← Акыда

Акыда · id 8819

العقل والنقل عند ابن رشد

محمد أمان الجامي

Полный текст (51 стр.). Показаны 36–51 · переход к 41.

стр. 36

القضاء والقدر عند ابن رشد مما لا يختلف فيه اثنان أن الإيمان بالقضاء والقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية، ولهذا الإيمان أثره الواضح في سلوك المرء وتصرفاته وفي موقفه من الوقائع والأحداث التي تفاجئ الإنسان في هذه الحياة، ويجب أن يقوم هذا الإيمان على المعنى الصحيح للقضاء والقدر، ولا يوجد ذلك المعنى الصحيح إلا في الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا يجوز بوجه من الوجوه الاستعاضة عن هذا المصدر ولا إشراك غيره معه كمصدر أصيل.

стр. 37

معنى القدر والقضاء وأيهما أسبق اختلف أهل العلم أيهما أسبق على الآخر, القضاء أو القدر.. والذي تطمئن إليه النفس وتؤيده الأدلة، هو قول أبي حاتم الرازي وغيره من بعض أهل العلم وخلاصته: أن القدر هو التقدير، وأن القضاء هو التفصيل، ومن الشواهد التي ذكرها أبو حاتم على ما ذهب إليه قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان﴾ ِ (يوسف: ٤١) , معناه: الفراغ, وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ ِ (الجمعة: ١٠) أي فرغ منها، والقضاء والقدر بمنزلة الثوب الذي يقدره الخياط فهو قبل أن يفصله يقدرهو ويزيد وينقص, ويوسع ويضيق، وإذا فصله فقد قضاه وفاته, ولا يمكنه أن يزيد أو ينقص وذلك مثل القضاء والقدر, والله أعلم، وهناك تعريفات أخرى، وقد يعكس بعضهم فيقدم القضاء على القدر, والله أعلم. وسواء كان هذا أو ذاك فإن الله تعالى سبق علمه بكل مخلوق وكتب مقاديره وأوجده وفق ما قدره له, وشاء ما يصدر عنه بعد وجوده من خير أو شر, ولا يخرج عن ذلك شيء لا أفعال الإنسان ولا غيرها، وكذلك ما يصيب الإنسان من الحوادث والكوارث, والعبد بجملته مخلوق جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله فهو مخلوق خلق نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله

стр. 38

بتلك النشأة، بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكوّنه كذلك، فتقع حركته بقدرة العبد المخلوقة، وإرادته التي جعلها الله فيه, فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله, فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة المسبب إلى سببه، ويضاف إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق، فالمقدور واقع بقدرة العبد الحادثة وقوع المسبب بسببه، والسبب والمسبب والفاعل والآلة أثر قدرة الله١ تعالى، فلا نعطل قدرة الله عن شمولها وكمالها وتناولها لكل ممكن، وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الله وقدرته ولا نعطل قدرة العبد التي خلقها له وجعلها صالحة لمباشرة الأفعال. هذه طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي التي كان عليها سلف هذه الأمة وهي وسط بين طريقة الجبرية والقدرية كما ترى، وكما سيتضح قريباً إن شاء الله. وهذه المسألة من أعوص المسائل الشرعية، كما يقول أبو الوليد، لما يظهر من التعارض بين الأدلة، مما أدى إلى تفرق الناس إلى ثلاث فرق، طرفين ووسط: الطرف الأول: الجبرية.. وعلى رأسهم جهم بن صفوان، فقد ذهبت هذه الفرقة إلى أن العبد مجبور على عمله من خير وشر، وتنسب إليه الأعمال مجازاً كما تنسب إلى الجماد، والإنسان إنما يخالف الجماد في المظهر فقط، فكتب فلان (مثلا) وقرأ وقام وقعد، مجاز، كما يقال: ماج البحر وتحرك الجمل، وأثمرت الشجرة، والذي دفعهم إلى هذا فرارهم من الوقوع فيما وقعت فيه القدرية من القول: إن العبد يخلق أفعاله، كما سيأتي إن شاء الله. والجبرية نظرت إلى العبد وهو منفعل فقالوا: إنه مجبور غير مختار، وفاتهم أنه منفعل وفاعل.

стр. 39

ما ينتج من هذا القول يترتب على هذا المذهب إبطال التكليف والثواب والعقاب على الأعمال، كما ينتج منه أن إرسال الرسل وإنزال الكتب عبث، وهو مذهب باطل ومرفوض - كما ترى - عقلاً وشرعاً: أما عقلاً: فإنه لا يستساغ أن يعطى العامل أجر عمل لم يعمله باختياره حقيقة، وإنما ينسب إليه مجازاً، هذا من حيث الثواب. وأما العقاب فليس من العدل أن يعاقب العامل على خطيئة ارتكبها تحت الإجيار وبدون اختيار منه بل أتاه كمُكْرَهٍ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فيصبح إنزال الترغيب والترهيب في الكتاب والسنة وإنذار الرسل كلاماً لا معنى له.

стр. 40

هذا ما يترتب على قول الجبرية بإيجاز. الطرف الثاني: المعتزلة القدرية: هذه الفرقة ترى أن العبد يخلق أفعاله بقدرته مستقلاً عن قدرة الله، ويريد ويدبر بإرادته الحرة قبل أن تتدخل إرادة الله تعالى في إرادته أو مع إرادته.

стр. 41

وجهة نظرهم والذي حمل هؤلاء على هذا القول الخطير، لما رأوا أن العبد يفعل ويترك باختياره الحر، وأثبت له الشرع الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات ثم لا حظوا الفرق بين حركة اليد العادية، وحركة اليد المرتعشة، حيث تكون الأولى اختياراً والثانية اضطرارية، وما ندركه من الفرق بين حركة الصاعد إلى المنارة والساقط منها إذ تكون الأولى بقدرة العبد واختياره بينما لا قدرة له ولا إرادة في الأخرى. لاحظ القوم هذه الملاحظات في أفعال وحركات العبد، ونظروا إليه فاعلاً، وغفلوا أنه فاعل ومنفعل فزعموا أن العبد هو الذي يخلق أفعاله بقدرته قبل أن تتدخل قدرة الله، تعالى الله عن شريك يشاركه في ربوبيته وخلقه، وفاتهم أن العبد بجسمه وروحه وإرادته وقدرته مخلوق لله، فالله تعالى هو الذي يخلق له القدرة على العمل وإرادة العمل, ويجعله فاعلاً يفعل بالإرادة المخلوقة المحدودة والقدرة المحدثة حتى ينسب إليه العمل، ويضاف إليه إضافة المسبب في الوقت الذي يضاف عمله إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق. ما أبعد هذا الطرف عن ذلك الطرف حيث العبد مجبور هناك وخالق هنا, وكلا الفريقين ضل الطريق وضاع الصواب بينهما، وعثر عليه أهل السنة والجماعة بتوفيق الله تعالى وقد تقدم بيان مذهبهم.

стр. 42

كسب الأشعري حاول أبو الحسن الأشعري أن يأتي بحل وسط بين الجبرية والقدرية إلا أنه لم يوفق حيث جعل مناط التكليف: الكسب، والكسب هو العمل - كما يتبادر- بل هو إرادة تحصل عند الفعل، وقعوا في هذا المضيق لئلا يقولوا: إن العبد هو الفاعل الحقيقي مستقلاً كما هو مذهب القدرية، أو يقولوا إنه مجبور وليست له إرادة كما تقول الجبرية، ولكنهم لم يأتوا بجديد بل طريقتهم هذه هي الجبر بعينها والخلاف بينهم وبين الجبرية خلاف لفظي وليس بجوهري - كما ترى -، بل طريقتهم أكثر غموضاً، بل قد عد كسب الأشعري من المحالات, ومحالات الكلام ثلاثة - كما يقولون -:

стр. 43

١ – كسب الأشعري. ٢ – أحوال أبي هاشم. ٣ – طفرة النظام. أما كسب الأشعري فقد تحدثنا عنه، وملخصه: أن العبد ليس هو الفاعل حقيقة ولكن عند إرادته للفعل يخلق الله الفعل. نقدر أن نقول: إنها جبرية متطورة أو متسترة. أما أحوال أبي هاشم: المراد بها الصفات المعنوية التي انفرد بإثباتها أبو هاشم دون سائر المعتزلة من نفيه لصفات المعاني، أي أنه ينفي العلم والقدرة والإرادة إلى آخر الصفات ثم يثبت كونه عالماً وقادراً ومريداً، وهذه (الكوكنة) هي الأحوال١. وأما طفرة النظام: فهي (انزلاقة) انفرد بها النظام المعتزلي دون سائر المعتزلة وهي القول بأن الله خلق هذه الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، من نبات وحيوان وجبال وبحار، ولم يتقدم خلق آدم على ذريته غير أن الله (أكمن) بعضها في بعض, فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهور هذه الموجودات في أماكنها دون حدوثها ووجودها. وقد زعم النظام ما زعم متأثراً بأصحاب الكمون والظهور، من الفلاسفة وهي طفرة لم يسبقه إليها أحد قبله.

стр. 44

خلاصة رأي ابن رشد يقول ابن رشد - وهو يلخص بحثه الطويل في مسألة القضاء والقدر -: "ولما كان ترتيب الأسباب ونظامها هو الذي يقتضي وجود الشيء في وقت ما، في ذلك الوقت، وجب أن يكون العلم بأسباب شيء ما هو العلم بوجود ذلك الشيء أو عدمه في وقت ما, والعلم بالأسباب على الإطلاق هو العلم بما يوجد منها، أو ما يعدم في وقت من أوقات جميع الزمان, فسبحان الذي أحاط اختراعاً وعلماً بجميع أسباب الموجودات وهذه هي مفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ ـ الآية. (الأنعام: ٥٩) . وإذا كان هذا كله كما وصفنا فقد تبين لك كيف لنا اكتساب، وكيف جميع مكتسباتنا بقضاء وقدر سابق, وهذا الجمع هو الذي قصده الشرع بتلك الآيات العامة والأحاديث التي يظن بها التعارض، وهي إذا خصصت عمومتها بهذا المعنى، انتفى عنها التعارض, وبهذا أيضاً تنحل جميع الشكوك التي قيلت في ذلك، أعني الحجج المتعارضة العقلية أعني أن كون الأشياء الموجودة عن إرادتنا يتم وجودها بالأمرين

стр. 45

معاً, أعني بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج، فإذا نسبت الأفعال إلى واحد من هذين على الإطلاق لحقت الشكوك المتقدمة. وابن رشد - كما ترى - يدندن حول مذهب أهل السنة والجماعة في هذا المسألة وهو معافى من داء الجبرية والقدرية ومن كسب الأشعري, بل هو يثبت للعبد قدرة وإرادة، وفي الوقت نفسه يقرر أن الأشياء توجد بقضاء وقدر سابق، بل يقرر أنه لا بد من اجتماع الأمرين معاً القضاء والقدر ويسميها (السبب الخارجي) وإرادة العبد وهي السبب الداخلي وتوجد الأشياء بإذن الله تعالى، بتوفر الأمرين معاً. وذلك يعني أن العبد يعمل بإرادته وقدرته واختياره، ولكنه هو وإرادته وقدرته والآلة التي استعملها بل وعقله كل ذلك مخلوق لله ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ (فاطر: ٣) , فتضاف الأعمال إلى العبد حقيقة إضافة المسبب إلى السبب لأن العبد بإرادته وقدرته هو سبب وجود تلك الأعمال، وقد جعل الله لكل شيء سبباً، فهي تضاف إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق, هذه هي طريقة أهل السنة والجماعة كما تقدم، فليهنأ ابن رشد بهذا التوفيق في هذه المسألة العويصة كما وصفها هو نفسه في كتابه منهاج الأدلة في عقائد الملل. وبعد هذا الملخص والتعليق عليه يحسن بنا أن نسرد بعض الآيات القرآنية التي أشار إليها ابن رشد لنرى كيف تتفق ولا تختلف وبالتوفيق بينهما تزول جميع الشكوك إن شاء الله. المجموعة الأولى من الآيات المشار إليها: أ – ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) ، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: ٢٨) ، ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨١) ، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) ، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (آل عمران: ١٨٢) . هذه المجموعة وما في معناها من نصوص الكتاب والسنة تفيد أن أفعال الإنسان تقع بإرادته ومشيئته واختياره. ومما يؤيد هذا المعنى أن المجنون لا يسأل عن أفعاله بإجماع؛ لأنها لم تقع منه بإرادته أو بإرادة معتبرة. ب – المجموعة الثانية: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (يس:٤٢) ، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ (النحل: ٨٠) ، ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦) . تفيد هذه المجموعة وما شاكلها من نصوص الوحي أن الإنسان وإن كان فاعلاً لأفعاله حقيقة لا مجازاً وله إرادة ومشيئة ولكن إرادته ومشيئته مخلوقتان لله، وهما سببان فقط لإيجاد فعل الإنسان، والله خلق السبب والمسبب معاً، وكون الإنسان يفعل بإرادته، لا يخرج فعله من عموم مخلوقات الله فالسفينة يصنعها الإنسان بيده، ولكن الله خالقه وخالق يده وإرادته، وكذلك البيوت والجلود المذكورات في المجموعة الثانية والله ولي التوفيق.

стр. 46

هكذا تتفق الآيات التي ظاهرها التعارض, ولا تعارض في واقع الأمر إذ دلت المجموعة الأولى أن للإنسان تدخلاً في أعماله بحيث يثاب على الحسنة ويعاقب على السيئة، فتضاف إليه أعمال حقيقة. ودلت المجموعة الثانية أن الإنسان وأعماله مخلوقات لله تعالى وهو الخالق وحده سبحانه.

стр. 47

سر القدر فطالما خضنا في هذا المبحث الخطير فلا بد أن نقول شيئاً في محاولة الإجابة على سؤال خطير يتردد في الأذهان، وربما ظهر على بعض الألسنة أحياناً والسؤال يتكون من فقرتين، ونص السؤال هكذا: إذا شاء الله من الإنسان المعصية ولم يشأ منه الطاعة فلم يحاسبه على ما لم يشأ منه؟ ولم لم يشأ منه الطاعة كما شاءها من غيره؟ الجواب على الفقرة الأولى من السؤال: سبق أن تحدثنا أن في الأصول القطعية عند أهل السنة أن الهداية والضلال, والطاعة والمعصية بمشيئة الله وأن الإنسان سبب في وقوعها، ومسئوليته عن أفعاله أصل قطعي آخر من هذه الزاوية، فالقاعدة التي يتفق عليها العقلاء أن القطعيات لا تتناقص في نفسها، وإن بدت لنا متناقضة لقصور إدراكنا. فحسبنا أن نقف عند هذه القطعيات ونؤمن بها جميعاً، ولا نرد منها شيئاً ولو لم نحط بها علماً، لأن مسألة القضاء والقدر لها تعلق بصفات الله تعالى: كعلمه وحكمته وإرادته، وحيث أننا نعجز عن الإحاطة بصفات الله تعالى, فكذلك نعجز عن الإحاطة بسر القدر، وسر القدر هو أن الله تعالى أضل وهدى وأسعد وأشقى، وأمات وأحيا غير ذلك كل ذلك لحكمة يعلمها ولا نعلمها، ها هنا السر!!! وهو العليم الحكيم، فسبحان الذي أحاط كل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. ولا يضير المرء في إيمانه عجزه عن الإحاطة بسر القدر لأن ذلك ليس بمستطاع ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولكن الذي يضيره أن يبني على عجزه أحكاماً ويتصرف على غير هدى. من ذلك رد بعض الأصول القطعية في القدر، وضرب النصوص بعضها ببعض. وللجواب على الفقرة الثانية في السؤال نورد قول علي ﵁: "القدر سر الله فلا نكشفه" ومن سر القدر عجزنا عن جواب: (لم شاء الله الطاعة من زيد ووفقه، بينما لم يشأ من عمرو ولم يوفقه؟) , بل الجواب الذي ليس بعده جواب قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الانبياء: ٢٣) ، ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يلزم ليكون تصرفه سليماً أن يدرك غيره الحكمة الباعثة, والعلة في تصرفاته, وليس لأحد حق الاعتراض عليه في تصرفه، إذا لم يعلم السر في أفعاله.

стр. 48

فلو رأينا صاحب بستان يحتوي بستانه على أنواع من الأشجار لو رأيناه يقطع هذه الشجرة ويترك تلك ويهذب هذه وينظمها ويهمل تلك دون تهذيب أو إصلاح، فهل لأحد حق الاعتراض على هذه الأعمال المختلفة؟ فالجواب: لا, طبعا؛. لأننا لا ندري ما هو الباعث له على ما فعل أو ترك، هذا هو معنى قول علي ﵁: "القدر سر الله فلا نكشفه" أي فلا نحاول كشفه لندرك حقيقة ذلك السر المكتوم لأنه تكلف بلا نتيجة ومن حاول إدراك غير المستطاع نتيجة محاولته: كناطح صخرة يوماً ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

стр. 49

من ثمرات الإيمان القدر … من ثمرات الإيمان بالقدر صاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الأسباب المباحة بيده، ويبذل معه في الأخذ بالأسباب ولا يعجز ولا يتواكل ولكنه يعتمد على الله وحده في نجاح تلك الأسباب المبذولة لا على الأسباب ذاتها، ولقد كان كذلك سيد المرسلين وإمام المتوكلين محمد ﵊، فقد اختفى ﵊ في الغار يوم الهجرة، وهذا منه ﵊ يعتبر تعليماً للأمة في الأخذ بالأسباب ومباشرتها, وقد فعل ذلك في سبيل التخلص من شر المشركين ولكنه لم يكن اعتماده في الخلاص على السبب نفسه، وإنما كان اعتماده على الله العلي القدير، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠) , وذلك يعني أن ثقته كانت في الله واطمئنانه وسكينته بسبب تلك المعية الخاصة، إلا أنه لم يهمل السبب بناء على الثقة والاعتماد الصادق على الله، وقد رأيناه ﵊ مرة أخرى في معركة (بدر) يباشر السبب, إذ رأيناه ينظم الجيش كسبب مادي لا بد من مباشرته، ثم يرجع إلى العريش الذي ضرب له في أرض المعركة فيدعو الله ويلح في الدعاء ويكثر فيطلب النصر من الله، وكان ﵊ يحث أصحابه على البيع والشراء، وكان من أصحابه المزارعون والتجار الذين يزاولون البيع والشراء. هذا هو المفهوم الصحيح للتوكل. وهو ثمرة من ثمرات الإيمان الصحيح بالقدر ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: ٨٣) ..

стр. 50

الخاتمة … خاتمة تم بتوفيق الله وعونه إعداد هذه العجالة التي تحدثنا فيها عن موقف الفيلسوف ابن رشد من العقل والنقل, ورأينا في هذا البحث معالجة ابن رشد التوفيق بين الشريعة والحكمة ومناقشته الحادة لعلماء الكلام في التأويل الذي يسلطه أهل الكلام على نصوص الصفات ليتبعوا ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، ولقد بينا في هذه العجالة ضرورة توحيد المصدر للعقيدة الإسلامية

стр. 51

وذلك المصدر هو الوحي الإلهي، فقط قبل أن يشاركه أي مصر آخر لا الفلسفة ولا علم الكلام ولا القياس بأنواعه. وبعد هذا كله من الحماقة بمكان أن يقال: بأن الشرع لم يفصل أمور العقيدة، فالرجوع إلى الفلسفة أمر ضروري لمعرفة التفصيل، وهو قول عار عن الحقيقة بل هو تمويه على السذج من الناس لأن أمور العقيدة كما أوضحنا في صلب البحث من أهم مطالب الذين بعثت بها الرسل وأنزلت من أجلها الكتب. ومن المستحيل عقلاً أن يهمل الشارع بيان هذا المطلب الذي هو أهم المطالب على الإطلاق دون بيان شاف بالتفصيل اللازم فيحيل الناس على مصدر آخر في معرفته، في الوقت الذي بين فيه فروع الشريعة وأوضح سننها وآدابها, ولقد رأينا كيف بين الوضوء ونواقضه وكيفية التيمم وغير ذلك من الفروع. ومن تتبع آيات القرآن وتدبرها واطلع على المقدار الكافي من أحاديث الرسول ﵊ مع دراستها ما كان يفهمه الرعيل الأول من النصوص، يدرك تماماً ودون شك أن بيان العقيدة قد وقع بياناً يغني أهله عن الحاجة إلى سفسطة أهل الكلام وخوض الفلاسفة. والحمد لله رب العالمين..