← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَمَا جَاءَ بِهِ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ (١): أَعْظَمُ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَعِيسَى. فَإِنَّ الَّذِي عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْيَوْم الْآخِرِ، وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ: أَعْظَمُ وَأَجَلُّ بِكَثِير مِمَّا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَهَذَا بَيِّنٌ لِكُلِّ مَن يَبْحَثُ عَن ذَلِكَ. وَمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِن الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ؛ مِثْل الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَغَيْرِهَا مِن الصَّلَوَاتِ، وَالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ: أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَمَا عِنْدَهُم مِن الشَّرِيعَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ: أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَالْمُسْلِمُونَ فَوْقَهُم فِي كُلِّ عِلْيم نَافِعٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَهَذَا يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِأَدْنَى نَظَرٍ، لَاْ يَحْتَاجُ إلَى كَثِيرِ سَعْيٍ. وَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُل هُدًى وَخَيْرٍ يَحْصُلُ لَهُمْ: فَإِنَّمَا حَصَلَ بِنَبِيِّهِمْ ﷺ . فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مُوسَى وَعِيسَى نَبِيَّيْنِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَيْسَ بِنَبِيّ، وَأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى الْحَقِّ؟ فَمَا هُم عَلَيْهِ مِن الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ: أَعْظَمُ مِمَّا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ وَذَلِكَ إنَّمَا تَلَقَّوْهُ مِن نَبِيِّهِمْ. فَأَصْلُ دِينِهِمْ حَقٌّ .. لَكِنْ كُلٌّ مِن الدِّينَيْنِ مُبَدَّلٌ مَنْسُوخٌ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا، ثُمَّ نُسِخَ بَقِيَّةُ شَرِيعَتِهِمْ بِالْمَسِيحِ ﷺ . وَنَفْسُ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى- مِثْلُ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهِيَ أَكْثَرُ

стр. 352

مِن عِشْرِينَ نُبُوَّةً وَغَيْرُهَا- تُبَيِّنُ أَنَّهُم بَدَّلُوا، وَأَنَّ شَرِيعَتَهُم تُنْسَخُ، وَتُبَيِّنُ صِحَّةَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فَإِنَّ فِيهَا مِن الْإِعْلَامِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى نُبُوَّةِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ: مَا قَد صَنَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مُصَنَّفَاتٍ. وَفِيهَا أَيْضًا مِن التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ مَا يُبَيِّنُ أَيْضًا وُقُوعَ التَّبْدِيلِ. وَفِيهَا مِن الْأَخْبَارِ مِن نَحْوٍ بَعْدَهَا مَا يُبَيِّنُ أَنَهَا مَنْسُوخَةٌ. وَقَد نَاظَرْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِن أَهْلِ الْكِتَاب، وَبَيَّنَا لَهُم ذَلِكَ، وَأَسْلَمَ مِن عُلَمَائِهِمْ وَخِيَارِهِمْ طَوَائِفُ، وَصَارُوا يُنَاظِرُونَ أَهْلَ دِينِهِمْ، وَيُبَيِّنونَ مَا عِنْدَهُم مِن الدَّلَائِلِ عَلَى نبوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (١). فَصْلٌ وَأمَّا إنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ لَا يُقِرُّ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّ مِن الْأَنْبِيَاءِ؛ لَا مُوسَى وَلَا عِيسَى وَلَا غَيْرِهِمَا: فَلِلْمُخَاطَبَةِ طُرُقٌ مِنْهَا: [الطريق الأول]: أَنَّ نَسْلُكَ فِي الْكَلَامِ بَيْنَ أهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ -مِن الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ والمتفلسفة والبراهمة وَغَيْرِهِمْ- نَظِيرَ الْكَلَام بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ: مِن الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ لَهُ أَدْنَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ: أَنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ أَكْمَلُ فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِمَن لَيْسَ مَن أهْلِ الْمِلَلِ، فَمَا مِن خَيْرٍ يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مَن أهْلِ الْمِلَلِ إلَّا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ أكْمَلُ مِنْهُ، وَعِنْدَ أهْلِ الْمِلَلِ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلُومَ وَالْأعْمَالَ نَوْعَانِ: (نَوْعٌ) يَحْصُلُ بِالْعَقْلِ؛ كَعِلْمِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ، وَكَالصِّنَاعَةِ مِن الْحِيَاكَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الْأمُورُ عِنْدَ أهْلِ الْمِلَلِ كَمَا هِى عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

стр. 353

بَل هُم فِيهَا أَكْمَلُ؛ فَإِنَّ عُلُومَ الْمُتَفَلْسِفَةِ- مِن عُلُومِ الْمَنْطِقِ وَالطَّبِيعَةِ وَالْهَيْئَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ- مِن مُتَفَلْسِفَةِ الْهِنْدِ وَالْيُونَانِ وَعُلُومِ فَارِسٍ وَالرُّومِ، لَمَّا صَارَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ هَذَّبُوهَا وَنَقَّحُوهَا؛ لِكَمَالِ غقُولِهِمْ، وَحُسْنِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَكَانَ كَلَامُهُم فِيهَا أَتَمَّ وَأَجْمَعَ وَأَبْيَنَ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ عَاقِلٍ وَفَاضِلٍ (١). النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِخَبَرِ الرُّسُلِ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِوُجُوه: - مِنْهَا: اتِّفَاقُ الرُّسُلِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ مِن غَيْرِ تَوَاطُؤٍ وَلَا اتِّفَاقٍ بَيْنَهُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَن عُلُومٍ طَوِيلَةٍ فِيهَا تَفَاصِيلُ كَثِيرَةٌ، لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ خَطَؤُهُمْ، وَأَخْبَرَ غَيْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَآ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُمْكِنُ الْكَذِبُ فِي مِثْل ذَلِكَ: أَفَادَ خَبَرُهُمَا الْعِلْمَ، وَإِن لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُمَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى أَخْبَرَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ ! وقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ الْمَسِيحُ. وَمَعْلُومٌ أَيْضًا لِكُلِّ مَن كَانَ عَالِمًا بِحَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ نَشَأَ بَيْنَ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، لَا يَقْرَؤُونَ كِتَابًا، وَلَا يَعْلَمُونَ عُلُومَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُن عِنْدَهُم مَن يَعْلَمُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَنُبُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَد أَخْبَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعَرْشِهِ وَكُرْسِيِّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ مُكَذِّبِيهِمْ: بِنَظِيرِ مَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِن التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا. فَمَن تَدَبَّرَ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ: عَلِمَ أَنَّهُمَا جَمِيعًا يَخْرُجَانِ مِن مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ،

стр. 354

كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ النَّجَاشِيُّ، وَكَمَا قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى. وَلهَذَا قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ فِي مِثْل هَذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨]. وَقَالَت الْجِنُّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وَمِن الطُّرُقِ: أَنَّ الرُّسُلَ جَاؤُوا مِن الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ، وَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا جَاهِلٌ غَاوٍ. فَإِذَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُمْ: وَجَبَ التَّصْدِيقُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَوَجَبَ الْحُكْمُ بِكُفْرِ مَن آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضِ. [٤/ ٢٠١ - ٢١٥] * * * (معنى الآية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾) ٣٨٤ - قَالَ تعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَسْأَلْ، وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَفِي ذَلِكَ سَعَةٌ لِمَن شَكَّ أَو أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ أَو يَزْدَادَ يَقِينًا. [٤/ ٢٠٩] * * * (هَل الرُّوح قَدِيمَةٌ أَو مَخْلُوقَةٌ ؟) ٣٨٥ - رُوحُ الْآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَد حَكَى إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ، الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ أَو مِن أَعْلَمِهِمْ. وأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فَقَد قِيلَ إنَّ

стр. 355

الرُّوحَ هُنَا لَيْسَ هُوَ رُوحُ الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ مَلَكٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. وَقِيلَ: بَل هُوَ رُوحُ الْآدَمِيِّ. وَالْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. وَسَوَاءٌ كَانَت الْآيَةُ تَعُمُّهُمَا أَو تَتَنَاوَلُ أَحَدَهُمَا: فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ تَارَةً، ويُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ تَارَةً أُخْرَى، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ا]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وَهَذَا فِي لَفْظٍ غَيْرِ الْأمْرِ؛ كَلَفْظِ الْخَلْقِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَلِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَو قِيلَ: إنَّ الرُّوحَ بَعْضُ أَمْرِ اللهِ، أَو جُزْءٌ مِن أَمْرِ اللهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فوَ صَرِيحٍ فِي أَنَّهَا بَعْضُ أَمْرِ اللهِ: لَمْ يَكن الْمُرَادُ بِلَفْظِ الْأمْرِ إلَّا الْمَأْمُورُ بِهِ لَا الْمَصْدَرُ؛ لِأنَّ الرَّوحَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، تَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى مَصْدَرِ: أَمَرَ يَأْمُرُ أَمْرًا. وَهَذَا قَوْلُ سَلَفِ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجُمْهُورِهَا. أَمَّا الْأعْيَانُ الْقَائِمَةُ بِأَنْفُسِهَا فَلَا تُسَمَّى أَمْرًا لَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ كَمَا سُمِّيَ الْمَسِيحُ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِالْكَلِمَةِ، وَكَمَا يُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً، وَالْجَنَّةُ رَحْمَةً، وَالْمَطَرُ رَحْمَةً فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَةَ (مِنْ) فِي اللُّغَةِ قَد تَكُونُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ؛ كَقَوْلِهِمْ: بَابٌ مِن حَدِيدٍ، وَقَد تَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ كَقَوْلِهِمْ: خَرَجْت مِن مَكَّةَ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ الرُّوحَ بَعْضُ الْأَمْرِ وَمِن جِنْسِهِ؛ بَل قَد تَكُون لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ إذ كُوِّنَتْ بِالْأَمْرِ وَصَدَرَتْ عَنْهُ ..

стр. 356

كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ. ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. فَإِذَا كَانَت الْمُسَخَّرَاتُ وَالنِّعَمُ مِن اللهِ وَلَمْ تَكُنْ بَعْضَ ذَاتِهِ بَل مِنْهُ صَدَرَتْ: لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَسِيحِ: "رُوحٌ مِنْهُ" أَنَّهَا بَعْضُ ذَاتِ اللهِ. [٤/ ٢١٦ - ٢٢٩] * * * (الْجَانّ مُخَاطَبُونَ بِفرُوعِ الْإِسْلَامِ، مع فروق في الحدّ بينهم وبين الإنس) ٣٨٦ - لَا ريبَ أَنَّهُم [أي: الْجَانّ] مَأْمُورُونَ بِأَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَنْهِيُّونَ عَن أَعْمَالٍ غَيْرِ التَّكْذِيبِ، فَهُم مَأْمُورُونَ بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِحَسْبِهِمْ؛ فَإِنَّهُم لَيْسُوا مُمَاثِلِي الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ، لَكِنَّهُم مُشَارِكُونَ الْإِنْسَ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. وَهَذَا مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ لَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْهُم يَسْتَحِقُّونَ لِعَذَابِ النَّارِ كَمَا يَدْخلُهَا مِن الْآدَمِيِّينَ. لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: إلَى أَنَّهُم يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُم أَبُو حَنِيفَةَ -فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ- إلَى أَنَّ الْمُطِيعِينَ مِنْهُم يَصِيرُونَ تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ، وَيكُونُ ثَوَابُهُم النَّجَاةَ مِن النَّارِ. وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ: فَدَلَائِلُهُ كَثِيرَةٌ؛ مِثْلُ مَا فِي "مُسْلِمٍ" (١) عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "أتانِي دَاعِي الْجِنِّ،

стр. 357

فَذَهَبْت مَعَهُ فَقَرَأت عَلَيْهِم الْقُرْآنَ فَانْطَلَقُوا، فَآرَانَا آثَارَهُم وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَألُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أوْفَرُ مَا يَكونُ، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسْتَنْجُوا بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ"؛ وَذَلِكَ لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَيْهِم طَعَامَهُم وَعَلَفَهُمْ. وَهُنَا يُبَيِّنُ أَنَّمَا أَبَاحَ لَهُم مِن ذَلِكَ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، دُونَ مَا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ (١). [٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤] * * * (حكم تصوير الشجر والمعادن وغيرها) ٣٨٧ - يَجُوزُ تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَالْمَعَادِنِ فِي الثِّيَابِ وَالْحِيطَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَن صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخ" (٢)، وَلهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمُسْتَفْتِي الَّذِي اسْتَفْتَاهُ: "صَوِّرْ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ". وَلِهَذَا نَصَّ الْأئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: الصُّورَةُ هِيَ الرَّأْسُ لَا يَبْقَى فِيهَا رُوحٌ، فَيَبْقَى مِثْلُ الْجَمَادَاتِ (٣). [٢٩/ ٣٧٠] * * *

стр. 358

(متى يُصوّر الجنين، ويُكتب رزقه وأجله ؟) ٣٨٨ - سُئِلَ ﵀: عَن حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ النُّطْفَةَ تَكونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً، ثُمَّ يَكُون التَّصْوِيرُ وَالتَّخْطِيطُ وَالتَّشْكِيلُ". ثُمَّ وَرَدَ عَن حُذَيْفَةَ بْنِ أسيد: "أَنَّهُ إذَا مَرَّ لِلنُّطْفَةِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللهُ تَعَالَى إلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يَقُولُ يَارَبّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ (١) ". فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-: "إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعٍ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وُيؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ". فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّصْوِيرِ مَتَى يَكُونُ، لَكِنَّ فِيهِ أَنَّ الْمَلِكَ يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَة وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ وَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُضْغَةً. وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِك الَّذِي فِي "الصَّحِيحِ" (٣) يُوَافِقُ هَذَا وَهُوَ مَرْفُوعٌ قَالَ: "إن اللهَ عزَّوجلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ؛ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ؛ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟

стр. 359

شَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كذَلِكَ: فِي بَطْنِ أُمّهِ". فَبَيَّنَ فِي هَذَا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَكُونُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُضْغَةً. وَأمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أسيد فَهُوَ مِن أَفْرَادِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللهُ إلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكرٌ أَمْ أنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّك مَا شَاءَ وَيكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّك مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَارَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّك مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يُخْرجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ". فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ تَصْوِيرَهَا بَعْدَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَأَنَّهُ بَعْدَ تَصْوِيرِهَا وَخَلْقِ سَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا وَعِظَامِهَا يَقُولُ الْمَلَكُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا يمُونُ لَحْمًا وَعَظْمًا حَتَّى تكونَ مُضْغَةً. فَهَذَا مُوَافِقٌ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي أَنَّ كِتَابَةَ الْمَلَكِ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ تَقْدِيرُ اللَّحْمِ وَالْعِظَامِ. وَقَد رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظِ فِيهَا إجْمَالٌ بَعْضُهَا أَبْيَنُ مِن بَعْضٍ. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ: أ- إمَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ عَقِيبَ الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَكُونُ عَقِبَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَا مَحْذُورَ فِي الْكِتَابَةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَكُونُ الْمَكْتُوبُ أَوَّلًا فِيهِ كِتَابَةُ الذَّكَرِ وَالْأْنْثَى. ب- أَو يُقَالُ: إنَّ أَلْفَاظَ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ تُضْبَطْ حَقَّ الضَّبْطِ؛ وَلهَذَا اخْتَلَفَتْ رُوَاتُهُ فِي أَلْفَاظِهِ؛ وَلهَذَا أَعْرَضَ الْبُخَارِيُّ عَن رِوَايَتِهِ، وَقَد يَكونُ أَصْلُ الْحَدِيثِ صَحِيحًا، وَيَقَعُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ اضْطِرَابٌ، فَلَا يَصْلُحُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعَارَضَ بِهَا مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، الَّذِي لَمْ تَخْتَلِفْ

стр. 360

أَلْفَاظُهُ؛ بَل قَد صَدَّقَهُ غَيْرُهُ مِن الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. [٤/ ٢٣٨ - ٢٤١] * * * (مَا مِن مَوْلودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، وما مصير من مات صغيرًا ؟) ٣٨٩ - قَوْلُهُ ﷺ : "مَا مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يهَوِّدَانِهِ أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ" (١): الصَّوَابُ أَنَّهَا فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِطرَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَهُم عَلَيْهَا يَوْمَ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وَهِيَ السَّلَامَةُ مِن الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَالْقَبُولُ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ. فَإِنَّ حَقِيقَةَ "الْإِسْلَامِ" أَنْ يَسْتَسْلِمَ للهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَقَد ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: "كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ؟ " (٢). بَيَّنَ أَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِن النَّقْصِ كَسَلَامَةِ الْبَدَنِ، وَأنَّ الْعَيْبَ حَادِثٌ طَارِئٌ. وَلهَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إلَى أَنَّ الطِّفْلَ مَتَى مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ حُكِمَ بِإسْلَامِهِ؛ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلتَّغْيِيرِ عَن أَصْلِ الْفِطْرَةِ. وَقَد رُوِيَ عَنْهُ وَعَن ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُم قَالُوا: "يُولَدُ عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِن شَقَاوَةٍ وَسَعَادَةٍ".

стр. 361

وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ؛ فَإِنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ سَلِيمًا وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ سَيَكْفُرُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ إلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ، وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّهَا سَتُجْدَعُ. وَهَذَا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ:"طُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَلَو تُرِكَ لَأَرْهَقَ أَبَويهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا". يَعْنِي: طَبَعَهُ اللهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ؛ أَيْ: كَتَبَهُ وَأَثْبَتَهُ كَافِرًا؛ أَيْ: أَنَّهُ إنْ عَاشَ كَفَرَ بِالْفِعْلِ. وَلهَذَا لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمَّن يَمُوتُ مِن أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٢). أَي: اللهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ مِنْهُم وَمَن يَكْفُرُ لَو بَلَغُوا. ثُمَّ إنَّهُ قَد جَاءَ فِي حَدِيثٍ إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُهُم وَيبْعَثُ الَيْهِم رَسُولًا فِي عَرْصِةِ الْقِيَامَةِ، فَمَن أَجَابَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَمَن عَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ". فَهُنَالِكَ يَظْهَرُ فِيهِمْ مَا عَلِمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَيجْزِيهِمْ عَلَى مَا ظَهَرَ مِن الْعِلْمِ، وَهُوَ إيمَانُهُم وَكُفْرُهُمْ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ. وَهَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَعَلَيْهِ تَتَنَزَّلُ جَمِيعُ الْأَحادِيثِ (٣).

стр. 362

وَمَثَلُ الْفِطْرَةِ مَعَ الْحَقِّ: مَثَلُ ضَوْءِ الْعَيْنِ مَعَ الشَّمْسِ، وَكُلُّ ذِي عَيْنٍ لَو تُرِكَ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَرَأَى الشَّمْسَ. وَالِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَة الْعَارِضَة مِن تَهَوّدٍ وَتَنَصّرٍ وَتَمَجّس: مَثَلُ حِجَابٍ يَحُولُ بَيْنَ الْبَصَرِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ. وَلَا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونُوا حِينَ الْوِلَادَةِ مُعْتَقِدِينَ لِلْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ (١)؛ فَإِنَّ اللهَ أَخْرَجَنَا مِن بُطُونِ أمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَكِنْ سَلَامَةُ الْقَلْبِ وَقَبُولُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلْحَقِّ ائَذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، بِحَيْثُ لَو تُرِكَ مِن غَيْرِ مُغَيِّرٍ لَمَا كَانَ إلَّا مُسْلِمًا. وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي بِذَاتِهَا الْإِسْلَامَ مَا لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ: هِيَ فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. [٤/ ٢٤٥ - ٢٤٧] ٣٩٠ - الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِيمَن لَمْ يُكَلَّفْ فِي الدُّنْيَا مِن أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ: مَا صَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ فَلَا نَحْكُمُ لِكُلِّ مِنْهُم بِالْجَنَّةِ وَلَا لِكُلِّ مِنْهُم بِالنَّارِ؛ بَل هُم يَنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ إذَا كُلِّفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْآثَارُ. [١٨/ ١٤٢] ٣٩١ - الصِّغَارُ يَتَفَاضَلُونَ بِتَفَاضُلِ آبَائِهِمْ، وَتُفَاضِلُ أَعْمَالِهِمْ -إذَا كَانَت لَهُم أَعْمَالٌ-؛ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ هُوَ كَغَيْرِهِ، وَالْأَطْفَالُ الصِّغَارُ يُثَابُونَ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِن الْحَسَنَاتِ، وَإِن كَانَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُم فِي السَّيِّئَاتِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَت إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ. وَلَك أَجْرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٢). فَالصَّبِيُّ يُثَابُ عَلَى صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَحَجِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَعْمَالِهِ، وَيُفَضَّلُ بِذَلِكَ عَلَى مَن لَمْ يَعْمَلْ كَعَمَلِهِ.

стр. 363

وَهَذَا غَيْرُ مَا يُفْعَلُ بِهِ إكْرَامًا لِأَبَوَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ فِي النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَد يَنْتَفِعُ بِمَا يَكْسِبُهُ وَبِمَا يُعْطِيهِ أَبَوَاهُ، وَيتَمَيَّزُ بِذَلِكَ عَلَى مَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَد قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ يَكُونُونَ خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَا أصْلَ لِهَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا الْوُرُودُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَد فَسَّرَهُ النَّبِي ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن جَابِرٍ: بِأَنَّهُ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ. وَالصِّرَاطُ هُوَ الْجِسْرُ، فَلَا بُدَّ مِن الْمُرُورِ عَلَيْهِ لِكُلِّ مَن يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، مَن كَانَ صَغِيرًا فِي الدُّنْيَا وَمَن لَمْ يَكُنْ. وَالْوِلْدَانُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَلْقٌ مِن خَلْقِ الْجَنَّةِ، لَيْسُوا مِن أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؛ بَل أَبْنَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا إذَا دَخَلُوا الْجَنَةَ كَمُلَ خَلْقُهُم كَأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ أَبْنَاءِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا. [٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩] ٣٩٢ - أطفال المسلمين في الجنة إجماعًا. وأما أطفال المشركين فأصح الأجوبة فيهم ما ثبت في "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ سئل عنهم فقال: "اللهُ أَعْلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين" (١) فلا نحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار. ويروى أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. والصحيح في أطفال الكفار أنهم يمتحنون في عرصات القيامة. [المستدرك ١/ ١٠٦] * * *

стр. 364

(الْبَهَائِمُ يَحْشُرُهَا اللهُ سُبْحَانَهُ) ٣٩٣ - أَمَّا الْبَهَائِمُ فَجَمِيعُهَا يَحْشُرُهَا اللهُ سُبْحَانَهُ؛ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وَحَرْفُ (إذَا) إنَّمَا يَكُون لِمَا يَأْتِي لَا مَحَالَةَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ؛ فَإِنَّ اللهَ عزَّوجلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْشُرُ الْبَهَائِمَ وَيقْتَصُّ لِبَعْضِهَا مِن بَعْضٍ ثُمَّ يَقُولُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَتَصِيرُ تُرَابًا، فَيَقُولُ الْكَافِرُ حِينَئِذٍ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. [٤/ ٢٤٨] * * * (عَرْضُ الْأَدْيَانِ عَلَى الْعَبْدِ وَقْتَ الْمَوْتِ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ) ٣٩٤ - أَمَّا عَرْضُ الْأَدْيَانِ عَلَى الْعَبْدِ وَقْتَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا هُوَ أَيْضًا مُنْتَفِيًا عَن كُلِّ أَحَدٍ؛ بَل مِن النَّاسِ مَن تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُم مَن لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَقَد وَقَعَ ذَلِكَ لِأَقْوَامِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِن فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَعِيذَ مِنْهَا فِي صِلَاتِنَا: مِنْهَا: مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَعِيذَ فِي صِلَاتِنَا مِن أَرْبَع: "مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِن فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِن فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (١). وَلَكِنْ وَقْتُ الْمَوْتِ أَحْرَصُ مَا يَكُونُ الشَّيْطَانُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ.

стр. 365

وأَمَّا الْفِتْنَةُ فِي الْقُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ الْمَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيُثَبِّبُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: اللهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي. وَيقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّناتِ وَالْهُدَى، فَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبعْنَاهُ. فَيَنْتَهِرَانِهِ انتهارة شَدِيدَةً -وَهِيَ آخِرُ فِتَنِهِ الَّتِي يُفْتَنُ بِهَا الْمُؤْمِنُ- فَيَقُولَانِ لَهُ: كَمَا قَالَا أَوَّلًا (١). وَقَد تَوَاتَرَت الْأَحَادِيث عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ مِن حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَهِيَ عَامَّةٌ لِلْمُكَلَّفِينَ إلَّا النَّبِيِّينَ فَقَد اُخْتُلِفَ فِيهِمْ. وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ كَالصّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَقِيلَ: لَا يُفْتَنُونَ؛ لِأَنَّ الْمِحْنَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ.

стр. 366

وَعَلَى هَذَا فَلَا يُلَقَّنُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: يُلَقَّنُونَ وَيُفْتَنُونَ أَيْضًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُم يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ، وَاخْتَارَهُ وَهُوَ مُقْتَضَى نُصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. [٤/ ٢٥٥ - ٢٥٧] * * * (الله تعالى يَذْكرُ في السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى) ٣٩٥ - مَذْهَبُ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بَل وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ إثْبَات الْقِيَامَةِ الْكبْرَى، وَقِيَامِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِمْ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ هُنَاكَ، وَإِثْبَاتُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْبَرْزَخِ -مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-. هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ قَلِيلٌ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ. وَهُوَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ يَذْكُرُ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى؛ كَمَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلهَا الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى، وَأَنَّ النَّاسَ يَكُونونَ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة: ١ - ٧]. ثُمَّ إنَّهُ فِي آخِرِهَا ذَكَرَ الْقِيَامَةَ الصُّغْرَى بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُم ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٤].

стр. 367

فَهَذَا فِيهِ أَنَّ النَّفْسَ تَبْلُغُ الْحُلْقومَ، وَأَنَّهُم لَا يُمْكِنُهُم رَجْعُهَا، وَبَيَّنَ حَالَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْمُكَذِّبِينَ حِينَئِذٍ. وَفِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ: ذَكَرَ أَيْضًا الْقِيَامَتَيْنِ فَقَالَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ٢]، وَهِيَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ. وَقَد قِيلَ: إنَّ النَّفْسَ تَكُونُ لَوَّامَةً وَغَيْرَ لَوَّامَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل نَفْسُ كُلِّ إنْسَانٍ لَوَّامَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَشَرٌ إلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ وَيَنْدَمُ إمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَهَذَا إثْبَاتُ النَّفْسِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَعَادَ الْبَدَنِ فَقَالَ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ [القيامة: ٣ - ٦]. وَوَصَفَ حَالَ الْقِيَامَةِ إلَى قَوْلِهِ: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [القيامة: ٢٥]. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلنَّفْسِ وَأَنَّهَا تَبْلُغُ التَّرَاقِيَ كَمَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وَالتَّرَاقِي مُتَّصِلَةٌ بِالْحُلْقُومِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ [القيامة:٢٧] يَرْقِيهَا، وقَيلَ: مَن صَاعِدٌ يَصْعَدُ بِهَا إِلَى الله؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾ [القيامة:٢٨] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم يَرْجُونَهُ وَيَطْلُبُونَ لَهُ رَاقِيًا يَرْقِيهِ. [٤/ ٢٦٢ - ٢٦٥] * * * (المقصود باليقين في قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾) ٣٩٦ - قَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]؛ أَيْ: جَاءَت بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِن ثَوَابٍ وَعِقَابٍ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ. لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهَا جَاءَت بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ؛ فَإِنَّ هَذَا مَشْهُورٌ لَمْ يُنَازَعْ فِيهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْمَوْتَ بَاطِلٌ حَتَّى يُقَالَ: جَاءَت بِالْحَقِّ.

стр. 368

وَقوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]؛ فَالْإِنْسَانُ وَإِن كَرِهَ الْمَوْتَ فَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ تُلَاقِيهِ مَلَائِكَتُهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، وَالْيَقِينُ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ .. وَإِلَّا فَنَفْسُ الْمَوْتِ -مُجَرَّد عَمَّا بَعْده- أَمْرٌ مَشْهُورٌ لَمْ يُنَارعْ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى يُسَمَّى يَقِينًا. [٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦] * * * (التشابه بين النوم والموت) ٣٩٧ - عَوْدُ الرُّوحِ إلَى بَدَنِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ لَيْسَ مِثْل عُودِهَا إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِن كَانَ ذَاكَ قَد يَكُونُ أَكْمَلَ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، كَمَا أَنَّ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى لَيْسَتْ مِثْل هَذ النَّشْأَةِ، وَإِن كَانَت أَكْمَلَ مِنْهَا. بَل كُلُّ مَوْطِنٍ فِي هَذ الدَّارِ وَفِي الْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ: لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ. وَهَل يُسَمَّى ذَلِكَ مَوْتًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يُسَمَّى ذَلِكَ مَوْتًا، وَتَأَوَّلُوا عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا﴾ [غافر: ١١]، قِيلَ: إنَّ الْحَيَاةَ الْأولَى فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ فِي الْقَبْرِ، وَالْمَوْتَةَ الثَّانِيَةَ فِي الْقَبْرِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [البقرة: ٢٨]؛ فَالْمَوْتَةُ الْأُولَى قَبْلَ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] بَعْدَ الْمَوْتِ. فَالرُّوحُ تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ مَتَى شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَتُفَارِقُهُ مَتَى شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَا يتوقت ذَلِكَ بِمَرَّة وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ. وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ: "بِاسْمِك اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا"، وَكَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (١).

стр. 369

فَقَدَ سَمَّى النَّوْمَ مَوْتًا وَالِاسْتِيقَاظَ حَيَاةً. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أ- فَيَتَوَفَّاهَا حِينَ الْمَوْتِ. ب- وَيتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ بِالنَّوْمِ. ثُمَّ إذَا نَامُوا: - فَمَن مَاتَ فِي مَنَامِهِ أَمْسَكَ نَفْسَهُ. - وَمَن لَمْ يَمُتْ أَرْسَلَ نَفْسَهُ. وَالنَّائِمُ يَحْصُلُ لَه فِي مَنَامِهِ لَذَّةٌ وَأَلَمٌ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ، حَتَّى إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فِي مَنَامِهِ مَن يَضْرِبُهُ، فَيُصْبحُ وَالْوَجَعُ فِي بَدَنِهِ، وَيرَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ أُطْعِمَ شَيْئًا طَيِّبًا، فَيُصْبحُ وَطَعْمُهُ فِي فَمِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ. فَإِذَا كَانَ النَّائِمُ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا يُحِسُّ بِهِ- وَاَلَّذِي إلَى جَنْبِهِ لَا يُحِسُّ بِهِ- حَتَّى قَد يَصِيحُ النَّائِمُ مِن شِدَّةِ الْأَلَمِ، أَو الْفَزَعِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ، وَيسْمَعُ الْيَقْظَانُ صِيَاحَهُ، وَقَد يَتَكَلَّمُ إمَّا بِقُرْآنِ، وَإِمَّا بِذِكْر وَإِمَّا بِجَوَاب، وَالْيَقْظَانُ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَهُوَ نَائِمٌ، عَيْنُهُ مُغْمَضَةٌ، وَلَو خُوطِبَ لَمْ يَسْمَعْ: فَكَيْفَ يُنْكَرُ حَالُ الْمَقْبُورِ الَّذِي أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ؟. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ الَّذِي يَجِدُهُ الْمَيّتُ مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مِثْلَمَا يَجِدُهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ؛ بَل ذَلِكَ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ أَكْمَلُ وَأَبْلَغُ وَأَتَمُّ. وَهُوَ نَعِيمٌ حَقِيقِيٌّ وَعَذَابٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَكنْ يُذْكَرُ هَذَا الْمَثَلُ لِبَيَانِ إمْكَانِ ذَلِكَ. [٤/ ٢٧٤ - ٢٧٦] * * *

стр. 370

(سماع الميت قرع نعالهم والسلام عليه: عام) ٣٩٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقًا وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول لا مجرد سماع الكلام فكذلك المشبه به وهو الميت. [المستدرك ١/ ٩٤] * * * (قول الميت قدموني أمرٌ باطن آخر) ٣٩٩ - الحديث الذي قال النبي ﷺ فيه: "إِنَّ الميت إذا حُمِل قال: قدموني" أو يقول: "يا ويلها" الحديث (١)، ليس هذا هو الكلام المعتاد بتحريك اللسان؛ فإنه لو كان كذلك لسمعه كل أحد، ولكن هو أمر باطن آخر، وليس هو مجرد الروح، فإن الروح منفصل عن البدن؛ فإن النائم قد يسمع ويتكلم، وذلك بروحه وبدنه الباطن، بحيث يظهر أثر ذلك في بدنه، حتى إنه قد يقوم ويصيح ويمشي ويتنعم بدنه ويتعذب ومع ذلك فعيناه مغمضتان، وغالبهم أن لسانه لا يتحرك، لكن إذا قوي أمر الباطن فقد ينطلق اللسان الظاهر حتى يصوت به ولو نودي من حيث الظاهر لا يسمع، فكما أن النائم حاله لا تشبه حال اليقظان -ولا أحواله مختصة بالروح فالميت أبلغ من ذلك- فإن معرفته بالأمور أكمل من النائم. [المستدرك ١/ ٩٤ - ٩٥] ٤٠٠ - أرواح المؤمنين وإن كانت في الجنة فلها اتصال بالبدن إذا شاء الله تعالى من غير زمن طويل، كما تنزل الملائكة في طرفة عين. قال مالك ﵀: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت ولهذا روي: "أنها على أفنية القبور"، و"أنها في الجنة" والجميع حق.

стр. 371

وفي "الصحاح" أنها ترد إليه بعد الموت ويسأل وترد فتكون متصلة بالبدن بلا ريب والله أعلم. [المستدرك ١/ ٩٥] ٤٠١ - استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدري بما يُفعل عنده، ويسرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا. وروي أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم فيُعَرِّفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد، وتزوجت فلانة ومات فلان فما جاء؟ فيقولون: راح إلى أمه الهاوية. [المستدرك ١/ ٩٥] * * * (قد يصف الميت للنائم دواء، أو يجيبه عن مسألة) ٤٠٢ - قال ابن القيم ﵀: وأما من حصل له الشفاء باستعمال دواء رأى من وصفه له في منامه فكثير جدًّا، وقد حدثني غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه بالصواب. [الروح ٣٤] ٤٠٣ - الأرض تُبَدَّل كما ثبت في "الصحيحين" (١): "أنَّ النَّاسُ يُحْشَرُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ؛ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ" (٢). فهذا الحديث وسائر الآثار تبين أن الناس يحشرون على الأرض المبدَّلة. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فالطي غير التبديل، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].

стр. 372

فطيُّ السموات لا ينافي أن يكون الخلق في موضعهم، وليس في شيء من الأحاديث أنهم يكونون عند الطي على الجسر كما روي ذلك، وقد تبدل الأرض غير الأرض وإن كان في تلك الرواية ما فيها (١). [المستدرك ١/ ١٠٢ - ١٠٤] * * * (وفي البرزخ والعرصة تكليف) ٤٠٤ - الدنيا دار تكليف بلا خلاف، وكذلك البرزخ وعرصة القيامة، وإنما ينقطع التكليف بدخول دار الجزاء وهي الجنة أو النار، كما صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، والامتحان في البرزخ لمن لم يكن مكلفًا ففيه القولان لأصحابنا وغيرهم، وعلى هذا لا خلاف في امتحانهم في العرصة، وغير المكلف قد يرحم. [المستدرك ١/ ١٠٥] * * * (الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا في القبر) ٤٠٥ - سُئِلَ شَيْخ الْإِسْلَامِ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ وَهُوَ بِمِصْر-: عَن عَذَابِ الْقَبْرِ: هَل هُوَ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، أَو عَلَى النَّفْسِ دُونَ الْبَدَنِ؟ فَأَجَابَ ﵁ وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مُنْقَلَبَهُ وَمَثْوَاهُ آمِينَ-: بَل الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تُنَعَّمُ النَّفْسُ وَتُعَذَّبُ مُنْفَرِدَةً عَن الْبَدَنِ، وَتُعَذَّبُ مُتَّصِلَة بِالْبَدَنِ وَالْبَدَنُ مُتَّصِل بِهَا، فَيَكُونُ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُجْتَمِعَينَ، كَمَا يَكونُ لِلرُّوحِ مُنْفَرِدَةً عَن الْبَدَنِ.

стр. 373

وَهَل يَكونُ الْعَذَابُ وَالنَعِيمُ لِلْبَدَنِ بِدُونِ الرُّوحِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِأهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَالْكَلَامِ، وَفِي الْمَسْألَةِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ لَيْسَتْ مِن أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الرُّوحِ، وَأَنَّ الْبَدَنَ لَا يُنَعَّمُ وَلَا يُعَذَّبُ. وَقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّوحَ بِمُفْرَدِهَا لَا تُنَعَّمُ وَلَا تُعَذَّبُ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ هِيَ الْحَيَاةُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ الشَّاذُّ: قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَ الْبَرْزَخ لَيْسَ فِيهِ نَعِيمٌ وَلَا عَذَابٌ؛ بَل لَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَن يَقُولُهُ مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِم، الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّوحَ لَا تَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الْبَدَنَ لَا يُنَعَّمُ وَلَا يُعَذَّبُ. فَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ الطَّائِفَتَيْنِ ضُلَّالٌ فِي أَمْرِ الْبَرْزَخِ. فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ الْأقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْبَاطِلَةَ: فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأئِمَّتِهَا: - أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَو عَذَابٍ. - وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَلبَدَنِهِ. - وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةَ أَو مُعَذَّبَةً. - وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا، فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ. ثُمَّ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى أُعِيدَت الْأرْوَاحُ إلَى اجْسَادِهَا، وَقَامُوا مِن قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمَعَادُ الْأبْدَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ.

стр. 374

وَهَل يَكُونُ لِلْبَدَنِ دُونَ الرُّوحِ نَعِيمٌ أَو عَذَابٌ؟ أَثْبَتَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُم وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُهُمْ. وفي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن قتادة عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ". قَالَ: "يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَد أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ" قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا". وعَن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ". رَوَاهُ النَّسَائِي وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ كِلَاهُمَا (٢). وَقَوْلُهُ: "يَعْلُقُ" بِالضَّمِّ؛ أَيْ: يَأكُلُ. فَقَد أَخْبَرَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ الرُّوحَ تُنَعَّمُ مَعَ الْبَدَنِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ -إذَا شَاءَ اللهُ-، [وَأنها] (٣) تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ وَحْدَهَا، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ (٤). وَقَد رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْمَوْتِ عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ الرُّوحَ مُرْسَلَة تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ"، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا رُوِيَ: "أَنَّ الرُّوحَ قَد تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ"، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: "إنَّ الْأَرْوَاحَ تَدُومُ عَلَى الْقُبُورِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَوْمَ يُدْفَنُ الْمَيِّتُ لَا تُفَارِقُ ذَلِكَ". وَقَد تُعَادُ الرُّوحُ إلَى الْبَدَنِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْمَسْأَلَةِ" كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ الَّذِي

стр. 375

كَانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇". وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ مِن الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْوَقْتُ عَن اسْتِقْصَائِهِ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَبْدَانَ الَّتِي فِي الْقُبُورِ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ -إذَا شَاءَ اللهُ ذَلِكَ- كَمَا يَشَاءُ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ وَمُنَعَّمَةٌ وَمُعَذَّبَةٌ. وَلهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى. وَقَد انْكَشَفَ لِكَثِيرٍ مِن النَّاسِ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعُوا صَوْتَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ، وَرَأوْهُم بِعُيُونِهِمْ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا عَلَى الْبَدَنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. [٤/ ٢٨٢ - ٢٩٦] * * * (ردُّ عائشة على ابْنِ عُمَر ﵄ روايته لحديث: "إنَّهُم لَيَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أقُولُ"، والصواب في ذلك) ٤٠٦ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن ابْنِ عُمَر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: "هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكمْ حَقًّا"؟! وَقَالَ: "إنَّهُم لَيَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أقُولُ". فَذُكرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: وَهِمَ ابْنُ عُمَرَ، إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إنَّهُم لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ الَّذِي قُلْت لَهُم هُوَ الْحَقُّ"، ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَ﴾ [النمل: ٨٠] حَتَّى قَرَأَت الْآيَةَ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ (٢) وَابْنُ عُمَرَ، وَإِن كَانَا لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا؛ فَإِنَّ أَنَسًا رَوَى ذَلِكَ عَن أَبِي طَلْحَةَ وَأَبُو طَلْحَةَ شَهِدَ بَدْرًا.

стр. 376

وَعَائِشَةُ تَأَوَّلَتْ فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَمَا تَأَوَّلَتْ أَمْثَالَ ذَلِكَ. وَالنَّصُّ الصَّحِيحُ عَن النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَى تَأوِيلِ مَن تَأوَّلَ مِن أَصْحَابِهِ وَ غَيْرِهِ. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] إنَّمَا أَرَادَ بِهِ السَّمَاعَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ، لَكِنْ لَا تَسْمَعُ سَمَاعَ قَبُولٍ بِفِقْه وَاتِّبَاع؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. [٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨] * * * (بمَاذَا يُخَاطَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْبَعْثِ ؟) ٤٠٧ - لَا يُعْلَمُ بَأَيِّ لُغَةٍ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ [أي: يَوْم الْبَعْثِ]، وَلَا بِأَيِّ لُغَةٍ يَسْمَعُونَ خِطَابَ الرَّبِّ؛ لِأنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِشَيْء مِن ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﵊، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ الْفَارِسِيَّةَ لُغَةُ الجهنميين، وَلَا أَنَّ الْعَبَربِيَّةَ لُغَةُ أَهْلِ النَّعِيمِ الْأبَدِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ نِزَاعًا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ بَل كُلُّهُم يَكُفُّونَ عَن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الْكَلَامَ فِي مِثْل هَذَا مِن فُضُولِ الْقَوْلِ. [٤/ ٣٠٠] * * * (المراد بالْمِيزَان، وما كيفيته ؟) ٤٠٨ - الْمِيزَانُ: هُوَ مَا يُوزَنُ بِهِ الْأَعْمَالُ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَدْلِ؛ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ الْمَوَازِينِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَيْفِيَّةِ سَائِرِ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ مِن

стр. 377

الْغَيْبِ (١). [٤/ ٣٠٢] * * * (لم يصحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَي أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا عَلَى يَدَيْهِ) ٤٠٩ - سُئِلَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: هَل صَحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللهَ ﵎ أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَأجَابَ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَن أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ بَل أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ. فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مِن أَظْهَر الْمَوْضُوعَاتِ كَذِبًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْحَدِيثِ: لَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا فِي السُّنَنِ وَلَا فِي الْمَسَانِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَا ذَكَرَهُ أَهْلُ كُتُبِ الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ، وَإِن كَانُوا قَد يَرْوُونَ الضَّعِيفَ مَعَ الصَّحِيحِ. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِم" (٢): أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: "إنَّ أَبَاك فِي النَّارِ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: "إنَّ أَبِيِ وَأَبَاك فِي النَّارِ". وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَأْذَنْت رَبِّي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْته فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ". [٤/ ٣٢٤ - ٣٢٦] * * *

стр. 378

كتاب الأسماء والصفات (توحيد الأسماء والصفات) (الأسماء الحسنى) ٤١٠ - ترتيب أسماء الله الظاهرة نحو مائة وخمسين موجودة في كتاب الله: مفردة، ومفرقة، ومضافة، ومشبهة بالمضافة. [المستدرك ١/ ٤٣] * * * أسماء الله وصفاته ٤١١ - الِاسْمُ "الصَّمَدُ" فِيهِ لِلسَّلَفِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ قَد يُظَنُّ أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل كُلُّهَا صَوَابٌ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. وَالثانِي: أَنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ. وَالْأوَّلُ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَطَائِفَةٍ مِن أَهْلِ اللُّغَةِ. وَالثانِي: قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَجُمْهُورِ اللُّغَوِيَّين. وَلَيْسَتِ الدَّالُ مُنْقَلِبَةً عَنِ التَّاءِ؛ بَل الدَّالُ أَقْوَى، وَالْمُصْمَدُ أَكْمَلُ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُصْمَتِ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الْحَرْفُ كَانَ مَعْنَاهُ أَقْوَى؛ فَإِنَّ لُغَةَ الرَّبِّ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالتَّنَاسُبِ، وَلهَذَا كَانَ الصَّمْتُ إمْسَاكٌ عَن الْكَلَامِ مَعَ إمْكَانِهِ، وَالْإِنْسَانُ أَجْوَفُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِن فِيهِ لَكِنَّهُ قَد يَصْمُتُ، بِخِلَافِ الصَّمَدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا تَفَرُّقَ فِيهِ كَالصَّمَدِ وَالسَّيِّدِ وَالصَّمَدُ مِنَ الْأَرْضِ، وَصِمَادُ

стр. 379

الْقَارُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَنَاسِبَةِ أَكْمَلُ مِن أَلْفَاظِ الصَّمَدِ. ولَفْظُ الصَّمَدِ فِيهِ الْجَمْعُ، وَالْجَمْعُ فِيهِ الْقُوَّةُ، فَإِنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا اجْتَمَعَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُن فِيهِ خَلَلٌ كَانَ أَقْوَى مِمَّا إذَا كَانَ فِيهِ خُلُوٌّ، وَلهَذَا يُقَالُ لِلْمَكَانِ الْغَلِيظِ الْمُرْتَفِعِ: صَمَدٌ؛ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ وَاجْتِمَاعِ أَجْزَائِهِ، وَالرَّجُلُ الصَّمَدُ هُوَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ؛ أَيْ: الْمَقْصُودُ. وَالنَّاسُ إنَّمَا يَقْصِدُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ مَن يَقُومُ بِهَا، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِهَا مَن يَكُونُ فِي نَفْسِهِ مُجْتَمِعًا قَوُّيًّا ثَابِتًا، وَهُوَ السَّيِّدُ الْكَرِيمُ، بِخِلَافِ مَن يَكُونُ هَلُوعًا جَزُوعًا يَتَفَرَّقُ وُيقْلِقُ وَيتَمَزَّقُ مِن كَثْرَةِ حَوَائِجِهِمْ وَثِقَلِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِسَيِّدٍ صَمَدٍ يَصْمُدُونَ إلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ. [١٧/ ٢١٥ - ٢٣٣] ٤١٢ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، أَدْخَلَ اللَّامَ فِي الصَّمَدِ وَلَمْ يُدْخِلْهَا فِي أَحَدٍ؛ لِأَّنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا يُسَمَّى أَحَدًا فِي الْإِثْبَاتِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضَافٍ إلَّا اللهُ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ النَّفْي وَمَا فِي مَعْنَاهُ: كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَل عِنْدَك أَحَدٌ؟ وَإِن جَاءَنِي أَحَدٌ مِن جِهَتِك أَكْرَمْته، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعَدَدِ الْمُطْلَقِ يُقَالُ: أَحَدٌ، اثْنَانِ، وَيُقَالُ: أَحَدَ عَشر، وَفِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ يُقَالُ: يَوْمُ الْأَحَدِ. فَإِنَّ فِيهِ -عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ- ابْتَدَأَ اللهُ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام، وَقَد ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ آخِرَ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ آدَمَ خُلِقَ يَوْم الْجُمُعَةِ. وَإِذَا كَانَ آخِرُ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ كَانَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِأَنَّهَا سِتَّةٌ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي قَوْلِهِ: "خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ": فَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ قَدَحَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

стр. 380

قَالَ الْبُخَارِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبٍ، وَقَد ذَكَرَ تَعْلِيلَهُ البيهقي أيْضًا وَبَيَّنُوا أَنَّهُ غَلَطُ لَيْسَ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مِمَّا أَنْكَرَ الْحُذَّاقُ عَلَى مُسْلِمٍ إخْرَاجَهُ إيَّاهُ، كَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ إخْرَاجَ أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ. وَأَمَّا اسْمُ (الصَّمَدِ) فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَمْ يَقُلْ: "الله صمد"؛ بَل قَالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّمَدَ دُونَ مَا سِوَاهُ. [١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦] ٤١٣ - كُلُّ لَفْظٍ وُجِدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِثْبَاتِ أُثْبِتَ ذَلِكَ اللَّفْظُ، وَكُلُّ لَفْظٍ وُجِدَ مَنْفِيًّا نُفِيَ ذَلِكَ اللَّفْظُ، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَل وَلَا فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا إثْبَاتُهَا وَلَا نَفْيُهَا، وَقَد تَنَازَعَ فِيهَا النَّاسُ؛ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تُثْبَتُ وَلَا تُنْفَى إلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْسَارِ عَن مَعَانِيهَا: أ- فَإِنْ وُجِدَتْ مَعَانِيهَا مِمَّا أَثْبَتَهُ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ أُثْبِتَتْ. ب- وَإن وُجِدَتْ مِمَّا نَفَاهُ الرَّبُّ عَن نَفْسِهِ نُفِيت. ج- وَإِن وَجَدْنَا اللَّفْظَ أُثْبِتَ بِهِ حَقٌّ وَبَاطِل أَو نُفِيَ بِهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ أَو كَانَ مُجْمَلًا يُرَادُ بِهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ وَصَاحِبُهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَهَا لَكِنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُوهِمُ النَّاسَ أَو يُفْهِمُهُم مَا أَرَادَ وَغَيْرَ مَا أَرَادَ: فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا يُطْلَق إثْبَاتُهَا وَلَا نَفْيُهَا؛ كَلَفْظِ الْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَقَلَّ مَن تَكَلَّمَ بِهَا نَفْيًا أَو إثْبَاتًا إلَّا وَأَدْخَلَ فِيهَا بَاطِلًا وَإِن أَرَادَ بِهَا حَقًّا. وَالسَّلَفُ وَالْأئِمَّةُ كَرِهُوا هَذَا الْكَلَامَ الْمُحْدَثَ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى بَاطِلٍ وَكَذِبٍ وَقَوْلٍ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ. [١٧/ ٣٠٤] ٤١٤ - لَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِن خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِن الْأَسْمَاءِ مَا يَخْتَصُّ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ جِسْمٌ وَلَا جَسَدٌ. [١٧/ ٣١٥]

стр. 381

٤١٥ - يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى شَيْئَيْنِ (١): أَحَدُهُمَا: مَعْرِفَةُ مَا أرَادَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِأَنْ يَعْرِفُوا لُغَةَ الْقُرْآنِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ، وَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَانِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ لَمَّا خَاطَبَهُم بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرِّفَهُم مَا أَرَادَ بِتِلْكَ الْألْفَاظِ، وَكَانَت مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَكْمَلَ مِن حِفْظِهِمْ لِحُرُوفِهِ، وَقَد بَلَّغُوا تِلْكَ الْمَعَانِيَ إلَى التَّابِعِينَ أَعْظَمَ مِمَّا بَلَّغُوا حُرُوفَهُ. وَلَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ -وَإِن كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِن الْقُرْآنُ يَحْفَظُهُ مِنْهُم أَهْلُ التَّوَاتُرِ-. فَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَمَا أَرَادَهُ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ: هُوَ أَصْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ مَا قَالَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ ليَنْظُرَ الْمَعَانِيَ الْمُوَافِقَةَ لِلرَّسُولِ وَالْمَعَانِيَ الْمُخَالِفَةَ لَهَا. وَالْأَلْفَاظُ نَوْعَانِ: أ- نَوْعٌ يُوجَدُ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ. ب- وَنَوْعٌ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَيَعْرِفَ مَعْنَى الْأوَّلِ، وَيجْعَلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْأصْلَ، وَيعْرِفُ مَا يَعْنِيهِ النَّاسُ بِالثَّانِي ويُرَدَّ إلَى الْأَوَّلِ. هَذَا طَرِيقُ أهْلِ الْهُدَى وَالسُّنَّةِ. وَطَرِيقُ أهْلِ الضَّلَالِ وَالْبِدَعِ بِالْعَكْسِ، يَجْعَلُونَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَمَعَانِيهَا هِيَ الْأَصْلَ، وَيجْعَلُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ تبَعًا لَهُمْ، فَيَرُدُّونَهَا بِالتَّأوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إلَى مَعَانِيهِمْ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِالْعَقْلِ وَاللُّغَةِ، يَعْنُونَ أَنَّهُم

стр. 382

يَعْتَقِدُونَ مَعْنًى بِعَقْلِهِمْ وَرَأْيِهِمْ، ثُمَّ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ بِمَا يُمْكِنُهُم مِن التَّأْوِيلَاتِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَن مَوَاضِعِهِ، وَلهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِن جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ. [١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥] ٤١٦ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْزَلَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ وَجَمِيعُ الْأُمَّةِ لَا يَعْلَمُونَ مَعْنَاهُ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَن يَقُولُهُ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ. [١٧/ ٣٩٠] ٤١٧ - اللهُ تَعَالَى قَد نَفَى الْمُمَاثَلَاتِ فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ وَكِلَاهُمَا جِسْمٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] مَعَ أَنَ كِلَاهُمَا بَشَرٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ لِرَبِّ السَّمَوَاتِ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ أَنَّهُ يَكُونُ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ؟ وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. [١٧/ ٣١٨] ٤١٨ - اللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَو كَانَ كَيْفَ كَان يَكُونُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَد قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ، وَكَتَبَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَرِيحِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ بِكِتَابَتِهَا بَعْدَ مَا يَعْمَلُونَهَا، فَيُقَابِلُ بِهِ الْكِتَابَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْوُجُودِ وَالْكِتَابَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ -وَهُوَ حَقٌّ-. [١٢/ ١٢٧] * * * (مستقرّ الرحمة) ٤١٩ - قال له (١) رجل: جمعنا الله وإياك في مستقر رحمته. فقال: لا تقل هذا.

стр. 383

وكان أبو العباس يميل إلى أنه لا يكره الدعاء بذلك، ويقول: إن الرحمة ههنا المراد بها الرحمة المخلوقة، ومستقرها الجنة، وهو قول طائفة من السلف. [المستدرك ١/ ٦٤] * * * (لا يُؤَثِّرُ المخلوقُ في الخالق رضى ولا غضبًا) ٤٢٠ - قال ابن القيم ﵀: وسألت شيخ الإسلام ﵀ يومًا فقلت له: إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد، ويفرح بتوبته، ويغضب من مخالفته، فهل يجوز أن يُؤَثِّر الْمُحْدَث في القديم حبًّا وبغضًا وفرحًا وغير ذلك؟. قال لي: الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضى والغضب والفرح، وإنما كان بمشيئته وخلقه، فلم يكن ذلك التأثير من غيره؛ بل من نفسه بنفسه، والممتنع أن يؤثر غيره فيه، وأما أن يخلق هو أسبابًا ويشاؤها ويقدرها تقتضي رضاه ومحبته وفرحه وغضبه فهذا ليس بمحال، فإن ذلك منه بدأ وإليه يعود. [مدارج السالكين ٢/ ٤٠٥] * * * (استواؤه تعالى على العرش بحد، هل يقال لصفاته حد، وله مقدار ونهاية ؟) ٤٢١ - أثبت أئمة من أهل السُّنَّة "الحد". وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين: كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة، والأشعرية، وبعض الحنبلية. وفصل الخطاب: أن "الحد" له عدة معاني ترجع إلى أصلين: منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل السُّنَّة، ومنها ما هو متنازع فيه. فإن "الحد":

стр. 384

- يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو حد الماهية. - ويكون لعينه الذاتية، وهو حد لوجوده. فالأول: هو "الحد" الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم. والثاني: كالحد الذي ينعته الشروطيون في حدود العقار وفي حُلَى الأشخاص. فإذا انحصر نوعه في شخصه كالشمس مثلًا كان له حد بالاعتبارين. وهو بالاعتبار الأول: كلي لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو بالاعتبار الثاني: عيني يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. فأما الأول: فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميزه عنه بحيث لا يختلط به .. خلافًا للجهمية الذين يجعلونه مختلطًا بالمخلوقات. وأما الثاني: فهو بمعنى صفاته القائمة به المميزة له عن غيره، كما يقال في حُلية الموصوف ونعوته، فله حد بهذا الاعتبار. وأما "الحد" بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حد له ولا غاية ولا مقدار، وقيل: له حد من جانب العرش فقط، وقيل: له حد ونهاية لا يعلمها غيره؛ إذ لا يعقل موجود بدون ذلك. [المستدرك ١/ ٦٥ - ٦٨] * * * (الساق من الصفات) ٤٢٢ - نُقل عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أنه قال: عن شدة. وثبت في "الصحيحين" (١) من حديث أبي سعيد ﵁ في حديثه الطويل

стр. 385

الذي فيه تجلى الله تعالى لعباده يوم القيامة "وأنه يحتجب ثم يتجلى، قال: فيكشف عن ساقه فينظرون إليه". والذي في القرآن (ساق) ليست مضافة فلهذا وقع النزاع هل هو من الصفات أم لا؟ قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: ولا أعلم خلافًا عن الصحابة في شيء مما يعد من الصفات المذكورة في القرآن إلا هذه الآية، لعدم الإضافة فيها. والذي يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ونحو ذلك فإن الصفات تثبت ويجب تنزيه الرب عن التمثيل؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. [مختصر الفتاوي ٢٠١ - ٢٠٢] * * * (فوائد من الحموية الكبرى) (١) ٤٢٣ - مِن الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَد عَلَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، وَقَالَ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا لنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ" (٢). وَمُحَالٌ مَعَ تَعْلِيمِهِمْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُم فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ -وَإِن دَقَّتْ-: أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيمَهُم مَا يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَيَعْتَقِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِم فِي رَبِّهِم وَمَعْبُودِهِمْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَن فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِن إيمَانٍ وَحِكْمَةٍ أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانُ هَذَا الْبَابِ قَد وَقَعَ مِن الرَّسُولِ عَلَى غَايَةِ التَّمَامِ؟

стр. 386

ثُمَّ إذَا كَانَ قَد وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ: فَمِن الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ أُمَّتِهِ وَأَفْضَلُ قُرُونِهَا قَصَّروا فِي هَذَا الْبَابِ، زَائِدِينَ فِيهِ أَو نَاقِصينِ عَنْهُ. ثُمَّ مِن الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ -الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم- كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ، وَغَيْرَ قَائِلِينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ؛ لِأنَّ ضِدَّ ذَلِكَ: - إمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ. - وَإِمَّا اعْتِقَادُ نَقِيضِ الْحَقِّ، وَقَوْلِ خِلَافِ الصِّدْقِ. وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ. [٥/ ٧ - ٨] ٤٢٤ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِفُونَ أَعْلَمَ مِن السَّالِفِينَ، كَمَا قَد يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ -مِمَن لَمْ يُقَدِّرْ قَدْرَ السَّلَفِ؛ بَل وَلَا عَرَفَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا- مِن أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَإِن كَانَت هَذِهِ الْعِبَارَةُ إذَا صَدَرَتْ مِن بَعْضِ الْعُلَمَاءِ قَد يَعْنِي بِهَا مَعْنًى صَحِيحًا. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَن حَذَا حَذْوَهُم عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ: إنَّمَا أُتُوْا مِن حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، مِن غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَن حَقَائِقِهَاْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ، فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، الَّتِي مَضمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظَّهْرِ، وَقَد كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ .. لَا سِيَّمَا وَالْإِشَارَةُ بِالْخَلَفِ إلَى ضَرْب مِن الْمُتَكَلِّمِينَ، الَّذِينَ كَثُرَ فِي بَابِ الدِّينِ اضْطِرَابُهُمْ، وَغَلُظَ عَن مَعْرِفَةِ اللهِ حِجَابُهُمْ، وَأَخْبَرَ

стр. 387

الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَةِ إقْدَامِهِمْ بِمَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُهُمْ. [٥/ ٨ - ١٠] ٤٢٥ - هَذَا كِتَابُ اللهِ مِن أَوَّلهِ إلَى آخِرِهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ مِن أَوَّلهَا إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ كَلَامُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ: مَمْلُوءٌ بِمَا هُوَ إمَّا نَصٌّ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَهُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ، وَأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ؛ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وَفِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ مَا لَا يُحْصَى إلَّا بِالْكُلْفَةِ؛ مِثْل قِصَّةِ مِعْرَاجِ الرَّسُولِ ﷺ إلَى رَبِّهِ، وَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ مِن عِنْدِ اللهِ، وَصُعُودِهَا إلَيْهِ. فَلَئِنْ كَانَ الْحَقُّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ السَّالِبُونَ النَّافُونَ لِلصِّفَاتِ الثَّابتَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن هَذ الْعِبَارَاتِ وَنَحْوِهَا، دُونَ مَا يُفْهَمُ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا: فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى ثُمَّ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ثُمَّ عَلَى خَيْرِ الْأُمَّةِ: أَنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ دَائِمًا بِمَا هُوَ إمَّا نَصٌّ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ الْحَقِّ؟ ثُمَّ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ لَا يَبُوحُونَ بهِ قَطُّ، وَلَا يَدُلُّونَ عَلَيْهِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، حَتَّى يَجِيءَ أَنْبَاطُ الْفرْسِ وَالرُّومِ وَفُرُوخُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْفَلَاسِفَةُ يُبَيِّنونَ لِلْأُمَّةِ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَو كُلِّ فَاضِلٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا؟ لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُتَكَلِّفُونَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْوَاجِبُ، وَهُم مَعَ ذَلِكَ أُحِيلُوا فِي مَعْرِفَتِهِ عَلَى مُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ، وَأَنْ يَدْفَعُوا بِمَا اقْتَضَى قِيَاسَ عُقُولِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَصًّا أَو ظَاهِرًا: لَقَد كَانَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ أَهْدَى لَهُم وَأَنْفَعَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ بَل كَانَ وُجُودُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا فِي أَصْلِ الدِّينِ. فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللهِ عزَّوجلَّ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِن الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا: لَا مِن الْكِتَابِ وَلَا مِن

стр. 388

السُّنَّةِ، وَلَا مِن طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَلَكِن اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِن الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَو لَمْ يَكُنْ، وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ. ثُمَّ هُم هَهُنَا فَرِيقَانِ: أ- أَكْثَرُهُم يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ. ب- وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: بَل تَوَقَّفُوا فِيهِ. وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُم الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِن جَمِيعِ مَن عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ: فَانْفُوهُ، وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ. وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا، أَو يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ -عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ-: فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ، لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ، لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ، وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ، وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ، أَو أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللهِ، مَعَ نَفْي دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِن الصِّفَاتِ! هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَهَذَا الْكَلَامُ قَد رَأَيْته صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَلَا نُورًا وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ التّنَازُعِ. [٥/ ١٢ - ١٩] * * * (أَصْل مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ) ٤٢٦ - أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ [مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ]: إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَن تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَن حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ

стр. 389

الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ -أَعْنِي أَنَّ اللهَ لَيسَ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَنَحْو ذَلِكَ- هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَظْهَرَهَا، فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الْجَهْمِيَّة إلَيْهِ. [٥/ ٢٠] ٤٢٧ - قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁: لَا يُوصَفُ اللهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ ، لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ: أَنَّهُم يَصِفُونَ اللهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللهُ بِهِ مِن ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ؛ بَل مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِن حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ: أ- أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ. ب- وَأَنْصَحَ (١) الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ. ج- وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي أفْعَالِهِ. فَكَمَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً، وَلَهُ أَفْعَالٌ حَقِيقَة: فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقَةً، وَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.

стр. 390

وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَو حُدُوثًا فَإِنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ، وُيمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ: بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَه بِذَاتِ خَلْقِهِ، وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، فَيُعَطِّلُوا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، ويُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَيُلْحِدُوا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَآيَاتِهِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِن فَرِيقَيْ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ: فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ فَإنَّهُم لَمْ يَفْهَمُوا مِن أَسْمَاءِ اللهِ وَصَفَاتِهِ إلَّا مَا هُوَ اللَّائِق بِالْمَخْلُوقِ، ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ، فَقَد جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، مَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا. [٥/ ٢٦ - ٢٧] ٤٢٨ - مَعْلُومٌ لِلْمُؤمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أ- أَعْلَمُ مَن غَيْرِهِ بِذَلِكَ. ب- وَأَنْصَحُ مَن غَيْرِهِ لِلْأُمَّةِ. ج- وَأَفْصحُ مَن غَيْرِهِ عِبَارَةً وَبَيَانًا. بَل هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِذَلِكَ، وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْأُمَّةِ، وَأَفْصَحُهُمْ. فَقَد اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَو الْفَاعِلَ إذَا كَمُلَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتهُ وَإِرَادَتُهُ: كَمُلَ كَلَامُهُ وَفِعْلُهُ. وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ: - إمَّا مِن نَقْصِ عِلْمِهِ. - وَإِمَّا مَن عَجْزِهِ عَن بَيَانِ عِلْمِهِ. - وَإِمَّا لِعَدَمِ إرَادَتِهِ الْبَيَانَ.
следующие страницы →