إلا ابن حبان فهو عنده بنحوه. وقال البوصيري١: "إسناد حديثهما صحيح رجاله ثقات"، لكن قال ابن حجر٢: "روى الحديث ابن ماجه بإسناد حسن".
قلت: والقلب إلى تحسينه أميل، وذلك لأن سلاَّم٣ بن شرحبيل أحد رواته مقبول عند الحافظ ابن حجر، ولم يوثقه سوى ابن حبان، لكنه من التابعين الذين لم يعرفوا بكبير رواية ولم يشتهروا فتقادم العهد بهم، وصعب الاطلاع على حالهم فأجاز العلماء روايتهم واحتملوها.
وروى الترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، والحاكم٧ حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو٨ خماصا٩، وتروح١٠ بطانا١١". هذا لفظ ابن ماجه وأحمد في الموضع الثاني، وكذا الحاكم، وعند الترمذي وأحمد في الموضع الأول "لو أنكم كنتم توكلون"
стр. 37
والباقي بنحوه. وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ولم يتعقبه الذهبي.
وهكذا يتضح مما سبق أن التوكل والانقطاع إلى الله سبب في حصول الرزق والبركة فيه وقضاء الحاجات، ورفع الحرج والضيق بإذن الله تعالى.
стр. 38
المطلب الثّالث: التّسمية في كلّ الأحوال
التسمية، والذكر والدعاء، والشكر، والتوبة، والاستغفار، وإن كانت هذه العبادات تبدو متداخلة من حيث الظاهر ويمكن أن تندرج جميعها تحت مسمَّى الذكر، إلا أنها في الحقيقة تجتمع وتفترق، وفي كلٍّ منها معنىً زائد على باقيها فيما يتعلق بموضوع البحث، لذا رأيت أن أفرد كل نوع منها على حدة.
فأما التسمية: فقد ثبت أنه ﷺ كان يذكر اسم الله تعالى ويسمي في كثير من الأحيان، ويأمر أصحابه بذلك وذلك لما يحصل من ذكر اسم الله تعالى من البركة، وطرد الشيطان ومنع مشاركته الإنسان إلا فيما لم يذكر اسم الله تعالى عليه.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ١.
فسَّر بعض العلماء المشاركة هنا بأشياء كثيرة: منها مشاركة الشيطان للمجامع زوجته إذا لم يذكر اسم الله تعالى فقد جاء عند البخاري٢ من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله
стр. 39
وقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان".
وأصرح حديث بالأمر بالتسمية وبخاصة عند الطعام، هو ما جاء عند أبي داود١، والترمذي٢، والحاكم٣، وغيرهم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره". هذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن قيم الجوزية٤.
وقد جاء عند البخاري٥، ومسلم٦ وغيرهما أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة وفيه أن النبي ﷺ قال له: "يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك، وكل مما يليك ... ".
وتظهر فائدة التسمية بشكل جلي من خلال الأحاديث التالية:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" وفي لفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" وفي رواية: "فهو أجذم" أخرجه كل من ابن ماجه٧، وأبي داود٨،
стр. 40
وابن حبان١، والدارقطني٢، والنسائي٣، واللفظ الثاني هو الأكثر، والأشهر، وقد ذكر طرقه السبكي وصححه٤، وقال النووي٥: "هذا الحديث حسن ... روي موصولاً ومرسلاً، ورواية الموصول إسنادها جيد، ومعنى أقطع: قليل البركة، وكذلك أجذم". أ?.
وقال المحشي على سنن ابن ماجه: قال السندي: "الحديث حسنه ابن الصلاح والنووي"٦.
قال الحافظ ابن حجر عند الكلام على كتاب النبي ﷺ لهرقل: "فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم": قال النووي: "فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم ويحمل قوله في حديث أبي هريرة: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" أي بذكر الله كما جاء في رواية أخرى فإنه روي على أوجه بذكر الله، ببسم الله، بحمد الله، قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبسملة"٧.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ عند كل من مسلم٨، وأبي داود٩،
стр. 41
وابن ماجه١، وأحمد٢، أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء"، هذا لفظ مسلم، والباقون بنحوه وعندهم في أوله زيادة.
وعن عائشة ﵂ عند كل من الترمذي٣، وابن ماجه٤ قالت: "كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ "أما إنه لو سمَّى لكفاكم". هذا لفظ الترمذي، ولفظ ابن ماجه بنحوه، وفيه عنده زيادة، وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وصححه - أيضًا - الألباني٥.
وقد ثبت عند البخاري٦ ومن حديث غير واحد من الصحابة ﵃ مرفوعًا: "أن المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
مما سبق، ومن خلال النظر في كتب شروح الحديث يتبين ما يلي:
١ - أهمية التسمية على كل أمر ذي بال، وأنها جالبة للخير والبركة، طاردة للشيطان الملعون المطرود الذي يمحق البركة ويسر للمعصية. ومما يدل على أهمية التسمية أيضًا أن كثيرًا ممن خرج الأحاديث السابقة عقدوا تراجم أبوابهم بذكر التسمية كما هو ملاحظ.
стр. 42
٢ - يستحب التسمية في أوَّل كل أمر ذي بال كالدخول، والخروج، والأكل، والشراب، والوزن، والكيل، وعدَّ النقود، واللباس، والجماع، ويلحق بها ما في معناها، وحمد الله تعالى في آخره. وقد نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية وقال: فإن الشيطان يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى، وأكل الشيطان محمول على ظاهره وأنه يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده١.
٣ - وقد قيل: إن معنى ذلك هو استحسان الشيطان رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه٢.
٤ - أن الشيطان لم يسلَّط بإذن الله تعالى على من يسمي من أجل بركة التسمية، لأن في ذكر الله تعالى ودعائه اعتصاماً من الشيطان وأعوانه، فلا يشركهم الشيطان ولا يقربهم، وبذلك تحصل البركة٣.
стр. 43
المطلب الرّابع: الذّكر والدّعاء
يعد الذكر من أفضل الطاعات، إذ هو سِرُّها وروحها، وهو أكبر من كل شيء، وأفضل من كل شيء، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾ ٤. ولذا فقد كان ﷺ : "يذكر الله على كل أحيانه" كما جاء عند البخاري٥، ومسلم٦، وغيرهما.
стр. 44
وملازمة الذكر والدعاء فيه استجلاب كل خير وبركة، ودفع كل بلاء وضر، وقرب من الرحمن ونيل رضاه وبعدٌ عن الشيطان وطرد له ولأعوانه، وقد كان رسول الله ﷺ أيضًا - يرشد إلى ملازمة الذكر والدعاء، كما أنه يذكر الله على كل أحيانه فإنه يدعو ربه في كل الأحيان بكل خير من خيري الدنيا والآخرة، ويدعو كذلك لأصحابه بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخراهم.
فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ عند مسلم١ أنه ﷺ كان يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي.." كما كان ﷺ يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي ووسِّع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني" عند الترمذي٢، وأحمد٣، والنسائي٤، وابن السني٥، اللفظ للترمذي والباقون بنحوه. وقال الترمذي: غريب وصححه النووي٦.
وقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ كما في حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم٧ فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: "قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم". قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟. قال: "قل اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني".
стр. 45
وجاء عند أحمد١ والترمذي٢ والحاكم٣ من حديث أبي وائل قال أتى عليًا ﵁ رجل فقال يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي فأعني، فقال علي ﵁ ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل ثبير٤ دنانير لأدَّاه الله عنك، قلت: بلى، قال: "قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك" اللفظ لأحمد، ولفظ الترمذي بنحوه، وحسنه الترمذي، وكذا الألباني٥ وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وقد ثبت في الصحيح عند البخاري٦ من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ دعا له فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته".
وجاء عند الإمام أحمد٧ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ المرفوع وفيه ذكر وصية نوح ﵇ لابنيه عندما حضرته الوفاة ومما جاء فيه: "آمركما بلا إله إلا الله.. وآمركما بسبحان الله، وبحمده، فإنها
стр. 46
صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء". قال العراقي: إسناده صحيح١، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات٢.
وهكذا يظهر جليًا ما للذكر والدعاء من أهمية بالغة في استجلاب الخير والبركة وطرد للمكروه والعوز وإبعاد للشيطان وإرغام له ولجنده. ولهذا لزم الإنسان ملازمة الذكر والدعاء للفوز بالسعادة الأخروية والدنيوية على حد سواء، والله أعلم.
стр. 47
المطلب الخامس: شكر الله تعالى وحمده
الشكر: هو استعمال نعم الله تعالى في محابه، كما قال الغزالي٣، وقال في موضع آخر: "وجود الزيادة في المال نعمة وشكرها أن تصرف إلى الخيرات أو أن لا تستعمل في المعصية"٤. وقال ابن القيم: "الشكر، هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده، ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة"٥. وقال القرطبي نحو هذا٦.
وقد فرق بعض العلماء جزئيًا بين الحمد والشكر، فجعلوا بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، لكن رجح أبو جعفر الطبري أن الحمد قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد، لأن ذلك لو لم يكن
стр. 48
كذلك لما جاز أن يقال: "الحمد لله شكرًا"١.
ولذا فسَّر الطبري ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ في سورة الفاتحة بالشكر الخالص لله تعالى بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد٢.
قلت: وهذه النعم الكثيرة التي لا تحصى ولا تستقصى ومن جملتها نعمة المال تستوجب الشكر من الخلق للخالق الرازق المتفضل، وهذا الشكر والحمد له سبحانه سبب من أسباب استجلاب الزيادة، وحصول البركة في المال، تفضلاً منه ونعمة.
قال ابن القيم: "جعل الله الشكر سببًا للمزيد من فضله وحارسًا وحافظًا لنعمته، وموصلاً الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورًا"٣.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه يضيق معنى الشكر عند بعض الخلق فيظن أن غايته أن يقول بلسانه الحمد لله، أو الشكر لله، ونحوهما، مع عدم استعانته بالنعمة على المعصية، وإن لم يصرف هذه النعمة إلى الطاعة، وهذا مما لا شك فيه قصور في الفهم، وعن اتباع السلف الصالح.
والشكر- في حقيقة الأمر دائرته - أوسع من ذلك، ومجاله أرحب فالصلاة مثلاً شكر، والصيام شكر، وكل خير يعمله الإنسان لله تعالى شكر، واستحياء العبد من تتابع النعم عليه شكر، واعترافه بالتقصير على شكر المنعم عليه، واعتذاره عن تقصيره أيضا شكر، وتحدثه بنعمة الله شكر، واعترافه بأن النعمة موهبة من الله تعالى مع أنه لا يستحقها شكر، وتواضعه للنعم والتذلل فيها
стр. 49
للمنعم شكر، وقلة اعتراضه وحسن أدبه مع المنعم، وتلقي النعمة بحسن القبول، وإن كانت بسيطة أو قليلة، واستعظامها وعدم احتقارها أو استصغارها شكر، والتيقن بأن الشكر بحد ذاته هو نعمة من الله تعالى وتوفيقه شكر، وأفضل الشكر هو حمد الله تعالى١.
وقد أمر عباده بالشكر، بل إنه قرن الشكر بالذكر إذ قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ٢. كما وعد بالجزاء على الشكر، بل قطع سبحانه بالمزيد مع الشكر فقال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ٣. وقال أيضًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٤. وقال أيضًا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٥. وقال أيضًا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٦.
وأقوال العلماء المفسرين حول هذه الآيات تؤيد المعاني السابقة في شكر الله ، وتؤكدها، فقد قال أبو جعفر الطبري عند قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أي لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رضيت عنه من عبادي، فإني وعدت خلقي أن من شكر لي زدته، ومن كفرني حرمته، وسلبته ما أعطيته٧.
стр. 50
قلت: وقول أبي جعفر هنا "ومن كفرني" ليس بالضرورة أن يكون هو (الكافر) حقيقة وهو مقابل (المسلم) ، ولكن يريد ما هو أعم من هذا، فيدخل فيه من جحد النعمة فلم يظهرها ويؤدي حقها وشكرها على المعاني السابقة، والله أعلم.
وقال القرطبي معلقًا على الآية الأخرى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لئن شكرتم إنعامي عليكم لأزيدنكم من فضلي، والآية نص في أن الشكر سبب المزيد١.
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي أنشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر، والخطاب للنبي ﷺ ، والحكم عام له ولغيره٢. وأما قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فقد قال القرطبي في معناها: "أي قليل من يفعل ذلك لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية"٣.
قلت: والظاهر - والله أعلم - أن نعم الله كثيرة لا حصر لها، وهي لا تزال متجددة متكاثرة على العباد بفضل الله ، والشكر بأنواعه وأشكاله يحتاج إلى عزيمة ويقين، فيضعف كثير من الناس، ويقصِّرون في شكر المنعم وحمده حق شكره وحمده، ولذلك كان الشاكرون قليلين، وهم الخاصة، وفي مقدمة هؤلاء الشاكرين إمامهم سيد البشر محمد ﷺ ، وذلك لأنه أتقى الخلق، وأعرفهم بحق خالقه وأشكرهم له، يظهر ذلك جليًا من خلال النظر في حاله وسيرته مع أصحابه رضوان الله عليهم، ويبرز ذلك بأمور منها:
стр. 51
١- كان ﷺ يجتهد في العبادة بشتى أنواعها مع أنه مغفور له المتقدم والمتأخر من ذنبه، فلقد جاء عند البخاري١، ومسلم٢ من حديث المغيرة بن شعبة وحديث عائشة ﵄ أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". هذا لفظ حديث عائشة عند البخاري، وعندهما نحو هذا اللفظ أيضًا.
٢- وقد كان من هديه ﷺ وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسُرُّ، أو اندفاع نقمة، كما جاء عند كل من أبي داود٣، والترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، من حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا لله ﵎. واللفظ لابن ماجه، والباقون بنحوه، وعند أحمد فيه قصة، وقال الترمذي في آخره: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث بكار بن عبد العزيز، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا سجدة الشكر. وعن
стр. 52
عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لما تاب الله عليه خرَّ ساجدًا. عند ابن ماجه١، وقال البوصيري٢: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وهو موقوف، قال ابن حزم: لا مغمز في خبر كعب ألبتة، ثم روي عن أبي بكر الصديق "في الأصل أبي الصديق" وعلي بن أبي طالب نحوه. أ. هـ.
٣- توجيهاته لأصحابه وأقواله في الشكر وبيان فضله. فقد قال ﷺ لمن رآه رثَّ الثياب: "ألك مال"؟، قال: نعم، قال: "من أي المال"؟، قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: "فإذا أتاك الله مالاً فلير أثر نِعمة الله عليك وكرامته" رواه أبو داود٣، والنسائي٤، والحاكم٥ هذا لفظ أبي داود والحاكم مثله إلا أنه عنده مطول، وعند النسائي بنحوه عند أبي داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه- أيضًا- الألباني٦.
وعند الترمذي٧، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وقال الترمذي: حديث حسن، ثم قال: وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه وعمران بن حصين وابن مسعود،
стр. 53
وحسنه - أيضا - الألباني١.
وقال ﷺ : "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر، فقد أدَّى شكر يومه، ومن قال: مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته".
رواه كل من أبي داود٢، وابن حبان٣، واللفظ لأبي داود، وهو عند ابن حبان بنحوه مع شيء من الاختصار، وقد حسَّنَه ابن القيم٤، والنووي٥، والحافظ ابن حجر٦.
وفي حديث أنس ﵁ عند ابن ماجه٧ أنه ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذه". يعني الذي أداه وفعله من الحمد، أفضل مما أخذ من النعمة، وحسنه البوصيري٨، وقال النووي: إسناده جيد٩. وفي الفتوحات الربانية على الأذكار النووية١٠: وفي الحرز، رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن غنام، وابن حبان والنسائي عن ابن عباس، وقال الحافظ بعد تخريجه: " ... حديث حسن".
стр. 54
المطلب السّادس: التّوبة والاستغفار
التوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره، أي هي: الرجوع لما يكرهه الله ظاهرًا وباطنا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنا.
والاستغفار: هو محو الذنب، وإزالة أثره ووقاية شره، وستره. والاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمنه، وكل منهما يدخل في مسمَّى الآخر، عند الإطلاق والإفراد، وأما عند الاقتران أي اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ١، فيكون الاستغفار هنا طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله٢.
قلت: ومن المهم هنا أن يُعلم أن التوبة والاستغفار عبادة تَعَبَّدَنا الله تعالى بها باستمرار وعلى الدوام، سواء أوقعت ذنوب أو معاصي أم لم تقع، لكن إن حصلت - وما أكثرها! - إذ الإنسان خطاء، فيجب الإسراع إلى التوبة والندم وكثرة الاستغفار. وهذه العبادة لها أهمية بالغة يصعب استقصاء فضلها وفوائدها هنا لكن مما لا شك فيه، فيها رضى الرب وقربٌ منه، وبعدٌ عن الشيطان، واستجلابٌ الخيرات وحصول البركات، ودفعٌ للشرور والمكروهات، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ناطقة حافلة بهذا، ومن ذلك قول هود ﵇ لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٣.
ذكر القرطبي: أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، وأن عادًا كانوا
стр. 55
أهل بساتين وزروع وعمارة فحبس عنهم المطر فقال لهم هود إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار يحيي الله بلادكم ويرزقكم، الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم١.
وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ ٢.
واضح - في هذه الآيات - أن التوبة والطاعة وكثرة الاستغفار سبب في بسط الرزق وحصول المال والبركة فيه، وهكذا أرشد نوح ﵇ قومه إلى الطاعة وكثرة الاستغفار، أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه، وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع وأدرَّ لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها٣.
قال ابن كثير: "يستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ "٤. وقال الشعبي: خرج عمر- ﵁ يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا. فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟. فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ أخرجه كل من عبد الرزاق٥،
стр. 56
وابن أبي شيبة١، وابن أبي حاتم٢، والبيهقي٣. والشعبي وإن أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم إلا أنه لم يسمع من عمر ﵁ كما ذكر غير واحد منهم ابن أبي حاتم٤، وقد قال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحًا، وقال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحب إليَّ من مرسل النخعي٥.
وقد روى الأثر عن عمر غير واحد - أيضًا - منهم عطاء عند عبد الرزاق٦، وابن المسيب عند البيهقي٧، وأبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي عن أبيه عند البيقهي٨ أيضًا، وفيه قال عبيد السعدي ألا يتكلَّم لما خرج له، ولا أعلم أن الاستسقاء هو الاستغفار فمطرنا.
وقد جاء الأثر أيضًا مسندًا مختصرًا عند ابن أبي شيبة قال: ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁ نستسقي فما زاد على الاستسقاء٩.
стр. 57
قلت: وإسناده متصل ورجاله كلهم ثقات بلا استثناء. وبهذا يصح الأثر عن عمر ﵁ والله أعلم.
وقد بين الرسول ﷺ سيِّد الاستغفار كما جاء عند البخاري١ فقال: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنتن خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ... ".
وقد جاء عند البخاري٢ أنه ﷺ قال: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". وعند مسلم٣ قال: قال ﷺ : "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي رواية "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". كل هذا مع أنه ﷺ قد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناًلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٤، وقد تقدم في الشكر أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطَّر قدماه. فلما سئل قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا.
وواضح مما سبق أن التوبة والاستغفار سبب لكل خير دنيوي وأخروي.
ومن جملة ذلك حصول الخير والبركة في المال، ودفع كل سوء ومكروه. وقد
стр. 58
وجد كذلك نصوص صريحة في هذا.
منها: ما رواه أبوداود١، وابن ماجه٢، والنسائي٣، وأحمد٤، والطبراني٥، والحاكم٦، والبيهقي٧ من حديث ابن عباس - رضي الله - عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "من لزم الاستغفار - وفي لفظ (أكثر) - جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب". وصححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي قائلا: "أحد رواته فيه جهالة"، وقال المنذري: "في إسناده الحَكَم بن مصعب، ولا يحتج به"٨، كما ضعفه الألباني بسبب الحكم بن مصعب أيضًا٩.
قلت: وقد رمز السيوطي له بالصحة١٠، وقال صاحب التاج: "سنده صحيح"١١، كما قال أحمد شاكر-أيضًا - إسناده صحيح، وقد ذكر الاختلاف في الحكم بن مصعب ورجح تعديله، كما رد على المنذري فقال: "وهذا غلو
стр. 59
منه شديد"١.
وقد روى الربيع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: "استغفر الله"، فأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فقال له: "ادع الله أن يرزقني ابنا"، فقال له: "استغفر الله". فقلنا له: "أتاك رجال يشكون إليك أبوابًا، ويسألونك أنواعًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار"، فقال: "ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئًا، إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى إخبارًا من نبيه نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ "٢.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر٣ هذا الأثر عن الحسن البصري مع شيء من الاختلاف في الألفاظ، ثم قال: "وكأنَّ المُصَنِّف - يريد البخاري - ألمح بذكر هذه الآية إلى أثر الحسن البصري"أ?.
قلت: والربيع بن صبيح هذا سمع الحسن البصري، وثقه جماعة وضعفه آخرون، لكنه لم يتعمد الكذب، ولا يدلس وقد لخص الحافظ ابن حجر حاله قائلاً: "صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، وقد روى له الترمذي وابن ماجه والبخاري تعليقًا"٤.
стр. 60
المطلب السابع: السعي في الكسب أخذا بالأسباب
...
No pages