← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8766

الإلحاد والظلم في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ

محمد بن سعد آل سعود

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الرابع: حاضروا المسجد الحرام قال الله تعالى: ﴿.. ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي﴾ [البقرة/١٩٦] . (حاضري) مادتها (حَضَر) ، و (الحَضَر) بفتحتين خلاف البدو، وهم الذين يسكنون القُرى، والمدن، والأرياف، لا يبرحونها إلاَّ ليعودوا إليها، والبدو لايستقرون في مكان إلاّ بقدر ما يجدون الماء والكلأ ثم يرحلون إلى أماكن أخرى طلباً لهما، فالتنقل من سمات حياتهم. وفلانٌ (حاضر) بموضع كذا، أي: مقيم به١. و (حاضروا المسجد الحرام) هم الناس من الحَضَر الذين تقع مساكنهم داخل حدود الحرم إلى المسجد الحرام، "ممن هو حوله ممن بينه، وبينه من المسافة مالا تقصر إليه الصلوات"٢. وقد جاء ذكر حاضري المسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ

стр. 37

تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة/١٩٦] . قال ابن كثير: "شرع تعالى في بيان المناسك بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، واتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، وإتمامهما إنشاؤهما جميعاً من الميقات. والآية نزلت حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت عام الحديبية. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ، وفي هذا دليل على مشروعية التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله ﷺ ثم لم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات"١. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أي: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أوطانكم، روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: "تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، فأهلّ بعمرة ثم أهلّ بالحج فتمتعّ الناس مع رسول الله ﷺ ". فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر، وليحللِّ ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" ٢.

стр. 38

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، قال الطبري: اختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، بعد إجماعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم١. ومعنى لا يتمتع أهلها أي: لا يتمتعون بالعمرة إلى الحج، والتمتع أحد نسك الحج الثلاثة: القِران، والإفراد، والتمتع. ولم يُلْزَمُوا بذلك لكونهم من حاضري المسجد الحرام، ومن رغب الحج منهم يُهِل من بيته، قال قتادة: "ذُكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة لامتعة لكم، أُحلت لأهل الآفاق، وحرِمت عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً - أو قال: "يجعل بينه وبين الحرم وادياً - ثم يُهل بعمرة"٢. وعليه فمن جاء من أهل الحرم بعمرة في أشهر الحج وتحلل فهو متمتع لا دم عليه. ومن أحرم قارناً لا يطرح إحرامه حتى يتحلل التحلل الأول في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير من شعره، ولا دم عليه. والقرى حاضرة المسجد الحرام التي لا يتمتع أهلها منها: ١ - المُبَطَّنَة: وقيل المطمئنة بمكة المطلة عليها نخلتان. قال البلادي: "تسمى اليوم المضيق، تبعد خمسة وأربعين كيلاً عن مكة المكرمة على طريق حاج العراق القديم٣. ٢- مَرُّ الظهران: تسمى اليوم الجموم، أو وادي فاطمة، تبعد ثمانية عشر كيلاً عن عمرة التنعيم"٤.

стр. 39

٣- عُرنَة: قال البلادي: "هي الوادي الفحل الذي يخترق أرض المغمس، فيمر بطرف عرفة من الغرب عند مسجد نمرة، ثم يجتمع مع وادي نعمان، غير بعيد من عرفة، ثم يأخذ الوادي اسم عُرنة فيمر جنوب مكة على حدود الحرم١. ٤- ضجنان: بالتحريك، حرة شمال مكة المكرمة على مسافة أربع وخمسين كيلاً على طريق المدينة المنورة، تعرف اليوم بحرَّة المحسنية٢. ٥- الرجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وآخره عين معجمة - ماءٌ يعرف اليوم باسم الوطيَّة، يقع شمال مكة المكرمة على قرابة سبعين كيلاً، قبيل عُسفان إلى اليمين٣. ٦- فجٌّ: من قرى معبَّد بن حرب بمنطقة الجموم٤. ٧- وذي طوى: وادٍ من أودية مكة المكرمة، يسيل في سفوح جبل أذاخر والحجون من الغرب٥. ٨ - جبل التنعيم: قال أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم، متسلحين يريدون غَرَّة النبي ﷺ وأصحابه فأخذهم سَلماً فاستحياهم، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٦ [الفتح/٢٤] .

стр. 40

٩ - الحديبية: قال المحب الطبري: الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم١، ونقل ابن حجر عن العُتْبِية قول مالك: والحديبية من الحرم٢.

стр. 41

الفصل الثاني: الإرادة - الإلحاد - الظلم مدخل ... الفصل الثاني الإرادة - الإلحاد - الظلم قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ...﴾ [الحج/٢٥] . هذه الآية الكريمة جمعت مفردات هذا الفصل كاملة وهي: الإرادة، والإلحاد، والظلم، وهذا لبُّ البحث ومُعْظَمُه. والمعنى الإجمالي للآية يبيِّن أن الكافر من شأنه الإعراض عن طريق الله القويم، الذي بيَّنَه لعباده، بواسطة رسله، ليبقي علىأغراضه الدنيئة، ويهمه أن يجد غيره من الناس يشاركه نهجه، ومعتقده، فيقومان بمنع من استطاعا عن الهدى. وكفار قريش زادوا على ذلك - بحكم نفوذهم القوي في مكة - بمنع المؤمنين، ممن اعتنق الإسلام من أمة محمد ﷺ ، ممن يقصدون المسجد الحرام للطواف فيه حول الكعبة، وملازمته بالانقطاع إلى العبادة فيه لله، وكانوا لا

стр. 42

يفرقون بين مسلم أهل الحرم، وغيره ممن يقصده من خارج الحرم، وهم يفعلون ذلك نكاية بالمسلمين من أصحاب محمد ﷺ . وبصنيعهم هذا قد عدلوا عن القصد، وأعرضوا عن الحق، وسلكوا طريقاً معوّجاً، ظالمين أنفسهم، والآخرين. وحتى في حالة عجزهم عن الانتقام من المسلمين حسياً، أو معنوياً، فإنهم يضمرون ذلك في أنفسهم، فتوعدهم الله بعذاب أليم، وأنكر عليهم صدهم المؤمنين عن شهود بيته، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه.

стр. 43

المبحث الأول: الإرادة قال في اللسان: وأراد الشيء: أحبه، وعُنِيَ به. وقال الجوهري وغيره: والإرادة (المشيئة) ١. وقال الجرجاني: في تعريفاته - الإرادة: ميلٌ يعقبه اعتقاد النفع٢. وقال الألوسي: "الإرادة في الأصل قوة مركبة من: شهوة، وخاطر، وأمل، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه، لأنّها قد تتعلق بنفسها، بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذّات، والإنسان قد يريد الدواء البشع، ولا يشتهيه. ويشتهي اللَّذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه، وقد يشتهي ويريد٣. وإن صحَّ أن نقسم الإرادة إلى أطوار، أو مراحل تسبق التنفيذ من الإنسان للفعل، صح أن نقول هي خمسة: ١- الهاجس: ويعبرون به عن الخاطر الأول، فإذا تحقق في النفس سمَّوه

стр. 44

إرادة، فإذا تردد الثالث سمّوه، هِمّةً. وفي الرابعة سمّوه عزماً، وعند التوجه إلى القلب - إن كان خاطرَ فعلٍ - سمّوه قصداً، ومع الشروع في الفعل سمّوه: نيَّة١. ٢- الخاطر: هو ما يَرِد على القلب من الخطاب، أو الوارد الذي لا عمل للعبد فيه٢. ٣- حديث النفس: ويسمى وسواساً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق/١٦] . أي: ما تحدثه به وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة الصوت الخفي٣. وفي الحديث: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست - أو حدثت - به أنفسها، مالم تعمل به أو تكلَّم" ٤. ٤ - الهمُّ: بمعنى القصد والإرادة مطلقاً، أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت٥. وفي الحديث القدسي: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" ٦.

стр. 45

قال ابن حجر: الهمُّ ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب. قال: وقد وجدت عن الشافعي أن المؤاخذة إنما تقع لمن همّ على الشيء فشرع فيه، لا من همَّ به ولم يتصل به العمل. قال: استثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمُّ بالمعصية، ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج/٢٥] . أخرج الثوري في تفسيره١ عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: "ما من رجل يَهمُّ بسيئة فتكتب عليه، إلاّ أن رجلاً لو همَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ٢ أن يقتل رجلاً بالبيت الحرام إلاًّ أذاقه الله من عذاب أليم" ٣. ويؤكد ذلك أن الحرم يجب إعتقاد تعظيمه، فمن همَّ بالمعصية فيه خالف

стр. 46

الواجب بانتهاك حرمته، وتعقب هذا المبحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك من همَّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟! ويمكن أن يجاب عن هذا بأن إنتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم إنتهاك حرمة الله، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى. نعم، من همَّ بالمعصية قاصداً الإستخفاف بالحرم عصى، ومن همَّ بمعصية الله قاصداً الإستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه، من همَّ بمعصية ذاهلاً عن قصد الإستخفاف١. ٥ - العزم: أو العزيمة، في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة. قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم/١٧-١٨] ، في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم٢. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟!، قال: "إنَّه كان حريصاً على قتل صاحبه" ٣، فعلل بالحرص. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 47

قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا؟، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلمّا اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ . فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١. قال ابن حجر: المراد بالمحاسبة: ما يخفي الإنسان مما يصمّم عليه، ويشرع فيه، دون ما يخطر له، ولا يستمر عليه٢. قال الألوسي: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ أي: يجازيكم به يوم القيامة، وأما تصور المعاصي، والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به، لا يعاقبه عليه ما لم يوجد في الأعيان، وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم"، أي: إن الله لا يعاقب أمتي على تصور المعصية، وإنما يعاقب على عملها، وقيل:

стр. 48

إذا وصل التصور إلى حدّ التصميم والعزم، يؤاخذ به، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة/٢٢٥] . لأنا نقول: المؤاخذة بالحقيقة على التصميم والعزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهي أيضاً من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات، ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس١. قال ابن حجر: المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود. وقسَّم بعضهم ما يقع في النفس أقساماً: أضعفها أن يخطر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة وهو معفوٌّ عنه، وهو دون التردد. وفوقه أن يتردد فيهمُّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمُّ به ثم يتركه، ولايستمر على قصده، وهذا هو التردد فيعفى عنه، وفوقه، أن يميل إليه، ولاينفر منه، بل يُصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمُّ وينقسم إلى قسمين: أن يكون من أعمال القلوب صرفاً، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزماً. ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحبه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا إثم. أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع فيه النزاع، فقيل: لا يؤاخذ بذلك أصلاً.

стр. 49

أخرج مسلم عن طريق همّام عن أبي هريرة رفعه: "قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها"١. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/١٣٥] . قال القرطبي قوله: " (ولم يصروا) قال القاضي أبو بكر بن الطيب: إن الإنسان يؤاخذ بما وَطَّنَ عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية، قال: وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدِّثين، والمتكلِّمين. ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهمُّ الإنسان به، وإن وطَّن عليه لايؤاخذ، ولاحجة له في قوله ﷺ : "من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة"، أي: أظهرها، أو عزم عليها٢. وقيل: من فعل المعصية، ولم يتب منها ثم همَّ أن يعود إليها فإنه يعاقب على الإصرار، جزم به ابن المبارك، وغيره. ويؤيده أن الإصرار معصية إتفاقاً، فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة، فإذا فعلها كتبت عليه معصية ثانية٣.

стр. 50

قال في التعريفات: الإصرار: الإقامة على الذنب، والعزم على فعل مثله١.

стр. 51

المبحث الثاني: الإلحاد قال في اللسان: قال أبو عبيدة: لحَد في الدِّين، يلْحَد، واَلْحَدْ: مال، وعدل، وقيل: لحد: مال، وجار، قال ابن السكيت: الملْحِد: العادل عن الحق، المدْخِل فيه ما ليس فيه، يقال: قد ألحْدَ في الدِّين، و (لحَدَ) أي: حاد عنه١. وقُرِيء: ﴿لِسَانُ الَّذِي يَلْحِدُونَ إِلَيْهِ ...﴾ - بفتح الحاء المهملة - قال الفراء: يميلون إليه (ويُلحِدون) - بكسر الحاء المهملة، يعترضون. روي عن الأحمر: لحَدْت: جُرْت، ومِلْت، وألحَدْتُ: ماريت، وجادلت٢. وألحَدَ الرجل أي: ظلم في الحرم، وأصله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ...﴾ . والإلحاد في المسجد الحرام: قال الزجاج: الإلحاد فيه: الشك في الله، وقيل كل ظالم فيه مُلْحِد. وقيل: من يُرد متلبساً بالميل عن الحق وهو ظالم أن يُحْدِثَ في المسجد الحرام ما لا يرضي الله، نذقه من عذاب أليم٣. قال ابن العربي: قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ...﴾ تكلم الناس في دخول الباء

стр. 52

ههنا، فمنهم من قال: إنها زائدة، وهذا مما لا يُحتاج إليه في سبيل العربية، لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حملِه على الحرف. فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلماً، لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلاّ أنه قد صار في عرف الشريعة ميْلاً مذموماً، فرفع الله الإشكال، وبيَّن أن الميل بالظلم هو المراد هنا١. وقيل: ألحد في الحرم: ترك القصد فيما أُمر به، ومال إلى الظلم. وفي الحديث: "احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه" ٢، أي: ظلم وعدوان، وفي حديث طهْفة: "لا تُلْطِط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة" ٣. أي: لا يجري منك ميل عن الحق ما دمت حيّاً. روى الطبري - بسنده عن ابن عباس قوله: الإلحاد: التكذيب. وعند قتادة - يلحدون: يشركون٤. وقيل - الإلحاد: الزيغ. ويلحدون: يحوِّرون. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحِد في الحرم..." وذكر الحديث٥. قال ابن حجر: قوله: (أبغض) هو أفعل من البغض. قال المهلب وغيره: "المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله، فهو كقوله: "أكبر الكبائر"، وإلاّ فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي".

стр. 53

قوله: "ملحد في الحرم" أصل الملحد المائل عن الحق، والإلحاد: العدول عن القصد، واستُشكل بأن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق؟!!، والجواب: أن هذه الصيغة في العرف مستعملة للخارج عن الدين، فإذا وصف بها من ارتكب معصية كان ذلك إشارة إلى عظمها وقيل: إيراده بالجملة الاسمية مشعر بثبوت الصفة ثم التنكير للتعظيم، فيكون ذلك إشارة إلى عظم الذنب. وحديث ابن مسعود: "ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه..." ١، ظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، وهو مشكل، فيتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة، وقد يؤخذ ذلك من سياق الآية، فإن الآيتان بالجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ...﴾ الآية، يفيد ثبوت الإلحاد، ودوامه، والتنوين للتعظيم، أي: من يكون إلحاده عظيماً٢. قال ابن عمر: كنا نتحدث أن الإلحاد (في المسجد الحرام) أن يقول الإنسان: لا والله، وبلى والله، وكلاّ والله"، ونُسب ذلك أيضاً إلى عبد الله بن عمرو بن العاص٣. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ...﴾ قال: الشرك، وقال عطاء: الشرك، والقتل. وقيل: صيد حمامه، وقطع شجره، ودخوله غير محرم٤. وقال أهل العلم: الإلحاد في الحرم: القتل، والمعاصي٥.

стр. 54

وعن عمرو بن العاص: الإلحاد في الحرم: ظلم الخادم فما فوق ذلك١. وقيل: أصل (الإلحاد) في كلام العرب: العدول عن القصد، والجور عنه، والإعراض، ثم يستعمل في كل معوَجٍّ غير مستقيم، ولذلك قيل لِلَحْد القبر لحد، لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه. وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرق بين (الإلحاد) و (اللحد) ، فيقول في (الإلحاد) إنه العدول عن القصد، وفي (اللحد) إنه الركون إلى الشيء، وكان يقرأ جميع ما في القرآن (يُلحِدون) بضم الياء وكسر الحاء، إلاّ التي في النحل: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ فإنَّه كان يقرؤها (يَلحَدون) بفتح الياء والحاء. وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب فيرون أن معناهما واحد، وأنهما لغتان جاءتا في حرف واحد، بمعنى واحد٢. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف/١٨٠] ، - أي: يميلون فيها عن طريق الحق ويسمونه - سبحانه - بغير ما ينبغي أن يُسمى به، قال مكي بن أبي طالب القيسي: وكان إلحادهم في أسماء الله أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه، فسموا بها آلهتهم، وأوثانهم، وزادوا فيها، ونقصوا منها، فسموا بعضها (اللات) اشتقاقاً من (الله) و (العزى) من (العزيز) ٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت/٤٠] ، أي: يطعنون في صحتها، أو يأولونها تأويلاً خاطئاً.

стр. 55

وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل/١٠٣] ، أي: كلام الرجل الذي يشيرون إليه زاعمين كذباً أنه يُعلِّم الرسول، هو كلام مبهم غير بيِّنٍ١.

стр. 56

المبحث الثالث: الظلم (الظلم) لغة: وضع الشيء في غير محله. وشرعاً: عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل. وهو الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير، ومجاوزة الحدِّ١. قال ابن العربي: (الظلم) في الحقيقة، لغة، وشرعاً: وضع الشيء في غير موضعه، وذلك يكون بالذنوب المطلقة بين العبد ونفسه، وبالذنوب المتعدِّية إلى الخلق، وهو أعظم. والجنايات تعظم على قدر عظم الزمان، كالأشهر الحرم، وعلى قدر عظم المكان، كالبلد الحرام. فتكون المعصية معصيتين: إحداهما: بنفس المخالفة. والثانية: باسقاط حرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام٢. قال في اللسان: ومن أمثال العرب في الشَبَهِ: من أَشْبه أباه فما ظلم، قال الأصمعي: ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه. قال: وأصل الظلم: الجوْر، ومجاوزة الحدِّ٣.

стр. 57

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله، لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام/٨٢] ، شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟. فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . قال ابن حجر: وجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله (بظلم) عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وإنما بيَّن لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو الشرك. فدلّ على أن الظلم مراتب متفاوتة. قال: قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ أي: لم يخلطوا، وقال محمد بن اسماعيل التيمي في شرحه: خلطُ الإيمان بالشرك لا يُتصور، فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان، كفر متأخر عن إيمان متقدم، أي: لم يرتدوا. ويحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً، أي: لم ينافقوا١. وقول الله تعالى فيما يتعلق بالمسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قال ابن العربي: المعنى: ومن يَهمُّ فيه (بميل) يكون ذلك (الميل) ظلماً، لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلاّ أنه قد صار في عُرف الشريعة ميلاً مذموماً، فرفع الله الإشكال وبيَّن أن الميل بالظلم هو المراد هنا٢.

стр. 58

وقال ابن كثير: ضمَّن الفعل ههنا معنى (يَهِمُّ) ولهذا عدّاه (بالباء) فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي: يَهِمُّ فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامداً، قاصداً أنه ظلمٌ، ليس بمُتأولٍ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ... ﴾ الإرادة هنا إرادة تصميم، وإصرار من المريد على ما أراد فعله في المسجد الحرام من أنواع المعاصي والذنوب، وما كان سوى ذلك فهو حديث نفس وخواطر لا يتعلق عليها حكمٌ، وهي مما وضعه الله تعالى عن عباده، قال ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت بها أنفسها ما لم تَعْمل أو تتكلم به" ٢. ألا ترى أن من أكره على الكفر، فكفر، لا يكفر لأن قلبه مطمئن بالإيمان، وقد اختصَّ الباري جل وعلا بعلم ما تُخفي الصدور، وربط كل عمل للعباد بما علمه عنهم من نوايا حسنة، أو سيئة. والنية تصحح القول والعمل، ما كان خالصاً لله، وما كان رياءً وسمعة، والثواب والعقاب يُقوَّمَانِ على هذه القاعدة الحكيمة، فلا يُظلم أحد مثقال ذرة، ولا دخل للأهواء والأغراض في القضاء، إذ لا يعلم حقيقة النية إلاَّ الله.

стр. 59

المبحث الرابع: بعض خصائص البلد الأمين (القرية، والمسجد) أولاً: (القرية) وهي كل ما يحيط بالمسجد الحرام، من دور، ومرافق عامة، وخاصة، اتخذها الإنسان لنفسه، وعمرها، وفق حاجاته الأساسية والضرورية للعيش في الحياة الدنيا، وذلك منذ قبول (هاجر) أم إسماعيل ﵇، نفراً من جرهم مشاركتها ماء (زمزم) . وأخذ ذلك المجتمع الصغير ينمو، ويتسع مع مضي الوقت والزمان، واكتسب أهمية عظمى في نفوس العباد منذ أن خوّل الباري جل وعلا خليله إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉ برفع قواعد أول بيت وضع للناس، الكعبة البيت الحرام، بيتاً لله في الأرض. فكان من الطبيعي أن يكتسب جيرانه حرمة من حرمته، ومكانة من مكانته تفوق كل حرمة وكل مكانة في أي بقعة من الأرض. نصحت إحدى نساء العرب أبناءها في الجاهلية - وكانت شاعرة بليغة - بما يجب عليهم فعله تجاه البلد الحرام قائلة: أَبَنيَّ لاَ تَظْلِم بمكة ... لا الصَّغيرَ ولا الكبير واحْفَظ محارمَها بُنَيَّ ... ولا يَغْرَّنكَ الغرور أَبنيَّ من يَظْلم بمكة ... يَلْقَ أطراف الشُّرور أَبنيَّ يُضْربُ وجهَه ... وَيَلُحْ بخديه السعير أَبنيَّ قَدْ جَربتُها ... فوجدتُ ظالمها يبور