Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
ولأهل اليمن يلملم،
ــ
قال ابن جاسر في ((مفيد الأنام)) : إذا ركب إنسان طائرة من نجد قاصدًا مكة لأداء نسكه فميقاته الشرعي ((قرن)) المعروف بالسيل وحيث أنه لا يتمكن من النزول بالطائرة في الميقات المذكور وقصد جدة لينزل في مطارها فإن الواجب عليه - والحالة ما ذكر - نية الإحرام في الطائرة إذا أتى على الميقات - قرن -المذكور أو على ما يحاذيه، فإذا نزل بجدة محرمًا قصد مكة لأداء نسكه، ولا يجوز له ترك الإحرام إذا أتى على الميقات أو حاذاه بقصد الإحرام من جدة لأن الإحرام من الميقات أو ما يحاذيه واجب، وتجاوزه بغير إحرام محرم، وفيه دم، ومثله إذا ركب طائرة من المدينة ونحوها قاصدًا مكة، والله أعلم - انتهى. (ولأهل اليمن) إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم. قال في المواهب اللطيفة: أراد به بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة فإن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، وقوله فيما تقدم لأهل نجد عام يشمل نجد الحجاز ونجد اليمن. وقال الولي العراقي: قال أصحابنا وغيرهم: المراد بكون يلملم ميقات أهل اليمن بعض اليمن وهو تهامة، فأما نجد فإن ميقاته قرن، وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما تقدم ((نجد)) تناول نجد الحجاز ونجد اليمن وكلاهما ميقات أهله قرن (يلملم) بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً. وفي شرح المهذب يصرف ولا يصرف. قال العيني: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه. ويقال فيه ((ألملم)) بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن سيده فيه ((يرموم)) براءين بدل اللامين. قال العيني: ووزن يلملم فعمعل كصمحمح، وليس هو من لملمت لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج، قال: فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الباء: يلم ثم قال ((يلملم)) لغة في الملم وهو ميقات أهل اليمن - انتهى. وقال صاحب التيسير: وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكليوات (٨٠) ويحرم منه أهل اليمن وأهل جاوه وأهل الهند والصين - انتهى. قلت: قد جرى عمل حجاج الهند والباكستان الذين يسافرون للحج من طريق البحر أنهم إذا وصلت باخرتهم قريبًا من بعض سواحل اليمن وكانوا على يوم وليلة أو أكثر من ميناء جدة يحرمون هناك في البحر بناء على زعمهم أنهم يحاذون إذ ذاك جبل ((يلملم)) الذي هو ميقات أهل اليمن ومن سلك طريقهم في البر إلى الحرم المكي، والذي هو على مرحلتين من مكة، أي على بعد ثمان وأربعين ميلاً منها، وعندي عملهم هذا محل نظر وبحث، بل الصواب عندي أنه لا يجب عليهم الإحرام في البحر في أي محل كانوا، أي قبل وصولهم إلى جدة بل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في ميناء جدة فيحرموا منها، وهذا يحتاج إلى شيء من البسط والتوضيح، فاعلم أن الأرض حول مكة في
стр. 3852
..............................................................................................
ــ
جهاتها الأربع قد جعلت حرمًا وحدث لذلك حدود عينها إبراهيم ﵊ بأمر الله تعالى، ثم قررها نبينا ﷺ ، فحرم مكة ما أحاط وأطاف بها من جوانبها الأربع، ومسافة تلك الحدود من الكعبة المشرفة والمسجد الحرام ليست متساوية بل متفاوتة، فهي تنتهي على بعد عشرة أميال في جهة الحديبية وجدة وكذا في جهة الطائف، وتسعة في أخرى، أي الجعرانة، وسبعة في ناحية، أي في جهة عرفات والعراق، وكذا في جهة اليمن، وثلاثة فقط في أخرى، أي في جهة التنعيم. وقد نصبت علامات لانتهاء الحرم في الجهات المذكورة، وإذا وصلت هذه العلامات بخطوط مستقيمة بينها تحدث من ذلك خارطة تشبه شكلاً مخمسًا ويكون طول الحرم حول مكة سبعة وثلاثين ميلاً وهي التي تدور بأنصاب الحرم المبنية في جميع جوانبه، وقد جعل الله تعالى هذه المنطقة المحاطة بالخطوط حرمًا يجب تكريمه واحترامه، وشرع له أحكامًا يختص به، فمثلاً لا يقتل صيدها ولا يختلى خلاه ولا يعضد شجرها وغير ذلك من الأحكام، وحرمة هذه القطعة من الأرض ليست إلا لأن لها علاقة ونسبة ببيت الله الحرام وهو في الحقيقة تكريم للكعبة وإجلال للبيت. ثم إن خارج تلك الحدود على بعد عشرات من الأميال قد وقتت خمس أماكن للقادمين إلى مكة للحج والعمرة يقال لها المواقيت جمع الميقات، وهي خمسة: ذو الحليفة، الجحفة، قرن المنازل، يلملم، ذات عرق. قد عين النبي ﷺ هذه الأمكنة ميقاتًا للحجاج القادمين من طرفها، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد يمر على واحد من هذه المواقيت الخمسة المنصوصة وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه بدون الإحرام، فإن جاوزه غير محرم فقد أساء الأدب ببيت الله الحرام وعليه دم عند الجمهور، وإن سلك أحد طريقًا لا يقع فيها أي واحد من هذه المواقيت فإنه لا بد أن يمر بمحاذاته في محل ما فعليه أن يحرم قبل أن يتجاوز محل محاذاته، فإن لم يستطع أن يعرف محل المحاذاة فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة المكرمة. وبعد هذا فاعلم أن في الزمن القديم حينما كان السفر في البحر بالسفن الشراعية كان الحجاج القادمون من الهند والبلاد الشرقية ينزلون على واحدة من موانئ اليمن مثل الحديدة أو غيرها ثم يسافرون منها إلى مكة المكرمة في البر من طريق اليمن، ولذا كان الواجب عليهم أن يحرموا من يلملم)) لأن ميقات أهل اليمن ومن أتي من طريقهم يلملم، ولكن في زمننا هذا لا ترسي بواخر حجاج الهند والباكستان في موانئ اليمن بل تقطع طريقها في البحر رأسًا إلى جدة وترسي في مينائها، ولذا لا يقع يلملم في طريقهم ولا يمرون على خط محاذاتها أيضًا فليس هناك وجه معقول لا يجاب الإحرام عليهم في البحر قبل وصول باخرتهم إلى جدة، ولكن قد جرى العمل على أن ربان باخرة الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان يعلن قبل الوصول إلى جدة بيوم وليلة أو أكثر بأن الباخرة ستمر قريبًا من جبل يلملم في الوقت الفلاني فعلى الحجاج أن يتأهبوا ويحرموا قبل ذلك، فالحجاج يحرمون في ذاك المحل من البحر عملاً بهذا الإعلان، فإن كان معناه أن جبل يلملم يرى بالتلسكوب (المنظار) وأمثالها من الآلات من ذلك المحل الذي يبعد منه
стр. 3853
..............................................................................................
ــ
أكثر من خمسين ميلاً يقينًا فلا علاقة لهذه الرؤية بمسألة المحاذاة المعتبرة. وإن كان معناه أنه يمكن أن يخط خط مستقيم إلى جبل يلملم من ذلك المحل فهذا الإمكان متحقق من كل محل ولا يختص بمحل دون آخر، وعلى كل حال فإن المسألة ما زالت غير واضحة لي مع أني وافقتهم في الإحرام في ذاك المحل سنة ٧٥، وسنة ٨٢ من الهجرة، فأحرمت حيثما أحرموا وذلك لأنه لا شبهة في جواز الإحرام قبل الميقات عند الجمهور، وبما أنه لا يقع، أي ميقات في طريق بواخر الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان ولا يحاذي أي واحد منها بل تقطع طريقها في البحر في حدود الآفاق، أي إلى غير جهة الحرم بعيدة عن يلملم الذي هو جبل من جبال تهامة وقريب من مكة المكرمة فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة أن تتجاوزه أو تتجاوز خط محاذاته إلى جهة الحرم قبل وصولها إلى جدة ولو كانت تجرى على الساحل، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحدود التي حدها رسول الله ﷺ للحرم إذا أحطناها بالخطوط الممتدة من حد إلى حد تحدث منه صور مخمسة، ثم إنه قد وقتت خمس أماكن مواقيت للحج والعمرة على بعد عشرات من الميل (بل على نحو أكثر من مأتي ميل إلى جهة المدينة) وقد مر تفصيله فيما سبق، وإذا أحطنا تلك المواقيت الخمسة بالخطوط تظهر منها أيضًا صورة مخمسة ممتدة الأطراف. وإذا أتضح لك هذا فاعلم أن المنطقة الواقعة ما بين خارج حدود الحرم، أي خارج الخطوط المحيطة بحدود الحرم إلى المواقيت يقال لها الحل الصغير لأنه يحل فيها الصيد لكن يحرم المرور والدخول فيها بغير إحرام لمن يسكن وراء الميقات، مثلاً المنطقة الواقعة ما بين مكة والتنعيم في جهة المدينة حرم ومنها إلى ذي الحليفة حل صغير وسائر الأرض خارج حدود المواقيت الخمسة يقال لها الآفاق أو الحل الكبير، فالذين يسكنون خارج حدود الحرم دون حدود المواقيت (أي في الحل الصغير) يجب عليهم الإحرام قبل دخولهم حدود الحرم إذا أرادوا الحج والعمرة، مثلاً الذين يسكنون في شمال مكة بين التنعيم وذي الحليفة يجب عليهم أن يحرموا من التنعيم قبل الدخول في حدود الحرم، والذين يسكنون في الآفاق خارج المواقيت يجب عليهم الإحرام من مواقيتهم قبل أن يتجاوزوا حدود الميقات (أي قبل دخولهم في الحل الصغير) ، فالذي يمر على أحد هذه المواقيت الخمسة حكمه واضح أنه يحرم من ذلك الميقات قبل أن يتجاوزه إلى الحل الصغير أو إلى جهة الحرم. أما الذي لا يمر على واحد من هذه المواقيت فيجب عليه الإحرام قبل تجاوزه الخط الذي يمتد من ميقات إلى آخر ويكون حدًا فاصلاً بين الحل الصغير والآفاق، أي الحل الكبير، وإن هذا الخط في الأصل هو خط محاذاة الميقات، فالحاج ما دام خارج الخط المذكور فهو في الآفاق، وإذا جاوز هذا الخط فقد دخل حدود الحل الصغير، ولا يجوز لآفاقي أن يدخل الحل الصغير بدون الإحرام وقد ذكرنا فيما سبق أنه إن جاء أحد من طريق لا يقع أي ميقات فيه ولا يمكن له معرفة حد الحل الصغير بالضبط أعني خط محاذاة الميقات فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة. فإذا كانت باخرة الحجاج القادمين من
стр. 3854
..............................................................................................
ــ
البلاد الشرقية - الهند أو الباكستان وغيرهما - لا تمر في البحر بيلملم أو بمحاذاتها بل تقطع طريقها في الآفاق، أي في الحل الكبير إلى غير جهة الحرم متوجهة إلى جدة وترسي في مينائها يجوز للحجاج المسافرين في تلك البواخر أن يؤخروا الإحرام إلى جدة ويحرموا منها، لأنها على مرحلتين من مكة، والمسافة بين مكة ويلملم أيضًا مثله كما قال الهيتمي في تحفة المحتاج بشرح المنهاج (ج ٤ ص ٤٥) : وخرج بقولنا ((إلى جهة الحرم)) ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات كما قاله الماوردي وجزم به غيره، وبه يعلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم كما صرحوا به بخلاف الجائي فيه من مصر ليس له أن يؤخر إحرامه عن محاذاة الجحفة لأن كل محل من البحر بعد الجحفة أقرب إلى مكة منها فتنبه لذلك، هذا بالنسبة للحجاج المسافرين بالباخرة، أما الحجاج المسافرون بالطائرة فإن طائراتهم تقطع طريقها في أجواء البر وتمر على قرن المنازل عمومًا وتدخل أول الحل مارة على واحد من الميقاتين: قرن المنازل أو ذات عرق، ثم تصل جدة وتنزل بها، ولذا يجب عليهم الإحرام قبل مرورهم على قرن المنازل، وبما أنه يتعذر علم الساعة التي تمر فيها الطائرة على الميقات بالضبط فالأحوط لهم أن يحرموا عند ركوبهم الطائرة، لأنهم إن جاوزوا الميقات بدون الإحرام ووصلوا جدة غير محرمين يأثمون ويجب عليهم الدم عند الجمهور، وسيأتي مزيد الكلام في هذا في شرح حديث جابر في المواقيت. تنبيه قال النووي: أقرب المواقيت إلى مكة قرن المنازل ميقات أهل نجد وفي ذلك نظر لأن ابن حزم ذكر كما تقدم أن بين قرن ومكة اثنين وأربعين ميلاً وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلاً فتكون يلملم حينئذ أقرب المواقيت إلى مكة وعلى ما ذكر صاحب التيسير يكون قرن ويلملم على حد سواء من مكة. قال الحافظ: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة. وقيل رفقًا بأهل الآفاق لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي: ممن له ميقات معين - انتهى. وقال في حجة الله البالغة: لما كان الإتيان إلى مكة شعثًا تفلاً تاركًا لغلواء نفسه مطلوبًا، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر، فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين وأكثر وجب أن يخص أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها ولا يؤخرون الإحرام بعدها، واختار لأهل المدينة أبعد المواقيت لأنها مهبط الوحي ومأرز الإيمان ودار الهجرة وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق أن يبالغوا في إعلاء كلمة الله وأن يخصوا بزيادة تعظيم الله، وأيضًا فهي أقرب الأقطار التي آمنت في زمان رسول الله ﷺ انتهى. قلت: لبيت الله الحرام من التكريم والتعظيم والتقديس والإجلال ما لا يخفى على مسلم، ومن آثار ذلك أن جعل له حمى وحدودًا لا يتجاوزها قاصده بحج أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع وتقديس وإجلال عبادة لله واحترامًا لهذا البيت المطهر، ومن رحمة الله بخلقه أنه لم يجعل لهم ميقاتًا واحدًا في إحدى
стр. 3855
فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن،
ــ
جهاته بل جعل لكل جهة محرمًا وميقاتًا يكون في طريق سالكه إلى مكة سواء كان من أهل تلك الجهة أو لا وذلك لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتًا ليس في طريقهم حتى جعل ميقات من داره دون المواقيت مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة فلا يلزمهم الخروج إلى الحل. وفي تقدير النبي ﷺ هذه المواقيت وتحديدها معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته، فقد حددها ووقتها وأهلها لم يسلموا غير أهل المدينة إشعارًا منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون ويحجون ويحرمون منها، وقد كان ولله الحمد والمنة (فهن) أي: المواقيت المذكورة (لهن) بضمير المؤنثات، وكان مقتضى الظاهر أن يكون ((لهم)) بضمير المذكرين، فأجاب ابن مالك بأنه عدل إلى ضمير المؤنثات لقصد التشاكل وكأنه يقول ناب ضمير عن ضمير بالقرينة لطلب التشاكل وأجاب غيره بأنه على حذف مضاف أي: هن لأهلهن أي: هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله الآتي: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) فصرح بالأهل ثانيًا. قال النووي: الضمير في ((لهن)) عائد على المواضع والأقطار المذكورة وهي المدينة، والشام، واليمن ونجد أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد لأهلها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وفي رواية للبخاري ((هن لهم)) بضمير المذكرين وهو واضح. قال الحافظ: أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة. ووقع في رواية أخرى أي: للبخاري في باب دخول مكة بغير إحرام بلفظ: ((هن لهن)) أي: المواقيت للجماعات المذكورة أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول أي: ((لهم)) بضمير المذكرين هو الأصل، ووقع في باب مهل أهل اليمن بلفظ: ((هن لأهلهن)) وقوله: ((هن)) ضمير جماعة المؤنث وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل لكن فيما دون العشرة - انتهى. وقال القرطبي: أما جمعه من لا يعقل بالهاء والنون في قوله: ((فهن لهم)) فمستعملة عند العرب وأكثر ذلك في العشرة فما دونها فإذا جاوزها قالوا بهاء المؤنث لا غير كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ (- ٩: ٣٦) ثم قال ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (-٩: ٣٦) أي: من الإثنى عشر، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (- ٩: ٣٦) أي: في هذه الأربعة وقد قيل في الجميع وهو ضعيف شاذ - انتهى. (ولمن أتى) أي: مر (عليهن) أي: على المواقيت (من غير أهلهن) أي: من غير أهل البلاد المذكورة، وهذا يقتضي أن المواقيت المذكورة مواقيت أيضًا لمن أتى عليها وإن لم يكن من أهل تلك المواقيت المعينة، فإنه يلزمه الإحرام منها إذا أتى عليها قاصدًا لإتيان مكة لأحد النسكين، فيدخل في ذلك ما إذا ورد الشامي مثلاً إلى ذي الحليفة فإنه يجب عليه الإحرام منها ولا يتركه حتى يصل الجحفة، فإن آخر أساء ولزمه دم، هذا عند الجمهور. وقالت المالكية والحنفية: يجوز له التأخير إلى ميقاته وإن كان الأفضل له أن يحرم من ميقات المدينة أي: من ذي الحليفة. قال الحافظ: الشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخره حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في
стр. 3856
..............................................................................................
ــ
شرحيه لمسلم والمهذب في هذه المسألة فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامي مثلاً إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية. . وقال الأبي المالكي بعد ذكر قول النووي ((وهذا لا خلاف فيه)) لعله يعني عندهم وأما عندنا فإنما ذلك لمن ليس ميقاته بين يديه كاليمني والعراقي والنجدي يمر أحدهم بذي الحليفة فإنه يحرم منها ولا يؤخره لأن ميقاته ليس بين يديه، وأما الشامي يمر بها فإنه يؤخر إلى الجحفة، لأنها ميقاته وهي بين يديه، نعم الأفضل له ذو الحليفة. قلت: فلا يصح الاعتذار الذي ذكره الحافظ والأبي مع وجود قول أبي ثور، وابن المنذر من الشافعية موافقًا للحنفية، والمالكية وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) عام فيمن أتى، يدخل تحته من ميقاته بين يدي هذه المواقيت التي مر بها ومن ليس ميقاته بين يديها. وقوله: ((ولأهل الشام الجحفة)) عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أولاً، فإذا قلنا بالعموم الأول دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها، فلكل واحد منهما عموم من وجه (لاجتماعهما فيمن مر وهو من أهلها وافتراقهما في شامي مر بميقاته لا غير فأحرم منه ولم يأت غيره، وفي شامي مثلاً أتى ميقات أهل المدينة ولم يأت غيره) فكما يحتمل أن يقال ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه يحتمل أن يقال ((ولأهل الشام الجحفة، مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت - انتهى. وقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: قوله ((ولأهل الشام الجحفة)) يشمل من مر من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) يشمل الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره. فها هنا عمومان قد تعارضا – انتهى ملخصًا. ثم أجاب الحافظ عن هذا التعارض فقال: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله ((هن لهن)) مفسر لقوله مثلاً ((وقت لأهل المدينة ذا الحليفة)) وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمر على ميقاتهم، ويؤيده ((عراقي خرج من المدينة فليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم)) ويترجح بهذا قول الجمهور وينتفي التعارض. وقال الولي العراقي بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد: لو سلك (أي: ابن دقيق العيد) ما ذكرته أولاً من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم، لم يرد هذا الإشكال ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلدته التي هي محل سكنه كاليمني يحج من المدينة ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدل على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سكانها وإنما المراد بأهلها من حج منها وسلك طريق أهلها، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة وحصل الاضطراب في هذا فنفرق في الغريب الطارئ على المدينة مثلاً بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل
стр. 3857
..............................................................................................
ــ
أهل المدينة تارة سكانها وتارة على سكانها والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المدينة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلها، والله أعلم - انتهى كلام الولي العراقي فتأمل. وقال الأمير اليماني: إن صح ما قد روي من حديث عرو أنه ﷺ وقت لأهل المدينة ومن مر بهم ذا الحليفة تبين أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم فكل من مر بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض - انتهى. ووقع في رواية ((هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهن)) قال السندي: أي لكل مار مر عليهن من غير أهلهن الذين قررت لأجلهم، قيل: هذا يقتضي أن الشامي إذا مر بذي الحليفة فميقاته ذو الحليفة، وعموم ((ولأهل الشام الجحفة)) يقتضي أن ميقاته الجحفة فهما عمومان متعارضان، قلت: أنه لا تعارض إذ حاصل العمومين أن الشامي المار بذي الحليفة له ميقاتان أصلي وميقات بواسطة المرور بذي الحليفة، وقد قرروا أن الميقات ما يحرم مجاوزته بلا إحرام لا ما لا يجوز تقديم الإحرام عليه فيجوز أن يقال: ذلك الشامي ليس له مجاوزة شيء منهما بلا إحرام فيجب عليه أن يحرم من أولهما، ولا يجوز التأخير إلى آخرهما فإنه إذا أحرم من أولهما لم يجاوز شيئًا منهما بلا إحرام، وإذا أخر إلى آخرهما فقد جاوز الأول منهما بلا إحرام وذلك غير جائز له، وعلى هذا فإذا جاوزهما بلا إحرام فقد ارتكب حرامين بخلاف صاحب ميقات واحد فإنه إذا جاوزه بلا إحرام فقد ارتكب حرامًا واحدًا، والحاصل أنه لا تعارض في ثبوت ميقاتين لواحد، نعم لو كان معنى الميقات ما لا يجوز تقديم الإحرام عليه لحصل التعارض - انتهى. وقد علم مما ذكرنا أن ها هنا ثلاثة صور أو ثلاثة مسائل: إحداها أن يمر من ليس ميقاته بين يديه كاليمنى والعراقي والنجدي يمر أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام لأنه ليس ميقاته بين يديه وعليه حملت المالكية ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) . والثانية أن يمر من ميقاته بين يديه كالشامي مثلاً بذي الحليفة، واختلفوا فيه فقالت الشافعية والحنابلة وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته، أي الجحفة لظاهر الحديث خلافًا للمالكية والحنفية وأبي ثور وابن المنذر من الشافعية. والثالثة أن المدني إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ وبالأول قالت الحنفية كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور وهو القول الراجح المعول عليه عندنا قلت: واستدل الحنفية بما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أهل من الفرع، قال محمد في موطأه: أما إحرام عبد الله بن عمر من الفرع وهو دون ذي الحليفة إلى مكة فإن أمامها وقت آخر وهو الجحفة، وقد رخص لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة لأنها وقت من المواقيت (يعني أن الواجب أن لا يتجاوز عن مطلق الميقات لا عن الميقات الأول) ، ثم روى محمد عن أبي يوسف عن إسحاق بن راشد عن محمد بن علي عن النبي ﷺ أنه
стр. 3858
لمن كان يريد الحج والعمرة،
ــ
قال: من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل - انتهى. قال القاري في شرح النقاية: لو لم يحرم المدني ومن بمعناه من ذي الحليفة وأحرم من الجحفة فلا شيء عليه وكره وفاقًا، وعن أبي حنيفة يلزمه دم، وبه قال الشافعي، لكن الظاهر هو الأول لما روي في الحديث من قوله ﷺ ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) فمن جاوز إلى الميقات الثاني صار ميقاتًا له - انتهى. وقال ابن الهمام: المدني إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم بها فلا بأس، والأفضل أن يحرم من ذي الحليفة، ومقتضى كون فائدة التوقيت المنع من التأخير أن لا يجوز التأخير عن ذي الحليفة، ولذا روى عن أبي حنيفة أن عليه دمًا لكن الظاهر عنه هو الأول لما روي من تمام الحديث من قوله ﷺ ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) فمن جاوز إلى الميقات الثاني صار من أهله، وروي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت أن تحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، ومعلوم أن لا فرق في الميقات بين الحج والعمرة، فلو لم تكن الجحفة ميقاتًا لهما لما أحرمت بالعمرة منها، فبفعلها يعلم أن المنع من التأخير مقيد بالميقات الأخير - انتهى. وقال ابن نحيم: قوله: أي: الماتن ((أن هذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها)) قد أفاد أنه لا يجوز مجاوزة الجميع إلا محرمًا فلا يجب على المدني أن يحرم من ميقاته وإن كان هو الأفضل، وإنما يجب عليه أن يحرم من آخرها عندنا - انتهى. قلت: فعل ابن عمر ﵄ مخالف لتوقيت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة فلا بد من تأويله، ولذا قال ابن عبد البر: محمله عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحرامًا ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له في الإحرام كما قاله الشافعي وغيره، وقد روى حديث الميقات ومحال أن يتعداه مع علمه به فيوجب على نفسه دمًا، وهذا لا يظنه عالم - انتهى. وقال الباجي: يجوز أن يكون عبد الله بن عمر ترك ظاهره أي: الأمر بالمواقيت لرأي رآه أو تأويل تأوله. قال: وفي كتاب محمد: قال مالك: كان خروج عبد الله بن عمر إلى الفرع لحاجة ثم بدا له فأحرم منها - انتهى. ويمكن أن يأول أن ابن عمر لم يمر في طريقه على ذي الحليفة بل ذهب إلى الفرع من طريق آخر. قال ابن قدامة في المغني (ج٣: ص٢٦٤) : فإن مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الحجفة سواء كان شاميًا أو مدنيًا لما روى أبو الزبير أنه سمع جابر يسأل عن المهل فقال: سمعته أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ يقول: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة. رواه مسلم، ولأنه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه الإحرام قبله كسائر المواقيت، ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها إلى ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفًا لقول رسول الله ﷺ ولسائر أهل العلم - انتهى. وأما الحديث المرفوع الذي ذكره محمد في موطأه فهو مرسل ولا حجة في المرسل عند الجمهور لاسيما وهو معارض لأحاديث التوقيت الموصولة الصحيحة (لمن كان) بدل مما قبله بإعادة الجار، وفي رواية ((من كان)) (يريد الحج والعمرة) الواو بمعنى
стр. 3859
..............................................................................................
ــ
أو، أو المراد إرادتها معًا على جهة القران. وفيه دلالة على أنه لا يلزم الإحرام إلا من أراد دخول مكة لأحد النسكين، فلو لم يرد ذلك جاز له دخولها من غير إحرام وعليه بوب البخاري قال ((باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام)) ودخل ابن عمر حلالاً، وإنما أمر النبي ﷺ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، قلت: استدل البخاري بمفهوم قوله في حديث الباب لمن كان يريد الحج والعمرة على أن الإحرام يختص بمن أراد الحج والعمرة فمفهومه أن المتردد إلى مكة بغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا قال العيني: مذهب الزهري والحسن البصري والشامي في قول ومالك في رواية، وابن وهب وداود بن علي وأصحابه الظاهرية أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام ومذهب عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه ومالك في رواية وهي قوله الصحيح والشافعي في المشهور عنه وأحمد وأبي ثور والحسن بن حيي لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلا بالإحرام فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه عند الشافعي وأبي ثور وعند أبي حنيفة عليه حجة أو عمرة. وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك لما عليهم فيه من المشقة - انتهى. وقال الحافظ: المشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول يجب مطلقًا. قال: والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثني الحنفية من كان داخل الميقات وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب قلت: مذهب الحنفية على ما في الدر المختارة وغيره أنه يحرم تأخير الإحرام عن المواقيت لآفاقي قصد دخول مكة ولو لحاجة غير الحج كمجرد الرؤية والنزهة أو التجارة، وألحق بالآفاقي في هذا الحكم الحرمي والحلي إذا خرجا إلى الميقات بخلاف ما إذا بقيا في مكانهما فلا يحرم، أما لو قصد الآفاقي موضعًا من الحل كخُلَيْص وجدة قصدًا أوليًا عند المجاوزة حل له مجاوزته بلا إحرام، فإذا دخل به التحق بأهله فله دخول مكة بلا إحرام، وحل لأهل داخلها يعني لكل من وجد في داخل المواقيت دخول مكة غير محرم ما لم يرد نسكًا للحرج وقال النووي في شرح مسلم: في حديث الباب دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكًا سواء كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم أم لم يتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما، وسواء كان آمنًا أو خائفًا وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه، والقول الثاني: لا يجوز دخوله بغير إحرام إن كانت حاجته لا تتكرر إلا أن يكون مقاتلاً أو خائفاً من قتال أو ظالم. ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء - انتهى. وقال الباجي (ج٣ ص٨٠) : دخول مكة على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يريد دخولها للنسك في حج أو عمرة فهذا لا يجوز أن يدخلها إلا محرمًا. فإن تجاوز الميقات غير محرم فعليه دم. والضرب
стр. 3860
..............................................................................................
ــ
الثاني أن يدخلها غير مريد للنسك وإنما يدخلها لحجة تتكرر كالحاطبين وأصحاب الفواكه فهؤلاء لا يجوز لهم دخولها غير محرمين لأن الضرورة كانت تلحقهم بالإحرام متى احتاجوا إلى دخولها لتكرر ذلك. والضرب الثالث أن يدخلها لحاجته وهي مما لا تتكرر فهذا لا يجوز له أن يدخلها إلا محرمًا لأنه لا ضرر عليه في إحرامه، وإن دخلها غير محرم فهل عليه دم أو لا الظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء - انتهى. وقال ابن قدامة: من جاوز الميقات مريدًا للنسك غير محرم فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه سواء تجاوزه عالمًا به أو جاهلاً، علم تحريم ذلك أو جهله، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شيء عليه لا نعلم في ذلك خلافًا، وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبهذا قال مالك وابن المبارك. قال: وأما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين أحدهما: لا يريد دخول الحرم بل يريد حاجة فيما سواه فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي ﷺ وأصحابه بدرًا مرتين وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة فلا يحرمون ولا يرون بذلك بأسًا ثم متى بدا لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه أحرم من موضعه ولا شيء عليه، هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم، وبه قال أبو إسحاق والأول أصح. القسم الثاني من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها فهم على ثلاثة أضرب أحدها من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحطاب والحشاش وناقل الميرة والفيح ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي ﷺ دخل يوم الفتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم نعلم أحدًا منهم أحرم يومئذٍ ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرمًا فسقط للحرج وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات، ولنا ما ذكرناه، وقد روى الترمذي أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله، وفيه من الخلاف ما فيه. النوع الثاني: من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات أو عتق العبد وبلغ الصبي وأرادوا الإحرام فإنهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يسلم والصبي يبلغ، وقالوا في العبد: عليه دم. وقال الشافعي في جميعهم: على كل واحد منهم دم، وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله، ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسًا على الكافر يسلم. النوع الثالث: المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم. وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب الإحرام عليه، وعن أحمد ما يدل على ذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام، ولأنه أحد
стр. 3861
..............................................................................................
ــ
الحرمين فلم يلزم الإحرام كدخوله حرم المدينة، ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقى على الأصل. إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك - انتهى كلام ابن قدامة. وقد علم مما تقدم أن الإمام الشافعي ذهب في المشهور عنه إلى جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو البقاء ابن عقيل، قال ابن مفلح في الفروع وهي ظاهرة واستدلوا على ذلك بقوله في هذا الحديث لمن كان يريد الحج والعمرة، واستدلوا أيضًا بما روي أنه ﷺ دخل يوم الفتح حلالاً وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه، وبما روى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر دخل مكة بغير إحرام، وبأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة عند من أوجبها إنما يجب مرة واحدة، فلو أوجبنا على كل من دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة، وبأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقي على الأصل. واستدل لأبي حنفية ومالك وأحمد بقوله ﷺ في مكة أنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرامًا كحرمتها بالأمس. قال الطحاوي وابن الهمام وغيرهما يعنى في الدخول بغير إحرام لإجماع المسلمين على حل الدخول بعده للقتال وأجيب عن ذلك بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال في مكة، قال الشيخ محمد عابد السندي في المواهب اللطيفة: وأما ما زعم الطحاوي بأن ذلك مصداق قوله ﷺ في حديث أبي شريح وغيره أنها لم تحل له إلا ساعة من نهار وأن المراد بذلك جواز دخولها بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا - والعياذ بالله - على مكة حل للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها - انتهى. فقد دفعه الشيخ أبو الحسن السندي بأن ذلك مخالف لصريح الحديث، فإن في حديث أبي شريح عند الشيخين: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا: ((إن الله تعالى أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة من نهار)) فهذا صريح في أن الساعة إنما أبيحت له في القتال لا في دخول مكة بغير إحرام، ولذلك قال النووي: في حديث أبي شريح دلالة على أن مكة تبقى دار الإسلام إلى يوم القيامة، ونهى المترخص إذا قاتل في رئاسة دنيوية، وفي دعواه الإجماع نظر فقد حكى القفال والماوردي وغيرهما القول بعدم حل القتال أصلاً في مكة ونقلوا في ذلك عن محققي الشافعية والمالكية - انتهى كلامه. وأشار الطحاوي إلى حديث أبي شريح في القتال والدخول بلا إحرام كليهما، فكان الأمران خاصة له في ذلك اليوم، ولا يخفى ما فيه، فإن قوله في الحديث ((فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ )) ألخ. نص بأنه في تحرم القتال في مكة خاصة واستدل لهم أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا ((لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمًا)) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير، وقد
стр. 3862
فمن كان دونهن فمهله
ــ
ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وابن خزيمة وأبو أحمد الحاكم والأزدي، ووثقه ابن معين وابن سعد. وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ خلط بآخره. ورواه ابن عدي من وجهين ضعيفين وروى الشافعي عنه بإسناد صحيح أنه كان يرد من جاوز الميقات غير محرم. وأجيب عن هذا بأنه موقوف، وهو أيضًا معارض لما رواه مالك في الموطأ أن ابن عمر جاوز الميقات غير محرم، ولا يحتج بما روي عن ابن عباس مرفوعًا لضعف طرقها واستدل لهم أيضًا بأن الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فإن الله جعل البيت معظمًا وجعل المسجد الحرام فناء، وجعل مكة فناء للمسجد الحرام، وجعل المواقيت فناء للحرم والشرع ورد بكيفية تعظيمه وهو الإحرام على هيئة مخصوصة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما ولا يجوز تركه لأحد ممن يريد دخول مكة، وفيه أن هذا تعليل في معرض النص، والأصل عدم الخصوصية وهي لا تثبت إلا بدليل فتأمل وقد أجاب هؤلاء عن حديث الباب بوجوه منها أنه استدلال بمفهوم القيد الغالبي وهو ضعيف عند الحنفية ومنطوق حديث ابن عباس المرفوع والموقوف أولى من المفهوم المخالف في قوله لمن كان يريد الحج والعمرة ومنها أن دخوله ﷺ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص له ولأصحابه بذلك الوقت. وقد تقدم ما فيه ومنها ما ذكره ابن دقيق العيد في شرح العمدة (ج٣ ص٦) ، وقد تركنا ذكره لطول كلامه، من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح العمدة ومنها أن قوله ((لمن كان يريد الحج والعمرة)) يحتمل أن يقدر فيه مضاف، أي لمن كان يريد مكان الحج والعمرة كما قال القاري: ((يريد الحج والعمرة)) أي مكان أحد النسكين وهو الحرم - انتهى. أو يكون كناية عن إرادة دخول مكة، والنكتة في اختيار هذا التعبير التنبيه على أنه ليس من شأن المسلم قصد دخول مكة مع تركه فريضة الحج والعمرة. قالوا: ويؤيد لصحة هذا التأويل حديث ابن عباس المتقدم قلت: حديث الباب نص فيما ذهب إليه الشافعية، وقد اعترف بذلك صاحب فيض الباري (ج٣ ص٦٤) ، ولم يقم على إيجاب اِِِِِِِِِِِلإحرام على من أراد مجاوزة الميقات لغير النسكين دليل، وقد كان المسلمون في عصره ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بإحرام فلا حاجة إلى تأويل حديث الباب بما يخالف ظاهره، ويخالف فعل ابن عمر ﵁. قال صاحب تيسير العلام: ما ذكر من الخلاف في حق غير المتردد إلى الحرم لجلب الفاكهة أو الحطب وغيرهما أو له بستان في الحل يتردد عليه أو له وظيفة أو عمل في مكة وأهله في جدة أو بالعكس فهؤلاء ونحوهم لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء فيما اطلعت عليه من كلام فقهاء المذاهب إلا ما ذهب إليه أبو حنفية من التحريم على كل داخل إلى مكة من غير إحرام، والعمل على خلافه - انتهى. (فمن كان دونهن) أي دون المواقيت يعني من كان بين الميقات ومكة (فمهله) بصيغة المفعول من الإهلال، أي موضع إحرامه. قال الحافظ: المهل بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا. قال ابن الجوزي: وإنما
стр. 3863
من أهله وكذاك وكذاك، حتى أهل مكة يهلون منها.
ــ
يقوله بفتح الميم من لا يعرف. وقال أبو البقاء العكبري: هو مصدر بمعني الإهلال كالُمدْخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج. قال البدر الدماميني: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذف أو تأويل ولا داعي إليه (من أهله) أي من محل أهله. قال القاري: أي من بيته ولو كان قريبًا من المواقيت ولا يلزمه الذهاب إليها. وفي رواية للشيخين ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)) قال العيني: الفاء جواب الشرط، أي فمهله من حيث قصد الذهاب إلى مكة يعني يهل من ذلك الموضع. وقال الحافظ: أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام إذا سافر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة. قال ابن عبد البر: أنه قول شاذ، وقال السندي: أي يهل حيث ينشئ السفر من ((أنشأ)) إذا أحدث، يفيد أنه ليس لمن كان داخل الميقات أن يؤخر الإحرام عن أهله - انتهى. قال الحافظ: ويؤخذ من الحديث أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله ((فمن حيث أنشأ)) قال القاري: ولم يذكر النبي ﷺ حكم أهل المواقيت نفسها، والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت خلافًا للطحاوي حيث جعل حكمها حكم الآفاق (وكذاك وكذاك) بإسقاط اللام فيهما وهي رواية أبي ذر للبخاري وعند غيره ((وكذاك)) أي مرة، يعني وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب، وكأنه منزل منزلة قولك وهكذا، أي الأقرب فالأقرب. وقال القاري: أي الأدون فالأدون إلى آخر الحل (حتى أهل مكة) وغيرهم ممن هو بها (يهلون) أي يحرمون (منها) أي من مكة، ولفظ أهل بالرفع على أن حتى ابتدائية، وقوله ((أهل مكة)) مبتدأ وخبره ((يهلون منها)) والجملة لا محل لها من الإعراب. وذكر الكرماني أنه روي فيه الجر أيضًا. وفي رواية ((حتى أهل مكة من مكة)) قال العيني: يجوز في لفظ ((أهل)) الجر لأن ((حتى)) تكون حرفًا جارًا بمنزلة إلى، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره ((حتى أهل مكة يهلون من مكة)) كما في قولك جاء القوم حتى المشاة، أي حتى المشاة جاءوا. قال الحافظ: قوله ((أهل مكة من مكة)) ، أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحج، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل يعني لقضية عائشة ﵂ حين أرسلها النبي ﷺ مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحرم منه، وكذا قال غيره من أصحاب المذاهب الأربعة كالعيني والولي العراقي والمحب الطبري والقسطلاني وابن قدامة والشيخ محمد عابد السندي وغيرهم وادعوا الإجماع على ذلك قلت: حديث ابن عباس هذا نص في أن هذه المواقيت للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط فيلزم أن تكون مكة ميقاتًا لأهلها للحج والعمرة كليهما لا للحج فقط خلافًا للجمهور، ولهذا بوب البخاري عليه بقوله ((باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)) ففيه إشعار بأن مكة عنده ميقات لأهلها للعمرة أيضًا قال الأمير اليماني: أعلم أن قوله ((حتى أهل مكة من مكة)) يدل على أن
стр. 3864
..............................................................................................
ــ
ميقات عمرة أهل مكة كحجهم، وكذلك القارن منهم ميقاته مكة، ولكن قال المحب الطبري: إنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حق المكي. قال: فعليه أن يخرج من الحرم إلى أدني الحل يدل عليه أمره ﷺ عائشة أن تخرج إلى التنعيم وانتظاره مع جملة الحجيج لها، ثم فعل من جاور بمكة من الصحابة ثم تتابع التابعين وتابعيهم إلى اليوم، وذلك إجماع في كل عصر. قال الأمير اليماني: وجوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث، وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال ((يا أهل مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر)) ، يعنى إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وقال أيضًا: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم. فآثار موقوفة لا تقاوم المرفوع، وأما ما ثبت من أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة فلم يرد إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها، لأنها أحرمت بالعمرة معه ثم حاضت فدخلت مكة ولم تطف بالبيت كما طفن كما يدل له قولها ((قلت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد، قال: انتظري فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه)) الحديث. فإنه محتمل أنها إنما أرادت أن تشابه الداخلين من الحل إلى مكة بالعمرة، ولا يدل أنها لا تصح العمرة إلا من الحل لمن صار في مكة، ومع الاحتمال لا يقاوم حديث الباب. قال: وعند أصحاب أحمد أن المكي إذا أحرم للعمرة من مكة كانت عمرة صحيحة. قالوا: ويلزمه دم لما ترك من الإحرام من الميقات. قال الأمير اليماني: ويأتيك أن إلزامه الدم لا دليل عليه. وقال الشوكاني في السيل الجرار (ج٢ ص ٢١٦) : وقع التصريح في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين وغيرهما بعد ذكر المواقيت لأهل كل محل أنه قال ﷺ : ((فهي لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة)) فصرح في هذا الحديث بالعمرة يعني ففيه تعيين ميقات للعمرة والحج كليهما لأهل هذه المواقيت ولأهل مكة جميعًا وقال أبو الحسن السندي في حاشيته على الصحيح: قول البخاري ((باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)) كأنه نبه بذلك على أن سوق الحديث لميقات الحج والعمرة جميعًا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال: ممن أراد الحج والعمرة، فمقتضاه أن ما جعل ميقاتًا لأهل مكة يكون ميقاتًا لهم للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط، وإن ذهب الجمهور إلى الثاني وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدني الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم، وذلك لأن عائشة ما كانت مكية حقيقة فيجوز أن يكون ميقات مثلها التنعيم للعمرة وإن كان ميقات المكي نفس مكة، وكذا يجوز إحرامها من التنعيم لأنها أرادت العمرة الآفاقية حيث أرادت المساواة لسائر المعتمرين في ذلك السفر، فحديث عائشة لا يعارض هذا الحديث، فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور، والله تعالى أعلم - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن كل ما استدل به الجمهور هو قضية عائشة في اعتمارها من التنعيم وآثار موقوفة عن ابن سيرين وعطاء وابن عباس. قالوا: قضية عائشة مع أثر ابن عباس مخصصة لحديث الباب، وفيه أن قضية عائشة واقعة جزئية محتملة، وحديث الباب فيه بيان ضابطه وقانون عام فيقدم على حديث عائشة، والآثار الموقوفة لا تعارض المرفوع، والعبرة لما روى الصحابي لا لرأيه
стр. 3865
..............................................................................................
ــ
تنبيه: قال الطحاوي ذهب قوم (أي من الذين فرقوا بين ميقات المكي للحج وميقاته للعمرة) إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان من مكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج، وخالفهم آخرون فقالوا: مواقيت العمرة الحل وإنما أمر النبي ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل من مكة وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال: فكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت منه. قال: فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل - انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر أثر ابن عباس المتقدم: إنما لزم الإحرام أي إحرام المكي للعمرة من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرام فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم والعمرة بخلاف ذلك (فبالخروج إلى الحل يتحقق فيها نوع سفر ويصح به كونه وافدًا على البيت الحرام) قال: ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم لأنها أقرب الحل إلى مكة - انتهى. تنبيه ثان: قال السندي في حاشيته على الصحيح قوله ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة)) مقتضاه أنه ليس لمن كان داخل المواقيت أن يؤخر الإحرام من أهله، وكذا ليس لأهل مكة أن يؤخروه من مكة، ويشكل عليه قول علمائنا الحنفية حيث جوزوا لمن كان داخل المواقيت التأخير إلى آخر الحل، ولأهل مكة إلى آخر الحرم من حيث أنه مخالف للحديث، ومن حيث أن المواقيت ليست مما يثبت بالرأي، والله تعالى أعلم - انتهى. قلت: اختلفوا في تعيين الإحرام بالحج لمن هو بمكة من مكة. قال الولي العراقي (ج٢ ص ١٥، ١٦) : أما من هو بمكة فميقاته نفس مكة لا يجوز له تركها والإحرام خارجها ولو كان في الحرم، هذا هو الصحيح عند أصحابنا (الشافعية) وغيرهم، قال بعض أصحابنا: الإحرام من الحرم كله جائز، والحديث بخلافه. وقال المالكية: لو خرج إلى الحل جاز على الأشهر ولا دم لأنه زاد وما نقص. قال أصحابنا: ويجوز أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس البلد، وفي الأفضل قولان أصحهما من باب داره، والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب - انتهى. وقال المحب الطبري (ص ٧٣) : ظاهر قوله ﷺ ((حتى أهل مكة يهلون منها)) يدل على تعيين الإحرام بالحج من مكة حتى لو حرج وأحرم خارجًا منها كان مسيئًا وعليه دم. وفي المسألة خلاف، ثم قال: حجة من قال يجوز الإهلال بالحج لأهل مكة من الحرم خارجًا عن مكة وذكر فيه ما روي عن جابر في حديث فسخ الحج ((حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج)) وما روي عنه أيضًا قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ إذا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح)) أخرجهما الشيخان. قال الطبري: والقائل بهذا يقول إطلاق مكة جائز على جميع الحرم، ومنه الحديث ((إن الله حرم مكة لا يختلي خلاها)) وهذا هو الأظهر عندي، وعليه بوب البخاري فقال ((باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي، والحاج إذا خرج إلى منى)) ثم ذكر الحديثين - انتهى. وقال النووي: ميقات من بمكة من أهلها أو غيرهم نفس مكة
стр. 3866
..............................................................................................
ــ
على الصحيح، وقيل: مكة وسائر الحرم - انتهى. قال الحافظ: والثاني مذهب الحنفية. واختلف في الأفضل فاتفق المذهبان على أنه من باب المنزل، وفي قول للشافعي من المسجد، وحجة الصحيح ما في حديث ابن عباس ((حتى أهل مكة يهلون منها)) وقال مالك وأحمد وإسحاق: يهل من جوف مكة ولا يخرج إلى الحل إلا محرمًا - انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص٢٦١) : من أي الحرم أحرم المكي بالحج جاز لأن المقصود من الإحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم، وهذا يحصل بالإحرام من أي موضع كان فجاز كما يجوز أن يحرم بالعمرة من أي موضع كان من الحل، ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه في حجة الوداع: إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء. ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة وغيرها كالنحر تنبيه ثالث: اختلف العلماء في تقديم الإحرام على الميقات، قال العيني في شرح البخاري: قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم بالحج أو العمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام له ولا حج ولا عمرة له إلا أن ينوي إذا صار في الميقات تجديد الإحرام فذاك جائز وإحرامه حينئذ تام. وقال في شرح الهداية: تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز بالإجماع. وقال داود الظاهري: إذا أحرم قبل هذه المواقيت لا حج له ولا عمرة. قلت: وكذا نقل الإجماع في ذلك الخطابي والنووي وغيرهما. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، يشير إلى ما رواه البخاري في باب فرض مواقيت الحج والعمرة من طريق زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر في منزله فسألته (فيه التفات) ، من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله ﷺ لأهل نجد من قرن، الحديث. قال الحافظ: ويؤيده القياس على الميقات الزماني فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز التقديم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني. وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقديم، وقال مالك يكره. قال الحافظ: وظاهر نص البخاري، أي تبويبه المذكور أنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل حيث قال: باب ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي الحليفة. قال الحافظ: استنبط البخاري من إيراد الخبر أي حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، إلخ بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي ﷺ أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا - انتهى. وقال العيني: هذه العبارة أي عبارة الترجمة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت، وقال العيني أيضًا: اختلفوا أي القائلون بجواز التقديم هل الأفضل التزام الحج من المواقيت أو من منزله فقال مالك وأحمد وإسحاق: إحرامه من المواقيت أفضل. وقال الثوري، وأبو حنيفة والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبل المواقيت قالوا: وهم أعرف بالسنة وهم فقهاء الصحابة، أي وشهدوا إحرام
стр. 3867
..............................................................................................
ــ
رسول الله ﷺ وعلموا أن إحرامه ﷺ من الميقات كان تيسيرًا على أصحابة ورخصة لهم، وابن عمر كان أشد الناس إتباعًا برسول الله ﷺ ، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات، إلا أن يصح إجماع على خلافه، وقال أبو عمر: كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات، وفي تعليق البخاري: ((كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان، وكره الحسن وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد)) وقال ابن بزيزة: في هذا ثلاثة أقوال، منهم من جوزه مطلقًا، ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب. قلت: وتقدم آنفًا من قال بالكراهة من البعيد فهو قول رابع في المسألة، والقول الثالث: رواية للمالكية. قال الباجي: في أثر ابن عمر أنه أهل من إيلياء تقديم الإحرام قبل الميقات، وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهيته فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق وإذا قلنا برواية ابن المواز فالفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت لأنه لم يستدم إحرامًا، وأما من أحرم على البعد منه فإن له غرضًا في استدامة الإحرام كما قلنا أن من كان في شعبان لم يجز له أن يتقدم صيام رمضان بصيام يوم أو يومين، ومن استدام الصوم من أول شعبان جاز له استدامة ذلك حتى يصله برمضان - انتهى. وقال الأبي: إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير فظاهر المدونة الكراهة، وظاهر المختصر الجواز. ونقل اللخمي قولاً بعدم كراهة القريب - انتهى. وقال الولي العراقي في طرح التثريب (ج٥: ص٥) : قد بينا أن معنى التوقيت بهذه المواقيت منع مجاوزتها بلا إحرام إذا كان مريدًا للنسك، أما الإحرام قبل الوصول إليها فلا مانع منه عند الجمهور. ونقل غير واحد الإجماع عليه، بل ذهب طائفة من العلماء إلى ترجيح الإحرام من دويرة أهله على التأخير إلى الميقات وهو أحد قولي الشافعي ورجحه من أصحابه القاضي أبو الطيب والروياني، والغزالي، والرافعي، وهو مذهب أبي حنفية، وروي عن عمر وعلي أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٢: ١٩٦) إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء يعني بيت المقدس، وكان الأسود، وعلقمة، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم انتهى. لكن الأصح عند النووي من قولي الشافعي أن الإحرام من الميقات أفضل. ونقل تصحيحه عن الأكثرين والمحققين، وبه قال أحمد، وإسحاق، وحكى ابن المنذر فعله عن عوام أهل العلم بل زاد مالك عن ذلك فكره تقدم الإحرام على الميقات. قال ابن المنذر: وروينا عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وكره الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومالك الإحرام من المكان البعيد - انتهى. وعن أبي حنيفة رواية أنه إن كان يملك نفسه عن الوقوع في محظور فالإحرام من دويرة أهله أفضل وإلا فمن الميقات. وبه قال بعض الشافعية - انتهى. وقال العيني: وقال الشافعي، وأبو حنفية: الإحرام من قبل هذه المواقيت أفضل لمن قوي على ذلك. وقد صح أن علي بن أبي طالب
стр. 3868
..............................................................................................
ــ
وابن مسعود، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر: أحرموا من المواضع البعيدة وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية وهي قرية من البصرة. وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن، ومسلم بن يسار من الدارات، وأحرم أبو مسعود من السيلحين. وقال أبو داود: يرحم الله وكيعًا أحرم من بيت المقدس، وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق، ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر. وقال الأمير اليماني (ج٢: ص١٨٩) : قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم، لأن قول الصحابة: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة. يقتضي بالإهلال من هذه المواقيت ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة فلا أقل من أن تكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه لأدلة التوقيت، ولأن الزيادة على المقدرات من المشروعات كإعداد الصلاة ورمي الجمار لا تشرع كالنقص منها وإنما لم نجزم بتحريم ذلك لما ذكرنا من الإجماع، ولأنه روى عن عدة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام، وأهل عمران بن حصين من البصرة وأهل ابن مسعود من القادسية. وورد في تفسير الآية أن الحج والعمرة تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك عن علي وابن مسعود وإن كان قد تؤول بأن مرادهما أن ينشأ لهما سفرًا مفردًا من بلده كما أنشأ ﷺ لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده ويدل لهذا التأويل أن عليًا لم يفعل ذلك ولا أحد من الخلفاء الراشدين ولم يحرموا بحج ولا عمرة إلا من الميقات بل لم يفعله ﷺ فكيف يكون ذلك تمام الحج ولم يفعله ﷺ ولا أحد من الخلفاء ولا جماهير الصحابة نعم الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه أحمد، وفي لفظ: ((من أحرم من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه)) ورواه أبو داود ولفظه: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة)) شك من الراوي، ورواه ابن ماجة بلفظ: ((من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب)) فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس فيكون الإحرام منه خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدل له إحرام ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة على أن منهم من ضعف الحديث، ومنهم من تأوله بأن المراد ينشئ لهما السفر من هنالك - انتهى كلام الأمير اليماني. وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٦٤) : لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرمًا تثبت في حقه أحكام الإحرام، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، ولكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله. روي نحو ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال الحسن، وعطاء، ومالك، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده وعن الشافعي كالمذهبين. وكان علقمة، والأسود، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم. واحتجوا بما روت أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: من
стр. 3869
..............................................................................................
ــ
أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة. شك عبد الله أيهما قال. رواه أبو داود. وفي لفظ رواه ابن ماجة: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له. وأحرم ابن عمر من إيلياء، وروى النسائي، وأبو داود بإسناديهما عن الصبي بن معبد، قال: أهللت بالحج والعمرة معًا فلما أتيت العُذّيب لقيني سليمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما جمعيًا فقال أحدهما: ما هذا بأفقه من بعيره، فأتيت عمر فذكرت له ذلك، فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ ، وهذا إحرام به قبل الميقات. وروي عن عمر، وعلي ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. ولنا أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل فإن قيل: إنما فعل هذا لتبيين الجواز، قلنا: قد حصل بيان الجواز بقوله كما في سائر المواقيت، ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي ﷺ وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤا على ترك الأفضل واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل، وأفضل الخلق، لهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم، وقد روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : يستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه. وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له، رواهما سعيد والأثرم. قال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، ولأنه أحرم قبل الميقات فكره كالإحرام بالحج قبل أشهره، ولأنه تغرير بالإحرام، وتعرض لفعل محظوراته، وفيه مشقة على النفس فكره كالوصال في الصوم. قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التي وقتت لكم فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبًا في إحرامه فيكون أعظم لوزره فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك، فأما حديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف يرويه ابن أبي فديك، ومحمد بن إسحاق وفيهما مقال، ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه، ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات، وقول عمر للصبي: هديت لسنة نبيك يعني في القران فالجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات فإن سنة النبي ﷺ الإحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله، وأما قول عمر، وعلي فإنهما قالا: ((إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك)) ومعناه أن تنشئ لها سفرًا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك، قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا وكذلك فسره به أحمد. ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام فإن النبي ﷺ وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي ﷺ وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن عمر وعليًا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره واشتد عليه، وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ
стр. 3870
..............................................................................................
ــ
به، أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل، هذا لا يجوز فيتعين حمل قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمة، والله أعلم - انتهى كلام ابن قدامة. قلت: القول الراحج عندنا قول من قال: بكراهة تقديم الإحرام قبل الميقات، وقد روي ذلك عن عمر، وعثمان ﵄ كما تقدم، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت، وما أحسن ما ذكر الشاطبي في الاعتصام (ج١: ص١٦٧) ومن قبله الهروي في ذم الكلام عن الزبير بن بكار: قال حدثني ابن عيينة قال سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن تري أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٤: ٦٣) انتهى. وأما حديث: ((من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك)) فهو حديث منكر أخرجه البيهقي (ج٥: ص٣١) من طريق جابر بن نوح عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ قال: فذكره. قال الشيخ ناصر الدين الألباني: هذا سند ضعيف، ضعفه البيهقي بقوله: فيه نظر ووجهه أن جابرًا هذا متفق على تضعيفه، وأورد له ابن عدي (٥٠/٢) هذا الحديث وقال: لا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولم أر له أنكر من هذا - انتهى. وقد خفى هذا على الشوكاني فقال في نيل الأوطار (ج٤: ص١٨٠) : ثبت هذا مرفوعًا من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي والبيهقي - انتهى. وقد رواه البيهقي من طريق عبد الله بن سلمة المرادي عن علي موقوفًا، ورجاله ثقات إلا أن المرادي هذا كان تغير حفظه، وعلى كل حال هذا الموقوف أصح من المرفوع - انتهى. وأما حديث أم سلمة في الإحرام من المسجد الأقصى ففي صحته نظر وإن سكت عليه أبو داود. وقد أخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٩٩) ، وابن ماجة، والدارقطني، والبيهقي (ج٥: ص٣٠) ، وابن حبان في صحيحه بألفاظ مختلفة كلهم من طريق حكيمة عن أم سلمة مرفوعًا. قال ابن القيم: في تهذيب السنن (ج٢: ص ٢٨٤) : قال غير واحد من الحافظ إسناده ليس بالقوي، وأعله المنذري بالاضطراب فقال في مختصر السنن (ج٢: ص٢٨٥) : وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا وكذا أعله بالاضطراب الحافظ ابن كثير كما في نيل الأوطار (ج٤: ص١٧٨) ، ثم إن المنذري كأنه نسى هذا فقال في الترغيب والترهيب: ((رواه ابن ماجة بإسناد صحيح)) وأنى له الصحة وفيه ما ذكره من الاضطراب، وسيأتي شيء من الكلام عليه في آخر الفصل الثاني، وفي الاستدلال به على جواز تقديم الإحرام على الميقات مطلقًا نظر لأن دلالته أخص من ذلك أعني أنه إنما يدل على أن الإحرام من بيت المقدس خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، وأما غيره من البلاد فالأصل الإحرام من المواقيت المعروفة وهو الأفضل كما قرره الأمير اليماني في سبل السلام وابن قدامة في المغني وهذا على فرض صحة الحديث أما وهو لم يصح كما رأيت فبيت المقدس كغيره في هذا الحكم لما سبق بيانه، وقد
стр. 3871
متفق عليه.
٢٥٤١- (١٣) وعن جابر عن رسول الله ﷺ قال:
ــ
روى ما يدل عليه بعمومه وهو ما روى الهيثم بن كليب وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما والبيهقي في سننه من طريق واصل ابن السائب الرقاشي عن أبي سورة عن عمه أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث، قاله البخاري وغيره، ثم رواه البيهقي من طريق الشافعي: أنا مسلم عن ابن رباح عن عطاء مرفوعًا نحوه. وأعله بقوله: ((هذا مرسل)) قلت: ومسلم شيخ الشافعي هو ابن خالد الزنجي الفقيه، وهو صدوق كثير الأوهام كما في التقريب، وابن جريج مدلس وقد عنعنه واستدل أيضًا لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه أحمد والثقفي في مشيخته النيسابوريين (١٨٤، ١٨٥، ٣٣٥/٤) من طريق الحسن بن هادية قال: لقيت ابن عمر فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟ قلت: نعم. قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قلت بلى. فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: أني لأعلم أرضًا يقال لها عمان ينزح بجانبها البحر، والحجة منها أفضل من حجتين من غيرها. قال الشيخ الألباني: رجاله كلهم ثقات معروفون غير ابن هادية هذا فقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وأما ابن حبان فقد ذكره في الثقات (ج١: ص١٤) وهذا منه على عادته في توثيق المجهولين (المستورين) وتوثيق ابن حبان هذا هو عمدة الهيثمي حين قال في المجمع (ج٣: ص٢١٧) : ((رواه أحمد ورجاله ثقات)) وحجة الشيخ الفاضل أحمد محمد شاكر في قوله في تعليقه على المسند ((إسناد صحيح)) وهذا غير صحيح لما سبق، وكم له في هذا التعليق وغيره من مثل هذه الصحيحات المبنية على هذه التوثيقات التي لا يعتمد عليها لضعف مستندها - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٣٨، ٢٤٩، ٢٥٢، ٣٣٢، ٣٣٩) ، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن الجارود (ص١٤٨) ، والدارقطني، والشافعي، والبيهقي (ج٥: ص٢٩) .
٢٥٤١- قوله: (عن جابر عن رسول الله ﷺ قال) كذا وقع في المشكاة والمصابيح، وهو يدل على أن الحديث عند مسلم مجزوم في رفعه إلى النبي ﷺ والأمر ليس كذلك، فإن مسلمًا رواه أولا من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال: سمعت ثم انتهى فقال: أراه يعني النبي ﷺ . ولم يذكر مسلم لفظه، ومعنى هذا الكلام أن أبا الزبير سمع بعض الناس يسأل جابرًا عن مواضع إحرام الحجاج من جميع الجهات فقال جابر: سمعت، ثم وقف عن الكلام ورفع الحديث إلى النبي ﷺ ثم قال أراه (بضم الهمزة) ، أي أظن أن النبي ﷺ قال: ((مهل أهل المدينة)) ، وأما قوله: ((يعني النبي ﷺ )) فهو من كلام أبي الزبير يفسر به رجوع الضمير إلى النبي ﷺ في قول جابر أراه يعني مرفوعًا إلى النبي ﷺ . وقال النووي: معناه أن أبا الزبير قال سمعت
стр. 3872
مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق،
ــ
جابرًا ثم انتهى أي: وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ وقال: أراه أي أظنه رفع الحديث فقال: أراه يعني النبي ﷺ كما قال في الرواية الأخرى أحسبه رفع إلى النبي ﷺ . ثم رواه مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعت أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال مهل أهل المدينة من ذي الحليفة إلخ. والطريقان تدلان على أن الحديث مشكوك في رفعه. قال النووي: لم يثبت رفع الحديث لكونه لم يجزم برفعه، وأجيب بأن قوله أراه أو أحسبه معناه أظنه، والظن في باب الرواية يتنزل منزلة اليقين وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرح برفعه لا يقينًا ولا ظنًا فهو منزل منزلة المرفوع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع لا سيما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة وابن ماجة من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي كلاهما عن أبي الزبير ولم يشكا في رفعه (مهل أهل المدينة) بضم الميم من الإهلال، أي موضع إحرامهم اسم مكان (والطريق الآخر) ، أي مهل الطريق الآخر لهم. قاله القاري. (الجحفة) قال ابن مالك: أي إذا جاءوا من طريق الجحفة فهي مهلهم، وقال ابن حجر: أي ومهل أهل الطريق الآخر الذي لا يمر سالكه بذي الحليفة ولا يجاوزها يمنة أو يسرة هو الجحفة (ومهل أهل العراق من ذات عرق) بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي الموضع بذلك لأن فيه عرقًا وهو: الجبل الصغير. وهي: أرض سبخة تنبت الطرفاء، وقيل: العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء ويسمى الآن الضريبة بفتح الضاد وكسر الراء بعدها ياء ثم باء وهي الحد الفاصل بين تهامة ونجد وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل العراق وبلاد إيران وحاج الشرق كله. والحديث صريح في أن ذات عرق ميقات أهل العراق بنص النبي ﷺ وتوقيته لكن قال النووي: لا يحتج بهذا الحديث مرفوعًا لكونه لم يجزم برفعه، وقد سبق الجواب عن ذلك ويشهد لكون ذات عرق ميقات أهل العراق بالنص ما وقع في حديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والطحاوي، والدارقطني بإسناد صحيح كما قاله النووي أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق، ويأتي الكلام عليه في الفصل الثاني. ويشهد له أيضًا حديث الحارث بن عمرو السهمي عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، والطبراني، وحديث ابن عباس عند ابن عبد البر في التمهيد، والبزار في مسنده، وحديث ابن عمر عند ابن راهوية في مسنده وحديث أنس عند الطحاوي، والطبراني، وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد، والدارقطني. وهذه الأحاديث وإن كان في كل منها ضعف ولا تخلو عن مقال فمجموعها لا يقتصر عن بلوغ درجة الاحتجاج به، وبها يرد على ابن خزيمة حيث قال: في ذات عرق أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث. وعلي ابن المنذر حيث يقول: لم نجد في ذات عرق حديثًا يثبت. واعلم أنه قد اتفق العلماء على أن رسول الله ﷺ نص على المواقيت الأربعة المذكورة في حديثي ابن عباس، وجابر وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم. واختلفوا في ذات عرق
стр. 3873
..............................................................................................
ــ
هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبي ﷺ ونصه أم باجتهاد عمر بن الخطاب ﵁، وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف طاوس، وابن سيرين، وأبو الشعثاء، وجابر بن زيد حكاه البيهقي وغيره. وممن قال من السلف أنه منصوص عليه عطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن الصباغ عن أحمد وأصحاب أبي حنيفة، واختلف قول الشافعي فيه فقال في موضع: هو منصوص عليه، وفي موضع: ليس منصوصًا عليه، وكذلك اختلف فيه الشافعية وأكثرهم على أنه منصوص عليه. ويدل لذلك الأحاديث السابقة عن النبي ﷺ التي نص فيها أن ذات عرق ميقات العراق. قال النووي: قالوا: وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها بعضًا ويصير الحديث حسنًا ويحتج به، ويحمل تحديد عمر باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي ﷺ فحدده باجتهاده فوافق النص - انتهى. واستدل من قال إنه مجتهد فيه بما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: لما فتح هذان المصران (أي الكوفة والبصرة، والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما) ، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور، أي ميل عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك أيضًا آثار عن بعض السلف قال الحافظ بعد ذكرها: هذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزالي، والرافعي في شرح المسند، يعني مسند الشافعي، والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك، وصحح الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب: أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجة من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه، ووقع في حديث عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلاً، فلعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة: رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا. قلت: أظهر القولين عندي وأرجحهما أن ذات عرق وقتها النبي ﷺ لأهل العراق لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث، منها ما هو صحيح الإسناد ومنها ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي يعضًا، ولا يعارض ذلك حديث ابن عمر عند البخاري الذي يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي ﷺ ، وهو ﵁ معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعًا ولا عقلاً ولا عادة. قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي ﷺ ذات
стр. 3874
..............................................................................................
ــ
عرق فقال ذلك برأيه فأصاب ووافق قول النبي ﷺ ، فقد كان كثير الإصابة - انتهى. وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق بأن العراق لم تكن فتحت يومئذٍ فقال ابن عبد البر: هي غفلة، لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق - انتهى. وبهذا أجاب الماوردي وآخرون فإن قلت: ما الجمع بين حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق، وبقية الأحاديث في التوقيت من ذات عرق؟ قلت: في ذلك أوجه: أحدها: ضعف حديث ابن عباس، فإنه تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو سيئ الحفظ، وبتقدير صحته أحاديث التوقيت من ذات عرق أصح وأكثر وأرجح. الثاني: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق فالإحرام من العقيق أفضل، فإن جاوزه وأحرم من ذات عرق جاز، وبهذا صرح الشافعية، الثالث: أن ذات عرق ميقات لبعض أهل العراق وهم أهل البصرة، والعقيق ميقات للبعض منهم وهم أهل المدائن، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني في الكبير، وفيه أبو ظلال هلال بن زيد، وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور. الرابع: أن ذات عرق كانت أولاً في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، وعلى هذا فذات عرق هو العقيق، واللفظان متواردان على شيء واحد، ومقتضى هذا الجواب وجوب الإحرام من العقيق، والجمهور على خلافه، فإنه لم يقل أحد: بتعيين الإحرام من العقيق، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا. قال ابن المنذر: واختلفوا في المكان الذي يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعي، وكان مالك، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق يجزئ وهو من العقيق أحوط. اعلم أن من سلك طريقًا إلى الحرم لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي لأقرب المواقيت إليه كما يدل عليه ما قدمنا نقلاً عن صحيح البخاري من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق لمحاذاتها قرن المنازل، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. قال المحب الطبري: في حديث ابن عمر عند البخاري دلالة على أن من مر على طريق لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه نزولاً على قضاء عمر. وقال الولي العراقي: سكت في حديث ابن عباس عند الشيخين عن قاصد مكة للنسك من غير أن يمر على شيء من هذه المواقيت، وقد قال الجمهور: يلزمه الإحرام إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، وبه قال الأئمة الأربعة، وتمسكوا في ذلك بقول عمر ﵁ لما شكى إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم: ((انظروا حذوها من طريقكم)) والإحرام من محاذاة الميقات أقرب الأمور إلى النص، لأن القصد البعد عن مكة بهذه المسافة، فلزم إتباعه - انتهى. وحاصل مذهب الحنابلة في ذلك على ما في ((مفيد الأنام)) للشيخ ابن جاسر النجدي: من لم يمر بميقات من المواقيت الخمسة، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر ﵁: ((انظروا حذوها من طريقكم)) رواه البخاري، وسن له أن
стр. 3875
..............................................................................................
ــ
يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعد، إذ الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه حرام، فإن تساويا قربًا منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريق، لأنه أحوط، فإن لم يحاذ ميقاتًا كالذي يجيء من ((سواكن)) إلى ((جدة)) من غير أن يمر ((برابغ)) ولا ((يلملم)) لأنهما أمامه، فيصل ((جدة)) قبل محاذاتهما أحرم من مكة بقدر مرحلتين، فيحرم في المثال من ((جدة)) لأنها على مرحلتين من مكة لأنه أقل المواقيت - انتهى. وقال ابن قدامة: من سلك طريقًا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر: إن قرنا جور عن طريقنا، فقال: انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث تيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا، لأن الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لاشك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه، لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم وإن شك في أقرب الميقاتين إليه فالحكم في ذلك على ما ذكرنا في المسألة قبلها، وإن كانتا متساويتين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما - انتهى. وقال الحافظ: قد نقل النووي في شرح المهذب: من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتًا يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارًا بقول عمر: هذا في توقيته ذات عرق، وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذي قرنًا وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل، لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد - انتهى. قلت: مذهب الشافعية: أن من سلك البحر أو طريقًا ليس فيه شيء من المواقيت الخمسة، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذي الحليفة على ميلين منها وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا في القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم يحاذ شيئًا - كالآتي من غربي جدة في البحر - أحرم على مرحلتين من مكة قال ابن حجر الهيتمي المكي في ((تحفة المحتاج بشرح المنهاج)) : (من سلك طريقًا) في بر أو بحر (لا ينتهي إلى ميقات، فإن حاذى ميقاتًا) ، أي سامته بأن كان على يمينه أو يساره ولا عبرة بما أمامه أو خلفه (أحرم من محاذاته) فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة اجتهد ويسن أن يستظهر ليتيقن المحاذاة، فإن لم يظهر له شيء تعين الاحتياط (أو) حاذى (ميقاتين) بأن كان إذا مر على كلٍ تكون المسافة منه إليه واحدة (فالأصح أن يحرم من محاذاة أبعدهما) من مكة وإن حاذى الأقرب إليها أولا وليس له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب إليها، كما ليس للمار على ذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، فإن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه وإلى مكة أحرم من محاذاتهما، ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر، وإلا فمنه، أما إذا لم تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه وأحدهما إذا مر عليه ميلان، والآخر إذا مر عليه فهذا هو ميقاته، وإن كان
стр. 3876
..............................................................................................
ــ
أقرب إلى مكة. قال الشرواني: في حاشيته والحاصل أن العبرة أولاً بالقرب إليه ثم بالبعد من مكة، ثم بالمحاذاة أولاً؛ فإن انتفى جميع ذلك فمن محاذاتهما - انتهى. قال ابن حجر: (وإن لم يحاذ) شيئًا من المواقيت (أحرم على مرحلتين من مكة) لأنه لا ميقات دونهما. قال: والإحرام من المرحلتين هنا بدل عن أقرب ميقات إلى مكة، وأقرب ميقات إليها على مرحلتين منها، لا من الحرم، فاعتبرت المسافة من مكة لذلك. لا يقال: المواقيت مستغرقة لجهات مكة فكيف يتصور عدم محاذاته لميقات؟ فينبغي أن المراد عدم المحاذاة في ظنه دون نفس الأمر، لأنا نقول يتصور بالجائي من ((سواكن)) ((إلى جدة)) من غير أن يمر برابغ أو بيلملم لأنهما حينئذٍ أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتهما؛ وهي على مرحلتين من مكة، فتكون هي ميقاته. قال النووي: (وإن بلغ الميقات مريدًا) للنسك (لم تجز مجاوزته) إلى جهة الحرم (بغير إحرام) قال ابن حجر: خرج بقولنا: ((إلى جهة الحرم)) ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات كما قاله الماوردي. وجزم به غيره. وبه يعلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة، لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم كما صرحوا به - انتهى. ومذهب الحنفية أن من سلك طريقًا ليس فيه ميقات معين برًا أو بحرًا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، ومن حذو الأبعد أولى. وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، كجدة. قال صاحب البحر: قد قالوا: من كان في برً أو بحرً لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة، عليه أن يحرم إذا حاذى آخرها، ويعرف بالاجتهاد، وعليه أن يجتهد فإذا لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين إلى مكة. ولعل مراده بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات، وإلا فآخر المواقيت باعتبار المحاذاة ((قرن المنازل)) وقال القاري في شرح المناسك: وعين هذه المواقيت ليست بشرط ولهذا يصح الإحرام قبلها، بل الواجب عينها أو حذوها، أي محاذاتها ومقابلتها، فمن سلك غير ميقات، أي طريقًا ليس فيه ميقات معين برًا أو بحرًا اجتهد، وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، أي من المواقيت المعروفة ومن حذو الأبعد أولى، فإن الأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة، حتى لا يمر بشيء مما يقال ميقاتًا غير محرم، ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز باتفاق الأربعة، وإن لم يعلم المحاذاة فإنه لا يتصور عدم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، كجدة المحروسة من طرف البحر. وقال في حاشية قوله: ((كجدة)) فإنها على مرحلتين عرفيتين من مكة، وثلاث مراحل شرعية ووجهه أن المرحلتين أوسط المسافات وإلا فالاحتياط الزيادة، كذا في شرح نظم الكنز. وأقول: لعل وجهه أيضًا أن أقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين عرفيتين من مكة، فقدر بذلك - انتهى. وقال في غنية الناسك: ومن كان في بر أو بحر لا يمر بواحد من المواقيت الخمس تحرى إذا لم يجد من يستخبره، وأحرم إذا غلب على ظنه أنه حاذى آخرها، قربت المحاذاة من الميقات أو بعدت كما في رد المحتار عن النهر، ومن حذو الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين عرفيتين من مكة كجدة من طرف البحر، فإنها على مرحلتين عرفيتين من
стр. 3877
ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم. رواه مسلم.
٢٥٤٢- (١٤) وعن أنس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة،
ــ
مكة وثلاث مراحل شرعية (طوالع) - انتهى. وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية ((قال مالك)) : ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة. قال شارحه الشيخ محمد البناني: أي ولا يؤخره إلى البر، وعليه درج الخرشي في شرحه حيث قال: إن من سافر في البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى البر - انتهى. فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم تنبيه: قد اتضح مما ذكرنا من كلام ابن حجر المكي، وعلي القاري وغيرهما أنه لا يجب على الحاج الهنود والباكستانيين القادمين بالباخرة للحج أو العمرة أن يحرموا في أي محل من البحر قبل وصولهم إلى جدة، بل يجوز لهم أن يؤخروا الإحرام في البحر ويحرموا بعد نزولهم على ميناء جدة من جدة، لأنه لا يقع ميقات من المواقيت الخمسة في طريق بواخر الحجاج القادمين من الهند أو الباكستان ولا تحاذي شيئًا منها بل تقطع طريقها في البحر في حدود الآفاق بعيدة عن يلملم التي هي جبل من جبال نهامة وقريبة من مكة، فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة قادمة من الهند والباكستان أن تتجاوزها أو تتجاوز خط محاذاتها إلى الحل الصغير ولو كانت تجري على الساحل فإن المواقيت الخمسة والخطوط الممتدة من ميقات إلى آخر الموصلة بعضها ببعض المحددة لحدودها كلها في البر، وأقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين منها، وجدة أيضًا على مرحلتين من مكة، فيجب عليهم أن يحرموا منها، وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً فتذكر. (رواه مسلم) ، قد تقدم أن مسلمًا رواه مشكوكًا في رفعه وكذا أخرجه أبو عوانة في مستخرجه، والشافعي، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى والدارقطني، والبيهقي من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن جابر، وأحمد من طريق ابن لهيعة، والحجاج، وابن ماجة من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، الثلاثة عن أبي الزبير عن جابر، فلم يشكوا في رفعه إلا أن الحجاج مدلس. وابن لهيعة ضعفوه لاختلاطه بعد احتراق كتبه، وإبراهيم ابن يزيد غير محتج به، لكن لحديث جابر في توقيت ذات عرق لأهل العراق شواهد مرفوعة جياد حسان يجب العمل بمثلها مع تعددها ومجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى.
٢٥٤٢- قوله: (أربع عمر) بضم ففتح جمع عمرة (كلهن) ، أي بعد الهجرة (في ذي القعدة) بفتح القاف وبكسر بناء على أنه من المرة أو الهيئة، سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار، وإنما اعتمر النبي ﷺ هذه العمر في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر ولبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فإنهم كانوا يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور ففعله ﷺ مرات في ذي القعدة وهو من أشهر الحج ليكون أبلغ في بيان جوازه، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية
стр. 3878
إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة،
وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين
ــ
عليه (إلا التي كانت مع حجته) بفتح الحاء وكسرها والمراد أي انتهاء وإلا فهي بالنظر إلى الابتداء كانت في ذي القعدة واستشكل ابن التين هذا الاستثناء فقال: هو كلام زائد والصواب حذفه لأنه عد التي مع حجته فكيف يستثنيها أولاً؟ وأجاب عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال في ذي القعدة منها ثلاث والرابعة عمرته في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة إلا التي اعتمر في حجته، لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة (عمرة) بالنصب على البدلية وبالرفع على أنه مبتدأ موصوف بقوله: (من الحديبية) بحاء مضمومة فمهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ثانية مخففة، وقيل مشددة، أحد حدود الحرم على تسعة أميال من مكة. والخبر قوله: (في ذي القعدة) والحديبية قيل: اسم لبئر في طريق جدة سميت بشجرة حدباء هناك. قال الفاسي: يقال: إنها المعروفة الآن ببئر شمس، وقيل: شميس بالتصغير. وقال أبو علي البغدادي: في كتاب النوادر الحديبية مخففة الياء، موضع بين الحل والحرم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: الحديبية آخر الحل وأول الحرم، وقيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وقيل: أكثرها في الحرم، وقال البخاري: الحديبية خارج من الحرم - انتهى. ووقع في رواية لمسلم: ((أو زمن الحديبية)) وهو شك من الراوي، والمعنى واحد، وفي رواية للبخاري: ((عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون)) وكان توجهه ﷺ من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصدًا إلى العمرة وأحرم في ذي الحليفة، ولما بلغ الحديبية صده قريش عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل وتحلل هو وأصحابه من العمرة بالنحر، ثم الحلق ورجع إلى المدينة، وعدوها من العمر مع عدم الطواف والسعي لترتب أحكامها من نحر الهدي، والحلق، أي الخروج من الإحرام، وقيل: باعتبار النية المترتب عليه المثوبة. وقال الكرماني: عمرة المحصر عن الطواف محسوبة بعمرة وإن لم تتم مناسكها، وعمرة الحديبية هي: العمرة الأولى من الأربع والثانية (عمرة) بالنصب والرفع كما مر (من العام المقبل في ذي القعدة) وهي: عمرة القضاء أو القضية سنة سبع (وعمرة من الجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر العين وتشديد الراء لغتان، والأول ذهب إليه الأصمعي وصوبه الخطابي. قال ابن المديني: أهل المدينة يثقلون وأهل العراق يخففون، وبالتخفيف قيدها المتقنون. وقال الخطابي في ((تصحيف المحدثين)) : إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف وهي موضع قريب من مكة معروف، بينها وبين الطائف وهي إلى مكة أقرب. قال القاري: وهو على ستة أميال أو تسعة أميال وهو الأصح، وسمي هذا الموضع باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة، وهي ريطة بنت سعد بن زيد بن عبد مناف، وقيل: كانت من قريش، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾ (١٦: ٩٢) كانت تغزل من أول النهار إلى نصفه ثم تنقضه، فضربت بها العرب مثلاً في الحمق ونقض ما أحكم من العقود وأبرم من العهود (حيث قسم غنائم حنين) بعد فتح مكة،
стр. 3879
في ذي القعدة، وعمرة مع حجته،
ــ
وحنين بالتصغير واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال (في ذي القعدة) ، وهي العمرة الثالثة، وكانت في سنة ثمان بعد فتح مكة غزوة هوازن وغزوة الطائف. ويوم حنين هو: غزوة هوازن لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف، نزل الجعرانة فقسم بها غنائم هوازن، ثم اعتمر منها فدخل مكة بهذه العمرة ليلاً، فقضى عمرته ثم خرج منها تحت ليلته إلى الجعرانة فبات بها، فلما أصبح وزالت الشمس خرج منها في بطن سرف حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف، ومن ثم خفيت هذه العمرة على كثير من الناس، (وعمرة مع حجته) أي مقرونة مع حجته وهي: الرابعة التي قرنها بحجة الوداع سنة عشر، وهي أيضًا باعتبار إحرامها كانت في ذي القعدة، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد (ج١: ص٢٤٦، ٢٧٦) ، والترمذي و، أبي داود، وابن ماجة، وسكت عنه أبو داود، والمنذري. ورجاله كلهم ثقات. وعن عائشة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي: ((أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع)) وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وعن ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر النبي ﷺ ؟ قال: أربع. الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث تدل على أنه ﷺ اعتمر أربع عمر: (الأولى) : عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (والثانية) : عمرة القضاء في السنة السابعة (والثالثة) : عمرة الجعرانة في السنة الثامنة بعد فتح مكة (والرابعة) : كانت مع حجته سنة عشرة، وكلها كانت في ذي القعدة إلا الرابعة فكانت في ذي الحجة، هذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وذهب إليه المحققون من المحدثين والفقهاء. وقد ورد ما يخالف ذلك في العدد كحديث البراء التالي وحديث ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: مرتين. أخرجه أحمد (ج٢: ص٧٠) ، وأبو داود، والنسائي، وحديث عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال. أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة. أخرجه أحمد (ج٢: ص١٨٠) ، وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه كلام وقد وثق، وحديث عائشة عند أحمد بإسناد صحيح: ((ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة، ولقد اعتمر ثلاث عمر)) وحديث عروة عن عائشة أنه ﷺ اعتمر ثلاث عمر، عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والبيهقي (ج٤: ص٣٤٦) ، وقوى الحافظ إسناده وحديث أبي هريرة ((قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة)) أخرجه البيهقي (ج٤: ص٣٤٥) ، وحديث جابر بمثل حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وحديث عمر بن الخطاب قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثًا قبل حجه في ذي القعدة. أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر. والجمع بين حديث أنس ومن وافقه وبين أحاديث هؤلاء الصحابة أن من قال مرتين لم يعد العمرة التي كانت مع حجته لأنها كانت مقرونة بحجه، وكانت في ذي الحجة كما تقدم، وكأنه لم يعد أيضًا العمرة الأولى
стр. 3880
..............................................................................................
ــ
وهي عمرة الحديبية لكونها لم تتم، وإن كانت وقعت في ذي القعدة، أو عدها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفائها عليه، لكونها ليلاً، ومن قال: ثلاثًا. لم يحسب العمرة التي قرنها بحجته لأن حديثه مقيد بكون ذلك في القعدة، والتي في حجته كانت في ذي الحجة وقال ابن حزم: صدقت عائشة، وصدق ابن عمر، فإن رسول الله ﷺ لم يعتمر مذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة إلا اثنتين كما قال ابن عمر - وهما عمرة القضاء وعمرة الجعرانة عام حنين - وعدت عائشة إلى هاتين العمرتين عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ ، فأحل بالحديبية ونحر الهدي. والعمرة التي قرن مع حجة الوداع لم يكمل أفعالها، فتألف قولاهما، وعلى ذلك يحمل قول أنس: ((أربع عمر)) ولا خلاف أنه ﷺ اعتمر ثلاث عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة، والصحيح أن الثلاث كانت في القعدة. واختلفوا هل اعتمر الرابعة؟ فمن قال: إنه كان قارنًا أو متمتعًا في حجته عدها أربعًا، ومن قال إنه كان مفردًا عدها ثلاثًا. ويجوز على هذا نسبة الرابعة إليه، لأنه أمر الناس بها وعملت بحضرته. وأما ما ورد مخالفًا لذلك في الزمن كحديث ابن عمر عند الشيخين: ((أنه ﷺ اعتمر أربعًا إحداهن في رجب)) فيحمل على النسيان كما صرحت بذلك عائشة فقالت: ((يغفر الله لأبي عبد الرحمن نسى)) وكذلك قال غير واحد من المحدثين المحققين. وأما ما وقع في رواية عائشة عند أبي داود، وسعيد بن منصور، والبيهقي أنه ﷺ اعتمر عمرة في شوال، فيجمع بينه وبين ما ورد في الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت في ذي القعدة، بأن يكون ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما وقع في رواية عائشة نفسها عند أحمد، وابن ماجة بإسناد صحيح: ((أنه ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة)) وأما ما رواه الدارقطني عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتمت، الحديث. وقد قدمنا الكلام عليه في قصر الصلاة (ج٢: ص٢٦٥) فقال ابن القيم: هذا الحديث غلط فإن رسول الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قط وعمره مضبوطة العدد والزمان، ويرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قط، وقد قالت عائشة ﵂: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة. رواه ابن ماجة وغيره. ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسًا، ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستًا إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع. وإنما الواقع اعتماره ﷺ في ذي القعدة كما قال أنس، وابن عباس، وعائشة ﵃ انتهى. وقال القسطلاني: قد حكم الحافظ بغلط هذا الحديث يعني حديث عائشة عند الدارقطني، إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع. وقد عينها أنس وعدها، وليس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته، ولو كانت له عمرة في رجب، وأخرى في رمضان لكانت ستًا، ولو كانت أخرى في شوال - كما هو في سنن أبي داود عن عائشة، أنه ﵊ اعتمر في شوال - كانت سبعًا. والحق في ذلك أن ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعًا للمعارضة، وما لم يمكن فيه، حكم بمقتضى الأصح والأثبت.
стр. 3881
متفق عليه.
٢٥٤٣- (١٥) وعن البراء بن عازب قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
٢٥٤٤- (١٦) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج،
ــ
وهذا أيضًا يمكن الجمع بإرادة عمرة الجعرانة، فإنه ﵊ خرج إلى حنين في شوال، والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازًا للقرب، وهذا إن صح وحفظ، وإلا فالمعول عليه الثابت. والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج، وفي المغازي، ومسلم في الحج واللفظ للبخاري في المغازي، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود والترمذي، والدارمي، والبيهقي (ج٤: ص٣٤٥) .
٢٥٤٣- قوله: (اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) لا ينافي ما تقدم من حديث أنس وغيره كما سبق. قال القسطلاني: هذا لا يدل على نفي غيره، لأن مفهوم العدد لا اعتبار له. وقيل: إن البراء لم يعد الحديبية لأنها لم تتم، والتي مع حجته لكونها دخلت في أفعال الحج، وكلهن أي الأربعة في القعدة في أربعة أعوام على ما هو الحق، كما ثبت عن عائشة، وابن عباس ﵃: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجته في ذي الحجة، لأن مبدأها كان في ذي القعدة، لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، كما في الصحيح، وكان إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة، وفعلها كان في ذي الحجة، فصح طريقا الإثبات والنفي. (رواه البخاري) من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء، وروى أحمد (ج٤: ص٢٩٧) من طريق زكريا عن أبي إسحاق عن البراء قال: اعتمر رسول الله ﷺ قبل أن يحج. واعتمر قبل أن يحج فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج فيها. وليس في رواية البراء هذه ما يدل نصًا على عدد عمره، ولا ما يدل على وقت عمرته من أي شهر. وروى أيضًا أحمد (ج٤: ص٢٩٨) ، والترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وليس فيه ما يدل على عدد عمره في ذي القعدة هل اعتمر فيه مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لكن الظاهر أن المراد بيان عمرة الحديبية وعمرة القضاء كما وقع في رواية أحمد أيضًا (ج٤: ص٢٩٨) من طريق حجين عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. والله أعلم.
٢٥٤٤- قوله: (يا أيها الناس) خطاب عام يخرج منه غير المكلف (كتب عليكم الحج) أي: فرض بقوله تعالى:
стр. 3882
فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها نعم لوجبت، ولو وجبت
لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا
ــ
﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣: ٩٧) (فقام الأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي المجاشعي الدارمي وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه. قال ابن إسحاق: قدم الأقرع بن حابس على رسول الله ﷺ مع عطارد بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكة وقد كان الأقرع وعيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينًا والطائف، فلما قدم وفد تميم كانا معه، فلما قدم وفد بني تميم المدينة ودخلوا المسجد نادوا النبي ﷺ من وراء حجرته: أن اخرج علينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم النبي ﷺ فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، ونزل فيهم القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٩: ٤) والأقرع بن حابس هو القائل لرسول الله ﷺ : ((إن مدحي زين وإن ذمي شين)) فقال رسول الله ﷺ : ذلكم الله سبحانه. قال بن دريد: اسم الأقرع فراس، ولقب الأقرع لقرع كان به في رأسه، والقرع انحصاص الشعر. وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وشهد مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وكان على مقدمته. واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب هو والجيش بالجوزجان وذلك في زمن عثمان (أفي كل عام؟) أي أكتب في كل عام قياسًا على الصوم، والزكاة فإن الأول: عبادة بدنية. والثاني: طاعة مالية والحج مركب منهما (لو قلتها) أي في جواب كلمة الأقرع (نعم) أي بالوحي أو الاجتهاد، قاله القاري. وقال ابن حجر: قوله: ((لو قلتها نعم)) إنه بدل من الضمير الراجع لما علم مما قبله وهو حجة كل عام. قلت: الحديث رواه أحمد ثمان مرات وليس في موضع منها: ((لو قلتها نعم)) فلفظه في الموضع الأول والثاني (ج١: ص٢٥٥، ٢٩٠، ٢٩١) : ((لو قلتها لوجبت)) أي بدون لفظة نعم. وهكذا ذكره البغوي في المصابيح، والمجد في المنتقى، وكذا وقع في رواية الدارمي، والبيهقي، وفي الموضع السابع (ج١: ص٣٧١) ، والثامن (ج١: ص٣٧٢) : ((لو قلت: نعم)) أي بدون ضمير المؤنث وهكذا في رواية النسائي والحاكم والدارقطني، وفي الموضع الثالث (ج١: ص٢٩٢) ، والخامس (ج١: ص٣٢٣) ، والسادس (ج١: ص٣٢٥) : ((لو قلت: كل عام لكان)) وفي الموضع الرابع (ج١: ص٣٠١) : ((لو قلت: نعم كل عام لكان كل عام)) فالظاهر أن ما وقع في نسخ المشكاة ((لو قلتها نعم)) أي بالجمع بين ضمير المؤنث وقوله نعم خطأ من الناسخ، والعلم عند الله تعالى (لوجبت) أي الحجة في كل عام (ولو وجبت) أي بالفرض والتقدير ابتداء أو بناء على الجواب (لم تعملوا بها) أي لكمال المشقة فيها (ولم تستطيعوا) قال القاري: أي ولم تطيقوا لها ولم تقدروا عليها فهو إما عطف تفسير والخطاب إجمالي للأمة أو
стр. 3883
والحج مرة فمن زاد فتطوع. رواه أحمد، والنسائي، والدارمي.
٢٥٤٥- (١٧) وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم
يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا،
ــ
للحاضرين والباقون على التبعية، ويؤيده أنه في رواية: ((ولم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي كلكم من حيث المجموع، وإما عطف تغاير وعدم الاستطاعة مختص بمن يكون بعيدًا عن الحرم وهذه الاستطاعة أريد بها القدرة على الفعل، والاستطاعة في الآية إنما هي الزاد والراحلة فلا تنافي بينهما - انتهى. قلت: وقع في رواية أحمد (ج١: ص٢٩١) : ((لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي بواو العطف وكذا عند البيهقي، وفي أخرى لأحمد (ج١: ص٢٥٥) : ((لم تعملوا بها أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي بحرف ((أو)) وهكذا عند الحاكم (ج٢: ص٢٩٣) (والحج) وفي بعض النسخ الحج أي بدون الواو وهكذا وقع عند أحمد (ج١: ص٢٩١) ، والدارمي، والحاكم، والبيهقي، وكذا ذكره المجد في المنتقى والبغوي في المصابيح، والزيلعي، وابن كثير (مرة) مبتدأ وخبر أي وجوب الحج مرة واحدة (فمن زاد فتطوع) كذا في جميع النسخ وهكذا في المصابيح، والسنن للبيهقي، والمستدرك للحاكم (ج٢: ص٢٩٣) ، وفي المسند: ((فهو تطوع)) وهكذا عند أبي داود أي من زاد على مرة فحجته أو فزيادته تطوع. (رواه أحمد) في مسنده ثمان مرات مطولاً ومختصرًا (والنسائي، والدارمي) وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجة، والدارقطني (ص٢٥٥، ٢٨٠) ، والحاكم (ج١: ص٤٤١، ٤٧٠، وج٢: ص٢٩٣) ، وابن الجارود (ص١٤٧) ، والبيهقي (ج٤ ص٣٢٦) ، والطيالسي (ص٣٤٨) وهو حديث صحيح. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
٢٥٤٥- قوله: (من ملك زادًا وراحلة) أي ولو بالإجازة و ((الزاد)) ما يتخذ من الطعام للسفر والجمع أزودة وأزواد و ((الراحلة)) من الإبل ما كان منها صالحًا لأن يرحل للذكر والأنثى، والتاء للمبالغة أي: لا للتأنيث، وقيل للنقل من الوصفية إلى الاسمية والجمع رواحل، وفي معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية الجوية (تبلغه) بتشديد اللام وتخفيفها أي: توصله (إلى بيت الله) ترك ذكر نفقة العود للظهور (ولم يحج) بفتح الجيم المشددة ويجوز ضمها وكسرها (فلا عليه) أي: فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت عليه (أن يموت) أي: في أن يموت أو بين أن يموت (يهوديًا أو نصرانيًا) في الكفر إن اعتقد عدم الوجوب، وفي العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل: هذا من باب التغليظ الشديد والمبالغة في الوعيد لمن اعتقد وجوبه وتساهل في الأداء وهو قادر عليه، والأظهر أن وجه تخصيص الطائفتين بالذكر كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره قاله القاري. وقال الطيبي: قوله: ((فلا عليه)) إلخ. أي: لا يتفاوت عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، والمعنى أن وفاته في
стр. 3884
وذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ .
ــ
هذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء فيما فعله من كفران نعمة الله تعالى وترك ما أمر به والانهماك في معصيته وهو من باب المبالغة والتشديد والإيذان لعظمة شأن الحج، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٣: ٩٧) فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج)) تعظيمًا للحج وتغليظًا على تاركه - انتهى. وقال الشيخ ولي الله الدهلوي في حجة الله: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه الخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون، ومشركوا العرب يحجون ولا يصلون - انتهى. وقال المحب الطبري: الإجماع منعقد على أن هذا ليس على ظاهره، وأن من مات من المسلمين ولم يحج وكان قادرًا عليه لا يكون تركه الحج مخرجًا له عن الإسلام، وهو محمول على المستحل لذلك فيكفر به، أو أن فعله أشبه فعل اليهودي والنصراني (وذلك أن الله) أي ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة لأن الله (تبارك) تكاثر خير وبره (وتعالى) عظمته وغناه (يقول) أي في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ أي واجب عليهم ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بفتح الحاء وكسرها لغتان وقراءتان سبعيتان في مصدر حج بمعنى قصد ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ منهم ﴿إِلَيْهِ﴾ أي إلى حج البيت الحرام لأنه المحدث عنه وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت لكن الأول أولى، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ لأنه من المخصصات عند الأصوليين، فالحج فرض على المكلف إليه سبيلاً، وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأي مركوب يناسبه وزاد يتزوده ولهذا أتى بهذا اللفظ الذي يمكن تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة والتي ستحدث وهذا من آيات القرآن حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال ولا يمكن الصلاح التام بدونها ﴿سَبِيلاً﴾ أي طريقًا وفسر ﷺ استطاعة الطريق بالزاد والراحلة، رواه عنه غير واحد من الصحابة وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر. قال الشوكاني: اللام في قوله: ﴿لِلّهِ﴾ هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام ثم زاد هذا المعنى تأكيدًا حرف ﴿عَلَى﴾ فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب كما إذا قال القائل: لفلان على كذا. فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيمًا لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس، لا يخرج منه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد. وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ في محل جر على أنه بدل بعض من الناس، وبه قال أكثر النحويين -انتهى. والحديث مع الآية صريح في تشديد الوعيد على من ملك زادًا وراحلة ولم يحج وقد استدل بظاهره من ذهب إلى وجوب الحج على الفور وقال: لو كان على التراخي لما كان للتوعد معنى وأجاب عنه من ذهب إلى أن الحج على التراخي بأنه لا حجة فيه إما على تأويل أنه محمول على المستحل لذلك فيكفر به فظاهر، وإما على تأويل أن فعله أشبه فعل اليهودي والنصراني فغايته أن يدل على تأثيمه، ونحن نقول
стр. 3885
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول
والحارث يضعف في الحديث
ــ
بذلك وهو أصح قولي الشافعي، والتأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن عباس الآتي (رواه الترمذي) وأخرجه أيضًا ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب كلهم من طريق هلال أبي هاشم الخراساني عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي (وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله) الراوي للحديث عن أبي إسحاق (مجهول) وسئل إبراهيم الحربي عنه فقال من هلال؟ وقال بن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ، وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وذكر الذهبي حديث علي هذا في ترجمة هلال بن عبد الله المذكور وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال الحافظ في التقريب في ترجمته متروك، وقد روي عن علي موقوفًا ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا، وقال المنذري: طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه. (والحارث يضعف في الحديث) الحارث هذا هو بن عبد الله الأعور الهمداني الحوتي الكوفي وقد تقدم ترجمته في (ج٣: ص٦٧) . اعلم أنه ورد في ترهيب من قدر على الحج فلم يحج أحاديث منها حديث علي وقد عرفت حاله ومنها حديث أبي أمامة وهو ثالث أحاديث الفصل الثالث وقد أخرجه الدارمي، وسعيد بن منصور في السنن، وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي من طريق عن شريك عن ليث بن أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة بلفظ: ((من لم يحسبه مرض أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائز، فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا)) لفظ البيهقي، ولفظ أحمد: ((من كان ذا يسار فمات ولم يحج)) الحديث، وليث ضعيف وشريك سيئ الحفظ وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد في كتاب الإيمان له، عن وكيع عن سفيان عن ليث عن بن سابط، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة)) فذكره مرسلاً، وكذا ذكره ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلاً، وأرده أبو يعلي من طريق أخرى عن شريك مخالفة للإسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطرف ضعيف. وقال الذهبي في الميزان بعد أن ذكر طريق أبي يعلى هذه في ترجمة عمار بن مطر الرهاوي المذكور الراوي عن شريك: هذا منكر عن شريك. ومنها حديث أبي هريرة رفعه: ((من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين شاء إما يهوديًا أو نصرانيًا)) رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القطامي عن أبي المهزم وهما متروكان عن أبي هريرة. قال الحافظ في التلخيص (ص٢٠٣) بعد ذكر هذه الروايات: وللحديث طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي (ج٤: ص٣٣٤) عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى أهل الأمصار فينظروا كل
стр. 3886
٢٥٤٦- (١٨) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لا صرورة في الإِسلام.
ــ
من كان له جدة ولم يحتج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. لفظ سعيد، ولفظ البيهقي: أن عمر قال: ((ليمت يهوديًا أو نصرانيًا لها ثلاث مرات، رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله)) قال الحافظ: وإذا انضم هذا الموقف إلى مرسل بن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى (يريد به ابن الجوزي فإنه ذكره في الموضوعات) أنه موضوع - انتهى. وقال البيهقي بعد رواية حديث أبي أمامة: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁، وقال الشوكاني في النيل بعد أن ساق طرق هذه الأحاديث: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره وهو محتج به عند الجمهور ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني ((لا يصح في الباب شيء)) لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن - انتهى. وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب الحج على الفور لأنها تصرح أنه لا يمنعه من الإثم إلا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج كالمرض أو الحاجة الظاهرة أو السلطان الجائز فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات وهو آثم بالتأخير فدل على أن الوجوب الحج على الفور وأنه لا يجوز التأخير فيه إلا لعذر.
٢٥٤٦- قوله (لا صرورة في الإسلام) الصرورة بفتح الصاد وضم الراء المهملتين وإسكان الواو وفتح الراء على وزن الضرورة من الصر بفتح الضاد وهو الحبس والمنع. قال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلا بالهاء. وقال ابن الجني: رجل صرورة، امرأة صرورة ليست الهاء لتأنيث الموصوف بما هي فيه وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة - انتهى. قال في المصباح المنير: الصرورة بالفتح الذي لم يحج، وهذه الكلمة من النوادر التي وصف بها المذكر والمؤنث مثل ملوكة وفروقة، ويقال أيضًا: صروري على النسبة وصارورة ورجل صرورة لم يأت النساء. سمي الأول بذلك لصره على نفقته لأنه لم يخرجها في الحج، وسمي الثاني بذلك لصره على ماء ظهره وإمساكه - انتهى. قلت: قد فسر الصرورة في الحديث بثلاثة معان، الأول: أنه الذي لم يحج قط وهو نفي معناه النهي. أي لا يترك الحج في الإسلام من استطاعه، فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير. وقال القاري: أي من لم يحج بعد أن يكون عليه لا يكون في الإسلام. قال الطيبي: فدل ظاهره على أن من يستطيع الحج ولم يحج ليس بمسلم كامل. وقال القاضي: ظاهر الكلام يدل على أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ - انتهى. وقيل: معناه لا يطلق على من لم يحج صرورة في الإسلام، كان يطلق عليه في الجاهلية
стр. 3887
رواه أبو داود.
ــ
يدل عليه ما روى البيهقي (ج٥: ص١٦٥) ، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، قال: لا يقولن أحدكم إني صرورة فإن المسلم ليس بصرورة، وما روى الدارقطني (ص٢٨٦) ، والبيهقي (ج٥: ص١٦٤، ١٦٥) عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يقال للمسلم صرورة. الثاني: أنه الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مثل رهبانية النصارى فنهى عن ذلك، قال الزرقاني: ويسمى من لم ينزوج صرورة أيضًا لأنه صر الماء في ظهره وتبتل على مذهب الرهابنية - انتهى. وقال القاري: وقيل المراد بالصرورة التبتل وترك النكاح، أي ليس في الإسلام بل هو في الرهبانية، وأصل الكلمة من الصر وهو الحبس. الثالث: أن المراد من قتل في الحرم قتل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا فلجأ إلى الكعبة لم يهج، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل هو صرورة فلا تهجه، قال الخطابي في المعالم (ج٢: ص٢٧٨) : الصرورة تفسر تفسيرين: أحدهما: أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى، ومنه قول النابغة:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متلبد
والوجه الآخر أن الصرورة هو: الرجل الذي لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام - انتهى. قال ابن الأثير (ج١: ص٢٨١) : حديث ((لا صرورة في الإسلام)) قال أبو عبيد: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج لأنه ليس من أخلاق المؤمنين وهو فعل النصارى. والصرورة أيضًا: الذي لم يحج قط، وأصله من الصر الحبس والمنع، وقيل: أراد من قتل في الحرم قتل، إلى آخر ما ذكرنا في بيان المعنى الثالث، والظاهر أن أبا داود، والحاكم، والبيهقي رجحوا أن الصرورة في الحديث هو الذي لم يحج فأخرجوا الحديث في أبواب الحج (رواه أبو داود) ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣١٢) ، والحاكم (ج١: ص٤٤٨) ، والبيهقي (ج٥: ص١٦٤) كلهم من طريق ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث في شرح المسند (ج٤: ص٣٠٣) : إسناده صحيح عمر بن عطاء (راوي الحديث عن عكرمة) هو عمر بن عطاء بن أبي الخوار بضم الخاء وتخفيف الواو وآخره راء، ثقة وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما، وأعل بعضهم هذا الحديث وضعفه بأن عمر بن عطاء فيه هو عمر بن عطاء بن وراز بفتح الواو وتشديد الراء وآخره زاي وهو ضعيف لقول الإمام أحمد: كل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة فهو ابن وراز، وكل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو ابن أبي الخوار، كان كبيرًا، قيل له: أيروي ابن أبي الخوار عن عكرمة؟ قال لا. وكذا جاء نحو هذا عن ابن معين. قال: عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج
стр. 3888
٢٥٤٧- (١٩) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد الحج فليعجل.
ــ
يحدث عن عكرمة ليس هو بشيء، وهو ابن وراز، وهم يضعفونه، كل شيء عن عكرمة فهو ابن وراز وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة. وأما ابن حبان فقد جمعهما رجلاً واحدًا فوهم. ذكره في الثقات باسم ((عمر بن عطاء بن وراز بن أبي الخوار)) وأما أن ابن أبي الخوار كبير يروي عن ابن عباس، فلا يمنع أن يروي عن عكرمة الذي من طبقته، وقد بين أبو داود أن هذا الرواي هو ابن أبي الخوار، فروى الحديث من طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان عن ابن جريج عن عمر بن عطاء يعني ابن أبي الخوار عن عكرمة. وأخطأ المنذري خطأ شديدًا فقال: ((في إسناده عمر بن عطاء وهو ابن أبي الخوار وقد ضعفه غير واحد من الأئمة)) . وقد تبع في هذا الخطأ أبا دواد فقد قال الآجري: سألت أبا دواد عن عمر ابن عطاء الذي روى عنه ابن جرير. فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الخوار بلغني عن يحيى أنه ضعفه. قال الحافظ: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وثقه وضعف الذي بعده. يعني ابن وراز. انظر ترجمتيهما في التهذيب: (ج٧: ص٤٨٣، ٤٨٤) والحديث رواه الحاكم أيضًا، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفي الباب عن ابن أخي جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : لا صرورة في الإسلام. ذكره الحافظ في المطالب العالية (ج١: ص٣١٢) وعزاه لأبي بكر، وأحمد بن منيع.
٢٥٤٧- قوله (من أراد الحج) أي قدر على أدائه، لأن الإرادة مبدأ الفعل والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل على الآخر، والعلاقة الملابسة لأن معنى قوله: (فليعجل) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوة والزاد والراحلة، والمراد قبل عروض مانع، وقوله: ((فليعجل)) بتشديد الجيم من التعجيل كذا في جميع النسخ، وكذا وقع في المصابيح، والذي في السنن لأبي داود، والدارمي فليتعجل أي من التعجل، وهكذا ذكره ابن كثير في التفسير، والسيوطي في الجامع الصغير والمجد في المنتقى، والجزري في جامع الأصول (ج٣: ص٣٨٣) ، وكذا وقع عند أحمد (ج١: ص٢٢٥) ، والحاكم (ج١: ص٤٤٨) ، والبيهقي (ج٤: ص٣٣٩، ٣٤٠) وفي بعض نسخ الدارمي ((فليستعجل)) أي من الاستعجال. قال الطيبي: التفعيل الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار - انتهى. وزاد في رواية أحمد (ج١: ص٢١٤: ٣٢٣) ، وابن ماجة، والطحاوي، والبيهقي (ج٤: ص٣٤٠) : ((فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة)) (أي التي تمنعه عن أداء النسك) ومعنى ((يمرض المريض)) أي من قدر له المرض يمرض فيمنعه ذلك عن الحج، قال الحفني: أي قد يطرأ المرض على الصحيح الذي يؤل أمره إلى كونه مريضًا ففيه مجاز الأول، وقال الزمخشري: هذا من قبيل المجاز باعتبار الأول إذا المريض لا يمرض بل الصحيح، فسمي المشارف للمرض والضلال مريضًا وضالة، كما سمي المشارف للموت ميتًا، ومنه ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ (٧١:
стр. 3889
..............................................................................................
ــ
٢٧) أي صائرًا إلى الفجور والكفر - انتهى. والقصد الحث على الاهتمام بتعجيل الحج قبل العوارض والموانع، وفيه دليل على أن الحج واجب على الفور، وقد اختلف العلماء هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ فممن قال: إنه واجب على الفور الإمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة، والمزني من أصحاب الشافعي. قال النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة، وكان الكرخي يقول: هو مذهب أبي حنيفة. وقال صاحب تبيين الحقائق في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج قال يحج ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور - انتهى. وقال القاري: الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور، وهو قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه فذكر رواية ابن شجاع عنه، وأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران كلاهما شهره بعض علماء المالكية أحدهما على الفور، والثاني: أنه على التراخي. ومحل الخلاف المذكور ما لم يحس الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورًا اتفاقًا. وممن قال إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه. قال النووي وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس. قال القاري: وقال محمد: وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الشافعي: إنه على التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره لأن الحج وقته العمر نظرًا إلى ظاهر الحال في بقاء الإنسان فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت يعني لو مات ولم يحج أثم. ولأبي يوسف: إن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر فيضيق عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية فلو حج في العام الثاني كان مؤديًا بإتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثم بإتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إن ما تظهر في حق تفسيق المؤخر، ورد شهادته عند من يقول بالفور وعدم ذلك عند من يقول بالتراخي كذا حققه الشمني - انتهى. واحتج من قال إنه على التراخي بأدلة منها أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، وقيل سنة تسع ولا خلاف أن آية ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع من الحديبية من إحصار المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة وذلك في ذي القعدة سنة ست وإذا كان الحج فرض عام ست وكان النبي ﷺ لم يحج إلا عام عشر فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما أخره عن أول وقت للحج بعد نزول الآية. قالوا: ولاسيما إنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان ثم رجع إلى المدينة ولم يحج. قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد فأقام الناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ مقيم بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ولم يحجوا. قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع وانصرف عنها قبل الحج فبعث أبا بكر ﵁ فأقام الناس الحج سنة تسع ورسول الله ﷺ هو وأزواجه وعامة أصحابه
стр. 3890
..............................................................................................
ــ
قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال ولا غيره ولم يحجوا، ثم حج ﷺ هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور بل على التراخي، قال المحب الطبري: وما يتكلف من عذر في حقه ﷺ وإن كان خلاف الأصل والظاهر فهو معدوم في حقهم، ولو وجب عليهم على الفور لبينه لهم ﷺ ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، والعذر بصد المشركين قد زال بالفتح سنة ثمان، وما قيل من أن التأخير كان لأن لا يرى منكرًا من حج المشركين وطواف العراة فلذلك دليل على الجواز، إذ لو لم يجز التأخير لما كان هذا عذرًا في إسقاط واجب تعين، ثم ينتقض بمن تخلف من الصحابة وليسوا بأفضل ممن بعثه، ومنها ما جاء في حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة السعدي أخرجه مسلم في أول كتاب الإيمان، وروى البخاري أصله، وفيه ((زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال صدق)) وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبي ﷺ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون. وقد صرح في هذا الحديث بوجوب الحج فتأخيره ﷺ الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي لا على الفور، ومنها أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى أو إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤديًا لحج لا قاضيًا له بإجماع المسلمين، قالوا: ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء. ومنها ما هو مقرر في أصول الشافعية وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر، ومنها أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة، قالوا: فهّي على التراخي ويقاس الحج عليها بجامع أن كلاً منهما واجب ليس له وقت معين، ومنها أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونها على التراخي بجامع أن كليهما واجب ليس له وقت معين، قالوا: ولكن تثبتت آثار أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنة، واحتج من ذهب إلى أنه على الفور بأدلة أيضًا، منها آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك وهي على قسمين، قسم منها فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك. كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣: ١٣٣) قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ (٥٧: ٢١) الآية، فقوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و ﴿سَابِقُوا﴾ فيه الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته جل وعلا وذلك بالمبادرة والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور لا التراخي. وكقوله: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ (٢: ١٤٨ - ٥: ٤٨) الآية. ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال، وصيغ الأمر في قوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ وقوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُواْ﴾ تدل على الوجوب، لأن الصحيح المقرر في الأصول أن صيغة ((افعل)) إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وذلك بدل على أن قوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا. ومن الآيات التي فيها الثناء
следующие страницы →