الصورة أو هذا المعنى للدعاة لأعود إلى الحديث عن الدعاة الذين هم في اليدان الآن وأتحدث عن بعض " الشروط الضرورية لنجاح الدعوة بإذن. الله في القارة الإفريقية وغيرها.
стр. 37
شروط الدعاة
إن نجاح الأعمال في الغالب الكثير يتوقف على نوعية العاملين، لذا أرى من الضروري وضع شروط تحدد لنا نوعية الدعاة الذين نبعثهم إلى الميدان لندون تلك الشروط لدى الجهات المسئولة فتطبق عند انتخاب الدعاة- واختيارهم وهى كالآتي:
(١) يجب أن يكون الداعية ذا عقيدة راسخة وصادقة وكم منيت شعوب كثيرة بدعاة خالية قلوبهم من العقيدة الإسلامية الصحيحة. وكم منيت تلك الشعوب بدعاة لم يتصوروا حقيقة الإسلام ولم يفهموه حق فهمه، دعاة إلى حفلات الموالد. دعاة الرجبية والشعبانية. دعاة الأوراد الصوفية المبتدعة، بل بدعاة يدعون إلى نفي صفات الله تعالى أو تعطيلها بعد أن أثبتها الله لنفسه، يفعلون ذك بدعوى التنزيه بل من الدعاة من يدعو إلى التحلل والابتعاد عن الفضيلة لتحل محلها الرذيلة بدعوى الحرية والتطور. يدعون إلى كل ذلك باسم الإسلام إنه الإسلام المفترى عليه.
(ب) الفقه في الدين والبصيرة في أسلوب الدعوة استنتاجا من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
стр. 38
عندما يرى المرء عمل المبشرين ودقة تنظيمهم لحركتهم التبشيرية والتضحية التي يقدمونها أثناء القيام بعمل التبشير والصبر والتجلد منهم، ثم قارن ذلك بالفوضى والتخبط اللذين يسودان صفوف المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية وعدم الجدية في عملهم بل يعتبر العمل الإسلامي عملا ثانويا إضافيا يقوم به الإنسان في أثناء فراغه من الأعمال الرسمية الجادة في نظره إذا قارن الإنسان هذه المقارنة يرى قوما أهل باطل يجدون في الدعوة إلى باطلهم ويخلصون في دعوتهم بينما يرى أهل الحق يهملون حقهم ويتكاسلون ولا يتنافسون في سبيله والله المستعان.
وعلى الرغم من كثرة المراكز الإسلامية التي تحمل اسم الدعوة على الإسلام وعلى الرغم من كثرة من ينتسبون إلى الدعوة ويعيشون تحت عنوان الدعاة إلى الإسلام وكثرة ما يكتب ويذاع باسم الدعوة إلى الإسلام على الرغم من ذلك كله فإن الدعوة. إلى الإسلام تأسيسا وتصحيحا أو تجديدا لا تزال تشكو عدم الجدية من أصحابها في الفالب الكثير، بل كثيرا ما تستغفل كأسباب للمعيشة وكأسلوب للحياة أو الوصول إلى المناصب الدينية المرموقة التي لا يمكن الوصول إليها إلا باسم الدعوة إلى الإسلام حتى تكسب الثقة وتنال الشهرة على حسابها. كما تشكو عدم الكفاءة العلمية والأسلوبية وقلة الحكمة وضعف الإخلاص من كثير من أصحا بها والله المستعان.
وفي يقيني أن رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد تدرك هذه الحقائق ولعلها تحاول أن تخرج بالدعوة الإسلامية من هذا المأزق بأن تقوم بتوحيد مراكز الدعوة وأمانات الدعوة الإسلامية وتجند للمركز العام للدعوة خبراء ومخططين إسلاميين يعملون في المركز ثم تجند لميدان الدعوة المباشر رجالا عرفوا بالعلم والحكمة والجدية والتحمس الذاتي للدعوة الإسلامية لا لكونها
стр. 39
وظيفة تدر عليهم الرزق الواسع والمرتب الضخم وتكسبهم الجاه العريض والشهرة العالمية.
وأملنا قوي وأمل جميع المسلمين في الداخل والخارج في سماحة الرئيس العام إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بعد الله ليقوم سماحته بهذه المهمة الإسلامية الإصلاحية ليحقق الله على يده هذه الآمال لأنه صاحب هذه المهمة وهو أحق بهاء وأهلها والمسئول عنها على جميع المستويات حفظه الله ونفع المسلمين بعلمه وجهاده إنه خير مسئول.
стр. 40
شروط الدعوة
...
(ج) الحكمة والاتزان وعدم الطيش ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا﴾ ٢ والحكمة بأوجز عبارة وأدقها هي اللين في موضع اللين والشدة في موضع الشدة.
(د) تجنب المداهنة وهي من أخطر الصفات في الداعية وهي التودد والتملق للناس على حساب الدين بحيث يعجز في النهاية عن بيان الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراعاة لخواطر الجمهور. فيكون معه إذا صلح الناس صلح معهم وإذا فسدوا فسد معهم.
(هـ) الصبر والتحمل لأن علاج الأوضاع القائمة في الأقطار الإسلامية يحتاج زمنا طويلا يقرب من طول عمر الجاهلية المزمنة أو أطول.
وإذا ما طبقنا هذه الشروط أو ما يقاربها من الصفات في الدعاة الذين يعملون في هذا الدور- دور التصحيح- صرنا قريبين من درب النجاح في عملنا بإذن الله وإن كنا ندرك الحاجة الماسة إلى إعادة النظر في تنظيم عمل الدعوة بصفة عامة بل العمل الإسلامي من حيث هو لم يحظ بالتنظيم الدقيق بعد. علما بأن العمل القليل المنظم خير وأكثر ثمرة من العمل الكثير غير المنظم كما لا يخفى.
стр. 41
سير الدعوة في القارة الأفريقية
تمكنت بتوفيق من الله من زيارة عديد من دول القارة وأكثرها في غرب أفريقيا والفضل في ذلك راجع- بعد الله- للجامعة الإسلامية إذ كنت عضوا في وفود الجامعة التي ترددت إلى تلك الدول للزيارة الأخوية والدعوة والتوجيه والتوعية وللمساهمة مع الدعاة القائمين بالدعوة هنالك.
وإذا قارنا بين زيارتنا لتلك الدول في سنة ١٣٨٥هـ وسنة ١٣٨٦ هـ وبين زيارتنا في الصيف الماضي سنة ١٣٩٥هـ وجدنا ما يفرح القلب ويثلج الصدر من سير الدعوة الإسلامية فى تلك الدول وتقدمها ولله الحمد والمنة.
والدول التي تمت لنا زيارتها هي:
١- تشاد.
٢- الكميرون.
وفى زيارتنا الأولى والثانية كنا نلاحظ! في بعض تلك الدول المذكورة غربة شديدة يعانيها الدعاة والدعوة معا وكان وضعهم يشبه تقريبا وضع الصحابة يوم كانوا في دار الأرقم بن أبى الأرقم قبل إسلام عمر وحمزة ﵄ والدعوة في مهدها سرية. وخوف على النفس وخوف على الدعوة أن يقضى عليها- دعوة باسم الدعوة الوهابية ما أشبه الليلة بالبارحة.
وأما في زيارتنا الثالثة في الصيف الماضي. فقد أسلم عمر وحمزة معا وسلمت الدعوة وزال الخوف وأمن الدعاة على أنفسهم وعلى دعوتهم بل جدوا بها بل بنوا مساجد للجمعة والجماعات وأسسوا مدارس وأنشأوا جمعيات تحت عنوان " الجمعية المحمدية " أو جمعية أهل السنة أو ما يقارب هذه الألفاظ على اختلاف بلدانهم.
ولقد لاحظنا في الدعاة السنيين روحا عالية وعزيمة ماضية وروح الجهاد والتضحية مع ما ينقصهم من الإمكانيات المادية والثقافية ولكنهم في الواقع أنشط وأصدق في دعوتهم من كثير من الذين يملكون الإمكانيات الضخمة مادية وثقافية والله المستعان.
ولك أن تتساءل هنا وعلى أن أجيبك، لك أن تسأل على يد من تم هذا التقدم الذي وصفته بالنسبة للدعاة السنيين ودعوتهم في بعض دول غرب أفريقيا؟
الجواب: اشتركت عدة جهات في العمل المذكور.
أولا: صغار طلبة العلم من سكان القارة الذين عاشوا في الحرمين الشريفين برهة من الزمن وتتلمذوا على بعض المدرسين في
стр. 44
الحرمين ثم رجعوا إلى بلادهم فبلغوا ما فهموه عملا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١ وقد عملوا بالقليل الذي علموه زادنا الله وإياهم من العلم النافع.
ثانيا: الدعاة التابعون لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذين تعرفون عنهم الكثير ولست بحاجة إلى التعريف بهم.
ثالثا: وفود الجامعة الإسلامية ووفود إدارات البحوث العلمية التي تكررت زيارتها للمنطقة وقاموا بما أمكن لهم من التوعية والتوجيه والتعليم بواسطة المحاضرات والندوات العلمية، والأمسيات الدينية، والاتصالات الرسمية وغير الرسمية.
رابعا: زيارة بعض الشخصيات السعودية الذين زاروا بعض تلك الدول بدعوة من الجهات الرسمية كزيارة إمام المسجد النبوي، الشيخ عبد العزيز بن صالح الذي زار بعض تلك المناطق، ولزيارته أثر فعال في باب التوعية والتوجيه ومحاربة البدع وبعض مظاهر الوثنية.
خامسا: بعض حجاج القارة الذين تكررت زيارتهم للمملكة واستفادوا مما يسمعونه أثناء موسم الحج من المدرسين في الحرمين الشريفين وندوات التوعية. وقد يتأخر بعضهم بعد أداء فريضة الحج لغرض الازدياد من العلم والمعرفة برهة من الزمن حسب ظروف النظام.
هذه الجهات الخمس هي التي تعاونت في تطوير الدعوة في المنطقة. فيما نعلم وقد بارك الله في تعاونهم حتى وصلت الدعوة إلى
стр. 45
الدرجة التي وصفناها من التقدم والظهور ولله الحمد والمنة. فنسأل الله تعالى أن يوفق الجامعيين الأفارقة حتى يكملوا هذا البناء الذي أسسه إخوانهم الذين سبق أن وصفناهم إنه ولي التوفيق ليكتب لهم أجر المساهمة في هذا الخير وفي هذا الجهاد العظيم الذي من أجله تعلموا ومن أجله سيعملون إن شاء الله.
стр. 46
دور الجامعيين الأفارقة
إذا تحدثت عن الدعوة الإسلامية في القارة الأفريقية عبر التاريخ الطويل اعتبارا من هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى ذلك الجو من القارة وهي الحبشة إلى يوم الناس هذا لا أستطيع أن أغفل الحديث عن دور الجامعيين الأفارقة وهم خير سكان القارة لأنهم أهل العلم والمعرفة- فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون-؟
وقد يحملنا على التفاؤل لمستقبل القارة، أن الجامعات الإسلامية وفي طليعتها جامعتنا هذه أخذت تخرج عددا كبيرا من أبناء القارة في الوقت الذي يعتبر- بحق- خير وقت وأسعده وأبركه وأصلحه للعمل الإسلامي في القارة، وهو الوقت الذي تحاول فيه شعوب المنطقة التخلص من أثار الاستعمار الغربي الشرقي معا. لتربط علاقتها الوثيقة مع إخوة لها في الدين والعقيدة وهم الشعوب العربية والإسلامية ثم هو الوقت الذي أخذ فيه الوعي الإسلامي يتقدم في المنطقة بشكل ملموس كما لاحظنا في زياراتنا المتكررة.
стр. 47
وفي هذا الوقت الذي تتوفر فيه عوامل التشجيع على العمل الإسلامي أخذت جامعتنا تخرج أبناء القارة ليأخذوا أماكنهم في صفوف الإصلاح الإسلامي، ويقدموا لقومهم خير ما يقدم المسلم لأخيه المسلم وهو العقيدة الصحيحة وتعميق الإيمان وإثباته والتوجيه الإسلامي العام الذي يشمل جوانب الحياة كلها، إذ في إمكان الجامعيين أن يلعبوا في القارة دورا لا يمكن لغيرهم أن يلعبه، في إمكانهم أن يحاولوا- مستعينين بالله- تحويل القارة إسلامية خالصة بعد أن نفضت غبار الاستعمار عن وجهها لتثبت شخصيتها الأفريقية الإسلامية وسيادتها الذاتية، لتصبح إسلامية في سياستها واقتصادها وأخلاقها وجميع جوانب حياتها.
ويرجى لعمل الجامعيين النتائج الايجابية إذا صدقوا مع الله وأخلصوا العمل لله لأنه سبحانه هو الذي له الأمر كله وله الخلق كله وبيده الخير كله. ترجى لعملهم نتائج إيجابية إذا راقبوا الله ثم ضحوا في سبيل نصرة دينهم بكل ما يملكون من رخيص وغال وتركوا الاتكال والكسل والخلود إلى الراحة ليعيشوا حياة الأبطال المجاهدين حياة العلماء العاملين والدعاة المخلصين المصلحين.
إن العمل الإسلامي في القارة بحاجة إلى تخطيط يسبق العمل ذلك شأن كل عمل ترجى نتائجه، وإلى دراسة طويلة وصامتة دون جعجعة أو ثرثرة أو استعمال بوق أو ضرب الناقوس.
وقصارى القول إن القارة بحاجة إلى مجهود أبنائها المخلصين الذي يتم في هدوء تام وحكمة وروية. إن القارة أحوج إليهم أكثر من حاجتها إلى غيرهم لأنهم الذين يعرفون من تقاليدها وعاداتها وأساليب حياتها ولغاتها الكثيرة ملا يعرفه غيرهم لذا أعود فأقول لا ينبغي للجامعيين الأفارقة أن ينسوا أماكنهم في الصفوف الأولى في ميدان
стр. 48
العمل الإسلامي في القارة لأنهم أحق بها وهم أهلها وأصحابها، ويستطيعون حل مشاكلها المزمنة سياسية أو اجتماعية تلك المشاكل التي خلفها الاستعمار الغربي وزاد من تعقيدها الاستعمار الشرقي الجديد في المنطقة الذي تمكن في أقطار من القارة على حين غفلة من أهلنا.
أيها الإخوة الجامعيون الفرصة سانحة إن أحسنتم استغلالها والاستفادة منها لأن الشعوب الأفريقية أقبلت على. الإسلام اليوم إقبالا لم نعلم له نظير في التاريخ وأوضح دليل وأقربه على ما ذكرت ما جاء في مؤتمر "نواكشوط" الذي انعقد في أول هذا الشهر الجاري جمادى الأولى، وبينما أنا أعد هذه المحاضرة وقعت في يدي جريدة المدينة المنورة العدد الصادر يوم الأربعاء السادس من هذا الشهر جمادى الأولى ١٣٩٦هـ وهي تحمل العنوان الآتي: "المؤتمر الإفريقي الإسلامي يبحث نشر الإسلام في أفريقيا وفي الواقع إن العنوان راعني كثيرا فأخذني لأقرأ ما كتبه مراسل الجريدة وهذا نصه، "كانت القاعة الرئيسية التي تم تناولها في اليوم الأول للمؤتمر الأفريقي الإسلامي الذي افتتح في (نواكشوط) هي: "نشر الإسلام في أفريقيا، وتعميم اللغة العربية والوحدة والتضامن" هـ
ولعل المراد بالوحدة والتضامن الوحدة الإسلامية والتضامن الإسلامي، وهذه النقاط تصلح أن تكون ميادين لعمل الجامعيين لأنهم خير من يستغل مثل هذه الفرص والله ولي التوفيق.