمعزل لأن ما اختلف فيه القراء لا يخرجون فيه عن خط المصحف الذي كتب على حرف واحد. قلت: المصحف كتب على حرف واحد لكن لكونه جرد عن النقط والشكل احتمل أكثر من حرف إذ لم يترك الصحابة إدغام ولا إمالة ولا تسهيلا ولا نقلا ولا نحو ذلك مما هو في باقي الأحرف الستة وإنما تركوا ما كان قبل ذلك من زيادة كلمة ونقص أخرى ونحو ذلك مما كان مباحا لهم القراءة به كما تقدم في آخر الباب الثاني. وقال مكي في كتابه "الأمانة" الذي جعله متصلا بآخر كتاب "الكشف" له: إن هذه القراءات كلها التي يقرأ الناس بها اليوم وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووافق اللفظ بها خط مصحف عثمان ﵁ الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه واطرح ما سواه مما خالف خطه. ثم أخذ في تقرير ذلك بنحو ما قدمناه. وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر: وهذا الذي عليه الناس اليوم في مصاحفهم وقراءتهم حرف من بين سائر الحروف لأن عثمان جمع المصاحف عليه وقال: هذا الذي عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه وتجوز الصلاة به وبالله العصمة والهدى. قلت: وكذا أقوال المعتبرين في ذلك أن القراءات التي عليها الناس اليوم الموافقة لخط المصحف إنما هي بعض الأحرف السبعة من غير تعيين وقيل: حرف منها وقيل: بعض حرف.

стр. 84

" الفصل الثاني": "في أن القراءات العشر متواترة " "فرشا وأصولا حال اجتماعهم وافتراقهم وحل مشكل ذلك" اعلم أن العلماء بالغوا في ذلك نفيا وإثباتا وأنا أذكر أقوال كلٍ ثم أبين الحق من ذلك. أما من قال بتواتر الفرش دون الأصول فابن الحاجب. قال في مختصر الأصول له: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه. فزعم أن المد والإمالة وما أشبه ذلك من الأصول كالإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات ونقل الحركة وتسهيل الهمزة من قبيل الأداء وأنه غير متواتر، وهذا قول غير صحيح كما سنبينه. أما المد فأطلقه وتحته ما يسكب العبرات فإنه إما أن يكون طبيعيا أو عرضيا، والطبيعي هو الذي لا تقوم ذات حروف والمد بدونه كالألف من "قال" والواو من "يقول" والياء من "قيل" وهذا لا يقول مسلم بعدم تواتره إذ لا تمكن القراءة بدونه. والمد العرضي هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب إما سكون أو همز، فأما السكون فقد يكون لازما كما في فواتح السور، وقد يكون مشددا نحو "آلم" "ق" "ن" "ولا الضالين" ونحوه فهذا يلحق بالطبيعي لا يجوز فيه القصر لأن المد قام مقام حرف توصلا للنطق بالساكن، وقد أجمع المحققون من الناس على مده قدرا سواء. وأما الهمز فعلى قسمين: الأول: إما أن يكون حرف المد في كلمة والهمز في أخرى وهذا تسميه القراء منفصلا. واختلفوا في مده وقصره وأكثرهم على المد، فادعاؤه عدم تواتر المد فيه ترجيح من غير مرجح ولو قال العكس لكان أظهر لشبهته لأن أكثر القراء على المد. الثاني: أن يكون الحرف المد والهمز في كلمة واحدة وهو الذي يسمى متصلا، وقد أجمع القراء سلفا وخلفا من كبير وصغير وشريف وحقير على مده لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن بعض ممن لا يعول عليه بطريق شاذه فلا تجوز القراءة به حتى إن إمام الرواية أبا القاسم الهذلي الذي دخل المشرق والمغرب وأخذ القراءة عن ثلاثمائة

стр. 85

وخمسة وستين شيخا وقال: رحلت من آخر الغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا وألف كتابه "الكامل" الذي جمع فيه بين الذرة وأذن الجرة من صحيح وشاذ ومشهور ومنكر فقال في باب المد في فصل المتصل: لم يختلف في هذا الفصل أنه ممدود على وتيرة واحدة فالقراء فيه على نمط واحد وقد رواه بثلاث ألفات إلى أن قال: وذكر العراقي أن الاختلاف في مد كلمة واحدة كالاختلاف في مد كلمتين ولم أسمع هذا لغيره، وطالما مارست الكتب والعلماء فلم أجد من يجعل مد الكلمة الواحدة كمد الكلمتين إلا العراقي. قلت: والعراقي هذا هو منصور بن أحمد المقرئ كان بخراسان ولقد أخطأ في ذلك، وشيوخه الذين قرأ عليهم نعرفهم الإمام أبو بكر بن مهران وأبو الفرج الشنبوذي وإبراهيم بن أحمد المروزي لم يرو عنهم شيء من ذلك في طريق من الطرق، فإذا كان كذلك يجسر ابن الحاجب أو من هو أكبر منه على أن يقدم على ما أجمع عليه فيقول هو غير متواتر. فهذه أقسام المد العرضي أيضا متواترة لا يشك في ذلك إلا جاهل، وكيف يكون المد غير متواتر وأجمع الناس عليه خلفا عن السلف؟ فإن قيل: وقد وجدنا القراء في بعض الكتب كالتيسير للحافظ الداني وغيره جعل لهم فيما مد للهمز مراتب في المد إشباعا وتوسطا وفوقه ودونه وهذا لا ينضبط إذ المد لا حد له وما لا ينضبط كيف يكون متواترا؟ قلت نحن لا ندعي أن مراتبهم متواترة وإن كان قد ادعاه طائفة من القراء والأصوليين بل نقول: إن المد العرضي من حيث هو متواتر مقطوع به قرأ به النبي ﷺ وأنزله الله تعالى عليه وأنه ليس من قبيل الأداء فلا أقل من أن نقول: القدر المشترك متواتر، وأما ما زاد على القدر المشترك كعاصم وحمزة وورش فهو إن لم يكن متواترا فصحيح مستفاض متلقى بالقبول ومن ادعى تواتر الزائد على القدر المشترك فليبين. وأما الإمالة على نوعيها فهي وضدها لغتان فاشيتان من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن مكتوبتان في المصاحف متواترتان، وهل يقول أحد في لغة أجمع الصحابة والمسلمون على كتابتها في المصاحف أنها من قبيل الأداء وقد نقل الحافظ الحجة أبو عمرو الداني في كتابه "إيجاز البيان" الإجماع على أن الإمالة لغة لقبائل العرب دعاهم إلى الذهاب إليها التماس الخفة. وقال الإمام أبو القاسم الهذلي في كتاب "الكامل": إن الإمالة والتفخيم لغتان ليست إحداهما أقدم من الأخرى بل نزل القرآن بهما جميعا. إلى أن قال: والجملة بعد التطويل أن من قال إن الله تعالى لم ينزل القرآن بالإمالة أخطأ

стр. 86

وأعظم الفرية على الله تعالى وظن بالصحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتقى. قلت: كأنه يشير إلى كونهم كتبوا بالإمالة في المصاحف نحو يحيى وموسى وهدى ويسعى والهدى ويغشيها وسويها وجليها وآسى وآتيكم وما أشبه ذلك مما كتبوه بالياء على لغة الإمالة وكتبوا مواضع تشبه هذا بالألف على لغة الفتح منها قوله في سورة إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية: ٣٦] حتى إنهم كتبوا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الآية: ٢٧٣] في البقرة بالياء و ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الآية: ٢٩] في الفتح بالألف. وأي دليل أعظم من ذلك؟ قال الهذلي: وقد أجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتفخيم. وذكر أشياء ثم قال: وما أحد من القراء إلا رويت عنه إمالة قلت أو كثرت. إلى أن قال: وهي -يعني الإمالة- لغة هوازن وبكر بن وائل وسعد بن بكر. وأما تخفيف الهمز ونحوه من النقل والإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات فمتواتر قطعا معلوم أنه منزل من الأحرف السبعة ومن لغات العرب الذين لا يحسنون غيره، وكيف يكون ذلك غير متواتر أو من قبيل الأداء وقد أجمع القراء في مواضع على الإدغام كـ ﴿مُدَّكِرٍ﴾ و ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] و ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وفي مواضع على تخفيف الهمز نحو ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] ﴿آللَّهُ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وفي الاستفهام وفي مواضع على النقل نحو ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] و"يرى" و"نرى" وعلى ترقيق الراءات في مواضع نحو "فرعون" و"مرية" وعلى تفخيم اللامات في مواضع نحو اسم الجلالة بعد الضمة والفتحة. وأجمع الصحابة ﵃ في كتابة الهمزة الثانية من قوله في آل عمران ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [الآية: ١٥] بواو. قال الحافظ أبو عمرو الداني وغيره: إنما كتبوا ذلك على إرادة تسهيل الهمزة بين بين. ا. هـ. وكيف يكون ما أجمع عليه القراء أمما عن أمم غير متواتر؟ وإذا كان المد وتخفيف الهمز والإدغام غير متواتر على الإطلاق، فما الذي يكون متواترا أقصر "آلم" و"دابة" و"أولئك" الذي لم يقرأ به أحد من الناس أم تخفيف همزة "آلذكرين" "الله" الذي أجمع الناس؟ على أنه لا يجوز وأنه لحن إظهار "مدكر" الذي أجمع الصحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام فليت شعري من الذي تقدمه قبل بهذا القول فقفي أثره، والظاهر أنه لما سمع قول الناس إن التواتر فيما ليس من قبيل الأداء ظن أن المد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه من قبيل الأداء فقال غير مفكر فيه وإلا فالشيخ أبو عمرو لو فكر فيه لما أقدم عليه أو لو وقف على كلام إمام الأصوليين من غير مدافعة القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني في كتاب الانتصار حيث

стр. 87

قال: جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم حيث قال: استفاض نقله ولم يدخل في حكم الشذوذ بل رآه سائغا جائزا من همز وإدغام ومد وتشديد وحذف وإمالة أو ترك ذلك كله أو شيء منه أو تقديم أو تأخير فإنه كله منزل من عند الله تعالى ومما وقف الرسول ﷺ على صحته وخير بينه وبين غيره وصوب جميع القراء به. قال: ولو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول ﷺ والصحابة أو غير ذلك لسوغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول ﷺ ثم أطال ﵀ الكلام على تقدير ذلك وجوز أن يكون النبي ﷺ أقرأ واحدا بعض القرآن بحرف وبعضه بحرف آخر على ما قد يراه أيسر على القارئ. قلت: وظهر من هذا أن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع قد أخذه الصحابي كذلك من رسول الله ﷺ وأقرأه كذلك إلى أن اتصل بالقراءة نحو قراءة حفص ﴿مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] بالإمالة فقط ولم يمل في القرآن غيره، وقراءة ابن عامر "إبراهام" في مواضع محصورة، وقراءة أبي جعفر "يُحزِن" [الأحزان: ٥١] بضم الياء وكسر الزاي في الأنبياء فقط وفتح الياء وضم الزاي في باقي القرآن، وقراءة نافع عكسه في جميع القرآن بضم الياء وكسر الزاي إلا في الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي وشبه ذلك مما يقول القراء عنه أجمع بين اللغتين. وليت الإمام ابن الحاجب أخلى كتابه من ذكر القراءات وتواترها كما أخلى غيره كتبهم منها، وإذ قد ذكرها فليته لم يتعرض إلى ما كان من قبيل الأداء، وإذ قد تعرض فليته سكت عن التمثيل فإنه إذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي ﷺ كتقسيم وقف حمزة وهشام وأنواع تسهيله فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن رسول الله ﷺ فلم يتواتر أنه وقف على موضع خمسين وجها ولا بعشرين ولا بنحو ذلك وإنما إن صح شيء منها فوجه والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء. ولما قال ابن السبكي في كتابه "جمع الجوامع" و"السبع متواترة" قيل: فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه سئل عن زيادته على ابن الحاجب قيل: المقتضية لاختياره أن ما هو من قبيل الأداء كالمد والإمالة إلى آخره متواتر. فأجاب ﵀ في كتابه "منع الموانع"؛ اعلم أن السبع متواترة والمد متواتر والإمالة متواترة، كل هذا بين لا شك فيه، وقول ابن الحاجب فيما ليس من قبيل الأداء صحيح لو تجرد عن قوله كالمد والإمالة لكن تمثيله بهذا أوجب فساده كما سنوضحه من بعد فلذلك قلنا "قيل" ليتبين أن القول بأن المد والإمالة والتخفيف غير متواترة ضعيف عندنا بل هي متواترة ثم أخذ بذكر المد والإمالة

стр. 88

والتخفيف إلى أن قال: فإذا عرفت ذلك فكلامنا قاض بتواتر السبع ومن السبع مطلق المد والإمالة وتخفيف الهمز بلا شك. أما من قال إن القراءات متواترة حال اجتمع القراء لا حال افتراقهم فأبو شامة قال في المرشد الوجيز في الباب الخامس منه: فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح في قراءاتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيرهم، فمما نسب إليهم وفيه إنكار أهل اللغة وغيرهم الجمع بين الساكنين في تاءات البزي وإدغام أبي عمرو وقراءة حمزة "فما اسطاعوا" [الكهف: ٩٧] وتسكين من أسكن "بارئكم" ونحوه و"سبأ" و"يا بني" و"مكر السيء" وإشباع الياء في "نرتعي" و"يتقي" و"يبصر" و"أفئدة من الناس" وقراءة "ملئكة" بفتح الهمزة وهمز "ساقها" وخفض "والأرحام" في أول النساء ونصب "كن فيكون" والفصل بين المتضايفين في "الأنعام" وغير ذلك إلى أن قال: فكل ذلك محمول على قلة ضبط الرواة فيه ثم قال: وإن صح النقل فيه فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة المباحة عليه على ما هو جائز في العربية فصيحا كان أو بدون ذلك. وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا على اللغة الفصحى من لغة قريش وما ناسبها حملا لقراءة النبي ﷺ والسادة من أصحابه على ما هو اللائق فإنهم إنما كتبوه على لغة قريش فكذا قراءتهم به. قال: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي في كل فرد فرد ممن روى عن هؤلاء الأئمة السبعة قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله تعالى واجب. قال: ونحن بهذا نقول لكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها. فانظر يا أخي إلى هذا الكلام الساقط الذي خرج من غير تأمل المتناقض في غير موضع في هذه الكلمات اليسيرة أوقفت عليها شيخنا الإمام ولي الله تعالى أبا محمد محمد بن محمد بن محمد الجمالي ﵁ فقال: ينبغي أن يعدم هذا الكتاب من الوجود ولا يظهر البتة وأنه طعن في الدين. قلت: ونحن -يشهد الله- أنا لا نقصد إسقاط الإمام أبي شامة -إذ الجواد قد يعثر، ولا نجهل قدره بل الحق أحق أن يتبع- ولكن نقصد التنبيه على هذه الزلة المزلة ليحذر منها من لا معرفة له بأقوال الناس ولا

стр. 89

اطلاع له على أحوال الأئمة. أما قوله: "فمما نسب إليهم وفيه إنكار أهل اللغة إلخ" فغير لائق بمثله أن يجعل ما ذكره منكرا عند أهل اللغة وعلماء اللغة والإعراب الذي عليهم الاعتماد سلفا وخلفا يوجهونها ويستدلون بها وأنى يسعهم إنكار قراءات تواترت أو استفاضت عن رسول الله ﷺ الأنويس لا اعتبار بهم لا معرفة لهم بالقراءات ولا بالآثار جمدوا على ما علموا من القياسات وظنوا أنهم أحاطوا بجميع لغات العرب أفصحها وفصيحها حتى لو قيل لأحدهم شيء من القرآن على غير النحو الذي أنزله الله يوافق قياسا ظاهرا عنده لم يقرأ بذلك أحد لقطع له بالصحة كما أنه لو سئل عن قراءة متواترة لا يعرف لها قياسا لأنكرها ولقطع بشذوذها حتى إن بعضهم قطع في قوله : ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] بأن الإدغام الذي أجمع عليه الصحابة ﵃ والمسلمون لحن وأنه لا يجوز عند العرب لأن الفعل الذي هو "تأمن" مرفوع فلا وجه لسكونه حتى أدغم في النون التي تليه، فانظر يا أخي إلى قلة حياء هؤلاء من الله تعالى يجعلون ما عرفوه من القياس أصلا والقرآن العظيم فرعا حاشا العلماء المقتدى بهم من أئمة اللغة والإعراب من ذلك، بل يجيئون إلى كل حرف مما تقدم ونحوه يبالغون في توجيهه والإنكار على من أنكره حتى إن إمام اللغة والنحو أبا عبد الله محمد بن مالك قال في منظومته الكافية الشافية في الفصل بين المتضايفين: وعمدتي قراءة ابن عامر ... فكم لها من عاضد وناصر ولولا خوف الطول وخروج الكتاب عن مقصوده لأوردت ما زعم أن أهل اللغة أنكروه وذكرت أقوالهم فيها ولكن إن مد الله في الأجل لأضعن كتابا مستقلا في ذلك يشفي القلب ويشرح الصدر أذكر فيه جميع ما أنكره من لا معرفة له بقراءة السبعة والعشرة ولله در الإمام أبي نصر الشيرازي حيث حكى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] كلام الزجاجي في تضعيف قراءة الخفض ثم قال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محظور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان أفصح منه فإنا لا ندعي أن كل ما في القراءات على أرفع الدرجات من الفصحاة. وقال الإمام الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه "جامع البيان" عند ذكره إسكان "بارئكم" و"يأمركم" لأبي عمرو بن العلاء وأئمة القراء: لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل

стр. 90

والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة فلزم قبولها والمصير إليها. قلت: ثم لم يكف الإمام أبا شامة حتى قال: فكل ذلك -يعني ما تقدم- محمول على قلة ضبط الرواة. لا والله بل كله محمول على كثرة الجهل ممن لا يعرف لها أوجها وشواهد صحيحة تخرج عليها كما سنبينه إن شاء الله تعالى في الكتاب الذي وعدنا به آنفا إذ هي ثابتة مستفاضة ورواتها أئمة ثقات، وإن كان ذلك محمولا على قلة ضبطهم فليت شعري أكان الدين قد هان على أهله حتى يجيء شخص في ذلك الصدر يدخل في القراءة بقلة ضبطه ما ليس منها فيسمع منه ويؤخذ عنه ويقرأ به في الصلوات وغيرها ويذكره الأئمة في كتبهم ويقرءون به ويستفاض ولم يزل كذلك إلى زماننا هذا لا يمنع أحد من أئمة الدين القراءة به مع أن الإجماع منعقد على أن من زاد حركة أو حرفا في القرآن أو نقص من تلقاء نفسه مصرا على ذلك يكفر والله جل وعلا تولى حفظه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وأعظم من ذلك تنزله إذ قال: وعلى تقدير صحتها وأنها من الأحرف السبعة لا ينبغي قراءتها حملا لقراءة النبي ﷺ وأصحابه على ما هو اللائق بهم. فإذا كان النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم لم يقرءوا بها مع تقدير صحتها وأنها من الأحرف السبعة فمن أوصلها إلى هؤلاء الذين قرءوا بها. ثم يقول: فلا أقل من اشتراط يعني من اشتراط الشهرة والاستفاضة. قلت: ألا تنظرون إلى هذا القول ثم أحد في الدنيا يقول إن قراءة ابن عامر وحمزة وأبي عمرو ومن اجتمع عليه أهل الحرمين والشام أبي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وفي قراءة البزي وقنبل وهشام إن تلك غير مشهورة ولا مستفاضة إن لم تكن متواترة؟ هذا كلام من لم يدر ما يقول حاشا الإمام أبا شامة منه وأنا من فرط اعتقادي فيه أكاد أجزم بأنه ليس من كلامه في شيء، ربما يكون بعض الجهلة المتعصبين ألحقه بكتابه أو أنه إنما ألف هذا الكتاب أول مرة كما يقع لكثير من المصنفين وإلا فهو في غيره من مصنفاته كشرحه للشاطبية بالغ في الانتصار والتوجيه لقراءة حمزة و"الأرحام" بالخفض والفصل بين المتضايقين ثم قال في الفصل: ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في الكلام مثله لأنه ناف ومن أسند هذه القراءة مثبت والإثبات مرجح على النفي بالإجماع. قال: ولو نقل إلى هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر لرجع عن قوله، فما باله ما يكتفي بناقلي القراءة من التابعين عن الصحابة ﵃ ثم أخذ في تقرير ذلك.

стр. 91

قلت: هذا الكلام مباين لما تقدم وليس منه في شيء وهو الأليق بمثله ﵀. ثم قال أبو شامة في المرشد بعد ذلك القول: فالحاصل أنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها قلت: ونحن كذلك لكن في القليل منها كما تقدم في الباب الثاني. قال: وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها كإدغام أبي عمرو ونقل الحركة لورش وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي ﷺ في كل فرد فرد من ذلك وهنالك تسكب العبرات فإنها من ثم لم ينقلها إلا آحاد إلا اليسير منها. قلت: هذا من جنس ذلك الكلام المتقدم أوقفت عليه شيخنا الإمام واحد زمانه شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب بيبرود الشافعي فقال لي: معذور أبو شامة حيث إن القراءات كالحديث مخرجها كمخرجه إذا كان مدارها على واحد كانت آحادية وخفي عليه أنها نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحا وإلا فكل أهل بلدة كانوا يقرؤنها أخذوها أمما عن أمم ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده لم يوافقه على ذلك أحد بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها. قلت: صدق ومما يدل على هذا ما قال ابن مجاهد قال لي قنبل قال لي القواس في سنة سبع وثلاثين ومائتين: الق هذا الرجل -يعني البزي- فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا يعني "وما هو بميت" [إبراهيم: ١٧] مخففا وإنما يخفف من الميت من قد مات ومن لم يمت فهو مشدد, فلقيت البزي فأخبرته فقال لي: قد رجعت عنه. وقال محمد بن صالح؛ سمعت رجلا يقول لأبي عمرو: كيف تقرأ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] فقال: لا يعذب بالكسر. فقال له الرجل: كيف وقد جاء عن النبي ﷺ "لا يعذب" بالفتح؟ فقال له أبو عمرو: لو سمعت الرجل الذي قال سمعت النبي ﷺ ما أخذته عنه، وتدري ما ذاك؟ لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة. قال الشيخ أبو الحسن السخاوي: وقراءة الفتح أيضا ثابتة بالتواتر. قلت: صدق لأنها قراءة الكسائي. قال السخاوي: وقد تواتر الخبر عند قوم دون قوم وإنما أنكرها أبو عمرو لأنها لم تبلغه على وجه التواتر. قلت: وهذا كان من شأنهم على أن تعيين هؤلاء القراء ليس بلازم ولو عين غير هؤلاء لجاز، وتعيينهم إما لكونهم تصدوا للإقراء أكثر من غيرهم أو لأنهم شيوخ المعين كما تقدم ومن ثم كره من كره من السلف أن تنسب القراءة إلى أحد، روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخغي قال: كانوا يكرهون سند فلان وقراءة فلان.

стр. 92

قلت: وذلك خوفا مما توهمه أبو شامة من أن القراءة إذا نسبت إلى شخص تكون آحادية ولم يدر أن كل قراءة نسبت إلى قارئ من هؤلاء كان قراؤها زمن قارئها وقبله أكثر من قرائها في هذا الزمان وأضعافهم، ولو لم يكن انفراد القراء متواترا لكان بعض القرآن غير متواتر لأنا نجد في القرآن أحرفا تحتلف القراء فيها ولك واحد منهم على قراءة لا توافق الآخر كـ ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: ١١١، الشعراء: ٣٦] وغيرها فلا يكون شيء منها متواترا. وأيضا قراءة من قرأ "مالك" و"يخادعون" فكثير من القرآن غير متواتر لأن التواتر لا يثبت باثنين ولا بثلاثة. قال الإمام الجعبري في رسالته: وكل وجه من وجوه قراءته كذلك يعني متواترا إلا أنها أبعاضه ثم قال: فظهر من هذا فساد قول من قال هو متواتر دونها إذ هو عبارة عن مجموعها، فإذا قرأ نحو الصراط فلا أعني عن واحد منهما. قال: فلزم من عدم تواترها عدم تواتره والكلام منتفٍ. قلت: أشار بها إلى قول أبي شامة والله أعلم. ومما يحقق لك أن قراءة أهل كل بلد متواترة بالنسبة إليهم أن الإمام الشافعي ﵁ جعل البسملة من القرآن مع أن روايته عن شيخه مالك تقتضي عدم كونها من القرآن لأنه من أهل مكة وهم يثبتون البسملة بين السورتين ويعدونها من أول الفاتحة آية وهو قرأ قراءة ابن كثير على إسماعيل القسط عن ابن كثير فلم يعتمد على روايته عن مالك في عدم البسملة لأنها آحاد واعتمد على قراءة ابن كثير لأنها متواترة، وهذا لطيف فتأمله فإنني كنت أجد في كتب أصحابنا يقولون: إن الشافعي ﵁ روى حديث عدم البسملة عن مالك ولم يعول عليه. فدل على أنه ظهرت له عله فيه وإلا لما ترك العمل به. قلت: ولم أر أحدا من أصحابنا بيَّن العلة، فبينا أنا ليلة مفكر إذ فتح الله تعالى بما تقدم -والله تعالى أعلم- إنها هي العلة مع أني قرأت القرآن برواية إمامنا الشافعي عن ابن كثير كالبزي وقنبل، ولما علم ذلك بعض أصحابنا من كبار الأئمة الشافعية قال لي: أريد أن أقرأ عليك القرآن بها. ومما يزيدك تحقيقا ما قاله أبو حاتم السجستاني قال: أول من تتبع بالبصرة وجوه القراءة وألفها وتتبع الشاذ منها هارون بن موسى الأهور قال: وكان من القراء فكره الناس ذلك وقالوا: قد أساء حين ألفها وذلك أن القراءة إنما يأخذها قرون وأمة عن أفواه أمة ولا يلتفت منها إلى ما جاء من راوٍ عن راوٍ. قلت: يعني أحادا عن آحاد. وقال الحافظ العلامة أبو سعيد خليل كيكلدي العلائي في كتابه "المجموع المذهب": وللشيخ شهاب الدين أبي شامة في كتابه "المرشد الوجيز" وغيره كلام في

стр. 93

الفرق بين القراءات السبع والشاذة منها وكلام غيره من متقدمي القراء ما يوهم أن القراءات السبع ليست متواترة كلها وأن أعلاها ما اجتمع فيه صحة السند وموافقة خط المصحف الإمام والفصيح من لغة العرب وأنه يكفي فيها الاستفاضة وليس الأمر كما ذكر هؤلاء، والشبهة دخلت عليهم من انحصار أسانيدها في رجال معروفين وظنوها كاجتهاد الآحاد. قلت: وقد سألت شيخنا إمام الأئمة أبا المعالي رحمه الله تعالى عن هذا الموضع فقال: انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القرآن عن غيرهم فلقد كان يتلقاه أهل كل بلد يقرؤه منهم الجم الغفير عن مثلهم وكذلك دائما والتواتر حاصل لهم، ولكن الأئمة الذين تصدوا لضبط الحروف وحفظوا شيوخهم منها وجاء السند من جهتهم وهذه الأخبار الواردة في حجة الوداع ونحوها أجلي ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم التواتر عن مثلهم في كل عصر فهذه كذلك وقال: هذا موضع ينبغي التنبيه له. ا. هـ. والله أعلم.

стр. 94

الباب السابع: "في ذكر من كره من العلماء الاقتصار على القراءات السبع وأن ذلك سبب نسبتهم ابن مجاهد إلى التقصير" اعلم أن العلماء إنما كرهوا ممن اقتصر على السبع من كان يعتقد أنها التي أردها النبي ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" وأنه يقول إن ما عداها شاذ وإلا لو اقتصر شخص على قراءة واحدة أو بعض قراءة غير معتقد بسببها اعتقادا خطأ يجوز له ذلك بلا خلاف بين العلماء من غير كراهة. قال الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي: فأما اقتصار أهل الأمصار في الأغلب على نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، فذهب إليه بعض المتأخرين اختصارا واختيارا فجعله عامة الناس كالفرض المحتم حتى إذا سمع ما يخالفنها خطأ وكفر وربما كانت أظهر وأشهر قال: ثم اقتصر من قلت عنايته على راويين لكل إمام منهم فصار إذا سمع قراءة راوٍ روى عنه غيرهما أبطلها وربما كانت أشهر قال: ولقد فعل مسبع هؤلاء ما لا ينبغي له أن يفعله وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لا يسعهم جهله وأوهم كل من قل نظره أن هذه هي المذكورة في الخبر النبوي لا غير وأكدوهم السابق اللاحق. قال: وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل هذه الشبهة قلت: يعني ابن مجاهد ومن تبعه في الاقتصار على ذكر هؤلاء السبعة قال الجعبري في قصيدته نهج الدماثة: وأغفل ذوا التسبيع مبهم قصده ... فزل به الجم الغفير فجهلا وناقضه فيه ولو صح لاقتدى ... وكم حاذق قال المسبع أخطلا قلت: يعني ابن مجاهد أيضا بكونه لم يعين مقصوده في جمع سبعة أئمة فتوهم الناس أنه جمع الأحرف السبعة التي عناها النبي ﷺ ولقد صدق الجعبري ﵀ فإن هذه الشبهة قد استحكمت عند كثير من العوام حتى لو سمع أحد قراءة لغير هؤلاء الأئمة السبعة أو من غير هذين الراويين لسماها شاذة ولعلها تكون مثلها أو أقوى فقال في

стр. 95

شرحه: "وكم حاذق المسبع أخطلا" أي بعض المصنفين الحذاق قال: أخطأ الذي ابتدأ يجمع سبعة. قلت: والحق أنه لا ينبغي هذا القول وابن مجاهد اجتهد في جمعه فذكر ما وصله على قدر روايته فإنه ﵀ لم تكن له رحلة واسعة كغيره ممن كان في عصره غير أنه ﵀ ادعى ما ليس عنده فأخطأ بسبب ذلك الناس لأنه قال في ديباجة كتابه ومخبر عن القراءات التي عليها الناس بالحجاز والعراق والشام وليس كذلك بل ترك كثيرا مما كان عليه الناس في هذه الأمصار في زمانه كان الخلق إذ ذاك يقرؤن بقراءة أبي جعفر وشيبة وابن محيصن والأعرج والأعمش والحسن وأبي الرجاء وعطاء ومسلم بن جندب ويعقوب وعاصم الجحدري وغيرهم من الأئمة، وقد تقدم ذكر الذين كانوا يقرؤن زمن مشيخته بقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف نحو خمسين شيخا فكيف يقول: إنه مخبر عن القراءات التي عليها الناس بهذه الأمصار، وقد قال أبو علي الأهوازي، وغيره: هو الذي أخرج يعقوب من السبعة وجعل مكانه الكسائي؟ قيل: لأن يعقوب لم يقع إسناده له إلا نازلا، وأما جعفر فلم تقع له روايته وإلا فهو قد ذكر لأبي جعفر في كتابه السبعة من المناقب ما لم يذكره لغيره. قلت فكان ينبغي أن يفصح بذلك أو يأتي بعبارة تدل عليه، وهو أن يقول مما عليه الناس أو الذي وصلني أو اخترت أو نحو ذلك لئلا يقع مقلدوه فيما لا يجوز على أنه خطأ في زعم أن ابن مجاهد أراد بهذه السبعة السبعة التي في الحديث حاشا ابن مجاهد من ذلك. قال تلميذه الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم: رام هذا الغافل مطعنا في شيخنا أبي بكر فلم يجده فحمله ذلك على أن قوله قولا لم يقله هو ولا غيره ليجد مساغا إلى ثلبه فحكى عنه أنه اعتقد أن تفسير معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" هو قراءات القراء السبعة الذين ائتم أهل الأمصار بهم فقال: على الرجل إفكا واحتقب عارا ولم يحظ من أكذوبته بطائل. وذلك أن أبا بكر كان أيقظ من أن يقلد مذهبا لم يقلد به أحد قبله ثم ذكر الحديث وذكر معناه على أنه سبع لغات وأخذ في تقرير ذلك. قلت: والذي قاله الأئمة أن ابن مجاهد لم يجعل القراء الذين في كتابه سبعة دون أن لا كانوا أكثر أو أقل إلا تأسيا بعدة المصاحف التي وجهت إلى الأمصار من عثمان ﵁ وتبركا بقوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف". وقال الإمام شيخ الإسلام المجمع على علمه وفضله وولايته أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي ﵀ في كتابه الذي ألفه في معاني حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" "فصل": ومن ذهب إلى أن الأحرف السبعة تغاير الألفاظ السبعة على

стр. 96

اختلاف حالاتها إنما في الأحرف المضافة إلى الأئمة السبعة الذين جمعهم ابن مجاهد فمن بعده من المؤلفين في كتب القراءات، وأن كل حرف من الأحرف المنزلة هو ما أخذ به واحد منهم، وهذا مذهب دون الوسط من المأثور والمشهور قائم به أهل مصر منها بواحد منهم في القراءة لكن كل من رضيه أهل مصر دينا وعلما واختيارا في القراءة تعلق به قوم أغبياء القراء والعوام قد قام ذلك في نفوسهم، وأولعوا به حتى إنهم ينكرون اختيار من تقدمهم في القراءة والحروف أو تأخر عنهم أو قارنهم ويشذذون حرف من عداهم، وإنما أتوا من حيث سبع أحرف عددا على ما جاء في لفظ الخبر وقد يجد فيهم من يتوهم أن تضاف، وقد ورد عليهم في جمعهم حروف القرآن كما لا يجوز بعد أن تضاف الحروف أو شيء منها إلى غيرهم، وقد كان الأئمة السبعة الأعلام الذين مضى ذكرهم من الدين والعلم بمكان علي ورتبة رفيعة غير أنه لا خلاف فيما بين من ينعقد بهم إجماع الأمة من العلماء أن المسلمين عن آخرهم على اختلاف الأعصار وتباين الديار كواحد منهم في القرآن بأحرفه السبعة وسائر مناهج الدين كلها تصريفا وتكليفا لأحدهم بالمسألة منها، وعليه ما على شكله إلا من خص من ذلك بشيء أو نص عليه وقام فيه دليل واضح، وحجة فاصلة نحو من أبيح له التختم بالذهب من الرجال أو رخص له لبس الحرير أو ضحى بجذعة من المعز فقيل له: "تجزئ عنك ولا تجزئ أحدا بعدك" ١ في غير ذلك مما يكثر تعداده، فلما لم يرد نص في ذلك بالأئمة السبعة ولم يكونوا مما اجتمعت على أن لا يجوز الاتحاد بحروف غيرهم دل ذلك على عناق من ذهب إلى ما قدمناه من المذهب. فإن قيل: فقد اجتمعت على الائتمام بهم وقبول اختياراتهم، فالجواب أن الأمر على ذلك أو قريب منه وهذه سنة الله في خلقه من أهله والعلماء من خواصه من حملة كتابه حفظا مع العلم به أن يجعلهم عليه من غير نزاع دون غيرهم من علماء الشرع لكن قبول هؤلاء السبعة لم يدل على رد غيرهم الإجماع دون اقترانهم وهذا بعد أن مضت برهة في الإسلام، ولم يكن يعرف فيها عدد من الرجال في اختيار حروف القرآن، ولم يكن المعتبر فيها عددا من الرجال إلى أن نشأت بدعة الخمسة في الأمصار ذا اختلافا للتابعين، وإن كان بعضهم شذ منهم وجمعوا الحروف

стр. 97

واختاروها رضيه١ الأمصار الأخر من غير أن عرف فرد اختيار أحد الخمسة في عصره في مصره أو غير مصره فوافق ذلك رضا المسلمين كافة لما كان أهل الأمصار الخمسة أمهات أمصار المسلمين وكانت علماؤها رؤساء سائر ذوي العلم في الإسلام، فهذا كان وجه قبول الخمسة أولا من جهة السبعة، وصار بذلك قبول اختياراتهم على صورة الإجماع على أن الناس قد كانوا يؤلفون في القراءات فيما بعد الأئمة الخمسة فيقدمون فيها ما يشاءون عددا من الأئمة الخمسة وغيرهم، ولم يكونوا ممن يعرفون التسبيع بحال بل لو كانت الأئمة الخمسة شعارهم في مؤلفاتهم وذكروا من أحبوا من الأئمة ممن كان على منهاجهم زيادة على عدد من اتحدوا بحروفه على نحو ما تجده في كتاب أبي حاتم وأبي عبيد وغيرهما فإنك تجد في كل واحد عددا كثيرا من الأئمة وحروفهم تجاوز الخمسة والسبعة والعشرة والعشرين إلى أن نشأ بعدهما ابن مجاهد من الدين لأنه لم يكن ممن لحق أبا حاتم ولا أبا عبيد بل نقل عن أصحابها فأضاف في تأليفه حمزة بن حبيب الزيات وعلي بن حمزة الأسدي لفضل عنايتهما بالقرآن وعلمهما، وآثارهما في ذمتهما وصحتهما في روايتهما، ولكن جزأيهما مما وقع إتلاف بأستاذ وقته فلذلك ألحقهما بالخمسة سبع كتابه بهما، وهذا بعد أن تربص مدة من الدهر بتأليف كتاب السبع يترجح فيما بين تقديم علي بن حمزة الأسدي وبين يعقوب بن إسحاق فيه إلى رأي من أحب أن يقدم عليا على يعقوب كذلك، فلما تبع الأئمة الخمسة في كتابه لحمزة وعلى وقع ما تقدم في هذا الفصل من الشبهة ما بين العوام فتوهم بعضهم أن الأحرف السبعة ما اختاره من الحروف هؤلاء السبعة الذين جمعهم ابن مجاهد في كتابه فمن بعده من المؤلفين إلى أن رأى أولو البصائر أن يزيدوا على الأنفس السبعة من المختارين لإزالة تلك الشبهة عن القلوب العوام، ولم يزيدوا من الأئمة السبعة إلى الأئمة الخمسة الذين كانوا في الأصل لأن ذلك تهما لحمزة وعلي بعد أن ألحقهما ابن مجاهد ومن ألف بعد بالخمسة، فلما لم يمكنهم ذلك ورأوا أن العوام قد ينكرون ما جاوز اختيارات السبعة زادوا في العدد على ما نجده من الثمانية فصاعدا، وهذا الذي زدته عمن زاد الأئمة على السبعة مع العلة الآتي ذكرها الموجبة ذلك على التخمين قلته لا عن سماع سمعته لكني لم أقف إبراهيم تثمينا في التصنيف أو تعشيرا أو تفردا لإزالة ولو اجتمع عدد لا يحصى

стр. 98

من الأمة فاختار كل منهم حروفا بخلاف صاحبه وجدد طريقا في القراءة على ضده في أي مكان كان وفي أي زمان أراد بعد الأئمة الماضين في ذلك يعدان ذلك المختار بما اختاره من الحروف لسرعة الاختيار بما كان بذلك خارجا عن الأحرف السبعة المنزلة بل فيها متسع وإلى يوم القراءة. انتهى كلام الإمام الرازي وهو كما ترى في غاية الإنصاف والمتانة. فهذه معاشر الإخوان بغيتنا قد سطرناها لينظر فيها المنصف ويعتمد على ما يقع له أنه الحق جعلنا الله وإياكم من أهل القرآن الذين أقاموا حروفه وفهموا معانيه بالتدبر والتفكير، رزقنا الله العمل بمقتضاه والوقوف عند حدوده والقيام بحقوقه والتحلي بثمرة خشية الله من حسن تلاوته وقد قيل في قول الله : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] إن الظاهرة تلاوة القرآن ومعرفة قراءته، والباطنة معرفته وفهمه. قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "تلاوة القرآن": حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب الانزجار والاتعاظ والتأثر بالائتمار. فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ. وجاء رجل إلى أبي الدرداء بابنه فقال: يا أبا الدرداء إن ابني هذا قد جمع القرآن، فقال: اللهم غفرا إنما جمع القرآن من سمع له وأطاعه. وعن الشعبي في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال: أما أنه كان بين يديهم ولكن نبذوا العمل به. وعن سهل بن سعد ﵁ قال: كنا جلوسا نقرأ القرآن فخرج علينا رسول الله ﷺ مسرورا فقال: "اقرءوا القرآن يوشك أن يأتي قوم يقرؤنه يقومون حروفه كما يقوم السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه" ١ وقال: "رب تالٍ للقرآن، والقرآن يلعنه". اللهم اجعل القرآن حجة لنا ولا تجعله حجة علينا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي يرضيك عنا. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا. اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم اجعل قلبي خزانة من خزائن توحيدك، وجوارحي من خدم طاعتك، ونفسي مطمئنة بقضائك وقدرك، وعملي عملا صالحا.

стр. 99

متقبلا لديك، وسيأتي مغفورة عندك، مستورة بحلمك، فكن لي عزيزا بالذل عندك، غنيا بالفقر إليك، آمنا بالخوف منك، منشرحا بالرضا بقسمتك، منعما بالنظر إلى وجهك الكريم في الدار الآخرة إنك على كل شيء قدير. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم ارزقنا فهما لشريعتك وحفظا لكتابك وقياما به عملا وعلما وتلاوة وجمعية عليك متصلة بالموت وذرية صالحة برحمتك يا أرحم الراحمين. قال المصنف: فرغت من تأليفه آخر نهار الأحد خامس عشري رجب الفرد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمنزلي بدرب هريرة داخل دمشق المحروسة وأجزت لجميع المسلمين روايته عني وجميع ما يجوز لي روايته. قاله وكتبه محمد بن محمد بن محمد بن الجزري الشافعي. قال المؤلف: إنني آخر ليلة فرغت من هذا التأليف رأيت وقت الصبح، وأنا بين النائم واليقظان كأني أتكلم مع شخص في تواتر العشر غير متواتر، فإن التواتر قد يكون عند قوم دون قوم، ولم اطلع على بلاد الهند والمطايا، وأقصى المشرق وغيره فيحتمل أنها تكون عندهم متواترة إذ لم يصلنا خبرهم، وألهمت أن ألحق ذلك الكتاب وهذا عجيب والله تعالى أعلم. كتبه محمد بن محمد بن محمد بن الجزري. الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلاته وسلامه الأتمان الأكملان على أشرف المرسلين وقائد الغر المحجلين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. ووافق الفراغ من تعليقه في يوم الجمعة المبارك ثالث رمضان المبارك من شهور سنة ثمان وثلاثين وألف من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة والسلام على يد أقل العبيد وأفقرهم وأحوجهم إلى مولاه محمد بن علي بن علي بن علي السنجيدي الأحمدي غفر الله له ولوالديه ولطف به ونفعه ببركة مؤلفه وذلك بالجامع الأزهر المبارك سنة تاريخه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله وحده.

стр. 100

فهرس المحتويات: ترجمة المصنف ٣ مقدمة ٧ الباب الأول: في القراءات والمقرئ والقارئ ٩ الباب الثاني: في القراءة المتواترة والصحيحة والشاذة ١٨ الباب الثالث: في أن العشر لا زالت مشهورة من لدن قرئ بها إلى اليوم ٢٥ الباب الرابع: في سرد المشاهير من قرأ بالعشرة ٢٩ الباب الخامس: في حكاية ما وقفت عليه من أقوال العلماء فيها ٦٤ الباب السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة وأنها متواترة فرشا وأصولا ٧٠ الفصل الأول: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة ٧٠ الفصل الثاني: في أن القراءات العشر متواترة فرشا وأصولا حال اجتماعهم وافتراقهم وحل مشكل ذلك ٧٢. الباب السابع: في ذكر من كره من العلماء الاقتصار على القراءات السبع وأن ذلك سبب نسبتهم ابن مجاهد إلى التقصير ٨٢