Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
١١١٠- (٢٠) وعن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار)) رواه أبوداود.
١١١١- (٢١) وعن وابصة بن معبد، قال: ((رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة)) .
ــ
يامين، سماها بقي بن مخلد في مسنده ولم يسمها. أبوداود في روايته: ويحيى مستور، وأمه مجهولة.
١١١٠- قوله: (يتأخرون عن الصف الأول) أي لا يهتمون لإدراك فضل الصف الأول، ولا يبالون به. (حتى يؤخرهم الله) أي يجعلهم الله آخر الأمر. (في النار) أو لا يخرجهم من النار في الأولين، أو يؤخرهم عن الداخلين في الجنة أولاً بإدخالهم النار أولاً وحبسهم فيها، ويمكن أن يكون المعنى يوقعهم في أسفل النار. وقال الطيبي: أي حتى يؤخرهم عن الخيرات ويدخلهم في النار. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان إلا أنهما قالا: حتى يخلفهم الله في النار، وأخرجه البيهقي (ج٣ ص١٠٣) من طريق أبي داود بلفظه.
١١١١- قوله: (عن وابصة) بكسر الموحدة فصاد مهملة. (بن معبد) بفتح الميم واسكان العين المهملة ابن عتبة بن الحارث بن مالك الأسدي أسد خزيمة، وفد على النبي ﷺ سنة تسع ثم رجع إلى بلاد قومه ثم نزل إلى الجزيرة، صحابي. قال البرقى: جاء عنه خمسة أحاديث، وعمّر إلى قرب سنة تسعين، وتوفي بالرقة، وقبره عند منارة مسجد جامع الرقة. (يصلي خلف الصف وحده) أي منفرداً عن الصف. (فأمره أن يعيد الصلاة) فيه دليل على أن الصلاة خلف الصف وحده لا تصح. وأن من صلى خلف الصف وحده فعليه أن يعيد الصلاة. وإليه ذهب إبراهيم النخعي والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأكثر أهل الظاهر وابن المنذر والحكم، وبه قال قوم من أهل الكوفة، منهم حماد بن أبي سليمان وعبد الرحمن بن أبي ليلي ووكيع. قال ابن حزم: وبه يقول الأوازاعي والحسن بن حي، وأحد قولي سفيان الثوري. ونقل عبد الله بن أحمد في المسند (ج٤ ص٢٢٨) بعد حديث وابصة قال: وكان أبي يقول بهذا الحديث- انتهى. وإليه ذهب الدارمي أيضاً فقال في سننه بعد حديث وابصة قال أبومحمد: أقول بهذا. وقال الجواز فلأنه يتعلق بالأركان وقد وجدت، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك، والقول الأول هو الحق يدل عليه حديث وابصة وهوحديث صحيح كما ستعرف، ويدل عليه أيضاً حديث علي بن شيبان قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل فقال له رسول الله ﷺ -
стр. 1472
استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لرجل فرد خلف الصف. أخرجه أحمد (ج٤ ص٢٣) وابن ماجه وابن حزم في المحلى (ج٤ ص٥٣) والبيهقي (ج٣ ص١٠٥) . ونسبه الزيلعي في نصب الراية (ج١ ص٢٤٤) لابن حبان في صحيحه، والبزار في مسنده، وهو حديث صحيح. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: حديث حسن. وقال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون، وهو من رواية ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه. قال ابن حزم في المحلى: ملازم ثقة. وثقه أبوبكر بن أبي شيبة وابن نمير وغيرهما، وعبد الله بن بدر ثقة مشهور، وعبد الرحمن ما نعلم أحداً عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر. وهذا ليس جرحة- انتهى. وقد روى عنه أيضاً ابنه يزيد ووعلة ابن عبد الرحمن، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه. وقال العجلي: تابعي ثقة، ووثقة أيضاً أبوالعرب التميمي، كذا في تهذيب التهذيب (ج٦ ص٢٣٤) . ويؤيد حديث علي بن شيبان ما أخرجه ابن حبان عن طلق بن علي مرفوعاً: لا صلاة لمنفرد خلف الصف، ذكره الحافظ في بلوغ المرام. ويؤيده أيضاً حديث ابن عباس قال: رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. أخرجه البزار والطبراني في الكبير والأوسط. قال الهيثمي: (ج٢ ص٩٦) : وفيه النضر أبوعمر أجمعوا على ضعفه. ويؤيده أيضاً ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بمعنى حديث ابن عباس، وهو أيضاً حديث ضعيف. قال الهيثمي: فيه عبد الله بن محمد بن القاسم، وهو ضعيف وأجاب القائلون بالجواز بأن حديث وابصة معلول للاضطبراب في سنده كما نقل الزيلعي في نصب الراية (ج١ ص٢٤٤) عن البيهقي في المعرفة والبزار في مسنده. قال البيهقي: وإنما لم يخرجاه صاحبا الصحيح لما وقع في إسناده من اختلاف. وقال ابن عبد البر: أنه مضطرب الإسناد، ولا يثبته جماعة من أهل الحديث، وروي عن الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة، ويقول: لو ثبت لقلت به وأجيب عنه بأن البيهقي وهو من أصحابه قد أجاب عنه فقال: الخبر المذكور ثابت، وبأن ابن سيد الناس قال في شرح الترمذي: ليس الاضطراب الذي الذي وقع فيه مما يضره، وبين ذلك وأطال وأطاب، ذكره الشوكاني وأجابوا أيضاً بأن الأمر بالإعادة في حديث وابصة وما وافقه للاستحباب، والنفي في حديث علي وما وافقه محمول على نفي الكمال. قال الطيبي: إنما أمره باعادة الصلاة تغليظاً وتشديداً، يؤيده حديث أبي بكرة في آخر الفصل الأول من باب الموقف. وقال ابن الهمام: حمل أئمتنا الأول أي حديث وابصة على الندب، والثاني أي حديث علي بن شيبان على نفي الكمال ليوافقا خبر البخاري عن أبي بكرة، إذ ظاهره عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها، وأيضاً فهو ﵇ تركه حتى فرغ ولو كانت باطلة لما أقره على المضي فيها، وأجيب عنه بأن حمل
стр. 1473
رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
ــ
الأمر بالإعادة على الاستحباب، وحمل النفي على نفي الكمال خلاف الظاهر، والأصل فإن الأصل في الأمر الوجوب، وفي نفي الجنس نفي الحقيقة والذات إن أمكن وإلا فيحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة، وهو نفي الصحة كما تحقق في موضعه. وأما الاستدلال على ذلك بحديث أبي بكرة ففيه أن عدم أمره ﷺ بالإعادة في هذه الصورة الجزئية لا يدل على أن أمره بالإعادة في حديث وابصة ليس للإيجاب، وأن النفى في حديث علي بن شيبان ليس لنفي الحقيقة أو الصحة، فإنه لا يقال لمن فعل مثل ما فعل أبوبكرة أنه صلى خلف الصف. قال ابن سيد الناس: ولا يعد حكم الشروع في الركوع خلف الصف حكم الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد ابن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائزة- انتهى. وقال الحافظ في الفتح: جمع أحمد وغيره بين الحديثين، بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفرداً خلف الصف ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة، وإلا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان- انتهى. وفي مسائل الامام أحمد لأبي داود (ص٣٥) قال: سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف قال: تجزئه ركعة وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة. وقيل يحمل عدم الأمر بالإعادة على من فعل ذلك لعذر وهو خشية الفوات لو انضم إلى الصف وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر. وقيل من لم يعلم ما ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي فلا إعادة عليه كما في حديث أبي بكرة؛ لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم فكان أبوبكرة معذوراً لجهله، ومن علم النهي وفعل بعض الصلاة أو كلها خلف الصلاة لزمته الإعادة، يعني أنه يحمل أمره بالإعادة لمن صلى خلف الصف بأنه كان عالماً بالنهي. قال ابن حزم في المحلى (ج٤ ص٥٨) : فإن قيل: فهلا أمر رسول الله ﷺ أبا بكر بالإعادة كما أمر الذي أساء الصلاة والذي صلى خلف الصف وحده؟ قلنا: نحن على يقين نقطع به أن الركوع دون الصف إنما حرم حين نهى النبي ﷺ فإذ ذلك كذلك فلا إعادة على من فعل ذلك قبل النهي، ولو كان ذلك محرماً قبل النهي لما أغفل ﵇ أمره بالإعادة كما فعل مع غيره- انتهى. (رواه أحمد) (ج٤ ص٢٢٧و ٢٢٨) . (والترمذي وأبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه وأبوداود الطيالسي والدارمي وابن الجارود والبيهقي (ج٣ ص١٠٤- ١٠٥) وابن حبان والدارقطني والحاكم والطحاوي وابن حزم في المحلى. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن) وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقال الحافظ في الفتح: صححه أحمد وابن خزيمة وغيرهما. وقال ابن حجر المكي: صححه ابن حبان والحاكم. قلت: وأعله بعضهم بما وقع من اختلاف في
стр. 1474
(٢٥) باب الموقف
﴿الفصل الأول﴾
١١١٢- (١) عن عبد الله بن عباس، قال: ((بت في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ يصلي،
فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن))
ــ
سنده كما تقدم عن ابن عبد البر أنه قال: حديث مضطرب الإسناد، وقد تقدم قول ابن سيد الناس: أن الاختلاف الذي وقع في سنده ليس مما يضره، وقد بين ذلك في شرح الترمذي له كما قال الشوكاني، وقد بينه أيضاً الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢ ص٤٥١) وأطال الكلام فيه وحققه بما لا مزيد عليه، فعليك أن تراجعه، ولولا خوف الإطناب لذكرنا كلامه.
(باب الموقف) أي موقف الإمام والمأموم.
١١١٢- قوله (بت) أي رقدت أو كنت ليلا. (في بيت خالتي ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين. (يصلي) أي من الليل، والمراد به التهجد. (فقمت) أي وقفت. (عن يساره) بفتح الياء وكسرها. ولفظ مسلم: ثم قمت إلى شقه الأيسر. (فأخذ بيدي) بسكون الياء بالإفراد. (من وراء ظهره) أي وهو في الصلاة. (فعدلني) بالتخفيف. وقيل: بالتشديد أي أمالني وصرفنى. ولفظ مسلم: يعدلني أي بصيغة مضارع. (كذلك) أي آخذاً بيدي. (من وراء ظهره) بيان لذلك. (إلى الشق الأيمن) متعلق بعدلني. قال الطيبي: الكاف صفة مصدر محذوف أي عدلني عدولاً مثل ذلك، والمشار إليه هي الحالة المشبهة بها التي صورها ابن عباس بيده عند التحدث– انتهى. وقد اختلف في كيفية التحويل روايات الصحيح، ففي بعضها: أخذ برأسه فجعله عن يمينه، وفي بعضها: فوضع يده اليمنى على رأسي فأخذ بأذني اليمنى ففتلها، وفي بعضها: فأخذ برأسي من ورائي، وفي بعضها: بيدي أو عضدي. قال العيني: والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات وقال أيضاً: ووجه الجمع بين قوله: فأخذ بيدي، وبين قوله: فأخذ برأسي. كون القضية متعددة، وإلا فوجهه أخذ أولاً برأسه ثم بيده أو العكس - انتهى. قلت: الغالب على الظن عدم تعدد قصة مبيت ابن عباس. فالجمع بين مختلف الروايات فيها أولى. وقيل: رواية أخذ الرأس أرجح لاتفاق الأكثر عليها، وفي الحديث دليل على أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، إذ لو كان اليسار موقفاً له لما عدله وحوله في الصلاة، وإلى هذا ذهب الجماهير، وخالف النخعي فقال: إذا كان الإمام وواحد قام الواحد خلف الامام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه، أخرجه سعيد بن منصور. قال الحافظ: ووجهه بعضهم بأن الإمامة
стр. 1475
مظنة الاجتماع فاعتبرت في موقف الإمام حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن، لكنه مخالف للنص، وهوقياس فاسد- انتهى. وروي عن سعيد بن المسيب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، ولم يتابع على ذلك لمخالفته للأدلة، وقد اختلف في صلاة من وقف عن اليسار، فقيل: تصح لكنه مسيء، وهو قول الجمهور. وتمسكوا بعدم بطلان صلاة ابن عباس لوقوفه عن اليسار لتقريره ﷺ على أول صلاته وعدم أمره بالإعادة. وقيل: تبطل، وإليه ذهب أحمد قال: وتقريره ﷺ لابن عباس لا يدل على صحة صلاة من وقف من أول الصلاة إلى آخرها عن اليسار عالما، وغاية ما فيه تقرير من جهل الموقف والجهل عذر، وقد بوب البخاري على حديث ابن عباس: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته. قال الحافظ: أي صلاة المأموم ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولاً مع كونه في غير موقفه؛ لأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم - انتهى. وأيضاً يجوز أن يكون ابن عباس ما كان قد أحرم بالصلاة. ثم قوله: فعدلني إلى الشق الأيمن يحتمل المساواة، ويحتمل التقدم والتأخر قليلاً، وفي رواية: فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه، وقد بوب عليها البخاري: باب يقوم عن يمين الإمام بحذاءه سواء إذا كانا اثنين. قال الحافظ: قوله بحذاءه أخرج به من كان خلفه أو مائلاً عنه أو بجنبه لكن على بُعد منه، وقوله سواء أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي انتزاع هذا من هذه الرواية بُعد، وكأن المصنف أشار بذلك إلى ما تقدم في بعض طرقه وهو في الطهارة: فقمت إلى جنبه، وظاهره المساواة. وفي رواية للبخاري أيضاً: فأقامني عن يمينه. قال العيني: يستفاد منها أن موقف المأموم إذا كان بحذاء الإمام على يمينه مساوياً له، وهو قول عمر وابنه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع أصابع رجليه عند عقب الإمام. وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلاً. قال الشوكاني: وليس عليه فيما أعلم دليل، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال إلى الشق الأيمن قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر. قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا يكون بينهما فرجة؟ قال: نعم. وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه، والحديث له فوائد كثيرة: منها: أن الاثنين جماعة، وقد بوب عليه ابن ماجه: باب الاثنان جماعة. ومنها: انعقاد الجماعة باثنين: أحدهما صبي، ففي لفظ: صليت مع النبي ﷺ وأنا يومئذٍ ابن عشر سنين، وقمت إلى جنبه عن يساره فأقامني عن يمينه، قال: وأنا يومئذ ابن عشر سنين. أخرجه أحمد، وقد بوب عليه ابن تيمية في المنتقى: باب انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي. وقال العيني: في الحديث جواز ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في سننه. قال الشوكاني: ليس على قول من منع من انعقاد من معه صبي فقط دليل، ولم
стр. 1476
متفق عليه.
١١١٣- (٢) وعن جابر، قال: ((قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت حتى قمت عن يساره، فأخذ
بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر،
ــ
يستدل لهم إلا بحديث رفع القلم، ورفع القلم لا يدل على عدم صحة صلاته، وانعقاد الجماعة به، ولو سلم لكان مخصصاً بحديث ابن عباس ونحوه، وقد ذهب أبوحنيفة وأصحابه إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبي، وذهب الشافعي إلى الصحة من غير فرق بين الفرض والنفل، وذهب مالك وأبوحنيفة في رواية عنه إلى الصحة في النافلة. ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وقد بوب البخاري لذلك. وفي المسألة خلاف، ومذهب الحنفية أن نية الإمامة في حق الرجال ليست بشرط؛ لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكم، وفي حق النساء شرط لاحتمال فساد صلاته بمحاذاتها إياه. والأصح عند الشافعية أنه لا يشترط مطلقاً، واستدل لذلك ابن المنذر بحديث أنس: أن النبي ﷺ كان يقوم في رمضان قال: فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطاً فلما أحس النبي ﷺ بنا تجوز في صلاته- الحديث. وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء وائتموهم به ابتداء وأقرهم، وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم، وعلقه البخاري في كتاب الصيام: وذهب أحمد إلى الفرق بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوى في الفريضة دون النافلة، وفيه نظر لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه. أخرجه أبوداود. وقد حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والراجح عندنا هو عدم الفرق بين الفريضة والنافلة، وعدم الاشتراط في حق الرجال والنساء جميعاً؛ لانتفاء ما يدل على الفرق والتفصيل، والله أعلم. ومنها: جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها، ومنها التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها. ومنها أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه ﷺ لم يتكلم. ومنها: ما قيل إن تقدم المأموم على إمامه مبطل. قال الحافظ: ذكر البيهقي أنه يستفاد من الحديث امتناع تقديم المأموم على الإمام لما في رواية مسلم: فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه، وفيه نظر، قال العيني: لأنه يجوز أن تكون ادارته من خلفه لئلا يمر بين يديه فإنه مكروه. ومنها أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد بوب لذلك البخاري حيث قال: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما أي بالعمل الواقع منها، لكونه خفيفاً يسيراً وهو من مصلحة الصلاة أيضاً. (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وقد تقدم التنبيه على ما وقع من الاختلاف بين لفظ مسلم وبين اللفظ الذي ذكره المصنف تبعاً للبغوي، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
١١١٣- قوله: (وعن جابر) أي ابن عبد الله. (فأخذ بيدي) قال ابن الملك: أي أخذني بيده اليمنى من وراء ظهره حتى أقامني. (عن يمينه) فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام. (ثم جاء جبار بن صخر) بن
стр. 1477
فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدينا جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه)) رواه مسلم.
ــ
أمية بن خنساء بن سنان السلمى الأنصاري شهد بدراً، وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، ثم شهد أحداً، وما بعدها من المشاهد وكان أحد السبعين ليلة العقبة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين المقداد بن الأسود، يكنى أبا عبد الله توفي بالمدينة سنة ثلاثين. قال ابن إسحاق: كان خارصاً بعد عبد الله بن رواحة. (فأخذ بيدينا) بالتثنية. وفي مسلم: بأيدينا أي بلفظ الجمع. (فدفعنا) أي أخرنا. قال الطيبي: لعله ﷺ أخذ بيمينه شمال أحدهما، وبشماله يمين الآخر فدفعهما. (حتى أقامنا خلفه) فيه أن الإمام إذا كان معه عن يمينه مأموم، ثم جاء مأموم آخر، ووقف عن يساره، فله أن يدفعهما خلفه إذا كان لوقوفهما خلفه مكان، أو يتقدمهما. يدل عليه حديث سمرة الآتي في الفصل الثاني. وفيه أن موقف الرجلين مع الإمام في الصلاة خلفه. قال النووي: في الحديث فوائد: منها: جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه يكره إن كان لحاجة، فإن لم يكن لحاجة كره. ومنها: أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام، وإن وقف على يساره حوله الامام. ومنها: أن المأمومين يكونان صفاً وراء الإمام كما لو كانوا ثلاثة أو أكثر. وهذا مذهب العلماء كافة إلا ابن مسعود وصاحبيه يعني الأسود وعلقمة، فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه قال: وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه- انتهى. قلت: روى مسلم في صحيحه عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فقال أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال هكذا فعل رسول الله ﷺ . وروى أحمد عن الأسود قال: دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة قال: قأقام الظهر ليصلي فقمنا خلفه فأخذ بيدي ويد عمي ثم جعل أحدها عن يمينه والآخر عن يسار، فصففنا صفاً واحداً ثم قال: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كانوا ثلاثة، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان أو لعذر آخر لا على أنه من السنة. رواه الطحاوي وقال الحازمي: أنه منسوخ؛ لأنه إنما تعلم ابن مسعود هذه الصلاة عن النبي ﷺ بمكة إذ فيها التطبيق وأحكام أخرى، هي الآن متروكة وهذه من جملتها، ولما قدم النبي ﷺ المدينة تركه بدليل حديث جابر، فإنه شهد المشاهد التى بعد بدر- انتهى. قال ابن الهمام: وغاية ما فيه خفاء الناسخ على عبد الله وليس ذلك ببعيد، إذا لم يكن دأبه ﵇ إلا إمامة الجمع الكثير دون الاثنين إلا في الندرة كهذه القصة وحديث اليتيم وهو داخل في بيت امرأة. (يعنى حديث أنس الآتي) فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه- انتهى. وقال ابن سيد الناس: وليس ذلك أي وقوف الاثنين خلف الإمام شرطاً عند أحد منهم، ولكن الخلاف في الأولى والأحسن. (رواه مسلم) في آخر صحيحه في أثناء الحديث الطويل. وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٩٥) مختصراً وأبوداود مطولاً، وهذا الذي ذكر المصنف بعضاً منه، وروى أحمد عن جابر قال: قام النبي ﷺ يصلي المغرب فجئت فقمت
стр. 1478
١١١٤- (٣) وعن أنس، قال: ((صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأم سليم خلفنا)) .
ــ
عن يساره فنهاني فجعلني عن يمينه، ثم جاء صاحب لي فصفنا خلفه- الحديث.
١١١٤- قوله: (صليت أنا ويتيم) بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع. قال صاحب العمدة: اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة. قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن أبي حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله أو من غيره من أهل المدينة. قال ضميرة: هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله ﷺ . واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك- انتهى. وقال النووي: اسم اليتيم ضميرة بن سعد الحميري. وقال المنذري: اليتيم وهو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله ﷺ ، له ولأبيه صحبة، وعدادهما في أهل المدينة (في بيتنا) متعلق بصليت. (وأم سليم خلفنا) وفي البخاري: وأمي أم سليم خلفنا. قال العيني: وأمي عطف على اليتيم، وأم سليم عطف بيان، وكانت مشتهرة بهذه الكنية، واسمها سهلة. وقيل: رميلة أو رميثة أو الرميصاء أو الغميصاء، زوجة أبي طلحة، وكانت فاضلة دينة- انتهى. قلت: أم سليم هي بنت ملحان بكسر الميم وإسكان اللام، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام من بنى النجار، وكانت أم سليم تحت مالك بن النضر، فولدت له أنساً في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، ومات بها فتزوجها بعده أبوطلحة زيد بن سهل الأنصاري، فولدت له عبد الله وأبا عمير، واسم والدة أم سليم مليكة بالتصغير بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي، فهي جدة أنس لأمه. وفي الحديث دليل على صحة الجماعة في النفل في البيوت، وعلى صحة الصلاة للتعليم والتبرك كما تدل عليه القصة، وعلى أن مقام الاثنين خلف الإمام، وعلى أن أمامة المرأة للرجال غير جائزة؛ لأنها لما زحمت عن مساواتهم في مقام الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد، وعلى وجوب ترتيب مواقف المأمومين، وأن الأفضل يتقدم على من دونه في الفضل، ولذلك قال النبي ﷺ : ليلينى منكم أولوا الأحلام والنهى، وعلى صحة صلاة الصبي المميز، وإن الصبي يعتد بوقوفه ويسد الجناح، وهو الظاهر من لفظ اليتيم إذ لا يتم بعد الاحتلام، ويؤيده جذبه ﷺ لابن عباس من جهة اليسار إلى جهة اليمين، وصلاته معه وهو صبي، وعلى أن الصبي الواحد يقوم مع الرجل صفاً، فإن اليتيم لم يقف منفرداً بل صف مع أنس، وعلى أن المرأة لا تصف مع الرجال، وعلى أنها تقوم صفاً وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها، فعدم امرأة تنضم إليها عذر في ذلك، فإن انضمت المرأة مع الرجل أجزأت صلاتها؛ لأنه ليس في الحديث إلا تقريرها على التأخر، وأنه موقفها، وليس فيه دلالة على فساد صلاتها لو صلت في غيره، وذهب أبوحنيفة إلى أنه تفسد صلاة الرجل دون المرأة، ولا دليل على ذلك. قال الحافظ: في الحديث أن المرأة لا تصف مع الرجال، وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود أخروهن من حيث
стр. 1479
رواه مسلم.
ــ
أخرهن الله، والأمر للوجوب وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه، والله المستعان. فقد ثبت النهى عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف فصلى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه- انتهى كلام الحافظ. وقال الشوكاني في السيل الجرار: إذا لم تقف المرأة في موقفها الذي عينه رسول الله ﷺ لها، وهو وقوفها في صف النساء أو وقوفها وحدها بعد الرجال فقد صارت بذلك عاصية، وأما فساد صلاتها بذلك، فلا دليل يدل عليه، وهكذا لا دليل يدل على فساد صلاة الرجال؛ لأن غاية الأمر دخول الأجنبية معهم ونظرهم إليها، وذلك لا يوجب فساد الصلاة، بل يكون من وقف بجنبها مختاراً لذلك، أو نظر إليها عاصياً، وصلاته صحيحة، وأما من لم يقف بجنبها ولا نظر إليها فليس بعاص فضلاً عن كون صلاته تفسد بمجرد دخولها معهم في الصلاة ومشاركتها لهم في الائتمام بإمامهم. والحاصل أن التسرع إلى إثبات مثل هذه الأحكام الشرعية بمجرد الرأي الخالي عن الدليل ليس من دأب أهل الأنصاف ولا من صنيع المتورعين - انتهى. واستدل الزيلعي والخطابي وابن بطال بالحديث على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، قال الزيلعي: أحكام الرجال والنساء في ذلك سواء. وقال ابن بطال: لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجال أولى، ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل، فان له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف فيقوم معه فافترقا. قال ابن خزيمة: لا يصح الاستدلال به؛ لأن المرأة خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور بها، فكيف يقاس مأمور على منهي - انتهى. (رواه مسلم) . الصواب أن يقول متفق عليه، واللفظ للبخاري كما قال الحافظ في بلوغ المرام، أو يقول رواه البخاري كما قال المجد بن تيمية في المنتقى، فإن هذه الرواية أخرجها البخاري في كتاب الصلاة في باب المرأة وحدها تكون صفاً من طريق سفيان بن عيينة عن إسحاق عن أنس، فالعجب من المصنف أنه عزا الحديث إلى مسلم فقط مع أن مسلماً لم يروه بهذا اللفظ. والظاهر أن المصنف تبع في ذلك الجزري حيث عزاه في جامع الأصول (ج٦:ص٣٩١) لمسلم والنسائي فقط. قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث طرف من حديث اختصره سفيان، وطوله مالك كما تقدم في باب الصلاة على الحصير - انتهى. قلت: الحديث المطول أخرجه أحمد ومالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبوداود والنسائي
ــ
стр. 1480
١١١٥- (٤) وعنه، ((أن النبي ﷺ صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة
خلفنا))
ــ
والظاهر أنه قضية؛ لأن المراد بالعجوز في قوله: والعجوز من وراءنا في الحديث المطول هي مليكة جدة أنس التي دعته لطعام صنعته لا أم سليم.
١١١٥- قوله: (صلى به) أي بأنس. (وبأمه) أي أم سليم. (أو خالته) شك من الراوي، واسم خالته أم حرام بنت ملحان. (قال) أي أنس. (فأقامني) أي أمرني بالقيام. (عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا) في الحديث دليل على أنه إذا حضر مع إمام الجماعة رجل وامرأة كان موقع الرجل عن يمينه وموقف المرأة خلفهما. وإنها لا تصف مع الرجال. واعلم أنه اختلفت الروايات في صلاة النبي ﷺ في بيت أنس، ففي بعضها أن مليكة جدة أنس دعته لطعام صنعته، فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصلي بكم. قال أنس: فقام رسول الله ﷺ على حصير، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من وراءنا، أخرجه أحمد (ج٣:ص ١٣١، ١٤٩) ومالك وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. وفي بعضها أنه دخل على أم سليم فأتته بتمر وسمن، وكان صائماً، فقال أعيدوا تمركم في وعائه، وسمنكم في سقائه، ثم قام إلى ناحية البيت فصلى ركعتين، وصلينا معه-الحديث. أخرجه أحمد من طريق حميد عن أنس في (ج٣:ص١٠٨، و١٨٨) وعند أبي داود من طريق ثابت عن أنس أنه دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر، فقال: ردوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فاني صائم، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا، قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه، وفي بعضها: أنه صلى في بيت أم حرام، فأقام أنساً عن يمينه، وأم حرام خلفهما، وهو عند أحمد (ج٣:ص٢٠٤) من طريق ثابت عن أنس. وفي بعضها أنه صلى، ومعه أنس وأم سليم فجعل أنساً عن يمينه وأم سليم خلفهما، وهو عند أحمد أيضاً (ج٣:ص٢١٧) من طريق ثابت. وروى أحمد (ج٣:ص١٩٤-١٩٥) والنسائي من طريق شعبة عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس عن أنس أن النبي ﷺ جعل أنساً عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما. وروى أحمد (ج٣:ص١٦٠و١٩٣-١٩٤ و٢١٧ و٢٣٩ و٢٤٢) ومسلم وأبوداود والنسائي هذا المعنى أيضاً من حديث ثابت عن أنس، وفي بعضها أنه صلى بأنس وبإمراة من أهله فجعله عن يمينه، والمرأة خلفهما وهو عند أحمد (ج٣:ص٢٥٨ و٢٦١) وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وفي بعضها ما يدل على أنه كان يزورهم، فربما تحضره الصلاة، وهو عند أحمد (ج٣:ص٢١٢) ومسلم، وهو يدل على أنه كان في بعض أحيانه يصلي الفريضة عندهم. وفي بعضها ورد التصريح بأنه صلى بهم تطوعاً، كما في رواية لأحمد (ج٣:ص١٦٠) وأبي داود. وقد ظن بعضهم هذا الاختلاف موجباً للاضطراب. والحق أنه لا اضطراب ههنا؛ لأن صلاته ﷺ في بيت أنس وأمه وخالته وجدته، ليست حادثة واحدة، بل هي حوادث متعددة مختلفة، كما يدل عليه
стр. 1481
رواه مسلم.
١١١٦- (٥) وعن أبي بكرة، ((أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم مشى إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد))
ــ
اختلاف سياق هذه الروايات، فلا تعارض بينها. كذا حققه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي. (رواه مسلم) من طريق شعبة عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣:ص٢٥٨ وص٢٦١) وأبوداود والنسائي وابن ماجه من هذا الطريق، لكنهم أبهموا المرأة. فلفظ أحمد وأبي داود: أن رسول الله ﷺ أم أنساً وامرأة منهم. ولفظ النسائي: صلى بي وبمرأة من أهلي. ولفظ ابن ماجه: صلى بامرأة من أهله وبي.
١١١٦- قوله: (أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع) أي والحال أن النبي ﷺ راكع. وفي رواية النسائي: أنه دخل المسجد والنبي ﷺ راكع. وعند الطبراني. أنه دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى، وللطحاوي: جئت ورسول الله ﷺ راكع وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف. (فركع) أي كبر قائماً وركع. (قبل أن يصل إلى الصف) ليدرك النبي ﷺ في الركوع. (ثم مشى إلى الصف) ليس هذا عند البخاري، وإنما هو عند أحمد (ج٥ ص٤٥) وأبي داود، ولفظهما: فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف. (فذكر) على البناء للمفعول، وقيل: معلوم. (ذلك) أي الذي فعله أبوبكرة من السعي والركوع دون الصف، والمشي إلى الصف راكعاً. وفي رواية للطبراني: فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: أيكم دخل الصف وهو راكع؟ ولأبي داود: فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبوبكرة أنا. وفي رواية أخرى للطبراني فقال: من الساعي؟ وله أيضاً فقال: أيكم صاحب هذا النفس، قال: خشيت أن تفوتني الركعة معك، وله أيضاً في رواية في آخر الحديث: صل ما أدركت واقض ما سبقك. (زادك الله حرصاً) أي على طلب الخير. (ولا تعد) أي أن منشأ هذا الفعل، هو الحرص على العبادة وإدراك فضل الإمام، والحرص على الخير مطلوب محبوب، لكن لا تعد إلى مثل هذا الفعل لأجله؛ لأن الحرص لا يستعمل على وجه يخالف الشرع، وإنما المحمود أن يأتي به على وفق الشرع. وقوله: لا تعد بفتح أوله وضم العين من العود. قال الحافظ في التلخيص (ص١١٠) : اختلف في معنى قوله: ولا تعد: فقيل: نهاه عن العود إلى الإحرام وخارج الصف، وأنكر هذا ابن حبان، وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة، يعني أنه نهاه عن التأخر عن الصلاة حتى تفوته الركعة مع الامام. وقال ابن القطان الفاسي تبعاً للمهلب بن أبي صفرة معناه: لا تعد إلى
стр. 1482
دخولك في الصف، وأنت راكع فإنها كمشية البهائم. ويؤيده رواية حماد بن سلمة في مصنفه عن الأعلم عن الحسن عن ابي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله ﷺ يصلي وقد ركع، فركع ثم دخل الصف وهو راكع فلما انصرف النبي ﷺ قال: أيكم دخل في الصف وهو راكعن فقال له أبوبكرة: أنا، فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد، وقال غيره: بل معناه لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعاً، واحتج بما رواه ابن السكن في صحيحه بلفظ: أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف، فلما قضى الصلاة قال: من الساعي آنفاً، قال أبوبكرة أنا، فقال زادك الله حرصًا ولا تعد- انتهى. وقال في الفتح قوله: "لا تعد" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود، أي لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم من الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف. وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحاً في طرق حديثه، كما تقدمت، وحكى بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله وكسر العين من الإعادة، ويؤيد الروايات المشهورة ما ورد من الزيادة في آخر الحديث عند الطبراني: صل ما أدركت واقض ما سبقك. وروى الطحاوي: بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا أتى احدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف- انتهى. وقال: الجزري لا تعد بفتح التاء وضم العين وإسكان الدال من العود، أي لا تعد ثانياً إلى مثل ذلك الفعل، وهو المشي إلى الصف في الصلاة. ويحتمل أن يكون نهاه عن اقتدائه منفرداً. ويحتمل أن يكون عن ركوعه قبل الوصول إلى الصف، والظاهر أنه نهى عن ذلك كله. وقد أبعد من قال: ولا تعد بضم التاء وكسر العين من الإعادة أي لا تعد الصلاة التي صليتها، وأبعد منه من قال إنه بإسكان العين وضم الدال من العَدو أي لا تسرع، وكلاهما لم يأت به رواية، وإنما يحملهم على ذلك في أمثاله من تحريفهم ألفاظ النبوة وتغييرها كونهم لم يحفظوها أو ما وصلت إليهم بالرواية، فيذكرون ما يحتمله الخط لعدم معرفتهم باللفظ المروي- انتهى. واخنلف في الركوع دون الصف، فذهب مالك والليث إلى أن الداخل إذا خاف فوت الركعة بأن يرفع الإمام رأسه من الركوع إن تمادى حتى يصل إلى الصف أن له أن يركع دون الصف، ثم يدب راكعاً إذا كان قريباً، وحد القرب أن يصل إلى الصف قبل سجود الامام. وقيل: يدب قدر ما بين الفرجتين. وقيل: ثلاثة صفوف. وكره ذلك الشافعي. وفرق أبوحنيفة بين الجماعة والواحد، فكرهه للواحد، وأجازه للجماعة. وما ذهب إليه مالك روي عن زيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وأبي أمامة وعطاء. وروى الطبراني في الأوسط من حديث ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء سمع ابن الزبير على المنبر يقول: إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعاً حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة، قال: قد رأيته يصنع ذلك. قال ابن جريج: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك، قال الطبراني: تفرد به ابن وهب، ولم يروه عنه غير حرملة، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد- انتهى. قلت: قد رواه البيهقي (ج٣ ص١٦) من
стр. 1483
طريق سعيد بن الحكم بن أبي مريم عن ابن وهب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٩٦) بعد غزوة للطبراني: رجاله رجال الصحيح. قلت: القول الراجح المعتمد المعول عليه هو المنع لحديث أبي بكرة، ولما روى الطحاوي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد حسن: إذا جاء أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف، وإليه ذهب أبوهريرة، كما أخرج عنه ابن عبد البر وابن أبي شيبة، وبه قال الحسن وإبراهيم. واستدل بحديث أبي بكرة على أن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه، واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئاً من القيام والقراءة؛ لأن أبابكرة ركع خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فدعا له بزيادة الحرص، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة، وهذا مذهب الجمهور. وذهب أبوهريرة وأهل الظاهر وابن خزيمة وأبوبكر الضبعي والبخاري إلى أنه لا تجزئه تلك الركعة إذا فاته القيام وقراءة فاتحة الكتاب وإن أدرك الركوع مع الإمام. وقد حكى هذا المذهب الحافظ في الفتح عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقهاً وحديثاً، فلم أحصل منها غير ما ذكرت، يعني من عدم الاعتداد بادراك الركوع فقط، وهو القول الراجح عندي، فلا يكون مدرك الركوع مدركاً للركعة لما فاته من القيام وقراءة فاتحة الكتاب، وهما من فروض الصلاة وأركانها، ولحديث: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. قال الحافظ: قد استدل به على أن من أدرك الإمام راكعاً لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمامه ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه- انتهى. وأما حديث أبي بكرة فليس فيه ما يدل على ما ذهب الجمهور إليه؛ لأنه كما لم يأمر بالإعادة فلم ينقل إلينا أنه اعتد بها، والدعاء بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتمداً به أم لا، كما في حديث: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً. رواه أبوداود وغيره، على أن النبي ﷺ قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك، والاستدلال بشيء قد نهي عنه لا يصح، كذا ذكره الشوكاني في النيل. قلت: زيادة الطبراني في آخر حديث أبي بكرة بلفظ: صل ما أدركت واقض ما سبقك تدل على عدم اعتداد تلك الركعة، ويدل عليه أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن معاذ بن جبل، قال: لا أجده على حال إلا كنت عليها، وقضيت ما سبقني، فوجده قد سبقه، يعني النبي ﷺ ، ببعض الصلاة أو قال: ببعض ركعة، فوافقه فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد السلام، فقال ﷺ : إن معاذاً قد سن لكم، فهكذا فاصنعوا. وقال شيخنا في شرح الترمذي بعد ترجيح قول أهل الظاهر ومن وافقهم: أما حديث أبي بكرة فواقعه عين، يعني أنه يجري فيه من الاحتمالات ما لا يجري في الأدلة القولية التي هي نص في فرضية القيام، وقراءة فاتحة الكتاب، والأمر بإتمامه ما فاته. ورجح الشوكاني في فتاواه التي سماه ولده أحمد بن محمد بن علي الشوكاني
стр. 1484
رواه البخاري.
﴿الفصل الثاني﴾
١١١٧- (٦) عن سمرة بن جندب، قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا) رواه الترمذي.
ــ
بالفتح الرباني، القول باعتداد تلك الركعة خلاف ما حققه في شرح المنتقى، حيث جعل تلك الحالة التي وقعت للمؤتم وهي إدراك إمامه راكعاً مخصصة من عموم أدلة إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة على كل مصل. واستدل لذلك بما روى ابن خزيمة والدارقطني (١٣٢) والبيهقي (ج٢ ص٨٩) عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه. وإليه ذهب بعض أهل الحديث في عصرنا. والجواب عنه أولاً أن في سنده يحيى بن حميد، وهو مجهول الحال غير معتمد في الحديث كما قال البخاري في جزء القراءة، وضعفه الدارقطني، وذكره العقيلي في الضعفاء وقد تفرد بقوله: قبل أن يقيم الإمام صلبه. قال العقيلي: وقد رواه مالك وغيره من الحفاظ أصحاب الزهري، ولم يذكروا الزيادة الأخيرة، ولعلها كلام الزهري. وقال ابن أبي عدي بعد أن أورد الحديث: تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره. كذا في اللسان (ج٦ ص٢٥٠) ، وفيه أيضاً قرة بن عبد الرحمن، وهو متكلم فيه، وثانياً بعد تسليم صحة الزيادة المذكورة أنه قد عرف في موضعه أن مسمى الركعة جميع أركانها وأذكارها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول. وأما التقييد بقوله: قبل أن يقيم الإمام صلبه فلدفع توهم أن من دخل مع الإمام، ثم قرأ فاتحة الكتاب، وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك. وارجع لمزيد التفصيل إلى دليل الطالب على أرجح المطالب (ص٣٣٩- ٣٤٥) للعلامة القنوجي، فإنه قد بسط الكلام في ذلك أشد البسط. (رواه البخاري) فيه نظر؛ لأن قوله: ثم مشى إلى الصف ليس في البخاري. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن حبان والبيهقي (ج٣ ص١٠٦) .
١١١٧- قوله: (أن يتقدمنا أحدنا) اختلفت نسخ الترمذي في هذا الحرف: ففي بعضها كما وقع ههنا، وكذلك نقله الجزري في جامع الأصول (ج٦ ص٣٩٢) وفي بعضها أن يتقدم أحدنا، وهذه توافق ما نقله المجد ابن تيمية في المنتقى، وفي بعضها أن يتقدمنا إمامنا، وفي بعضها أن يتقدم منا أحدنا. قال الطيبي: قوله: أن يتقدمنا معمول لقوله: أمرنا على حذف الباء، أي بأن يتقدمنا أحدنا. وإذا كنا ظرف يتقدمنا، وجاز تقديمه على أن المصدرية للاتساع في الظروف- انتهى. والمعنى أمرنا بأن يكون أحدنا إماماً. وفيه دليل على أن موقف الاثنين مع الإمام في الصلاة خلفه. (رواه الترمذي) من حديث إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن سمرة.
стр. 1485
١١١٨- (٧) وعن عمار، أنه أم الناس بالمدائن، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدم
حذيفة فأخذ على يديه،
ــ
قال الترمذي: حديث غريب، وقد تكلم بعض الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه- انتهى. قلت: ونقل الشوكاني في النيل عن الأطراف لابن عساكر أنه نقل عن الترمذي أنه قال فيه: حسن غريب، قال وذكر ابن العربي أنه ضعفه، وليس فيما وقفنا عليه من نسخ الترمذي إلا أنه قال: إنه حديث غريب. ولعل المراد بقول ابن العربي أنه ضعفه، أي أشار إلى تضعيفه بقوله: وقد تكلم الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه بعد أن ساق الحديث من طريقه، وإسماعيل هذا تابعي روى عن أبي طفيل عامر بن واثلة كان فقيهاً مفتياً ضعيفاً في الحديث من قبل حفظه، يهم في الحديث، ويخطىء ويكثر الغلط، ضعفه الجوزجانى وأبوزرعة وأبوحاتم وابن حبان وأبوعلى الحافظ. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مخلطاً، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب. وقال ابن عيينة: كان يخطئ، أسأله عن الحديث، فما كان يدري شيئاً. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث مختلط. وقال أبوطالب عن أحمد: منكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يسند عن الحسن عن سمرة أحاديث مناكير، وقال الفلاس: كان ضعيفاً في الحديث يهم فيه، وكان صدوقاً يكثر الغلط. وذكره العقيلي والدولابي والساجي وابن الجارود وغيرهم في الضعفاء. وقال ابن سعد في الطبقات (ج٧ ص٣٤) : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: كان له رأي وفتوى وبصر وحفظ للحديث وغيره، وكان الناس عليه، وعلى عثمان البتي، وكان مجلس إسماعيل ويونس بن عبيد واحداً، فكنت أجىء فأجلس إليهما، فأكتب على إسماعيل، وأدع يونس لنباهة إسماعيل عند الناس لما كان شهر به من الفتوى- انتهى. وقال الحافظ في التقريب: كان فقيهاً ضعيف الحديث- انتهى. وحديث سمرة هذا لم أجده في غير سنن الترمذي، ولم أجد أحداً نسبه إلى غيره، وقد تكلم الناس في سماع الحسن عن سمرة، لكنه مؤيد بما تقدم من حديثي جابر وأنس في الفصل الأول.
١١١٨- قوله: (عن عمار أنه أم الناس) أي صلى بالناس إماماً. (بالمدائن) بالهمز مدينة قديمة على دجلة وكانت دار مملكة الأكاسرة على سبعة فراسخ من بغداد. ولفظ أبي داود عن عدي بن ثابت: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار. (وقام على دكان) أي مكان مرتفع وحده بضم الدال المهملة وتشديد الكاف واحد دكاكين، وهي الحوانيت فارسي معرب، والنون مختلف فيها: فمنهم من يجعلها أصيلة، ومنهم من يجعلها زائدة. فالدكان هي الدكة بفتح الدال، وهو المكان المرتفع المبني للجلوس عليه. (يصلي) بالناس. (والناس) أي المقتدون به. (أسفل منه) أي في مكان أسفل منه. (فتقدم حذيفة) أي من الصف. (فأخذ على يديه) أي أخذ حذيفة على يدي عمار وأمسكهما، فجذب عماراً من خلفه لينزل إلى أسفل ويستوي
стр. 1486
فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: إذا أم الرجل القوم فلا يقيم في مقام ارفع من مقامهم، أو نحو ذلك؟ فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.
ــ
مع المقتدين. (فأتبعه) بالتشديد. (عمار) أي طاوع عمار حذيفة. (حتى أنزله) أي عماراً من الدكان. (إذا أم الرجل القوم) أي صار إماماً لهم يصلي بهم. (أو نحو ذلك) عطف على مفعول يقول. وأو للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو نحوه. (فقال عمار) أي في جواب حذيفة. وفي أبي داود قال عمار، أي بدون الفاء. (لذلك) أي لأجل هذا الحديث. قال القاري: أي لأجل سماعي هذا المنهي منه أولاً، وتذكرى بفعلك ثانياً. (اتبعتك) أي في النزول. (حين أخذت على يدى) بالتثنية. والحديث دليل على كراهة أن يرتفع الإمام في المكان على المأموم الذي يقتدي به، سواء كان المكان قدر قامة الرجل أو دونها أو فوقها، لكن في سنده رجل مهمول، كما يتقدم. ويؤيد منع ارتفاع الإمام مطلقاً ما روى أبوداود والحاكم والبيهقي عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبومسعود بقيمصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين مددتني. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال النووي رواه أبوداود باسناده صحيح. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٢٨) : وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. وفيه أن حذيفة هو الإمام، وأبومسعود هو الذي أخذ بقيمصه فجذبه. ولا تخالف لأنهما قضيتان، ولا بعد أن حذيفة وقع له ذلك مع أبي مسعود قبل واقعته مع عمار. ويؤيد المنع أيضاً ما روى الدارقطني والحاكم عن أبي مسعود، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء، والناس خلفه، يعني أسفل منه. ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وسكت عنه الحاكم والذهبي أيضاً، وسيأتي هذا الحديث في آخر باب المشي مع الجنازة والصلاة عليها، قال الشوكاني في النيل: ظاهر النهي في حديث أبي مسعود أن ذلك محرم لولا ما ثبت عنه ﷺ من الارتفاع على المنبر، قال: والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره، وبين القامة ودونها وفوقها؛ لقول أبي مسعود كانوا ينهون عن ذلك، وقول أبي مسعود أيضاً: نهى رسول الله ﷺ الحديث. وأما صلاته ﷺ على المنبر فقيل: إنما فعل ذلك لغرض التعليم كما يدل عليه قوله الآتي: ولتعلموا صلاتى، وغاية ما فيه جواز وقوف الإمام على محل أرفع من المأمومين إذا أراد تعليمهم. قال ابن دقيق العيد: فيه أي في حديث سهل بن سعد الآتي دليل على جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه المأموم لقصد التعليم. فأما من غير هذا القصد فقد قيل: بكراهته، قال ومن أراد أن يجيز هذا الارتفاع من غير قصد التعليم فاللفظ لا يتناوله. والقياس لا يستقيم؛ لانفراد الأصل بوصف معتبر يقتضي المناسبة اعتباره- انتهى. على
стр. 1487
رواه أبوداود.
١١١٩- (٨) وعن سهل بن سعد الساعدي، أنه سئل: من أي شيء المنبر؟ فقال: هو من أثل الغابة، عمله
ــ
أنه قد تقرر في الأصول أن النبي ﷺ إذا نهى عن شيء نهياً يشمله بطريق الظهور، ثم فعل ما يخالفه كان الفعل مخصصاً له من العموم دون غيره، حيث لم يقم دليل على التأسي به في ذلك الفعل، فلا تكون صلاته ﷺ معارضة للنهي عن الارتفاع باعتبار الأمة، وهذا على فرض تأخر صلاته على المنبر عن النهي من الارتفاع، وعلى فرض تقدمها أو التباس المتقدم من المتأخر فيه الخلاف المعروف في الأصول في التخصيص بالمتقدم والملتبس- انتهى. كلام الشوكاني في النيل. وقال في السيل الجرار: في هذين الحديثين دليل على منع الإمام من الارتفاع عن المؤتم، ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه لحديث صلاته ﷺ على المنبر، ومن قال: إنه ﷺ فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر الحديث فلا يفيده ذلك؛ لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره، ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي ﷺ . وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة جواباً عن سؤال بعض الأعلام، فمن أحب تحقيق المقام فليرجع إليها- انتهى. قلت: وذهب إلى الجواز مطلقاً من غير كراهة ابن حزم، كما صرح به في المحلى (ج٤ ص٨٤) مستدلاً بحديث سهل قال: وهو قول الشافعي وأبي سليمان، وبمثل قولنا يقول أحمد بن حنبل والليث بن سعد والبخاري وغيرهما- انتهى. والراجح عندي هو المنع. وأما حديث سهل فإنما فعل ذلك للتعليم، أي لغرض أن لا يخفي على أحد صلاته، وهذا لا يثبت منه الجواز مطلقاً، والله أعلم. واختلفوا في قدر الارتفاع الممنوع. فقيل: قدر القامة. وقيل: قدر الذراع. وقيل: ما يقع به الامتياز، وهو الأوجه. ذكره الكمال وغيره. وكذا في الدر المختار. (رواه أبوداود) ومن طريقه أخرج البيهقي (ج٣ ص١٠٩) وسكت عنه أبوداود، وقد تقدم أن في سنده رجلاً مجهولا، لكنه مؤيد بحديثي أبي مسعود.
١١١٩- قوله: (عن سهل) بسكون الهاء. (بن سعد) بسكون العين الساعدي. (أنه سئل) رواه البخاري من طريق أبي حازم سلمة بن دينار، قال: سألوا سهل بن سعد. (من أي شيء المنبر) النبوي المدني. فاللام فيه للعهد، إذ السؤال عن منبره ﷺ . وفي رواية: أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر ثم عوده فسألوه عن ذلك. (هو من أثل الغابة) وفي رواية، من طرفاء الغابة. والأثل بفتح الهمزة وسكون المثلة هو الطرفاء. وقيل: شجر يشبه الطرفاء بسكون الراء والمد إلا إنه أعظم منه. قال القسطلاني: الأثل شجر كالطرفاء لا شوك له، وخشبة جيد، يعمل منه القصاع والأواني، وورقه أشنان يغسل به القصارون؛ والغابة بالمعجمة والموحدة موضع معروف قرب المدينة من العوالي من جهة الشام، وأصلها كل شجر ملتف. (عمله) أي المنبر.
стр. 1488
فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري، حتى سجد بالأرض)) .
ــ
(فلان) بضم الفاء بالتنوين. واختلف في اسمه: فقيل: ميمون، وقيل: باقوم الرومي، وقيل: باقول، وقيل: صباح، وقيل: قبيصة المخزومي، وقيل: كلاب، وقيل: ميناء، وقيل: تميم الداري. قال الحافظ: وأشبه الأقوال بالصواب وأقربها قول من قال: هو ميمون لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضاً. وأما الأقوال الأخر فلا اعتداد بها لوهائها. ويبعد جداً أن يجمع بينهما بأن النجار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله فيمنع منه قوله في كثير من الروايات لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، إلا أن كل يحمل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه فيمكن. (مولى فلانة) بعدم الصرف للثأنيث والعلمية. قال الحافظ: لا يعرف اسمها لكنها أنصارية، وقيل: اسمها عائشة، قاله البرماوى كالكرمانى. ورواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر بلفظ: وأمرت عائشة فصنعت له منبره، لكن إسناده ضعيف. ولو صح لما دل على أن عائشة هى المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف. وكان منبر النبي ﷺ ثلاث درجات، واستمر على ذلك مدة الخلفاء الراشدين، ثم زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، فهي من جملة ما أحدث في المساجد من البدع المكروهة. (لرسول الله) أي لأجله. (وقام عليه) أي على المنبر. قال الحافظ: كانت صلاته على الدرجة العليا من المنبر. (حين عمل ووضع) بالبناء للمفعول فيهما أي حين صنع ووضع في مكانه المعروف بالمسجد. (وكبر) أي للتحريمة. (وقام الناس خلفه) اقتداء به. (ثم رجع القهقري) بالقصر منصوب على أنه مفعول مطلق بمعنى الرجوع إلى خلف، أي رجع الرجوع الذي يعرف بذلك، وإنما فعل بذلك لئلا يولى ظهره القبلة. (فسجد على الأرض) إلى جنب الدرجة السفلى من المنبر. (حتى سجد بالأرض) قال القسطلاني: لاحظ في قوله: على الأرض معنى الاستعلاء، وفي قوله: بالأرض معنى الإلصاق- انتهى. قيل: قوله عمله الخ زيادة في الجواب، كأنه قيل: المهم أن يعرف هذه المسألة الغريبة، وإنما ذكر حكاية صنع الصانع تنبيهاً على أنه عارف بتلك المسألة وما يتصل بها من الأحوال والفوائد. والحديث قد استدل به البخاري على جواز الصلاة على المنبر والخشب. قال الحافظ: وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، وقد صرح بذلك البخاري في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، ولابن دقيق العيد في ذلك بحث كما تقدم، وفيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة، لكن
стр. 1489
هذا لفظ البخاري، وفي المتفق عليه نحوه، وقال في آخره: فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: ((أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتى)) .
١١٢٠- (٩) وعن عائشة، قالت: صلى رسول الله ﷺ في حجرته،
ــ
فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل بثلاث خطوات، فإن منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات، والصلاة كانت على العليا، ومن ضرورة ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر وأقله ثلاث. والذي يعتذر به عن هذا أن يدعى عدم التوالى بين الخطوات، فإن التوالى شرط في الإبطال، أو ينازع في كون قيام هذه الصلاة فوق الدرجة العليا، ذكره ابن دقيق العيد. (هذا لفظ البخاري) في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب. وأشار المصنف بهذا إلى أن هذا الحديث من الفصل الأول، وإنما أورده هنا تأسياً بالمصابيح، حيث ذكره في الحسان ليبين أنه مقيد لما قبله، يعني أن ارتفاع الإمام عن المأموم مكروه إلا لغرض التعليم. (وفي المتفق عليه نحوه) أخرجه البخاري في باب الخطبة على المنبر من كتاب الجمعة، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي. (وقال) أي الراوى (في آخره) أي في آخر الحديث: المتفق عليه. (فلما فرغ) أي من الصلاة. (أقبل على الناس) بوجهه الشريف. (فقال) مبيناً لأصحابه حكمة ذلك. (إنما صنعت هذا) أي ما ذكر من الصلاة على المكان المرتفع. (لتأتموا بي) أي لتقتدوا بي في الصلاة أولاً. (ولتعلموا) بكسر اللام وفتح المثناة الفوقية والعين وتشديد اللام، أي لتتعلموا، فخذفت إحدى التائين تخفيفاً (صلاتى) أي كيفيتها ثانياً. وقد عرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض. وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل.
١١٢٠- قوله: (صلى رسول الله ﷺ ) أي التراويح، قاله القاري. (في حجرته) اختلف في تفسيره الحجرة، فالأكثر على أن المراد بها المكان الذي اتخذه حجرة في المسجد من الحصير للاعتكاف في رمضان. وقيل: المراد حجرته بيته، فقد روى البخاري من حديث عبدة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته. وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته-الحديث. قال الحافظ: قوله: في حجرته ظاهره أن المراد حجرة بيته. ويدل عليه ذكر جدار الحجرة. وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عند أبي نعيم بلفظ: كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه. ويحتمل أن المراد الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي بعد هذه، يعني ما رواه البخاري وغيره من حديث أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل،
стр. 1490
والناس يأتمون به من وراء الحجرة))
ــ
فثاب إليه أناس فصفوا، قال الحافظ: غرض البخاري من إيراده بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية التي قبل هذه كانت حصيراً. وقال العيني: لعل مراده منه بيان أن الحجرة المذكورة في الحديث المذكور قبل هذا كانت حصيراً، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وكل موضع حجر عليه فهو حجرة- انتهى. وفي حديث زيد بن ثابت الذي رواه البخاري بعد رواية عائشة السابقة، أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد- الحديث. ولأحمد وأبي داود ومحمد بن نصر عن أبي سلمة عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها. قال الحافظ: فأما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار وفي نسبته الحجرة إليها. وقال العيني بعد ذكر حديث زيد بن ثابت: وجاء في رواية: احتجر بخصفة أو حصير في المسجد. وفي رواية: صلى في حجرتي، روته عمرة عن عائشة، وفي رواية: فأمرني فضربت له حصيراً يصلي عليه. ولعل هذه كانت في أحوال- انتهى. قلت: الراجح عندي هو الحمل على التعدد. (والناس يأتمون به) أي يقتدون به. (من وراء الحجرة) أي خلفها وفيه دليل على أن الحائل بين الإمام والمؤتمين غير مانع من صحة الصلاة؛ لأن مقتضاه أنهم كانوا يقتدون به، وهو داخل الحجرة، وهم خارجها، وقد بوب له أبوداود: باب الرجل يأتم بالامام، وبينهما جدار، وبوب البخاري على روايتي عمرة وأبي سلمة عن عائشة، وحديث زيد بن ثابت: باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، وذكر فيه قول الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر، وقول أبي مجلز (لاحق بن حميد التابعي المشهور) : يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبير الامام. قال العيني: جواب إذا محذوف تقديره لا يضره ذلك، والمسألة فيها خلاف، لكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز، وهو مذهب المالكية أيضاً، وهو المنقول عن أنس وأبي هريرة وابن سيرين وسالم. وكان عروة يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه وبين الإمام نهر صغير أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة، يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة، وروي عن عمر بن الخطاب إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبوحنيفة لا يجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة قي الطريق، وبه قال الليث والأوزاعي والأشهب- انتهى. قلت: مذهب الحنيفة أنه إنما يجوز ذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يلتبس على المأموم حال الإمام، والثاني: أن لا يختلف المكان بينهما، والمسجد في حكم مكان واحد، والثالث: وهو تتمة الثاني أن لا يمنع التبعية في المكان. وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنه لم يوجد فيها ما يخالف هذه الشروط؛ لأن المسجد كله مكان واحد. وفي المكان الواحد عند حيلولة الجدار يكفي علم انتقالات الإمام فقط ولو بمجرد صوته، وهو المفتى به، ولا يحتاج إلى المنافذ أو غيرها، واعتبروا في الصحراء تباعد قدر ثلاث صفوف إذ لم تتصل الصفوف، فإن كان بينهما طريق
стр. 1491
رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١١٢١- (١٠) عن أبي مالك الأشعري، قال: ((ألا أحدثكم بصلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: أقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال: هكذا صلاة ـ قال عبد الأعلى:
ــ
أو نهر تجرى فيه السفينة منعوا مطلقاً، وعدوه كأنه مكان مختلف، واستدلوا لذلك بأثر عمر الذي ذكره العيني بلا سند. وقال ابن حجر: ليس في الحديث دليل لما قاله عطاء وغيره أن الشرط في صحة القدوة بشخص علمه بانتقالاته لا غير، أما أولا فلأنه لو اكتفى بذلك لبطل السعي المأمور به والدعاء إلى الجماعة، وكان كل أحد يصلي في بيته وسوقه بصلاة الإمام في المسجد وهو خلاف الكتاب والسنة، فاشترط اتحاد موقف الإمام والمأموم على ما فصل في الفروع؛ لأنه من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان واحد عرفاً، كما عهد عليه الجماعات في العصور الخالية، ومبنى العبادات على رعاية الاتباع. وأما ثانيا فلأن المراد بالحجرة كما قالوه المحل الذي اتخذه ﵇ في المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف. ويؤيده الخبر الصحيح أنه ﵇ اتخذ حجرة من حصير صلى ليالي فيها- انتهى. (رواه أبوداود) في أواخر أبواب الجمعة من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وهو حديث صحيح سكت عنه أبوداود والمنذري، وقد أخرجه البخاري أيضاً بنحوه، كما تقدم.
١١٢١- قوله: (ألا أحدثكم) يحتمل أن تكون ألا للتنبيه، وهو الظاهر. ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا للنفي. (قال) أي أبومالك. (أقام) وفي أبي داود: فأقام، وكذا في جامع الأصول (ج٦ ص٣٩١) أي أمر رسول الله ﷺ بإقامة الصلاة أو أقامها بنفسه. (وصف الرجال) وفي أبوداود: فصف الرجال، وكذلك نقله الجزري في جامع الأصول، أي صفهم رسول الله ﷺ صفاً مقدماً، يقال صففت القوم فاصطفوا. (وصف خلفهم) أي خلف الرجال. (الغلمان) الصبيان والولدان، زاد أحمد في روايته: وصف النساء خلف الولدان. (ثم صلى بهم) أي بالرجال والغلمان. (فذكر) أى وصف الراوي أي أبومالك (صلاته) أي كيفية صلاة رسول الله ﷺ . وهذا قول أبوداود. اختصر الحديث. وأخرجه أحمد في مسنده مطولاً (ج٥ ص٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤) . (ثم قال) أي رسول الله ﷺ وهو عطف على محذوف، أي قال أبومالك قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، ثم قال قال رسول الله ﷺ : هكذا صلاة أمتي. (هكذا) أي مثل ما صليت لكم (صلاة قال عبد الأعلى) أي الراوي
стр. 1492
لا أحسبه إلا قال - أمتي)) . رواه أبوداود.
١١٢٢- (١١) وعن قيس بن عباد، قال: ((بينا أنا في المسجد، في الصف المقدم، فجبذني رجل من خلفي جبذة، فنحانى، وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتي.
ــ
عن قرة عن خالد عن بديل بن مسيرة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك. وعبد الأعلى هذا هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي بالمهملة من بني سامة بن لوي، أبومحمد، وكان يغضب إذا قيل له أبوهمام، ثقة. (لا أحبسه) أي شيخي قرة. (إلا قال أمتي) أي هكذا صلاة أمتي. والمعنى أنه ينبغي لهم أن يصلوا هكذا. وفي رواية البيهقي: ثم قال: هكذا صلاة، قال عبد الأعلى: لا أحبسه إلا قال: صلاة النبي ﷺ . ولأحمد من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري عن شهر بن حوشب: فلما قضى. (أى أبومالك) صلاته أقبل إلى قومه بوجهه فقال: احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي، فإنها صلاة رسول الله ﷺ التي كان يصلي لنا. والحديث يدل على ترتيب صفوف الرجال والصبيان والنساء، بأن تكون صفوف الرجال مقدمة، ثم صفوف الصبيان، ثم صفوف النساء. قال السبكى: هذا إذا كان الغلمان اثنين فصاعداً، فإن كان صبي واحد دخل مع الرجال ولا ينفرد خلف الصف. ويدل على ذلك حديث أنس المتقدم في الفصل الأول، فإن اليتيم لم يقف منفرداً بل صف مع أنس. وقال أحمد بن حنبل: يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام إلا من قد احتلم وأنبت وبلغ خمس عشرة سنة. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى صبياً في الصف أخرجه، وكذلك عن أبي وائل وزر بن حبيش. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه أحمد والبيهقي (ج٣ ص٩٧) وفي سنده عندهم جميعاً شهر بن حوشب، وفيه مقال.
١١٢٢- قوله: (عن قيس بن عباد) بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة الضبعي أبي عبد الله البصري، ثقة من كبار التابعين، مخضرم، مات بعد الثمانين، ووهم من عده في الصحابة، كذا في التقريب، قدم المدينة في خلافة عمر، وروى عنه وعن علي وأبي ابن كعب وغيرهم، كان من كبار الصالحين، وثقة ابن سعد والعجلي والنسائي وابن خراش، وذكره ابن مخنف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث، وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. (بينا أنا في المسجد) النبوي. (في الصف المقدم، فجبذني) قال الطيبي: مقلوب جذبني، أي جرني. (فنحاني) بتشديد الحاء المهملة، أي بعدني وأخرني عن الصف المقدم. (وقام مقامي) أي مكاني. (فو الله ما عقلت صلاتي) أي ما دريت كيف أصلي وكم صليت لما فعل بي ما فعل، ولما حصل عندي بسبب تأخري عن المكان الفاضل مع سبقي إليه واستحقاقي له، فانتفاع العقل مسبب عما قبله، والقسم معترض.
стр. 1493
فلما انصرف. إذا هو أبي بن كعب. فقال: يا فتى! لا يسوءك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نلبه، ثم استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقد ورب الكعبة، ثلاثاً، ثم قال: والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلوا. قلت: يا أبا يعقوب! ما تعني بأهل العقد؟ قال: الأمراء)) . رواه النسائي.
ــ
(فلما انصرف) أي ذلك الرجل الذي جبذني. (إذا هو أبي بن كعب) من أكابر الصحابة (فقال) أي لي إذ فهم مني التغير بسبب ما فعله معي تطيباً لخاطري. (لا يسؤك الله) قال الطيبي: كان ظاهر لا يسؤك ما فعلت بك. ولما كان ذلك من أمر الله وأمر رسوله أسنده إلى الله مزيداً للتسلية- انتهى. والظاهر: أن معناه لا يحزنك الله بي وبسبب فعلي، من ساء الأمر فلاناً، أي أحزنه. ثم ذكر جملة مستأنفة مبينة لعلة ما فعل اعتذار إليه. (إن هذا) أي ما فعلت. (عهد من النبي ﷺ ) أي وصية أو أمر منه يريد قوله: ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى. وفيه أن قيسًا لم يكن منهم، ولذلك نحاه. (إلينا أن نلبه) أي ومن يقوم مقامه من الأئمة. (ثم اسقبل) أي أبيّ. (هلك أهل العقد) بضم العين وفتح القاف يعني الأمراء، أي لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم وأخراهم حتى رعاية صفوفهم في الصلاة، ورعاية الموقف فيها. قال الجزري في النهاية يعني أصحاب الولايات على الأمصار من عقد الألوية للأمراء، وروى العقدة يريد البيعة المعقودة للولاة. (ثلاثاً) أي قال مقوله ثلاثاً. (ما عليهم آسى) بمد الهمزة آخره ألف، أي ما أحزن من الأسى مفتوحاً ومقصوراً، وهو الحزن. (ولكن آسى على من أضلوا) قال الطيبي: أي لا أحزن على هؤلاء الجورة، بل أحزن على أتباعهم الذين أضلوهم. لعله قال ذلك تعريضًا بأمراء عهده. (قلت) هذا مقولة محمد بن عمر بن علي المقدمي شيخ النسائي. (يا با يعقوب) وفي بعض النسخ: يا أبا يعقوب بكتابة الهمزة موافقاً لما في النسائي. وهو كنية يوسف بن يعقوب السدوسي مولاهم السلعي البصري الضبعي، وثقه أحمد. وقال أبوحاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة إحدى ومائتين. (قال الأمراء) بالنصب على تقدير أعنى، وبالرفع بتقدير "هم". قال ابن حجر: أي الأمراء على الناس لا سيما أهل الأمصار، سموا بذلك لجريان العادة بعقد الألوية لهم عند التولية، وفعل أبيّ هذا مؤيد بما روي عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه، أخرجه أحمد وابن ماجه، وبما روي عن سمرة مرفوعاً: ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار ليقتدوا بهم في الصلاة، أخرجه الطبراني في الكبير من حديث الحسن عن سمرة. قال البيهقي: وفيه سعيد بن بشير، وقد اختلف في الاحتجاج به، وبما روي عن ابن عباس مرفوعاً: لا يتقدم في الصف الأول أعرابي ولا عجمي ولا غلام لم يحتلم، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وفي هذه الأحاديث مشروعية تقدم أهل العلم والفضل ليأخذوا عن الإمام ويأخذ عنهم غيرهم؛ لأنهم أمس بضبط صفة الصلاة وحفظها ونقلها وتبليغها وتنبيه الإمام إذا احتيج إليه، والاستخلاف إذا احتيج إليه. (رواه النسائي) .
стр. 1494
(٢٦) باب الإمامة
﴿الفصل الأول﴾
١١٢٣- (١) عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإن
كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء،
ــ
وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص١٤٠) وابن خزيمة في صحيحه. ولفظ أحمد: قال قيس بن عباد: أتيت المدينة للقى أصحاب محمد ﷺ ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلى من أبيّ، فأقيمت الصلاة فخرج عمر بن الخطاب مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: يا بني لا يسؤك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك، ثم حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شيء متوجهاً إليه، قال فسمعته يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة، إلا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين، وإذا هو أبيّ.
(باب الإمامة) أي أحكام الإمامة في الصلاة وصفة الأئمة، وهي مصدر أم القوم في صلاتهم.
١١٢٣- قوله: (يؤم القوم) صيغة خبر بمعنى الأمر، أي ليؤمهم. (أقرأهم لكتاب الله) اختلف في المراد منه: فقيل: أفقههم في القرآن وأعلمهم بمعانيه وأحكامه. وقيل: المراد أحسنهم وأجودهم قراءة للقرآن وإن كان أقلهم حفظاً. وقيل: هو على ظاهره، فالمراد به أكثرهم حفظاً للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة: انطلقت مع أبي إلى النبي ﷺ بإسلام قومه، فكان فيما أوصانا: ليؤمكم أكثركم قرآنا، فكنت أكثرهم قرآناً، فقدموني. وأخرجه أيضاً البخاري، وسيأتي في الفصل الثالث. قال القاري: بعد ذكر قول ابن الملك، أي أحسنهم قراءة لكتاب الله، والأظهر أن معناه أكثرهم قراءة بمعنى أحفظهم للقرآن، كما ورد أكثرهم قرآناً- انتهى. قلت: هذا هو الراجح عندي لحديث عمرو بن سلمة، والروايات يفسر بعضها بعضاً. (فإن كانوا) أي القوم. (في القراءة) أي في العلم بها أو في حسنها أو مقدارها على اختلاف الأقوال (سواء) أي مستوين. قال الشوكاني: أي استووا في القدر المعتبر من القراءة إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها. وفي رواية: لمسلم فإن كانت قراءتهم سواء. (فأعلمهم بالسنة) قال الطيبي: أراد بها الأحاديث. وقال السندي: حملوها على أحكام الصلاة. (فإن كانوا) أي بعد استوائهم في القراءة. (في السنة) أي بالعلم بها.
стр. 1495
قأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً،
ــ
(سواء فأقدمهم هجرة) أي انتقالاً من مكة إلى المدينة قبل الفتح، فمن هاجر أولاً فشرفه أكثر ممن هاجر بعده، قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح﴾ الآية [٥٧: ١٠] ، قاله القاري. وقيل: هذا شامل لمن تقدم هجرة سواء ما كان في زمنه ﷺ أو بعده كمن يهاجر من دار الكفار ... إلى دار الإسلام. وأما حديث لا هجرة بعد الفتح فالمراد من مكة إلى المدينة؛ لأنهما جميعاً صارا دار اسلام. قال الشوكاني: الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره ﷺ بل هي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور. وأما حديث: لا هجرة بعد الفتح فالمراد بعد الهجرة من مكة إلى المدينة أو لا هجرة بعد الفتح. فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث. (فإن كانوا) أي بعد استوائهم فيما سبق من القراءة والسنة. (في الهجرة سواء فأقدمهم سناً) وفي رواية أكبرهم سناً، أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. قلت: ويؤيده ما في رواية لمسلم: فأقدمهم سلماً، أي إسلاماً، يعني أن من تقدم اسلامه يقدم على من تأخر إسلامه. والحديث دليل لمن قال يقدم الأقرأ في الإمامة على الأعلم. وإليه ذهب أحمد وأبويوسف وإسحاق. وقال مالك والشافعي وأبوحنبفة: الأعلم مقدم على الأقرأ، قال العيني: اختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة: فقالت طائفة: الأفقه، وبه قال أبوحنيفة ومالك والجمهور، وقال أبويوسف وأحمد واسحاق: الأقرأ، وهو قول ابن سيرين وبعض الشافعية، قال العيني: وقال أصحابنا: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وقال السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي في شرح الأحياء: قال أصحابنا يقدم الأعلم ثم الأقرأ، وهوقول أبي حنيفة ومحمد، واختاره صاحب الهداية وغيره من أصحاب المتون وعليه أكثر المشائخ. وقال أبويوسف: يقدم الأقرأ ثم الأعلم واختاره جمع من المشائخ، ومن الشافعية ابن المنذر، كما نقله النووى في المجموع- انتهى. واستدل الشافعي ومن وافقه بأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض في الصلاة أمور لا يقدر على مراعاتها إلا كامل الفقه، فيقدم الأفقه على الأقرأ. قال البغوي: لأن الفقيه يعلم ما يجب من القراءة في الصلاة؛ لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للمصلي ما يفسد صلاته، وهو لا يعلم إذا لم يكن فقيهاً. وقال صاحب الهداية: القراءة يفتقر إليها لركن واحد، والعلم لسائر الأركان، أي فلأعلم أولى بالإمامة من الأقرأ. قلت: هذا كله تعليل في مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، بل يرد على قائله كائناً من كان. واستدل لهم أيضاً بقوله ﷺ : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، وسيأتي في باب المأموم من المتابعة
стр. 1496
فإن تقديمه ﷺ في مرض موته أبا بكر في الصلاة على غيره مع قوله: أقرؤكم أبيّ يدل على أنه يقدم الأعلم على الأقرأ لكون أبا بكر أعلمهم. قال ابن الهمام: أحسن ما يستدل به لمختار الجمهور حديث: مروا أبا بكر فليصل، وكان ثم من هو أقرأ منه لا أعلم. دليل الأول قوله ﵇: أقرؤكم أبيّ، ودليل الثاني قول أبي سعيد: كان أبوبكر أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول الله ﷺ ، فيكون المعول عليه. وقال العيني: حديث أبي مسعود كان في أول الأمر، وحديث أبي بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبوبكر أعلمهم وأفقههم في كل أمر- انتهى. قلت: قصة إمامة أبي بكر في مرض موته ﷺ واقعة عين غير قابلة للعموم بخلاف حديث أبي مسعود، فإنه تقرير قاعدة كلية تفيد التعميم، فلا يصح الاستدلال بقصة أبي بكر على تقديم الأعلم على الأقرأ يجعلها ناسخة لحديث أبي مسعود، قال صاحب البذل: قصة الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مخصصة على أنها واقعة حال لا عموم لها، ومن ثم اختار جمع من المشائخ قول أبي يوسف- انتهى. وأجاب صاحب الهداية وغيره عن حديث أبي مسعود بأنه خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن أقرأهم كان أعلمهم"؛ لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتلقونه بأحكامه، فقدم في الحديث، ولا كذلك في زماننا، فقدمنا الأعلم. قال الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره، كان أقرأهم أفقههم، فإنهم كانوا يسلمون كباراً، ويتفقهون قبل أن يقرأوا، فلا يوجد قارىء منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه، وليس بقارىء. ورد هذا الجواب بأنه لو كان المراد بالأقرأ في قوله: يؤم القوم أقرأهم هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التقدير يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم. وقال الأمير اليماني: ولا يخفى أنه يبعد هذا الجواب قوله: فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً. والأقرأ على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة، فلو أريد به ذلك لكان القسمان قسماً واحداً. وقال الزبيدي: وأما تأويل المخالف للنص أي لحديث أبي مسعود بأن الأقرأ في ذلك الزمان كان الأفقه، فقد رد هذا التأويل قوله ﵇: فأعلمهم بالسنة، ولكن قد يجاب عنه بأن المراد بالأقرأ في الخبر الأفقه في القرآن فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو أحق، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقاً، بل على تقديم تقديم الأقرأ الأفقه في القرآن على من دونه، ولا نزاع فيه. قال العيني: المراد من قوله: يؤم القوم أقرأهم أي أعلمهم، يعني أعلمهم بكتاب الله دون السنة، ومن قوله: أعلمهم بالسنة أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول- انتهى. قلت: قد سلف منا أن الراجح في المراد من قوله: أقرأهم هو الأكثر حفظا للقرآن وإن حمله على الأفقه في القرآن والأعلم بأحكامه ومعانيه خلاف الظاهر فلا يلتفت إليه. وأما حمل الحديث على الصحابة خاصة فهو ادعاء محض على أنه يلزم من هذا الجواب أن من نص النبي ﷺ على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه.
стр. 1497
ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه
ــ
قال السندي: الحديث يفيد تقدم الأقرأ وغالب الفقهاء على تقديم الأعلم، ولهم عن هذا الحديث جوابان: النسخ بإمامة أبي بكر مع أن أقرأهم أبىّ، وكان أبوبكر أعلمهم، كما قال أبوسعيد، ودعوى أن الحكم مخصوص بالصحابة، وكان أقرأهم أعلمهم لكونهم يأخذون القآن بالمعاني، وبين الجوابين تناقض لا يخفى، ولفظ الحديث يفيد عموم الحكم- انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن القول الراجح المعول عليه هو تقديم الأقرأ على الأعلم وهذا، إنما هو حيث يكون الأقرأ عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقا. قال الزبيدي: والذي ذهب إليه أبويوسف من تقديم الأقرأ على الأعلم رواية عن أبي حنيفة، ودليله قوي من حيث النص، فإنه فرق بين الفقيه والقاري، وأعطى الإمامة للقاري ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر فوجب تقديم الأعلم بالسنة وهو الأفقه- انتهى. (ولا يؤمن الرجل الرجل) برفع الأول ونصب الثاني. (في سلطانه) أي في محل سلطانه، وهو موضع يملكه الرجل أو له فيه تسلط بالتصرف كصاحب المجلس وإمام المسجد، فإنه أحق من غيره، وإن كان أفقه، لئلا يؤدي ذلك إلى التباغض والخلاف الذي شرع الاجتماع لرفعه. قال الطيبي: أي لا يؤم الرجل الرجل في مظهره سلطنته ومحل ولايته أو فيما يملكه أو في محل يكون في حكمه. ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى في أهله. وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم، فإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة، وكذلك إذا أمّه في أهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع، فلا يتقدم الرجل على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات، وعلى إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن- انتهى. وقال النووي: معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره. قال ابن رسلان: لأنه موضع سلطنته- انتهى. قال الشوكاني: والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس، لا صاحب البيت ونحوه. ويدل على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ: ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه. وظاهره أن السلطان مقدم على غيره وإن كان أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً، فيكون كالمخصص لما قبله، يعني أن أول الحديث محمول على من عدا الإمام الأعظم ومن يجري مجراه، وقد ورد في صاحب البيت حديث بخصوصه بأنه الأحق، فقد أخرج الطبراني من حديث أبي مسعود قال من السنة أن يتقدم صاحب البيت. قال الحافظ: رجاله ثقات. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والكبير من حديث عبد الله بن حنطلة مرفوعا: الرجل أحق أن يؤم في بيته. قال الهيثمي: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان. قال أصحاب الشافعي: ويتقدم السلطان أو نائبه على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل
стр. 1498
ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) . رواه مسلم. وفي رواية له: ((ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله)) .
١١٢٤- (٢) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم،
ــ
منه. (ولا يقعد) بالجزم. وقيل: بالرفع أي الرجل. (في بيته) أي بيت الرجل الآخر. (على تكرمته) بفتح التاء وكسر الراء، مصدر كرم تكريماً، أطلق مجازاً على ما يعد للرجل إكراماً له في منزله من فراش وسجادة ونحوهما. قال في النهاية: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه، وهي تفعله من الكرامة. (إلا بإذنه) قال ابن الملك: متعلق بجميع ما تقدم: قلت: ورد ذلك في بعض روايات الحديث نصاً، فقد قال المجد بن تيمية في المنتقى: ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه- انتهى. فالإذن في الكل، وبه قال أحمد والجمهور، وهو الحق. وقيل: يتعلق قوله: إلا بإذنه بقوله: لا يقعد فقط، وبه قال إسحاق. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً، أحمد (ج٤ ص١١٨، ١٢١وج٥ ص٢٧٢) والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وأبوداود الطيالسي وابن الجارود والبيهقي (ج٣ ص٩٠، ١١٩، ١٢٥) . (وفي رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم: ولا تؤمن الرجل في أهله، أي بصيغة الخطاب. ويؤيده ما بعده ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا بإذن لك أو بإذنه. فائدة: قال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: سبب تقديم الأقرأ أنه ﷺ حد للعلم حداً معلوماً، كما بينا، وكان أول ما هناك كتاب الله؛ لأنه أصل العلم، وأيضاً فإنه من شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه. وينوه بشأنه ليكون ذلك داعياً إلى التنافس فيه، وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلى إلى القراءة فقط، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالنافسة، وسبب خصوص الصلاة باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة، فليتدبر، ثم من بعدها معرفة السنة؛ لأنها تلو الكتاب، وبها قيام الملة، وهي ميراث النبي ﷺ في قومه، ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﵊ عظم أمر الهجرة ورغب فيها ونوه بشأنها، وهذا من تمام الترغيب والتنوية، ثم زيادة السن إذ السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير، ولأنه أكثر تجربة وأعظم حلماً، وإنما نهى عن التقدم على ذي سلطان في سلطانه؛ لأنه يشق عليه ويقدح في سلطانه فشرع ذلك إبقاء عليه- انتهى.
١١٢٤- قوله: (إذا كانوا) أي القوم. (ثلاثة) أي واثنين، كما أفاده الخبر السابق أن الجماعة تحصل بهما، قاله القاري. وقال الشوكاني: مفهوم العدد هنا غير معتبر لما في حديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما. أخرجه أحمد وغيره من أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم. (فليؤم أحدهم) إشارة
стр. 1499
وأحقهم بالإمامة أقرأهم)) . رواه مسلم. وذكر حديث مالك ابن الحويرث في باب بعد باب فضل الأذان.
ــ
إلى جواز إمامة المفضول. (وأحقهم بالإمامة أقرأهم) أي أكثرهم. حفظاً للقرآن، فإن إمامته أفضل. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٨٩، ١١٩) . وفي الباب عن أنس عند أحمد (ج٣ ص١٦٣) بلفظ: يؤم القوم أقرؤهم للقرآن. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وعن أبي هريرة عند البزار بنحوه. قال الهيثمي: في سنده الحسن بن علي النوفلي الهاشمي، وهوضعيف، وقد حسنه البزار، وعن ابن عمر عند الطبراني بلفظ: من أم قوماً وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه، لم يزل في سفال إلى يوم القيامة. قال الهيثمي: فيه الهيثم بن عقاب. قال الأزدى: لا يعرف. وذكره ابن حبان في الثقات. (وذكر) بصيغة المجهول. (حديث مالك بن الحويرث) أي في المشكاة، وكذا في المصابيح. والحديث هو قوله قال رسول الله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي. وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم يعني سناً، وذلك لاستوائهم في وجوه التقديم من القراءة والعلم، ففي رواية لآبي داود: وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم. (في باب بعد باب فضل الأذان) أي فراجعه هناك. والمقصود أن حديث مالك بن الحويرث هذا ذكره البغوي أولاً في باب بعد باب فضل الأذان، وذكره صاحب المشكاة أيضاً هناك تبعا للبغوي لكون صدره في الآذان، ثم ذكره هاهنا في آخر الفصل الأول؛ لكون عجز الحديث متعلقاً بباب الإمامة، ولما كان في ذكره هنا تكرار حذفه صاحب المشكاة، وأحال على الباب المذكور. وقال القاري: حديث مالك بن الحويرث فيه تفضيل الإمامة، فهو بباب الإمامة أولى، فلا معنى لتغيير التصنيف مع وجود الوجه الأدنى فضلاً عن الأعلى، ثم يحتاج إلى الاعتذار المشير إلى الاعتراض، لا يقال صدر الحديث في الأذان؛ لأن تقديمه لتقدمه في الوجود ومنه تقدم بلال على النبي ﷺ في دخول الجنة تقدم الخادم على المخدوم. ففيه إيماء إلى فضيلة الإمامة، وكذلك الحديث الآتي قريباً فالحاصل أن حديث مالك ابن الحويرث كان في المصابيح هنا في آخر الفصل الأول، ونقله صاحب المشكاة فذكره في باب بعد باب فضل الآذان- انتهى. قلت: وقد وهم القاري في فهم غرض صاحب المشكاة كما لا يخفى، ولو راجع المصابيح لم يقع في هذا الوهم، وقد وهم أيضاً في تعيين الحديث حيث قال: والحديث هو: قال أتيت النبي ﷺ أنا وابن عم لي، فقال إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما مع أنه غير مذكور في المصابيح في باب الإمامة. واعلم أن هذا كله مبني على أن الحديث المذكور هنا في المصابيح بغير تسمية الصحابي لمالك بن الحويرث كما قال المصنف. وعندي فيه كلام؛ لأن الحديث الذي أورده البغوي هنا هو بلفظ: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً. وحديث مالك بن الحويرث الذي ذكرناه إنما هو بلفظ: وليؤمكم أكبركم. وهذا هو الذي ذكره البغوي في
стр. 1500
﴿الفصل الثاني﴾
١١٢٥- (٣) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم)) . رواه أبوداود.
ــ
المصابيح والمصنف في المشكاة في باب هو بعد باب فضل الآذان. ولا يخفى ما بين اللفظين من الفرق البين. والظاهر أن الحديث المذكور في المصابيح هنا، أي في باب الإمامة بلفظ: ليؤمكم أكثركم قرآناً، إنما هو لعمرو بن سلمة الجرمي، رواه البخاري في حديث طويل في غزوة الفتح في باب بعد باب مقام النبي ﷺ بمكة. وذكره البغوي ههنا لإثبات جواز إمامة الصبي المميز. وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث مطولاً، كما سيأتي.
١١٢٥- قوله: (ليؤذن لكم) أمر استحباب. (خياركم) أي الذين يحتاطون في أمر الأوقات، وفي أمر الحرم والعورات، فإنهم يشرفون علىالمنارات العالية، قاله السندي. وقال القاري: أي من هو أكثر صلاحاً ليحفظ نظره عن العورات، ويبالغ في محافظة الأوقات. قال الجوهري: الخيار خلاف الأشرار، والخيار الاسم من الاختيار، وإنما كانوا خياراً لما ورد أنهم أمناء؛ لأن أمر الصائم من الإفطار والأكل والشرب والمباشرة منوط إليهم، وكذا أمر المصلي لحفظ أوقات الصلاة يتعلق بهم، فهم بهذا الاعتبار مختارون، ذكره الطيبي. (وليؤمكم) بسكون اللام وتكسر. (قراؤكم) بضم القاف وتشديد الراء، جمع قاري. كذا وقع في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح وسنن أبي داود وابن ماجه. ونقله الجزري في جامع الأصول (ج٦ ص٣٧٧) عن أبي داود بلفظ: وليؤمكم أقرؤكم، وكذلك رواه البيهقي (ج١ ص٤٢٦) . وفيه دليل على تقديم الأقرأ في الإمامة على الأفقه. قال السندي: ظاهر الحديث أن الأقرأ أحق بالإمامة من الأعلم. وقال القاري: وكلما يكون أقرأ فهو أفضل إذا كان عالماً بمسائل الصلاة، فإن أفضل الأذكار وأطولها وأصعبها في الصلاة إنما هو القراءة. وفيه تعظيم لكلام الله، وتقديم قارئه، وإشارة إلى علو مرتبته في الدارين كما كان ﷺ يأمر بتقديم الأقرأ.. في الدفن- انتهى. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والبيهقي، وسكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في سنده الحسين بن عيسى الحنفي الكوفي، وقد تكلم فيه أبوحاتم وأبوزرعة الرازيان، وقد ذكر الدارقطني أن حسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان- انتهى. قلت: الحسين بن عيسى قال البخاري: مجهول، وحديثه منكر. وقال أبوزرعة: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة. وقال الآجري عن أبي داود: بلغني أنه ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف.
стр. 1501
١١٢٦ – (٤) وعن أبي عطية العقيلي، قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا يتحدث، فحضرت الصلاة يوماً، قال أبي عطية: فقلنا له: تقدم فصله. قال لنا: قدموا رجلاً منكم يصلي بكم، وسأحدثكم لم لا أصلي بكم؟ سمعت رسول الله ﷺ : ((من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم)) .
ــ
١١٢٦- قوله: (عن أبي عطية) بفتح العين وكسر الطاء وتشديد التحتية. (العقيلي) بضم العين المهملة، أي مولاهم، فهي نسبة الولاء كما يدل عليه بعض روايات هذا الحديث. ففي رواية لأحمد (ج٣ ص٤٣٧وج٥ ص٥٣) عن بديل بن ميسرة العقيلي قال: حدثني أبوعطية مولى منا، وكذا عند أبي داود. وللنسائي وأحمد في رواية (ج٥ ص٥٣) مولى لنا. قال الذهبي في الميزان: أبوعطية عن مالك بن الحويرث، لا يدرى من هو؟، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١٢.ص١٧٠) : أبوعطية مولى بني عقيل، روى عن مالك بن الحويرث حديث: من زار قوماً الخ، وعنه بديل بن ميسرة، قال أبوحاتم: لا يعرف ولا يسمى. وقال ابن المديني: لا يعرفونه. وقال أبوالحسن القطان: مجهول. وصحح ابن خزيمة حديثه. وقال في التقريب: مقبول. (يأتينا إلى مصلانا) أي مسجدنا في البصرة. (يتحدث) وفي بعض النسخ: نتحدث، أي بالنون في أوله بصيغة المتكلم. (تقدم) أي للإمامة. (فصله) الهاء للسكتة. (يصلي بكم) أي يؤمكم في الصلاة. (وسأحدثكم لم لا أصلي بكم) أي مع أني أحق بالإمامة منكم، وذلك لكونه صحابياً عالماً. (من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم) فإنه أحق من الزائر. وامتنع مالك من الإمامة مع وجود الإذن منهم عملاً بظاهر الحديث، ثم أن حدثهم بعد الصلاة. فالسين للاستقبال، وإلا فلمجرد التأكيد. والحديث دليل على أن المزور أحق بالإمامة من الزوائر وإن كان أقرأ أو أعلم من المزور. قال الترمذي بعد رواية الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث: وشدد في أن لا يصلي أحد لصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، قال وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: ليصل بهم رجل منهم –انتهى. كلام الترمذي. وقد حكى المجد بن تيمية في المنتقى بعد ذكر الحديث عن أكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان، واستدل بقوله ﷺ في حديث أبي مسعود. (يعني المتقدم) إلا بإذنه، قال ويعضده عموم ما روي ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أم قوماً، وهم به راضون) - الحديث. رواه الترمذي، وعن أبي هريرة عن
стр. 1502
رواه أبوداود والترمذي، والنسائي إلا أنه اقتصر على لفظ النبي ﷺ .
١١٢٧ – (٥) وعن أنس، قال: ((استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم يؤم الناس،
ــ
النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم) –الحديث. رواه أبوداود- انتهى. قلت: الراجح عندنا هو قول من قال أن المزور إذا أذن للزائر فلا بأس أن يصلي به. ومعنى قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: من زار قوماً فلا يؤمهم، أي إلا أن يأذنوا له. يدل عليه حديث أبي مسعود عند سعيد بن منصور، وقد تقدم. ويعضد ما ذكرنا من التقييد بالإذن عموم قوله في حديث ابن عمر: وهم به راضون، وقوله في حديث أبي هريرة: إلا بإذنهم، كما قال ابن تيمية، فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضى المأزور وإذنه، وقيل: حديث مالك بن الحويرث محمول على من عدا الإمام الأعظم فإذا حضر الإمام الأعظم أو من يجري مجراه بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له لجمع بين الحقين حق الإمام في التقدم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه، (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والترمذي) وقال: حديث حسن. وفي بعض نسخ الترمذي: حديث حسن صحيح. ويؤيد الأول ما نقله المنذري والشوكاني عن الترمذي من التحسين فقط، ويفهم ذلك من قول الحافظ في التهذيب في ترجمة أبي عطية أن ابن خزيمة صحح حديثه، فلو كان التصحيح عنده في نسخة الترمذي لأشار إليه، وإنما حسن الترمذي هذا الحديث، مع أن في سنده أبا عطية، وهو مجهول، كما قال الذهبي وأبوحاتم وابن المديني وأبوالحسن القطان؛ لأن له شواهد، والترمذي قد يحسن الحديث الضعيف لشواهده. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي بعد قول أبي حاتم وغيره: ولكن تصحيح ابن خزيمة حديثه، وتحسين الترمذي أو تصحيحه إياه يجعله من المستورين المقبولي الرواية، ولحديثه شواهد. يشير إلى ما تقدم من حديث أبي مسعود عند أبي داود بلفظ: ولا يؤم الرجل في بيته، ومن حديث أبي مسعود عند الطبراني، وحديث عبد الله بن حنطلة عند البزار والطبراني، وقد ذكرنا لفظهما في شرح حديث أبي مسعود. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ ص٤٣٦- ٤٣٧وج٥ ص٥٣) والبيهقي (ج٣ ص١٢٦) . (إلا أنه) أي النسائي. (اقتصر على لفظ النبي ﷺ ) أي قوله، وهو: إذا زار أحدكم قوماً فلا يصلين بهم، ولم يذكر صدر الحديث. واللفظ المذكور في الكتاب لأبي داود إلا قوله: يتحدث فحضرت الصلاة يوماً، فإنه للترمذي، ولفظ أبي داود: إلى مصلانا هذا فأقيمت الصلاة.
١١٢٧ – قوله: (استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم) أي أقامه مقام نفسه في مسجد المدينة حين خرج إلى الغزو. (يؤم الناس) قال القاري: هو بيان للاستخلاف. وقال ابن حجر: أي استخلافاً عاماً على المدينة مرتين ما روي، وخاصاً بكونه يؤم الناس. وقال الأمير اليماني: المراد استخلافه في الصلاة وغيرها، وقد
стр. 1503
وهو أعمى)) . رواه أبوداود.
ــ
أخرجه الطبراني بلفظ: في الصلاة وغيرها، وإسناده حسن. وقد عدت مرات الاستخلاف له، فبلغت ثلاث عشرة مرات، ذكره في الخلاصة. (وهو أعمى) قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات: فيه دليل على جواز إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك. وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة الأعمى. ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه أولى من البصير أو عكسه. قال الشوكاني: قد صرح أبوإسحاق المروزي والغزالى بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوع من البصير لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح البعض أن إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد توقياً للنجاسة. والذي فهمه الماوردي من نص الشافعي أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهية؛ لأن في كل منهما فضيلة غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر من جعله النبي ﷺ إماماً البصراء. وأما استنابته ﷺ لابن أم مكتوم في غزواته فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور. فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان بن مالك لقومه، أي مع كونه ضرير البصر فلعله أيضاً لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء – انتهى كلام الشوكاني. وقال في البدائع بعد التصريح بجواز إمامة الأعمى ما لفظه: والأعمى يوجهه غيره إلى القبلة، فيصير في أمر القبلة مقتدياً بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن القبلة، ولأنه لا يمكنه التوقي عن النجاسة، فكان البصير أولى إلا إذا كان في الفضل لا يوازيه في مسجده غيره، فحينئذٍ يكون أولى، ولذا استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم- انتهى. وقال ابن الملك: كراهة إمامة الأعمى إنما هي إذا كان القوم سليم أعلم منه أو مساو له علماً- انتهى: قال التوربشتي: استخلف ابن أم مكتوم على الإمامة حين خرج إلى تبوك مع أن علياً ﵁ فيها لئلا يشغله شاغل عن القيام بحفظ من يستخلفه من الأهل حذراً أن ينالهم عدو بمكروه. وقال ابن حجر. يمكن أن يوجه بأنه لو استخلفه في ذلك أيضاً لوجد الطاعن في خلافة الصديق سبيلاً وإن ضعف. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي (ج٣ ص٨٨) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأبويعلى والطبراني في الأوسط عن عائشة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٦٥) بعد عزوه إلى أبي يعلى والطبراني: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وأخرجه أيضاً البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عباس. قال الهيثمي: وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن بحينة. قال الهيثمي: وفيه الواقدي، وهو ضعيف. وفي الباب عن عبد الله بن عمير إمام بن خطمة أنه كان إماماً لبني ختمة على عهد رسول الله ﷺ ، وهو أعمى. قال الشوكاني: أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده وابن أبي خثيمة. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
стр. 1504
١١٢٨- (٦) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تجاوز صلاتهم أذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون)) .
ــ
١١٢٨- قوله: (ثلاثة) أي أشخاص. (لا تجاوز صلاتهم آذانهم) جمع الأذن الجارحة، أي لا ترتفع إلى السماء، كما في حديث ابن عباس الآتي، وهو كناية عن عدم القبول، كما هو مصرح به في الحديث الذي بعده، وفي حديث ابن عباس عند ابن حبان. قال التوربشتي: أي لا ترفع إلى الله تعالى رفع العمل الصالح، بل أدنى شيء من الرفع. وخص الآذان بالذكر لما يقع فيها من التلاوة والدعاء، ولا تصل إلى الله تعالى قبولاً وإجابة. وهذا مثل قوله ﵇ في المارقة: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، عبر عن عدم القبول بعدم مجاوزة الآذان- انتهى. وقال في اللمعات: خص الآذان بالذكر لقربها؛ لأنها يقع فيها صوت التلاوة، وإن غاية حظهم منها سماع ذكرها. (العبد الآبق) أي أولهم أو منهم أو أحدهم. (حتى يرجع) أي من إباقة إلى سيده. وفي معناه الجارية الآبقة. وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود والنسائي من حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ : إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة. وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بعدم المجاوزة عدم قبول الصلاة و (إمرأة باتت وزوجها عليها ساخط) من السخط وهو بالضم وكعنق وجبل ومقعد ضد الرضا، وقد سخط كفرح، وتسخط وأسخطه أغضبه، قال القاري: هذا إذا كان السخط لسوء خلقها أو سوء أدبها أو قلة طاعتها. أما إن كان سخط زوجها من غير جرم فلا إثم عليها. قال الشوكاني في الحديث: إن اغضاب المرأة لزوجها حتى يبيت ساخطاً عليها من الكبائر. وهذا إذا كان غضبها عليها بحق. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعا الرجل إمرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضباناً عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح. وسيأتي في عشرة النساء. (وإمام قوم وهم له كارهون) أي لأمر مذموم في الشرع، وإن كرهوا لخلاف ذلك فلا كراهة. قال ابن الملك: أي كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله. أما إذا كان بينه وبينهم كراهة أو عداوة بسبب أمر دنيوى فلا يكون له هذا الحكم، والحديث يدل على كراهة أن يكون الرجل إماماً لقوم يكرهونه. قال الشوكاني: وقد ذهب قوم إلى التحريم، وإلى الكراهة آخرون. ويدل على التحريم نفى قبول الصلاة، وإنها لا تجاوز أذنه، ولعن الفاعل لذلك، كما في حديث أنس عند الترمذي: لعن رسول الله ﷺ ثلاثة: رجل أم قوماً وهم له كارهون- الحديث، قال: وقد قيد ذلك جماعة عن أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب شرعي. وأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه أيضاً بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين وثلاثة إذا كان المؤتمون جمعاً كثيراً إلا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم أو كراهة أكثرهم معتبرة، قال: والاعتبار بكراهة أهل الدين دون كراهته غيرهم، حتى قال الغزالي في الإحياء: لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم،
стр. 1505
رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
١١٢٩- (٧) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تقبل منهم صلاتهم: من تقدم
ــ
قال: وحمل الشافعي الحديث على إمام غير الوالي؛ لأن الغالب كراهة ولاة الأمر، قال: وظاهر الحديث عدم الفرق- انتهى. (رواه الترمذي) هذا الحديث مما انفرد به الترمذي، كما قال الشوكاني. (وقال: هذا حديث غريب) كذا في جميع النسخ. والذي في الترمذي حديث حسن غريب. وهو الذي ذكره المنذري في الترغيب والشوكاني في النيل. والحديث قد ضعفه البيهقي (ج٣ ص١٢٨) . قال النووي في الخلاصة: والأرجح هنا قول الترمذي- انتهى. وفي سنده أبوغالب الراسبي البصري، ضعفه النسائي وابن سعد. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي. ووثقه موسى بن هارون الحمال والدارقطني. وقال ابن معين: صالح الحديث. وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه منكراً، وأرجوا أنه لا بأس به. وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها. كذا في تهذيب التهذيب- وقال في التقريب: صدوق يخطئ- انتهى. فالظاهر أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن، والله أعلم. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة. ذكرها الشوكاني في النيل مع الكلام عليها.
١١٢٩- قوله: (وعن ابن عمر) كذا في جميع النسخ الحاضرة الموجودة عندنا. والمراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب. والذي في سنن أبي داود، وابن ماجه عبد الله بن عمرو، أي ابن العاص. وكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى نقلاً عن أبي داود وابن ماجه. وكذا وقع في معالم السنن (ج١ ص١٦٩) شرح سنن أبي داود للخطابي، والسنن الكبرى للبيهقي (ج٣ ص١٢٨) وهذا هو الصواب، فإن الحديث من رواية عمران بن عبد المعافري التابعي، وهو يرويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص لا ابن عمر. قال الذهبي في الميزان (ج٢ ص٢٨٨) في ترجمة عمران المذكور: ضعفه يحيى بن معين، يحدث عنه الافريقي عن عبد الله بن عمرو: ثلاثة لا يقبل منهم صلاة- الحديث. وقال الحافظ في التهذيب (ج٨ ص١٣٤) : روى عن عبد الله بن عمرو وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة (ص٢٩٦) . والحديث ذكره النابلسي في ذخائر المواريث في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا نسبه إليه السيوطي في الجامع الصغير، والعزيزي في السراج المنير. ووقع في تيسير الوصول (ج٢ ص٢٦٨) وجامع الأصول (ج٦ ص٣٧٩) وعن ابن عمرو بن العاص. فالظاهر أن ما وقع في نسخ المشكاة من تصرف النساخ والله أعلم. (لا تقبل منهم صلاتهم) وفي أبي داود: لا يقبل الله منهم صلاة، ولفظ ابن ماجه: لا تقبل منهم صلاة، قالوا القبول أخص من الإجزاء، أي فلا يلزم من عدمه عدم الإجزاء، وهو كونه سبباً لسقوط التكليف، والقبول كونه سبباً للثواب. والحاصل أن المراد بنفي القبول نفى الثواب لا نفى الصحة والإجزاء. (من تقدم) خبر
стр. 1506
قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دباراً- والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته-
ورجل اعتبد محررة)) رواه أبوداود، وابن ماجه.
ــ
مبتدأ محذوف أي أحدهم. (قوماً) للإمامة. (وهم له كارهون) في شرح السنة. قيل: المراد به إمام ظالم. وأما من أقام السنة فاللوم على من كرهه. وقال الخطابي في المعالم (ج١ ص١٧٠) : يشبه أن يكون هذا الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة، فيقتحم فيها ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته. فأما إن كان مستحقاً للإمامة فاللوم على من كرهه دونه- انتهى. (ورجل) أي وثانيهم رجل. (أتى الصلاة) أي حضرها. (دباراً) بكسر الدال. وانتصابه على المصدر، أي إتيان دبار، يعني صلاها حين أدبار وقتها بحيث لا يسع الوقت جميعها، وكان ذلك عادة له قال في الفائق: قبال الشيء ودباره أوله وآخره، يقال: فلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي ما أوله من آخره، وفي الغربيين عن ابن الأعرابي: الدبار جمع دَبَر ودُبُر وهو آخر أوقات الشيء، أي يأتي الصلاة بعد ما يفوت الوقت. قال ابن حجر: بأن لا يدركها كاملاً فيه. وقال الجزري: دبار جمع دَبَر أو دُبُر، وهو آخر أوقات الشيء. وقيل: أراد بعد ما يفوت الوقت، وقد ذكر في الحديث. (والدبار أن يأتيها) أي الصلاة من غير عذر. (بعد أن تفوته) أي الصلاة جماعة أو أداء، قال الخطابي: هو أن يكون قد اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها- انتهى. وهذا التفسير ظاهر أنه من الراوي. (ورجل اعتبد) أي ثالثهم رجل اتخذ عبداً. (محررة) أي نسمة أو رقبة أو نفساً محررة. قال الطيبي: يقال أعبدته واعتبدته إذا اتخذته عبداً وهو حر، وذلك بأن يأخذ حراً، فيدعيه عبدا ويتملكه أو يعتق عبده ثم يستخدمه كرهاً أو يكتم عتقه استدامة لخدمته ومنافعه. قال ابن الملك: تأنيث محررة بالحمل على النسمة لتناول العبيد والإماء. وقيل: خص المحررة لضعفها وعجزها بخلاف المحرر لقوته بدفعه. وقال في المفاتيح شرح المصابيح: في بعض النسخ أي للمصابيح محررة بالضمير المجرور. قلت: وكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، كما صرح به في عون المعبود، وكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى. وفي الترغيب للمنذري وسنن ابن ماجه: اعتبد محرراً. قال الشوكاني: أي اتخذ معتقه عبداً بعد إعتاقه. قال الخطابي: اعتباد المحرر يكون من وجهين: أحدهما أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، وهو شر الأمرين. والوجه الآخر أن يستخدمه كرهاً بعد العتق، أي بالقهر والغلبة. (رواه أبوداود وابن ماجه) وكذا البيهقي كلهم من رواية الإفريقي عن عمران بن عبد بغير إضافة المعافري، والافريقي قد تقدم الكلام فيه. وأما عمران فقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين كذا في التهذيب (ج٨ ص٣٤) . وقال في التقريب: ضعيف.
стр. 1507
١١٣٠- (٨) وعن سلامة بنت الحر، قالت: ((قال رسول الله ﷺ : إن من أشراط الساعة أن يتدافع
أهل المسجد لا يجدون إماماً يصلي بهم)) رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.
١١٣١- (٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًا
كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر.
ــ
١١٣٠- قوله: (وعن سلامة) بفتح سين مهملة وخفة لام وهاء. (بنت الحر) بضم الحاء المهملة بعدها راء مهملة مشددة، أخت خرشة بن الحر الفزاري، صحابية، لها هذا الحديث فقط. (إن من أشراط الساعة) ، أي من علاماتها الصغرى الدالة على قربها. واحدها شرط بالتحريك. (أن يتدافع أهل المسجد) أي في الإمامة فيدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه إلى غيره، ويقول لست أهلاً لها لما ترك تعلم ما تصح به الإمامة، ولجهلهم بما يجوز ولا يجوز. (لا يجدون إماماً) أي قابلاً الإمامة. (يصلي بهم) على وجه الصحة بأداء أركانها. وواجباتها وسننها ومندوباتها. وقيلك المعنى يدفع كل من أهل المسجد الإمامة عن غيره إلى نفسه، فيحصل بذلك النزاع، فيؤدي ذلك إلى عدم الامام. (رواه أحمد) (ج٦ ص٣٨١) . (وأبوداود) ومن طريقه رواه البيهقي (ج٣ ص٢٩) . (وابن ماجه) واللفظ لأحمد وأبي داود. ولفظ ابن ماجه وأحمد في رواية: يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إماما يصلي بهم. والحديث سكت عنه أبوداود والمنذري. وفي سنده عندهم جميعاً طلحة أم غراب. قال في التقريب: لا يعرف حالها. وذكرها ابن حبان في الثقات، روت عن عقيلة الفزارية عن سلامة بنت الحر. قال الحافظ في التقريب، والذهبي في الميزان: عقيلة الفزارية جدة علي بن غراب، لا يعرف حالها.
١١٣١- قوله: (الجهاد واجب عليكم) أي فرض عين في حال وفرض كفاية في أخرى. (مع كل أمير) أي مسلم سلطان أو ولي أمره. (براً) بفتح الباء. (كان أو فاجراً) فإن الله قد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، وإثمه على نفسه. ويؤيده ما روي عن أنس مرفوعاً: الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، أخرجه أبوداود في حديث، وسكت عنه هو والمنذري. قال ابن حجر في حديث أبي هريرة: جواز كون الأمير فاسقاً جائراً، وإنه لا ينعزل بالفسق والجور، وأنه تجب طاعته ما لم يأمر بمعصيته. وخروج جماعة من السلف على الجورة كان قبل استقرار الإجماع على حرمة الخروج على الجائر- انتهى. (وإن عمل الكبائر) كذا في جميع النسخ الموجودة، وكذا وقع في المصابيح، وليست هذه الزيادة في سنن أبي داود، ولم يذكرها أيضاً المجد بن تيمية في المنتقى، والزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٧) ولم تقع أيضاً في
стр. 1508
والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر.
ــ
رواه البيهقي. (والصلاة) أي بالجماعة. (واجبة عليكم) قال القاري: أي بالجماعة، كما تقدم من القول المختار، وهو فرض عملي لا اعتقادي لثبوته بالسنة، وهي آحاد. وقال ابن حجر: أي على الكفاية لا الأعيان - انتهى. وهي غاية من البعد عن شعار الإسلام، وطريق السلف العظام؛ لأنه يؤدي إلى أنه لو صلى شخص واحد مع الإمام في مصر لسقط عن الباقين. وقال الطيبي: القرينة الأولى تدل على وجوب الجهاد على المسلمين، وعلى جواز كون الفاسق أميراً، والثانية على وجوب الصلاة بالجماعة عليهم. وجواز أن يكون الفاجر إماماً، هذا ظاهر الحديث. ومن قال الجماعة ليست بواجبة على الأعيان تأوله بأنه فرض على الكفاية كالجهاد، وعليه دليل إثبات ما ادعاه. (خلف كل مسلم) إذا كان إماماً. (براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) قال ابن الملك: أي جاز اقتداءكم خلفه لورود الجواب بمعنى الجواز لاشتراكهما في جانب الإتيان بهما. وهذا يدل على جواز الصلاة خلف الفاسق، وكذا المبتدع إذا لم يكن ما يقوله كفراً. قال القاري في أمره بالصلاة خلف الفاجر مع أن الصلاة خلف الفاسق والمبتدع مكروهة عندنا دليل على وجوب الجماعة - انتهى. قلت: اختلف في امامة الفاسق والمبتدع: فذهب مالك إلى اشتراط عدالة من يصلى خلفه، وقال لا تصح إمامة الفاسق. وذهبت الشافعية والحنفية إلى صحة إمامته. قال العيني: أما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه: فأجازت طائفة منهم ابن عمر إذ صلى خلف الحجاج، وكذلك ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير. وقال النخعي كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا. وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية، ولا السكنى معهم في البلد. وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ يعيد أبدا. وقال الثوري في القدري لا تقدموه. وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعياً إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمية والرافضية والقدرية يعيد. وقال أصحابنا: تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي والجهمي والقدري؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا يعلم الشيء قبل حدوثه وهو كفر، والمشبهة، ومن يقول يخلق القرآن. وكان أبوحنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع، ومثله عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر فزعم ابن الحبيب أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أيداً إلا أن يكون واليا. وفي رواية: يصح. وفي المحيط: لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرز الثواب صلاة الجماعة، ولا ينال ثواب من صلى خلف المتقي. وفي المبسوط: يكره الإقتداء بصاحب البدعة - انتهى. والحق عندي أنه لا يشترط عدالة إمام الصلاة لصحة الجماعة وصحة صلاة المقتدين، ولكن لا يجوز تقديم الفاسق، وكذا المبتدع ببدعة غير مكفرة للإمامة؛ لأن في تقديمه تعظيمه، وقد وجب إهانته شرعاً، ولأن الفاسق لا يهتم بأمر دينه، ولأن
стр. 1509
الإمامة من باب الامانة، والفاسق خائن، ولأن مبنى الإمامة على الفضيلة، ولأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فتؤدي إمامتهما إلى تنفير الجماعة وتقليلها، وذلك مكروه، ولقوله ﵇: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. أخرجه الدارقطني (ص١٩٧) والبيهقي (ج٣:ص٩٠) من حديث ابن عمر، قال البيهقي: إسناده ضعيف - انتهى. قلت: في سنده حسين بن نصر المؤدب. قال ابن القطان: لا يعرف. وفيه أيضاً سلام بن سليمان المدائني. قال الشوكاني: ضعيف، ولقوله ﵇: إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم-الحديث، أخرجه الحاكم من حديث مرثد الغنوي في كتاب الفضائل (ج٤:ص٢٢٢) وسكت عنه، وأخرجه أيضاً الطبراني والدارقطني (ص١٩٧) ، الا أن الطبراني قال: فليؤمكم علماؤكم. وفيه عبد الله بن موسى. قال الدارقطني: ضعيف. وفيه أيضاً القاسم بن أبي شيبة، وقد ضعفه ابن معين، ولما روى أبوداود وسكت عنه هو والمنذري عن السائب بن خلاد: أن رسول الله ﷺ رأى رجل أم قوما فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر إليه فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: لا يصلي لكم فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم. قال الراوي: حسبت أنه قال له: إنك آذيت الله ورسوله، ولما روي عن علي ﵁ مرفوعاً: لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه. ذكره الشوكاني في النيل بلا سند. وقال العلامة القنوجي في دليل الطالب (ص٣٣٩) هو مرسل، ولقوله ﵇: لا يؤم فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه. أخرجه ابن ماجه من حديث جابر في صلاة الجمعة. وفي سنده عبد الله بن محمد العدوي التميمي، وهو تألف. قال البخاري وأبوحاتم والدارقطني: منكر الحديث. وقال الدارقطني أيضاً: متروك. وقال وكيع: يضع الحديث. وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال ابن عبد البر: جماعة أهل العلم بالحديث يقولون: إن هذا الحديث من وضع عبد الله بن محمد العدوي، وهو عندهم موسوم بالكذب. كذا في تهذيب التهذيب (ج٦:ص٢١) هذا ولا يجوز للفاسق المبتدع التقدم للإمامة لما سبق من حديثي أبي أمامة وعبد الله بن عمرو بن العاص وما وافقهما من الأحاديث الدالة على تحريم إمامة الرجل وهو له كارهون. ولو تقدم الفاسق والمبتدع للإمامة وجب على القوم أن يمنعوهما عن الإمامة، وإن عجزوا عن المنع والعزل جازت الصلاة خلفهما مع الكراهة، أىجاز الاقتداء بهما للضرورة، وهي خوف الفتنة في منعهما وعزلهما عن الإمامة، وفي ترك الصلاة بالجماعة، وتصح الجماعة، ويكون المصلي محرزاً الثواب الجماعة. لكن لاينال مثل ما ينال خلف تقي، وبالجملة لا تفسد صلاة من صلى خلف الفاسق والمبتدع لعدم ما يدل على اشتراط عدالة الإمام في حق صحة صلاة المقتدي، وجواز الاقتداء، ولأن جواز الصلاة متعلق بأداء الأركان، وهما قادران عليهما، ولأن عدم قبول صلاتهما لا يستلزم عدم جواز الاقتداء بهما، ولا عدم
стр. 1510
قبول صلاة المؤتمين بهما فضلاً عن فساد صلاتهم، لأن الذم والوعيد أنما هو متوجه إلى من كره القوم وإمامته لا إلى المؤتمين، كما لايخفى، ولأن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، أي صحت إمامته وجاز الائتمام به، ولقوله ﵇: لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولحديث أبي هريرة هذا أو غيره مما سيأتي الإشارة إليها، وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر أي فاسق إلا أنها ضعيفة، كما ستعرف، ولما روى البخاري في تاريخه والبيهقي (ج٣:ص١٢٢) عن عبد الكريم البكاء قال: أدركت عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلي خلف أئمة الجور. قال الشوكاني: عبد الكريم هذا لايحتج بروايته، وقد استوفى الكلام عليه في الميزان، ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً، ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائزين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمراءهم لا يخفى، وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج، وأخرج مسلم وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، ولأنه قد ثبت أنه ﷺ أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يارسول الله فما تأمرنا؟ فقال: صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة. ولا شك أن من أمات الصلاة وفعلها في غير وقتها غير عدل. وقد أذن النبي ﷺ بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. قال الأمير اليماني بعد ذكر هذا الحديث: فقد أذن بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة؛ لأنهم أخرجوها عن وقتها. وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأموراً بصلاتها خلفهم فريضة، ولما روي عن علي أنه أتاه قوم برجل فقالوا: إن هذا يؤمنا ونحن له كارهون. فقال له علي ﵁: إنك لخروط أي مقهور في الأمور أو متعسف في فعلك، أتؤم قوماً وهم لك كارهون. ففيه أنه وإن زجره عن الإمامة لكن لم ينه القوم عن الاقتداء به، ولا أمرهم باعادة الصلاة. والحاصل: أنه يحرم على الفاسق، وفي حكمة المبتدع، التقدم للامامة، ولا يجوز للقوم أن يقدموه ولو قدموه مع قدرتهم على المنع والعزل أثموا، وصحت الجماعة خلفه مع الكراهة التحريمية، ولا تفسد الصلاة لعدم ما يدل على بطلان صلاة المؤتمين به. ولو عجزوا عن المنع والعزل، وأمكنهم الصلاة خلف غيره بالتحول إلى مسجد آخر فهو أفضل، وإلا فالاقتداء به أولى من الانفراد، وصحت صلاتهم خلفه، لكن لا تخلو عن الكراهة، يعني يكونون محزرين لثواب صلاة الجماعة، لكن لا ينالون مثل ما ينال من صلى خلف تقي. وبما قلنا يحصل الجمع بين الأدلة المتعارضة الواردة في هذه المسألة. وإن شئت مزيد التفصيل فارجع إلى
следующие страницы →