← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلًا يُصَلِّي عَلَيْهِم وَيَسْتَغْفِرُ لَهُم حَتَّى نَهَاهُ اللهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فَلَمْ يَكُن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ. وَلَكِنْ دِمَاؤُهُم وَأَمْوَالُهُم مَعْصُومَةٌ لَا يَسْتَحِلُّ مِنْهُم مَا يَسْتَحِلُّهُ مِن الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُم مُؤْمِنُونَ؛ بَل يُظْهِرُونَ الْكُفْرَ دُونَ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قالَ: "أُمِرْت أَنْ أُقاَتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ" (١). وَكَانَ مَن مَاتَ مِنْهُم صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ، وَمَن عَلِمَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. وَلَو حَضَرَتْ جِنَازَةُ أَحَدِهِمْ صَلَّى عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُن مَنْهِيًّا عَن الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى مَن عَلِمَ نِفَاقَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُنَقِّبَ عَن قُلُوبِ النَّاسِ، وَيَعْلَمَ سَرَائِرَهُمْ، وَهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَرٌ. وَلهَذَا لَمَّا كَشَفَهُم اللهُ بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ صَارَ يَعْرِفُ نِفَاقَ نَاسٍ مِنْهُم لَمْ يَكُن يَعْرِفُ نِفَاقَهُم قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ وَصَفَهُم بِصِفَات عَلِمَهَا النَّاسُ مِنْهُمْ، وَمَا كَانَ النَّاسُ يَجْزِمُونَ بِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِنِفَاقِهِمْ، وَإِن كَانَ بَعْضُهُم يَظُنُّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُم يَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَكُن نِفَاقُهُم مَعْلُومًا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ حَالِهِمْ لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ؛ وَلهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ كَتَمُوا النِّفَاقَ، وَمَا بَقِيَ يُمْكِنُهُم مِن إظْهَارِهِ أَحْيَانًا مَا كَانَ يُمْكِنُهُم قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)

стр. 562

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦٢]، فَلَمَّا تُوُعِّدُوا بِالْقَتْلِ إذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ كَتَمُوهُ. وَلهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِتَابَةِ الزِّنْدِيقِ: فَقِيلَ: يُسْتَتَابُ، وَاسْتَدَلَّ مَن قَالَ ذَلِكَ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُم وَيَكِلُ أَمْرَهُم إلَى اللهِ. فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَبَعْدَ هَذَا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١]، فَعَلِمُوا أَنَّهُم إنْ أَظْهَرُوهُ كَمَا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ قُتِلُوا فَكَتَمُوهُ. وَالزِّنْدِيقُ: هُوَ الْمُنَافِقُ، وَإِنَّمَا يَقْتُلُهُ مَن يَقْتُلُهُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْتُمُ النِّفَاقَ. قَالُوا: وَلَا تُعْلَمُ تَوْبَتُهُ؛ لِأنَّ غَايَةَ مَا عِنْدَهُ أَنَّهُ يُظْهِرُ مَا كَانَ يُظْهِرُ، وَقَد كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَهُوَ مُنَافِقٌ، وَلَو قُبِلَتْ تَوْبَةُ الزَّنَادِقَةِ لَمْ يَكُن سَبِيلٌ إلَى تَقْتِيلِهِمْ، وَالْقُرْآنُ قَد تَوَعَّدَهُم بِالتَّقْتِيلِ. [٧/ ٢١٠ - ٢١٥] * * * (إذَا كَانَ مَا أَوْجَبَهُ الله مِن الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ أَكْثَرَ مِن أركان الإسلام الْخَمْسة فَلِمَاذَا قَالَ: الْإِسْلَامُ هَذِهِ الْخمْسة ؟) ٥٤٩ - مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ مِن الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ أَكْثَرَ مِن هَذِهِ الْخَمْسِ فَلِمَاذَا قَالَ: الْإِسْلَامُ هَذِهِ الْخَمْسُ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الدِّينَ الَّذِي هُوَ اسْتِسْلَامُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مُطْلَقًا، الَّذِي يَجِبُ للهِ عِبَادَةً مَحْضَةً عَلَى الْأَعْيَانِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ليَعْبُدَ اللهَ بِهَا مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَهَذ هِيَ الْخَمْسُ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ: فَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَسْبَاب لِمَصَالِحَ، فَلَا يَعُمُّ وجُوبُهَا جَمِيعَ النَّاسِ، بَلْ: - إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ كَالْجِهَادِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكرِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن إمَارَةٍ وَحُكْمٍ وَفُتْيَا، وَإِقْرَاءٍ وَتَحْدِيثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 563

- وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِسَبَبِ حَقٍّ لِلْآدَمِيِّينَ يَخْتَصُّ بِهِ مَن وَجَبَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَقَد يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. وَتَجِبُ عَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، لَمْ تَجِبْ عِبَادَةً مَحْضَةً للهِ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَادِرٍ؛ وَلهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، بِخِلَافِ الْخَمْسَةِ فَإِنَّهَا مِن خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ مِن صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَحُقُوقِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْجِيرَانِ، وَالشُّرَكَاءِ، وَالْفُقَرَاءِ، وَمَا يَجِبُ مِن أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ: كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ بِأَسْبَاب عَارِضَةٍ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِجَلْبِ مَنَافِعَ وَدَفْعِ مَضَارَّ، لَو حَصَلَتْ بِدُونِ فِعْلِ الْإِنْسَانِ لَمْ تَجِبْ، فَمَا كَانَ مُشْتَرِكًا فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى زيدٍ دُونَ عَمْرٍو، لَا يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي وُجُوبِ عَمَلٍ بِعَيْنِهِ عَلَى كُل أَحَدٍ قَادِرٍ سِوَى الْخَمْسِ؛ فَإِنَّ زَوْجَةَ زيدٍ وَأَقَارِبه لَيْسَتْ زَوْجَةَ عَمْرٍو وَأَقَارِبه، فَلَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَى هَذَا مِثْل الْوَاجِبِ عَلَى هَذَا، بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَإِن كَانَت حَقًّا مَالِيًّا فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ للهِ؛ وَلهَذَا وَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهَا الْغَيْرُ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، وَلَمْ تُطْلَبْ مِن الْكُفَّارِ. [٧/ ٣١٤ - ٣١٥] وَحُقُوقُ الْعِبَادِ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، وَلَو أَدَّاهَا غَيْرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَيُطَالَبُ بِهَا الْكُفَّارُ. * * * (معنى قول الفقهاء: لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) ٥٥٠ - يُقَالُ: لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ؛ أَيْ: لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ يَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ، وَإِلَّا فَفِيهِ وَاجِبَاتٌ بِغَيْرِ سَبَب الْمَالِ؛ كَمَا تَجِبُ النَّفَقَاتُ لِلْأَقَارِبِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالرَّقِيقِ، وَالْبَهَائِمِ. [٧/ ٣١٦] * * *

стр. 564

(التفاضل عند الله فِي الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ لا في الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ) ٥٥١ - إنَّ الشَّخْصَيْنِ قَد يَتَمَاثَلَانِ فِي الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ بَل يَتَفَاضَلَانِ، وَيَكُونُ الْمَفْضُولُ فِيهَا أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِن الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ فِي الْإيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ (١). وَأَمَّا إذَا تَفَاضَلَا فِي إيمَانِ الْقُلُوب فَلَا يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِيهَا أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ أَلْبَتَّةَ. وَلهَذَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، وَإِن كَانَ الْفَاضِلُ أَقَلَّ عَمَلًا مِن الْمَفْضُولِ؛ كَمَا فَضَّلَ اللهُ نَبِيَّنَا ﷺ -وَمُدَّةُ نُبُوَّتِهِ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً- عَلَى نُوحٍ وَقَد لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَفَضَّلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَقَد عَمِلُوا مِن صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ عَلَى مَن عَمِلَ مِن أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَى مَن عَمِلَ مِن صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، فَأَعْطَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَجْرَيْنِ، وَأَعْطَى كُلًّا مِن أُولَئِكَ أَجْرًا أَجْرًا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قُلُوبِهِم كَانَ أَكْمَلَ وَأفْضَلَ، وَكَانَ أُولَئِكَ أَكْثَرَ عَمَلًا، وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ أَجْرًا، وَهُوَ فَضْلُهُ يُؤْتِيه مَن يَشَاءُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْهِم وَخَصَّهُم بِهَا. وَهَكَذَا سَائِرُ مَن يُفَضِّلُهُ اللهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُفَضِّلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا التَّفْضِيلَ بِالْجَزَاءِ، كَمَا يَخُصُّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ بِقُوَّةٍ يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ، وَبِقُوَّة يَنَالُ بِهَا الْيَقِينَ وَالصَّبْرَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْإِخْلَاصَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُفَضِّلُهُ اللهُ بِهِ، وَإِنَّمَا

стр. 565

فَضَّلَهُ فِي الْجَزَاءِ بِمَا فَضَّلَ بِهِ مِن الْإِيمَانِ. [٧/ ٣٤١ - ٣٤٣] * * * (أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وغيرهما لِجَمَاعَةٍ مِمن يرى رَأْيَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ، لَكِنْ مَن كَانَ دَاعِيَةً إلَى هذه البدع لَمْ يُخَرِّجُوا لَهُ) ٥٥٢ - لَمَّا اشْتَهَرَ الْكَلَامُ فِي الْقَدَرِ، وَدَخَلَ فِيهِ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ النَّظَرِ وَالْعُبَّادِ: صَارَ جُمْهُورُ الْقَدَرِيَّةِ يُقِرُّونَ بِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ: - عُمُومَ الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ. - وَعَن عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فِي إنْكَارِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ رِوَايَتَانِ. وَقَوْلُ أُولَئِكَ: كَفَّرَهُم عَلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمْ. وَأمَّا هَؤُلَاءِ: فَهُم مُبْتَدِعُونَ ضَالُّونَ، لَكِنَّهُم لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أُولَئِكَ، وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ كُتِبَ عَنْهُم الْعِلْمُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، لَكِنْ مَن كَانَ دَاعِيَةً إلَيْهِ لَمْ يُخَرِّجُوا لَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ فقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ مَن كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَن النَّاسِ، وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُجْتَهِدًا، وَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ أَنْ يُهْجَرَ فَلَا يَكون لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي الدِّينِ، لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ، وَلَا يُسْتَقْضَى (١)، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِن هَذَا، وَلهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصَّحِيحِ لِمَن كَانَ دَاعِيَةً، وَلَكِنْ رَوَوْا هُم وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَن كَثِيرٍ مِمَن كَانَ يَرَى فِي الْبَاطِنِ رَأيَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارجِ وَالشِّيعَةِ. وَقَالَ أَحْمَد: لَو تَرَكْنَا الرِّوَايَةَ عَن الْقَدَرِّيَةِ لَتَرَكْنَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

стр. 566

وَهَذَا لَأَنَّ مَسْأَلَةَ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِرَادَةِ الْكَائِنَاتِ: مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ، وَكَمَا أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرَهُم أخطأوا فِيهَا فَقَد أَخْطَأَ فِيهَا كَثِيرٌ مِمَن رَدَّ عَلَيْهِم أَو أَكْثَرُهُمْ؛ فَإِنَّهُم سَلَكُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِم مَسْلَكَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعِهِ، فَنَفَوْا حِكْمَةَ اللهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِه، وَنَفَوْا رَحْمَتَهُ بِعِبَادِهِ، وَنَفَوْا مَا جَعَلَهُ مِن الْأَسْبَابِ خَلْقًا وَأَمْرًا، وَجَحَدُوا مِن الْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ مَا صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُفُورِ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ فَهِمُوا قَوْلَهُم عَمَّا يَظُنُّونَهُ السنَّةَ؛ إذ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْقَدَرِ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي ابْتَدَعَهُ جَهْمٌ. [٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦] * * * (بدعةُ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ مِن بِدَعِ الْأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، لَا مِن بِدَعِ الْعَقَائِدِ) ٥٥٣ - دَخَلَ فِي "إرْجَاءِ الْفُقَهَاءِ" جَمَاعَةٌ هُم عِنْدَ الْأُمَّةِ أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ، وَلهَذَا لَمْ يُكَفِّرْ أَحَد مِن السَّلَفِ أَحَدًا مِن مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ؛ بَل جَعَلُوا هَذَا مِن بِدَعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، لَا مِن بِدَعِ الْعَقَائِدِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النِّزَاعِ فِيهَا لَفْظِيٌّ، لَكِنَّ اللَّفْظَ الْمُطَابِقَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُوَ الصَّوَابُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِخِلَافِ قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَد صَارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى بدَع أَهْلِ الْكَلَام مِن أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَى ظُهُورِ الْفِسْقِ فَصَارَ ذَلِكَ الْخَطَأُ الْيَسِيرُ فِي اللَّفْظِ سَبَبًا لِخَطَأٍ عَظِيمٍ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ؛ فَلِهَذَا عَظُمَ الْقَوْلُ فِي ذَمِّ الْإِرْجَاءِ حَتَّى قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي: لَفِتْنَتُهُم -يَعْنِي: الْمُرْجِئَةَ- أَخْوَفُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِن فِتْنَةِ الأزارقة. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا اُبْتُدِعَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةٌ أَضَرُّ عَلَى أَهْلِهِ مِن الْإِرْجَاءِ. [٧/ ٣٩٤ - ٣٩٥] ٥٥٤ - أَنْكَرَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَن اتَّبَعَهُ تَفَاضُلَ الْإِيمَانِ وَدُخُولَ الْأَعْمَالِ فِيهِ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ، وَهَؤُلَاءِ مِن مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ. وَامَّا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي -إمَامُ أَهْلِ الْكُوفَةِ شَيْخُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ-

стр. 567

وَأَمْثَالُهُ وَمَن قَبْلَهُ مِن أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ كعلقمة وَالْأَسْوَدِ: فَكَانُوا مِن أَشَدِّ النَّاسِ مُخَالَفَةً لِلْمُرْجِئَةِ، وَكَانُوا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ. لَكِن حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالَفَ سَلَفَهُ، وَاتَّبَعَهُ مَن اتَّبَعَهُ، وَدَخَلَ فِي هَذَا طَوَائِفُ مِن أهْلِ الْكُوفَةِ وَمَن بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إنَّ السَّلَفَ وَالْأئِمَّةَ اشْتَدَّ إنْكَارُهُم عَلَى هَؤُلَاءِ وَتَبْدِيعُهُم وَتَغْلِيظُ الْقَوْلِ فِيهِمْ، وَلَمْ أَعْلَمِ أَحَدًا مِنْهُم نَطَقَ بِتَكْفِيرِهِمْ، بل هُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُم لَا يُكَفَّرُونَ فِي ذَلِكَ. [٧/ ٥٠٧] * * * (أيُّهما أفضل: الْإِيمَان أو الْإِسْلَام؟ وحكم الاستثناء في الإسلام) ٥٥٥ - النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أ- فَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ: الْإِسْلَامُ أَفْضَلُ، فَإِنَّهُ يَدْخُل فِيهِ الْإِيمَانُ. ب- وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ سَوَاءٌ، وَهُم الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ، وَطَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَةِ، وَحَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَن جُمْهُورِهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ت- وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان. ثُمَّ هَؤُلَاءِ (١) مِنْهُم مَن يَقُولُ: الْإِسْلَامُ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ، وَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِن الْإِسْلَامِ. وَالصَّحِيحُ أنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ كُلُّهَا، وَأَحْمَد إنَّمَا مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ: هُوَ الْكَلِمَةُ، هَكَذَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ.

стр. 568

وَأَمَّا عَلَى جَوَابِهِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَخْتَرْ فِيهِ قَوْلَ مَن قَالَ: الْإِسْلَامُ الْكَلِمَةُ فَيُسْتَثْنَى فِي الْإِسْلَامِ كَمَا يُسْتَثْنَى فِي الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ قَد فَعَلَ كُلَّ مَا أُمِرَ بِهِ مِن الْإِسْلَامِ. وَإِذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ" (١) و "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" (٢): فَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ فعَل الْخَمْسَ بِلَا نَقْصٍ كَمَا أُمِرَ كَجَزْمِهِ بِإِيمَانِهِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]؛ أَيْ: الْإِسْلَامِ كَافَةً؛ أَيْ: فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَتَعْلِيلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ مَا ذَكَرُوهُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ يَجِيءُ فِي اسْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْإِسْلَامِ الْكَلِمَةُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَن فعَل الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةَ كُلّهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ. [٧/ ٤١٤ - ٤١٥] * * * (الِاسْم الْوَاحِد ينْفَى وَيُثْبَتُ بِحَسَبِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ) ٥٥٦ - جِمَاعُ الْأَمْرِ: أَنَّ الِاسْمَ الْوَاحِدَ يُنْفَى وَيُثْبَتُ بِحَسَبِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، فَلَا يَجِبُ إذَا أُثْبِتَ أَو نُفِيَ فِي حُكْم أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ؛ لأنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ. مِثَالُ ذَلِكَ: الْمُنَافِقُونَ قَد يُجْعَلُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْضِعٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُقَالُ: مَا هُم مِنْهُمْ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى

стр. 569

الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٨، ١٩] فَهُنَالِكَ جَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْخَائِفِينَ مِن الْعَدُوِّ النَّاكِلِينَ عَن الْجِهَادِ النَّاهِينَ لِغَيْرِهِمْ الذَّامِّينَ لِلْمُؤْمِنِينَ: مِنْهُمْ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ [التوبة: ٥٦]. فَإِذَا قَالَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وَنَحْو ذَلِكَ: فَهُوَ أَمْرٌ فِي الظَّاهِرِ لِكُلِّ مَن أَظْهَرَهُ، وَهُوَ خِطَابٌ فِي الْبَاطِنِ لِكُلِّ مَن عَرَفَ مِن نَفْسِهِ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلرَّسُولِ، وَإِن كَانَ عَاصِيًا، وَإِن كَانَ لَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ. [٧/ ٤١٨ - ٤٢٣] * * * (حكم الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَانِ) ٥٥٧ - أَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ: فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أ- مِنْهُم مَن يُوجِبُهُ. ب- وَمِنْهُم مَن يُحَرِّمُهُ. ج- وَمِنْهُم مَن يُجَوِّزُ الْأَمْرَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ. فَاَلَّذِينَ يُحَرِّمُونَهُ: هُم الْمُرْجِئَةُ وَالْجَهْمِيَّة وَنَحْوُهُم مِمَن يَجْعَلُ الْإِيمَانَ شَيْئًا وَاحِدًا يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِن نَفْسِهِ؛ كَالتَّصْدِيقِ بِالرَّبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِي قَلْبِهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُم: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي مُؤْمِنٌ، كَمَا أَعْلَمُ أَنِّي تَكَلَّمْت بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَكَمَا أَعْلَمُ أَنِّي قَرَأْت الْفَاتِحَةَ .. فَقَوْلِي: أَنَا مُؤْمِنٌ كَقَوْلِي: أَنَا مُسْلِمٌ، وَكَقَوْلِي: تَكَلَّمْت بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَقَرَأَت الْفَاتِحَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ الَّتِي أَنَا أَعْلَمُهَا وَأَقْطَعُ بِهَا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَنَا قَرَأت الْفَاتِحَةَ إنْ شَاءَ اللهُ، كَذَلِكَ لَا يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ.

стр. 570

لَكنْ إذَا كَانَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ: فَعَلْته إنْ شَاءَ اللهُ. قَالُوا: فَمَن اسْتَثْنَى فِي إيمَانِهِ فَهُوَ شَاكٌّ فِيهِ، وَسَمَّوْهُم الشَّكَّاكَةَ. وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الِاسْتِثْنَاءَ لَهُم مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مَا مَاتَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ، وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اللهِ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا بِاعْتِبَارِ الْمُوَافَاةِ وَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ يَكونُ عَلَيْهِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ. وَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ: طَرَدَهُ طَائِفَةٌ مِمَن كَانُوا فِي الْأَصْلِ يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ، وَكَانوا قَد أَخَذُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَن السَّلَفِ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ شَدِيديْنَ عَلَى الْمُرْجِئَةِ .. وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: صَلَّيْت إنْ شَاءَ اللهُ وَنَحْو ذَلِكَ، بِمَعْنَى الْقَبُولِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْآثَارِ عَن السَّلَفِ. ثُمَّ صَارَ كَثِيرٌ مِن هَؤُلَاءِ بِآخرَةٍ يَسْتَثْنُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَيَقُولُ: هَذَا ثَوْبِي إنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذَا حَبْلٌ إنْ شَاءَ اللهُ. فَإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ: نَعَمْ لَا شَكَّ فِيهِ، لَكِنْ إذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ غَيرَهُ. فَيُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ إنْ شَاءَ اللهُ جَوَازَ تَغْيِيرِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِن كَانَ فِي الْحَالِ لَا شَكَّ فِيهِ؛ كَأَنَّ الْحَقِيقَةَ عِنْدَهُم الَّتِي لَا يُسْتَثْنَى فِيهَا مَا لَمْ تَتَبَذَلْ، كَمَا يَقُولُهُ أولَئِكَ فِي الْإِيمَانِ: إنَّ الْإِيمَانَ مَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ لَا يَتَبَدَّلُ حَتَّى يَمُوتَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ قَوْمٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِاجْتِهَاد وَنَظَرٍ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَثْنُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَلَقَّوْا ذَلِكَ عَن بَعْضِ أَتْبَاعِ شَيْخِهِمْ، وَشَيْخُهُم الَّذِي يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ يَكُن مِمَن يَرَى هَذَا

стр. 571

الِاسْتِثْنَاءَ؛ بَل كَانَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ مَن كَانَ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ. وَأَمَّا مَذْهَبُ سَلَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ؛ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَة، وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فَكانُوا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ (١). وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَن قَالَ: أَنَا أَسْتَثْنِي لِأَجْلِ الْمُوَافَاةِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ إنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِمَا يُوَافِي بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ؛ بَل صَرَّحَ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا يَشْهَدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بذَلِكَ، كَمَا لَا يَشْهَدُونَ لَهَا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَهُ، وَهُوَ تَزْكِيَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ بِلَا عِلْمٍ. وَأَمَّا الْمُوَافَاةُ: فَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِن السَّلَفِ عَلَّلَ بِهَا الِاسْتِئْنَاءَ. وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ (٢): أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ عَبْدَهُ كُلَّهُ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ كُلِّهَا، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا مُؤْمِنٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَقَد شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ مِن الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ الْقَائِمِينَ بِفِعْلِ جَمِيعِ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَتَرْكِ كُلِّ مَا نُهُوا عَنْهُ، فَيَكُونُ مِن أَوْليَاءِ اللهِ، وَهَذَا مِن تَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَلَو كَانَت هَذِهِ الشَّهَادَةُ صَحِيحَةً لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ بِالْجَنَّةِ إنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا أَحَدَ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِالْجَنَّةِ، فَشَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِالْإِيمَانِ كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ بِالْجَنَّةِ إذَا مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.

стр. 572

وَهَذَا مَأْخَذُ عَامَّةِ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ، وَإِن جَوَّزُوا تَرْكَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَعْنَى آخَرَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْنُ أَبِي شريح أَنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَتَبَ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَجِئْنَا بِالْقَوْلِ، وَلَمْ نَجِئْ بِالْعَمَلِ، فَنَحْنُ نَسْتَثْنِي فِي الْعَمَلِ. وَقَد كَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ مَعَ هَذَا يَكْرَهُونَ سُؤَالَ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ وَيَكْرَهُونَ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا الْمُرْجِئَةُ لِيَحْتَجُّوا بِهَا لِقَوْلِهِمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِر؛ بَل يَجِدُ قَلْبَهُ مُصَدِّقًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَيَقُولُ: أَنَا مُؤْمِن، فَيُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ؛ لِأَنَّك تَجْزِمُ بِأَنَّك مُؤْمِنٌ، وَلَا تَجْزِمُ بِأَنَّك فَعَلْت كُلَّ مَا أُمِرْت بِهِ. فَلَمَّا عَلِمَ السَّلَفُ مَقْصِدَهُمْ: صَارُوا يَكْرَهُونَ الْجَوَابَ، أَو يُفَصِّلُونَ فِي الْجَوَابِ، وَهَذَا لِأَنَّ لَفْظَ "الْإِيمَانِ" فِيهِ إطْلَاقٌ وَتَقْيِيدٌ، فَكَانُوا يُجِيبُونَ بِالْإِيمَانِ الْمُقَيَّدِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ شَاهِدٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ بِالْكَمَالِ، وَلهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرِنَ كَلَامَهُ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يُرِد الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ الْكَامِلَ؛ وَلهَذَا كَانَ أَحْمَد يَكْرَهُ أَنْ يُجِيبَ عَلَى الْمُطْلَقِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ يُقَدِّمُهُ (١). قَوْلُنَا: يَكُونُ هَذَا إنْ شَاءَ اللهُ: حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا إنْ شَاءَ اللهُ، وَاللَّفْظُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّعْلِيقُ، وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ التَّعْلِيقِ الشَّكُّ؛ بَل هَذَا بِحَسَبِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ، فَتَارَةً يَكُونُ شَاكًّا، وَتَارَةً لَا يَكُونُ شَاكًّا، فَلَمَّا كَانَ الشَّكُّ يَصْحَبُهَا كَثِيرًا لِعَدَمِ عِلْمِ الْإِنْسَانِ بِالْعَوَاقِبِ ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ الشَّكَّ دَاخِل فِي مَعْنَاهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

стр. 573

فَقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ شَكٌّ مِن اللهِ؛ بَل وَلَا مِن رَسُولِهِ الْمُخَاطَبِ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِن اللهِ وَقَد عَلِمَهُ، وَالْخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] فَإِنَّ قَوْلَهُ: "لَأفْعَلَنَّ": فِيهِ مَعْنَى الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ، وَطَلَبُهُ جَازِمٌ، وَأَمَّا كَوْنُ مَطْلُوبِهِ يَقَعُ: فَهَذَا يَكُونُ إنْ شَاءَ اللهُ. وَطَلَبُهُ لِلْفِعْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِن اللهِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، فَفِي الطَّلَبِ: عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِن اللهِ، وَفِي الْخَبَرِ: لَا يُخْبِرُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ اللهُ، فَإِذَا جَزَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ كَانَ كَالتَّأَلِّي عَلَى اللهِ فَيُكَذِّبُهُ اللهُ. فَالْمُسْلِمُ فِي الْأمْرِ الَّذِي هُوَ عَازِمٌ عَلَيْهِ وَمُرِيدٌ لَه وَطَالِبٌ لَهُ طَلَبًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ: يَقُولُ: إنْ شَاءَ اللهُ لِتَحْقِيقِ مَطْلُوبِهِ، وَحُصُولِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، لَا لِتَرَدُّدٍ فِي إرَادَتِهِ. وَالرَّبُّ تَعَالَى مُرِيدٌ لِإِنْجَازِ مَا وَعَدَهُم بِهِ إرَادَةً جَازِمَةً لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهَا. وَلهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيمَن أَرَادَ بِاسْتِثْنَائِهِ فِي الْيَمِينِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ التَّحْقِيقُ فِي اسْتِثْنَائِهِ لَا التَّعْلِيقُ: هَل يَكُونُ مُسْتَثْنِيًا بِهِ، أَمْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ؟ بِخِلَافِ مَن تَرَدَّدَتْ إرَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَثْنِيًا بِلَا نِزَاعٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَمِيعِ مُسْتَثْنِيًا لِعُمُومِ الْمَشِيئَةِ. وَقَد تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنْ شَاءَ اللهُ يَكُونُ مَعَ كَمَالِ إرَادَتِهِ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ يَقولُهَا لِتَحْقِيقِ الْمَطْلُوبِ، لِاسْتِعَانَتِهِ بِاللهِ فِي ذَلِكَ، لَا لِشَكٍّ فِي الْإِرَادَةِ. [٧/ ٤٢٩ - ٤٥٨] ٥٥٨ - الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ: مَأْثُورٌ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، لَا شَكًّا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِم الْإِيمَانُ بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ كُفْرٌ، وَلَكنَّهُم اسْتَثْنَوْا فِي الْإِيمَانِ:

стр. 574

أ- خَوْفًا أَلَّا يَكُونُوا قَامُوا بِوَاجِبَاتِهِ وَحَقَائِقِهِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قَالَ النَّبِي ﷺ : "هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ" (١). ب- وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْعَاقِبَةِ. وَالْإِيمَانُ النَّافِعُ: هُوَ الَّذِي يَمُوتُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ. ج- وَاسْتَثْنَوْا خَوْفًا مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْمَعَاني الصَّحِيحَةِ. وَكَذَلِكَ مَن اسْتَثْنَى فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ؛ كَقَوْلِهِ: صَلَّيْتُ إنْ شَاءَ اللهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي أَفْعَالٍ لَمْ يُعْلَمْ وُقُوعُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ الْمَقْبُولِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِيمَا لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ، أَو فِي مُسْتَقْبَلٍ عُلِّقَ بِمَشِيئَةِ اللهِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ. فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي مَاضٍ مَعْلُومٍ: فَهَذِهِ بِدْعَةٌ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ. [٨/ ٤٢٧] * * * (الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ) ٥٥٩ - الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ: - يَحْصُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَحْضِ. - وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي مَعَهُ طَلَبٌ. فَالْأَوَّلُ: إذَا حَلَفَ عَلَى جُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لَا يَقْصِدُ بِهِ حَضًّا وَلَا مَنْعًا؛ بَل تَصْدِيقًا أَو تَكْذِيبًا؛ كَقَوْلِهِ: وَاللهِ لَيَكُونَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللهُ، أَو لَا يَكُونُ كَذَا. وَالْمُسْتَثْنِي قَد يَكُونُ عَالِمًا بِأَنَّ هَذَا يَكُونُ أَو لَا يَكُونُ.

стр. 575

وَالثانِي: مَا فِيهِ مَعْنَى الطَّلَبِ؛ كَقَوْلِهِ: وَاللهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَو لَا أَفْعَلُهُ إنْ شَاءَ اللهُ؛ فَالصِّيغَةُ صِيغَةُ خَبَرٍ ضَمَّنَهَا الطَّلَبَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَاللهِ إنِّي لَمُرِيدٌ هَذَا وَلَا عَازِمٌ عَلَيْهِ. (١) [٧/ ٤٥٩] (١) * * *

стр. 576

كِتَابُ الْإِيمَانِ الأوسط (١) (ما المقصود بالزنديق ؟) ٥٦٠ - لَمَّا كَثُرَت الْأَعَاجِمُ فِي الْمُسْلِمِينَ تَكَلَّمُوا بِلَفْظِ الزِّنْدِيق، وَشَاعَتْ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاء، وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الزِّنْدِيقِ: هَل تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الزِّنْدِيقَ فِي عُرْفِ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنَ غَيْرَهُ، سَوَاءٌ أَبْطَنَ دِينًا مِن الْأدْيَانِ؛ كَدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَو غَيْرِهِمْ، أو كَانَ مُعَطِّلًا جَاحِدًا لِلصَّانِعِ وَالْمَعَادِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. [٧/ ٤٧١] * * * (ضلال الخوارج والمعتزلة) ٥٦١ - الْفَاسِقُ الْمِلِّي: مِمَّا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي اسْمِهِ وَحُكْمِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ أَوَّلُ خِلَافٍ ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. [٧/ ٤٧٩] ٥٦٢ - قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارجِ مِن عَشَرَةِ أوْجُهٍ. وَهَذِهِ الْعَشَرَةُ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" مُوَافَقَةً لِأحْمَدَ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْهَا عِدَّةَ أَوْجُهٍ، وَرَوَى أحَادِيثَهُم أَهْلُ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ. وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارجُ لَهُم أَسْمَاءٌ:

стр. 577

- يُقَالُ لَهُم: الحرورية؛ لِأَنَّهُم خَرَجُوا بِمَكَان يُقَالُ لَهُ حَرُورَاءُ. - وَيُقَالُ لَهُم أهْلُ النهروان؛ لِأَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَهُم هُنَاكَ. وَمِن أَصْنَافِهِمْ: - الإباضية: أَتْبَاعُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إبَاضٍ. - والأزارقة: أتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ. - والنَّجَدَاتُ: أَصْحَابُ نَجْدَةَ الحروري. وَهُم أَوَّلُ مَن كَفَّرَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِالذُّنُوبِ؛ بَل بِمَا يَرَوْنَهُ هُم مِن الذُّنُوبِ (١)، وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ، فَكَانُوا كَمَا نَعَتَهُم النَّبِيُّ ﷺ : "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الاسْلَامِ ويدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" (٢)، وَكَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عفان وَمَن وَالَاهُمَا، وَقَتَلُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؛ مُسْتَحِلِّينَ لِقَتْلِهِ، قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ المرادي مِنْهُمْ، وَكَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِن الْخَوَارجِ مُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ، لَكِنْ كَانُوا جُهَّالًا فَارَقُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ. فَقَالَ هَؤُلَاءِ: مَا النَّاسُ إلَّا مُؤْمِنٌ أَو كَافِرٌ، وَالْمُؤْمِنُ مَن فَعَلَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرَكَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَمَن لَمْ يَكُن كَذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ (٣). ثُمَّ جَعَلُوا كُلَّ مَن خَالَفَ قَوْلَهُم كَذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَنَحْوَهُمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَظَلَمُوا فَصَارُوا كُفَّارًا.

стр. 578

وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ دُونَ قَتْلِهِ، وَلَو كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا لَوَجَبَ قَتْلُهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (١)، وَقَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إسْلَامٍ، وَزنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَو قَتْلِ نَفْسٍ يُقْتَلُ بِهَا" (٢). وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُجْلَدَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلَو كَانَا كَافِرَيْنِ لَأَمَرَ بِقَتلِهِمَا. وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُجْلَدَ قَاذِفُ الْمُحْصَنَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَو كَانَ كَافِرًا لَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا شَاعَ فِي الْأُمَّةِ أَمْرُ الْخَوَارجِ تَكلَّمَت الصَّحَابَةُ فِيهِمْ، وَرَوَوْا عَن النَّبِيِّ ﷺ الْأَحَادِيثَ فِيهِمْ، وَبَيَّنُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِن الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَظَهَرَتْ بِدْعَتُهُم فِي الْعَامَّةِ، فَجَاءَت بَعْدَهُم الْمُعْتَزِلَةُ، الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُم: عَمْرُو بْن عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الْغَزالُ، وَأَتْبَاعُهُمَا فَقَالُوا: أَهْل الْكَبَائِرِ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَت الْخَوَارِجُ، وَلَا نُسَمِّيهِمْ لَا مُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارًا؛ بَل فُسَّاقٌ، نُنْزِلُهُم مَنْزِلَةً بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَأَنْكَرُوا شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِن أُمَّتِهِ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِن النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا. [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٤] ٥٦٣ - احْتَجَّت الْخَوَارجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، قَالُوا: فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ مِن الْمُتَّقِينَ، فَلَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْهُ عَمَلًا. وَقَد أَجَابَتْهُم الْمُرْجِئَةُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي الْكُفْرَ.

стр. 579

وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ مَن اتَّقَى اللهَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ .. فَمَن عَمِلَ لِغَيْرِ اللهِ -كَأَهْلِ الرِّيَاءِ- لَمْ يُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ. وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١)؛ أَيْ: فَهُوَ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ. وَخَوْفُ مَن خَافَ مِن السَّلَفِ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ؛ لِخَوْفِهِ أَنْ لَا يَكُونَ أَتَى بِالْعَمَلِ عَلَى وَجْهِهِ الْمَأْمُورِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوُجُوهِ فِي اسْتِثْنَاءِ مَن اسْتَثْنَى مِنْهُم فِي الْإِيمَانِ وَفِي أَعْمَالِ الْإِيمَانِ؛ كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ: أنَا مُؤمِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ، وَصَلَّيْت إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِخَوْفِ أَنْ لَا يَكُونَ أتَى بِالْوَاجِبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لَا عَلَى جِهَةِ الشَّكِّ فِيمَا بِقَلْبِهِ مِن التَّصْدِيقِ. [٧/ ٤٩٤ - ٤٩٦] * * * (عُقُوبَةُ الذُّنُوب تَزُولُ عَن الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ، وبيانُ أنّ الْحَسَنَات قد تُكَفِّرُ الْكَبَائِر) ٥٦٤ - دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الذُّنُوبِ تَزُولُ عَن الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: التَّوْبَةُ، وَهَذَا متَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. السَّبَبُ الثَّانِي: الِاسْتِغْفَارُ، كَمَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٢): "لَو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْم يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". وَقَد يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الِاسْتِغْفَارُ هُوَ مَعَ التَّوْبَةِ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث: "مَا أَصَرَّ مَن اسْتَغْفَرَ وَإِن عَادَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" (٣).

стр. 580

وَقَد يُقَالُ: بَل الِاسْتِغْفَارُ بِدُونِ التَّوْبَةِ مُمْكِن وَاقِعٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِغْفَارَ إذَا كَانَ مَعَ التَّوْبَةِ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ تَائِبٍ، وَإِن لَمْ يَكُن مَعَ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُسْتَغْفِرِينَ الَّذِينَ قَد يَحْصُلُ لَهُم عِنْدَ الِاسْتِغْفَارِ مِن الْخَشْيَةِ وَالْإِنَابَةِ مَا يَمْحُو الذُّنُوبَ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ بِأَنَّ قَوْلَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ ثَقُلَتْ بِتِلْكَ السَّيِّئَاتِ، لَمَّا قَالَهَا بِنَوْع مِن الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ الَّذِي يَمْحُو السَّيِّئَاتِ، وَكَمَا غَفَرَ لِلْبَغِيِّ بِسَقْيِ الْكَلْبِ لِمَا حَصَلَ فِي قَلْبِها إذ ذَاكَ مِن الْإِيمَانِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَالَ ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" (١). وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛ كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ". فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه: أَحَدُهَا: أَن هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]؛ فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَةٌ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛ فَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].

стр. 581

الثَّانِي: أَنَّهُ قَد جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرِ مِن الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَد تَكُونُ مَعَ الْكَبَائِرِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : "غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِن الزَّحْفِ" (١). الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَد غَفَرْت لَكُمْ" (٢): إنْ حُمِلَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَوً عَلَى الْمَغْفِرَةِ مَعَ التَّوْبَةِ لَمْ يَكُن فَرْقٌ بَيْنَهُم وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. فَكَمَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِمَا قَد عُلِمَ أنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الصَّغَائِرِ الْمُكَفَّرَةِ بِاجْتِنَابِ الْكبَائِرِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَد جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: "أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِن عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإنْ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَل لَهُ مِن تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ" (٣). وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ الْمُكَمَّلَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٌّ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى جبران، وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ الْمَتْرُوكِ وَالْمَفْعُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَكْمُلُ نَقْصُ الْفَرَائِضِ مِن التَّطَوُّعَاتِ (٤).

стр. 582

السَّبَبُ الرَّابِعُ -الدَّافِعُ لِلْعِقَابِ-: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِ؛ مِثْلُ صَلَاتِهِمْ عَلَى جِنَازَتهِ، فَعَن عَائِشَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن مَيِّتٍ

стр. 583

يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِن الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُم يَشْفَعُونَ إلَّا شُفعُوا فِيهِ". وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُم اللهُ فِيهِ". رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (١). السَّبَبُ الْخَامِسُ: مَا يُعْمَلُ لِلْمَيِّتِ مِن أَعْمَالِ الْبِرِّ؛ كَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِنُصُوصِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالْحَجُّ. وَلَا يَجُوز أَنَّ يُعَارَضَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْتَفِعُ بِمَا لَيْسَ مِن سَعْيِهِ؛ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ [غافر: ٧]. وَدُعَاءُ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِغْفَارُهُمْ. الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ فِي ظَاهِرِهَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَعْيُهُ، وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا سَعْيَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ، لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَع أَنْ يَنْفَعَهُ اللهُ وَيَرْحَمَهُ بِهِ؛ كَمَا أَنَّهُ دَائِمًا يَرْحَمُ عِبَادَهُ بِأَسْبَاب خَارِجَةٍ عَن مَقْدُورِهِمْ. السَّبَبُ السَّادِسُ: شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْره فِي أَهْلِ الذُّنُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ كَمَا قَد تَوَاتَرَتْ عَنْهُ أَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ؛ مِثْل قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِن أُمَّتِي" (٢).

стр. 584

السَّبَبُ السَّابِعُ: الْمَصَائِبُ الَّتِي يُكَفِّرُ اللهُ بِهَا الْخَطَايَا فِي الدُّنْيَا؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِن وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى -حَتَّى الشَّوْكَةُ يَشَاكُهَا- إلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِن خَطَايَاهُ". السَّبَبُ الثَّامِنُ: مَا يَحْصُلُ فِي الْقَبْرِ مِن الْفِتْنَةِ وَالضَّغْطَةِ وَالرَّوْعَةِ. السَّبَبُ التَّاسِعُ: أَهْوَالُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَرْبُهَا وَشَدَائِدُهَا. السَّبَبُ الْعَاشِرُ: رَحْمَةُ اللهِ وَعَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ بِلَا سَبَبٍ مِن الْعِبَادِ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ قَد يُدْفَعُ عَن أَهْلِ الذُّنُوب بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْعَشَرَةِ: كَانَ دَعْوَاهُمْ (٢) أَنَّ عُقُوبَاتِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ (٣). [٧/ ٤٨٧ - ٥٠١] ٥٦٥ - ذكر الشيخ تقي الدين ﵁: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب، وذكر حديث: "فثقلت البطاقة وطاشت السجلات" (٤)، وحديث: "البغي التي سقت الكلب فشكر الله لها ذلك فغفر لها" (٥)، وحديث: "الذي نحى غصن شوك عن الطريق فشكر الله له ذلك

стр. 585

فغفر له" رواه البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة. [المستدرك ١/ ١٢٨] * * * (الإمام أَحْمَد لَمْ يُكَفِّر الْمُرْجِئَة، ولا أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّة) ٥٦٦ - نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن الْأَئِمَّةِ عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةِ. وَمَن نَقَلَ عَن أَحْمَد أَو غَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ تَكْفِيرًا لِهَؤُلَاءِ أَو جَعَلَ هَؤُلَاءِ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُتَنَازَعِ فِي تَكْفِيرِهِمْ فَقَد غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا. وَالْمَحْفُوظُ عَن أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ مِن الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ تَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُشَبِّهَةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يُكَفِّرْ أَحْمَد الْخَوَارجَ وَلَا الْقَدَرِيَّةَ إذَا أَقَرُّوا بِالْعِلْمِ وَأَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَعُمُومَ الْمَشِيئَةِ، لَكِنْ حُكِيَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ. مَعَ أَنَّ أَحْمَد لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّة، وَلَا كُلُّ مَن قَالَ إنَّهُ جهمي كَفَّرَهُ، وَلَا كُلُّ مَن وَافَقَ الْجَهْمِيَّة فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ؛ بَل صَلَّى خَلْفَ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ دَعَوْا إلَى قَوْلِهِمْ، وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَن لَمْ يُوَافِقْهُم بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ، لَمْ يُكَفِّرْهُم أَحْمَد وَأَمْثَالُهُ؛ بَل كَانَ يَعْتَقِدُ إيمَانَهُم وَإِمَامَتَهُمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِم فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ، وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ مَعَهُمْ، وَالْمَنْعَ مِن الْخُرُوجِ عَلَيْهِم مَا يَرَاهُ لِأَمْثَالِهِمْ مِن الْأَئِمَّةِ. وَيُنْكِرُ مَا أَحْدَثُوا مِن الْقَوْلِ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَظِيمٌ، وَإِن لَمْ يَعْلَمُوا هُم أَنَّهُ كُفْرٌ، وَكَانَ يُنْكِرُهُ وَيُجَاهِدُهُم عَلَى رَدِّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ: أ- طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي إظْهَارِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ. ب- وَإِنْكَارِ بِدَعِ الْجَهْمِيَّة الْمُلْحِدِينَ. ج- وَبَيْنَ رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ مِن الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ، وَإِن كَانُوا جُهَّالًا

стр. 586

مُبْتَدِعِينَ، وَظَلَمَةً فَاسِقِينَ (١). وَهَؤُلَاءِ الْمَعْرُوفُونَ مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِن فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ: كَانُوا يَجْعَلُونَ قَوْلَ اللِّسَانِ وَاعْتِقَادَ الْقَلْبِ مِن الْإِيمَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَمْثَالِهِ، لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُم فِي ذَلِكَ، وَلَا نُقِلَ عَنْهُم أَنَّهُم قَالُوا: الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَكَوْهُ عَن الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ. وَحَدَثَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ قَوْلُ الكَرَّامِيَة: إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلُ اللِّسَانِ دُونَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ مِثْل هَذَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ وَيُخَلَّدُ فِي النَّارِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ الصالحي: إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ، لَكِنْ لَهُ لَوَازِمُ، فَإِذَا ذَهَبَتْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ. وَإِنَّ كُلَّ قَوْلٍ أَو عَمَلٍ ظَاهِرٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ: كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَلَيْسَ الْكُفْرُ إلَّا تِلْكَ الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ إلَّا مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَمْثَالِهِمَا، وَلهَذَا عَدَّهُم أَهْلُ الْمَقَالَاتِ مِن الْمُرْجِئَةِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْهُ: كَقَوْلِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ: إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. [٧/ ٥٠٧ - ٥٠٩] ***

стр. 587

(ما أَصْلُ نِزَاعِ هَذِهِ الْفِرَقِ فِي الْإِيمَانِ ؟) ٥٦٧ - أَصْلُ نِزَاعِ هَذِهِ الْفِرَقِ فِي الْإِيمَانِ مِن الْخَوَارجِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُم جَعَلُوا الْإِيمَانَ شَيْئًا وَاحِدًا إذَا زَالَ بَعْضُهُ زَالَ جَمِيعُهُ، وَإِذَا ثَبَتَ بَعْضُهُ ثَبَتَ جَمِيعُهُ، فَلَمْ يَقُولُوا بِذَهَابِ بَعْضِهِ وَبَقَاءِ بَعْضِهِ. [٧/ ٥١٠] ٥٦٨ - يُرْوَى عَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَنَحْوِهِ مِن السَّلَفِ أَنَّهُم سَمَّوْا الْفُسَّاقَ مُنَافِقِينَ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَقَالَاتِ هَذَا قَوْلًا مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ إذَا حَكَوْا تَنَازُعَ النَّاسِ فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّي. وَالْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لَمْ يَقُلْ مَا خَرَجَ بِهِ عَن الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ سَمَّاهُ مُنَافِقًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا. وَالنِّفَاقُ كَالْكُفْرِ نِفَاقٌ دُونَ نِفَاقٍ، وَلهَذَا كَثِيرًا مَا يُقَالُ: كُفْرٌ يَنْقُلُ عَن الْمِلَّةِ وَكُفْرٌ لَا يَنْقُلُ، وَنِفَاقٌ أَكْبَرُ وَنِفَاقٌ أَصْغَرُ، كَمَا يُقَالُ: الشِّرْكُ شِرْكَانِ: أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ. [٧/ ٥٢٤] *** (الْإِرَادَةُ بلَا عَمَلٍ هَل يَحْصُلُ بِهَا عِقَابٌ؟ وما الفَرْق بَيْنَ الْهَمِّ وَالْإِرَادَةِ؟ والفرق بين علم القلب وعمله) ٥٦٩ - الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ إذَا فَعَلَ مَعَهَا الْإِنْسَانُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَانَ فِي الشَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ: لَهُ ثَوَابُ الْفَاعِلِ التَّامِّ وَعِقَابُ الْفَاعِلِ التَّامِّ. وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيع الْخَلَائِقِ أَخَذَ اللّهُ عَلَيْهِم مِيثَاقَ الْإِيمَانِ بِهِ كَمَا أَخَذَ عَلَى كُلُّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَن قَبْلَهُ مِن الْأَنْبِيَاءِ، وَيُصَدِّقَ بِمَن بَعْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الْآيَةَ [آل عمران: ٨١]. فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِاللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إذَا اشْتَمَلَ الْكَلَامُ عَلَى قَسَمٍ وَشَرْطٍ، وَأَدْخَلَ اللَّامَ عَلَى مَا الشَّرْطِيَّةِ لِيُبَيِّنَ الْعُمُومَ، وَيَكُونَ الْمَعْنَى:

стр. 588

مَهْمَا آتِيكُمْ مِن كتَابٍ وَحِكْمَةٍ فَعَلَيْكُمْ إذَا جَاءَكُمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ الْمُصَدِّقُ الْإِيمَانُ بِهِ وَنَصْرُهُ. فَمَن آمَنَ بِهِ مِن الْأَوَّلينَ والآخرين أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِن كَانَ ثَوَابُ مَن آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ فِي الشَّرَائِعِ الْمُفَصَّلَةِ أَعْظَمَ مِن ثَوَابِ مَن لَمْ يَأْتِ إلَّا بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ. عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مُطْلَقٌ لِجَمِيعِ الذُّرِّيَّةِ، وَأَنَّ لَهُ نَصِيبًا مِن إيمَانِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِن الْأَوَّلينَ والآخرين، كَمَا أَنَّ كُلَّ ضَلَالٍ وغواية فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لإبليس مِنْهُ نَصِيبٌ. وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ: "وُزِنْت بِالْأُمَّةِ فَرَجَحْت، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ" (١). فَأَمَّا كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ رَاجِحًا بِالْأُمَّةِ فَظَاهِرٌ؛ لِأنَّ لَهُ مِثْل أَجْرِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ مُضَافًا إلَى أَجْرِهِ. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلِأَنَّ لَهُمَا مُعَاوَنَةً مَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ فِي إيمَانِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَأَبُو بَكرٍ كَانَ فِي ذَلِكَ سَابِقًا لِعُمَرِ وَأَقْوَى إرَادَةً مِنْهُ، فَإِنَّهُمَا هُمَا اللَّذَانِ كَانَا يُعَاوِنَانِ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إيمَانِ الْأُمَّةِ فِي دَقِيقِ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا فِي مَحْيَاهُ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ. وَلهَذَا سَأَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَد كَفَيْتُمُوهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَأَبُو سُفْيَانَ -رَأسُ الْكُفْرِ حِينَئِذٍ- لَمْ يَسْأَلْ إلَّا عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُم قَادَةُ الْمُؤْمِنِينَ.

стр. 589

وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرَةٌ تُبَيِّنُ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِمَا إنْ كَانَ لَهُمَا مِثْلُ أَعْمَالِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ؛ لِوُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، بِخِلَافِ مَن أَعَانَ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ وَوُجِدَتْ مِنْهُ إرَادَةٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ. وَأَيْضًا فَالْمُرِيدُ إرَادَةً جَازِمَةً مَعَ فِعْلِ الْمَقْدُورِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ الْكَامِلِ وَإِن لَمْ يَكُن إمَامًا وَدَاعِيًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. فَاللهُ تَعَالَى نَفَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَالْقَاعِدِ الَّذِي لَيْسَ بِعَاجِزِ، وَلَمْ يَنْفِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَبَيْنَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ. بَل يُقَالُ: دَلِيلُ الْخِطَابِ يَقْتَضِي مُسَاوَاتَهُ إيَّاهُ، وَلَفْظُ الْآيَةِ صَرِيحٌ. اسْتَثْنَى أُولُو الضَّرَرِ مِن نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ؛ فَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا هُوَ مِن النَّفْيِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أُولِي الضَّرَرِ قَد يُسَاوُونَ الْقَاعِدِينَ، وَإِن لَمْ يُسَاوُوهُم فِي الْجَمِيعِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي بِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْهَامِّ وَالْعَامِلِ وَأَمْثَالِهَا إنَّمَا هِيَ فِيمَا دُونَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا الْفِعْلُ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي رَجَاءٍ العطاردي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَن رَبِّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ: فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً. فَإنْ هَمَّ بِهَا وَعَمِلَهَا كتبهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ. وَمَن هَمَّ بِسَيَئةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا لَهُ اللهُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً. فَإنْ هَمَّ بِهَا وَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً". فَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ فِي رَجُلٍ يُمْكِنُهُ الْفِعْل؛ وَلهَذَا قَالَ: "فَعَمِلَهَا" "فَلَمْ

стр. 590

يَعْمَلْهَا"، وَمَن أَمْكنَهُ الْفِعْلُ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَكُنْ إرَادَتُهُ جَازِمَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي وُجُودِ الْفِعْلِ وَمُوجِبٌ لَهُ؛ إذ لَو تَوَقَّفَ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ تَكُنْ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَامَّةً كَافِيَةً فِي وُجُودِ الْفِعْلِ، وَمِن الْمَعْلُومِ الْمَحْسُوسِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا ريبَ أَنَّ "الْهَمَّ" و"الْعَزْمَ" و"الْإِرَادَةَ" وَنَحْو ذَلِكَ قَد يَكُونُ جَازِمًا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْفِعْلُ إلَّا لِلْعَجْزِ، وَقَد لَا يَكُونُ هَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِن الْجَزْمِ. فَهَذَا "الْقِسْمُ الثَّانِي" يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْفَاعِلِ؛ بَل يُفَرَّقُ بَيْنَ إرَادَةٍ وَإِرَادَةٍ، إذ الْإِرَادَةُ هِيَ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَلِكُ الْجَسَدِ. فَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَانَ قَد أَتَى بِحَسَنَةٍ وَهِيَ الْهَمُّ بِالْحَسَنَةِ فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ وَخَيْرٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ كَمَا قِيلَ: لَأَشْكرَنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْت بِهِ … إنَّ اهْتِمَامَك بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفُ فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ؛ لِمَا مَضَى رَحْمَتَهُ أَنَّ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعمِائَةِ ضعْفٍ. وَأَمَا الْهَامُّ بِالسَّيِّئَةَ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا فَإِنَّ اللهَ لَا يَكْتُبُهَا عَلَيْهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَسَوَاءٌ سُمِّيَ هَمُّهُ إرَادَةً أَو عَزْمًا أَو لَمْ يُسَمَّ، مَتَى كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَهَمَّ بِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَتْ إرَادَتُهُ جَازِمَةً، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَو تَعْمَلَ بِهِ" (١)، فَإِنَّ مَا هَمَّ بِهِ الْعَبْدُ مِن الْأُمُورِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِن الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ

стр. 591

تَكُنْ إرَادَتُهُ لَهَا جَازِمَةً، فَتِلْكَ مِمَّا لَمْ يَكْتُبْهَا اللهُ عَلَيْهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ قَوْلُهُ: "مَن هَمَّ بِسَيئةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا". وَمَن حَكَى الْإِجْمَاعَ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ صَحِيحٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَهَذَا الْهَامُّ بِالسَّيِّئَةِ: فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا لِخَشْيَةِ اللهِ وَخَوْفِهِ أَو يَتْرُكَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ: فَإِنْ تَرَكَهَا لِخَشْيَةِ اللهِ كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةً. وَأَمَّا إنْ تَرَكَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً. وَبِهَذَا تَتَّفِقُ مَعَانِي الْأَحَادِيثِ. وَإِن عَمِلَهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ إلا سَيِّئَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُضَعِّفُ السَّيِّئَاتِ بِغَيْرِ عَمَلِ صَاحِبِهَا وَلَا يَجْزِي الْإِنْسَانَ فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِمَا عَمِلَتْ نَفْسُهُ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ الضَّلَالِ -الَّذِينَ عَلَيْهِم أَوْزَارُ مَن أَضَلُّوهُ- وَنَحْوَهُم فَقَد بَيَّنَّا أَنَّهُم إنَّمَا عُوقِبُوا لِوُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن الْفِعْلِ؛ بِقَولِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ "فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ" (١)، وَقَوْلُهُ: "مَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِن الوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَن تَبِعَهُ" (٢). فَإِذَا وُجِدَت الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ وَالتَّمَكُّنُ مِن الْفِعْلِ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ وَالْهَامُّ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ إرَادَةٌ جَازِمَةٌ، وَفَاعِلُ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَمْضِي لَا يُجْزَى بِهَا إلَّا سَيِّئَةً وَاحِدَةً، كَمَا شَهِدَ بِهِ النَّصُّ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: "الْهَمُّ" هَمَّانِ: هَمُّ خَطِرَاتٍ وَهَمُّ إصْرَارٍ.

стр. 592

فَهَمُّ الْخَطِرَاتِ يَكُونُ مِن الْقَادِرِ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ هَمُّهُ إصْرَارًا جَازِمًا وَهُوَ قَادِرٌ: لَوَقَعَ الْفِعْلُ (١). وَمِن هَذَا الْبَابِ هَمُّ "يُوسُفَ" حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] الْآيَةُ، وَأَمَّا هَمُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَاوَدَتْهُ فَقَد قِيلَ: إنَّهُ كَانَ هَمَّ إصْرَارٍ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَقْدُورَهَا. وَكَذَلِكَ الْحَرِيصُ عَلَى السَّيِّئَاتِ الْجَازِمُ بِإِرَادَةِ فِعْلِهَا إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ إلَّا مُجَوَّدُ الْعَجْزِ، فَهَذَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةَ الْفَاعِلِ لِحَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ وَلمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبهِ" (٢) وَفِي لَفْظٍ: "إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ" (٣). فَهَذِهِ "الْإِرَادَةُ" هِيَ الْحِرْصُ وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ، وَقَد وُجِدَ مَعَهَا الْمَقْدُورُ وَهُوَ الْقِتَالُ، لَكِنْ عَجَزَ عَن الْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا مِن الْهَمِّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: لَو أَنَّ لِي مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت مِثْل مَا عَمِلَ، فَإِنَّ تَمَنِّي الْكَبَائِرِ لَيْسَ عُقُوبَتُهُ كَعُقُوبَةِ فَاعِلِهَا بِمُجَرَّدِ التَّكَلُّمِ؛ بَل لَا بُدَّ مِن أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى كَلَامِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: "إنّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ" لَا يُنَافِي الْعُقُوبَةَ عَلَى الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا الْفِعْلُ. فَإِنَّ "الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ" هِيَ الَّتِي يَقْتَرِنُ بِهَا الْمَقْدُورُ مِن الْفِعْلِ. وَإِلَّا فَمَتَى لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْمَقْدُورُ مِن الْفِعْلِ لَمْ تكنْ جَازِمَةً.

стр. 593

فَلَا بُدَّ مَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مِن شَيْءٍ مِن مُقَدِّمَاتِ الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ؛ بَل مُقَدِّمَاتُ الْفِعْلِ تُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ عَلَيْهِ. وَحَيْثُ تَرَكَ الْفِعْلَ الْمَقْدُورَ فَلَيْسَتْ جَازِمَةً. وَمُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ وَالتَّمَنِّي لَيْسَ إرَادَةً جَازِمَةً وَلَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْفِعْلِ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ إذَا أَرَادَ إرَادَةً جَازِمَةً مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ. فَتَفْرِيقُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: بَيْنَ هَمِّ الْخَطِرَاتِ وَهَمِّ الْإِصْرَارِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَوَابُ. فَمَن لَمْ يَمْنَعْهُ مِن الْفِعْلِ إلَّا الْعَجْزُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مُقَدِّمَاتِهِ، وَإِن فَعَلَهُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْعَوْدِ مَتَى قَدَرَ فَهُوَ مُصِرٌّ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَا يَذْكُرُ عَن الْحَارِثِ المحاسبي أَنَّهُ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ النَّاوِيَ لِلْفِعْلِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ لَهُ، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ صَحِيحٌ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ النَّاوِيَ لِلْفِعْلِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ، وَأَمَا النَّاوِي الْجَازِمُ الْآتِي بِمَا يُمْكِنُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ. وَتَنَازَعُوا أَيْضًا هَل يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي؟ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْقُدْرَةَ مَعَ الدَّاعِي التَّمَامَ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ، وَالْإِرَادَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ. والمتنازعون فِي هَذِهِ أَرَادَ أَحَدُهُم إثْبَاتَ الْعِقَابِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ عَزْمٍ عَلَى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ وَإِن لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ فِعْلٌ. وَأَرَادَ الْآخَرُ رَفْعَ الْعِقَابِ مُطْلَقًا عَن كُلِّ مَا فِي النَّفْسِ مِن الْإِرَادَاتِ الْجَازِمَةِ وَنَحْوِهَا، مَعَ ظَنِّ الِاثْنَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ لَمْ يَظْهَرْ بِقَوْلِ وَلَا عَمَلٍ. وَكُلُّ مِن هَذَيْنِ انْحِرَافٌ عَن الْوَسَطِ.

стр. 594

فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْفِعْلُ مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا لِعَجْزٍ يَجْرِي صَاحِبُهَا مَجْرَى الْفَاعِلِ التَّامِّ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَأَمَّا إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا فَذَلِكَ الْمُتَخَلِّفُ لَا يَكُونُ مُرَادًا إرَادَةً جَازِمَةً؛ بَل هُوَ الْهَمُّ الَّذِي وَقَعَ الْعَفْوُ عَنْهُ. وَبِهِ ائْتَلَفَتْ النُّصُوصُ وَالْأُصُولُ (١). [١٠/ ٧٢٢ - ٧٦٥] ٥٧٠ - مِن الْمَعْلُومِ أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ تَقْتَضِي حُبَّهُ (٢)، وَمَعْرِفَةَ الْمُعَظَّمِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ، وَمَعْرِفَةَ الْمُخَوَّفِ تَقْتَضِي خَوْفَهُ، فَنَفْسُ الْعِلْمِ وَالتَّصْدِيقُ بِاللهِ وَمَا لَهُ مِن الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَى يُوجِبُ مَحَبَّةَ الْقَلْبِ لَهُ وَتَعْظِيمَهُ وَخَشْيَتَهُ؛ وَذَلِكَ يُوجِبُ إرَادَةَ طَاعَتِهِ وَكَرَاهِيَةَ مَعْصِيَتِهِ. وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ: تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ وَوُجُودَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ منه. فَالْعَبْدُ إذَا كَانَ مُرِيدًا لِلصَّلَاةِ إرَادَةً جَازِمَةً مَعَ قُدْرَيهِ عَلَيْهَا: صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقُدْرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ الْإِرَادَةِ. وَبِهَذَا يَزُولُ الِاشْتِبَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَإِنَّ النَّاسَ تَنَازَعُوا فِي الْإِرَادَةِ بِلَا عَمَلٍ: هَل يَحْصُلُ بِهَا عِقَابٌ؟. وَالْفَصْلُ فِي ذَلِكَ أنْ يُقَالَ: فَرْقٌ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْإِرَادَةِ: فَالْهَمُّ: قَد لَا يَقْتَرِن بِهِ شَيْءٌ مِن الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ: فَهَذَا لَا عُقُوبَةَ فِيهِ بِحَال؛ بَل إنْ تَرَكَهُ للهِ كَمَا تَرَكَ يُوسُفُ هَمَّهُ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أُثِيبَ

стр. 595

يُوسُفُ، وَلهَذَا قَالَ أَحْمَد: الْهَمُّ هَمَّانِ: هَمُّ خَطَرَاتٍ، وَهَمُّ إصْرَارٍ. وَلهَذَا كَانَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُن لَهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ذَنَبٌ أَصْلًا؛ بَل صَرَفَ اللهُ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء. وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فِعْلُ الْمَقْدُورِ، وَلَو بِنَظْرَة، أَو حَرَكَةِ رَأْسٍ، أَو لَفْظَةٍ، أَو خُطْوَةٍ، أَو تَحْرِيكِ بَدَنٍ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : "إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ" (١)؛ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ، فَعَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْقِتَالِ، وَعَجَزَ عَن حُصُولِ الْمُرَادِ. وَكَذَلِكَ الَّذِي قَالَ: "لَو أَنَّ لِي مِثْل مَا لِفُلَان لَعَمِلْت فِيهِ مِثْل مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ" (٢)؛ فَإِنَّه أَرَادَ فِعْلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَلَامُ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى [غير] (٣) ذَلِكَ. وَلهَذَا كَانَ مَن دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ: كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَن اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ ضَلَالَهُم فَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن دُعَائِهِمْ؛ إذ لَا يَقْدِرُ إلا عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ: فَالتَّصْدِيقُ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَعِلْمُهُ يَقْتَضِي عَمَلَ الْقَلْبِ.

стр. 596

فَلَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ مِن تَصْدِيقٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَحُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ مَعَ الْبُغْضِ للهِ وَلرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ إيمَانًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ وَالْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ الْحُبَّ، إلَّا إذَا كَانَ الْقَلْبُ سَلِيمًا مِن الْمَعَارِضِ؛ كَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ مَفْطُورَةٌ عَلَى حُبِّ الْحَقِّ وَهُوَ الَّذِي يُلَائِمُهَا. وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إلَى الْقُلُوب السَّلِيمَةِ مِن اللهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ ﵇ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. فَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ مُوجِبًا لِحُبِّ الْمَعْلُومِ، إنْ لَمْ يَكُن فِي النَّفْسِ قُوَّةٌ أُخْرَى تُلَائِمُ الْمَعْلُومَ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي النَّفْسِ. وَكُلٌّ مِن الْقُوَّتَيْنِ تَقْوَى بِالْأُخْرَى؛ فَالْعِلْمُ يُقَوِّي الْعَمَلَ، وَالْعَمَلُ يُقَوِّي الْعِلْمَ (١). فَمَن عَرَفَ اللهَ وَقَلْبُهُ سَلِيمٌ: أَحَبَّهُ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ لَهُ مَعْرِفَةً: ازْدَادَ حُبُّهُ لَهُ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ حُبُّهُ لَهُ: ازْدَادَ ذِكْرُهُ لَهُ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَإِنَّ قُوَّةَ الْحُبِّ تُوجِبُ كَثْرَةَ ذِكْرِ الْمَحْبُوبِ؛ كَمَا أَنَّ الْبُغْضَ يُوجِبُ الْإِعْرَاضَ عَن ذِكْرِ الْمُبْغِضِ. فَمَن عَادَى اللهَ وَرَسُولَهُ وَحَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ: كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِإِعْرَاضِهِ عَن

стр. 597

ذِكْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ بِالْخَيْرِ، وَعَن ذِكْرِ مَا يُوجِبُ الْمَحَبَّةَ، فَيَضْعُفُ عِلْمُهُ بِهِ حَتَّى قَد يَنْسَاهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وَقَد يَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ وَعِلْمٌ مَعَ بُغْضٍ وَمُعَادَاةٍ، لَكنْ تَصْدِيقٌ ضَعِيفٌ وَعِلْمٌ ضَعِيف، وَلَكِنْ لَوْلَا الْبُغْضُ وَالْمُعَادَاةُ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ مِن مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ مُؤْمِنًا. فَمِن شَرْطِ الْإِيمَانِ (١): وُجُودُ الْعِلْمِ التَّامِّ؛ وَلهَذَا كَانَ الصَّوَابُ أَنَّ الْجَهْلَ بِبَعْضِ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَا جَهِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي كُفْرهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ؛ كَحَدِيثِ الَّذِي أَمَرَ أَهْلَهُ بِتَحْرِيقِهِ ثُمَّ تَذْرِيتَهِ. بَل الْعُلَمَاءُ بِاللهِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْعِلْمِ بِهِ. [٧/ ٥٢٦ - ٥٣٨] * * * (اللَّذَّة حَالٌ يَعْقُبُ إدْرَاكَ الْمُلائِمِ) ٥٧١ - قَالَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ مِن الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَمَن اتَّبَعَهُمْ: إنَّ اللَّذَةَ إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ. وَهَذَا تَقْصِير مِنْهُمْ؛ بَل اللَّذَّةُ حَالٌ يَعْقُبُ إدْرَاكَ الْمُلَائِمِ؛ كَالْإِنْسَانِ الَّذِي يُحِبُّ الْحُلْوَ وَيَشْتَهِيهِ فَيُدْرِكُهُ بالذَّوْقِ وَالْأَكْلِ، فَلَيْسَت اللَّذَّة مُجَرَّدَ ذَوْقِهِ؛ بَل أَمْرٌ يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ يَحْصُلُ مَعَ الذَّوْقِ. [٧/ ٥٣٦] ٥٧٢ - مَن قَالَ: إنَّ اللَّذَةَ إدْرَاكُ الملائم كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُهُ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ

стр. 598

وَالْأَطِبَّاءِ فَقَد غَلِطَ فِي ذَلِكَ غَلَطًا بَيِّنًا؛ فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَاللَّذَّةِ (١). [١٠/ ٢٠٥] * * * (مَن لَمْ يَعْعَلْ بِعِلْمِهِ: فهو جاهل، والعامل بالعلم عالم) ٥٧٣ - يُوصَفُ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ: بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ كُلَّ مَن خَشِيَ اللهَ فَهُوَ عَالِمٌ، وَهُوَ حَقٌّ. وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِهِ مُوجِبًا لِلْخَشْيَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ: كَانَ عَدَمُهُ (٢) دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ الْأَصْلِ، إذ لَو قَوِيَ لَدَفَعَ الْمُعَارِضَ. وَهَكَذَا لَفْظُ الْعَقْلِ: - يُرَادُ بِهِ الْغَرِيزَةُ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُ. - وَيُرَاد بِهَا أَنْوَاعٌ مِن الْعِلْمِ. - وَيُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْجَهْلِ: - يُعَبَّرُ بِهِ عَن عَدَمِ الْعِلْمِ. - وَيُعَبَّرُ بِهِ عَن عَدَمِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا كَانَ

стр. 599

أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ" (١). وَالْجَهْلُ هُنَا: هُوَ الْكَلَامُ الْبَاطِلُ، بِمَنْزِلَةِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وَمِن هَذَا سُمِّيَت الْجَاهِلِيَّةُ جَاهِلِيَّةً، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَو لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: "إنَّك امْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّةٌ" (٢) لَمَّا سَابَّ رَجُلًا وَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]. فَإِنَّ الْغَضَبَ وَالْحَمِيَّةَ: تَحْمِلُ الْمَرْءَ عَلَى فِعْلِ مَا يَضُرُّهُ، وَتَرْكِ مَا يَنْفَعُهُ، وَهَذَا مِن الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ عَمَل بِخِلَافِ الْعِلْمِ، حَتَّى يُقْدِمَ الْمَرْءُ عَلَى فِعْلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ، وَتَرْكِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ؛ لِمَا فِي نَفْسِهِ مِن الْبُغْضِ وَالْمُعَادَاةِ لِأَشْخَاص وَأَفْعَالٍ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَيْسَ عَدِيمَ الْعِلْمِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنَّهُ لِمَا فِي نَفْسِهِ مِن بُغْضٍ وَحَسَدٍ: غَلَبَ مُوجِبُ ذَلِكَ لِمُوجِبِ الْعِلْمِ فَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ. فَالْإِيمَانُ: لَا بُدَّ فِيهِ مِن هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ: أ- التَّصدِيقِ بِالْحَقِّ. ب- وَالْمَحَبَّةِ لَهُ. فَهَذَا أَصْلُ الْقَوْلِ، وَهَذَا أَصلُ الْعَمَلِ.

стр. 600

ثُمَّ الْحُبُّ التَّامُّ مَعَ الْقُدْرَةِ: يَسْتَلْزِمُ حَرَكَةَ الْبَدَنِ بِالْقَوْلِ الظَّاهِرِ، وَالْعَمَلِ الظَّاهِرِ ضَرُورَةٌ، فَمَن جَعَلَ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ وَالتَّصْدِيقِ مُوجِبًا لِجَمِيعِ مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَكُلٍّ مَا سُمِّيَ إيمَانًا: فَقَد غَلِطَ؛ بَل لَا بُدَّ مِن الْعِلْمِ وَالْحُبِّ. وَإِذَا قَامَ بِالْقَلْب التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْمَحَبَّةُ لَهُ: لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَتَحَرَّكَ الْبَدَنُ بِمُوجِب ذَلِكَ مِن الْأَقوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، فَمَا يَظْهَرُ عَلَى الْبَدَنِ مِن الْأَقوَالِ وَالْأَعْمَالِ هُوَ مُوجَبُ مَا فِي الْقَلْبِ وَلَازِمُهُ وَدَلِيلُهُ وَمَعْلُولُهُ، كَمَا أَنَّ مَا يَقُومُ بِالْبَدَنِ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ لَهُ أَيْضًا تَأْثِيرٌ فِيمَا فِي الْقَلْبِ. فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِ، لَكِنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْبَدَنَ فَرْعٌ لَهُ، وَالْفَرْعُ يُسْتَمَدُّ مِن أَصْلِهِ، وَالْأَصْلُ يَثْبُتُ وَيَقْوَى بِفَرْعِهِ؛ كَمَا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ لِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤] وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالشَّجَرَةُ كُلَّمَا قَوِيَ أَصْلُهَا وَعَرِقَ وَرُوِيَ قَوِيَتْ فَرْعُهَا، وَفُرُوعُهَا أَيْضًا إذَا اغْتَذَتْ بِالْمَطَرِ وَالرِّيحِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي أَصْلِهَا. وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، وَالْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ. [٧/ ٥٣٨ - ٥٤٢] * * * (أَبُو طَالِبٍ إنَّمَا كَانَت مَحَبَّتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ لَا للهِ) ٥٧٤ - أَبُو طَالِب وَإِن كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُحِبُّ لَهُ فَلَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُهُ لَهُ لِمَحَبَّتِهِ للهِ؛ بَل كَانَ يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ فَيُحِبُّهُ لِلْقَرَابَةِ، وَإِذَا أَحَبَّ ظُهُورَهُ فَلِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ مِن الشَّرَفِ وَالرِّئَاسَةِ، فَأَصْلُ مَحْبُوبِهِ هُوَ الرِّئَاسَةُ؛ فَلِهَذَا لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ الْمَوْتِ رَأَى أَنَّ بِالْإِقْرَارِ بِهِمَا زَوَالَ دِينِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، فَكَانَ دِينُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن ابْنِ أَخِيهِ، فَلَمْ يُقِرَّ بِهِمَا، فَلَو كَانَ يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّهُ أَبُو بَكْرٍ .. وَكَمَا كَانَ يُحِبُّهُ سَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ كَعُمَر وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ لَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَطْعًا، فَكَانَ حُبُّهُ حُبًّا مَعَ اللهِ لَا
следующие страницы →