كان فقيهاً؟ فقال رسول الله ﷺ : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها. بعثه الله فقيهاً، وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)) .
٢٦١- (٦٤) وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((هل تدرون من أجود جوداً؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الله أجود جوداً، ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعد رجل علم علماً فنشره، يأتي يوم القيامة أميراً وحده. أو قال: أمة واحدة)) .
ــ
كان فقيهاً) يعني عالماً في الآخرة، ومعدوداً في زمرة العلماء فيها، ومستحقاً لما وعدوا من الثواب. (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً) قال المناوى: أي نقلها إليهم بطريق التخريج والإسناد - انتهى. وقال النووي: معنى "حفظها" أن ينقلها إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها. هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظها ما لم ينقل إليهم انتهى. (في أمر دينها) صحاحاً أو حساناً. قيل: أو ضعافاً يعمل بها في الفضائل. قال القاري: هو احتراز عن الأحاديث الأخبارية التي لا تعلق لها بالدين اعتقاداً أو علماً أو عملاً، ومن نوع واحد أو أنواع. (بعثه الله فقيهاً) أي في زمرة العلماء (شافعاً) بنوع من أنواع الشفاعات الخاصة. (وشهيداً) أي حاضراً لأحواله، ومزكياً لأعماله، ومثنياً على أقواله. وحاصل الجواب: أن مقدار العلم الذي إذا بلغه الرجل كان معدوداً في زمرة العلماء. هي معرفة أربعين حديثاً ونقلها إلى المسلمين، وبالنظر إلى هذا الحديث صنف العلماء من السلف والخلف في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، واختلف مقاصدهم في تأليفها وجمعها وترتبيها، وسمى كل واحد منهم كتابة بالأربعين، ذكر في كشف الظنون كتباً كثيرة من الأربعينات مع شروحها، من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه. وسيأتي الكلام على الحديث عند ذكر قول الإمام أحمد.
٢٦١- قوله: (من أجود) من الجودة أي أحسن (جوداً) أي أكثر كرماً، أو من الجود أي من الذي جوده أجود، على حد "نهاره صائم" والجود قال الراغب: هو بذل المقننيات ما لا كان أو علماً. قيل: "من" الاستفهامية مبتدأ و"أجود" خبره و"جوداً" تمييز. (قال) أي النبي ﷺ (الله أجود جوداً) هو لمجرد المبالغة فإنه المتفضل بالإيجاد والامداد على جميع البلاد. (ثم أنا أجود بني آدم) الظاهر أنه على الإطلاق، أي أفضلهم وأكرمهم (وأجودهم) أي زمانه (من بعدي) يحتمل البعدية بحسب المرتبة، ويحسب الزمان، والأول أظهر، قاله الطيبي. (رجل علم) بالتخفيف (علماء) أي عظيماً نافعاً في الدين (فنشره) بالتدريس، والتصنيف، والترغيب فيه (أميراً وحده) يعني يجئ يوم القيامة وحده كالأمير الذي معه أتباعه وخدمه في العزة والعظمة. (أو قال أمة واحدة) "أو" للشك من الراوي، والأمة الرجل الجامع للخير، والصنف من الناس، يعني يأتي وحده كالجماعة في العزة والعظمة والشرف، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [١٢٠:١٦] ، حيث أطلق الأمة على من جمع من صفات الفضل، وسمات الخير، والأخلاق الحميدة ما لا يوجد إلا في
стр. 352
٢٦٢- (٦٥) وعنه أن النبي ﷺ قال: ((منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان، وقال: قال الإمام أحمد في حديث أبي الدرداء: هذا متن مشهور فيما بين الناس، وليس له إسناد صحيح.
ــ
جماعة، ومنه قول الشاعر:
١- ليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
٢٦٢- قوله: (منهومان) تثنية منهوم من النهم بفتحتين، الولوع بالشيء وإفراط الشهوة في الطعام، والمنهوم شديد الشهوة، المنكب على الشيء لحيازته، المولع به، يعني حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبيهما. (لايشبعان) أي لا يقنعان (منهوم في العلم لا يشبع منه) ؛ لأنه في طلب الزيادة دائماً وليس له نهاية (ومنهوم في الدنيا) أي في تحصيل مالها وجاهها (لا يشبع منها) فإنه كالمريض المستسقى. قال بعضهم: ما استكثر أحد من شيء إلا مله، وثقل عليه، إلا العلم والمال فإنه كلما زاد اشتهى. (روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان) أما حديث أبي الدرداء فأخرجه أيضاً الشيرازى في الألقاب، وابن حبان في الضعفاء، وأبوبكر في الغيلانيات، والسلفي، وابن النجار. وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة: معاذ بن جبل، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد، وعلي، وأبي مسعود، وأبي أمامة، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن سمرة بروايات متنوعة، ذكر أحاديثهم علي المتقى في كنز العمال (ج٥:ص٢٢١) ، وأما حديث أنس: ((هل تدرون من أجود جوداً؟)) فأخرجه أيضاً أبويعلى، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك الحديث. وأخرجه أيضاً ابن حبان بنحوه، وقال: منكر باطل. وأما حديثه الثاني: ((منهومان لا يشببعان)) . فأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم أجد له علة. وأقره الذهبي، وأخرج أبوخيثمة في العلم، والطبراني في الأوسط والكبير، والبزار عن ابن عباس بنحوه، وفيه ليث بن سليم، وهو ضعيف. (وقال) أي البيهقي (قال الإمام أحمد في حديث أبي الدرداء) وهو "من حفظ على أمتي" يعني في شأنه. (فيما بين الناس) أي المحدثين وغيرهم (وليس له إسناد صحيح) ، وقال النووي: اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه. وقال الحافظ في التلخيص (ص٢٦٩) : حديث "من حفظ على أمتي أربعين حديثاً" روي عن ثلاثة عشر من الصحابة، أخرجها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وبين ضعفها كلها، وأفرد المنذري الكلام عليه في جزء مفرد، وقد لخصت القول فيه في المجلس السادس عشر من الإملاء، ثم جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة- انتهى. قال بعضهم: الحكم عليه بالضعف إنما هو بالنظر لكل طريق على حدته، وأما بالنظر إلى مجموع طرقه فحسن لغيره، فيرتقي عن درجة الضعف إلى درجة الحسن، وأيضاً قد اتفقوا على جواز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، فتأمل.
стр. 353
٢٦٣- (٦٦) وعن عون قال: قال عبد الله بن مسعود: "منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، أما صاحب العلم فيزداد رضى للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ عبد الله ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ قال: وقال: الآخر ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ رواه الدارمي.
٢٦٤- (٦٧) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرءون القرآن، يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا. ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشواك،
ــ
٢٦٣- قوله: (وعن عون) هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبوعبد الله الكوفي، الزاهد من ثقات التابعين، كان من عباد أهل الكوفة وقرائهم. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة، ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين. (ولايستويان) أي في المآل والعاقبة (وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان) أي يستمر فيه. وقيل: يزداد ويتوسع. (ثم قرأ عبد الله) استشهاداً لذم الثاني (ليطغى أن رآه) لأجل أن رآى نفسه (استغنى) عن الناس لكثرة ما عنده من المال. (قال) أي عون (وقال) أي ابن مسعود بعد قراءته ما سبق وهو قوله: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ (الآخر) بالرفع أي الاستشهاد الآخر، وقيل: بالنصب، أي ذكر الاستشهاد الآخر ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ تقدم معناه، وحاصل الاستشهاد بالآيتين أن الأول موجب لزيادة الطغيان المقتضي ترك الطاعة والعبادة، والثاني سبب لزيادة الخشية المورثة للعمل، فشتان ما بينهما، قإن طالب الدنيا يزداد بعداً من الله لسوء أدبه وجرأته على الله تعالى، وصاحب العلم يزداد قرباً لخشيته ومراعاته أدب الحضرة القدسية. (رواه الدارمي) أي موقوفاً على ابن مسعود من قوله، وقد تقدم أن رواية عون عن ابن مسعود مرسلة فهو منقطع موقوف، وأخرجه الطبراني في الكبير عنه مرفوعاً، وفيه أبوبكر الداهري، وهو ضعيف.
٢٦٤- قوله: (إن أناسا) أي جماعة (سيتفقهون في الدين) أي سيدعون الفقه في الدين، كذا قاله الطيبي. أو يطلبون الفقه ويحصلونه. (ويقرؤن القرآن) أي بالقراءات أو بتفسير الآيات، ويأتون الأمراء لا لحاجة ضرورية بل لإظهار الفضيلة والطمع لما في أيديهم من المال والجاه. (يقولون) أي لدفع الاعتراض (فنصيب) أي نأخذ (ونعتزلهم) أي نبعد عنهم (بديننا) بأن لا نشاركهم في إثم يرتكبونه. (ولا يكون ذلك) أي قال ﷺ : لا يتحقق ذلك. وهو الإصابة من الدنيا والإعتزال عن الناس بالدين أي حصول الدنيا لهم وسلامة دينهم مع مخالطتهم إياهم؛ لأن المتقرب إليهم لا يأمن المداهنة، وطلب مرضاتهم، وتحسين حالهم القبيح. (كما لا يجتنى) على بناء المفعول، أي لا يؤخذ من "جنى الثمرة
стр. 354
كذلك لا يجتنى من قربهم إلا. قال محمد بن الصباح كأنه يعنى الخطايا)) رواه ابن ماجه.
٢٦٥- (٦٨) وعن عبد الله بن مسعود قال: "لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا
ــ
واجتناه"، و"القتاد" شجر ذو شوك لا يكون له ثمر سوى الشوك، ينبت بنجد وتهامة، وفي المثل "دون ذلك خرط القتادة"، فنبه بهذا التمثيل على أن قرب الأمراء لا يفيد سوى المضرة الدينية أصلاً، وهذا إما مبني على أن ما قدر له من الدنيا فهو آت لا محالة سواء أتى باب الأمراء أم لا، فحينئذٍ ما بقى في إتيان أبوابهم فائدة إلا المضرة المحضة، أو على أن النفع الدنيوى الحاصل بصحبتهم بالنظر إلى الضرر الديني كلا شيء، فما بقي إلا الضرر. (كذلك لا يجتنى) أي لا يحصل (من قربهم إلا) وقع كلامه ﷺ بلا ذكر المستثنى لكمال ظهوره. (قال محمد بن الصباح) شيخ ابن ماجه صاحب السنن في رواية هذا الحديث (كأنه) أي النبي ﷺ (يعني) أي يريد النبي ﷺ بالمستثنى المقدر بعد "إلا" (الخطايا) وهي مضرة الدارين. ومحمد بن الصباح هذا، هو ابن سفيان بن أبي سفيان الجرجرائي أبوجعفر التاجر، شيخ أبي داود، وابن ماجه. قال الحافظ: صدوق. وقال أبوحاتم: صالح الحديث. مات سنة (٢٤٠) ، وليس هو محمد بن الصباح الدولابي أبا جعفر الحافظ البغدادي البزار صاحب السنن، وشيخ البخاري ومسلم وأبي داود. (رواه ابن ماجه) في السنة. قال: حدثنا محمد بن الصباح: أنبانا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن عبد الرحمن الكندى، عن عبيد الله بن أبي بردة، عن ابن عباس. قال في الزوائد: إسناده ضعيف، وعبيد الله بن أبي بردة، لا يعرف- انتهى. قلت: عبيد الله هذا هو ابن المغيرة بن أبي بردة الكناني، وقد ينسب إلى جده كما وقع في سند ابن ماجه. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧:ص٤٩) : التي في عدة نسخ من سنن ابن ماجه في الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه، عبيد الله بن أبي بردة، وقد رواه الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه فقال: عن عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة، به أخرجه الضياء في المختارة. ومقتضاه أن يكون عبيد الله عنده ثقة-انتهى. وقال في التقريب: إنه مقبول. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواته ثقات- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً ابن عساكر بنحوه كما في الكنز (ج٥:ص٢١٣) .
٢٦٥- قوله: (لو أن أهل العلم) أي الشرعى (صانوا العلم) أي حفظوه من المهانة بحفظ أنفسهم عن المذلة، ومصاحبة أهل الدنيا طمعاً لما لهم من المال والجاه. (ووضعوه عند أهله) أي أهل العلم الذين يعرفون قدر العلم. (لسادو به) أي فاقوا بالسيادة بسبب الصيانة والوضع عند أهله. (أهل زمانهم) وذلك لأن العلم رفيع القدر، يرفع قدر من يرفعه، ويصونه عن الابتذال في غير المحال. قال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال، أي الذين يحبون معالي الأمور، ويتنزهون عن سفاسفها. (ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا) بأن خصوهم به، أو ترددوا إليهم به
стр. 355
لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم سمعت نبيكم ﷺ يقول: من جعل الهموم هماً واحداً هو آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا، ولم يبال الله في أي أوديتها هلك)) رواه ابن ماجه.
٢٦٦- (٦٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر من قوله: "من جعل الهموم" إلى آخره.
٢٦٧- (٧٠) وعن الأعمش، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله)) رواه الدارمي مرسلاً.
ــ
(لينالوا به دنياهم) لا لأجل الدين بالنصيحة والشفاعة وغيرهما. (فهانوا) أي أهل العلم ذلوا قدراً، فإنهم أهانوا رفيعا فأهانهم الله. (عليهم) أي ذلوا مستثقلين على أهل الدنيا. (نبيكم) هذا الخطاب توبيخ للمخاطبين، حيث خالفوا أمر نبيهم. فخولف بين العبارتين افتناناً. (من جعل الهموم هماً واحداً) أي من جعل همه واحداً موضع الهموم التي للناس، أو من كان له هموم متعددة فتركها، وجعل موضعها الهم الواحد. (هم آخرته) بدل من هما، وهو هم الدين. (كفاه الله هم دنياه) المشتمل على الهموم، يعني كفاه هم دنيا أيضاً. (ومن تشعبت به الهموم) أي تفرق فيه الهموم، أو فرقته الهموم، والباء على الأول بمعنى في، وعلى الثاني للتعدية، وإن جعلت للمصاحبة - أي مصحوبة معه- كان صحيحاً. (أحوال الدنيا) بدل من الهموم قلت قوله: "أحوال الدنيا" كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، والذي عند ابن ماجه "في أحوال الدنيا". (لم يبال الله) كناية عن عدم الكفاية والعون، مثل ما يحصل للأول. (في أي أوديتها) أي أودية الدنيا، أو أودية الهموم. (هلك) يعني لا يكفي هم دنيا ولا هم أخراه. (رواه ابن ماجه) في السنة عن ابن مسعود الحديث بتمامه، وأخرجه أيضاً ابن عساكر كما في الكنز (ج٥:ص٢٤٣) . قال في الزوائد إسناد الحديث ضعيف، فيه نهشل بن سعيد، قيل: إنه يروي المناكير، وقيل بل الموضوعات، وله شاهد من حديث ابن عمر، صححه الحاكم، انتهى.
٢٦٦- قوله: (ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر من قوله) أي مبتدأ من قوله: (من جعل الهموم) يعني ورى المرفوع لا الموقوف. وأخرجه الحاكم أيضاً (ج٤:ص٣٢٨، ٣٢٩) وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال: أبوعقيل يحيى بن المتوكل ضعفوه.
٢٦٧- قوله: (آفة العلم النسيان) أي بعد حصوله، فيه تنبيه على الاجتناب عن مباشرة الأسباب التي توجب النسيان، من اقتراف الذنوب، وارتكاب الخطايا، وتشعب الهموم، ومشاغل النفس والدنيا، والإعراض عن استحضاره. (وإضاعته أن تحدث به غير أهله) بأن لا يفهمه، أو لايعمل به من أرباب الدنيا. (رواه الدارمي مرسلاً) أي معضلاً. وكذا أخرجه عنه ابن أبي شبية، أي مرفوعاً معضلاً، وأخرج صدره فقط عن ابن مسعود موقوفاً، قال
стр. 356
٢٦٨- (٧١) وعن سفيان أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب: "من أرباب العلم"؟ قال: "الذين يعملون بما يعلمون"، قال: "فما أخرج العلم من قلوب العلماء"؟ قال: "الطمع"، رواه الدارمي.
ــ
السيد: المراد بالإرسال المعنى اللغوى الذي هو الانقطاع؛ لأن الأعمش لم يسمع من أحد من الصحابة.
٢٦٨- قوله: (عن سفيان) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أبوعبد الله من كبار أتباع التابعين، وإمام المسلمين، وحجة الله على خلقه، جمع في زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه، والحديث، والزهد، والعبادة، والورع، والثقة، وإليه المنتهى في علم الحديث وغيره من العلوم. أجمع الناس على دينه، وزهده، وورعه، وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وأحد أقطاب الاسلام وأركان الدين. سمع خلقاً كثيراً، وروى عنه الأوزاعي، ومالك، وابن جريج، وخلق كثير سواهم، حتى قيل: روى عنه عشرون ألفاً، يبلغ حديثه ثلثين ألفاً. وقال في التقريب: إنه ثقة، حافظ، فقيه؟ عابد، إمام، حجة. ولد سنة (٩٧) ، ومات بالبصرة سنة (١٦١) وله أربع وستون. (قال لكعب) هو كعب بن ماتع الحميرى، أو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، جمع الحبر-بكسر الحاءوفتحها - بمعنى العالم والصالح، ويضاف إليه إما لكثرة كتابته، أو معناه ملجأ العلماء. وقال الطيبي: الإضافة كما في زيد الخيل. وهو من آل ذي رعين، وقيل: من ذى الكلاع. أدرك الجاهلية، ولم يره ﷺ وأسلم في زمن عمر، وكان من أهل الكتاب. قال الحافظ: ثقة، من كبار التابعين، مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، ومات في حمص، في خلافة عثمان سنة (٣٢) ، وقد بلغ مائة وأربع سنين. وخص عمر كعباً بذلك السؤال؛ لأنه كان ممن علم التوراة وغيرها، وأحاط بالعلم الأول. (من أرباب العلم) أي من هم أصحابه عندكم أو في كتابكم؟ قال الطيبي: أي من ملك العلم ورسخ فيه، واستحق أن يسمى بهذا الاسم. (الذين يعملون بما يعلمون) قال الطيبى: وهم الذين سماهم الله الحكماء في قوله: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ [٢٦٩:٢] ؛ لأن الحكيم من علم دقائق الأشياء وأتقنها برصانة العلم، فعلم منه أن العالم ما لم يعمل لم يكن من أرباب العلم، بل كان كمثل الحمار يحمل أسفاراً. (فما أخرج العلم) أي نوره وهيبته وبركته، (من قلوب العلماء) أي العاملين، لما تقدم أن غير العاملين ليسوا بعلماء. (قال: الطمع) أي في الدنيا؛ لأنه يؤدي إلى الرياء والسمعة، والعلم والعمل بدون الإخلاص لا يوصلان السالك إلى مقام الاختصاص، فمفهومه أن الورع يدخل العلم في قلوب العلماء. وقال الطيبي: الفاء أي في قوله: فما أخرج، جزاء شرط محذوف، والتعريف في العلم للعهد الخارجي، وهو ما يعلم من قوله: "أرباب العلم" أي إذا كان أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل، فلم ترك العالم العمل، وما الذي دعاه إلى ترك العمل لينعزل عن هذا الاسم؟ قال: الطمع في الدنيا والرغبة فيها. (رواه الدارمي) أي موقوفاً من قول كعب، وهو معضل أيضاً فإن سفيان الثوري بينه وبين عمر مفاوز.
стр. 357
٢٦٩- (٧٢) وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، قال: ((سأل رجل النبي ﷺ عن الشر. فقال: لا تسألوني عن الشر، وسلوني عن الخير، يقولها ثلاثاً، ثم قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء)) . رواه الدارمي.
٢٧٠- (٧٣) وعن أبي الدرداء قال: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه". رواه الدارمي.
ــ
٢٦٩- قوله: (عن الأحوص بن حكيم) بن عمير العنسى الحمصى، رأى أنساً وعبد الله بن بسر، ضعيف الحفظ، من صغار التابعين، قاله الحافظ وضعفه أيضاً النسائى، وابن معين، وابن المديني، (عن أبيه) حكيم بن عمير بن الأحوص، قال أبوحاتم: لا بأس به. وقال الحافظ: صدوق يهم، من الثالثة، أي من أوساط التابعين (عن الشر) أي فقط يعني عن أشر الناس، كما يدل عليه الجواب. (لا تسألوني) بتخفيف النون، فإن لا ناهية. (عن الشر) أي فحسب، قال ابن حجر: لأنى رؤف رحيم، نبي الرحمة. فالمراد النهي عن لازم ذلك من إيهام غلبة مظاهر الجلال فيه على مظاهر الجمال، وإلا فالسؤال عن الشر ليجتنب واجب كفاية أو عيناً، فكيف ينهى عنه. (وسلوني عن الخير) إما منفرداً أو منضماً بالسؤال عن الشر. (يقولها ثلاثاً) قال الطيبي: حال من فاعل قال، والضمير المؤنث راجع إلى الجملة، أعني لا تسألوني الخ، أو إلى الجملة القريبة. (ألا) بالتخفيف للتنبيه. (إن شر الشر) أي أعظمه (شرار العلماء) الخ. المراد بشرار العلماء من لا يعملون بعلمهم ولا ينتفع به غيرهم، كما يدل عليه أثر ابي الدرداء. قال الطيبي: وإنما كانوا شر الشر وخير الخير؛ لأنهم سبب لصلاح العالم وفساده، وإليهم تنتمى أمور الدين والدنيا، وبهم الحل والعقد. (رواه الدارمي) أي مرسلاً من طريق بقية عن الأحوص عن أبيه، وبقية مدلس، رواه عن الأحوص بالعنعنة، والأحوص ضعيف كما تقدم. وأخرج البزار وأبونعيم في الحلبة نحوه عن معاذ بن جبل، وفيه الخليل بن مرة وهو ضعيف.
٢٧٠- قوله: (إن من أشر الناس) قال الطيبي: من زائدة وعالم خبر إن، وقيل: من تبعيضية، والتقدير: إن بعض أشرارهم. (لا ينتفع) بصيغة المعلوم، أي هو (بعلمه) بأن تعلم علماً شرعياً وما عمل به، فإنه شر من الجاهل، وعذابه أشد من عقابه، روى الطبراني وابن عساكر والبيهقي عن أبي هريرة: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"، وقيل بصيغة المجهول، أي لا ينتفع الناس بعامه لأجل كتمه عنهم، وعدم نشره بالتعليم والتدريس، أو التصنيف، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويؤيد هذا الاحتمال حديث أبي هريرة الاتى"مثل علم لا ينتفع به" الخ. (رواه الدارمي) أي موقوفاً، قال الالباني: وإسناده ضعيف. رجاله ثقات غير ابن القاسم بن قيس فلم أعرفه، ورواه الطبراني في الصغير وابن عبد البر في الجامع عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه وسنده ضعيف جداً.
стр. 358
٢٧١- (٧٤) وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الاسلام؟ قال: قلت: لا؛ قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين". رواه الدارمي.
٢٧٢- (٧٥) وعن الحسن، قال: "العلم علمان، فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذاك حجة الله عزوجل على ابن آدم". رواه الدارمي.
ــ
٢٧١- قوله: (عن زياد بن حدير) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، بعدها تحتية ساكنة، بعدها راء، أبومغيرة الأسدى، روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعلاء الحضرمي، قال في التقريب: ثقة، عابد من كبار التابعين وثقة أبوحاتم، والدارقطني، وابن حبان. (مايهدم الإسلام) أي يزيل عزته. (زلة العالم) أي عثرته بتقصير منه (وجدال المنافق) الذي يظهر السنة ويبطن البدعة. (بالكتاب) أي القرآن، وإنما خص لأن الجدال به أقبح يؤدى إلى الكفر، وذلك لإفساده الدين. (وحكم الأئمة المضلين) أي على وفق أهوائهم وإكراههم الناس عليه، فالعلماء الزائغون عن الحق، والمنافقون المجادلون المبتدعون، وأمراء الجور هم الذين يضعفون أركان الإسلام ويعطلونها بأعمالهم. قال الطيبي: المراد بهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمسة في قوله: ﵇: "بنى الإسلام على خمس" الحديث. وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين، وإنما قدمت زلة العالم؛ لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين، كما جاء "زلة العالِم زلة العالَم". (رواه الدارمي) أي موقوفاً، وأخرجه أيضاً ابن المبارك، وجعفر الفريابي في صفة المنافق، ونصر المقدسي في الحجة، وابن النجار وآدم بن أبي إياس وابن عبد البر في العلم، وروي في "الخوف على الأمة من زلة العالم وجدال المنافق" وغير ذلك أحاديث عن جماعة من الصحابة، ذكرها الهيثمى في مجمع الزوائد (ج١:ص١٨٦، ١٨٧) مع الكلام عليها، وعلي المتقى في كنزل العمال (ج٥:ص٢١٢، ٢٣٢، ٢٣٣) .
٢٧٢- قوله: (العلم) أي الشرعي (علمان) أي نوعان. (فعلم) الفاء تفصيلية أي فنوع منه. (في القلب) المراد بعلم في القلب. ما ظهر أثره ونوره في القلب بأن يعمل به ويجري على مقتضاه، ويظهر السنة ويبطل البدعة. (فذاك العلم النافع) المذكور المطلوب في الأدعية المأثورة. (وعلم على اللسان) أي ونوع آخر من العلم جارٍ على اللسان، ظاهر عليه فقط، لم يظهر أثره ونوره في القلب، ولا أورث العمل، (فذاك حجة الله عزوجل على ابن آدم) فيقول له يوم القيامة: ماذا عملت فيما تعلمت؟ وهو الذي استعاذ منه ﷺ بقوله: ((أعوذبك من علم لا ينفع)) . (رواه الدارمي) أي موقوفاً، وأخرجه الخطيب في تاريخه، عن الحسن، عن جابر مرفوعاً بإسناد حسن، وأبونعيم في الحلية، والديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن عبد البر في كتاب
стр. 359
٢٧٣- (٧٦) وعن أبي هريرة، قال: ((حفظت من رسول الله ﷺ وعائين، فأما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم - يعني مجرى الطعام)) رواه البخارى.
٢٧٤- (٧٧) وعن عبد الله قال: "يا أيهاالناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم،
ــ
العلم عن الحسن مرسلاً بإسناد صحيح، وأخرجه البيهقي عن الفضيل بن عياض من قوله: غير مرفوع.
٢٧٣- قوله: (وعائين) بكسر الواو والمد، تثنية وعاء أي ظرفين، أطلق المحل وأراد الحال، أي نوعين من العلم، ومراده أن محفوظه من الحديث لو كتب لملأ وعائين. (فأما أحدهما) أي أحد ما في الوعائين من نوعي العلم (فبثثته) أي أظهرته ونشرته (فيكم) ليس هذا اللفظ في البخاري، قال الحافظ: زاد الإسماعيلي وقال القسطلاني: زاد الأصلي "في الناس"، (قطع هذا البلعوم) بضم الباء، كنى بذلك عن القتل، وفي وراية الإسماعيلي "لقطع هذا" يعني رأسه. (يعني مجرى الطعام) أي في الحلق، وهو المري، وأراد بالوعاء الذي لم يبثه، ما كتمه من أخبار الفتن والملاحم، وتغير الأحوال في آخر الزمان، وما أخبر به الرسول الله ﷺ ، من فساد الدين على يدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبوهريرة يقول: لوشئت أن أسميهم بأسمائهم، أو المراد الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبوهريرة يكني عن بعض ذلك ولا يصرح خوفاً على نفسه منهم، كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهراً وباطناً، وذلك الباطل إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبوهريرة بقوله: "قطع" أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه بفعلهم وتضليله لسعيهم. ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكر هو من الآية الدالة على ذم من كتم العلم. وقال غيره قد نفى أبوهريرة بثه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك؟ وأبوهريرة لم يكشف مستوره فيما نعلم، فمن أين علم الذي كتمه؟ فمن ادعى ذلك فعليه البيان. (رواه البخاري) في العلم، قال القسطلاني: زاد في رواية ابن عساكر، والأصيلي، وأبي الوقت، وأبي ذر، والمستملى قال أبوعبد الله: يعني البخاري "البلعوم" مجرى الطعام، وعلىهذا لا يخفى ما في المشكاة، إذ يفهم منه أن قوله: يعني "مجرى الطعام" من أحد رواة الحديث، ولا يفهم منه أنه للبخاري.
٢٧٤- قوله: (وعن عبد الله) إذا أطلق فهو ابن مسعود. (قال يا أيهاالناس) الخ تعريضاً بالرجل القائل: "يحئ دخان يوم القيامة" وإنكاراً عليه، يعني لا تتكلفوا فيما لا تعلمون. (من علم شيئاً) من علوم الدين فسأله عنه من هو متأهل لفهم جوابه. (فليقل به) أي بذلك الشيء المعلوم. (ومن لم يعلم فليقل) أي في الجواب (الله أعلم) أي أكثر علماً. وقال ابن
стр. 360
فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ متفق عليه.
٢٧٥- (٧٨) وعن ابن سيرين قال: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" رواه مسلم.
٢٧٦- (٧٩) وعن حذيفة، قال: يا معشر القراء
ــ
حجر: "أعلم" بمعنى عالم لاستحالة المشاركة، قال القاري: المشاركة الاستقلالية هي المستحيلة. (فإن من العلم) أي من آدابه الواجب رعابتها على من نسب للعلم، أوالتقدير "فإن من جملة العلم"، وهو خبر إن واسمه قوله: "أن تقول" الخ قاله القاري، والثاني هو الظاهر، والمعنى أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن "لا أدرى" نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعمل قسم من التكلف. (أن تقول لما لا تعلم) أي لأجله أو عنه (قال الله تعالى لنبيه) وهو أعلم الخلق ﴿قل ما أسألكم عليه﴾ أي على التبليغ ﴿من أجر﴾ أي آخذه منكم ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ أي من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإستسقاء، وفي تفسير الروم والدخان، ومسلم في التوبة، وأخرحه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي في التفسير.
٢٧٥- قوله: (وعن ابن سيرين) هو محمد بن سيرين، يكنى أبابكر، مولى أنس بن مالك، من أكابر التابعين، قال المصنف: كان فقيهاً عالماً، زاهداً، عابداً، ورعاً، محدثاً، من مشاهير التابعين وجلتهم، وقال الحافظ: إنه ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى. مات سنة (١١٠) وهو ابن سبع وسبعين سنة. قال القاري: وهو غير منصرف للعلمية والمزيدتين على مذهب أبى علي في اعتبار مجرد الزائدتين. (إن هذا العلم دين) اللام للعهد، يعني أن علم الإسناد من الدين، وقيل: المراد به، علم الكتاب والسنة، وهما أصول الدين، ويؤيد المعنى الأول ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عقب ذلك عن ابن سيرين أيضاً، قال: لم يكن يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. (فانظروا) أي فاعلموا وتحققوا (عمن تأخذون دينكم) تنبيه وحث على رعاية الوثوق والديانة، والحفظ، والورع، والسنة، حتى لا يؤخذ من كل من يروي، و"عن" متعلق بتأخذون على تضمين معنى تروون. (رواه مسلم) في مقدمه صحيحه موقوفاً من قول ابن سيرين، وكذا الدارمي، وأخرجه الحاكم في تاريخه، وابن عدى في الكامل مرفوعاً عن أنس، وكذا أخرجه مرفوعاً أبونصر السجزي في الإبانة، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة، لكن المرفوع ضعيف، والصحيح أنه قول ابن سيرين.
٢٧٦- قوله: (يامعشر القراء) أي الذين يحفظون القرآن قاله الطيبي: وقال الحافظ: المراد بهم العلماء بالقرآن،
стр. 361
استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً)) رواه البخاري.
٢٧٧- (٨٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: وادٍ في جهنم، يتعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة، قيل: يا رسول الله، ومن يدخلها؟ قال: القراء
ــ
والسنة العباد. (استقيموا) أي على جادة الشريعة، أي اسلكوا طريق الاستقامة، بأن تتمسكوا بأمر الله فعلاً وتركاً. (فقد سبقتم) بفتح السين والموحدة، قال الحافظ: هو المعتمد، وحكي بضم السين وكسر الباء مبنياً للمفعول، والمعنى على الأول: اسلكوا طريق الاستقامة؛ لأنكم أدركتم أوائل الإسلام، فإن تتمسكوا بالكتاب والسنة، تسبقوا إلى كل خير؛ لأن من جاء بعدكم إن عمل بعملكم لم يصل إليكم لسبقكم إلى الإسلام، ومرتبة المتبوع فوق مرتبة التابع، وإلا فهو أبعد منه حساً وحكماً. وعلى الثاني: أي سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله، فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف المؤدي إلى الانحراف عن سنن الاستقامة يميناً وشمالاً، الموجب للهلاك الأبدي. (سبقاً بعيداً) أي ظاهر التفاوت. (وإن أخذتم يميناً وشمالاً) أي خالفتم المذكور بالإعراض عن الجادة والانحراف عن طريق الاستقامة. (فقد ضللتم ضلالاً بعيداً) أي عن الحق بحيث يبعد رجوعكم عنه إليه، وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [٦: ١٥٣] ، والذي له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا الإشارة إلى فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين مضوا على طريق الاستقامة. (رواه البخاري) في الاعتصام، وأخرجه أيضاً أبونعيم في المستخرج، وابن أبي شيبة، وابن عساكر بنحوه.
٢٧٧- قوله: (من جب الحزن) "الجب" بضم الجيم وتشديد الموحدة، البئر التي لم تطو، و"الحزن" بفتحتين أو بضم فسكون ضد الفرح، أي من بئر فيها الحزن لا غير، قال الطيبي: جب الحزن علم والإضافة كما في دار الإسلام، أي دار فيها السلامة من كل حزن وآفة. (قال وادٍ) أي هو وادٍ عميق يشبه البئر من كمال عمقه. (يتعوذ منه) أي من شدة عذابه. (جهنم) أي سائر أودية جهنم. قيل: ينبغي أن يراد بجهنم ما أعد فيها لتعذيب العصاة من المسلمين، لا الكفرة والمنافقين. قال الطيبي: التعوذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى: ﴿وتقول هل من مزيد﴾ [٥٠: ٣٠] ، وكالتميز والتغيظ: ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [٦٧: ٨] ، والظاهر أن يجري ذلك على المتعارف؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء. (كل يوم) يحتمل النهار والوقت. (أربع مائة مرة) هذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية الترمذي ((مائة مرة)) ، ولامنافاة؛ لأن القليل لا ينافي الكثير، وهو يحتمل التحديد والتكثير. (ومن يدخلها) أي تلك البقعة المسماة بجب الحزن، وهو عطف على محذوف، أي ذلك شيء عظيم هائل. فمن الذي يستحقها؟ ومن الذي يدخل فيها؟ (القراء) جمع قارئ، والمراد العلماء
стр. 362
المراؤون بأعمالهم)) . رواه الترمذي، وكذا ابن ماجه، وزاد فيه: ((وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء)) قال المحاربي: يعني الجورة.
٢٧٨- (٨١) وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى،
ــ
بالكتاب والسنة، العباد النساك. (المراؤون) من الرياء (بأعمالهم) السماعون بأقوالهم. (رواه الترمذي) في الزهد، وقال: "غريب" انتهى. وفيه سيف بن عمار، وهو ضعيف الحديث، وفيه أيضاً أبومعان البصري، وهو مجهول. (وكذا) رواه (ابن ماجه) في السنة، وفي سنده أيضاً ما في سند الترمذي. (وإن من أبغض القراء) قيل: أي من القرائين المذكورين، وهم المراؤون، قرائين مخصوصين، وهم (الذين يزورون الأمراء) طمعاً في مالهم وجاههم، لا لحاجة دينية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لضرورة دنيوية تلجئهم بهم، كدفع شرهم وإيذائهم ونحو ذلك. (قال المحاربي) أحد رواة الحديث، وهو بضم الميم وبالحاء المهملة، وبالراء المكسورة، وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب، وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبومحمد الكوفي، روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد، وعنه أحمد بن حنبل، وثقه النسائي وابن معين والبزار والدارقطني، وقال الحافظ: لا بأس به وكان يدلس، قاله أحمد. مات سنة (١٩٥) . (يعني الجورة) كالظلمة لفظاً ومعناً، جمع جائر؛ لأنه لا حرج في زيارة الأمير العادل، المتمسك بالكتاب والسنة. والحديث أخرجه أيضاً الطبراني بنحوه إلا أنه قال: ((يلقى فيه الغرارون، قيل: يا رسول الله، وما الغرارون؟ قال: المراؤون بأعمالهم في الدنيا)) ، وأخرجه العقيلي في الضعفاء، والعسكري في المواعظ عن علي، وفيه عبد الله بن حكيم أبوبكر الداهري ليس بشيء.
٢٧٨- قوله: (يوشك أن يأتي على الناس زمان) أي فاسد لفساد أهله، قال الطيبي: أتى متعدٍ إلى مفعول واحد بلا واسطة، فعدي بـ"على" ليشعر بأن الزمان عليهم حينئذٍ بعد أن كان لهم. (لا يبقى من الإسلام) أي من شعائره. (إلا اسمه) أي إلا ما يصح إطلاق اسم الإسلام عليه كلفظ الصلاة والزكاة والحج، أو إلا العلم به، وأما العمل به فلا. (ولا يبقى من القرآن) أي من آدابه وعلومه (إلا رسمه) أي أثره الظاهر من قراءة لفظه، وكتابة خطه، بطريق الرسم والعادة لا على جهة تحصيل العلم والعبادة، وقيل: المراد برسم القرآن تجويد الحروف وإتقان الألفاظ، وتحسين الألحان فيه من غير التفكر في معانيه، والامتثال بأوامره والانتهاء عن نواهيه. (مساجدهم عامرة) أي بالأبنية المرتفعة، والجدران المنقشة، والقناديل والبسط. (وهي خراب من الهدى) المراد بكون مساجدهم عامرة، عمارة بنائها الظاهر، وبكونها
стр. 363
علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود)) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
٢٧٩- (٨٢) وعن زياد بن لبيد قال: ((ذكر النبي ﷺ شيئاً فقال: ذاك عند أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟)) رواه أحمد، وابن ماجه،
ــ
خراباً من الهدى، تركهم إياها عاطلة من الصلاة والجماعة، وإقامة الأذان فيها، والعلم والذكر، وإنما عبر عنها بالهدى لأنها سبب هداية الشخص، وقيل: التقدير من آثارها الهداية أو أهلها. (أديم السماء) أي وجهها. (من عندهم تخرج الفتنة) أي للناس. (وفيهم تعود) أي مضرتها وعاقبتها السوء، وفي مثلها في قوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [٧: ٨٨] ، يعني يستقر عود ضررهم فيهم، ويتمكن منهم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل، وأخرجه الحاكم في تاريخه بنحوه عن ابن عمر، والديلمي عن معاذ وأبي هريرة، وأخرجه العسكري في المواعظ عن علي موقوفاً من قوله.
٢٧٩- قوله: (وعن زياد بن لبيد) بفتح لام وكسر موحدة، ابن ثعلبة، يكنى أباعبد الله الأنصاري الخزرجي، خرج إلى رسول الله ﷺ بمكة فأقام معه حتى هاجر، فكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد العقبة وبدراً والمشاهد، ومات النبي ﷺ وهو عامله على حضر موت، وكان له بلاء حسن في قتال أهل الردة، وكان من فقهاء الصحابة. روى عنه عوف بن مالك، وسالم بن أبي الجعد، وجبير بن نفير، قال البخاري: ولا أرى سالماً سمع منه، مات في أول خلافة معاوية. (ذكر النبي ﷺ شيئاً) أي هائلاً (فقال: ذاك) أي الشيء المخوف يقع (عند أوان ذهاب العلم) أي وقت اندراسه. (وكيف يذهب العلم؟) الواو للعطف، أي متى يقع ذلك المهول؟ وكيف يذهب العلم؟ (ونحن نقرأ القرآن ... ) الخ يعني والحال أن القرآن مستمر بين الناس إلى يوم القيامة، فمع وجوده كيف يذهب العلم؟ (ثكلتك أمك) أي فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب. (زياد) أي يا زياد (إن كنت) إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الشأن كنت أنا (لأراك) بضم الهمزة، أي لأظنك، وبفتحها أي لأعلمك. (من أفقه رجل بالمدينة) ثاني مفعولي أراك، ومن زائدة في الإثبات، أي على مذهب الأخفش، أو متعلقة بمحذوف أي كائناً، قاله الطيبي: وأضاف أفعل التفضيل إلى النكرة المفردة؛ لأن المراد به الاستغراق. (أو ليس) أي أتقول هذا وليس (لا يعملون بشيء مما فيهما) الجملة حال من فاعل يقرؤون، أي يقرؤون غير عاملين، يعني ومن لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء، بل هو بمنزلة الحمار يحمل أسفاراً. (رواه أحمد) (ج٤:ص١٦، ٢١٨) . (وابن ماجه) في الفتن، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص١٠٠) كلهم من
стр. 364
وروى الترمذي عنه نحوه.
٢٨٠- (٨٣) وكذا الدارمي عن أبي أمامة.
٢٨١- (٨٤) وعن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ ((تعلموا العلم وعلموه الناس، تعلموا الفرائض وعلموها الناس، تعلموا القرآن وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما)) رواه الدارمي والدارقطني.
ــ
طريق سالم بن أبي الجعد عن زياد. وسند الحديث صحيح، رجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال البخاري في التاريخ الصغير: لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد، وتبعه على ذلك الذهبي في الكاشف، وقال: ليس لزياد عند المصنف - أي ابن ماجه - سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الكتب. (وروى الترمذي عنه) أي عن زياد (نحوه) أي نحو هذا اللفظ، وهو معناه، وهذا وهم من المصنف؛ لأن الترمذي روى هذا الحديث عن أبي الدرداء، لا عن زياد، ولأنه ليس لزياد شيء في الكتب الستة غير ابن ماجه.
٢٨٠- قوله: (وكذا الدارمي) أي رواه بمعناه لكن (عن أبي أمامة) لا عن زياد. وأخرج عن أبي أمامة أيضاً أحمد والطبراني وأبوالشيخ في تفسيره، وابن مردويه كما في الكنز (ج٥:ص٢٠٨) .
٢٨١- قوله: (قال لي رسول الله ﷺ ) يحتمل أن ابن مسعود كان وحده، أو خصه بالخطاب وعم الحكم بقوله: (تعلموا العلم) أي الشرعي، أو الجمع للتعظيم. (تعلموا الفرائض) أي علم الفرائض خصوصاً، سواءً أريد بها فرائض الإسلام أو فرائض الإرث. (علموها الناس) كذا في بعض النسخ موافقاً لرواية الدارقطني، ووقع في بعض النسخ "وعلموه الناس"، وكذا عند الدارمي، أي علموا هذا العلم، فالضمير إلى المضاف المقدر. (فإني امرؤ مقبوض) لكوني امرأ مثلكم، فلا أعيش أبداً، فاغتنموا فرصة حياتي. (والعلم سينقبض) من الانقباض، أي بعدي بقبض أهله، وفي بعض النسخ "سيُقبض" مجهول مجرد. (حتى يختلف) يجوز أن يتعلق بكل من الفعلين السابقين. (في فريضة) من فرائض الإسلام أو فرائض الإرث. (لا يجدان أحداً يفصل بينهما) لقلة العلم أو لكثرة الفتن. (رواه الدارمي والدارقطني) ص (٤٥٩) ، وسياق الحديث للدارمي، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي ولم يسق لفظه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال الحافظ: رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه اختلافاً كثيراً ... الخ، وقال الترمذي: إنه مضطرب، وقد تقدم بيان شيء من هذا الاختلاف عند تخريج حديث أبي هريرة: ((تعلموا الفرائض)) في الفصل الثاني، وأخرج نحوه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري من طريق عطية، وهو ضعيف.
стр. 365
٢٨٢- (٨٥) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله)) رواه أحمد والدارمي.
ــ
٢٨٢- قوله: (مثل علم لا ينتفع منه) أي بالعمل والتعليم، ولو كان العلم في نفسه نافعاً. (كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله) أي لا على نفسه ولا على غيره في الجهاد وسائر وجوه الخير. قال الطيبي: التشبيه في عدم النفع والانتفاع والإنفاق منهما، لا في أمر آخر، وكيف لا والعلم يزيد بالإنفاق والكنز ينقص، والعلم باقٍ والكنز فانٍ. (رواه أحمد والدارمي) ، وأخرجه أيضاً البزار، ورجاله موثقون، قاله الهيثمي. وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط بنحوه، وفي إسناده ابن لهيعة، وأخرجه ابن عساكر عن ابن عمر، والقضاعي عن ابن مسعود.
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الأول من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، ويليه الجزء الثاني - إن شاء الله تعالى -، وأوله: كتاب الطهارة.
стр. 366
- ١ -
كلمة الناشر للطبعة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإعلام والنشر، وللناس فيه عناية كبيرة بشؤون المطابع والمكتبات، حتى نرى أنهم يطبعون وينشرون ما فيه وصمة للعلم ومضرة بالغة للمجتمع. أما العلوم الدينية التي تضمن السعادة الأبدية للإنسانية كلها وتطهر المجتمع من الفواحش والدنايا فقد قل بها اهتمام الناس، واشتغلوا عنها بتوافه الأمور، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، والمدارس الدينية العربية بالهند التي تعتبر معاقل الدين وحصونه هي الأخرى قد عكفت على تدريس العلوم وتلقينها، وأهملت ناحية التأليف والطبع والنشر، مع أنها كانت معقد آمال الناس في الأوساط الدينية، وكان من واجبها أن لا تتخلف في مجال مهم مثل التأليف والنشر، وقد شعرت بعض المدارس بهذا النقص، فحاولت التفادي منه ونجحت، ولكن معظم المدارس العربية لا تزال على الحالة التي أشرنا إليها.
وبناءً على ذلك كانت الجامعة السلفية قد جعلت من أهدافها - منذ أن أنشئت - الاهتمام بشؤون التأليف والطبع والنشر بجانب الشؤون الدراسية والتعليمية، ولتحقيق هذا الهدف قد تم في الجامعة إنشاء قسم خاص يهتم بشؤون التأليف والنشر، وهو قسم دار الترجمة والتأليف والنشر، وقد أبدى هذا القسم نشاطاً ملموساً في ترجمة بعض الكتب المهمة النافعة وطبعها ونشرها في الهند وخارجها.
ومن أكبر مشاريع الدار وأهمها مشروع طبع كتاب "مرعاة المفاتيح" شرح مشكاة المصابيح لفضيلة العلامة المحدث الكبير الشيخ أبي الحسن عبيد الله الرحماني - حفظه الله تعالى -، وكان هذا الكتاب قد طبع جزء منه في باكستان وجزآن في الهند، ولكنه نظراً إلى أهمية موضوعه وطرافة مباحثه كان في حاجة إلى أن يعاد طبعه على طريقة علمية حديثة، بحيث يسهل تناوله للقراء في الهند وغيرها من البلاد الإسلامية والعربية. ومن المتوقع أن يقع الكتاب وفق هذه الطبعة الثانية في ١٢ جزء، وكل جزء يحتوي على نحو ٦٠٠ صفحة بالقطع الكبير. والدار حينما تحملت مسؤولية هذا المشروع الكبير - مع كثرة نفقاتها - لم تهدف إلا إلى نشر العلوم الدينية والتعريف بما قام به العلماء السلفيون بالهند من خدمة العلوم الإسلامية واللغة العربية، وما كان لهم من الإسهام في بناء صرح الثقافة الإسلامية في شبه القارة.
ونحن إذ نقدم الجزء الأول من كتاب مرعاة المفاتيح نسأل الله أن يكتب له القبول لدى القراء والباحثين، ويوفقنا لإتمام هذا المشروع الكبير، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، فهو نعم المولى ونعم النصير.
... ... ... ... ... ... ... ... (إدارة البحوث الإسلامية)
стр. 367
- ٢ -
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد! فهذه فصول مفيدة تشتمل على:
١- مقدمة الناشر للطبعة الأولى بعد تلخيصها وترجمتها إلى العربية.
٢- ترجمة الشارح - حفظه الله -.
٣- ذكر بعض ما يمتاز به هذا الشرح من الميزات والخصائص.
٤- رسالة لطيفة في بيان مصطلحات علم الحديث التي لا بد من استحضارها لكل من يرغب في مطالعة الحديث والتوسع فيها.
أحببت أن ألحقها بمرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ ليكون القارئ على بصيرة عن الكتاب وصاحبه.
وقد تركت ترجمة الإمام البغوي ﵀، والتعريف بكتابه - المصابيح -، وكذلك التعريف بمشكاة المصابيح الذي هو تكملة للمصابيح، وترجمة مؤلفه الخطيب العمري ﵀؛ لأن الشارح - حفظه الله - قد تعرض لهذه الأمور في الشرح بما فيه غنى عن إعادة ذكرها هنا.
عبد الرحمن عبيد الله الرحماني المباركفوري.
стр. 368
- ٣ -
مقدمة الناشر للطبعة الأولى
حامداً ومصلياً ومسلماً
اعلم أن الشاه ولي الله الدهلوي ﵀ قد قرر في المبحث السابع من كتابه "حجة الله البالغة" باعتبار فهم المعاني الشرعية من الكتاب والسنة والاستنباط منهما والعمل بهما، مدرستين مستقلتين للتفكير: أهل الحديث، وأهل الرأي. فذكر في إحداهما فقهاء أهل الحديث من مؤلفي الصحاح الستة وغيرهم مع الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، كمجتهدي الأمة - ونسب رئاسة المدرسة الأولى إلى إبراهيم النخعي وأبي حنيفة وأصحابه. ثم قارن بين أصول استدلال المدرستين وطرق الاستنباط والتخريج لهما. وعلاوة على شرحه الأحاديث فيه شرحاً فقهياً، أرسخ قواعد حرية التفكير وسعة النظر باختياره طريقة المدرسة الثانية في شرحه لموطأ الإمام مالك، وترجمته "المسوى والمصفى" لتبقى الأمة المسلمة متحدة عملاً مع اختلافها فكراً ونظراً، متمشية على منهاج السلف الأول.
ثم روج الشاه ولي الله ﵀ تدريس الصحاح الستة على طريقة أهل الحديث بجنب التأليف والتصنيف؛ لأن موضوع تلك الكتب جمع سيرة الرسول ﷺ كاملة حيث يهتدى بها في جميع نواحي الحياة البشرية قاطبة. ثم من أعظم أوصافها وخصائصها أنها تحمل في طيها سعة النظر، وليس في جمع وتدوين أحاديثها ولا في تبويبها ولا في طرق الاستدلال والاستنباط منها تحديد واقتصار.
فيورد أصحابها كل ما روي من الأحاديث والآثار عن رسول الله ﷺ والسلف الصالحين، سواء كان دليلاً لطائفة أو عليها، لا يتعلق لهم بذلك غرض، فيعملون في ثبوت تلك المرويات والاحتجاج بها حرية التفكير والبحث التي تورث الذهن استعداد النقد المثمر البناء.
ولعل هذا هو السبب الأكبر في اختياره مسلك الفقهاء المحدثين أساساً لتوحيد صفوف الفرق المسلمة فكرياً وعملياً، وجعله موضوعاً لبعض مؤلفاته.
ولعله قد شعر بأنه قد ساد على العالم الإسلامي بعد القرن العاشر من الهجري عامة؛ إما الفقه الجامد أو القاصر، أو التصوف المتخشن المفضي إلى الإلحاد، وإن كان هناك شيء في المدارس باسم علوم الحديث فهو تابع للفقه المعاصر، ولم يكن يتعرض للروايات إلا في مجالس الوعظ والقصص بغض النظر عن رطبها ويابسها وصحيحها وسقيمها، أو لتأييد المذاهب الفقهية مهما كانت درجتها في الصحة والثبوت.
ولتحقيق أهداف الفقهاء المحدثين بدأ الشيخ ولي الله ﵀ حركة تجديد عهد المحدثين، وسقى هذا النبت حفيده الشيخ إسماعيل الشيهد (م ١٢٤٦هـ) ، ثم ترعرع بعده وأثمر هذا الشجر عند طبقة من المحققين الذين استفادوا منه، أعني بهم المحدث الكبير شيخ الكل السيد نذير حسين الدهلوي (م ١٣٢٠هـ) ، التلميذ الخاص للشاه محمد إسحاق (م ١٢٦٢هـ) ، والسيد أباالطيب محمد صديق حسن خان (م ١٣٠٧هـ) ، التلميذ الممتاز والمجاز للشاه محمد يعقوب (م ١٢٨٢هـ) ، ابن بنت الشاه عبد العزير ﵀.
стр. 369
- ٤ -
فالمحدث الدهلوي السيد نذير حسين ﵀ نشر هذه الحركة المقدسة تدريساً، والسيد النواب ﵀ قد أسهم فيها بتأليف الكتب الكثيرة والتزامه بطبع المؤلفات النافعة النادرة الوجود على حسابه الخاص وتوزيعها في العالم الإسلامي، ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ .
وألف السيد صديق حسن خان ﵀ على أساس خطة التفكير الفقهي للشاه ولي الله ﵀ في سنة ١٢٧٨هـ شرحاً لبلوغ المرام باللغة الفارسية باسم "مسك الختام"، وفي سنة ١٢٩٤هـ "عون الباري" شرح تجريد صحيح البخاري للشرجي، وفي سنة ١٢٩٩هـ "السراج الوهاج" شرح تلخيص الصحيح لمسلم للمنذري. هذا بجنب طبعه لاستفادة أهل العلم وأصحاب التحقيق "نيل الأوطار" سنة ١٢٩٧هـ، وفتح الباري سنة ١٣٠٠هـ بالمطبعة الأميرية ببولاق (مصر) بمبالغ باهضة مع عنايته واهتمامه بترجمة كتب الصحاح الستة مع موطأ الإمام مالك وطبعها؛ ليستنير عامة الناس من أنوار علوم السنة رأساً وبدون واسطة.
ومن تلامذة المحدث الدهلوي العلامة الشيخ أبوالطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (م١٣٢٩هـ) ألف "عون المعبود" شرح سنن أبي داود، والشيخ أبوالعلي محمد عبد الرحمن المباركفوري (م١٣٥٢هـ) شرح الجامع للترمذي باسم "تحفة الأحوذي"، والشيخ محمد أبوالحسن السيالكوتي شرح صحيح البخاري باللغة الأردية في ٣٠ مجلداً، وسماه فيض الباري، والشيخ عبد الأول الغزنوي الأمرتسري (م ١٣٣١هـ) بن محمد (١) بن العارف بالله الشيخ عبد الله الغزنوي - رحمهم الله تعالى - ترجم مشكاة المصابيح وعلق عليها وطبعها.
ومن مفاخر علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية أنه باهتمامهم فحسب طبع أول مرة عدة من كتب الحديث القيمة، أمثال: السنن للنسائي، والسنن للدارقطني، والتلخيص الحبير، وغيرها، وإنها لحقيقة ثابتة أن تلك المطبوعات هي التي يستفيد بها أصحاب التدريس والإفتاء وأهل التحقيق، فلله الحمد على ذلك.
وعلى كل حال فقد استمرت نهضة تجديد وإحياء السنة بكل قوتها وحيويتها بفضل مساعي جماعة أهل الحديث الهندية وجهودها العلمية والعملية، واستنارت بأشعة هذا النور العظيم أرجاء العالم الإسلامي النائية، واعترف عديد من أهل العلم والتحقيق في العالم الإسلامي في العهد الحاضر بسبق علماء أهل الحديث في الهند في ميدان نشر علوم السنة وطبع كتبها. فالشيخ العلامة رشيد رضا المغفور له يقدّر ويحسن جهودهم بما نصه: "ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق، فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل القرن الرابع عشر ... " (مقدمة مفتاح كنوز السنة) .
ويمدحهم محقق آخر من مصر الشيخ عبد العزيز الخولي: " ... ولا يوجد في الشعوب الإسلامية من وفى الحديث قسطه من العناية في هذا العصر مثل إخواننا مسلمي الهند، أولئك الذين وجد بينهم حفاظ للحديث، ودارسون لها على نحو ما كانت تدرس في القرن الثالث، حرية في الفهم، ونظر في الأسانيد، كما طبعوا كثيراً من كتبها النفيسة التي كادت تذهب بها يد الإهمال، وتقضي عليها غير الزمان....، وإن أساس تلك النهضة في البلاد الهندية أفذاذ أجلاء تمخضت بهم العصور الحديثة، وانتهجوا في تحصيل العلوم نهج السلف، فنبه شأنهم وعلا أمرهم وذاع صيتهم،
стр. 370
- ٥ -
فكان لها الأثر الصالح والسبق الواضح، ومن أشهر هؤلاء الأعلام ولي الله الدهلوي صاحب التصانيف، أشهرها "حجة الله البالغة"، والسيد صديق حسن خان ملك بهوبال صاحب التصانيف الكثيرة، ومن حسناته (يعني السيد حسن خان) طبع فتح الباري ونيل الأوطار وتفسير الحافظ ابن كثير ... ، طبعت هذه على نفقته في المطبعة الأميرية بمصر، فكانت من أنجح وسائل إحياء السنة ... ، وفي الهند الآن طائفة تهتدي بالسنة في كل أمور الدين، ولا تقلد أحداً من الفقهاء ولا المتكلمين وهي طائفة المحدثين". ... (مفتاح السنة ص١٦٩) .
ومحقق آخر الشيخ محمد منير الدمشقي يبدي رأيه عن حركة إحياء السنة هذه بما يأتي: "وهي نهضة عظيمة، أثرت على باقي البلاد الإسلامية، فاقتدى بها غالب البلاد الإسلامية في طبع كتب الحديث والتفسير". (أنموذج من الأعمال الخيرية ص (٤٦٨) .
ويكتب عن "السيد صديق حسن خان": "كم له من أيادٍ بيضاء في خدمة العلم والعلماء، وإن جحد فضله الحاسدون وضعفاء العقول المتصنعون". (أنموذج ص٣٨٨) .
هذه هي حكاية ما أنجزه علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية من الأعمال الذهبية في سبيل إحياء السنة وتجديد نهضة الشاه ولي الله ﵀ باختصار، ولو سلك مسلكه واختار منهجه العلماء المنتسبون إلى أسرته أيضاً لكان الوضع الديني لبلادنا مختلفاً تماماً عن الوضع الحالي.
وقد حدث - مع الأسف الشديد - أن طائفة من علماء أسرته قد ترك منهج تدريسه، وترويج علوم الحديث لبعض مصالحها الخاصة بعد وفاته بمدة لا تطول، ولا شك أن تلك الطائفة قد ساهمت في نشر الدين بجهود لا تنكر قيمتها، ولكنهم لم يرضوا بإعطاء علوم الحديث حظها من عنايتهم، فإنهم جعلوا نصب أعينهم عند الاشتغال بعلم الحديث مقاصد خاصة، مثل بعض سلفهم من المؤلفين وشراح الحديث، ودرسوا هذه الكتب التي أساسها على الاجتهاد، على طريقة أصحاب الرأي، معرضين عن منهج الشاه ولي الله ﵀، وزينت تلك الكتب بحواشٍ مفيدة ولكن غلبت عليهم العصبية الطائفية في شرح وتطبيق بعض الأحاديث وتعيين درجتها من الصحة والضعف.
ويبذل قصارى الجهد في إبعاد الطالب عن تأثير ما ورد في المواضع المختلف فيها من الكتاب، والتعليق يكون مخالفاً للمتن، والحديث المعارض للمذهب في نظر المحشي أو المدرس يعرض للتأويل والتوجيه، ولكن الذي حظي بالموافقة لمذهبهم يقبل من غير أن ينظر إلى مرتبته من الصحة والضعف، والغرض من هذا التكلف أن لا يتسع طلبة الحديث فكراً وصدراً بل ينحصروا في حصار خاص، ويتقيدوا بقالب معين، وإذا انبعث فيهم شعور بالنقد والتحقيق فلا يكون إيجابياً ومنتجاً بل سلبياً وجارحاً.
ولو طالع أحد حواشي وتعليقات من هو في الطبقة العليا من فقهاء الهند على كتب الحديث على سبيل المثال، لوجد لما ادعيناه في السطور الأولى أسساً ثابتة فيها، أعني بها حواشي الشيخ أحمد علي السهارنبوري (م١٢٩٧هـ) على صحيح البخاري، والجامع للترمذي ومشكاة المصابيح، وحواشي الشيخ عبد الغني المجددي (م ١٢٩٦هـ) ، والشيخ محمد التهانوي على سنن ابن ماجه وسنن النسائي، وحاشية النواب محمد قطب الدين الدهلوي (م ١٢٨٩هـ) باللغة الأردية على مشكاة المصابيح.
стр. 371
- ٦ -
واستمر على هذا المنهاج في التأليف والتدريس من جاء بعدهم عامة إلا من شاء الله منهم، ولا يخفى أن هذا الوضع قد يشوش أذهان طلاب الحديث، حيث يكون التعليق مخالفاً للمتن، ولذا شعرنا بحاجة إلى حواشي وتعليقات على كتب الأحاديث المتداولة بين المدارس الدينية في بلادنا تحل تلك المشكلة ولا تشوش بنفسها ذهن الطالب، بل تؤيد اتجاه أئمة الحديث وتوضحه، وروعي فيها المعايير المحايدة للمحدثين في الجرح والتعديل والبحث والتمحيص، ولوحظ فيها الأصول الفقهية للشاه ولي الله ﵀، واحترم فيها جميع السلف من المحدثين والفقهاء، بدون فرق بين مذهب ومذهب.
وتقع مسؤولية هذا العمل الجليل على عواتق علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية، وقد اعتنوا به شيئاً ما، فحواشي سنن ابن ماجه (١٣١٢هـ) ، وسنن أبي داود (١٣١٨هـ) للشيخ محمد بن نور الدين الهزاروي التلميذ الراشد للشيخ العلامة حسين بن محسن اليماني البهوبالي (م ١٣٢٧هـ) طبعت في أصح المطابع بلكنؤ، وحاشية سنن النسائي للشيخ أبي عبد الرحمن محمد البنجابي (م ١٣١٥هـ) ، والشيخ أبي يحيى محمد الشاهجهانفوري (م١٣٣٨هـ) تلميذي المحدث الدهلوي السيد نذير حسين، طبعت في المطبع الأنصاري بدلهي سنة ١٣١٥هـ، ويندرج تحتها تنقيح الرواة حاشية على المشكاة للشيخ السيد أحمد حسن الدهلوي (م١٣٢٨هـ) تلميذ شيخ الكل السيد نذير حسين الدهلوي ﵏، ولكن جمعية أهل الحديث في شبه القارة الهندية قد تعرضت فيما بعد لحوادث - ليس هذا محل تفصيلها -، فتوقف هذا العمل الجليل من جرائها لفترة طويلة، ولكن كل فرد من أفرادها مازال يشعر بالحاجة إليه.
ــ
والغرض من إطالة هذه الحكاية الممتعة للمسامع إزاحة الستار عما يكمن وراء الحوار، والمحادثات والمقترحات التي كانت تمتد إلى ساعات طويلة بيني وبين صديقي المغفور له الحافظ محمد زكريا، وقد لقيته إبان الحرب العالمية الثانية - كما أذكر - حينما كنت مقيماً ببلدة فيروزبور (البنجاب الشرقي) للتدريس والخطابة، وقد كثرت اللقاءات، ووحدة الذوق والفكر دائماً يحدونا إلى اللقاء والمحادثة، وأكبر همنا كان التخطيط لإحياء نهضة سلفنا - عمل نشر علوم الحديث - من جديد.
ــ
وعلى بعد ٣٠ ميلاً من المدينة الصناعية لائل بور (البنجاب الغربي) وفي ناحيتها الغربية الجنوبية تقع قرية تسمى "جهوك دادو طور"، يسكنها العالم الرباني الشيخ محمد الباقر، تلميذ المحدث الحافظ عبد المنان الوزير آبادي (م ١٣٣٤هـ) ، والمستفيض من علوم ومعارف الشيخ عبد الجبار الغزنوي (م١٣٣٢هـ) - رحمهما الله وغفر لهما -، وصديقنا المرحوم الحافظ محمد زكريا كان أكبر أولاده، وقد ولد في نفس القرية سنة ١٣٣٢هـ غالباً -، غيب القرآن وتعلم اللغة الأردية في بيته، وقرأ مبادئ اللغة العربية في قرية قريبة من مديرية شيخوبورة، وأقام مدة يسيرة بمدرسة تقوية الإسلام أمرتسر - البنجاب -، ثم ارتحل إلى كوجرانواله وتتلمذ على الشيخ العلامة الحافظ محمد - حفظه الله ونفع بعلومه -، والشيخ محمد إسماعيل ﵀، وقرأ عليهما الصحاح الستة وغيرها من كتب الحديث والعلوم، وحصل منهما الشهادة والإجازة، وبما أنه كان يميل إلى الكتابة والتأليف ونشر الكتب - وهذا هو وجه الرابطة بيني وبينه لأني أيضاً كنت أميل إليه من بدء شعوري - فترجم رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"والوابل الصيب" لابن القيم - رحمهما الله - إلى اللغة الأردية، وطبعها على رغبتي ومشورتي، ثم
стр. 372
- ٧ -
شرح "زرادي" بالأردية، وسماه "الهادي"، وكذلك طبع مقالتي الوجيزة "الإمام الشوكاني" في سنة ١٣٦٤هـ، وعلاوة عليها ترجم رسالة للرازي "عصمة الأنبياء"، وشرح كتاب "أبواب الصرف" للشيخ الحافظ محمد اللكهوي، ولم يطبعا بعد.
ولكن واحسرتاه! هذا الشاب الطويل القامة النحيف الجسم، المليء بالعلم والذوق السليم كان مصاباً بمرض المعدة، وازداد مرضه تدريجاً حتى قضى على حياته، وتوفاه الأجل المحتوم في آخر شوال سنة ١٣٦٨هـ، الموافق أغسطس سنة ١٩٤٩م - إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد توفي والده الشيخ محمد الباقر أيضاً.
وبعد انقسام شبه القارة إلى الدولتين: الهند والباكستان عام ١٣٦٦هـ الموافق لعام ١٩٤٧م هاجرت من فيروزبور الهند إلى باكستان، ولقاء صديقنا هناك كان أمراً طبيعياً، وشعرنا بأنه قد حان موعد تعبير الأحلام التي كنا نحلم بها - وكانت المقترحات والمشورات والمشاريع السابقة مواضيع لقاءنا -، فقررنا إحياء مشروع سلفنا بتحشية وطبع كتب الحديث وما يتعلق بها، وأن نبدأ العمل بمشكاة المصابيح، وطلب مني التعليق عليه فاعتذرت بعدم استعدادي له، وعرضت عليه اسم فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري - حفظه الله وبارك في حياته ونفع بعلومه -، فوافق عليه والتمس هو من الشيخ الرحماني المباركفوري - حفظه الله - بالقيام لهذه الخدمة الجليلة الشأن، فقبل الشيخ اقتراحنا بكل بشاشة وفرح، ولكن قدر مدة تكميل العمل بأربع سنوات على الأقل، وبدأ العمل في ١٣٦٧هـ الموافق ١٩٤٧م.
ــ
وكنت قد انتقلت ذاك الوقت على طلب مخدومنا الشيخ العلام السيد محمد داود الغزنوي ﵀ إلى مدرسته تقوية الإسلام في لاهور؛ لأقوم بخدمة التدريس فيها، ونزل الصديق الحافظ محمد زكريا لطباعة بعض الكتب لاهور، وأقام عندي عدة شهور، وشعرنا بأنه لا ينبغي الانتظار لتكميل حاشية المشكاة، بل لابد من بدء عمل آخر، فقررنا طبع سيرة المحدث الدهلوي السيد نذير حسين ﵀ "الحياة بعد المماة" طباعة ممتازة أنيقة.
وبما أنه كان لا يوجد في ذاك الوقت سنن أبي داود في المكاتب فصممنا على طبعه بتعليق جديد، وبدأت بتأليف "فيض الودود" تعليق سنن أبي داود على إلحاحه، واعتنى هو لتسيير العمل بمساعدة مالية، وفي أثنائه غادر هو لاهور إلى بيته واشتد مرضه، وبعد أيام جاء نعي وفاته المؤلم، اهتز له كل من كان يعرفه، وخاصة كاتب هذه السطور، ﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾ .
ــ
ومكتبتي التي ضاعت بفيروز بور قد أسستها من جديد بلاهور - باسم المكتبة السلفية، وعمل تأليف فيض الودود تعليق سنن أبي داود، وإن لم يتعدّ على جزئين فقط، ولكن لم تمض فترة إلا أن قيض الله أسباباً لا نتوقعها لتأليف وطبع كتاب عظيم "التعليقات السلفية على سنن النسائي" في غضون أربع سنوات تحت إشراف وعناية المكتبة السلفية، ﴿وهذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾ .
وبعد سنة فصاعداً قد علمنا بأن فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني قد أرسى قواعد شرح جليل لمشكاة المصابيح بدل تعليق بسيط عليه، وأكمل الجزء الأول منه وأرسله إلينا للطبع، وإنها لحقيقة أننا ما كنا مستعدين له في ذاك الوقت؛ لأن جمعية قرية صغيرة ما كانت تستطيع أن تتحمل نفقات الطبع الباهضة، ثم الموانع والمشاكل في كل مرحلة حالت دون
стр. 373
- ٨ -
طبعه، ولكن الله تعالى بفضله وكرمه أزال جميع الموانع، ووفق عبداً ضعيفاً من عباده أن يوفي بما عهد به صديقه، وذلك من ثمرات إخلاص المغفور له، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
وهل يخفى على أحد الحاجة إلى شرح مفصل للمشكاة؟ ولا شك في أن شرح شيخ مؤلف المشكاة العلامة حسين بن محمد الطيبي (م٧٤٣هـ) "الكاشف عن حقائق السنن" يعدّ من أحسن الشروح له، لكنه لم يطبع بعد، ويتبعه مرتبة المرقاة لملا علي بن سلطان محمد القارئ (م١٠١٤هـ) ، واللمعات للشيخ عبد الحق الدهلوي (م١٠٥٢هـ) ، وهما شرحان جيدان من حيث جمع المواد المتعلقة بإيضاح المطالب وغيره، ولكن التزم فيهما تمثيل مدرسة خاصة في الفقهيات، ثم إنهما لا يشفيان غليل الباحث في باب تخريج ونقد الأحاديث مع أن الحاجة إليه شديدة في شرح المشكاة خاصة بالفصل الثالث منه. ونظراً إلى ذلك فقد حبذنا عمل فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني بكل سرور وانشراح، فإن الله تعالى قد هيأ أسباباً لملأ فراغ كبير في هذا الباب.
ونحمد الله على إحسانه وكرمه أن مرعاة المفاتيح يعدّ شرحاً عديم النظير غير مسبوق به بما يمتاز به من الأوصاف والخصائص، يحتوي بما في الشروع السابقة ويذكرنا القرن العاشر في باب التحقيق مصداقاً لـ"كم ترك الأول للآخر".
وإن هذا الكتاب لا يفي بحاجة المرقاة واللمعات فحسب، بل يغني عن كثير من الكتب في باب تخريج الأحاديث وتنقيحها - إن شاء الله -، ونتضرع إلى الله تعالى أن يوفق الشارح لتكميل هذا العمل، وينعم عليه بحسن القبول والإفادة العامة.
والحاجة إلى تعليق على المشكاة التي لمسناها لغرض خاص باقية حتى الآن، ولا ندري من يوفق له ومتى؟ والحاشية شبه الشرح للمشكاة "تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة" التي مر ذكرها فوق قد طبع نصفها الأول قبل مدة طويلة، وقد عثرنا على أوراق نصفها الأخير هذه الأيام، ولكنها في حاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها، بل شيء من آخرها مخروم ويحتاج إلى كتابتها من جديد، ومن أماني المشرفين على المكتبة السلفية بلاهور طبعها ونشرها في أقرب فرصة.
ولا نزال نلمس الحاجة إلى مشكاة مترجمة تحتوي على مقتضى القديم والحديث مع ترجمتها الموثوق بها، وقد استكمل ترجمة نصفها الأول الشيخ محمد إسماعيل على اقتراح كاتب هذه السطور، ستكون هذه المشكاة المترجمة عديمة النظير إن شاء الله.
ولا يخفى على أحد أن إشاعة ونشر تفسير القرآن الكريم في ضوء الأحاديث والآثار وعلوم الحديث خالصة من واجبات جماعة أهل الحديث التي تمتاز بها، وقد أدى هذا الواجب أسلافها في الماضي القريب بأحسن وجه، وإن العصر الذي نعيش فيه مليء بالمخاطر، والحاجة ماسة إلى دفع مهاجمات ومهاترات المنكرين لحجية الحديث والمتخبطين في ملتويات التأويل والتوجيه، وعمل أصحاب الحديث وأنصاره أضعف بكثير وأبطأ بإزاء دعاية تلك القوى المعارضة، فهل من سبيل لمقاومة هذا السيل العارم، فهل ينظرون في سبيل مقاومة هذا الاتجاه الزائف؟
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
(أبوالطيب محمد عطاء الله حنيف - كان الله له) .
стр. 374
- ٩ -
ترجمة الشارح - حفظه الله وبارك في حياته -.
هو أبوالحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين.
ولد في محرم الحرام سنة ١٣٢٧هـ ببلدة مباركفور التابعة المديرية أعظم كره إحدى مديريات الولاية الشمالية (اتربرديش) في الهند، وتدرس كتب الأردية والفارسية الرائجة في المدارس الأهلية آنذاك في المدرسة العالية ببلدة مئو من بلاد أعظم كره، وكتب النحو والصرف والأدب والفقه والمنطق والهندسة أمثال الكافية لابن حاجب وشرحها لملا جامي وشرح الوقاية ومشكاة المصابيح والسراجية في علم الفرائض وشرح التهذيب وشرح الشمسية المعروف بالقطبي وديوان المتنبي وأقليدس على والده العلامة محمد عبد السلام صاحب سيرة البخاري ﵀ حينما كان هو مدرساً في مدرسة سراج العلوم بقرية بونديهار من قرى مديرية كونده في الولاية الشمالية، ثم انتقل مع والده ﵀ إلى دار الحديث الرحمانية بدلهي، وكمل دراسته هناك، وتخرج على أيدي الأساتذة المتخصصين في كل فن من فنون العلم، فدرس من كتب الحديث الصحيحين للإمامين البخاري ومسلم، والموطأ للإمام مالك على العلامة المحدث الشيخ أحمد الله البرتابكرهي ثم الدهلوي ﵀، تلميذ الشيخ السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، والشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي، وقد كتب هو له الإجازة برواية كتب الحديث، وهي محفوظة عندنا، وكتب العلوم العقلية الآلية من المنطق والفلسفة والهيأة وعلم الكلام وكتب الفقه مع أصوله كشرح هداية الحكمة للصدر الشيرازي، والشمس البازغة وشرح السلم للمولوي حمد الله والقاضي مبارك، وشرح العقائد النسفية وشرح المواقف والتصريح وشرح الجغميني وشرح المطالع ومسلم الثبوت والتلويح مع التوضيح والجزأين الأخيرين من الهداية والتفسير للبيضاوي على العلامة الشيخ غلام يحيى الكانبوري، ونور الأنوار وتفسير الجلالين وجامع الترمذي والمقامات الحريرية وديوان الحماسة على الشيخ الحافظ عبد الرحمن النكرنهسوي، والهدية السعيدية وسنن أبي داود على الشيخ أبي طاهر البهاري، والمقدمة لابن خلدون وشيئاً من الشمس البازغة على العلامة الشيخ عبد الغفور الجيراجبوري، والفوز الكبير في أصول التفسير على الشيخ محمد إسحاق الآروي، ودرس أيضاً صدراً من شرح المطالع على العلامة الشيخ عبد الوهاب الآروي، وشيئاً من تفسير البيضاوي على العلامة المحدث محمد الكوجرانوالي البنجابي، وحصل شهادة العالمية من المدرسة الرحمانية سنة خمس وأربعين بعد الألف وثلاثمائة ١٣٤٥ من الهجرة، وقرأ أيضاً في أيام العطلة المدرسية أوائل جامع الترمذي، وقدراً معتداً به من شرح النخبة ومقدمة ابن الصلاح والسراجية في علم الفرائض على الإمام المحدث الشيخ عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي ﵀ في بيته، وأجاز له الشيخ ﵀ برواية كتب الحديث شفاهاً.
ونظراً إلى ذكائه ونجاحه في الاختبار دائماً بالدرجة الممتازة عينه الشيخ عطاء الرحمن صاحب دار الحديث الرحمانية والمشرف الوحيد عليها والمتكفل لجميع ما تحتاج إليها من النفقات مدرساً فيها في نفس السنة التي تخرج فيها.
وكما هو معلوم لدى الإخوان أن الشيخ الأجل المحدث المباركفوري قد كف بصره قبل أن يكمل شرحه - تحفة الأحوذي -، وكان بحاجة إلى عالم له مناسبة خاصة بعلوم الحديث وفنونه، يساعده في عمله ذاك، فاختار الشيخ المباركفوري ﵀ لذلك فضيلة والدنا الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري لمساعدته، فأرسله الشيخ عطاء الرحمن على اقتراح الشيخ
стр. 375
- ١٠ -
المباركفوري ﵀ إليه، فقضى لديه سنتين خير مساعد له في تكميل الجزئين الأخيرين لشرح جامع الترمذي - تحفة الأحوذي - مع زميله الفاضل الشيخ عبد الصمد المباركفوري، والعالم الشيخ محمد اللاهوري البنجابي، وقرأ عليه أطرافاً من الصحاح الستة وغيرها، وبذل جهده في الاستغراف من بحار علومه والتأدب بآدابه والاستفادة من فوائده، ثم استدعاه الشيخ عطاء الرحمن للتدريس في دار الحديث الرحمانية , وفوض إليه تدريس كتب الحديث، خاصة جامع الترمذي وسنن أبي داود والصحيح الإمام البخاري والموطأ للإمام مالك مع خدمة الإفتاء، فاشتغل به إلى أن انقسم الهند إلى الدولتين: الباكستان والهند في أغسطس عام ١٩٤٧م الموافق لعام ١٣٦٦هـ، وقفلت دار الحديث الرحمانية لأجل هجرة مشرفه الشيخ عبد الوهاب نجل الشيخ عطاء الرحمن - رحمهما الله - إلى كراتشي (الباكستان) .
وهو مرجع للمسلمين فيما يشكل عليهم من الأمور الدينية والمسائل الشرعية؛ لما أن فتاواه تكون مدعمة بالدلائل من الكتاب والسنة، ولا يبالي في ذلك لومة لائم، وقد طبع كثير منها في مجلتي "محدث" و"مصباح" وغيرهما.
وقد بدأ تأليف شرح المشكاة - مرعاة المفاتيح - الذي بأيدي القارئين في عام ١٩٤٨م الموافق لعام ١٣٦٧هـ بأمر الحافظ محمد زكريا اللائلبوري ﵀، وأمر والده التقي الورع الزاهد الشيخ محمد باقر - أطال الله حياته -، وهو إلى الآن مشتغل به حسبما تسنح له فرصة، ويجد إفاقة من الأمراض التي لازمته من مدة طويلة - عجل الله شفاءه ووفقه لخدمة سنة رسوله وتكميل الشرح -، إلى جانب رده على المسائل التي ترد إليه كل يوم، وله بحوث قيمة في بعض المسائل طبعت في أجزاء، منها "بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة"، عين فيها محل أذان خطبة الجمعة من المسجد، وبحث بسيط في عقد التأمين، وغير ذلك.
وقد وفقه الله لزيارة الحرمين الشريفين أربع مرات: الأولى في رمضان سنة ١٣٦٦هـ الموافق لعام ١٩٤٧م مع العلامة الشيخ خليل بن محمد بن حسين بن محسن الأنصاري، وفدا إلى المغفور له الملك عبد العزيز - برد الله مضجعه -، في شأن مدرسة دار الحديث الأهلية بالمدينة المنور، فقابل الوفد المغفور له الملك عبد العزيز ونائبه في الحجاز إذ ذاك جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز - حفظه الله -، ولقي في الرياض الشيخ محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن إبراهيم وعمر بن حسن، وفي الطائف عبد الله بن حسن آل الشيخ، وفي المدينة عبد الله بن مزاحم وغيرهم من المشايخ، واعتمر أولاً في آخر رمضان ثم في شوال حين رجوعه من المدينة، ورجع الوفد بعد قضاء مهمته ونجاحه فيها في أوائل ذي القعدة في نفس السنة، ثم إن والدنا الشارح - طالت حياته في صحة وعافية - قد أدى فريضة الحج عام ١٣٧٥هـ الموافق لعام ١٩٥٦م عن نفسه، وبعده في عام ١٣٨٢هـ الموافق لعام ١٩٦٣م وعام ١٣٩١هـ الموافق لعام ١٩٧١م نيابة، تقبل الله حجه ومد في أجله ووفقه لإتمام عمله، آمين.
стр. 376
- ١١ -
بيان بعض ميزات الشرح وخصائصه
الكتاب بأيدي الناظرين والعيان أصدق شاهد، فلا حاجة إلى التنبيه على ما التزمه الشارح - حفظه الله وبارك في حياته - فيه من الأمور التي لا بد من مراعاتها في شرح مشكاة المصابيح، وما أودعه من بدائع الفوائد الجليلة ونفائس الأبحاث الممتعة التي لا غنى لأحد ممن يشتغل بالحديث تدريساً وقراءة، ولكن لا بأس أن نشير إلى لمعة من خصائصه ونذكر بعض ميزاته؛ ليكون من أول الأمر بصيرة لأولي الأبصار، فيقع في قلوبهم بانشراح وارتياح، ولو قلنا: إن الأمور التي راعاها المؤلف في هذا الشرح الجليل لا توجد مجتمعة في شرح آخر من شروح المشكاة لم يكن فيه شيء من المبالغة أصلاً، وهاك بعض ميزاته:
١- وضع المؤلف - طال بقاؤه - أرقاماً مسلسلة لأحاديث الكتاب؛ ليكون حصراً صحيحاً لأحاديثه، ولأن عد الأحاديث بالأرقام المسلسلة خير الطرق لنشر كتب الحديث وشروحها في هذا العصر، ولتكون هذه الأرقام المسلسلة كالأعلام للحديث، ثم وضع بجنبها أرقاماً مسلسلة لأحاديث كل باب على حدة وجعلها بين القوسين () ؛ ليمتاز عن الرقم المسلسل لأحاديث الكتاب، ولا يخفى فائدة هذا العمل على القارئ والباحث.
٢- وضع أربع فهارس: أحدها فهرس الكتب والأبواب والفصول حسب ما وقع في المشكاة. وثانيها: فهرس الأحاديث مع أبوابها وفصولها مع أرقامها المسلسلة وبعض أبحاث الشرح المهمة. ثالثها: فهرس الأعلام للصحابة والتابعين وغيرهم ممن لهم ذكر أو رواية في كتاب المشكاة، وللأئمة أصحاب الأصول المذكورين في أول المشكاة. رابعها: فهرس للأماكن التي ورد ذكرها في متن الحديث مرتباً على حروف المعجم، وقد جعل فهارس هذا الجزء في أوله مع بيان رقم الصفحة، وهكذا يفعل في بقية الأجزاء، إن شاء الله تعالى.
٣- كتب ترجمة كل علم من الصحابة والتابعين وغيرهم بقدر الحاجة في أول موضع ذكر فيه من المشكاة، وكذا وصف كل مكان في أول موضع وقع فيه.
٤- أوفى القول في توضيح الأحاديث وتشريحها، وذكر من معاني الأحاديث المشتملة على مسائل الفقه والكلام ما هو الصحيح الراجح المعول عليه عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين وفقهاء المحدثين ﵃، وكثيراً ما أطنب الكلام في الرد على التأويلات الواهية المزخرفة التي اخترعها أهل الهوى من المبتدعين والمقلدين الجامدين المتعصبين لصوغ الأحاديث النبوية على مسالكهم الزائغة وأهوائهم الباطلة.
٥- أجاب بأحسن وجه عن المطاعن التي يوردها المقلدون على مسالك فقهاء أهل الحديث في شروحهم وحواشيهم وتعليقاتهم على كتب الحديث.
٦- ذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم في مسائل الخلاف مع سرد حجج هذه الأقوال، ثم عين القول الراجح المعول عليه عنده، وأيّده بالأحاديث والآثار، وأجاب عن دلائل الأقوال المرجوحة بوجوه متعددة.
стр. 377
- ١٢ -
٧- اعتنى بحل الإشكالات ودفع المعارضات عناية تامة.
٨- أشار عند البحث في بعض المسائل إلى مظانها من الكتب المطولة من شرح الحديث والفقه الجامع والسنن والمسانيد والجوامع والمعاجم والرجال مع أرقام الصفحات؛ لكي يسهل الرجوع إليها لمن يريد التوسع في الكلام، وصنع هذا حيث رأى أنه لو بسط القول فيه على الوجه الذي أراد أفضى ذلك إلى التطويل الذي لا يحتمل، والإطناب الذي يوقع في الضجر والملال.
٩- التزم تخريج ما أورده المؤلف في الفصل الأول والثالث من أحاديث الصحيحين أو أحدهما إن اشترك فيها الغير من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم، والتزم أيضاً أن يخرج أحاديث الفصل الثاني والثالث، من روايات غير الشيخين إن رواها غير من سماه المؤلف، واستدرك أيضاً ما وقع من المؤلف من ترك البياض بعد ذكر الحديث دون عزوه لأحد، فبين الشارح من أخرجه.
١٠- وفي كثير من مثل هذا يذكر تلك الكتب بقيد الباب والصفحة.
١١- التزم الكلام على أحاديث غير الصحيحين وانتقادها حسب ما تيسر وسنح له وبين درجتها من الصحة أو الضعف، معتمداً في كل ذلك على كلمات أئمة هذا الفن الجليل الشأن.
١٢- أشار إلى ما وقع للمؤلف من الأوهام والأخطاء في سوق ألفاظ الحديث، وفي وضع حديث الصحيحين أو أحدها في الفصل الثاني، وحديث غيرهما في الفصل الأول، وفي تخريج بعض الأحاديث، وغير ذلك مما أخذه الشارح على المؤلف واستدركه عليه، لا يخفى على من طالع الشرح بالإمعان.
١٣- عنى بذكر الأحاديث والآثار المؤيدة لأحاديث غير الصحيحين مع بيان درجتها من الصحة أو الضعف، وربما أشار إليها بقوله: وفي الباب عن فلان عند فلان، وعن فلان عند فلان.
١٤- سرد الحديث بتمامه إن ذكره المؤلف مختصراً.
هذا، وغير ذلك من المحاسن التي تظهر لمن يطالع الكتاب بإمعان النظر، والله الموفق.
стр. 378
- ١٣ -
تحفة أهل الفكر في مصطلح أهل الأثر
جمعها وألفها
عبد الرحمن بن عبيد الله الرحماني المباركفوري
خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 379
- ١٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رسالة لطيفة في بيان مصطلحات علم الحديث مما لا بد لطالب الحديث أن يحفظها قبل الشروع في قراءة كتب الحديث، وأن يستحضرها عند الخوض في هذا الفن الجليل، وقد ذكرناها من غير تطويل وإطناب لتقاصر الهمم، ومن شاء البسط والتفصيل رجع إلى الكتب المبسوطة في علم مصطلح الحديث، وبالله التوفيق.
ــ
علم الحديث، غايته، وثمرته، وأنواعه.
علم الحديث: هو علم يعرف به أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وأحواله.
موضوعه: ذات الرسول ﷺ من حيث أنه رسول الله، لا من حيث أنه إنسان.
غايته وثمرته: الفوز بسعادة الدارين.
... وعلم الحديث بإطلاقه عام كلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- العلم برواية الحديث. ٢- علم مصطلح الحديث. ٣- العلم بدراية الحديث.
(١) العلم برواية الحديث: هو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى الرسول ﷺ أو إلى من دونه من الصحابي أو التابعي قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة.
(٢) علم مصطلح الحديث: هو علم بأصول وقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث الرد والقبول.
موضوعه: السند والمتن من حيث الرد والقبول.
غايته وثمرته: تمييز ما يقبل من ذلك وما يرد، ومعرفته.
اسمه: علم مصطلح الحديث، ويسمى أصول الحديث، وعلوم الحديث.
(٣) العلم بدراية الحديث: هو علم يبحث فيه عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مبنياً على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقاً لأحوال النبي ﷺ .
موضوعه: أحاديث الرسول ﷺ من حيث دلالتها على المعنى المفهوم والمراد.
غايته: التحلي بالآداب النبوية والتخلي عما يكرهه وينهاه.
واعلم أنه قسم كل قسم من الأقسام المذكورة إلى أقسام يسمى كل واحد منها باسم، ومن أراد معرفة ذلك رجع إلى الكتب المبسوطة في علم أصول الحديث.
стр. 380
- ١٦ -
الحديث والخبر والأثر
الحديث: لغة: الجديد، واصطلاحاً: هو ما أضيف إلى الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خُلقي أو خِلقي، أو ما أضيف إلى النبي ﷺ أو إلى من دونه من الصحابي والتابعي كذلك، ويجمع على أحاديث على خلاف القياس.
الخبر والنبأ: الخبر لغة يطلق على ما هو أعم من النبأ، فيشمل الأخبار الجليلة والتافهة، بخلاف النبأ فإنه خاص بما له خطب وشأن.
واصطلاحاً: مرادف للحديث، وقيل: هما متباينان، فالحديث ما جاء عن الرسول ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، وقيل في بيان التباين بينهما: أن الحديث ما جاء عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، والخبر ما جاء عن أخبار الملوك والسلاطين والأيام الماضية، ولهذا يقال لمن اشتغل بالسنة محدث، ولمن اشتغل بالتواريخ أخباري، وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فالحديث ما جاء عن الرسول ﷺ ، والخبر ما جاء عنه أو عن غيره، وعلى هذا فكل حديث خبر وليس كل خبر حديث.
السنة: هي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته، فهي مرادفة للحديث.
الأثر: لغة: بقية الشيء، واصطلاحاً: ما روي عن الصحابة والتابعين من أقوال أو أفعال، وعند المحدثين الأثر مرادف للخبر والحديث، وفي التدريب "يقال: أثرت الحديث بمعنى رويته، ويسمى المحدث أثرياً نسبة للأثر".
الحديث القدسي والفرق بينه وبين القرآن الكريم
الحديث القدسي: هو ما نقل إلينا عن النبي ﷺ مع إسناده إياه إلى ربه .
والفرق بينه وبين القرآن الكريم أن القرآن لفظه ومعناه من الله ، ويتعبد بتلاوته، ويشترط في إثباته التواتر.
والحديث القدسي ليس لفظه من الله تعالى، ولا يتعبد بتلاوته، ولا يشترط في ثبوته التواتر.
قال الكرماني: القرآن لفظ معجز، ونزل بواسطة جبريل ﵇، وهذا غير معجز، وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني.
الفرق بين الحديث القدسي وبين غير القدسي
فإن قلت: الأحاديث كلها كذلك، كيف وهو لا ينطق عن الهوى؟ قلت: الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله تعالى، ومروي عنه بخلاف غيره، وقد يفرق بأن القدسي ما يتعلق بتبرئة ذاته تعالى وصفاته الجلالية والكمالية.
стр. 381
- ١٧ -
قال الطيبي: القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، والقدسي: إخبار الله معناه بالإلهام أو المنام، فأخبر النبي ﷺ أمته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله، ولم يروها عنه.
ولراوي الحديث القدسي صيغتان:
١- قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
٢- قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله ﷺ ، والمعنى واحد.
والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: ((يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراماً، فلا تظالموا ... )) الحديث.
أقسام الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا
الخبر ينقسم بهذا الاعتبار إلى متواتر وآحاد.
المتواتر: لغة: المتتابع، واصطلاحاً: هو ما نقله إلينا جماعة كثيرون تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، عن جماعة كذلك، ويكون إخبارهم عن شيء محسوس من مشاهد أو مسموع، كأن يقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كذا، أو سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا.
شروط التواتر: وشروطه أربعة: (١) أن يرويه عدد كثيرون بلا حصر. (٢) أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في جميع طبقات السند. (٣) أن تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب. (٤) أن يكون انتهاء خبرهم مستنداً إلى الحس من مشاهد أو سماع.
والمتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري، وهو الذي يضطر إليه الإنسان، بحيث لا يمكنه دفعه، وقيل: لا يفيد إلا العلم النظري، وليس بشيء؛ لأن العلم بالتواتر يحصل لمن ليس له أهلية النظر مثل العامي.
والمتواتر نوعان: لفظي، ومعنوي.
المتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه عن النبي ﷺ كحديث: ((من كذب عليّ متعمداً....)) الخ.
المتواتر المعنوي: ما تواتر معناه دون لفظه، أو هو ما تواتر القدر المشترك فيه، كحديث المسح على الخفين، وحديث رفع اليدين في الدعاء.
هذا، وقسم بعضهم التواتر إلى أربعة أقسام: أحدها:
تواتر الإسناد: وهو أن يروي الحديث من أول الإسناد إلى آخره جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، وهذا هو التواتر المشهور عند المحدثين. والثاني:
стр. 382
- ١٨ -
تواتر الطبقة: كتواتر القرآن، فإنه تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً، درساً وتلاوة، حفظاً وقراءة، وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة، ولا يحتاج إلى إسناد يكون عن فلان عن فلان، بل هو شيء ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلاً عن جيل، لا يختلف فيه مؤمن ولا كافر منصف غير معاند، وهذا القسم من المتواتر يعسر إيراد إسناد له على قواعد المحدثين فضلاً عن أسانيد. والقسم الثالث:
تواتر عمل وتواتر توارث: وهو أن يعمل به في كل قرن من عهد صاحب الشريعة إلى يومنا هذا جم غفير من العاملين، بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب أو غلط، كالسواك في الوضوء مثلاً، فهو سنة، واعتقاد سنيته فرض؛ لأنه ثابت بالتواتر العملي. والقسم الرابع:
تواتر القدر المشترك: وهو ما تختلف فيه ألفاظ الرواة، بأن يروي قسم منهم واقعة وغيره واقعة أخرى، وهلم جرا، غير أن هذه الوقائع تكون مشتملة على قدر مشترك، فهذا القدر المشترك يسمى بالمتواتر المعنوي أو المتواتر من جهة المعنى، وهذا كتواتر المعجزة، فإن مفرداتها ولو كانت آحاداً لكن القدر المشترك متواتر قطعاً.
أخبار الآحاد
الآحاد جمع أحد بمعنى واحد.
وخبر الواحد: في اللغة: ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح: ما لم يصل حد التواتر، أو لم يتوفر فيه شروط المتواتر، وهو يفيد الظن. وقيل: العلم النظري، وقال ابن حزم ﵀ في الإحكام: إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل به معاً.
ويطلق المحدثون أخبار الآحاد على ما عدا المتواتر، وهي تنقسم إلى مشهور، وعزيز، وغريب.
المشهور والمستفيض: المشهور لغة: ما اشتهر على الألسنة وإن كان كذباً، واصطلاحاً: ما رواه عدد محصور فوق الاثنين، وسمي بذلك لشهرته، ويقال له المستفيض أيضاً، وسمي بذلك لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضاً، وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فالمستفيض ما كان عدد الرواة في ابتداء السند وانتهائه سواء، والمشهور يشمل ما كان كذلك وما كان العدد فيه مختلفاً.
العزيز: لغة: النادر والقوي والشاق، واصطلاحاً: ما رواه اثنان ولو في طبقة، وسمي بذلك إما لندرته وقلة وجوده، أو لكونه عز أي قوي بمجيئه من طريق آخر، أو لمشقة الحصول عليه عند البحث عنه.
تنبيه
لا يشترط لكون الحديث صحيحاً أن يكون عزيزاً عند الجمهور، خلافاً لمن اشترط ذلك كأبي علي الجبائي والحاكم وابن العربي، وثمرة الخلاف تظهر في أن الغريب لا يكون صحيحاً عند أبي علي
стр. 383
- ١٩ -
الجبائي ومن رأى رأيه؛ لكونه قد جاء من طريق واحد، ومن شرط الصحيح عندهم أن يأتي من طريقين على الأقل، أما عند غيرهم فيكون صحيحاً لعدم اشتراطهم بذلك.
الغريب: لغة: فعيل من الغرابة، وهي النزوح عن الوطن، وفي الاصطلاح: هو ما رواه راوٍ واحد، ويسمى الفرد، وسمي غريباً لانفراد راويه عن غيره به كالغريب الذي شأنه الانفراد والنزوح عن وطنه.
وينقسم الغريب إلى مطلق ونسبي.
الغريب المطلق: ويسمى الفرد المطلق: هو ما وقع الغرابة والتفرد في أصل السند، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، كأن ينفرد به تابعي واحد عن الصحابي ولا يتابع عليه، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم.
الغريب النسبي: ويسمى الفرد النسبي: هو ما وقع الغرابة والتفرد فيه في أثناء السند في تابع التابعي أو فيمن دونه من رجال السند، وصورة ذلك أن يروي الحديث عن الصحابي أكثر من واحد من التابعين ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد، وسمي بذلك لأن التفرد وقع فيه بالنسبة إلى شخص معين، وقد يكون الحديث مشهوراً في نفسه أي في الواقع.
وإطلاق الفرد على الغريب قليل؛ لأن الغريب والفرد وإن كانا مترادفين إلا أن المحدثين قد غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق والغريب على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، أما من حيث استعمالهم الفعل المشتق منه فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي كليهما: تفرد به فلان، أو أغرب به فلان.
تقسيم الآحاد إلى مقبول ومردود
تنقسم أخبار الآحاد من مشهور وعزيز وغريب إلى مقبول ومردود.
المقبول: ما ترجح صدق ناقله، وهو يوجب العمل عند الجمهور.
المردود: هو الذي لم يترجح صدق المخبر به.
وخبر الواحد المقبول مفيد للظن، وقد يفيد العلم النظري إذا احتف بالقرائن.
والخبر المحتف بالقرائن أنواع:
١- ما أخرجه الشيخان في صحيحهما مما لم يبلغ حد التواتر، ولم يكن مما انتقده أحد من الحفاظ، فإنه قد حفت به قرائن قوية كافية لحصول العلم النظري، منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح من السقيم على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول.
٢- الخبر المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل القادحة.
٣- الخبر المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريباً، كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد
стр. 384
- ٢٠ -
وشريك له عن الشافعي، ثم الشافعي رواه وشريك له عن مالك بن أنس، ويرويه مالك عن نافع مثلاً، فهذه القرائن الثلاثة تختص الأولى منها بما في الصحيحين، والثانية بما له طرق متعددة، والثالثة بما رواه الأئمة المتقنون.
العلم النظري: هو العلم الحاصل عن النظر والاستدلال.
العلم الضروري: هو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه.
والفرق بينه وبين العلم النظري أن العلم الضروري يحصل بلا استدلال ولكل سامع.
والنظري لا يتأتى إلا بالاستدلال على الإفادة، ولا يحصل إلا لمن له أهلية النظر.
تقسيم الخبر المقبول إلى صحيح وحسن لذاته ولغيره
تنقسم أخبار الآحاد المقبولة إلى أربعة أقسام: (١) الصحيح لذاته. (٢) الصحيح لغيره. (٣) الحسن لذاته. (٤) الحسن لغيره.
الصحيح لذاته: هو ما روي بنقل عدل تام الضبط عن مثله متصل السند غير معل ولا شاذ.
العدل: المراد بالعدل عدل تام الرواية، وهو المسلم البالغ والعاقل السالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، والسالم أيضاً مما يخل بالمروءة، وقيل: هو المتصف بالعدالة، وهي التمسك بأحكام الشرع وآدابه فعلاً وتركاً، وقيل: العدل عند المحدثين من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، وينبغي أن يعلم أن عدل الرواية أعم من عدل الشهادة، فإن عدل الشهادة مخصوص بالحر وعدل الرواية يشمل الحر والعبد.
التقوى: هي اجتناب الأعمال السيئة من شرك وفسق وبدعة.
المروءة: هي الاحتراز عما يذم عرفاً عند ذوي العقول السليمة.
وتثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، كعدالة مالك والشافعي، وبتنصيص عالمين عليها، والأصح أنه يكفي في التعديل والتجريح عدل واحد، ويشترط في التجريح ذكر السبب.
الضبط: هو الحزم في الحفظ، وهو نوعان: (١) ضبط الصدر. (٢) ضبط الكتاب.
ضبط الصدر: أن يثبت ما سمعه في صدره، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
ضبط الكتاب: هو أن يحفظ كتابه من التغيير والتبديل، ويصونه لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤديه منه.
ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات المتقنين غالباً، ولو من حيث المعنى، ولا تضر مخالفته النادرة، فإن كثرت اختل ضبطه ولا يحتج بحديثه، وارجع لتفصيل الكلام في معنى العدالة والمروءة إلى "توجيه النظر" للجزائري (ص ٢٥-٣٠) .
стр. 385
- ٢١ -
متصل السند: هو ما سلم إسناده من انقطاع مطلقاً، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه.
المعل والمعلل: لغة: ما فيه علة، واصطلاحاً: ما فيه علة خفية قادحة في صحة الخبر، كالإرسال الخفي ونحوه.
العلة القادحة: هي ما تعرض للصحيح بحسب الظاهر بالتأمل في طرق الحديث، كأن يكون معروفاً عن صحابي ويروى عن غيره، وكأن يكون مرسلاً أو منقطعاً أو موقوفاً فيروى متصلاً، والعلة قد تكون في المتن، وقد تكون في الإسناد.
الشاذ: هو لغة: المنفرد، أي من تفرد من الجملة وخرج منها، واصطلاحاً: ما خالف فيه الراوي من هو أرجح وأوثق منه.
الصحيح إسناداً: هو الذي اتصل سنده برواية الثقات الضابطين.
... ولا تلازم بين صحة الحديث وصحة الإسناد، فقد يصح الإسناد لاستجماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط، ولا يصح المتن لشذوذ أو علة، وقد لا يصح السند ويصح المتن لوجوده من طريق أخرى معتمدة، والصحيح بهذا التعريف المتقدم يشمل المرفوع والموقوف.
مراتب الصحيح
تختلف مراتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للصحة، فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه، وبهذا الاعتبار يرجع تقسيم الصحيح إلى سبعة أقسام، وهي:
(١) ما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم. (٢) ما انفرد به البخاري. (٣) ما انفرد به مسلم. (٤) ما كان على شرطهما ولم يخرجاه. (٥) ما كان على شرط البخاري. (٦) ما كان على شرط مسلم. (٧) ما صح عند غيرهما ممن التزم الصحة من الأئمة كابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مما لم يروياه، ولم يكن على شرطهما لا اجتماعاً ولا انفراداً.
شرط الشيخين: المراد بشرط الشيخين أو أحدهما أن يكون الحديث مروياً برجال موجودة في كتابيهما أو في أحدهما، مع مراعاة الكيفية التي التزمها الشيخان في الرواية عنهم.
... وهذه المراتب السبع كل واحدة منها مقدمة على التي تليها.
الصحيح لغيره: هو ما كانت شروطه أخف من شروط الصحيح لذاته، وانجبر بكثرة الطرق، وقيل: هو الحسن لذاته إذا تعددت طرقه، فبذلك يقوى ويرتفع عن درجة الحسن إلى درجة الصحيح لكن لا لذاته.
الحسن لذاته: هو ما رواه عدل خفيف الضبط متصل السند غير معل ولا شاذ، ولم يوجد ما ينجبر به ذلك القصور، فهو جامع لشروط الصحيح لذاته، إلا أن الضبط خف في بعض رواته ولم يوجد ما يجبر به ذلك القصور، ويشارك الصحيح أيضاً في الاحتجاج به وإن كان دونه رتبة وقوة.
стр. 386
- ٢٢ -
والحسن على مراتب كالصحيح، أي تتفاوت مراتبه متناً وإسناداً كالصحيح.
الحسن لغيره: هو الخبر المتوقف عن قبوله إلا إذا قامت قرينة ترجح جانب قبوله كحديث مستور الحال إذا تعددت طرقه.
ألقاب للحديث تشمل الصحيح والحسن
الجيد والقوي: الجيد والقوي مرادفان للصحيح بالمعنى المتقدم، وليسا نوعين آخرين، قال السيوطي: الجودة قد يعبر بها عن الصحة، فيتساوى حينئذٍ الجيد: الصحيح، إلا أن المحقق منهم لا يعدل عن الصحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقي الحديث عنده من الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به حينئذٍ أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي.
الصالح: هو يشمل الصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضاً في ضعيف يصلح للاعتبار.
الثابت والمجود: هما أيضاً يشملان الصحيح والحسن وليسا نوعين آخرين.
معنى قول بعض المحدثين: "حديث حسن صحيح".
قد يجمع الترمذي وغيره بين الصحيح والحسن في موصوف واحد، فيقول: هذا حديث حسن صحيح، مع أن الحسن أقل درجة من الصحيح وقاصر عنها، وذلك لأحد أمرين:
١- حصول التردد من ذلك الإمام في الناقل إذا تفرد برواية الحديث هل هو من أهل تمام الضبط، فيعتبر حديثه صحيحاً، أو من الذين خف ضبطهم فيكون حديثه حسناً، وتقدير العبارة: حسن أو صحيح، ويكون أقل رتبة مما قيل فيه: صحيح، بالجزم.
٢- كون الحديث مروياً بإسنادين، هو من أحدهما صحيح، ومن الثاني حسن، فيكون إطلاق الصحة والحسن عليه باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، ويكون الحديث أقوى مما قيل فيه صحيح فقط.
قول الترمذي: "حسن غريب".
قد استشكل قول الترمذي "حسن غريب" بأن الحديث الحسن عنده "ما روي من غير وجه"، والغريب "ما تفرد به راوٍ واحد"، فإذا جمع بين الوصفين جاء الإشكال للتنافي بين الوصفين.
والجواب عنه أن اصطلاح الترمذي هذا يحمل على كل حديث وصفه الترمذي بالحسن فقط، أي من غير صفة أخرى، أما ما وصفه بالحسن والغرابة معاً فالمراد به الحسن على اصطلاح جمهور المحدثين، لا على اصطلاحه، ولا منافاة بين الحسن والغريب على اصطلاحهم، أو أشار به إلى اختلاف الطرق، بأن جاء في بعض الطرق غريباً وفي بعضها حسناً يعني أنه غريب من هذا الإسناد
стр. 387
- ٢٣ -
الخاص وحسن من وجه آخر، أو غريب سنداً وحسن متناً؛ لكونه مروياً عن جماعة من الصحابة.
وقيل: الواو بمعنى "أو" بأنه يشك ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفته جزماً.
الضعيف: هو ما فقد صفة أو أكثر من صفات الصحيح والحسن وشروطهما، وأنواعه كثيرة كما سيأتي.
حكم زيادة الثقة: ومما يحسن العناية به من أنواع علوم الحديث زيادات الثقة، وهي كما تقع في المتن تقع في السند أيضاً برفع موقوف أو وصل منقطع أو نحو ذلك، وهي ثلاثة أقسام:
١- ما كان منافياً لما قد رواه الثقات أو الأوثق منه فهذا مردود، وتسمى رواية الثقات أو الأوثق محفوظاً، ورواية الثقة شاذاً.
فالخبر المحفوظ: ما رواه الثقات أو الأوثق منافياً لما رواه الثقة.
والشاذ: ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الثقات أو الأوثق منه.
٢- ما رواه الثقة ولم يخالف غيره من الثقات أو الأوثق منه، فهذا مقبول.
٣- ما زاده الثقة مع نوع مخالفة ومنافاة لما ليست فيه تلك الزيادة، ولكن هذه المخالفة منحصرة في تقييد المطلق أو تخصيص العام، فهذا حكمه القبول على الراجح.
وإذا وقعت المخالفة من الثقة للضعيف فالراجح يقال له المعروف ومقابله المنكر.
فالمعروف: ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الضعيف.
والمنكر: ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة.
والفرق بين الشاذ والمنكر أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، يجتمعان في اشتراط المخالفة ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق، والمنكر راويه ضعيف، فبينهما عموم وخصوص من وجه.
المتابعة
المتابعة: هي لغة: الموافقة، واصطلاحاً: أن تحصل المشاركة للراوي في الرواية، وهي نوعان:
المتابعة التامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي نفسه.
المتابعة القاصرة: وهي أن تحصل المشاركة في شيخ الراوي أو فيمن فوقه من الرجال إلى الصحابي.
المتابع: بكسر الباء، ويسمى تابعاً: هو الخبر المشارك لخبر آخر في اللفظ أو المعنى فقط مع الاتحاد في الصحابي.
المتابع: بفتح الباء، هو الخبر الذي شارك راويه غيره في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط.
الشاهد: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط مع الاختلاف في الصحابي.
стр. 388
- ٢٤ -
فالفرق بين الشاهد والمتابع اختلاف الصحابي في الشاهد واتحاده في المتابع، وقد يطلق كل من المتابع والشاهد على الآخر.
الاعتبار والاستشهاد: هو تتبع طرق الحديث الذي ظن أنه فرد من الجوامع والمسانيد والأجزاء وغيرها؛ ليعلم هل له متابع أو شاهد أم لا.
تقسيم الخبر المقبول إلى معمول به وغير معمول به
(١) المحكم: هو الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله ينقض معناه، وحكمه وجوب العمل به، وغالب الأحاديث من هذا النوع.
(٢) مختلف الحديث: الحديث المقبول المعارض بمثله مع إمكان الجمع بينهما بغير تعسف وتكلف.
(ألف) وإذا تعارض حديثان مقبولان وأمكن الجمع بينهما والتوفيق بدون تكلف وتعسف فلا يصار إلى غيره.
(ب) وإن لم يمكن الجمع بينهما بحث عن التاريخ، فإن علم فالمتأخر هو الناسخ للمتقدم ويعمل به.
(ج) وإن لم يعرف التاريخ وأمكن ترجيح أحد الخبرين بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو الإسناد فالمصير إلى الترجيح، ويقدم الراجح على المرجوح.
(د) وإن لم يمكن الجمع ولا النسخ ولا الترجيح توقف عن العمل بهما حتى يتبين للناظر وجه الترجيح بينهما.
هذا إذا كان المتعارضان قويين، فإن كانت المعارضة من الضعيف للقوي فلا عبرة بها؛ لأن القوي لا تؤثر فيه معارضة الضعيف.
النسخ وطرق معرفته
النسخ: في اللغة: الإزالة والنقل، وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
ويعرف النسخ بأمور: (١) ما ورد في النص وهو أصرحها، كحديث بريدة: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... )) الحديث. (٢) ما أخبر الصحابي بتأخره، كقول جابر: ((كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)) ، (٣) تعقل الراوي الناسخ والمنسوخ، كقول الصحابي: ((رخص لنا في المتعة، فمكثنا ثلاثاً ثم نهانا عنه)) . (٤) ما عرف بالتاريخ.
والإجماع ليس بناسخ، بل هو دال على النسخ.
стр. 389
- ٢٥ -
وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض
طرق الترجيح بين مختلف الحديث كثيرة جداً، قد عد الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ" خمسين وجهاً، وأوصلها غيره إلى أكثر من مائة كما استوفى ذلك العراقي في نكته، وقال القاسمي في قواعد التحديث: الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد، وباعتبار المتن، وباعتبار المدلول، وباعتبار أمر خارج، فهذه أربعة أنواع، ثم ذكر وجوه الترجيح باعتبار الإسناد، وعد ثمانية عشر وجهاً، منها: (١) الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر لقوة الظن به، وإليه ذهب الجمهور. (٢) ترجيح رواية الكبير على الصغير؛ لأنه أقرب إلى الضبط إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط أو أكثر ضبطاً منه. (٣) ترجيح رواية الأوثق. (٤) ترجيح رواية الأحفظ. (٥) أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر. (٦) أن يكون أحدهما صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقصة. (٧) ترجيح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه. (٨) تقديم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما.
ثم ذكر وجوه الترجيح باعتبار المتن، وعد سبعة طرق، منها: (١) يقدم الخاص على العام. (٢) يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية. (٣) يقدم المقيد على المطلق.
ثم ذكر للترجيح باعتبار المدلول أربعة أوجه، منها: (١) يقدم ما كان مقرراً لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلاً. (٢) أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح. (٣) يقدم المثبت على المنفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.
ثم بين وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة، وعد سبعة وجوه، منها: (١) أن يكون أحدهما قولاً والآخر فعلاً، فيقدم القول؛ لأن له صيغة والفعل لا صيغة له. (٢) أن يكون أحدهما موافقاً لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر؛ فإنه يقدم الموافق (٤) أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر، فإنه يقدم.
ثم قال: وللأصوليين مرجحات أخر في الأقسام الأربعة منظور فيها، ولا اعتداد عندي بمن نظّر فيما سقناه؛ لأن القلب السليم لا يرى فيه مغمزاً.
الخبر المردود وأسباب رده
الخبر المردود: هو الذي لم يترجح صدق المخبر به، وله أنواع كثيرة، وهي ترجع في الجملة إلى سببين: (١) السقوط في السند. (٢) الطعن في بعض رواته.
السقوط في السند: هو عدم اتصاله.
والطعن في الراوي: أن يكون مجروحاً بأمر يرجع إلى ديانته أو ضبطه.
стр. 390
- ٢٦ -
أنوع المردود باعتبار السقوط
المعلق: وهو ما حذف من مبدأ سنده راوٍ فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث إلى من فوق المحذوف، مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال، وإنما عدّ هذا ونحوه من أنواع المردود للجهل بحال الراوي المحذوف.
وللتعليق صور، منها:
١- أن يحذف جميع السند، ويقول مثلاً: قال رسول الله ﷺ كذا.
٢- أن يحذف جميع السند إلا الصحابي.
٣- أن يحذف جميعه إلا الصحابي والتابعي.
٤- أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه.
وإذا قال محدث: جميع من أحذفه ثقات، فقد اختلف في قبول ذلك وعدمه، وعند الجمهور لا يقبل إلا إن جاء مسمى من وجه آخر، وعرف بالعدالة والضبط؛ لأن ذلك المحذوف قد يكون ثقة عنده ومجروحاً عند غيره.
وقال ابن حجر نقلاً عن ابن الصلاح: أنه إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته كصحيح البخاري فما أتى فيه بصيغة الجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، فهو في حكم الصحيح، وما أتى فيه بغير صيغة الجزم ففيه مقال، أي ليس فيه حكم بصحته، ومع ذلك فإيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله إشعاراً يؤنس به ويركن إليه، وعلى الناظر إذا أراد الاستدلال أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى صلاحيته للحجة وعدمها.
وصيغ الجزم عند البخاري: جاء، روى، قال، ونحوه ببناء الفاعل.
ومن صيغ التمريض عنده: قيل، ذُكر، روي، حُكي، يُروى، يُذكر، يُقال، يُحكى عن فلان، مبنياً للمفعول.
المرسل: وهو ما كان السقوط فيه من آخر السند بعد التابعي، كأن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعل بحضرته كذا، أو أمر بكذا.
أو هو ما سقط منه الصحابي سواء أكان الراوي المرسل تابعياً كبيراً أو صغيراً، وهو لغة: من قولهم: ناقة رسل أي سريعة، فكأن المرسل أسرع إلى الحديث فحذف بعض إسناده، وقد يطلق المرسل على المنقطع والمعضل الآتي ذكرهما.
المعضل: وهو لغة: مأخوذ من أعضله بمعنى أعياه، وقيل: من قولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، واصطلاحاً: هو ما سقط من سنده راويان أو أكثر على التوالي قبل الصحابي، والفرق بينه وبين المعلق أن بينهما