Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
..............................................................................................
ــ
انتهى. قلت: قد أشكل على كثير من الناس معنى قوله: فليعمل ما شاء كما أشكل عليهم معنى قوله المذكور في حديث حاطب، فإن ظاهره إباحة كل الأعمال لأهل بدر وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع، وقد أجيب عن ذلك بوجوه منها ما قال ابن القيم في الفوائد (ص١٦) : إن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسلام وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم، لأنه قد تحقق ذلك فيهم وإنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقًا بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال، ومن أوجب الوجبات التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: أذنب عبد ذنبًا فقال: أي: رب أذنبت ذنبًا فاغفره لي فغفره له الحديث. وفيه: ((قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)) فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات والجرائم. وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب وتاب، واختصاص هذا العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب وإنه كلما أذنب تاب، حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك، كما قطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بشره رسول الله ﷺ بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادًا وحذرًا وخوفًا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت ومقيدة بانتفاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاءوا من الأعمال انتهى. قال النووي: في هذا الحديث أن الذنوب لو تكررت مائة مرة بل ألفًا أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته. وقال القرطبي في المفهم: هذا الحديث يدل على عظم فائدة الاستغفار وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في القلب مقارنًا للسان لتنحل به عقدة الإصرار، ويحصل معه الندم وهو ترجمة للتوبة، ويشهد له حديث خياركم كل مفتن تواب أي الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار، وفي حديث ابن عباس عند ابن أبي الدنيا مرفوعًا: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، ولكن الراجح إن قوله: والمستهزئ إلى آخره موقوف. قال القرطبي: وفائدة هذا الحديث إن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتداءه لأنه
стр. 3537
متفق عليه.
٢٣٥٧- (١٢) وَعَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلاً
ــ
أضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العودة إلى التوبة أحسن من ابتدائها، لأنه إن ضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه. وقال ابن بطال: في هذا الحديث إن المصر على المعصية في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلبًا لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقاد أن له ربًا خالقًا يعذبه يغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠) ولا حسنة أعظم من التوحيد، فإن قيل: إن استغفار ربه توبة منه، قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلها المصر والتائب. ولا دلالة في الحديث على أنه تاب مما سأل الغفران عنه، لأن حد التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم على أن لا يعود إليه والإقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك، وقال غيره شروط التوبة ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود إليه، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب. قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه. ومن ثم جاء الحديث الندم توبة وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجة وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس وصححه. ومن شاء مزيد الكلام في ذلك فليرجع إلى مدارج السالكين (ج١: ص٨٨) وإلى باب التوبة من أوائل كتاب الدعوات من الفتح، فإنه قد استوفى البحث في ذلك هناك وقال السبكي في الحلبيات: الاستغفار طلب المغفرة إما باللسان أو بالقلب أو بهما فالأول: فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني نافع جدًا، والثالث أبلغ منه لكن لا يمحصان الذنب (أي: قطعًا وجزمًا) حتى توجد التوبة منه فإن العاصي المصر يطلب المغفرة لا يستلزم ذلك وجود التوبة إلى أن قال: والذي ذكرته إن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس إن لفظ استغفر الله معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة، ثم قال وذكر بعضهم إن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ (هود: ٣) والمشهود إنه لا يشترط - انتهى ملخصًا من فتح الباري. (متفق عليه) . أخرجه البخاري في باب قول الله: يريدون أن يبدلوا كلام الله من كتاب التوحيد ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٩٦) ، وابن السني (ص١١٧) ، والحاكم (ج٣ ص٢٤٢) ونسبه في الحصن للنسائي أيضًا.
٢٣٥٧- قوله: (حدث) أي: حكى لأصحابه (إن رجلاً) يحتمل أنه من هذه الأمة أو من غيرهم
стр. 3538
قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ وَأنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَني لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ أَوْ كَمَا قَالَ. رواه مسلم.
٢٣٥٨- (١٣) وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ
ــ
(قال: والله لا يغفر الله لفلان) قاله استكثارًا أو استكبارًا لذنبه أو تعظيمًا لنفسه حين جنى عليه كما يصدر عن بعض جهلة الصوفية قاله القاري: (وأن الله تعالى) بفتح الهمزة أي وحدث أن الله تعالى وبكسرها أي والحال إن الله تعالى (قال: من ذا الذي يتألى علي) بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة أي: يتحكم علي ويحلف باسمي من الألية اليمين، يقال: آلى يؤلى إيلاء وائتلى يأتلى إيتلأ وتألى يتألى أي: حلف والاسم الألية (إني لا أغفر لفلان) وهذا استفهام إنكار فلا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو النار أو عدم المغفرة إلا لمن ورد فيه النص (فإني قد غفرت لفلان) أي رغمًا لأنفك (وأحبطت عملك) قال المظهر: أي: أبطلت قسمك وجعلت حلفك كاذبًا، لما ورد في حديث آخر من يتأل على الله يكذبه (أي: من حكم وحلف نحو والله ليدخل الله فلانًا النار أبطل قسمه وجعل حلفه كاذبًا) فلا متمسك للمعتزلة إن ذا الكبيرة مع عدم الاستحلال يخلد في النار كالكفر يحبط عمله. وقال النووي: في الحديث دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر. ومذهب أهل السنة إنها لا تحبط إلا بالكفر، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه سقطت حسناته في مقابلة سيئاته، فسمي إحباطًا مجازًا، ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من كان قبلنا وكان هذا حكمهم - انتهى. وقيل: هو محمول على التغليظ. قال في اللمعات: قوله: ((من ذا الذي يتألى علي)) في هذه العبارة تخويف وتهديد شديد وفي صورة الغيبة دون أن يقول: أنت الذي تتألى، دلالة على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك إذا حلفت علي فأعلم إني قد غفرت له على رغم أنفك وأحبطت عملك جزاءً على ما قلت: (أو كما قال) شك الراوي أي: قال الرسول أو غيره ما ذكرته، أو قال: مثل ذلك. وهو تنبيه على النقل بالمعنى لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضًا. قال النووي: ينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظه فقرأها على الشك أن يقول: عقيبه ((أو كما قال)) وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده ((أو كما قال)) أو ((نحو هذا)) كما فعلته الصحابة فمن بعدهم. والله أعلم. وقد روى الدارمي في مسنده في باب من هاب الفتيا مخافة السقط آثارا كثيرة في ذلك فمن شاء فليرجع إليه. (رواه مسلم) في البر والصلة والأدب.
٢٣٥٨- قوله: (سيد الاستغفار) قال العزيزي: أي: أفضل أنواع صيغ الاستغفار يعني الأكثر ثوابًا
стр. 3539
أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ
ــ
عند الله. قلت: ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله باب أفضل الاستغفار. قال الحافظ: ترجم بالأفضلية، ووقع الحديث بلفظ السيادة فكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية، ومعناها الأكثر نفعًا لمستعمله يعني إن النفع والثواب للمستغفر به لا للاستغفار نفسه والمراد المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثوابًا من المستغفر بغيره فهو نحو مكة أفضل من المدينة، أي ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة، ووجه كون هذا الاستغفار كذلك مما لا يعرف بالعقل، وإنما هو أمر مفوض إلى الذي قرر الثواب على الأعمال. وقال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها. وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس المقدم الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور. قال ابن أبي جمرة: جميع هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى بسيد الاستغفار ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية ولنفسه بالعبودية، والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعده به والاستعاذة من شر ما جنى به العبد على نفسه وإضافة النعم إلى موجدها وإضافة الذنب إلى نفسه ووفور رغبة في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو فهذا الاستغفار جامع لما يجب على العبد أن يقربه ويعترف ويدعو ويستغفر (أن تقول) بالمثناة الفوقية أي أيها المخاطب خطابًا عامًا أو أيها الراوي. قال القسطلاني: بصيغة المخاطب في الفرع. وقال الحافظ: قوله: أن يقول أي العبد، وثبت في رواية أحمد (ج٤: ص١٢٢) ، والنسائي: إن سيد الاستغفار أن يقول العبد، وللترمذي من رواية عثمان بن ربيعة عن شداد: ألا أدلك على سيد الاستغفار، وفي حديث جابر عند النسائي: تعلموا سيد الاستغفار. قلت: رواية الترمذي تؤيد كونه بصيغة المخاطب: (لا إله إلا أنت خلقتني) ويروى: لا إله ألا أنت، أنت خلقتني) . قال الحافظ: كذا في نسخة معتمدة بتكرير أنت وسقطت الثانية من معظم الروايات. قيل: قوله: ((خلقتني)) استئناف بيان للتربية (وأنا عبدك) أي مخلوقك ومملوكك وهو حال كقوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي أنا مقيم على الوفاء بعهد الميثاق وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق أو بوعدك بالثواب للمؤمنين على لسان الرسل (ما استطعت) أي قدر استطاعتي، فما مصدرية، والمضاف مقدر. وقال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك، ويحتمل أن يريد أنا مقيم على ما عاهدت إلي ومتمسك به ومتنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه، واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور من كنه الواجب في حقه تعالى. أي لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك ولكن أجتهد بقدر طاقتي. وقيل: أراد بالعهد ما أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ
стр. 3540
أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ــ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: ١٧٢) فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه إن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (أبوء لك بنعمتك علي) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودًا أي اعترف بها من قولهم باء بحقه أي أقر به، وأصله البواء ومعناه اللزوم ومنه بوأه الله منزلاً إذا أسكنه فكأنه ألزمه به (وأبوء بذنبي) أي: أعترف به. وقيل: معناه احتمله برغمي لا أستطيع صرفه عني من قولهم باء فلان بذنبه إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه. قال القسطلاني: ولأبي ذر عن الكشميهني: وأبوء لك بذنبي، وفي رواية الترمذي: وأعترف بذنوبي. قال الطيبي: واعترف أولاً بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل النعم، ثم اعترف بالتقصير وإنه لم يقم بأداء شكرها وعده ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس – انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون قوله: وأبوء لك بذنبي اعترافًا بوقوع الذنب مطلقًا ليصح الاستغفار منه لا أنه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنبًا (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له، وقد وقع صريحًا في حديث الإفك الطويل، وفيه كما تقدم قبل أربعة أحاديث ((العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله إليه)) وهذا الاعتراف فيما بينه وبين ربه لا عند الناس، لأنه يحب الستر والكتمان عن الناس إذا اقترف ذنبًا هو يستطيع أن يكتمه (قال) أي: النبي ﷺ (ومن قالها) أي: هذه الكلمات (من النهار) أي: في بعض أجزاءه، وفي رواية النسائي: فإن قالها حين يصبح، وللترمذي: لا يقولها أحدكم حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يصبح أو حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسى (موقنًا بها) . أي: مخلصًا من قلبه مصدقًا بثوابه. وقال القاري: أي: حال كونه معتقدًا لجميع مدلولها إجمالاً أو تفصيلاً (فمات من يومه قبل أن يمسي) أي: قبل الغروب (فهو من أهل الجنة) أي: يموت مؤمنًا فيدخل الجنة أو مع السابقين أو بغير عذاب أو هو بشارة بحسن الخاتمة، وفي رواية الترمذي: إلا وجبت له الجنة، وفي رواية النسائي: دخل الجنة. قال السندي: أي: ابتداء وإلا فكل مؤمن يدخل الجنة بإيمانه، وهذا فضل من الله تعالى. وقال الكرماني: فإن قيل المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة. قلت: المراد أنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى أو إن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار، فإن قلت: فما الحكمة في كونه سيد الاستغفار؟ قلت: هذا وأمثاله من التعبديات والله أعلم بذلك لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى أكمل الأوصاف وذكر العبد نفسه بأنقص الحالات وهي أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو
стр. 3541
رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
٢٣٥٩- (١٤) وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ
ــ
أما الأول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال والاعتراف بالصفات السبعة الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي القدرة اللازمة من الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة. والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر واللازمان من المغفرة إذا المغفرة للمسموع والمبصر لا يتصور إلا بعد السماع والإبصار. وأما الثاني فلما فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها وهو الشكر - انتهى. وقال ابن أبي جمرة: من شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب فلو أن أحدًا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يستويان؟ فالجواب إن الذي يظهر أن اللفظ إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة والله أعلم. (رواه البخاري) في أوائل الدعوات، وأخرجه أيضًا في الأدب المفرد، وأخرجه أحمد (ج٤: ص١٢٢: ١٢٥) ، والنسائي في الاستعاذة وفي اليوم والليلة، والترمذي في الدعوات، والحاكم (ج٢: ص٤٥٨) وفي الباب عن بريدة عند أحمد، وأبي داود في الأدب، والنسائي، وابن ماجة في الدعاء، وعن جابر عند النسائي، وابن السني (ص١٢٨) ونسبه في الكنز لعبد بن حميد وابن أبي شيبة أيضًا.
٢٣٥٩- قوله: (إنك ما دعوتني ورجوتني) ما مصدرية ظرفية، أي: مادمت تدعوني وترجوني يعني في مدة دعائك ورجائك (غفرت لك) ذنوبك (على ما كان فيك) أي من المعاصي وإن تكررت وكثرت (ولا أبالي) أي بكثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره يعني لا يعظم على مغفرتك، وإن كانت ذنوبك كثيرة فذنوب العبد، وإن كثرت وعظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم. فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. قال القاري: ولا أبالي أي والحال إني لا أتعظم مغفرتك علي وإن كان ذنبًا كبيرًا أو كثيرًا. قيل: لأن الدعاء مخ العبادة وهو سؤال النفع والصلاح والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله يقول: أنا عند ظن عبدي بي. وعند ذلك تتوجه رحمة الله إلى العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء. قال الطيبي: في قوله ولا أبالي معنى لا يسأل عما يفعل (لو بلغت ذنوبك عنان السماء) بفتح العين المهلة وبنونين
стр. 3542
ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ لقيتني بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً.
ــ
خفيفتين أي سحابها واحدها عنانة. وقيل: عنان السماء ما عن (بتشديد النون) لك منها أي ظهر لك منها إذا رفعت رأسك إلى السماء ونظرتها وما انتهى إليه البصر منها. وقال الطيبي: العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه وأنه بلغ مبلغ السماء يعني لو تجسمت ذنوبك وملأت الأرض والفضاء بكثرتها وعظمتها حتى ارتفعت إلى السماء (ثم استغفرتني غفرت لك) هو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (النساء:١١٠) (لو لقيتني) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، والذي في الترمذي لو أتيتني وهكذا في المصابيح، والترغيب، والحصن، والجامع الصغير، والكنز، ومدارج السالكين، والظاهر إن ما وقع في نسخ المشكاة خطأ من الناسخ (بقراب الأرض) بضم القاف، ويكسر والضم أشهر. أي بما يقارب ملأها وقيل: أي يملأها وهو أشبه أي هو المراد هنا لأن الكلام في سياق المبالغة، ويؤيده ما وقع في آخر حديث أبي ذر عند أحمد وقراب الأرض ملأ الأرض (خطايا) تمييز أي: بتقدير تجسمها (ثم لقيتني) أي مت حال كونك (لا تشرك بي شيئًا) أي معتقدًا توحيدي مصدقًا برسولي محمد ﷺ وبما جاء به وهو الإيمان. قال القاري: قوله لا تشرك بي شيئًا. الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت اللقي (لأتيتك بقرابها مغفرة) تمييز أيضًا وعبر به للمشاكلة وإلا فمغفرة الله أبلغ وأوسع لا يجوز الاغترار به وإكثار المعاصي، فالمراد الحث على الاستغفار والتوبة، وإن الله يقبل توبة التائب ويغفر له وإن كثرت ذنوبه قال الطيبي: ثم هذه للتراخي في الإخبار وإن عدم الشرك مطلوب أولى، ولذلك قال لقيتني وقيد به وإلا لكان يكفي أن يقال خطايا لا تشرك بي. قال القاري: فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد - انتهى. قال ابن رجب في شرح الأربعين: قد تضمن حديث أنس هذا إن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة أحدها: الدعاء مع الرجاء. والثاني: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء. والثالث: التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتي بأعظم أسباب المغفرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ١١٦) فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة
стр. 3543
رواه الترمذي.
٢٣٦٠- (١٥) ورواه أحمد والدارمي عن أبي ذر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٢٣٦١- (١٦) وعن ابن عباس عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له
ــ
وتعظيمًا وإجلالاً ومهابة وخشيةً ورجاءً وتوكلاً، وحينئذٍ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات فإن هذا التوحيد هو الأكسير الأعظم فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات - انتهى. وارجع إلى مدارج السالكين (ج١: ص١٨٣، ١٨٤) فإنه قد أسهب الكلام في إيضاح ذلك بما لا مزيد عليه هذا. وقد بسط ابن رجب الكلام في شرح السببين الأولين وإيراد ما يناسب المقام ويتعلق به عقب ذكر كل واحد منهما فليرجع إليه من شاء (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد الهنائي عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس، وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه - انتهى. قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به. وقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد عن سعيد مرفوعًا، ورواه مسلم بن قتيبة عن سعيد بن عبيد فوقفه عن أنس. قال ابن رجب: روي عنه مرفوعًا وموقوفًا وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا، وقد روي أيضًا من حديث ثابت عن أنس مرفوعًا ولكن قال أبو حاتم: هو: منكر - انتهى. ونسب الحديث في الكنز للضياء أيضًا.
٢٣٦٠- قوله: (ورواه أحمد) (ج٥: ص١٦٧: ١٧٢) ، (والدارمي) في الرقاق (ص٣٧٥) كلاهما من طريق شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر عن النبي ﷺ يرويه عن ربه فذكرا معنى حديث أنس، ورواه أحمد (ج٥: ص١٥٤) أيضًا مختصرًا من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني في معاجيمه الثلاثة. قال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني قيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وعن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير (وقال الترمذي: هذا) أي: حديث أنس (حسن غريب) قد تقدم أن ابن رجب قال: إسناده لا بأس به وأنه تابع كثير بن فائد على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا.
٢٣٦١ - قوله: (من علم أني ذو قدرة) أي: أذعن وتحلى قلبه بأني ذو قدرة (على مغفرة الذنوب غفرت له) قال الطيبي: دل هذا الحديث على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران وهو نظير قوله: أنا عند ظن عبدي بي - انتهى. وظاهر كلامه هذا أنه يغفر له وإن لم يستغفر. وقيل: معنى الحديث من علم أني ذو قدرة على
стр. 3544
ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً. رواه في شرح السنة.
٢٣٦٢- (١٧) وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُل ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
ــ
مغفرة الذنوب أي واستغفرني غفرت له. قلت: وإلى الأول مال الشوكاني كما يدل عليه كلامه في تحفة الذاكرين عند شرح حديث أنس السابق، حيث قال: بل ورد ما يدل على أن العبد إذا أذنب فعلم أن الله تعالى إن شاء أن يعذبه عذبه وإن شاء أن يغفر له غفر له كان ذلك بمجرده موجبًا للمغفرة من الله تفضلاً منه ورحمة، كما في حديث أنس عند الطبراني في الأوسط. قال: قال رسول الله ﷺ : من أذنب ذنبًا فعلم أن الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له كان حقًا على الله أن يغفر له. وفي إسناده جابر بن مرزوق الجدي وهو: ضعيف قال: ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الرباني والتطول الرحماني فهو الذي يغفر ولا يبالي (ولا أبالي) قال العلقمي: أي بذنوبك لأنه لا حجر عليه فيما يفعل ولا معقب لحكمه ولا مانع لعطاءه (ما لم يشرك بي شيئًا) لأن الشرك لا يغفر إلا بالإيمان والتوبة (رواه) أي: البغوي: (في شرح السنة) أي: بإسناده ونسبه في الجامع الصغير للطبراني في الكبير والحاكم. قلت: أخرجه الحاكم (ج٤: ص٢٦٢) من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس فذكره. وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال العدني: واه.
٢٣٦٢ - قوله: (من لزم الاستغفار) أي عند صدور معصية أو داوم عليه فإنه في كل نفس يحتاج إليه ولذا قال ﷺ : (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا) . وسيأتي في الفصل الثالث واللفظ المذكور لأبي داود، وابن ماجة، وابن حبان، ورواه أحمد، والنسائي، وابن السني، والحاكم بلفظ: من أكثر من الاستغفار. وهذا يؤيد المعنى الثاني (من كل ضيق) الضاد ويفتح أي شدة ومحنة. وقيل: أي أمر شديد عسير يضيق به القلب (مخرجًا) مصدر أو ظرف أي طريقًا يخرجه إلى سعة ومنحة بسبب كثرة الاستغفار ولزومه. والجار متعلق به وقدم عليه للاهتمام وكذا (ومن كل هم) أي: غم وحزن وقلق (فرجًا) بفتحتين وهو بالجيم أي خلاصًا من فرج الله الغم عنه كفرجه كشفه وأذهبه، والفرجة مثلثة التفصي والخلوص من الشدة والهم والاسم الفرج محركة (ورزقه) أي حلالاً طيبًا (من حيث لا يحتسب) أي من وجه لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله. قال الجزري: أي من حيث لا يعلم ولا كان في حسابه - انتهى. وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق ٢، ٣) ولما لكان لا يخلو المتقي
стр. 3545
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
ــ
وغيره من التقصير كما ورد: كل بني آدم خطاؤن وخير الخطائين التوابون. أشار ﷺ إليه في تعبيره بملازمة الاستغفار إيماء إلى أن العاصي إذا استغفر صار متقيًا، وهذا جزاء المتقي لا محالة. قال الطيبي: من داوم الاستغفار وأقام بحقه كان متقيًا وناظرًا إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ (نوح ١٠: ١٢) ففيه دليل على أن بالاستغفار يحصل كل شيء، ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبي إن رجلاً أتى الحسن البصري رح فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ابنًا، فقال: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر الله، فقيل: له أتاك رجال يشكون أبوابًا ويسألون أنواعًا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيء إنما اعتبرت فيه قول الله حكاية عن نبيه نوح ﵇ إنه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية (رواه أحمد) (ج١: ص٢٤٨) ، (وأبو داود) في أواخر الصلاة، (وابن ماجة) في فضل الذكر وأخرجه أيضًا النسائي، وابن السنى (ص١١٨، ١١٩) ، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٢٦٢) ، والبيهقي كلهم من رواية الحكم بن مصعب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ونقل المنذري في الترغيب قول الحاكم وأقره. وقال في تهذيب السنن: في إسناده الحكم بن مصعب ولا يحتج به. وقال في رجال الترغيب: الحكم بن مصعب صويلح الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم في ما علم وذكره ابن حبان في الثقات وفي الضعفاء أيضًا. وقال يخطئ - انتهى. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: قلت: الحكم فيه جهالة - انتهى. وقال الحافظ في التقريب: الحكم بن مصعب المخزمي مجهول، ووافق الشيخ أحمد شاكر الحاكم حيث قال في شرح المسند (ج٤: ص٥٥) : إسناده صحيح الحكم بن مصعب. قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ وذكره أيضًا في الضعفاء. وقال: ((لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار)) قال الحافظ في التهذيب: ((وهو تناقض صعب)) والذي أراه إنه إن جهله أبو حاتم فقد عرفه غيره وإن تناقض فيه ابن حبان فلا يؤخذ بكلامه فإن البخاري عرفه وترجمه في الكبير (١/٢/٣٣٦) . قال: ((الحكم بن مصعب القرشي: سمع محمد بن علي بن عبد الله بن عباس سمع منه الوليد بن مسلم)) فلم يذكر فيه جرحًا فهو ثقة عنده خصوصًا وإنه لم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء وأما قول المنذري في مختصر السنن في حق الحكم: أنه لا يحتج به فهو غلو منه شديد - انتهى. قلت: الحكم هذا ليس له عندهم إلا فرد حديث. وهو حديث لزوم الاستغفار ولم يرو عنه إلا الوليد بن مسلم ورجل آخر على ما قاله ابن حبان ولم يصرح أحد بتوثيقه، وليس هو من الرواة المعروفين المشهورين بالعدالة حتى يستغنى عن التوثيق
стр. 3546
٢٣٦٣- (١٨) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصديق قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَصَرَّ مَنْ اسْتَغْفَرَ وإنْ عاد فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. رواه الترمذي، وأبو داود.
٢٣٦٤- (١٩) وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ بَنِي آدَمَ
ــ
والتعديل، ففي كون إسناد هذا الحديث صحيحًا نظر عندي، نعم هو ليس ممن لا يقبل حديث في فضائل الأعمال والأذكار بناء على قول المنذري إنه صويلح الحديث. وذكر البخاري له تأريخه من غير جرح والله أعلم.
٢٣٦٣ - قوله: (ما أصر من استغفر) كلمة ((ما)) نافية يعني من عمل معصية ثم ندم على ذلك واستغفر منه خرج عن كونه مصرًا على المعصية، لأن المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب. قال في النهاية: أصر على الشر لزمه ودوامه وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، أي من اتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه (وإن عاد) أي ولو رجع إلى ذلك الذنب أو غيره، وهذا لفظ أبي داود، وابن السني، وللترمذي ولو فعله (في اليوم) أو الليلية (سبعين مرة) الظاهر أن المراد به التكثير والتكرير والمبالغة لا التحديد، وليس المراد بالاستغفار التلفيظ بقوله أستغفر الله، بل المراد الندامة على فعل المعصية والعزم على عدم العود. قال المناوي في شرح هذا الحديث أي: ما أقام على الذنب من تاب توبة صحيحة، وإن عاد في اليوم سبعين مرة فإن رحمة الله لا نهاية لها فذنوب العالم كلها متلاشية عند عفوه، وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (آل عمران: ١٣٥، ١٣٦) الآية قال الشوكاني: ولم يصروا. أي: لم يقيموا على قبيح فعلهم، والمراد بالإصرار هنا العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه وقال ابن القيم: الإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته (رواه الترمذي) في أحاديث شتى من أبواب الدعوات، (وأبو داود) في أواخر الصلاة، وأخرجه أيضًا ابن السني (ص١١٨) كلهم من رواية أبي نصيرة عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، وذكره الشوكاني في فتح القدير (ج١: ص٣٥٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي يعلى والبيهقي في الشعب وسكت عليه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بالقوي أي لجهالة مولى أبي بكر، قال في المبهمات من التقريب: أبو نصيرة عن مولى لأبي بكر يقال: هو أبو رجاء وقال في الكنى: منه أبو رجاء مولى أبي بكر الصديق مجهول.
٢٣٦٤ - قوله: (كل بني آدم) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وهكذا في المصابيح وجامع الأصول (ج٣: ص٧٠) والكنز، والجامع الصغير، وهكذا وقع عند ابن ماجة، والدارمي، والحاكم، والذي في
стр. 3547
خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. رواه الترمذي، وابن ماجة، والدارمي.
٢٣٦٥- (٢٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ،
ــ
الترمذي: كل ابن آدم، وهكذا وقع في الترغيب (خطأ) بتشديد الطاء والمد والتنوين أي كثير الخطأ، قال السندي: والمراد بالخطأ المعصية عمدًا ومطلقًا بناء على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد. قال القاري: أفرد نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية خطاؤن نظر إلى معنى الكل. قيل: أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد. وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى، فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى أو يقال الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان - انتهى. وقيل: كل بني آدم خطاء أي غالبهم كثير الخطأ (وخير الخطائين التوابون) أي: الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) أي: دون المصرين، فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة فكيف على الكبيرة. (رواه الترمذي) في أواخر الزهد، (وابن ماجة) في ذكر التوبة من أبواب الزهد (والدارمي) في الرقاق، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٤: ص٢٤٤) كلهم من رواية علي بن مسعدة الباهلي عن قتادة عن أنس. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال علي لين: قلت: علي بن مسعدة. قال المنذري: لين الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان لا يحتج بما انفرد به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: صالح. وقال الحافظ: صدوق له أوهام، فالظاهر إن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن والله أعلم. وزاد نسبة الحديث في الجامع الصغير والكنز لأحمد.
٢٣٦٥- قوله: (إن المؤمن إذا أذنب) أي ذنبًا. كما في رواية الحاكم (كانت) أي الذنب يتأول السيئة (نكتة) بالنصب على الخبر، وروي بالرفع على أن كان تامة فيقدر منه أي حدثت من الذنب نكتة (سوداء) والنكتة النقطة السوداء في الأبيض، أو البيضاء في الأسود والأثر الحاصل من نكت الأرض وشبع الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما. (في قلبه) أي حصلت في قلبه أثر قليل كالنقطة تشبه الوسخ في صقيل كالمرآة والسيف ونحوهما. وقال القاري: أي كقطرة مداد تقطر في القرطاس، ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه، حيث قيل شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض والمعصية بشيء في غاية
стр. 3548
فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حتى تعلو قلبه فَذَلِكم الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالى ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
ــ
السواد أصاب ذلك الأبيض، فبالضرورة. أنه يذهب ذلك الجمال منه. وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض - انتهى. واللفظ المذكور لأحمد، وابن ماجة، والحاكم، ولفظ الترمذي إن العبد إذا أخطأ خطيئته نكتت (بصيغة المجهول من النكت وهو في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها أي جعلت) في قلبه نكتة سوداء (فإن تاب) أي من الذنب (واستغفر) أي: وسأل الله المغفرة، ووقع في المسند، وابن ماجة، والمستدرك (ج٢: ص٥١٧) لفظ: نزع بعد تاب. وقيل: استغفر أي أقلع عن ذلك وتركه. ولفظ الترمذي: فإذا هو نزع واستغفر وتاب، والظاهر أنه وقع سقوط لفظ نزع في المشكاة تبعًا للمصابيح والله أعلم (صقل قلبه) بالصاد المهملة على بناء المفعول من صقله جلاه من باب نصر أي: محا الله تلك النكتة عن قلبه فينجلي، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل وضميره راجع إلى التائب وفي رواية الترمذي، والحاكم، سقل بالسين قال في القاموس: السقل: الصقل، وقال فيه صقله جلاه - انتهى. والمعنى نظف وصفى مرآة قلبه، لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيًا أو تمثيليًا (وإن زاد) أي في الذنب بعينه أو بغيره من الذنوب (زادت) أي النكتة السوداء أو يظهر لكل ذنب نكتة (حتى تعلو) أي تغلب النكت، وفي المسند يعلو بالمثناة التحتية أي يغلب سواد تلك النكتة، على (قلبه) أي تغطية وتغمرة وتستر سائره، ويصير كله ظلمة فلا يعي خيرًا ولا يبصر رشدًا، ولا يثبت فيه صلاح. وفي رواية الترمذي: ((وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه)) يعني: وإن عاد إلى ما اقترفه أو عاد في الذنب، والخطيئة زيد في النكتة السوداء نكتة أخرى، وهكذا حتى تطفئ تلك النكت نور قلبه فتغمى بصيرته (فذلكم) قيل الخطاب للصحابة أي فذلكم الأثر المستقبح المستعلى هو (الران الذي ذكر الله) أي في كتابه وأدخل اللام على ران وهو فعل، أما القصد حكاية اللفظ وإجراءه مجرى الاسم، وإما لتنزيله منزلة المصدر، وقوله: ((فذلكم الران)) هكذا في جميع نسخ المشكاة، وكذا وقع في المصابيح، والذي في المسند ((ذلك الرين)) وفي الترمذي ((وهو الران)) وفي ابن ماجة، والحاكم ((فذلك الران)) وهكذا نقله المنذري في الترغيب، والرين والران سواء كالذيم والذام والعيب والعاب، وأصل الرين الطبع والتغطية والدنس، وهو أيضًا الصدأ الذي يعلو السيف والمرآة. قال أبو عبيد: ((كل ما غلبك وعلاك فقد ران بك ورانك وران عليك ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ أي: غلب واستولى عليها ﴿مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ما اكتسبوه من الذنوب)) . قال الحافظ ابن كثير: أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على
стр. 3549
رواه أحمد، والترمذي وابن ماجة، وَقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٣٦٦- (٢١) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
ــ
رسوله ﷺ . وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار والغين للمقربين - انتهى. قال شيخنا: أصل الران والرين الغشاوة وهو كالصدى على الشيء الثقيل قال الطيبي: الران والرين سواء كالعاب والعيب، والآية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب ويزاد ذلك بازدياد الذنب. قال ابن الملك هذه الآية مذكورة في حق الكفار لكن ذكرها ﷺ تخويفًا للمؤمنين كي يحترزوا عن كثرة الذنب كيلا تسود قلوبهم كما أسودت قلوب الكفار، ولذا قيل المعاصي يريد الكفر كذا في المرقاة. رواه أحمد (ج٢: ص٢٩٧) ، (والترمذي) في تفسير سورة المطففين، (وابن ماجة) في ذكر الذنوب من أبواب الزهد، وذكره الشوكاني في الفتح القدير (ج٥: ص٣٩٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير (ج٢: ص٦٢) ، وابن المنذر، وابن حاتم، والحاكم (ج١: ص٥، وج٢: ص٥١٧) ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، وذكره المنذري في الترغيب في موضعين ونسبه لابن حبان أيضًا (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) ، وقال الحاكم (ج٢: ص٥١٧) : صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٢٣٦٦- قوله: (إن الله يقبل توبة العبد) قال القاري: ظاهره الإطلاق، وقيده بعض الحنفية بالكافر - انتهى. قال شيخنا: والظاهر المعول عليه هو الأول (ما لم يغرغر) بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة من الغرغرة، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فتكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلغ، ويقال لذلك الشيء الذي يتغرغر به الغرور مثل قولهم لعوق ولدود وسعوط والمقصود ما لم يعاين أحوال الآخرة. قال القاري: يعني ما لم يتيقن بالموت فإن التوبة بعد التيقين بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (النساء: ١٨) قيل: وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت فحكم أغلبي لأن كثيرًا من الناس لا يراه وكثيرًا يراه قبل الغرغرة - انتهى. وقال التوربشتي: الغرغرة تردد الماء وغيره في الحلق والغرغرة صوت معه بحح ويقال الراعي يغرر بصوته أي: يردده في حلقه ويتغرغر صورته في حلقه أي: يتردد، ومعناه في الحديث تردد النفس في الحلق عند نزع الروح، وذلك في أول
стр. 3550
رواه الترمذي وابن ماجة.
ــ
ما يأخذ في سياق الموت. ويكون معنى قوله: ما لم يغرغر ما لم يحضره الموت. فإنه إذا حضره الموت يغرغر بتردد النفس في الحلق فإذا تحقق بالموت، وانقطاع المدة أي مدة الحياة فتوبته غير معتد بها قال: وإنا إن أنكرنا صحة التوبة ممن حضره الموت فأيقن بالهلاك وتحقق بفوات إمكان المراجعة، فإنا لا نقول والحمد لله بسد باب الرحمة عنه وتحريم المغفرة عليه، بل نخاف منه ونرجو له العفو من الله فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) انتهى. ملخصًا. والحاصل إن التوبة عند المعاينة لا تنفع، لأنها توبة ضرورة لا اختيار قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ (النساء: ١٧، ١٨) الآية، والتوبة من قريب عند جمهور المفسرين هي التوبة قبل المعاينة أي قبل وقت حضور الموت. قال عكرمة: قبل الموت. وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، فهذا شأن التائب من قريب. وأما إذا وقع في السياق فقال إني تبت الآن لم تقبل توبته، وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله. وقيل: معنى التوبة من قريب إنهم يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. قال في الإحياء: معناه عن قرب العهد بالخطيئة بأن يندم عليها ويمحو أثرها بحسنة تدفعها قبل أن يتراكم الذنب على القلب فلا يقبل المحو ولذلك قال ﷺ : أتبع السيئة الحسنة تمحها. قال في هامش مدارج السالكين: اغتر الناس بظواهر أقوال المفسرين عكرمة، والضحاك وغيرهما في تفسير الآية، وحديث ابن عمر وأمثاله فصاروا يسرفون في التوبة ويصرون على المعاصي، فترسخ في قلوبهم وتأنس بها أنفسهم وتصير ملكات وعادات يتعذر عليهم أو يتعسر على غير الموفق النادر الإقلاع عنها حتى يجيئهم الأجل الموعود، وليس معنى الآية إن التوبة المقبولة المرضية التي أوجب الله على نفسه قبولها هي ما كانت عن معاصي يصر المرء عليها إلى ما قبل غرغرة الموت ولو بساعات ودقائق بل المراد القرب من وقت الذنب المانع من الإصرار كما في الآية الأخرى. ولعل مراد عكرمة والضحاك وأمثالهما موافقة معنى الحديث من أن الله يقبل توبة العاصي ما لم يغرغر أي: إنه إن فرض أنه تاب في أي وقت من الأوقات قبل الغرغرة والمعاينة تقبل توبته، ولا يكون ذلك منافيًا للآية، فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب، ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد، فإن تاب فقلما يتمكن من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليتصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه: ٨٢) وجملة القول إن المراد أن الإصرار والتسويف خطر، وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار إذ الغالب أن المرء يموت على ما عاش فليحذر المغرورون. (رواه الترمذي) في الدعوات، (وابن ماجة)
стр. 3551
٢٣٦٧- (٢٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وارتفاع مكاني لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي.
ــ
في ذكر التوبة من أبواب الزهد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٣٢: ١٥٣) ، والحاكم (ج٤ ص٢٥٧) ، وأبو نعيم في الحلية (ج٥: ص١٩) ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور (ج٢: ص١٣١) ، وعلي المتقي في الكنز (ج٤: ص٢١) وزاد نسبته لابن حبان، والبيهقي في الشعب، والحديث حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. واعلم أنه اختلفت النسخ من سنن ابن ماجة في تسمية الصحابي الذي روى هذا الحديث، ففي بعضها عبد الله بن عمر كما وقع في المسند والترمذي، والحاكم، والحلية، وابن حبان، والبيهقي، وهذا هو الصحيح. ووقع في بعضها عبد الله بن عمرو أي بالواو، وهي النسخة التي كانت عند البوصيري فظنه لذلك حديثًا آخر غير هذا الحديث الذي عن ابن عمر بن الخطاب فاعتبره من الزوائد كما يدل عليه كلامه الذي نقله عنه السندي، وهذا خطأ من غير شك، وفي الباب عن أبي ذر عند أحمد (ج٥: ص١٧٤) ، والبزار وعن رجل عند أحمد والبغوي كما في الكنز.
٢٣٦٧- قوله: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب) أي: وقوتك وقدرتك يعني أقسم بعزتك التي لا ترام، وفي رواية أخري لأحمد إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك. قال القاري: وفيه إيماء إلى أنه رئيس الضلال، ومظهر الجلال كما أن نبينا ﷺ مظهر العناية والجمال وسيد أهل الهداية والكمال (لا أبرح) بفتح الهمزة أي: لا أزال (أُغوي) بضم الهمزة وكسر الواو أي: أضل (عبادك) ، وفي رواية لأحمد: بني آدم. أي: لا أزال أضل بني آدم، إلا المخلصين منهم ويحتمل العموم ظنًا منه إفادة ذلك (ما دامت أرواحهم في أجسادهم) أي: مدة حياتهم (فقال الرب : وعزتي وجلالي) قال القاري: ولعل ذكرهما للمشاكلة وإلا فمقتضي المقابلة أن يقول: ورحمتي وجمالي (وارتفاع مكاني) لم أجد هذا اللفظ عند أحمد في مسند أبي سعيد ولا ذكره الجزري في الحصن، والمنذري في الترغيب وعلي المتقي في الكنز، نعم هو شرح السنة للبغوي وهي زيادة منكرة (لا أزال) ، وفي رواية أحمد: (لا أبرح) ، وفي أخري له أيضًا: لا أزال في كلا الموضعين ولعل ذلك من تصرف الرواة (أغفر لهم ما استغفروني) أي مدة طلبهم المغفرة في حالة الاختيار. وفي الحديث دليل علن أن الاستغفار يدفع ما وقع من الذنوب بإغواء الشيطان وتزيينه وإنها لا تزال المغفرة كائنة ما داموا يستغفرون. قال الطيبي: فإن قلت كيف المطابقة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ
стр. 3552
رواه أحمد.
٢٣٦٨- (٢٣) وَعَن صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ.
ــ
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: ٨٢ - ٨٥) فإن الآيات دلت على أن المخلصين هم الناجون فحسب، والحديث دال على أن غير المخلصين هم أيضًا ناجون، قلت: قيد قوله تعالى: ﴿ممَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أخرج العاصين المستغفرين منهم لأن المعنى ممَنِ اتَّبَعَكَ واستمر على المتابعة، ولم يرجع إلى الله ولم يستغفر - انتهى. وقيل: الأظهر في دفع هذا الإشكال إن المراد بالمخلصين الموحدون الذين أخلصهم الله من الشرك (رواه أحمد) أي: بهذا اللفظ دون اللفظ دون قوله ((وارتفاع مكاني)) (ج٣: ص٢٩) وإنما رواه بهذه الزيادة البغوي صاحب المصابيح في شرح السنة (١/١٤٦/٢) وأخرجا الحديث من طريق ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، والكلام في ابن لهيعة معروف، وفي حديث دراج عن أبي الهيثم ضعف. وأخرجه أحمد أيضًا بنحوه بدون هذه الزيادة من هذا الطريق (ج٣: ص٧٦) ، وأخرجه في (ج٣: ص٢٩، ٤١) من طريق آخر أي: من طريق الليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد وليس فيه أيضًا هذه الزيادة ومن هذا الموضع ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص٢٠٧) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلي بنحوه. وقال: (لا أبرح أغوي عبادك) والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلي - انتهى. وأراد بهذا الطريق الثاني. وأما الطريق الأول ففيه ابن لهيعة ودراج كما ذكرنا، وأخرجه الحاكم (ج٤: ص٢٦١) من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم بدون الزيادة المذكورة، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ولا يخفى ما فيه. قال الحافظ في ترجمة دراج: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف وقال الشوكاني بعد نقل تصحيح الحاكم: وفيه نظر فإن في إسناده دراجًا.
٢٣٦٨- قوله: (إن الله تعالى جعل بالمغرب بابًا) أي: حسيًا. وقيل: معنويًا (عرضه مسيرة سبعين عامًا) أي: فكيف طوله، قيل: ذكر السبعين للتكثير والمبالغة لا للتحديد. قال في اللمعات: قيل: المراد به المبالغة في انفتاح باب التوبة وكون الناس في فسحة واسعة منها. وهذا تأويل، وصريح الإيمان أن يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند الله. (للتوبة) أي مفتوحًا لأصحاب التوبة أو علامة لصحة التوبة وقبولها (لا يغلق) بصيغة المجهول (ما لم تطلع الشمس من قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جانب المغرب. قال ابن الملك: وهذا يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الظاهر، وفائدة إغلاقه أعلام الملائكة بسد باب التوبة وأن يكون تمثيلاً. قال الطيبي:
стр. 3553
وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ . رواه الترمذي، وابن ماجة.
٢٣٦٩- (٢٤) وَعَن مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ
ــ
يعني إن باب التوبة مفتوح على الناس وهم في فسحة وسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت سد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة، لأنهم إذا عاينوا ذلك واضطروا إلى الإيمان والتوبة فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر، ولما كان سد الباب من قبل المغرب جعل فتح الباب من قبله أيضًا. وقال التوربشتي: المراد منه والله أعلم إن أمر قبول التوبة هين، والناس عنه في فسحة وسعة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإن بابًا ينتهي عرضه إلى مسيرة سبعين عامًا لا يكاد يتضايق عن الناس إلا أن يغلق وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها (وذلك) أي: طلوع الشمس من مغربها المانع من قبول التوبة (قول الله أي: معنى قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أي: بعض علاماته الدالة على الساعة أو بعض علامات يظهرها ربك إذا قربت القيامة وهو طلوع الشمس من مغربها ﴿لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ أي: حينئذ حال كونها ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل إتيان بعض آياته وهو الطلوع المذكور وتتمة الآية ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ عطفًا على آمنت أي أو لم تكن النفس كسبت في حال إيمانها توبة من قبل، وبهذا التقرير تظهر المناسبة التامة بين الحديث والآية، ويكون معاينة طلوع الشمس نظير معاينة حضور الموت في عدم نفع الإيمان والتوبة عند حصول كل منهما. قاله القاري. وقال الطيبي: الوجه أن يحمل على اللف التقديري بأن يقال لا ينفع نفسًا إيمانها حينئذٍ أو كسبها في إيمانها خيرًا حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل والإيجاز من حلية التنزيل - انتهى. رواه الترمذي في الدعوات، وصححه. وابن ماجة في الفتن، واللفظ للترمذي رواه في حديث. وفيه قال زر: يعني ابن حبيش فما برح يعني صفوان يحدثني حتى حدثني إن الله تعالى جعل بالمغرب بابًا. إلخ. قال المنذري: وليس في هذه الرواية تصريح برفعه كما صرح البيهقي وإسناده صحيح - انتهى ولفظ ابن ماجة عن زر عن صفوان، قال: قال رسول الله ﷺ : إن من قبل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا عرضه سبعون سنة فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٢٤٠، ٢٤١) ، والبخاري في تأريخه (٢/٢/٣٠٦) ، والطبراني في الكبير، وعبد الرزاق، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي وغيرهم بألفاظ.
٢٣٦٩- قوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة) فيه دليل على أن الهجرة لم تنقطع، وحديث ابن
стр. 3554
وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. رواه أحمد وأبو داود والدارمي.
٢٣٧٠- (٢٥) وَعن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالآخَرُ يَقُولُ مُذْنِبُ،
ــ
عباس عند الشيخين قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: لا هجرة بعد فتح مكة. أي: انقطعت بعد فتحها، وقد اختلفت في الجمع بينهما فقال في اللمعات: المراد بالهجرة ها هنا مهاجرة الذنوب والآثام والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله: ((حتى تنقطع التوبة)) أي: ينتهي حكم الله تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند طلوع الشمس من مغربها - انتهى. وقال ابن الملك: أراد بالهجرة هنا الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة. وقال الطيبي: لم يرد بها الهجرة من مكة إلى المدينة لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا كما ورد المهاجر من هجر الذنوب والخطايا، لأنها عين التوبة، فليزم التكرار فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة حدود الله فتدبر. وقال الخطابي: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضًا ثم صارت مندوبة فوجبت على المسلمين عند انتقال رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر ويتعلموا منه أمر دينهم، وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من أهل مكة، فلما فتحت مكة وبخعت بالطاعة زال ذلك المعنى، وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر فيها إلى الندب والاستحباب، فالهجرة المنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب على أن إسناد حديث ابن عباس متصل صحيح وإسناد حديث معاوية فيه مقال - انتهى مختصرًا. (ولا تنقطع التوبة) أي: صحتها أو قبولها أو حكم الله وشريعته بقبولها. (رواه أحمد) (ج٤: ص٩٩) ، (وأبو داود) في أوائل الجهاد، (والدارمي) في السير، وأخرجه أيضًا النسائي. وقد سكت عنه أبو داود ونقل المنذري كلام الخطابي ((في إسناد حديث معاوية مقال)) وأقره، قلت: في سنده عندهم جميعًا أبو هند البجلي الشامي روى عن معاوية وعنه عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي. قال الحافظ: شامي تابعي أرسل شيئًا فذكره العسكرى (أي: على سبيل الوهم والغلط) في الصحابة قال عبد الحق في الأحكام: ليس بمشهور. وقال ابن القطان: مجهول. وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف، ولكن احتج به النسائي على قاعدته وقال الحافظ في التقريب. مقبول فالحديث لا يخلو عن ضعيف.
٢٣٧٠- قوله: (متحابين) وفي رواية أبي داود: متواخيين أي: متصادقين ومتصافيين. وقيل: أي: متقابلين في القصد والسعي، فهذا كان قاصدًا وساعيًا في الخير وهذا كان قاصدًا وساعيًا في الشر (أحدهما مجتهد في العبادة) أي: مبالغ فيها (والآخر يقول) أي: الرسول ﷺ (مذنب) أي: هو مذنب. قال الطيبي: ويمكن أن
стр. 3555
فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه، فيقول: خلني وربي. حتى وجده يومًا على ذنب استعظمه، فقال: أقصر فقال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب: قال: اذهبوا به إلى النار.
ــ
يقال: إن المعنى والآخر منهمك في الذنب ليطابق قوله مجتهد في العبادة. وقال المظهر: أي يقول الآخر: أنا مذنب أي: معترف بالذنب. وقال القاري والشيخ الدهلوي: وهو الأظهر لسياق الحديث. قلت: ويؤيد القول الأول ما وقع عند أبي داود ((فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة)) (فجعل يقول) أي: المجتهد للمذنب (أقصر) بفتح همزة أمر من الإقصار أي: كف وأمسك وامتنع. قال في المجع الإقصار: هو: الكف عن الشيء مع القدرة عليه فإن عجز عنه يقول قصرت عنه بلا ألف - انتهى. ولأبي داود فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر. (عما أنت فيه) أي: من ارتكاب الذنب (فيقول) أي: الآخر: (خلني وربي) أي: اتركني معه (حتى وجده) أي: المجتهد المذنب (يومًا) أي: وقتًا ما (على ذنب استعظمه) أي: المجتهد ذلك الذنب (أبعثت) بصيغة المجهول بالاستفهام الإنكاري (علي رقيبًا) أي: أبعثك الله علي حافظًا وكأن الرجل كان يستغفر ربه ويعتذر إليه كلما أذنب، وبهذا يناسب هذا الحديث باب الاستغفار، وظاهر سياق الحديث أنه أدخل الجنة بمحض فضله ورحمته، فكان المناسب أن يورده في الباب الذي يليه فإن الأحاديث المذكورة فيه تدل على سعة رحمة الله تعالى كما لا يخفى (فقال) أي: المجتهد من إعجابه بأعماله واحتقار صاحبه لارتكاب عظيم ذنبه (ولا يدخلك الجنة) وفي بعض نسخ أبي داود أو لا يدخلك الله الجنة وهكذا وقع في الكنز (ج٤: ص١٤٢) (فقبض) أي: الملك (أرواحهما) أي: روحيهما على حد صغت قلوبكما (فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي) أي: جزاء الحسن ظنك بي فقد غفرتك (وقال للآخر) في العدول عن التعبير بالمجتهد نكتة لا تخفى، وهي إن اجتهاده في العبادة ضاع لقلة علمه ومعرفته بصفات ربه وإعجابه بعمله وقسمه وحكمه على الله بأنه لا يغفر للمذنب، فانقلب الأمر وصار كالآخر. والمذنب بحسن عقيدته وحسن ظنه بربه واعترافه بالتقصير في معصيته نزل منزلة المجتهد (أتستطيع) الهمزة للإنكار أي أتقدر (أن تحظر) بضم الظاء المعجمة أي: تمنع وتحرم (على عبدي رحمتي) أي: التي وسعت كل شيء في الدنيا وخصت للمؤمنين في العقبى (فقال: لا يا رب) اعترف حين لا ينفعه الاعتراف (اذهبوا به) الخطاب للملائكة الموكلين بالنار (إلى النار) جزاء على اجتراءه علي وحلفه، وحكمه عليَّ بأن لا أغفر للمذنب ولإعجابه بأعماله واحتقاد
стр. 3556
رواه أحمد.
٢٣٧١- (٢٦) وعن أسماء بنت يزيد، قالت سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يقرأ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
ــ
صاحبه ولا دلالة في الحديث على كفره ليكون مخلدًا في النار. ولفظ أبي داود فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا (أي: فحلفت أن لا أغفر له ولا أدخله الجنة) أو كنت على ما في يدي قادرًا (أي: فمنعتني منه) وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. (رواه أحمد) ، وأخرجه أيضًا أبو داود في باب النهي عن البغي من كتاب الأدب من طريق علي بن ثابت الجزري عن عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة، وهذا الإسناد صحيح أحسن قد سكت عنه أبو داود علي بن ثابت الجزري ثقة صدوق، قد ضعفه الأزدي بلا حجة، وعكرمة بن عمار العجلي صدوق، وضمضم بن جوس الهفاني اليمامي ثقة. قال الحافظ: روى له أبو داود في إثم القنط ورواه أيضًا البغوي في المعالم بإسناده عن ضمضم بن جوس. قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال لي: يا يمامي تعال وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبدًا ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله. قال أبو هريرة: قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمته، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن رجلين - الحديث إلى آخره. ثم قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت بدنياه وآخرته - انتهى.
٢٣٧١ - قوله: (وعن أسماء بنت يزيد) أي: ابن السكن الأنصارية (يقرأ) ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ بفتح الياء وسكونها. قال في فتح البيان: قرئ بإثبات الياء وصلاً ووقفًا، وبغير الياء، أي وقفًا وهما سبعيتان ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي. وقيل: أي: أفرطو عليها بالكفر أو المعاصي واستكثروا منها. وقيل: أي: أفرطوا عليها وتجاوزوا الحد في فعل كل مذموم ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ بفتح النون من باب سمع وبكسرها من باب ضرب أي: لا تيأسوا ﴿مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: من مغفرته ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ استئناف فيه معنى التعليل ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ أي: ذنوب الكفار بالتوبة وذنوب المسلمين بها وبالمشيئة. اعلم أنهم اختلفوا هل هذه الآية مقيدة بالتوبة وإنه لا تغفر إلا ذنوب التائبين أو هي على إطلاقها؟ فذهب جماعة من المفسرين إلى الأول. قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفر وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. ثم ذكر حديث ابن عباس إن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا
стр. 3557
..............................................................................................
ــ
وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا إن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (الفرقان: ٦٨) ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: ٥٣) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال ابن كثير: المراد من الآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (الفرقان: ٧٠) الآية ثم ذكر حديث ثوبان الآتي في الفصل الثالث، وحديث أسماء الذي نحن في شرحه ثم قال: فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من ﵀ وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع ثم ذكر ابن كثير الآيات والأحاديث الدالة على الحث على التوبة والاستغفار. وقال الجمل (ج٣: ص٧٢٤) : وهذه الآية عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاص يتوب فتمحو توبته ذنبه، والمراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وإنه متى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة. فمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣) أي: بالتوبة إذا تاب وصحت توبته فمحصت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فيه، فإن شاء غفر له وعفى عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد وخوف العقاب قائم فلعل الله يغفر مطلقًا ولعله يعذب ثم يغفر بعد ذلك - انتهى. وإليه أي إلى تقييد آية الزمر بالتوبة، ذهب ابن القيم حيث قال في الجواب الكافي (ص١٦) ومدارج السالكين (ج١: ص٣٩٤) إن هذه الآية في حق التائبين وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ في حق غير التائب. وذهب بعضهم إلى أن الآية على إطلاقها. قال العلامة القنوجي البوفالي في فتح البيان (ج٨: ص١٦٦) والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها، وإليه ذهب الشوكاني حيث قال في فتح القدير (ج٤: ص٤٥٦، ٤٥٧) الألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه (وهو قوله: الذنوب) للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلك بقوله جميعًا. قال الشوكاني: والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ هو إن كل ذنب كائنًا ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال أن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا، يدل على أنه يشاء غفرانها جميعًا، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق تعارض
стр. 3558
ولا يبالي. رواه أحمد، والترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب.
ــ
بين الآيتين من هذه الحيثية. قال ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين. وقد قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة. وقد قال سبحانه وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم. قال الواحدي: المفسرون قالوا: إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك وقتل النفس ومعاداة النبي ﷺ . قلت: (قائله الشوكاني ذهب أنها في هؤلاء القوم فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب كما هو متفق عليه بين أهل العلم قال وأما قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (الزمر: ٥٤) فليس فيه ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال إن هذه الجملة مستأنفة خطابًا للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى وتبشيرهم، وهذا وإن كان بعيدًا ولكنه يمكن أن يقال به. والمعنى على ما هو الظاهر إن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم والأمر بالإنابة إليه والإخلاص والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ (الزمر: ٥٤) أي: عذاب الدنيا. يعني بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب لا عذاب الآخرة. قلت: الآية تحتمل القولين لكن سياقها يؤيد ما قاله ابن كثير ومن وافقه. وأما ما ذكره الشوكاني في تأويل ذلك السياق ففيه تكلف ظاهر. والراجح عندي إن مغفرة ذنوب المسلمين غير مقيدة بالتوبة بل تغفر بها وبالمشيئة (ولا يبالي) أي: من أحد فإنه لا يجب على الله. وقيل: أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد وانتهت رواية الترمذي على هذا أو زاد أحمد في روايته إنه هو الغفور الرحيم. والظاهر من هذه الرواية إن قوله ولا يبالي. كان من القرآن، ولذا قال صاحب المدارك تحت هذه الآية: وفي قراءة النبي ﷺ يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي. وقال القاري: وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ، ويحتمل أن يكون زيادة من عنده ﵊ كالتفسير للآية (رواه أحمد) (ج٦: ص٤٥٤: ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١) ، (والترمذي) في تفسير سورة الزمر، كلاهما من طريق ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد (وقال) أي: الترمذي (هذا حديث حسن غريب) وقال أيضًا: لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب - انتهى. وشهر هذا صدوق كثير الإرسال والأوهام قاله في التقريب وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد ما أحسن حديثه ووثقه وروى عن أسماء أحاديث حسانًا كذا في تهذيب التهذيب. والحديث
стр. 3559
وفي ((شرح السنة)) ((يقول)) بدل ((يقرأ)) .
٢٣٧٢- (٢٧) وعن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ قال رسول الله ﷺ : إن تغفر اللهم تغفر جمًا، وأي عبد لك لا ألما.
ــ
ذكره الشوكاني في فتح القدير (ج٤: ص٤٦٠) وزاد في نسبته أبا داود، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري، والحاكم، وابن مردويه، ونسبه ابن كثير أيضًا إلى أبي داود ولم أجده في سننه ولم ينسبه النابلسي إليه في ذخائر المواريث، بل اقتصر على ذكر الترمذي (وفي شرح السنة يقول) أي يا عبادي إلخ (بدل يقرأ) أي السابق في رواية أحمد والترمذي وهذا يؤيد القول بأنه حديث.
٢٣٧٢- قوله: في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ أي: في تفسير قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ (النجم: ٣٢) الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ما عين له حدًا أو ذم فاعله ذمًا شديدًا، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها. والفواحش جمع فاحشة، وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه، وهو من عطف الخاص على العام. وقيل: هي كل ذنب فيه وعيد أو مختص بالزنا ﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ بفتحتين أي ما قل وصغر من الذنوب يعني الصغائر منها فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها، والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش. وأصل ﴿اللَّمَمَ﴾ في اللغة ما قل وصغر. ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه وألم بالطعام قل أكله منه. قال في الصحاح: ألم الرجل من ﴿اللَّمَمَ﴾ وهو صغائر الذنوب، ويقال: مقاربة المعصية من غير مواقعة. قال المبرد: أصل اللَّمَمَ أن تلم بالشيء من غير أن ترتكبه يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب. وقال الزجاج: أصل ﴿اللَّمَمَ﴾ والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، ويقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه. وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللَّمَمَ المذكور في الآية، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب. وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة. وقيل: الخطرة من الذنوب. وقيل كل ذنب لم يذكر الله فيه حدًا ولا عذابًا. وقيل: غير ذلك والراجح هو قول الجمهور (قال رسول الله ﷺ ) أي: استشهادًا بأن المؤمن لا يخلوا من اللَّمَمَ (إن تغفره اللهم تغفر جمًا) بفتح الجيم وتشديد الميم أي كثيرًا (وأي عبد لك لا ألمًا) فعل ماض مفرد والألف للإشباع أي لم يلم بمعصية أي عبد غير معصوم لم يقع منه ذنب أي لم يتلطخ بصغيرة يقال: لم أي: تزل وألم: إذا فعل ﴿اللَّمَمَ﴾ وهو الشيء القليل، والبيت لامية بن أبي الصلت الذي كان متعبدًا في الجاهلية ومتدينًا ومؤمنًا بالبعث أدرك الإسلام ولم يسلم، وكان ﷺ يحب شعره لاشتماله على المواعظ والحقائق، وهذا
стр. 3560
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
٢٣٧٣- (٢٨) وعَنْ أَبِي ذر، قال: قال رَسُول الله ﷺ : يَقُولُ الله تعالى: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت، فاسئلوني الهدى أهدكم. وكلكم فقراء إلا من أغنيت، فاسئلوني أرزقكم. وكلكم مذنب إلا من عافيت،
ــ
البيت صار حديثًا لنطقه ﷺ بلفظه والمنفي عنه ﷺ في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ (يس: ٦٩) هو إنشاء الشعر لا إنشاده والتمثل به وهو الصحيح أي من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلاً عن الصغائر، لأنها لا يخلوا عنها أحد، وإنها مكفرة بالحسنات. وقال الطيبي: أي: من شأنك اللهم أن تغفر غفرانًا كثيرًا للذنوب العظيمة. وأما الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك لأنها لا يخلو عنها أحد وإنها مكفرة باجتناب الكبائر وإن ليس للشك بل للتعليل كما تقول للسلطان إن كنت سلطانًا فأعط الجزيل. والمعنى لأجل إنك غفار غفر جمًا - انتهى. (رواه الترمذي) في تفسير سورة النجم، وذكره الشوكاني في فتح القدير وزاد في نسبة سعيد بن منصور، والبزار، وابن جرير، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، والحاكم (ج٢: ص٤٦٩) ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) وقال: لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق أي: عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ومن هذا الطريق رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
٢٣٧٣- قوله: (كلكم ضال إلا من هديت) أي: كلكم عار من الهداية ليس له هداية من ذاته بل هي من عناية ربه ولطفه وهذا لا ينافي حديث كل مولود يولد على الفطرة بمعنى أنه يولد خاليًا عن دواعي الضلالة وفيه أن العبد محتاج إلى الله تعالى في كل شيء وأن أحدًا لا يغني أحدًا شيئًا من دونه فحقه أن يتبتل إليه بشر أشره (فاسألوني) وفي بعض النسخ فسلوني، وهكذا وقع عند أحمد (ج٥: ص١٧٧) ، والترمذي، وابن ماجة، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (الهدى) أي: اطلبوا الهداية مني لا من غيري (كلكم فقراء) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي مسند الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة: وكلكم فقير. وهكذا نقله الجزري (إلا من أغنيت) وهو أيضًا لا يستغني عنه لمحة لاحتياجه إلى الإيجاد والإمداد كل لحظة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء﴾ (محمد: ٣٨) (فاسألوني) وفي الترمذي فسلوني، وهكذا في جامع الأصول والمسند وابن ماجة (وكلكم مذنب) أي يتصور منه الذنب (إلا من عافيت) أي: من الأنبياء والأولياء أي وعصمت وحفظت، وهو يدل على أن العافية هي السلامة من الذنوب وهي أكمل أفرادها، وإنما قال: عافيت تنبيهًا على أن الذنب مرض ذاتي
стр. 3561
فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي. ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة ولو أن أولكم، وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي، ما نقص ذلك من ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم، وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة، ثم رفعها، ذلك بأني جواد
ــ
وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه أو كلكم مذنب بالفعل، وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة (غفرت له) أي: جميع ذنوبه (ولا أبالي) أي: لا أكترث (ولو أن أولكم وآخر كم) يراد به الإحاطة والشمول (وحيكم وميتكم) تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله (ورطبكم ويابسكم) أي شبابكم وشيوخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم. وقيل: المراد بهما البحر والبر أي أهلهما أو أنه لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجر والحيتان وسائر الحيوان آدميًا. وقيل: يحتمل أن يراد بهما الإنس والجن بناء على أن خلق الجن من النار، والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر: وجنكم وإنسكم. قال الطيبي: هما عبارتان عن الإسيتعاب التام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيدًا للشمول بعد تأكيد وتقريرًا بعد تقرير - انتهى. (اجتمعوا على اتقى قلب عبد من عبادي) وهو نبينا ﷺ (ما زاد ذلك) أي: الاجتماع (جناح بعوضة) بفتح الجيم أي: قدره (اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي) وهو إبليس اللعين (اجتمعوا في صعيد واحد) أي: أرض واسعة مستوية (ما بلغت أمنيته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء أي: مشتهاه، وجمعها المني والأماني يعني كل حاجة تخطر بباله (ما نقص ذلك) أي الإعطاء أو قضاء حوائجهم (فغمس) بفتح الميم أي أدخل (إبرة) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وهي المخيط (ذلك) أي عدم نقص ذلك من ملكي (بأني جواد) أي كثير الجود. ووقع عند أحمد (ج٥: ص١٧٧) ، والترمذي بعد ذلك ((واجد)) وهو الذي يجد ما يطلبه ويريده وهو الواجد المطلق لا يفوته شيء، وهذا بيان لسبب ما تقدم، وذلك لأنه إذا كان عطاءه الكلام فلا يتصور في خزائنه النقصان. وقال في اللمعات: قوله ذلك بأني جواد ماجد
стр. 3562
ماجد أفعل ما أريد، عطائبي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ . رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة.
٢٣٧٤- (٢٩) وعن أنس عن النبي ﷺ : أنه قرأ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: قال ربكم: أنا أهل أن أتقي فمن اتقاني فأنا أهل أن أغفر له. رواه الترمذي، وابن ماجة،
ــ
إشارة إلى مجموع ما ذكر أو إلى الأخير وعلى الأول الجواد بالنسبة إلى الأخير والماجد إلى ما قبله أو الكل في الكل فافهم (ماجد) هو بمعنى المجيد كالعالم بمعنى العليم من المجد وهو سعة الكرام (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون) بالرفع والنصب أي من غير تأخير عن أمري، وهذا تفسير لقوله: عطائي كلام وعذابي كلام. قال القاضي: يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل، بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به، وكن من كان التامة أي أحدث فيحدث (رواه أحمد) (ج٥: ص١٥٤: ١٧٧) (والترمذي) في أواخر الزهد، (وابن ماجة) في باب ذكر التوبة، وأخرجه أيضًا البيهقي كلهم من رواية شهر بن حوشب عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر، وأخرج أحمد (ج٥: ص١٦٠) ، ومسلم، والحاكم (ج٤: ص٢٤١) نحوه بزيادة ونقص، وتقدم لفظ مسلم في الفصل الأول.
٢٣٧٤- قوله: (أنه قرأ) أي قوله تعالى في آخر سورة المدثر ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ أي: هو التحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي هو الحقيق بأن يغفر الله للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل التوبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم قاله الشوكاني: وقال البيضاوي ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ (المدثر: ٥٦) حقيق بأن يتقي عقابه ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (المدثر: ٥٦) حقيق بأن يغفر لعباده - سيما المتقين منهم. وقال قتادة: أي: هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب (قال) أي: النبي ﷺ (قال ربكم) أي: معنى تفسيريًا (أنا أهل أن أتقى) بإضافة أهل وصيغة المجهول من اتقى أي: يخاف ويحذر يعني أنا حقيق وجدير بأن يتقي العباد من جعل شريك بي ومن المعاصي ويخافوا من عذابي. وزاد أحمد وابن ماجة: فلا يجعل معي إلهًا آخر، وفي رواية أخرى لابن ماجة أنا أهل أن أتقى فلا يشرك بي غيري (فمن اتقاني) أي: خافني. وزاد الترمذي فلم يجعل معي إلهًا (فأنا أهل أن أغفر له) أي: لمن اتقاني، ولأحمد، وابن ماجة فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا آخر فأنا أهل أن أغفر له، وفي رواية لابن ماجة: وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له. وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) (رواه الترمذي) في تفسير سورة المدثر، (وابن ماجة) في باب ما يرجى من رحمة الله من أبواب الزهد
стр. 3563
والدارمي.
٢٣٧٥- (٣٠) وعن ابن عمر، قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور.
ــ
، (والدارمي) (ص٣٦٦) في الرقاق وذكره الشوكاني في فتح القدير وزاد في نسبته أحمد، والنسائي، والبزار، وأبا يعلى، وابن جريج، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٢: ص٥٠٨) ، والبغوي كلهم من رواية سهيل بن عبد الله القطعي عن ثابت البناني عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت - انتهى. قلت: الحديث قد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وسهيل المذكور مختلف فيه، وجروح من جرحه مبهمة. قال أحمد: فيه روى أحاديث منكرة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه يتكلمون فيه. وقال مرة: ليس بالقوي عندهم، وكذا قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن زهير: سئل ابن معين عن سهيل فقال: ضعيف. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. ووثقه العجلي كذا في تهذيب التهذيب. وقال في التقريب: ضعيف. وقد تحصل من هذا كله أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ولحديث هذا شواهد. فقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس نحوه.
٢٣٧٥- قوله: (إن) مخففة من المثقلة بقرينة المقام (كنا لنَعُدّ) اللام فارقة ونعد بفتح النون وضم العين وتشديد الدال أي لنحصي (لرسول الله ﷺ ) متعلق بنعد (في المجلس) أي: الواحد كما في رواية أبي داود، والترمذي، وابن السني، وزاد الترمذي أيضًا ((من قبل أن يقوم)) (يقول) بالرفع وينصب بتقدير أن أي: قوله: (رب اغفر لي) وكأنه كان يقول ذلك عملاً بقوله تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ (النصر: ٣) وتمسكًا بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) والحديث يدل على أن استغفاره ﷺ كان بلفظ الدعاء وقد رجحوه على قول القائل: استغفر الله لأنه إن كان غافلاً ولاهيًا في ذلك كذبًا بخلاف الدعاء فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت وإن كان مع الغفلة كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله: أستغفر الله خبر، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر. وقد ورد في الصحيح قوله: ﷺ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو القيوم وأتوب إليه. نعم يرجحه فيمن سواه ﷺ كذا في الملعات (وتب علي) أي: ارجع علي بالرحمة أو وفقني للتوبة أو اقبل توبتي (إنك أنت التواب الغفور) صيغتا مبالغة وهذا لفظ أحمد والترمذي، وفي رواية أبي داود، وابن ماجة، وابن السني، الرحيم بدل الغفور، وهكذا وقع عند النسائي في رواية. وابن حبان
стр. 3564
مائة مرة. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة.
٢٣٧٦- (٣١) وعن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن جدي
ــ
(مائة مرة) مفعول مطلق لنعد (رواه أحمد) (ج٢: ص٢١ - ٦٧: ٨٤) ، (والترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في أواخر الصلاة (وابن ماجة) في باب الاستغفار، واللفظ لأحمد في (ج٢: ص٢١) ، وأخرجه أيضًا النسائي، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص٧٨) ، وابن حبان في صحيحه، وابن السني (ص١٢٠: ١٤٤) وصححه الترمذي، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
٢٣٧٦- قوله: (وعن بلال) بالباء الموحدة كذا عند الترمذي، وهكذا ذكره البخاري في التاريخ الكبير (١/٢/ ١٠٨) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/١/٣٩٧) ، والحافظ في تهذيب التهذيب (١/٥٠٥) ، والتقريب، والخزرجي في الخلاصة، والجزري في جامع الأصول (ج٥: ص١٤٥) ، والمزي في الأطراف، وكذا وقع في بعض نسخ سنن أبي داود، ووقع في أكثرها هلال بن يسار بالهاء. قال المنذري في مختصر السنن: وقع في كتاب أبي داود هلال بن يسار بن زيد بالهاء، ووقع في كتاب الترمذي وغيره وفي بعض نسخ سنن أبي داود: بلال بن يسار بالباء الموحدة. وقد أشار الناس إلى الخلاف فيه، وذكره البغوي في معجم الصحابة بالباء. وذكره البخاري في تاريخه الكبير أيضًا بالباء - انتهى. وقال الجزري: بلال بن يسار كذا عند الترمذي أي: بالموحدة، وعند أبي داود هلال بن يسار أي بالهاء، وقد ظهر من هذا أنه اختلف في أنه بالباء الموحدة أو بالهاء، وقد ذكر هذا الاختلاف ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة جده زيد بن بولا مولى رسول الله ﷺ ، ثم ذكر هذا الحديث من طريق موسى بن إسماعيل حفص بن عمر الشني عن أبيه عمر بن مرة عن بلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما. قال: وقد قال: بعضهم هلال موضع بلال والله أعلم. (بن يسار) بالياء التحتانية وسين مهملة (بن زيد) بن بولي (مولى النبي) بيان لزيد. قال في التقريب: بلال بن يسار بن زيد القرشي مولاهم بصري مقبول. وقال في تهذيب التهذيب: بلال بن يسار بن زيد القرشي مولى النبي ﷺ حديثه في أهل البصرة روى عن أبيه عن جده في الاستغفار، وعنه عمر بن عمر بن مرة الشني روى أبو داود والترمذي له حديث واحدًا واستغربه الترمذي. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات - انتهى. (قال) أي: بلال (حدثني أبي) أي: يسار بن زيد أبو بلال. قال في التقريب: مقبول. وقال في تهذيب التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات: (عن جدي) أي: زيد قال في التقريب: زيد والد يسار مولى النبي ﷺ -
стр. 3565
أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له،
ــ
صحابي، له حديث ذكر أبو موسى المدني إن اسم أبيه بولاً بموحدة وكان عبدًا نوبيًا. وقال في الإصابة: زيد بن بولي بالموحدة مولى رسول الله ﷺ أبو يسار، له حديث عند أبي داود والترمذي من رواية ولده بلال بن يسار بن زيد، حدثني أبي عن جدي، ذكر أبو موسى (المدني) إن اسم أبيه بولاً بالموحدة، وقال غيره اسمه زيد يعني لم ينسبه غير أبي موسى. وقال ابن شاهين: كان نوبيًا أصابه النبي ﷺ في غزوة بني ثعلبة فأعتقه - انتهى. وقال ابن الأثير في أسد الغابة: هو في كتاب ابن مندة إلا أنه ينسبه ولا نسبه أبو عمر (ولا البخاري ولا ابن أبي حاتم) وإنما نسبه أبو نعيم وتبعه أبو موسى. وأخرج الحديث بعينه عن بلال بن يسار عن أبيه عن جده زيد فهو لا شك فيه - انتهى. وقال الجزري في تصحيح المصابيح: ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث وذكره البغوي في معجم الصحابة، وقال: لا أعلم لزيد مولى رسول الله ﷺ غير هذا الحديث وذكر إن كنيته أبو يسار وإنه سكن المدينة (إنه سمع رسول الله ﷺ كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في جامع الأصول، وفي بعض نسخ أبي داود، ووقع في الترمذي وأكثر نسخ أبي داود أنه سمع النبي ﷺ (من قال) أي مخلصًا من قلبه: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) روي بالنصب على الوصف للفظ الله وبالرفع لكونهما بدلين أو بيانين لقوله هو، والأول هو الأكثر والأشهر. وقال الطيبي: يجوز في الحي القيوم النصب صفة لله أو مدحًا والرفع بدلاً من الضمير أو على المدح أو على خبر مبتدأ محذوف (وأتوب إليه) قال القاري: ينبغي أن لا يتلفظ بذلك إلا إذا كان صادقًا وألا يكون بين يدي الله كاذبًا، ولذا روي إن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه - انتهى. وذكر النووي في كتاب الأذكار عن الربيع بن خيثم أنه قال، لا يقل أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقول اللهم اغفر لي وتب علي. قال النووي: وهذا الذي قاله من قوله: اللهم اغفر لي وتب علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله، وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذب، ويكفي في رده حديث من قال أستغفر الله الذي لا إله ألا هو. إلخ، يعني حديث بلال بن يسار الذي نحن في شرحه قال الحافظ: هذا في لفظ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. وأما أتوب إليه فهو الذي عنا الربيع ﵀ إنه كذب وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال. وفي الاستدلال للرد عليه بالحديث الذي ذكره نظر لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة، ويحتمل أن يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص أستغفر الله فيصح كلامه كله والله أعلم. ثم نقل الحافظ كلام السبكي من الحلبيات وقد
стр. 3566
وإن كان قد فر من الزحف. رواه الترمذي، وأبو داود، لكنه عند أبي داود: هلال بن يسار، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
(الفصل الثالث)
٢٣٧٧- (٣٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب: أنى لي
ــ
ذكرناه في شرح حديث (٢٣٥٨) فراجعه (وإن كان قد فر) أي هرب (من الزحف) بفتح الزاي وسكون الحاء أي من الجهاد ولقاء العدو في الحرب يعني وإن ارتكب الكبيرة فإن الفرار من الزحف كبيرة أوعد الله تعالى عليه: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ﴾ (الأنفال: ١٦) الآية قال الطيبي: الزحف الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف. قال في النهاية: من زحف الصبي إذا دب على لسته قليلاً قليلاً. وقال المظهر: هو اجتماع الجيش في وجه العدو. أي فر من حرب الكفار حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد الكفار على المسلمين مثلي عدد المسلمين ولا نوى التحرف أو التحيز. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن الاستغفار يمحو الذنوب سواء كانت كبائر أو صغائر، فإن الفرار من الزحف من الكبائر بلا خلاف. وقال أبو نعيم الأصبهاني هذا يدل على أن بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال. ووجه الدلالة منه إنه مثل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر، فدل على أن ما كان مثله أو دونه يغفر إذا كان مثل الفرار من الزحف فإنه لا يوجب على مرتكبه حكمًا في نفس ولا مال كذا في الفتح (رواه الترمذي) في الدعوات عن الإمام البخاري عن موسى بن إسماعيل، (وأبو داود) في أواخر الصلاة عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه أيضًا البخاري في التاريخ الكبير (١/٢/٣٤٧) ، وأبو نعيم، وأبو موسى المديني وذكره على المتقي في الكنز (ج١: ص٤٣١) وزاد في نسبته ابن سعد، والبغوي، وابن مندة، والباوردي، والطبراني، وسعيد بن منصور، وابن عساكر. (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال المنذري في الترغيب بعد نقل كلام الترمذي هذا: ((وإسناده جيد متصل فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير (٢/١/١٠٨) إن بلالاً سمع من أبيه (٢/٤/٤٢١) وإن يسار سمع من أبيه زيد مولى رسول الله ﷺ ، قال ورواه الحاكم من حديث ابن مسعود. وقال صحيح على شرطهما إلا أنه قال يقولها ثلاثًا - انتهى. قلت: وروا الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعود. قال الهيثمي: (ج١٠: ص٢١٠) : ورجاله وثقوا. ونسبه في الكنز لابن أبي شيبة موقوفًا على ابن مسعود ومعاذ.
٢٣٧٧- قوله: (في الجنة) متعلق بيرفع (فيقول) أي: العبد (أنى لي) أي كيف حصل أو من أين
стр. 3567
هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك. رواه أحمد.
٢٣٧٨- (٣٣) وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب، أو أم، أو أخ، أو صديق، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) .
ــ
حصل لي (هذه) أي: الدرجة (فيقول: باستغفار) أي حصل باستغفار (ولدك لك) الولد يطلق على الذكر والأنثى، المراد به المؤمن وهذا أحد منافع النكاح وأعظمها وأحد الأشياء التي تلحق المؤمن من حسناته وعمله بعد موته كما جاء في الحديث. قال الطيبي: دل الحديث السابق على أن الاستغفار يحط من الذنوب أعظمها، وهذا يدل على أنه يرفع درجة غير المستغفر إلى ما يبلغها بعمله فما ظنك بالعامل المستغفر ولو لم يكن في النكاح فضيلة غير هذا لكفى به فضلاً والله أعلم (رواه أحمد) (ج٢: ص٥٠٩) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص٢١٠) بهذا اللفظ، ثم قال رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، وقد وثق - انتهى. وفي الباب عن أبي سعيد عند الطبراني في الأوسط: قال الهيثمي: وفيه ضعفاء وقد وثقوا.
٢٣٧٨- قوله: (ما الميت في قبر) أي: في حال من أحوال الشدة (إلا كالغريق) أي المشرف على الغرق (المتغوث) أي المستغيث المستعين المستجير الرافع صوته بأقصى ما عنده بالنداء لمن يخلصه المتعلق بكل شيء رجاءً لخلاصه، وفي المثل الغريق يتعلق بكل حشيش (تلحقه) أي من وراءه (من أب) أي من جهة أب (أو أم أو أخ أو صديق) أي محب وهذا تخصيص ببعض من يرجى منه الغوث ويتوقع الدعاء والاستغفار أكثر ممن سواه، وإلا فالحكم عام كما قال في آخر الحديث، ولم يذكر الولد في هذا الحديث لكونه معلومًا مقررًا مذكورًا في الأحاديث (فإذا لحقته) أي وصلته الدعوة. قال ابن حجر: بأن دعى له بها فإنه تصل إليه بمجرد ذلك إجماعًا (كان) أي لحوقها إياه (أحب إليه من الدنيا وما فيها) أي من مستلذاتها. وقال ابن حجر: أي: لو عاد إليها (وإن الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض) أي: ممن هو حي فوق الأرض ومن تعليلية أو ابتدائية (أمثال الجبال) أي: من الرحمة والغفران لو تجسمت (رواه البيهقي) ، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في فوائده وذكره الذهبي في ترجمة محمد بن جابر بن أبي عياش الحمصي، وقال فيه: لا أعرفه وخبره منكر جدًا، ثم قال وروى الفضل بن محمد الباهلي وعبد الله بن محمد بن خالد الرازي عنه، قال حدثنا ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع
стр. 3568
٢٣٧٩- (٣٣م) وعن عبد الله بن بسر، قال: قال رسول الله ﷺ : طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا. رواه ابن ماجة، وروى النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) .
ــ
عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما الميت في قبره إلا كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من أبٍ أو أمٍ أو صديقٍ، وإن الله ليدخل من الدعاء على أهل القبور كأمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم. زاد الرازي: والصدقة عنهم - انتهى. قال الحافظ في اللسان (ج٥: ص٩٩) بعد ذكره أورده البيهقي في الشعب، ونقل عن ابن علي الحافظ أنه غريب من حديث ابن المبارك لم يقع عند أهل خراسان، قال: ولم أكتبه إلا عن هذا الشيخ يعني الفضل بن محمد. قال البيهقي: وتابعه محمد بن خزيمة عن ابن أبي عياش. وابن عياش تفرد به.
٢٣٧٩- قوله: (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (طوبى) فعل من الطيب، وهي اسم الجنة أو شجرة فيها. وقيل: المراد راحة وطيب عيش. قال القاري: طوبى أي: الحالة الطيبة والعيشة الراضية أو الشجرة المشهورة في الجنة العالية (لمن وجد في صحيفته) أي: في الآخرة (استغفارًا كثيرًا) أي: لعظم منافعه قال الطيبي: فإن قيل لم يقل طوبى لمن استغفر كثيرًا وما فائدة العدول؟ قلت: هو كناية عنه فيدل على حصول ذلك جزمًا وعلى الإخلاص، لأنه إذا لم يكن مخلصًا فيه كان هباءً منثورًا فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة عليه ووبالاً له - انتهى. وقوله: ((استغفارًا كثيرًا)) هكذا وقع في النسخ الحاضرة من المشكاة وسنن ابن ماجة بنصب استغفارًا، وكذا في الحصن، والكنز، والجامع الصغير، وعدة الحصن، والأذكار للنووي، وفي الترغيب للمنذري برفع استغفار. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين: قوله: ((استغفارًا كثيرًا)) هكذا في نسخ هذا الكتاب أي: العدة بنصب استغفارًا على أنه مفعول به وإن الفعل وهو وجد مبني للمعلوم، وفي غير هذا الكتاب برفع استغفار على أن الفعل مبني للمجهول، وهذا أقوى وأولى لأن المقصود وجود ذلك في الصحيفة لأي واحد كان من ملك أو بشر لا وجود ذلك لصاحب الصحيفة نفسه، وإن كان لابد أن يجدها يوم الحساب - انتهى. قلت: ولم أجد ((استغفار)) بالرفع إلا في الترغيب للمنذري. وأما ما عدا ذلك من الكتب التي ذكرناها، ففي كلها بنصب استغفارًا فهو أولى وأقوى بل هو الصحيح (رواه ابن ماجة) في باب الاستغفار من سننه. قال المنذري: بإسناد صحيح. وقال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات. (وروى النسائي) الأولى أن يقول ورواه النسائي (في عمل يوم وليلة) قال الطيبي: ترجمة كتاب صنفه في الأعمال اليومية والليلية - انتهى. ورواه أيضًا البيهقي كما في الترغيب، وروى الطبراني في الأوسط عن الزبير بن العوام مرفوعًا: ((من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار)) . قال الهيثمي: رجاله ثقات، ورواه البيهقي أيضًا. قال المنذري: بإسناد لا بأس به، وعزاه في
стр. 3569
٢٣٨٠- (٣٤) وعن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا. رواه ابن ماجة، والبيهقي ((في الدعوات الكبير)) .
٢٣٨١- (٣٥) وعن الحارث بن سويد،
ــ
الكنز للضياء أيضًا، وفي الباب أيضًا عن عائشة أخرجه أبو نعيم في الحلية، وعن أبي الدرداء موقوفًا أخرجه أحمد في الزهد وعن أنس مرفوعًا أخرجه البزار ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص٢٠٨) ، والجزري في الحصن وعن معاوية بن جندب أخرجه ابن عساكر، والديلمي في مسند الفردوس ذكره في الكنز (ج١: ص٤٢٤) .
٢٣٨٠- قوله: (اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا) أي العلم والعمل (استبشروا) أي فرحوا بالتوفيق قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ (يونس: ٥٨) (وإذا أساؤا) أي: قصروا في أحدهما (استغفروا) كان ظاهر المقابلة أن يقال: وإذا أساؤا حزنوا فعدل عن الداء إلى الدواء إيماء إلى أن مجرد الحزن لا يكون مفيدًا، وإنما يكون مفيدًا إذا أبحر إلى الاستغفار المزيل للإصرار كذا في المرقاة. وقال الطيبي: إذا أحسنوا استبشروا أي إذا أتوا بعمل خير قرنوه بالإخلاص فيترتب عليه الجزاء فيستحقوا الجنة ويستبشروا بها، كما قال: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:٣٠) فهو كناية تلويحية، وقوله: ((وإذا أساؤا استغفروا)) عبارة عن أن لا يبتليهم بالاستدراج ويرى أعمالهم حسنة فيهلكوا كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ (فاطر: ٨) - انتهى. وهذا تعليم للأمة وإرشاد إلى لزوم الاستغفار وإلا فهو ﷺ أرقى وأتقى من كل الأخيار (رواه ابن ماجة) في باب الاستغفار من سننه، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان. قال في الزوائد: وهو: ضعيف. قلت: ضعفه ابن سعد، وأحمد، ويحي والجوزجاني، والنسائي. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال الحاكم: ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: أنا أقف فيه لا يزال عندي فيه لين. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو. قال الساجي: كان من أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة (قتادة، والسفيانين، والحمادين وشعبة، وغيرهم) عنه وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير وعلي المتقي في الكنز (ج٢: ص١١٣) ورمزا له ابن ماجة، والبيهقي في الشعب وذكره في الكنز (ج٢ ص١٢٨) أيضًا وزاد في نسبته الخطيب، وابن عساكر وذكره ابن رجب في شرح الأربعين (ص١٦٣) وعزاه لأحمد فقط.
٢٣٨١- قوله: (وعن الحارث بن سويد) بالتصغير التيمي من بني تيم الرباب الكوفي أبو عائشة. قال
стр. 3570
قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن رسول الله ﷺ ، والآخر عن نفسه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - أي بيده -
ــ
المؤلف: من كبار التابعين وثقاتهم. وقال الحافظ: ثقة ثبت من كبار التابعين. وقال ابن عيينة: كان الحارث من علية أصحاب ابن مسعود توفى آخر خلافة ابن الزبير وأرخه ابن أبي خيثمة سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. (قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين) نصبه على المفعول الثاني، وفي رواية لمسلم قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين (أحدهما عن رسول الله ﷺ ) أي: يروى عنه (والآخر عن نفسه) أي: نفس ابن مسعود يعني مروي من قوله (قال) وهو الحديث الموقوف. قال الحافظ: لم يقع التصريح برفعه إلى النبي ﷺ في شيء من نسخ كتب الحديث إلا ما قرأت في شرح مغلطائي، إنه روي مرفوعًا من طريق وهاها أبو أحمد الجرحاني يعني ابن عدي - انتهى. (أن المؤمن يرى ذنوبه) قال الطيبي: ذنوبه المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله في الآخر: كذباب مراى عظيمة ثقيله أو هو قوله: (كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه) قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك إن قلب المؤمن منور، فإذا رأى من نفسه ما يخاف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل إن غيره من المهلكات قد يحصل النسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة، وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المؤمن أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيئ كذا في الفتح. وقال القاري: وهو تشبيه تمثيل شبه حاله بالقياس إلى ذنبه وأنه يرى أنها مهلكة بحاله إذا كان تحت جبل يخافه، فدل الحديث على أن المؤمن في غاية الخوف والاحتراز من الذنوب، ولا ينافيه الاعتدال المطلوب بين الخوف والرجاء في المحبوب، لأن رجاء المؤمن وحسن ظنه بربه في غاية ونهاية - انتهى. (وإن الفاجر) أي: العاصي الفاسق (يرى ذنوبه كذباب) بضم المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف الطير المعروف، وفي رواية الإسماعيلي يرى ذنوبه كأنها ذباب (مر على أنفه) أراد أن ذنبه سهل عنده فلا يبالي به لاعتقاده عدم حصول ضرر كبير بسببه كما أن ضرر الذباب عنده سهل (فقال به) أي: أشار إلى الذباب أو فعل به (هكذا) يعني نحاه بيده أو دفعه وذبه وهو من إطلاق القول على الفعل قالوا: وهو أبلغ (أي: بيده) تفسير للإشارة أي دفع الذباب بيده. وقوله: ((أي: بيده)) كذا في جميع النسخ الحاضرة وهكذا في جامع الأصول (ج٣: ص٦٥) والذي في البخاري قال أبو شهاب (راوي الحديث عن الأعمش عن عمارة بن
стр. 3571
فذبه عنه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الله أفرح بتوبة عبد المؤمن من رجل، نزل في أرض دوية مهلكة،
ــ
عمير عن الحارث بن سويد عن ابن مسعود وهو موصول بهذا السند) بيده فوق أنفه وهو تفسير منه لقوله فقال به، وعند أحمد، والترمذي كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار. قال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية. وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك إن قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية منهم إذا وعظ يقول هذا سهل قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء، قال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذباب عنده، لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غاليًا العين قال: وإشارته بيده تأكيد للخفة أيضًا لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره (فذبه عنه) تفسير لما قبله أي: دفع الذباب عن نفسه وبه سمي الذباب ذبابًا لأنه كلما ذب آب أي: كلما دفع رجع، وليست هذه الجملة في البخاري. والظاهر أن المؤلف ذكرها تبعًا للجزري في جامع الأصول وقد تم الحديث الموصول على هذا (ثم قال) أي: ابن مسعود (سمعت رسول الله ﷺ ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في جامع الأصول والترغيب ولم يقع التصريح برفعه عند البخاري، نعم وقع بيان ذلك في رواية مسلم مع كونه لم يسق حديث ابن مسعود الموقوف ولفظه من طريق جرير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث، قال: دخلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثًا عن نفسه وحديثًا عن رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لله أشد فرحًا - الحديث (لله) بلام التأكيد المفتوحة (أفرح بتوبة عبده) أي: من المعصية إلى الطاعة. قال الطيبي: لما صور حال المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى انتهى. يعني فحصلت المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع، وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده (المؤمن) . هذا من زيادات مسلم وليس عند البخاري (من رجل) متعلق بأفرح (نزل) هذا من زيادات البخاري وليس مسلم وليس عند مسلم (في أرض دوية مهلكة) بفتح الدال وتشديد الواو المكسورة وتشديد الياء المفتوحة بعدها هاء التأنيث نسبة إلى الدو، بفتح الدال وتشديد الواو، وهي الأرض الفقر والفلاة الخالية أي البرية والصحراء التي لا نبات بها، قال ابن الأثير: ألدو الصحراء، والدوية منسوبة إليها ووقع في رواية داويّة، وهي أيضًا بتشديد الياء. وقيل: ذلك لإبدال الواو الأولى ألفًا، وقد يبدل في النسبة على غير قياس نحو طائي في النسبة إلى طي، ومهلكة بفتح الميم واللام بينهما هاء ساكنة أي موضع الهلاك أو الهلاك
стр. 3572
معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذ اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده.
ــ
نفسه. وقال النووي: وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة - انتهى. وتفتح لامها وتكسر وهما بمعنى، والمراد يهلك سالكها أو من حصل فيها، ويروى مهلكة بضم الميم وكسر اللام اسم فاعل من الثلاثي المزيد فيه أي: تهلك هي من يحصل بها واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخاري: ((نزل منزلاًً وبه مهلكة)) أي: بالمنزل أي: فيه مهلكة. قال الحافظ: كذا في الروايات التي وقفت عليها من صحيح البخاري بواو مفتوحة ثم موحدة خفيفة مكسورة ثم هاء ضمير ثم ذكر الحافظ لفظ مسلم مع ضبطه وشرحه (عليها طعامه وشرابه) زاد الترمذي وما يصلحه (فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته) أي: فخرج في طلبها واستمر على ذلك وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها. وفي رواية أحمد، والترمذي: فأضلها فخرج في طلبها (حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش) هذا لفظ البخاري. ولمسلم حتى أدركه العطش، ولأحمد، والترمذي حتى إذا أدركه الموت (أو ما شاء الله) قال الحافظ والعيني والقسطلاني: شك من أبي شهاب (راوي الحديث عن الأعمش) وقال الطيبي: إما شك من الراوي والتقدير، قال رسول الله ﷺ ذلك أو قال ما شاء الله. أو تنويع أي: اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله من العذاب والبلاء غير الحر والعطش. قال القاري: والأظهر إن ((أو)) بمعنى الواو، وهو تعميم بعد تخصيص أي: وما شاء الله بعد ذلك (قال) أي: في نفسه وهو جواب إذا (أرجع) بفتح الهمزة بلفظ المتكلم وهذا للبخاري وعند مسلم ثم قال: ارجع (إلى مكاني الذي كنت فيه) لاحتمال أن تعود الراحلة إليه لا لفها له أولاً (فأنام حتى أموت) أي: أو حتى ترجع إلى راحلتي. وإنما اقتصر على ما ذكر استبعادًا لجانب الحياة ويأسًا عن رجوع الراحلة (فوضع رأسه على ساعة ليموت فاستيقظ) أي: فنام فاستنبه (فإذا راحلته عنده) أي: حاضرة أو واقفة (فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا) أي: من فرح هذا الرجل (براحلته وزاده) هذا فذلك القصة أعيدت لتأكيد القضية، وقوله: الذي كنت فيه فأنام إلى آخر الحديث لفظ مسلم. وللبخاري قال: أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا رحلته عنده، وللترمذي قال: أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه، فرجع إلى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند رأسه، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه، وهكذا وقع عند أحمد. والحديث فيه إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) وإنهم بمكان عظيم عند رب كريم رؤوف رحيم تنبيه: ذكر مسلم من حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سببًا، وأوله كيف تقولون في رجل انفلتت
стр. 3573
روى مسلم المرفوع إلى رسول الله ﷺ منه فحسب، وروى البخاري الموقوف على ابن مسعود أيضًا.
٢٣٨٢- (٣٦) وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب.
ــ
عنه راحلته بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه فذكر معناه وأخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة مختصرًا ذكروا الفرح عند رسول الله ﷺ ، والرجل يجد ضالته فقال: لله أشد فرحًا - الحديث. ذكره الحافظ في الفتح
(روى مسلم المرفوع) أي: الحديث المرفوع (إلى رسول الله ﷺ منه أي: مما ذكر أي: مما ذكر من الحديث المروي المركب من الموقوف والمرفوع (فحسب) أي: فقط (وروى البخاري الموقوف على ابن مسعود أيضًا) وهو: إن المؤمن. إلخ. وحاصله أن الحديث المرفوع متفق عليه والموقوف من أفراد البخاري وأخرج أحمد (ج١: ص٣٨٣) ، والترمذي في الزهد الموقوف والمرفوع جميعًا، وأخرج النسائي في الكبرى المرفوع فقط، وروي المرفوع أيضًا من حديث البراء عند أحمد ومسلم، ومن حديث أنس، وقد تقدم، ومن حديث النعمان بن بشير عند أحمد، ومسلم: ومن حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، ومن حديث أبي سعيد عند أحمد، وابن ماجة.
٢٣٨٢- قوله: (إن الله يحب العبد المؤمن المفتّن) بتشديد التاء المفتوحة أي الممتحن بالذنب (التواب) أي الكثير التوبة، ومحبة الله تعالى له إنما هي من جهة التوبة. قال في النهاية: المفتن الممتحن يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب ثم يعود إليه ثم يتوب منه. قال المناوي: وهكذا وذلك لأنه محل تنفيذ إرادته وإظهار عظمته وسعة رحمته. وقال ابن القيم: المفتن التواب هو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه. وقال القرطي: معناه الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة. وقال القاري: المفتن أي: المبتلى كثيرًا بالسيئات أو بالغفلات أو بالحجب عن الحضرات لئلا يبتلى بالعجب والغرور الذين هما من أعظم الذنوب وأكثر العيوب - انتهى. والحديث صريح في صحة التوبة مع وقوع العودة وفيه رد على من اشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى ذلك الذنب، وقال: فإن عاد إليه بأن أن توبته باطلة، وقد عزى هذا القول للقاضي أبي بكر الباقلاني ويرده أيضًا حديث (رقم ٢٢٥٨) المتقدم في الفصل الأول من هذا الباب قال ابن القيم في مدارج السالكين (ج١: ص١٥٢) ومن أحكام التوبة أنه هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدًا أم ليس ذلك بشرط؟ فشرط بعض الناس عدم معاودة الذنب، فقال: متى عاد تبين أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة والأكثرون على إن ذلك ليس بشرط. وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته، فإن كانت في حق آدمي
стр. 3574
٢٣٨٣- (٣٧) وعن ثوبان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب أن لي الدنيا بهذه الآية
ــ
فهل يشترط تحلله؟ فيه تفصيل سنذكره إنشاء الله، فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة والمسألة مبنية على أصل وهو أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه، ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر إن مات مصرًا؟ أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير؟ وفي هذا الأصل قولان ثم ذكرهما مع البسط (ج١: ص١٥٢: ١٥٦) فارجع إليه إن شئت، والحديث عزاه المؤلف لأحمد وكذا نسبه إليه السيوطي في الجامع الصغير وعلي المتقي في الكنز (ج٤: ص١٢١) وفيه نظر فإنه ليس مما رواه أحمد بل هو من زيادات ابنه عبد الله ومن طريقه رواه أبو نعيم في الحلية (ج٣: ص١٧٨، ١٧٩) قال عبد الله: حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي حدثنا أبو داود بن عبد الرحمن العطار حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي عن أبي عمرو البجلي عن عبد الملك بن سيفان الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحنيفة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ . وهو في المسند في موضوعين بالسند المذكور (ج١: ص٨٠، ١٠٣) قال العلامة الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند (ج٢: ص٣٩) : إسناده ضعيف جدًا. أبو عبد الله مسلمة الرازي لم أجد له ترجمة، وذكر في التعجيل عوضًا في ترجمة أبي عمرو البجلي وأبو عمرو البجلي قال في التعجيل (ص٥٠٨) ((يقال اسمه عبيدة روي عنه حرمي بن حفص)) ثم نقل عن ابن حبان قال: ((لا يحل الاحتجاج به)) وعبد الملك بن سفيان الثقفي قال في التعجيل (ص٢٦٥) ((قال الحسيني مجهول)) والحديث في مجمع الزوائد (ج١٠: ص٢٠٠) وقال الهيثمي: ((رواه عبد الله، وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه)) وعزاه إليهما شيخه العراقي في تخريج الإحياء (ج٤: ص٥) وقال: ((سنده ضعيف)) قلت: أبو عمرو البجلي قد جزم الحافظ في الكنى من لسان الميزان (ج٦: ص٤١٩) بأنه هو عبيدة بن عبد الرحمن ويؤيده لأن الذهبي ثم الحافظ أورداه في الأسماء هكذا عبيدة بن عبد الرحمن أبو عمرو الجلي ذكره ابن حبان فقال: روى عن يحيى بن سعيد حدث عنه حرمي بن حفص يروي الموضوعات عن الثقات، والحديث ذكره الحافظ في الفتح نقلاً عن القرطبي بلفظ: خيركم كل مفتن تواب، ثم عزاه لمسند الفردوس عن علي ولم يحكم عليه بشيء وذكر السيوطي في الجامع الصغير وعلي المتقي في الكنز (ج٤: ص١٢٣) بهذا اللفظ وعزاه للبيهقي في الشعب عن علي.
٢٣٨٣- قوله: (ما أحب إن لي الدنيا) أي: جميع ما فيها بأن أتصدق بخيراتها أو أتلذذ بلذاتها (بهذه الآية) أي: بدلها أي: لو أعدمت هذه الآية وأعطيت بدلها جميع الدنيا ما أحببت ذلك وخصت لكونها أرجى آية في القرآن، حيث دلت على غفران جميع الذنوب وإلا فغير هذه الآية مثلها في كونه ﷺ لا يرضى بجميع الدنيا
стр. 3575
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ الآية فقال رجل: فمن أشرك؟ فسكت النبي ﷺ ثم قال: إلا ومن أشرك
ــ
بدلها ( ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ الآية بالحركات الثلاث، وذكر في المسند الآية بتمامها أي: إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣) قال الشوكاني: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه أولاً أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب. ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣) فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلك بقوله جميعًا وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلاً أنه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما - انتهى. وقال الطيبي: هي أرجى آية في القرآن ولذلك اطمأن إليها وحشي قاتل حمزة دون سائر الآيات - انتهى. وقد ذكر البغوي في المعالم إن عطاء بن رباح روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أرسل إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم إن من قتل أوزنى أو أشرك ﴿يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ (الفرقان: ٦٨، ٦٩) وأنا قد فعلت هذا كله فأنزل الله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ (الفرقان: ٧٠) فقال وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) فقال: أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا فأنزل الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣) قال وحشي: نعم هذا وجاء فأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة فقال: بل للمسلمين عامة كذا في المرقاة. وذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد (ج١٠: ص٢١٤، ٢١٥) وقال: رواه الطبراني وفيه أبين بن سليمان وهو ضعيف - انتهى. (فقال رجل) يا رسول الله (فمن أشرك) أي: أهو داخل في الآية أم خارج عنها (فسكت النبي ﷺ ) أي: أدبًا مع الله تعالى وانتظارًا لأمره ووحيه (ثم قال ألا) بالتخفيف (ومن أشرك) أي: التوبة، قال في اللمعات: لولا الواو حملت إلا على الاستثناء فهي حرف تنبيه وغفران الإشراك يكون بالتوبة، وهذا لا ينافي عموم الآية بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا - انتهى. وقال الطيبي: أجاب بأنه داخل فيكون منهيًا عن القنوط، والواو في ومن مانعه من حمل إلا على الاستثناء وموجبة لحملها على التنبيه - انتهى. أي:
следующие страницы →