Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4516–4545 · переход к 4521.
стр. 4516
٢٧٦٣ – (١١) وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله سمى المدينة طابة ". رواه مسلم.
٢٧٦٤ – (١٢) وعن جابر بن عبد الله، أن أعرابيًا بايع رسول الله ﷺ
ــ
أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٧، ٢٤٧) ومالك في الجامع والنسائي.
٢٧٦٣ – قوله (إن الله سمى المدينة طابة) أي إن الله سماها في اللوح المحفوظ أو في التوراة أو أمر نبيه أن يسميها بها ردًا على المنافقين في تسميتها بيثرب، وطابة بتخفيف الموحدة كشامة تأنيث طاب وأصلها طيبة، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، قال النووي: فيه استحباب تسميتها طابة وليس فيها أنها لا تسمى بغيرها، فقد سماها الله تعالى المدينة في مواضع من القرآن وسماها النبي ﷺ طيبة في حديث زيد بن ثابت عند مسلم – انتهى. وروى البخاري من حديث أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة. قال الحافظ: وفي بعض طرقه طيبة، وللمدينة أسماء غير ما ذكر. منها المطيبة، كما روى عمر بن شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي ﷺ : للمدينة عشرة أسماء، هي المدينة وطابة وطيبة والمطيبة، إلخ. وهذه الثلاثة أي طابة وطيبة بتشديد المثناة التحتية وطيبة بسكونها كهيبة وشيبة مع المطيبة أخوات لفظًا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى. قال السمهودي: تسميتها بهذه الأسماء إما من الطيب بتشديد المثناة وهو الطاهر لطهارتها من أدناس الشرك أو لموافقتها من قوله تعالى ﴿بريح طيبة﴾ (سورة يونس: الآية ٢٣) أو لحلول الطيب بها ﷺ أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها، وإما من الطيب بكسر الطاء وسكون المثناة لطيب أمورها كلها وطيب رائحتها ووجود ريح الطيب بها. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة. وقال الأشبيلي: لتربة المدينة نفحة ليس طيبها كما عهد من الطيب بل عجب من الأعاجيب. وقال الحافظ: الطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها (رواه مسلم) في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٩٤، ٩٦، ٩٧، ١٠٢، ١٠٨) والنسائي.
٢٧٦٤ – قوله (أن أعرابيًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا قال الزرقاني: أي يزيد في اسم أبيه أداة الكنية سهوًا أو غلطًا (بايع رسول الله ﷺ ) من المبايعة وهي عبارة عن المعاقدة
стр. 4517
فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أقلني بيعتي، فأبى رسول الله ﷺ ، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى، فخرج الأعرابي فقال رسول الله ﷺ : " إنما المدينة كالكير تنفي خبثها
ــ
على الإسلام والمعاهدة كائن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وزاد في رواية البخاري ((على الإسلام)) (فأصاب الأعرابي وعك) بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى، وقيل المها، وقيل إرعادها. وقال الأصمعي: أصله شدة الحر، فأطلق على الحمى وشدتها، كذا في الفتح. وفي رواية للبخاري فجاء من الغد محمومًا (أقلني بيعتي) استعارة من إقالة البيع وهو إبطاله، قال القسطلاني: (أقلني بيعتي)) أي على الإسلام. وقال السمهودي: أقلني بيعتي أي انقض العهد حتى أرجع إلى وطني، وكأنه قد بايع على هجرة الإقامة، وقال الحافظ في الحج: قوله ((فبايعه على الإسلام)) إلخ. ظاهره لأنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره إنما استقاله من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، يعني أنه لم يرد الأعرابي الارتداد عن الإسلام، قال ابن بطال بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي ﷺ على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك ولكنه خرج عاصيًا، وقال الحافظ في الأحكام: قوله ((على الإسلام)) ظاهر في أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام ويحتمل أن يكون في شيء من عوارضه كالهجرة وكانت في ذلك الوقت واجبة ووقع الوعيد على من رجع أعرابيًا بعد هجرته (فأبى) أي امتنع (رسول الله ﷺ ) أن يقيله، قال النووي: قال العلماء: إنما لم يقله النبي ﷺ بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام ولا لمن هاجر إلى النبي ﷺ للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره، قالوا: وهذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي ﷺ على المقام معه، قال القاضي: ويحتمل أن بيعة هذا الأعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة إليه ﷺ ، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة منه فلم يقله، والصحيح الأول – انتهى كلام النووي. وقال ابن التين: إنما امتنع النبي ﷺ من إقالته لأنه لا يعين على معصية، لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن، فخروجه عصيان، قال: وكانت الهجرة فرضًا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين مولاة لقوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ (سورة الأنفال: الآية ٧٣) فلما فتحت مكة قال ﷺ : لا هجرة بعد الفتح)) ففي ها إشعار بأن مبايعة الأعرابي المذكورة كانت قبل الفتح – انتهى. (فخرج الأعرابي) أي من المدينة راجعًا إلى البدو (إنما المدينة كالكير تنفي) بفتح أوله (خبثها) بمعجمة وموحدة مفتوحتين. قال السمهودي: قوله ((تنفي خبثها)) يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والإبعاد
стр. 4518
وتنصع طيبها ". متفق عليه.
ــ
لأهل الخبث وقصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه، وخصه ابن عبد البر بزمنه ﷺ ، والظاهر كما قال النووي عدم التخصيص وقد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام وأهلك من كان بها من المنافقين وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل وهم أهل الشقاء والكفر لا أهل السعادة والإسلام لأن القسم الأول ليس قابلاً للشفاعة ولا للمغفرة، وقد وعد ﷺ من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرها وميلها إلى اللذات لما فيها من اللأواء والشدة ويؤيده رواية أنها طيبة تنفي الذنوب ويكون نفيها للذنوب على ظاهره، ويحتمل أن يكون بمعنى أنها لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، ويؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنه ﷺ لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه أي وهم المنافقون؛ فقال النبي ﷺ : " المدينة كالكير ... " – الحديث. ولهذا سميت بالفاضحة، قال السمهودي: والذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة (وتنصع) بضم التاء على بناء الفاعل من باب التفعيل والإفعال أي تخلص (طيبها) بالنصب على المفعولية وهو بفتح الطاء وتشديد التحتية، وروي ينصع بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة من النصوع وهو الخلوص أي يصفو ويخلص ويتميز، والناصع الصافي الخالص، وعلى هذا طيبها مرفوع على أنه فاعل ينصع، ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقى فيها من خلص إيمانه، وقال الحافظ: والمعنى أنها إذا نفت الخبث تميز الطيب واستقر فيها. قال الأبي: فإن قيل قد استقر بها المنافقون، أجيب بأنهم انتفوا بالموت، والموت أشد النفي، وقال العيني: فإن قلت: إن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم تنفهم، قلت: كانت المدينة دارهم أصلاً ولم يسكنوا بها بالإسلام ولا حبًا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد ﷺ بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه – انتهى. قال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة، وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكانها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الأحكام، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٦٥) ومالك في الجامع والنسائي والترمذي في أواخر المناقب.
стр. 4519
٢٧٦٥ – (١٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ". رواه مسلم.
٢٧٦٦ – (١٤) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون
ــ
٢٧٦٥- قوله (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة) أي تخرج (شرارها كما ينفي الكير) أي يذهب (خبث الحديد) أي وسخه، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون ذلك في زمنه ﵊، لأن بعثته من أشراط الساعة وأن يكون حين خروج الدجال وقصده المدينة – انتهى. وقد تقدم الكلام عليه مفصلاً (رواه مسلم) في الحج، والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري ولا أصحاب السنن.
٢٧٦٦- قوله (على أنقاب المدينة) طيبة، بفتح الهمزة وسكون النون جمع قلة لنَقَب، بفتح النون والقاف بعدها موحدة، ووقع في حديث أنس وأبي سعيد عند البخاري على ((نقابها)) بكسر النون جمع نقب بالسكون، وهما بمعنى. قال ابن وهب: المراد بها مداخلها وهي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل منها كما جاء في الحديث الآخر ((على كل باب منها ملك، وقيل طرقها، وأصل النقب الطريق بين الجبلين، وقيل الأنقاب الطرق التي يسكنها الناس (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها) قال الطيبي: جملة مستأنفة بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب (الطاعون) قال الحافظ في ((باب ما يذكر في الطاعون)) من كتاب الطب: بوزن فاعول، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالاً على الموت العام كالوباء، ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري. وقال صاحب النهاية: الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة، وسمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله. وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج من الأرقاع، وفي كل طي من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال ابن عبد البر: الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله، وقال النووي في الروضة: قبل الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: وهو هيجان الدم وانتفاخه. وقال النووي أيضًا في تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقيء ويخرج غالبًا في المراق والآباط وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالاً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من
стр. 4520
...................................................................................
ــ
الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأودؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء، وذكر الحافظ أقوالاً أخرى، ثم قال: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض أو كثرة الموت، والدليل على أن الطاعون غير الوباء حديث ((أن الطاعون لا يدخل المدينة)) . وقد ورد في حديث عائشة: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. وفيه قول بلال ((أخرجونا إلى أرض الوباء)) ، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وقد صرح في الحديث بأن الطاعون لا يدخلها، فدل على أن الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كل وباء طاعونًا فبطريق المجاز، قال: والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك العقل، وإنما يعرف من الشارع فتكلموا في ذلك على أن ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذي في معاني الأخباء: يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك، وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط – انتهى. ومما يؤيد أن الطاعون يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدم في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت في الأحاديث الواردة منها حديث أبي موسى رفعه: " فناء أمتي بالطعن والطاعون "، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: " وخز أعداءكم من الجن وفي كل شهادة ". أخرجه أحمد من رواية زياد بن علا ة عن رجل عن أبي موسى. وفي رواية له عن زياد حدثه رجل من قومي قال: كنا على باب عثمان ننتظر الأذان فسمعت أبا موسى قال زياد: فلم أرض بقوله فسألت سيد الحي فقال: صدق. وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين عن زياد فسميا المبهم يزيد بن الحارث، وسماه أحمد في رواية
стр. 4521
...................................................................................
ــ
أخرى أسامة بن شريك، ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث لأنه يحمل على أن أسامة هو سيد الحي الذي أشار إليه في الرواية الأخرى واستثبته فيما حدثه به الأول وهو يزيد بن الحارث ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم وأسامة بن شريك صحابي مشهور، والذي سماه وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم؛ فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه، وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: " هو وخز أعداءكم من الجن وهو لكم شهادة ". ثم ذكر الحافظ للحديث طريقين أخريين وشاهدين من حديث عائشة وحديث ابن عمر وضعفهما ثم قال: والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه. ثم قال: قال العلماء: أراد ﷺ أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الإنس وإما من الجن. وقوله ((وخز)) بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي، قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولاً ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولاً ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ. تنبيه: يقع في الألسنة وهو في النهاية لابن الأثير بلفظ ((وخز إخوانكم من الجن)) ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طريق الحديث المسندة لا في الكتب المشهور ولا الأجزاء المنثورة وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني وكتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها، كذا في الفتح، قال الزرقاني: فإن قيل: إذا كان الطعن من الجن فكيف يقع في رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟ أجيب باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل غير ذلك، ويمكن أن يقال أن المصفد بعض الشياطين كما وقع في بعض الروايات وهم المردة لا كلهم فإن تصفيد الشياطين لا يستلزم تصفيد الجان كلهم، وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة، وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم دخولهما؟ قال الحافظ: والجواب أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم. فإن قيل طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم، قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص الإسلام فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلاً. وقد أجاب القرطبي في المفهم
стр. 4522
...................................................................................
ــ
عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذي قاله يقتضى تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في المعارف وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً ولا مكة أيضًا لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلاً. ولعل القرطبي بنى على أن الطاعون أعم من الوباء أو أنه هو، وإنه الذي ينشأ عن الفساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في الجنائز من صحيح البخاري قول أبي الأسود: قدمت المدينة وهم يموتون بها موتاً ذريعاً، فهذا وقع بالمدينة وهو وباءً بلا شك، ولكن الشأن في تسميته طاعونًا، والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن فيقتل، فهذا لم يدخل المدينة قط، فلم يتضح جواب القرطبي، وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال ﷺ : ولكن عافيتك أوسع لي. فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي ﷺ لها بالصحة وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قلت (قائله الحافظ) : هو كلام صحيح ولكن ليس هو جواباً عن الإشكال. ومن الأجوبة أنه ﷺ عوضهم عن الطاعون بالحمى لأن الطاعون يأتي مرة بعد مرة والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الأجر ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الأسباب، ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب – بمهملتين آخره موحدة وزن عظيم – رفعه: أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام. وهو أن الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير النبي ﷺ في أمرين يحصل بكل منهم الأجر الجزيل فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها لتحقيق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المده المتطاولة، والله أعلم – انتهى. وارجع إلى وفاء الوفاء للسمهودي (ص ٦٤ – ٦٧) فإنه قد بسط الكلام على ذلك وأحسن. وقال الزرقاني: قد أمتنع الطاعون
стр. 4523
ولا الدجال ". متفق عليه.
٢٧٦٧ – (١٥) وعن أنس، قال: قال رسول الله: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال
ــ
عن المدينة بدعائه وخبره هذه المدد المتطاولة فهو خاص بها. وجزم ابن قتيبة في المعارف والنووي في الأذكار بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضًا معارضًا بما نقله غير واحد بأنه دخلها في سنة سبع وأربعين وسبعمائة؛ لكن في تاريخ مكة لعمر بن شبة برجال الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: " المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقيب منها ملك فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون ". وحينئذ فالذي نقل أنه دخل مكة في التاريخ المذكور ليس كما ظن أو يقال أنه لا يدخلهما من الطاعون مثل الذي يقع في غيرهما كالجارف وعمواس، وفي حديث أنس عند البخاري في الفتن ((فيجد الملائكة يحرسونها يعني المدينة فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله)) . وقد اختلف في هذا الاستثناء فقيل هو للتبرك فيشملهما، وقيل هو للتعليق وأنه يختص بالطاعون ومقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ في الفتن: وكونه للتبرك هو أولى. وقال السمهودي بعد ذكر هذه الرواية: هذا يقتضي جواز دخول الطاعون المدينة ويرده الجزم في سائر الأحاديث والصواب حفظها منه كما هو المشاهد، وقيل المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة طاعون العذاب فتأمل (ولا الدجال) هو فعال بفتح أوله وتشديد الجيم من الدجل وهو التغطية، والمراد المسيح الأعور وسمي الكذاب دجالاً لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب إذا طلاها، وقال ابن دريد: سمي دجالاً لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض. وقيل: بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في التذكرة اختلف في تسميته دجالاً على عشر أقوال. وقال صاحب القاموس: إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسميته الدجال المسيح خمسون قولاً، كذا في الفتح. ويأتي مزيد الكلام على عدم دخول الدجال المدينة في شرح حديث أنس الذي يليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الطب وفي الفتن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٧) ومالك في الجامع والنسائي.
٢٧٦٧ – قوله (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال) أي يدوسه ويدخلها ويفسده. قال الحافظ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة. قلت: لا إشكال في طي الدجال جميع البلاد غي المدة التي ذكرت في الأحاديث ولا مجال لاستبعاده حيث اخترعت في عصرنا هذا سيارات سريعة وقطارات بخارية وكهربائية في البر وبواخر سريعة الجري في البحر وطيارات ونفاثات وصواريخ ذرية تقطع في أقصر وقت من الأبعاد والمسافات ما كان لا يتصوره الإنسان قبل ذلك، وروى الحاكم من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه
стр. 4524
إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ".
ــ
((أنه يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الأرض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم يأتي ايلياء فيحاصر عصابة من المسلمين)) فهذا فيه نوع آخر لطي الأرض (إلا مكة والمدينة) بالنصب على الاستثناء. قال الزرقاني: وعند الطبري عن ابن عمرو مرفوعًا ((إلا الكعبة وبيت المقدس)) وزاد الطحاوي ((ومسجد الطور)) وفي بعض الروايات: فلا يبقى موضع إلا ويأخذه الدجال غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه الموضع – انتهى. ونسب الحافظ حديث عبد الله بن عمرو إلى الطبراني والرواية الثانية إلى أحمد، قال: ورجاله ثقات (ليس نقب من أنقابها) أي أنقاب المدينة أو أنقاب كل واحدة منهما (إلا عليه الملائكة) أي على ذلك النقب (يحرسونها) أي يحفظون أهلها (فينزل) أي الدجال بعد أن منعته الملائكة (السبخة) بكسر الباء صفة وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وبفتحها اسم، وهو موضع قريب من المدينة (فترجف المدينة) بضم الجيم أي تضطرب (بأهلها) أي ملتبسة بهم وقيل: الباء للتعدية أي تحركهم وتزلزلهم (ثلاث رجفات) بفتح الجيم (فيخرج إليه) أي إلى الدجال، وفي رواية ((فيخرج الله)) (كل كافر ومنافق) قال الطيبي: الباء يحتمل أن تكون للسببية أي تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها لينفض إلى الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون حالاً أي ترجف ملتبسة، ثم نقل عن المظهر ((ترتجف المدينة بأهلها)) أي تحركهم وتلقى ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص، قال: فعلى هذا الباء صلة الفعل، وقال الحافظ في الحج: قوله ((ثم ترتجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات)) إلخ. أي يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخلصًا في إيمانه ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة عند البخاري أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره والخوف من عتوه لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص، وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه أنها تنفي الخبث على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدم أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد، ولا يلزم من كونه مرادًا نفي غيره، وقال في باب ذكر الدجال من كتاب الفتن: الجمع بين قوله ترجف ثلاث رجفات وبين قوله لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال أن الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله قربها شيء منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة الإرفاق وهو إشاعة مجيئه وأنه لا طاقة لأحد به، ويسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق فيظهر حينئذ تمام أنها تنفي خبثها – انتهى. وقال
стр. 4525
متفق عليه.
٢٧٦٨ – (١٦) وعن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء ".
ــ
السمهودي بعد ذكر حديث أنس وأبي بكرة وغير ذلك مما ورد في الباب ما لفظه: ويستفاد منه أن المراد من قوله في الأحاديث المتقدمة ((فترجف المدينة)) يعني بسبب الزلزلة فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفي هو ألا يحصل لمن بها بسبب قربه منها خوف، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق، قاله الحافظ ابن حجر. وما قدمناه أولى – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الفتن ومسلم في آخر الكتاب في أحاديث الدجال، وأخرجه أيضًا النسائي، وأخرج أحمد نحوه.
٢٧٦٨ – قوله (لا يكيد أهل المدينة أحد) أي لا يريد بأهلها سوءًا، والكيد المكر والحيلة في المساءة. وقال القسطلاني: أي لا يفعل بهم كيدًا من مكر وحرب وغير ذلك من وجوه الضرر بغير حق (إلا انماع) بسكون النون بعد همزة الوصل آخره مهملة، أي ذاب. قال في النهاية: ماع الشيء ويميع وانماع إذا ذاب وسال (كما ينماع الملح في الماء) وفي رواية مسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن أبي هريرة وسعد جميعًا فذكر حديثًا فيه ((من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)) ، وفي رواية مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث: " ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ". قال عياض: هذه الزيادة أي قوله في النار تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها، وتبين أن هذا حكمه في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون المراد به أن من أرادها في حياة النبي ﷺ كفى المسلمون أمره واضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله أو ذوب الملح في الماء. قال: ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالاً وطلبًا لغرتها فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارًا، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا بسوء فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانًا بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة فإنه عوجل عن قرب فأهلك في منصرفه من المدينة ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما – انتهى. قال السمهودي: وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح، وليس في الحديث ما يقتضى أنه لا يتم له ما أراد منهم بل الوعد بإهلاكه ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى في زماننا ها لما تظاهرت طائفة العياشي لإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها
стр. 4526
متفق عليه.
٢٧٦٩ – (١٧) وعن أنس، أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة، أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها. رواه البخاري.
ــ
حتى أهلك الله عتاتهم مع كثرتهم في مدة يسيرة، وقد يقال المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا وبين إذابته بالنار في الأخرى، والمذكور في هذا الحديث هو الثاني، وفي غيره الأول ففي رواية لأحمد برجال الصحيح من جملة حديث من أرادها بسوء يعني المدينة أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، وكذا في مسلم أيضًا وفي رواية له ((من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء)) بالشك، والدهم بفتح الدال المهملة وإسكان الهاء أي بغائلة وأمر عظيم، ولذا قيل المراد غازيًا مغيرًا عليها، وروى النسائي من حديث السائب بن خلاد رفعه: " من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله.. " – الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر، والحديث فيه دليل على فضل المدينة، واستدل به بعضهم على أن المدينة أفضل من مكة ولا يخفى ما فيه قال ابن حزم: إنما فيه الوعيد على من كاد أهلها ولا يحل كيد مسلم، فليس فيه أنها أفضل من مكة، وقد قال تعالى عن مكة ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ (سورة الحج: الآية ٢٦) فصح الوعيد على من ظلم بمكة كالوعيد على من كاد أهل المدينة (متفق عليه) أخرجاه في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ١٨٠) والنسائي.
٢٧٦٩ – قوله (فنظر إلى جدرات المدينة) بضم الجيم والدال جمع جدر بضمتين جمع سلامة والجدر جمع جدار (أوضع) بفتح الهمزة: وسكون الواو وبالضاد المعجمة أي أسرع، يقال وضع البعير أي أسرع في مشيه وأوضعه راكبه أي حمله على السير السريع (راحلته) وفي رواية ناقته أي حملها على السير السريع قال القاري: الإيضاع مخصوص بالبعير، والراحلة النجيب والنجيبة من الإبل، في الحديث: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (وإن كان على دابة) سوى الناقة كالبغل والفرس والدابة أعم من الناقة (حركها) جواب إن (من حبها) أي حرك الدابة لسرعة السير من أجل حبه ﷺ المدينة أو أهلها؛ فمن سببية متعلقة بقوله حركها. قال القسطلاني: وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ حيث دعا اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبه (رواه البخاري) في الحج في باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة، وفي فضائل المدينة قبل باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة، وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعوات بعد ((باب ما يقول إذا رجع من سفره)) .
стр. 4527
٢٧٧٠ – (١٨) وعنه، أن النبي ﷺ طلع له أحد فقال: " هذا جبل يحبنا ونحبه
ــ
٢٧٧٠ – قوله (طلع) أي ظهر (له أحد) قال السهيلي:سمي أحدًا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد (فقال: هذا) إشارة إلى جبل أحد (جبل يحبنا ونحبه) قال الحافظ: ظهر من هذه الرواية أنه ﷺ قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج – انتهى. قلت: ويظهر من رواية عمرو عن أنس عند البخاري في باب من غزا بصبي للخدمة من كتاب الجهاد أنه ﷺ قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من خيبر، ووقع في رواية أبي حميد عند البخاري أيضًا في باب خرص التمر من كتاب الزكاة أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأي أحدًا قال: " هذا جبل يحبنا ونحبه ". قال الحافظ: فكأنه ﷺ تكرر منه ذلك القول، وللعلماء في معنى ذلك أقوال أحدها أنه على حذف مضاف، والتقدير أهل أحد والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه، ثانيها أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب، ثالثها أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا ((جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة)) أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها أي الجبال وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: " اسكن أحد ". – الحديث. وقال السهيلي: كان ﷺ يحب الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقاً من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من النبي ﷺ به لفظًا ومعنىً فخص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. وقال الحافظ أيضًا في باب من غزا بصبي للخدمة: قيل: هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات، وقيل: هو على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ وقال الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي _ ... ولكن حب من سكن الديارا
– انتهى. وقال السمهودي: قيل: المراد يحبنا أهله ونحبهم، فحذف أهله لدلالة اللفظ عليه كما في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ (سورة البقرة: الآية ٨٧) أي حبه ﴿واسأل القرية﴾ سورة يوسف: الآية ٨٢) وقيل: هو ضرب من المجاز أي نحن نحبه ونستبشر برؤيته، ولو كان ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك حقيقة وأن الله تعالى جعل فيه أو في بعضه إدراكًا ومحبة كما جعل في تسبيح الحصى وحنين الجذع ويكون من خوارق العادات، ويحتمل أن يكون يحبنا هنا عبارة عن نفعه لنا في الحماية والنصرة كمن يحبنا – انتهى. وقال النووي: الصحيح المختار أن معناه أن أحدًا يحبنا حقيقة، جعل الله تعالى فيه تمييزًا يحب به كما قال سبحانه
стр. 4528
اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها ". متفق عليه.
ــ
وتعالى: ((وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ (سورة البقرة: الآية ٦٩) وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى وكما فر الحجر بثوب موسى ﷺ . قال: وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون في معنى الحديث، وأن أحدًا يحبنا حقيقة، وقيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه – انتهى. وقال الزرقاني: قوله ((يحبنا)) حقيقة كما رجحه جماعة وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب ((اسكن)) فوضع الله الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة التي قال فيها ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وكما حن الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنينه فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر والشجر وسبحت الحصيات في يده وكلمته الذراع وأمنت حوائط البيت وأسكفه الباب على دعائه ﷺ إشارة إلى مزيد حب الله إياه حتى أسكن حبه في الجماد وغرس محبته في الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته، وقوله ((نحبه)) حقيقة أيضًا. لأن جزاء من يحب أن يحب. ولأنه من جبال الجنة كما رواه أحمد عن أبي عبس بن جبر (كما تقدم) وللبزار والطبراني ((أحد هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة)) أي من داخلها. فلا ينافي رواية الطبراني أيضًا: " أحد ركن من أركان الجنة ". لأنه ركن داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره أنه ركن باب الجنة، وقيل هو على حذف المضاف أي يحبنا أهله وهم الأنصار لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه ﷺ ويحبهم. وقيل لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب فكان يفرح إذا طلع له استبشارًا بالأوبة من السفر والقرب من الأهل، وضعف بما في رواية الطبراني عن أنس ((فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه)) بكسر المهملة وضاد معجمة كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل كالعضاه يمضغ منه تبركاً ولو بلا ابتلاع قال: وأخذ من هذا الحديث أنه أفضل الجبال. وقيل عرفة، وقيل: أبو قبيس: وقيل: الذي كلم الله عليه موسى، وقيل: قاف. قيل: وفيه قبر هارون أخي موسى ﵉ ولا يصح- انتهى. (اللهم إن إبراهيم حرم مكة) تقدم شرحه (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب خرص التمر من كتاب الزكاة، وفي باب من غزا بصبي للخدمة من الجهاد، وفي باب قوله: ﴿اتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ (سورة النساء: الآية ١٢٤) من كتاب الأنبياء، وفي باب غزوة أحد من المغازي، وفي باب الحيس من الأطعمة، وفي باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم، إلخ. من كتاب الاعتصام، وأخرجه مسلم في الحج في فضل المدينة، وأخرجه أيضًا مالك في الجامع والترمذي في أواخر المناقب.
стр. 4529
٢٧٧١ – (١٩) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : " أحد جبل يحبنا ونحبه ". رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
٢٧٧٢ – (٢٠) عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم، وقال: " من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه ". فلا أرد عليكم
ــ
٢٧٧١ – قوله (وعن سهل بن سعد) تقدم ترجمته في الجزء الأول (ص ١٦٦) (أحد جبل يحبنا ونحبه) تقدم وجه تخصيصه بالذكر في كلام السهيلي. وقال القاري: لعل وجه تخصيصه بالذكر لتحركه به سرورًا لما رقى عليه مع أصحابه الثلاثة فقال له " اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". (رواه البخاري) في باب خرص التمر من كتاب الزكاة تعليقًا إذ قال: وقال سليمان (بن بلال) عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن عباس (بن سهل بن سعد) عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " أحد جبل يحبنا ونحبه ". قال الحافظ: وصله أبو علي بن خزيمة في فوائده، وفي الباب عن أبي حميد الساعدي عند أحمد والبخاري ومسلم وعن سويد بن عامر الأنصاري عند أحمد والطبراني في الكبير والضياء في المختارة.
٢٧٧٢ – قوله (عن سليمان بن أبي عبد الله) قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن سعد وأبي هريرة وصهيب وعنه يعلى بن حكيم الثقفي، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور فيعتبر حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في حرم المدينة، قلت: قال البخاري وأبو حاتم: أدرك المهاجرين والأنصار، وقال في التقريب عنه: مقبول من الثالثة، أي الطبقة الوسطى من التابعين (أخذ رجلاً) أي عبدًا (فسلبه ثيابه) بدل اشتمال أي أخذ ما عليه من الثياب (فجاء مواليه فكلموه فيه) أي في شأن العبد ورد سلبه (حرم هذا الحرم) قال الطيبي: دل على أن سعدًا اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة (وقال) أي النبي ﷺ (من أخذ) كذا في المشكاة والمصابيح وجامع الأصول والمنتقى للمجد بن تيمية، وهكذا وقع في بعض نسخ أبي داود وفي بعضها وجد بدل أخذ (أحدًا يصيد فيه فليسلبه) زاد في بعض نسخ أبي داود ((ثيابه)) ولفظ أحمد ((من رأيتموه يصيد فيه شيئًا فلكم سلبه)) وقوله ((فليسلبه ثيابه)) ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه جميعها، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصححه النووي، واختاره جماعة من أصحاب الشافعي (فلا أرد عليكم
стр. 4530
طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. رواه أبو داود.
٢٧٧٣ – (٢١) وعن صالح مولى لسعد، أن سعدًا وجد عبيدًا من عبيد المدينة
ــ
طعمة) بضم الطاء وكسرها ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته، قاله الشوكاني. وقال القاري: طعمة بالضم أي رزقًا (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) أي تبرعًا، قاله الطيبي. وفي رواية لأحمد ((إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم، قال الشوكاني: وبقصة سعد هذه احتج من قال: إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه. وهو قول الشافعي في القديم. قال النووي: وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة – انتهى. وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به. قال: وروى ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر – انتهى. وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم. وقد اختلف في السلب فقيل: إنه لمن سلبه، وقيل: لمساكين المدينة، وقيل: لبيت المال. قال الشوكاني: وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدًا يصيد أو يأخذ من شجره – انتهى. (رواه أبو داود) في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ١٧٠) وقد سكت عنه أبو داود. قال النووي: وهو صحيح أو حسن أي كما هو قاعدته فيما يسكت عليه، وقال المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن أبي عبد الله (المذكور في إسناده) فقال: ليس بالمشهور ولكن يعتبر بحديثه – انتهى. وقال الشوكاني: قال الذهبي: تابعي وثق، وقد روى الحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) من طريق بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه أنه كان يخرج من المدينة يريد الحاطب من الحطاب معه شجرة رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلمه فيه فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله ﷺ وأنا من أكثر الناس مالاً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح
٢٧٧٣ - قوله (وعن صالح مولى لسعد) هذا خطأ والصواب عن صالح عن مولى لسعد كما في أبي داود، وفي الظاهر أنه سقط لفظ ((عن)) من قلم نساخ المشكاة أو وقع سهو من المصنف. قال ميرك: ويؤيد ذلك أن من صنف في أسماء رجال الكتب لم يذكر لسعد مولى يقال له صالح، وصالح هذا هو صالح بن نبهان المدني مولى التوأمة – بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة – قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط بآخره، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة – انتهى. وقال الخزرجي في الخلاصة: قال ابن معين: صالح مولى التوأمة ثقة حجة سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت – انتهى. قلت: هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه. وما قال المنذري في مختصر السنن ((صالح مولى التوأمة لا يحتج بحديثه)) فهو محمول على ما روي عنه بعد الاختلاط ومولى سعد هذا مجهول كما قال المنذري، ففي
стр. 4531
يقطعون من شجر المدينة فأخذ متاعهم وقال يعني لمواليهم: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء، وقال: " من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه ". رواه أبو داود.
٢٧٧٤ – (٢٢) وعن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله.
ــ
الاحتجاج بهذا الحديث نظر قوي لكن يؤيده الحديث الذي قبله، وحديث مسلم من طريق عامر بن سعد عن سعد الذي سبق في الفصل الأول (يقطعون من شجر المدينة) أي من بعض أشجارها (فأخذ متاعهم) أي ثيابهم وما عندهم (وقال) أي سعد (يعنى لمواليهم) بيان من الراوي للمقول لهم (أن يقطع) بصيغة المجهول (وقال) أي النبي ﷺ (من قطع منه) أي من شجرها (فلمن) أي للذي (أخذه) أي القاطع (سلبه) بفتح السين واللام أي ما عليه من الثياب وغيرها (رواه أبو داود) في الحج وسكت عليه، وقد تقدم أن مولى سعد مجهول لكن يؤيده الحديث الذي قبله وحديث سعد المذكور في الفصل الأول.
٢٧٧٤- قوله (وعن الزبير) أي ابن العوام تقدم ترجمته (إن صيد وَجّ) بفتح الواو وتشديد الجيم هو الطائف وقيل واد بالطائف. قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: هو واد بالطائف وقيل كل الطائف. وقال الحازمي في المؤتلف والمختلف في الأماكن ((وج)) اسم لحصون الطائف، وقيل لواحد منها. (وعضاهه) بكسر العين وتخفيف الضاد كما سلف، قال الجوهري: العضاه كل شجر يعظم وله شوك، وعند البيهقي ((عضاهه يعني شجره)) (حرم) بفتح الحاء والراء المهملتين الحرام، كقولهم زمن وزمان، وعند البيهقي ((حرام)) (محرم لله) تأكيد للحرمة. قال الشوكاني: والحديث يدل على تحريم صيد وج وشجره، وقد ذهب إلى كراهته الشافعي حيث قال في الإملاء: أكره صيد وج. وجزم جمهور أصحاب الشافعي بالتحريم وقالوا: إن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم. قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعي في الإملاء: وللأصحاب فيه طريقان أصحهما وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه. قالوا: ومراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال: وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور يعني من أصحاب الشافعي أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شيء لأن الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع ولم يرد في هذا شيء. والطريق الثاني حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها وفي وجوب الضمان فيه خلاف – انتهى. وقد قدمنا الخلاف في ضمان صيد المدينة وشجرها. قال الخطابي في المعالم (ج ٢: ص ٤٤٢) : ولست أعلم لتحريمه وَجًّا معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة، ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله ((وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف)) ثم عاد الأمر فيه إلى الإباحة كسائر بلاد الحل، ومعلوم أن عسكر رسول الله ﷺ إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا
стр. 4532
رواه أبو داود.
ــ
أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق فدل ذلك على أنها حل مباح وليس يحضرني في هذا وجه غير ما ذكرته – انتهى. قال في عون المعبود نقلاً عن غاية المقصود: في ثبوت هذا القول أي كون تحريم وَجّ قبل نزول الطائف نظر لأن محمد بن إسحاق قال في مغازيه ما ملخصه: أن رجالاً من ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ المدينة بعد وقعة الطائف فضرب عليهم قبة في ناحية مسجده وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم أي بعد إسلام أهل الطائف ((بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وج وصيده حرام ألا يعضد، من وجد يصنع شيئًا من ذلك فإنه يجلد وينزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمد وأن هذا أمر النبي محمد رسول الله ﷺ وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ )) انتهى ملخصًا محررًا من زاد المعاد. قال ابن القيم: إن وادي وج وهو واد بالطائف حرم يحرم صيده وقطع شجره، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة وأبو حنيفة ﵀ خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره. واحتج لهذا القول بحديثين أحدهما هو الذي تقدم، والثاني حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي ﷺ قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله، رواه الإمام أحمد وأبو داود. وهذا الحديث يعرف لمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في تاريخه: لا يتابع عليه. قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه، والله أعلم – انتهى كلام ابن القيم.وقال الشوكاني بعد نقل كلام الخطابي: والظاهر من الحديث تأيبد التحريم، ومن ادعى النسخ فعليه الدليل لأن الأصل عدمه، وأما ضمان صيده وشجره على حد ضمان صيد الحرم المكي فموقوف على ورود دليل يدل على ذلك، لأن الأصل براءة الذمة ولا ملازمة بين التحريم والضمان – انتهى (رواه أبو داود) في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ١٦٥) والحميدي (ج ١: ص ٣٤) والبيهقي (ج ٥: ص ٢٠٠) والبخاري في التاريخ الكبير (ج ١: ص ١٤٠) كلهم من طريق عبد الله بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن الزبير، وفيه قصة، والحديث سكت عنه أبو داود وكذا سكت عنه عبد الحق وتعقب بما نقل عن البخاري أنه قال (ج ٣: ص ٤٥) في ترجمة عبد الله بن إنسان: لم يصح حديثه. وكذا قال الأزدي وابن حبان، وذكر الذهبي في الميزان أن الشافعي صححه واعتمده وذكر الخلال في العلل أن أحمد ضعفه وذكر ابن حبان عبد الله بن إنسان في الثقات وقال: كان يخطئ. وتعقبه الذهبي فقال: هذا لا يستقيم أن يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدة أحاديث، فأما عبد الله هذا فهذا الحديث أول ما عنده وآخره، فإن كان قد أخطأ فحديثه مردود على قاعدة ابن حبان يعني أنه إذا لم يكن عند عبد الله المذكور غير هذا الحديث فإن
стр. 4533
وقال محيي السنة: وج ذكروا أنها من ناحية الطائف. وقال الخطابي: ((أنه)) بدل ((أنها)) .
٢٧٧٥ – (٢٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها ".
ــ
كان أخطأ فيه فما هو الذي ضبطه؟ قال الشوكاني: مقتضى قول ابن حبان ((كان يخطئ)) تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف. وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف. وقال النووي في شرح المهذب: إسناده ضعيف. وقال المنذري في مختصر السنن (ج ٢: ص ٤٤٢) : في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وأبوه فأما محمد فسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: ليس بالقوى، وفي حديثه نظر، وذكره البخاري في تاريخه الكبير (ج ١: ص ١٤٠) وذكر له هذا الحديث وقال: ولم يتابع عليه وذكر أباه (ج ٣: ص ٤٥) وأشار إلى هذا الحديث وقال: لم يصح حديثه. وقال البستي: عبد الله بن إنسان روى عنه ابنه محمد ولم يصح حديثه – انتهى. وبهذا يتبين عدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على حكم مشتمل على تحريم (وقال محيي السنة) أي البغوي صاحب المصابيح في شرح السنة (وج ذكروا) أي العلماء (أنها من ناحية الطائف) يعني أنه موضع من نواحي الطائف (وقال الخطابي) أي في معالم السنن (ج ٢: ص ٤٤١) (أنه) بفتح الهمزة (بدل أنها) وهو أمر سهل لأن التذكير باعتبار الموضع والتأنيث باعتبار البقعة.
٢٧٧٥- قوله (من استطاع أي قدر (أن يموت بالمدينة) أي أن يقيم بها حتى يدركه الموت ثمة (فليمت بها) أي فليقم بها حتى يموت بها فهو تحريض على لزوم الإقامة بها ليتأتى له أن يموت فيها إطلاقًا للمسبب على سببه (فإني أشفع) ولفظ ابن ماجة ((فإني أشهد)) (لمن يموت بها) أي أخصه بشفاعتي غير العامة زيادة في إكرامه. قال الطيبي: أمر له بالموت فيها وليس ذلك من استطاعته بل هو إلى الله تعالى لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها فأطلق المسبب وأراد السبب كقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (سورة آل عمران: الآية ٩٧) والحديث قد استدل به على أن السكنى بالمدينة والمجاورة بها أفضل منها بمكة لأن الترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها والسكنى بها وصلة إليه فيكون ترغيباً في سكناها وتفضيلاً لها على غيرها، ولأنه صح ((لا يصير على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)) ولم يرد في سكنى مدينة نحو ذلك، ولأنه اختار ﷺ ذلك ولم يكن يختار إلا الأفضل، ولأن الإقامة بالمدينة في حياته ﷺ أفضل إجماعاً فيستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه، هذا حاصل ما ذكره السندي في اللباب والسمهودي في وفاء الوفاء للاحتجاج لذلك، وهما من القائلين بأفضلية المجاورة بالمدينة من المجاورة بمكة، وقد رد ذلك علي القاري وابن حجر المكي من شاء البسط
стр. 4534
رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادًا.
٢٧٧٦ – (٢٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة ". رواه الترمذي.
ــ
والتفصيل رجع إلى شرح اللباب للقاري وشرح مناسك النووي لابن حجر وإلى غنية الناسك، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث يحيى بن سعيد المرسل في الفصل الثالث. وقال المناوي: وأخذ من الحديث حجة الإسلام ندب الإقامة بها مع رعاية حرمتها وحرمة ساكنيها، وقال ابن الحاج: حثه على محاولة ذلك بالاستطاعة التي هي بذل المجهود في ذلك فيه زيادة اعتناء بها ففيه دليل على تميزها على مكة في الفضل لإفراده إياها بالذكر هنا. وقال القاري: ليس هذا الحديث صريحاً في أفضلية المدينة على مكة مطلقًا إذ قد يكون في المفضول مزية على الفاضل من حيثية، وتلك بسبب تفضيل بقعة البقيع على الحجون، إما لكونه تربة أكثر الصحابة الكرام أو لقرب ضجيعه عليه الصلاة السلام ولا يبعد أن يراد به المهاجرون فإنه ذم لهم الموت بمكة كما قرر في محله. وقال النووي في شرح مسلم وفي مناسكه: إن المجاورة بهما جميعًا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحظورة (رواه أحمد) (ج ٢: ص ٧٤، ١٠٤) (والترمذي) في أواخر المناقب، وأخرجه أيضًا ابن ماجة في الحج وابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن (ص ٢٥٥) والبيهقي وعبد الحق (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادًا) وفي جامع الترمذي غريب من هذا الوجه من حديث أيوب السختياني (عن نافع عن ابن عمر) والحديث صححه أيضًا عبد الحق. وفي الباب عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية عند البيهقي في الشعب والبزار والطبراني في الكبير نحو حديث ابن عمر، قال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح إلا عبد الله بن عكرمة وروى عنه جماعة ولم يجرحه أحد وعن صميتة الصحابية أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن (ص ٢٥٥) والبيهقي في الشعب والطبراني، وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله ﷺ من ثقيف أنها حدثت صفية بنت أبي عبيد أن رسول الله ﷺ قال: " من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت ". – الحديث. أخرجه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: إسناده حسن ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني.
٢٧٧٦- قوله (آخر قرية) بفتح القاف (من قرى الإسلام) بضم القاف (خرابا) قال المناوي: الخراب ذهاب العمارة والعمارة إحياء المحل وشغله بما وضع له، ذكره الحراني، وفي الكشاف: التخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم (المدينة) خبر وآخر مبتدأ ويجوز عكسه. والمراد بالمدينة المدينة النبوية وهي علم لها بالغلبة فلا يستعمل معرفاً إلا فيها، والنكرة اسم لكل مدينة، ويقال في النسبة للكل مديني وللمدينة النبوية مدني للفرق، وفي الحديث إشارة إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها وهذا ببركة وجوده فيها ﷺ (رواه الترمذي) في أواخر جامعه وأخرجه أيضًا
стр. 4535
وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٧٧٧ – (٢٥) وعن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " إن الله أوحى إليَّ: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنسرين ".
ــ
ابن حبان في صحيحه كما في الموارد (ص ٢٥٧) كلاهما من طريق مسلم بن جنادة عن أبيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة (وقال هذا حديث حسن غريب) لا نعرفه إلا من حديث جنادة عن هشام. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: وقد رمز المصنف يعنى السيوطي لضعفه وهو كما قال، فإن الترمذي ذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فلم يعرفه وجعل يتعجب منه وقال: كنت أرى أن جنادة هذا مقارب الحديث – انتهى. وذكر البخاري جنادة هذا في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وقال الحافظ في التهذيب والذهبي في الميزان: ضعفه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ما أقربه من أن يترك حديث، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: وقال الساجي: حدث عن هشام بن عروة حديثًا منكراً ووثقه ابن خزيمة وأخرج له في صحيحه. وقال في التقريب: هو صدوق له أغلاط – انتهى. قلت: الظاهر أن الترمذي حسن الحديث لكونه جنادة المذكور صدوقًا، قال السبكي: كغيره إذا ضعف الرجل في السند ضعف الحديث من أجله ولم يكن فيه دلالة على بطلانه من أصله، ثم قد يصح من طريق أخرى وقد يكون هذا الضعيف صادقاً ثبتاً في تلك الرواية فلا يدل مجرد تضعيفه والحمل عليه على بطلان ما جاء في نفس الأمر – انتهى. قالوا: وإذا قوى الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثر الطرق، بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد.
٢٧٧٧- قوله (أي هؤلاء الثلاثة) منصوب على الظرفيه بقوله (نزلت) أي للإقامة بها والاستيطان فيها (المدينة) بالجر على البدلية من الثلاثة (أو البحرين) موضع بين بصرة وعمان وقيل بلاد معروفة باليمن، وقال الطيبي جزيزة ببحر عمان (أو قنسرين) بكسر القاف وفتح النون الأولى المشددة ويكسر بلد الشام وهو غير منصرف. قال القاري: هذا الحديث مشكل فإن التي رآها وهو بمكة أنها دار هجرية وأمر بالهجرة إليها هي المدينة كما في الأحاديث التي أصح من هذا، وقد يجمع بأنه أوحى إليه للخيير بين تلك الثلاثة ثم عين له إحداها وهي أفضلها – انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: وفي حديث أبي موسى عند البخاري (في باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة) عن النبي ﷺ رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب. قال الحافظ: ووقع عند البيهقي من حديث صهيب رفعه: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين فإما أن تكون هجر أو يثرب. ولم يذكر اليمامة. وللترمذي من حديث جرير قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى أوحى إلى أي هؤلاء
стр. 4536
رواه الترمذي.
(الفصل الثالث)
٢٧٧٨ – (٢٦) عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ". رواه البخاري.
٢٧٧٩ – (٢٧) وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: " اللهم اجعل بالمدينة ضعفي
ــ
الثلاثة نزلت فذكر الحديث: ثم قال: استغربه الترمذي، وفي ثبوته نظر لأنه مخالف لما في الصحيح من ذكر اليمامة، لأن قنسرين من أرض الشام من جهة حلب بخلاف اليمامة فإنها إلى جهة اليمن إلا أن حمل على اختلاف المأخذ فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها، والثاني يخير بالوحي فيحتمل أن يكون أرى أولاً ثم خير ثانيًا فاختار المدينة انتهى. (رواه الترمذي) في أواخر المناقب عن الحصين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله البجلي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار، وقد تقدم أن الحافظ قال: في ثبوت هذا الحديث نظر لكونه مخالفًا لما في صحيح البخاري. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة غيلان بن عبد الله ذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عن أبي زرعة عن جرير حديثًا منكراً وأخرجه الترمذي وقال: غريب. وقال الذهبي في الميزان: ما علمت روى عنه سوى عيسى بن عبيد، حديثه منكر، ما أقدم الترمذي على تحسينه بل قال: غريب.
٢٧٧٨- قوله (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) بضم الراء وسكون العين أي خوفه وذعره وإذا لم يدخل رعبه فأولى أن لا يدخل هو وسمي الدجال مسيحاً لمسحه الأرض أو لأنه ممسوح العين لأنه أعور وذكر لفظ الدجال بعد المسيح ليتميز عن عيسى المسيح ﵊ وقد تقدم بيان ما هو المراد من عدم دخول رعب الدجال في المدينة في شرح حديث أنس ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)) (لها) أي لسورها (يومئذ سبعة أبواب) أي طرق وأنقاب (على كل باب ملكان) أي اثنان أو نوعان يميناً وشمالاً يحفظانها ويحرسانها منه (رواه البخاري في الحج وفي الفتن وهو من أفراده لم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن نعم أخرجه أحمد (ج ٥: ص ٤١، ٤٣، ٤٦) .
٢٧٧٩- قوله (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي) تثنية ضعف بالكسر أي مثليه بناء على أن ضعف الشيء مثله وهو ما عليه أهل اللغة. قال الجوهري: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله – انتهى. وقال في القاموس: ضعف الشيء بالكسر مثله وضعفاه مثلاه، أو الضعف المثل إلى ما زاد، يقال: لك ضعفه، يريدون مثليه وثلاثة أمثاله لأنه زيادة غير
стр. 4537
ما جعلت بمكة من البركة ". متفق عليه.
٢٧٨٠ – (٢٨) وعن رجل من آل الخطاب، عن النبي ﷺ قال:
ــ
محصورة، وقول الله تعالى: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ (سورة الأحزاب: الآية ٣٠) أي ثلاثة أعذبة، ومجاز يضاعف أي يجعل إلى الشيء شيئان حتى يصير ثلاثة – انتهى. وأما في العرف فضعف الشيء مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله وعليه جرى الفقهاء في الإقرار والوصية فليزم في الوصية بضعف نصيب ابنه مثلاه وبضعفيه ثلاثة أمثاله في قوله ((له عليَّ ضعف درهم)) يلزمه درهمان عملاً بالعرف لا العمل باللغة، والمعني هنا اللهم اجعل بالمدينة مثلي (ما جعلت بمكة من البركة) أي الدنيوية بقرينة قوله في الحديث الآخر ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)) فلا يقال: إن مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصلاة بمكة، أو المراد عموم البركة لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجي، واستدل به على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق، وتكرير الدعاء في حق الشام واليمن بقوله: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، للتأكيد والتأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب فلا يصح مناقضة الاستدلال المذكور بتكرير الدعاء للشام واليمن. قال الأبي: ومعني ((ضعفي ما بمكة)) أن المراد ما أشبع بغير مكة رجلاً أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثة، فالأظهر في الحديث أن البركة إنما هي في الاقتيات، وقال النووي: في نفس المكيل بحيث يكفى المد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها (متفق عليه) أخرجاه في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن علي بلفظ ((اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعا لأهل مكة بالبركة وأنا عبدك ورسولك أدعو لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين)) (أي أدعوك أن تضاعف لهم البركة ضعفي ما باركته لأهل مكة بدعاء إبراهيم) أخرجه أحمد (ج ١: ص ١١٥، ١١٦) والترمذي في فضل المدينة من المناقب والطبراني في الأوسط.
٢٧٨٠- قوله (وعن رجل من آل الخطاب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة على ما في نسخ المشكاة، وكتب ميرك على الهامش ((آل حاطب)) بالحاء المهملة وكسر الطاء ووضع عليه الظاهر وكتب تحته كذا في الترغيب للمنذري ذكره القاري. قلت: قد وقع الاضطراب في سند هذا الحديث فرواه العقيلي وكذا البيهقي في الشعب بلفظ ((عن رجل من آل الخطاب)) ورواه أبو داود الطيالسي ومن طريقه البيهقي في السنن بلفظ ((عن رجل من آل عمر عن عمر)) ورواه البخاري في تاريخه والدارقطني في سننه بلفظ ((عن رجل من ولد حاطب)) وفي رواية ((من آل حاطب)) ثم الرجل المبهم بعضهم يسنده عن عمر كما في رواية البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي وبعضهم يسنده عن حاطب وهو عند الدارقطني وبعضهم يرسله ولا يسنده لا عن حاطب ولا عن عمر وهو الذي ذكره البخاري والعقيلي، ورواية العقيلي بلفظ ((عن
стр. 4538
" من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة ".
٢٧٨١ – (٢٩) وعن ابن عمر مرفوعًا: " من حج فزار قبري بعد موتي، كان كمن زارني في حياتي ".
ــ
رجل من آل الخطاب)) توافق رواية الطيالسي عن رجل من آل عمر، وقيل ((الخطاب)) تصحيف من حاطب (من زارني) أي زيارة مشروعة (متعمدًا) أي لا يقصد غير زيارتي من الأمور التي تقصد في إتيان المدينة من التجارة وغيرها فالمعنى لا يكون مشوبًا بسمعة ورياء وأغراض فاسدة بل يكون عن احتساب وإخلاص ثواب (كان في جواري) بكسر الجيم أي في مجاورتي (ومن سكن المدينة) أي أقام أو استوطن بها (وصبر على بلائها) من حرها وضيق عيشها وفتنة من يسكنها من الروافض وغيرهم من أهل البدع التي فيها نظير ما كان يقع للصحابة من منافقيها (كنت له شهيدًا) أي لطاعته (وشفيعًا) لمعصيته. قال القاري: ويحتمل أن تكون الواو بمعني أو (ومن مات في أحد الحرمين) أي مؤمنًا (بعثه الله من الآمنين يوم القيامة) أي من الفزع الأكبر أو من كل كدورة، وفي الحديث دليل على فضل زيارة النبي ﷺ وفضل سكنى المدينة وفضل الموت في أحد الحرمين، واستدل به على ندب السفر وشد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ وسيأتي الكلام على هذا في شرح الحديث التالي.
٢٧٨١ - قوله (من حج فزار قبري بعد موتي) وفي رواية بعد وفاتي. قال القاري: الفاء التعقيبية دالة على أن الأنسب أن تكون الزيارة بعد الحج كما هو مقتضى القواعد الشرعية من تقديم الفرض على السنة، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة تفصيلاً حسنًا وهو أنه إن كان الحج فرضًا فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثنى بالزيارة، وإن بدأ بالزيارة جاز، وإن كان الحج نفلاً فهو بالخيار فيبدأ بأيهما شاء - انتهى. والأظهر أن الابتداء بالحج أولى لإطلاق الحديث ولتقديم حق الله على حقه ﷺ ؛ ولذا تقدم تحية المسجد النبوي على زيارة مشهده ﷺ انتهى كلام القاري. قلت: وما نقل عن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يبدؤن بالمدينة قبل مكة إذا حجوا ففيه أنهم عللوا ذلك بالإهلال من ميقات النبي ﷺ لقولهم ((نهل من حديث أحرم رسول الله ﷺ )) ولم يعللوه بما توهم من توهم أن ذلك إنما كان لأجل زيارة قبر النبي ﷺ وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها، فلا دلالة في فعلهم على فضل الابتداء بالمدينة على مكة ولا على أن الابتداء بالمدينة كان لقصد الزيارة (كان كمن زارني في حياتي) في الحديث دليل على فضيلة زيارة قبر النبي ﷺ ولا خلاف فيه بل هو أمر مجمع عليه، واستدل به السبكي ومن وافقه على استحباب السفر لمجرد زيارة مشهده ﷺ ، قيل لأن الزيارة شاملة للسفر فإنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور وإذا كانت الزيارة قربة كان السفر إليها قربة، وفيه أنه سلمنا أن الزيارة مطلقة شاملة للسفر
стр. 4539
رواهما البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
ولكن قوله ﷺ : لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، إلخ. مقيد لذلك الإطلاق، على أن لفظ الزيارة مجمل كالصلاة والزكاة فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالإجماع للقطع بأن الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة فلما زار النبي ﷺ القبور وقع ذلك الفعل بيانًا لمجمل الزيارة ولم يثبت السفر لزيارة القبر من فعله ﷺ وكذلك الصلاة والذكر شاملان للصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك الإطلاقات للزم جواز الصلوات والأذكار المبتدعة المحدثة وهذا كله مبني على أن حديث ابن عمر هذا والذي قبله ثابتان صالحان للاستدلال والاحتجاج أو الاستشهاد ودون ذلك خرط القتاد كما ستعرف (رواهما) أي الحديثين السابقين (البيهقي في شعب الإيمان) وروى الحديث الثاني في السنن الكبري أيضًا (ج ٥: ص ٢٤٦) وفي الباب روايات أخرى ذكرها السبكي في شفاء السقام وكلها ضعيفة وفضائل الزيادة مشهورة ومن أنكرها إنما أنكر ما فيها من بدع وخرافات وأمور شركية أو أنكر السفر وإعمال المطي للزيارة لا نفس الزيارة والحديث الأول أخرجه أيضًا العقيلي والدارقطني (ص ٢٧٩، ٢٨٠) والبيهقي في السنن والطيالسي وغيرهم بألفاظ مختصرًا ومطولاً وإسناده مجهول كما قال البيهقي مضطرب اضطراباً شديداً في متنه وسنده كما بينه العلامة ابن عبد الهادي واه جدًا لا يصلح للاحتجاج ومداره على هارون بن قزعة وهو مجهول وشيخه رجل من آل الخطاب أيضًا مجهول والتفصيل في ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) للعلامة الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي، وفي ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)) للعلامة الشيخ محمد بشير المحدث السهسواني فعليك أن تراجعهما. والحديث الثاني وهو حديث ابن عمر أخرجه أيضًا أبو يعلى والدارقطني وابن عدي والطبراني وابن عساكر وفي سنده حفص بن أبي داود سليمان الأسدي القاري وليث بن أبي سليم وفي بعض طرقه الحسن بن طيب وأحمد بن رشدين وكلهم ضعفاء مجروحون وبعضهم متروكون وضاعون. قال الإمام ابن عبد الهادي في الصارم ﷺ (٥٢) : اعلم أن هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله فإنه حديث منكر المتن ساقط الإسناد لم يصححه أحد من الحفاظ ولم يحتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة. قال: والحديث منكر جدًا – انتهى. وحفص بن سليمان المذكور ضعفه الأئمة وتركوه واتهمه بعضهم فقال أحمد ومسلم: هو متروك الحديث. وقال البخاري: تركوه. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: لا يكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك. وقال ابن خراش: كذاب، متروك، يضع الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وروى ابن عدي من طريق الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كان حفص بن سليمان كذابًا. وقال أبو بشر الدولابي في كتاب الضعفاء والمتروكين:
стр. 4540
٢٧٨٢ – (٣٠) وعن يحيى بن سعيد، أن رسول الله ﷺ كان
ــ
حفص بن سليمان متروك الحديث، وقال البيهقي: تفرد به حفص وهو ضعيف في رواية الحديث. وليث بن أبي سليم مضطرب الحديث ضعفه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما، وقد اختلط أخيرًا ولم يتميز حديث فترك، وأما الحسن بن الطيب البلخي فضعفه النسائي وغيره، وكذبه مطين. وأما أحمد بن رشدين فقال ابن عدي: كذبوه فإن قيل: قد روى هذا الحديث من غير رواية حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم، ولو ثبت ضعف حفص بن سليمان فإنه لم ينفرد بهذا الحديث، وقول البيهقي أنه تفرد به بحسب ما اطلع عليه وقد جاء في معجم الطبراني الكبير والأوسط متابعته. فقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن رشدين حدثنا علي بن الحسين بن هارون الأنصاري حدثنا الليث بن بنت الليث بن أبي سليم قال حدثتني جدتي عائشة بنت يونس امرأة الليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي ". فالجواب أن يقال: ليس هذا الإسناد بشيء يعتمد عليه ولا هو مما يرجع إليه بل هو إسناد مظلم ضعيف جدًا لأنه مشتمل على ضعيف لا يجوز الاحتجاج به ومجهول لم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره وابن رشدين شيخ الطبراني قد تكلموا فيه وعلي بن الحسين الأنصاري ليس هو ممن يحتج بحديثه والليث ابن بنت الليث بن أبي سليم وجدته عائشة مجهولان لم يشتهر من حالهما عند أهل العلم ما يوجب قبول روايتهما ولا يعرف لهما ذكر في غير هذا الحديث وليث بن أبي سليم قد تقدم ما فيه من الكلام، والحاصل أن هذا المتابع الذي ذكر من رواية الطبراني لا يرتفع به الحديث عن درجة الضعف والسقوط ولا ينهض إلى رتبة تقتضي الاعتبار والاستشهاد لظلمة إسناده وجهالة رواته وضعف بعضهم واختلاطه واضطراب إسناده، ولو كان الإسناد إلى ليث بن أبي سليم صحيحًا لكان فيه ما فيه فكيف والطريق إليه ظلمات بعضها فوق بعض، كذا في الصارم المنكي (ص ٦٢، ٦٣) وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢٢١) بعد ذكر تخريج هذا الحديث وتفصيل طرقه والكلام في أسانيده وبيان ما وقع فيه من الاختلاف في متنه وسنده ما نصه: فائدة: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة لكن صححه من حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إياه في أثناء الصحاح له وعبد الحق في الأحكام في سكوته عنه، والشيخ تقى الدين السبكي من المتأخرين باعتبار مجموع الطرق – انتهى. قلت: ومن وقف على ما في سند حديث ابن عمر من الكلام لا يخفى عليه ما في صنيع ابن السكن وعبد الحق من التساهل والإهمال، وأما تصحيح السبكي إياه باعتبار مجموع الطرق فقد ناقشه في ذلك ابن عبد الهادي حديثًا حديثًا وبين ما في كلامه من الخطأ والتعسف والزيغ والفساد من: أحب الوقوف على ذلك وعلى اختلاف العلماء في مسألة زيارة قبر النبي ﷺ رجع إلى الصارم المنكي.
٢٧٨٢ – قوله (وعن يحيى بن سعيد) الأنصاري التابعي قد تقدم ترجمته في الجنائز (أن رسول الله ﷺ كان) وفي
стр. 4541
جالسًا وقبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن. فقال رسول الله ﷺ : " بئس ما قلت ". قال الرجل إني لم أرد هذا إنما أردت القتل في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ : " لا مثل القتل
ــ
الموطأ ((قال كان رسول الله ﷺ )) قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أحفظه مسندًا ولكن معناه موجود من رواية مالك وغيره (جالساً) أي في المقبرة (وقبر) الواو حالية (يحفر لميت (بالمدينة) كذا في النسخ المصرية للموطأ ووقع في الهندية ((في المدينة)) وكلام الزرقاني يشير إلى أن الأولى رواية يحيى حيث قال: ولابن وضاح ((في المدينة)) انتهى. قال الباجي: يحتمل أن يكون قصد ذلك لمواصلة من كان القبر يحفر بسببه أو لفضل المقبور فيه ودينه أو للاتعاظ به، ويحتمل أن يكون جلس لغير ذلك فصادف حفر القبر – انتهى. قلت: والظاهر هو الأول، والله أعلم (فاطلع) بتشديد الطاء أي نظر (رجل في القبر فقال) أي الرجل المطلع (بئس مضجع المؤمن) بفتح الميم والجيم بينهما ضاد معجمة موضع الضجوع جمعه مضاجع. قال القاري: مضجع المؤمن بفتح الجيم مرقده ومدفنه. قال الطيبي: أي هذا القبر يعني المخصوص بالذم محذوف، والمعني كون المؤمن يضجع بعد موته في مثل هذا المكان ليس محمودًا – انتهى. وقال الباجي: قول المطلع ((بئس مضجع المؤمن)) يحتمل ظاهر اللفظ أن يريد بذلك المكان وقد يتأوله على ذلك من يسمعه منه فلو أقره النبي ﷺ لاعتقد بعض السامعين له أن النبي ﷺ قد أقره على قوله إن المدينة المنورة بئس مضجع المؤمن - انتهى. (بئس ما قلت) أي حيث أطلقت الذم على مضجع المؤمن مع أن قبره روضة من رياض الجنة (إني لم أرد) بصيغة المتكلم من الإرادة من باب الإفعال (هذا) أي ذم القبر، وقال القاري: أي هذا المعنى أو هذا الإطلاق (إنما أردت القتل في سبيل الله) أي أردت أن الشهادة في سبيل الله أفضل من الموت على الفراش. قال الباجي قوله ((بئس ما قلت)) يحتمل إما أنه قد أراد عيب القبر وتفضيل الشهادة لكن اللفظ لما كان فيه من الاحتمال ما ذكرناه أنكر عليه اللفظ دون المعنى، ويحتمل أن يكون على هذا الوجه أنكر عليه اللفظ والمعنى لأنه لا يجوز أيضًا أن يقول في القبر: بئس مضجع المؤمن. لأنه له روضة من رياض الجنة وسبب إلى الرحمة والدرجة الرفيعة وإنما يجب أن يقول إن الشهادة أفضل من هذا فإذا كان الأمران فاضلين وأحدهما أفضل من الآخر وجب أن يقال هذا أفضل من هذا ولا يجوز أن يقال في المفضول بئس هذا الأمر، وأما المعنى الثاني فأن يكون النبي ﷺ اعتقد أنه أراد بذلك ذم الدفن بالمدينة ولذلك لم ينكر على القائل إذ قال: لم أرد هذا يا رسول الله. وإنما أردت القتل في سبيل الله. ولو كان فهم منه هذا لكان الأظهر أن يقول له قد فهمت مرادك ولكن هو مع ذلك خطأ فإنك قد جئت بلفظ مشترك أو عبت المفضول مع فضله (فقال رسول الله ﷺ ) تقريرًا لمراده (لا مثل القتل) بالنصب أي ليس شيء مثل القتل
стр. 4542
في سبيل الله، ما على الأرض بقعة أحب إليَّ أن يكون قبري بها منها ".
ــ
(في سبيل الله) في الثواب والفضل ولكن للدفن بالمدينة مزيد الفضل، وقوله لا مثل القتل كذا في جميع نسخ المشكاة أي بالإضافة، وفي الموطأ لا مثل للقتل. ثم ذكر ﷺ فضيلة من يموت ويدفن في المدينة سواء يكون بشهادة أو غيرها فقال (ما على الأرض بقعة) بضم الموحدة في الأكثر فيجمع على بقع كغرفة وغرف وتفتح فتجمع على بقاع مثل كلبة وكلاب أي قطعة (أحب) بالرفع وقيل بالنصب وفي الموطأ ((هي أحب)) (أن يكون قبري بها) أي بتلك البقعة (منها) أي من المدينة. قال الباجي: ظاهره تفضيل المدينة على ما سواها من الأرض ولذلك أحب أن يكون قبره بها وهذا يقتضي أنه أحب أن يكون قبره بها دون مكة، وقد قيل إن ذلك لمعنى الهجرة، قال الباجي: وليس عندي بالبين لأنه لو كان كذلك لم يلعق الحكم بالبقعة ولعلقه بالهجرة والله أعلم. وهذا في حال الإخبار وليس فيه دليل على أنه فضل أن يكون قبره بالمدينة على القتل في سبيل الله على صفة لا يقبر فيها - انتهى. وقال القاري: قد أجمع العلماء على أن الموت بالمدينة أفضل بعد اختلافهم أن المجاورة بمكة أفضل أو بالمدينة، ولهذا كان من دعاء عمر ﵁ ((اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك)) أخرجه البخاري. وقال الطيبي: معنى قوله ((إني لم أرد هذا)) إلخ. أني ما أردت أن القبر بئس مضجع المؤمن مطلقًا بل أردت أن موت المؤمن في الغربة شهيدًا خير من موته في فراشه وبلده وأجاب رسول الله ﷺ بقوله لا مثل القتل، أي ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله أي الموت في الغربة بل هو أفضل وأكمل، فوضع قوله ما على الأرض بقعة، إلخ. موضع قوله بل هو أفضل وأكمل فإذا لا بمعنى ليس واسمه محذوف والقتل خبره - انتهى. قال القاري: هو بظاهره يخالف ما عليه الإجماع من أن الشهادة في سبيل الله أفضل من مجرد الموت بالمدينة، بل تقدم في الحديث ما يدل على أن الموت في الغربة أفضل من الموت بالمدينة فتكون الفضيلة الكاملة أن يجمع له ثواب الغربة والشهادة بالدفن بالمدينة -انتهى. قلت: أراد القاري بقوله بل تقدم في الحديث، إلخ. ما مر في أوائل الجنائز من حديث عبد الله بن عمرو قال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه النبي ﷺ فقال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: " إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة ". وتقدم أيضًا ما رواه ابن عباس مرفوعًا: ((موت غربة شهادة)) وحديث عبد الله بن عمرو بظاهره يخالف الحديث الذي نحن في شرحه ولذا قال القاري في تأويله: ظاهره تخصيص أهل المدينة من عموم ما اتفق عليه العلماء من أن الموت بالمدينة أفضل من مكة مع اختلافهم في أفضلية المجاورة فيهما - انتهى. وقال الشيخ سلام الله الدهلوي في المحلي شرح الموطأ: قوله ((لا مثل للقتل)) أي ليس الموت في المدينة مثل القتل في سبيل الله بل هو أفضل، وقوله ما على الأرض، إلخ. دليل على الأفضلية هكذا فسر الطيبي فعلم منه أن الموت والدفن فيها أفضل من الشهادة. قال
стр. 4543
ثلاث مرات. رواه مالك مرسلاً.
٢٧٨٣ – (٣١) وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ ، وهو بوادي العقيق
ــ
جدي الشيخ الأجل الدهلوي: وقد يختلج أن الظاهر على هذا التقدير أن يقال ليس القتل في سبيل الله مثل الموت في المدينة، ويحتمل أن يكون معناه نعم ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله بل القتل أفضل ولكن إن لم يرزق الشهادة فالموت بالمدينة والقبر فيها أفضل من الموت في سائر البلاد، وهذا احتمال لفظي، ولا شك أن المعنى الأول أبلغ وأدخل في فضيلة المدينة - انتهى. قال الشيخ سلام الله: ويشهد لما قاله الشيخ إيراد الإمام مالك هذا الحديث في أبواب فضائل الجهاد ولو كان المعنى كما فسره الطيبي كان ينبغي إيراده في أبواب فضائل المدينة في آخر الكتاب – انتهى. هذا وقد ظهر بما ذكرنا من كلام الباجي والقاري والطيبي وصاحب المحلى أن ها هنا ثلاثة مسائل متقاربة يمكن أن تلتبس على القارئ، الأولى أن القتل في سبيل الله أفضل من الموت بالمدينة عند الجمهور وقد ادعى القاري الإجماع على ذلك خلافًا لما يدل عليه كلام الطيبي من أن الموت والدفن في المدينة أفضل من الشهادة. والثانية أن الموت بالمدينة أفضل من الموت في الغربة كما هو نص آخر حديث الباب. والثالث أنه قد استدل بعضهم بحديث الباب على أفضلية المدينة على مكة وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك. قال القاري: ليس في الحديث دلالة على أفضلية المدينة بل لأفضلية البقعة المكينة، وقد قام الإجماع على أنها أفضل من مكة (ثلاث مرات) قال القاري: ظرف لجميع المقول الثاني أو للفصل الثاني من الكلام – انتهى. قال الباجي: وإنما قال ذلك ثلاث مرات لما علم من حاله أنه كان إذا قال قولاً كرره ثلاثًا يريد بذلك الإفهام والبيان – انتهى، وفي الحديث حضوره ﷺ الجنائز وحفر القبر والدفن للموعظة والاعتبار ورقة القلب ليتأسى به فيه ويكون سنة بعده وأن الكلام يحمل على ظاهره فيحمد على حسنه ويلام على ضده حتى يعلم مراد قائله فيحمل عليه دون ظاهره، قاله الزرقاني (رواه مالك) في الجهاد (مرسلاً) لأنه روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من التابعين، وإذا حذف التابعي ذكر الصحابي يسمى الحديث مرسلاً. وقد تقدم أن ابن عبد البر قال: هذا الحديث لا أحفظه مسنداً ولكن معناه موجود من رواية مالك وغيره.
٢٧٨٣- قوله (سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق) كذا في المشكاة وجامع الأصول والمنتقى، وهكذا عند أحمد، ولفظ البخاري في الحج ((سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق)) أي بدون لفظة هو. قال العيني: قوله بوادي العقيق حال والباء بمعنى في – انتهى. والمراد بالعقيق هنا الموضع القريب من ذي الحليفة، بينه وبين المدينة أربعة أميال وهناك أعقة أخرى غير هذا. منها العقيق الذي بحذاء ذات عرق ميقات أهل المشرق، وقد تقدم ذكره في
стр. 4544
يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك. وقل: عمرة في حجة ".
ــ
المواقيت. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند: العقيق ها هنا أي في حديث عمر هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منها كما قال ياقوت في معجم البلدان وكما فسره الوليد بن مسلم هنا (حيث قال أحمد بعد تمام الحديث قال الوليد بن مسلم يعني ذا الحليفة) ووهم ابن الأثير في النهاية فجعله العقيق الذي بالمدينة – انتهى. (آت) فاعل أتي وأصله آتي فأعل إعلال قاض، وهو جبريل. قال العيني: صرح في رواية البيهقي أنه جبريل ﵊ (من ربي) أي جاءني البارحة من عنده (صل) أمر بالصلاة. قال الكرماني: ظاهره أن هذه الصلاة صلاة الإحرام، وقيل كانت صلاة الصبح والأول أظهر (في هذا الوادي المبارك) يعني وادي العقيق (وقل عمرة في حجة) برفع عمرة في أكثر الروايات وبنصبها في بعضها، أما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: قل هذه عمرة في حجة وأما وجه النصب فبإضمار فعل تقديره ((قل جعلت عمرة في حجة)) وقوله ((في)) بمعنى مع كأنه قال عمرة معها حجة، فيكون دليلاً على أنه ﷺ كان قارنًا، وأبعد من قال: معناه عمرة مدرجة في حجة أي إن عمل العمرة يدخل في عمل الحج فيجزئ لهما طواف واحد، وكذا أبعد من قال معناه: أنه يعتمر في تلك السنة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله. وهذا أبعد من الذي قبله لأنه ﷺ لم يفعل ذلك. وقال الطبري: يحتمل أن يكون أمر أن بقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القران، والمعنى ((قل ذلك لأصحابك)) أي أعلمهم أن القران جائز، وهو كقوله: دخلت العمرة في الحج. واعترضه ابن المنير فقال: ليس نظيره لأن قوله ((دخلت)) إلخ. تأسيس قاعدة وقوله ((عمرة في حجة)) بالتنكير يستدعي الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القران إذ ذاك. قال الحافظ: ويؤيده ما في كتاب الاعتصام بلفظ ((عمرة وحجة)) بواو العطف، وفي الحديث فضل العقيق لفضل المدينة وفيه فضل الصلاة فيه ومطلوبيتها عند الإحرام لا سيما في هذا الوادي المبارك وهو مذهب العلماء كافة إلا ما روي عن الحسن البصري فإنه استحب كونها بعد فرض، وقال الطبري: ومعنى الحديث الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الإجماع على أن الصلاة في هذا الوادي ليست بفرض قال: فبان بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير حثه لأمته على الصلاة في مسجده ومسجد قباء، قال العيني: الصلاة بركعتين من سنة الإحرام لأنه ﷺ أمر بذلك أمر إرشاد وأنه صلى ركعتين. وفيه أفضلية القران والدلالة على وجوده وعلى أن النبي ﷺ كان قارنًا في حجة الوداع وذلك لأنه أمر أن يقول عمرة في حجة، فيكون مأمورًا بأنه يجمع بينهما من الميقات وهذا هو عين القران، فإذا كان مأمورًا به استحال أن يكون حجه خلاف ما أمر به، فإن قلت: لا يدل ذلك على أن أفضلية القران ولا على كون النبي ﷺ قارنًا؛ لأنه جاء في رواية أخرى ((قل عمرة وحجة)) ففصل بينهما بالواو فحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ
стр. 4545
وفي رواية: " وقل عمرة وحجة ". رواه البخاري.
ــ
من حجته قبل أن يرجع إلى منزله فكأنه قال: إذا حججت فقل ((لبيك بعمرة)) وتكون في حجتك التي حججت فيها أو يكون محمولاً على معنى تحصيلهما معًا. قلت: رواية البخاري وغيره: ((قل عمرة في حجة)) وهذه هي الصحيحة وهي تدل على أنه ﷺ أمر أن يجعل العمرة في الحجة صفة وهي القران والرواية التي بواو العطف تدل على ما قلنا أيضًا لأن الواو لمطلق الجمع والجمع بين الحج والعمرة هو القران فيدل أيضًا على أنه ﷺ كان قارنًا، وما ذكروه من الاحتمال بعيد، وصرف اللفظ إلى غير مدلوله فلا يقبل، كذا في العمدة للعيني. وذكر الحافظ أن البيهقي أجاب عن حديث عمر نصرة لمن قال إنه ﷺ كان مفردًا: بأن جماعة رووه بلفظ ((صل في هذا الوادي، وقال عمرة في حجة)) قال: وهؤلاء أكثر عددًا ممن رواه ((وقل عمرة في حجة)) فيكون إذنًا في القران لا أمرًا النبي ﷺ في حال نفسه - انتهى. قال الشوكاني: وظاهر حديث عمر هذا أن حجه ﷺ القران كان بأمر من الله فكيف يقول ﷺ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة؟ فينظر في هذا فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطيبًا لخواطر أصحابه فقد تقدم أنه تغرير لا يليق نسبة مثله إلى الشارع - انتهى. قلت: قد بسط الإمام ابن القيم الكلام في ترجيح القران وأحسن في تقرير الجواب عن الإشكال المذكور فارجع إلى زاد المعاد (ج ١: ص ١٩٦) (وفي رواية) للبخاري في كتاب الاعتصام (وقل عمرة وحجة) بواو العطف وبالرفع فيهما، وقد تقدم أن الواو لمطلق الجمع والجمع بين الحج والعمرة هو القران فهذه الرواية أيضًا تدل على أنه ﷺ كان قارنًا. قال القاري: لما كان هذا الوادي بقرب المدينة وما حولها يدخل في فضلها ذكر المصنف هذا الحديث في هذا الباب، والله تعالى أعلم (رواه البخاري) في الحج وفي المزارعة وفي الاعتصام، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٤) وأبو داود وابن ماجة والبيهقي في الحج.
********
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء التاسع من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح
ويليه الجزء العاشر إن شاء الله تعالى، وأوله
((كتاب البيوع))