كما في حديث الأوعال: "والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه"، فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، بل كلاهما حق" اهـ.
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. ولا يعد ذلك تناقضا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض. فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق، ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى، وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في "الفتوى الحموية" (ص ١٠٣) المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى" لابن القاسم، حيث قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة) اه.
وصدق رحمه الله تعالى، فإن من كان عالما بك، مطلعا عليك، مهيمنا عليك، يسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك؛ فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة، لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق، لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حق الخالق، الذي جمع لنفسه بينهما، لأن الله
стр. 72
تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في "العقيدة الواسطية" (ص ١٤٣، ج ٣) من "مجموع الفتاوى"، حيث قال: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه) اه.
تتمة
انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة، ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة، مع ثبوت علوه بذاته، واستوائه على عرشه.
وهؤلاء هم السلف. ومذهبهم هو الحق، كما سبق تقريره.
القسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع نفي علوه واستوائه على عرشه.
وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم. ومذهبهم باطل منكر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره، كما سبق.
القسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع ثبوت علوه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيميه (ص ٢٢٩، ج ٥) من "مجموع الفتاوى".
стр. 73
وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو. وكذبوا في ذلك فضلوا، فإن نصوص المعية لا تقضي ما ادعوه من الحلول، لأنه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله ﷺ باطلاً.
تنبيه
اعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم، بل تقتضي أيضا إحاطته بهم سمعا وبصرًا وقدرةً وتدبيرًا، ونحو ذلك من معاني ربوبيته.
تنبيه آخر
أشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع:
أما الكتاب: فقد تنوعت دلالته على ذلك.
فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ .
وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .
وتارة بلفظ نزول الأشياء منه، ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ .
وأما السنة: فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة، كقوله صلى الله عليه
стр. 74
وسلم في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". وقوله: "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي". وقوله: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ". وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: "اللهم أغثنا". وأنه رفع يده إلى السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: "اللهم اشهد". وأنه قال للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. فأقرها، وقال لسيدها: "أعتقها، فإنها مؤمنة ".
وأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال، والسفل نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو، وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة: فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية، فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو، لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين، يقول الواحد منهم في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" أين تتجه قلوبهم حينذاك؟.
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه. وكلامهم مشهور في ذلك نصا وظاهرًا، قال الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات) ، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد
стр. 75
من أهل العلم، ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف، وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة، التي لا يخالفها إلا مكابر طمس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلاً، وأحق الأشياء وأثبتها واقعا.
تنبيه ثالث
اعلم أيها القارئ الكريم أنه صدر مني كتابة لبعض الطلبة، تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معية الله تعالى لخلقه، وذكرت فيها:
أن عقيدتنا: أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علما وقدرةً وسمعا وبصرًا وسلطانا وتدبيرًا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله، وأن ذلك لا ينافي معيته، لأنه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وأردت بقولي (ذاتية) توكيد حقيقة معيته تبارك تعالى.
وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض، كيف؟، وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى: أنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. وقلت فيها أيضا ما نصه بالحرف الواحد:
"ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها"اهـ.
стр. 76
ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول: إن الله مع خلقه في الأرض. ومازلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس من مجالسي، جرى فيه ذكره. وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
هذا، وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نشر في مجلة (الدعوة) التي تصدر في الرياض، نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم، سنة ١٤٠٤ هـ أربع وأربعمائة وألف، برقم: ٩١١، قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: من أن معية الله تعالى لخلقه حق على حقيقتها، وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق، فضلاً عن أن يستلزمه. ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية) ١، وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية.
واعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض، أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي علوه، أو نفي استوائه على عرشه، أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى؛ فإنها كلمة باطلة، يجب إنكارها على قائلها كائنا من كان، وبأي لفظ كانت.
وكل كلام يوهم ولو عند بعض الناس ما لا يليق بالله تعالى فإن الواجب تجنبه، لئلا يظن بالله تعالى ظن السوء، لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسولهصلى الله عليه وسلم فالواجب إثباته، وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله .
المثال السابع والثامن: قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
стр. 77
وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة.
والجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفا للكلام عن ظاهره لمن تدبره.
أما الآية الأولى: فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك، حيث قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، ففي قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ دليل على أن المراد به: قرب الملكين المتلقيين.
وأما الآية الثانية: فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار، والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ، ثم إن في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ دليلاً بينا على أنهم الملائكة، إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره، وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة، لاستحالة ذلك في حق الله تعالى.
بقى أن يقال: فلماذا أضاف الله القرب إليه، وهل جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة؟.
فالجواب: أضاف الله تعالى قرب ملائكته إليه لأن قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله.
وقد جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
стр. 78
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، فإن المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله ﷺ ، مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه، لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي ﷺ بأمر الله تعالى صحت إضافة القراءة إليه تعالى. وكذلك جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ، وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى.
المثال التاسع والعاشر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ، وقوله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ .
والجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته، لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟.
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله، أو أن موسى ﵊ يُرَبَّى فوق عين الله تعالى؟.
أو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها.
ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
стр. 79
مُبِينٍ﴾ ، ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني. أن المعني: أنه يسير داخل عينه. ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني. أن تخرجه كان وهو راكب على عينه. ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء.
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى، لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، لا يحل فيه شيء من مخلوقاته، ولا هو حال في شيء من مخلوقاته، عن ذلك علوًا كبيرًا.
فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية، تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني: أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها.
وهذا معنى قول بعض السلف: (بمرأى منى) ، فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه، ولازم المعنى الصحيح جزء منه، كما هو معلوم من دلالة اللفظ، حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام.
المثال الحادي عشر: قوله تعالى في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".
стр. 80
والجواب: أن هذا الحديث صحيح، رواه البخاري في باب التواضع، الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.
وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث، وأجروه على حقيقته. ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟.
هل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سَمْعَ الوَلِيّ وبصره ويده ورجله؟.
أو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟.
ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام، بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث، فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الأول: أن الله تعالى قال: " وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه"، وقال: "لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ". فأثبت عبدًا ومعبودًا، ومتقربا ومتقربا إليه، ومحبا ومحبوبا، وسائلاً ومسئوولاً، ومعطيا ومعطى، ومستعيذًا ومستعاذًا به، ومعيذًا ومعاذًا. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين، كل واحد منهما غير الآخر. وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفا في الآخر أو جزءًا من أجزائه.
الوجه الثاني: أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو
стр. 81
أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعا وبصرًا ويدًا ورجلاً لمخلوق، بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره، ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير، فكيف يسوغ أن يقال إنه ظاهر الحديث القدسي، وأنه قد صرف عن هذا الظاهر؟. سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه، تعين القول الثاني، وهو: أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعا واتباعا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل، ولا صرف للكلام عن ظاهره. ولله الحمد والمنة.
المثال الثاني عشر: قوله ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: "من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة".
وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، من حديث أبي ذر رضى الله عنه، وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضا. وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضى الله عنه في كتاب التوحيد، الباب الخامس عشر.
стр. 82
وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، وأن سبحانه فعال لما يريد، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقوله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"، وقوله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه"، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.
فقوله في هذا الحديث: تقربت منه وأتيته هرولة؛ من هذا الباب.
والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله ، من غير تكييف ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في شرح حديث النزول، (ص ٤٦٦، ج ٥) من "مجموع الفتاوى": "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستوائه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر"اهـ.
فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟، وأيّ مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟.
стр. 83
وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد، على الوجه الذي به يليق؟.
وذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: "أتيته هرولة" يراد به: سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه، المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل. وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال: "ومن أتاني يمشي" ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله ، الطالب للوصول إليه، لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله، ونحوها. وتارة بالركوع والسجود ونحوهما. وقد ثبت عن النبي ﷺ أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ، وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
قال: فإذا كان كذلك، صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل.
وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.
وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره، ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة. ولله الحمد.
стр. 84
وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف.
ويجاب عن من جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى، وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي: بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه، بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها كالطواف والسعي. والله تعالى أعلم.
المثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ ؟.
والجواب: أن يقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها، حتى يقال: إنها صرفت عنه؟
هل يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده، كما خلق آدم بيده؟.
أو يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها؛ معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن.
أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ
стр. 85
الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ، فإن المراد: ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده، بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ، فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد.
الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده، لكان لفظ الآية: خلقنا لهم بأيدينا أنعاما. كما قال الله تعالى في آدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ، لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية، لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
وإذا ظهر بطلان القول الأول، تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو: أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، ولم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية، بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء إلى اليد، فتنبه للفرق، فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبه يزول كثير من الإشكالات.
المثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
والجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين:
الجملة الأولى: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ .
وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهرها وحقيقتها. وهي صريحة في أن الصحابة
стр. 86
رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي ﷺ نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .
ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدّعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لمنافاته لأول الآية والواقع، واستحالته في حق الله تعالى.
وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول ﷺ مبايعة له لأنه رسوله، وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى، ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله، لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله، لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وفي إضافة مبايعتهم الرسول ﷺ إلى الله تعالى من تشريف النبي ﷺ وتأييده، وتوكيد هذه المبايعة، وعظمها، ورفع شأن المبايعين؛ ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، وهذه أيضا على ظاهرها وحقيقتها، فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين، لأن يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم.
وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته، وهو لتوكيد كون مبايعة النبيصلى الله عليه وسلم مبايعة لله ، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم، ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا، مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا. فيد الله فوق أيدي
стр. 87
المبايعين لرسوله ﷺ مع مباينته تعالى لخلقه، وعلوه عليهم.
ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يد النبيصلى الله عليه وسلم، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ، لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه، ووصفها بأنها فوق أيديهم. ويد النبي ﷺ عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم، فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.
المثال الخامس عشر: قوله تعالى: في الحديث القدسي: "يابن آدم، مرضت فلم تعدني" الحديث.
وهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض، من كتاب البر والصلة والآداب، رقم: ٤٣ (ص ١٩٩٠) ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي.
رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يارب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟. قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟. يابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني. قال: يارب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟. قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟. يابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يارب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي".
стр. 88
والجواب: أن السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به.
فقوله تعالى: مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك، بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان. وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله، والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء، وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولاً للترغيب والحث، كقوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ .
وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل، الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، وإنما يحرفونها بشبه باطلة، هم فيها متناقضون مضطربون.
إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما يقولون لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولو كان ظاهرها ممتنعا على الله كما زعموا لبينه الله ورسوله ﷺ كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعا على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة، وهذا من أكبر المحال.
ولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراسا لغيرها، وإلا فالقاعدة عند
стр. 89
أهل السنة والجماعة معروفة، وهي: إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في قواعد نصوص الصفات.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 90
الخاتمة
إذا قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات، ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل لأكثر الصفات، فكيف يكون مذهبهم باطلاً، وقد قيل إنهم يمثلون اليوم خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين؟.
وكيف يكون باطلاً وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟.
وكيف يكون باطلاً وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم؟.
قلنا: الجواب عن السؤال الأول: أننا لا نسلم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين، فإن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق.
ثم لو سلمنا أنهم بهذا القدر أو أكثر فإنه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ، لأن العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر.
ثم نقول: إن إجماع المسلمين قديما ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل، فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة، وهم الصحابة الذين هم خير القرون والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم، كانوا مجمعين
стр. 91
على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وإجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهم خير القرون بنص الرسول ﷺ ، وإجماعهم حجة ملزمة، لأنه مقتضى الكتاب والسنة، وقد سبق نقل الإجماع عنهم في القاعدة الرابعة من قواعد نصوص الصفات.
والجواب عن السؤال الثاني: أن أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يدعون لأنفسهم العصمة من الخطأ، بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلا حين عرفوا قدر أنفسهم، ونزّلوها منزلتها، وكان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسنة ما استحقوا به أن يكونوا أئمة، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، وقال عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ثم إن هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه لم يقتدوا به الإقتداء الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وذلك أن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة:
المرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال.
اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عاما، يقرره، ويناظر عليه، ثم رجع عنه، وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم١.
стр. 92
المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسنة المحضة.
سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (١) ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه (ص ٤٧١) من المجلد السادس عشر من "مجموع الفتاوى" لابن قاسم: "والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية، أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحا، ومن هؤلاء أصولاً عقلية ظنوها صحيحة، وهي فاسدة" اه.
المرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث.
مقتديا بالإمام أحمد بن حنبل ﵀، كما قرره في كتابه: "الإبانة عن أصول الديانة"، وهو من آخر كتبه أو آخرها.
قال في مقدمته: "جاءنا يعني النبي ﷺ بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتين، من تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى.
وحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله ﷺ ، فقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ " إلى أن قال: "فأمرهم بطاعة رسوله ﷺ كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه ﷺ كما أمرهم بالعمل بكتابه، فنبذ كثير ممن غلبت شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان، سنن نبي الله ﷺ وراء ظهورهم، وعدلوا إلى
стр. 93
أسلاف لهم قلدوهم بدينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن رسول الله ﷺ ، ورفضوها، وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين"
ثم ذكر ﵀ أصولاً من أصول المبتدعة وأشار إلى بطلانها ثم قال:
فان قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ، وبسنة نبينا ﷺ ، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل) ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يده من الحق، وذكر ثبوت الصفات، ومسائل في القدر والشفاعة، وبعض السمعيات، وقرر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية.
والمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له ... إرادة وكذلك السمع والبصر
على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها.
стр. 94
ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه ما قيل في شأن الأشعرية (ص ٣٥٩) من المجلد السادس من "مجموع الفتاوى" لابن قاسم قال: "ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب "الإبانة" الذي صنفة الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة". وقال قبل ذلك في (ص ٣١٠) : "وأما الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آيه الكرسي وآيه الدين والتوراة والإنجيل واحد، وهذا معلوم الفساد بالضرورة" اهـ.
وقال تلميذه ابن القيم في "النونية" (ص ٣١٢) من شرح الهراس، ط الإمام:
واعلم بأن طريقهم عكس ال ... طريق المستقيم لمن له عينان
إلى أن قال:
فاعجب لعميان البصائر أبصروا ... كون المقلد صاحب البرهان
ورأوه بالتقليد أولى من سوا ... هـ بغير ما بصر ولا برهان
وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا ...
ومعناهما عجبا لذي الحرمان
стр. 95
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان" (ص ٣١٩، ج ٢) على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه، التي في سورة الأعراف: (اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معني الاستواء واليد مثلاً في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا) قال: "ولا يخفي على أدنى عاقل أن حقيقة معني هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله تعالى، والقول فيه بما لا يليق به عز وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لم يبين حرفا واحدًا من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه. وكل هذا من تلقاء أنفسهم، من غير اعتماد على كتاب أو سنة. سبحانك هذا بهتان عظيم.
ولا يخفي أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله ورسوله ﷺ .
والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وَصَف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث" قال: "وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو
стр. 96
منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟. لا، والله لا ينكر ذلك إلا مكابر.
والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولاً، ومعطلاً ثانيا، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال، ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال، الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " انتهى كلامه ﵀.
والأشعري أبو الحسن ﵀ كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
ومذهب الإنسان ما قاله أخيرًا إذا صرح بحصر قوله فيه، كما هي الحال في أبي الحسن، كما يعلم من كلامه في "الإبانة".
وعلى هذا: فتمام تقليده اتباع ما كان عليه أخيرًا، وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة، لأنه المذهب الصحيح الواجب الاتباع، الذي التزم به أبو الحسن نفسه.
стр. 97
والجواب عن السؤال الثالث من وجهين:
الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق. هذا هو الميزان الصحيح، وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال، فإن الإنسان بشر، يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل دينا وذا خلق، ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين، أو مذهب معين، لا يكاد يعرف غيره، فيظن أن الصواب منحصر فيه، ونحو ذلك.
الثاني: أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف، وجدنا في هذه الطريق من هم أجل وأعظم وأهدى وأقوم من الذين على طريق الأشاعرة، فالأئمة الأربعة أصحاب المذهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة.
وإذا ارتقيت إلى من فوقهم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة.
وإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف.
ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام، والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه
стр. 98
وسلم رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم ورده، لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق.
ولا ننكر أيضا أن لبعضهم قصدًا حسنا فيما ذهب إليه، وخفي عليه الحق فيه، ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله، بل لا بد أن يكون موافقا لشريعة الله ، فإن كان مخالفا لها وجب رده على قائله كائنا من كان، لقول النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
ثم إن كان قائله معروفا بالنصيحة والصدق في طلب الحق، اعتذر عنه في هذه المخالفة، وإلا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته.
فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟.
قلنا: الحكم بالتفكير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته، حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأن في ذلك محذورين عظيمين:
стр. 99
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالما منه، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما"، وفي رواية: "إن كان كما قال وإلا رجعت عليه"، وفيه عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : "ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه".
وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط: أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافرا أو فاسقا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ .
стр. 100
ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يبين له.
ومن الموانع: أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور:
منها: أن يكره على ذلك، فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئنانا به، فلا يكفر حينئذ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ومنها: أن يغلق عليه فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك.
ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح".
قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (ص ١٨٠، ج ١٢) "مجموع الفتاوى" لابن قاسم: "وأما التكفير، فالصواب: أن من اجتهد من أمة محمد ﷺ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول ﷺ ،
стр. 101
فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبع هواه، وقَصَّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم، فهو عاصٍ مذنب. ثم قد يكون فاسقا، وقد يكون له حسنات تَرْجَحُ على سيئاته" اهـ.
وقال في (ص ٢٢٩، ج ٣) من المجموع المذكور في كلام له: "هذا، مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وأني أقرر: أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية. ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية" وذكر أمثلة، ثم قال: "وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين" إلى أن قال: "والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا.
стр. 102
وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علّي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدًا من العالمين. ففعلوا به ذلك، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟. قال خشيتك. فغفر له.
فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّيَ، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه. فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من مثل هذا" اهـ.
وبهذا علم الفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فليس كل قول أو فعل يكون فسقا أوكفرًا يحكم على قائله أو فاعله بذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (ص ١٦٥، ج ٣٥) "مجموع الفتاوى": "وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ﷺ ، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 103
قالها) إلى أن قال: (فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان" اه كلامه.
وبهذا علم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفرًا أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرًا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه.
ومن تبين له الحق فأصر على مخالفته تبعا لاعتقاد كان يعتقده، أو متبوع كان يعظمه، أو دنيا كان يؤثرها، فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق.
فعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فيجعلهما إماما له، يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما، فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به، في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين، فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة، فيجعل الكتاب والسنة تابعين لا متبوعين، وما سواهما إماما لا تابعا، وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى، لا أتباع الهدى، وقد ذم الله هذه الطريق في قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
стр. 104
والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب، ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق، والاستعاذة من الضلال والانحراف.
ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه، عالما بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه فهو حري أن يستجيب الله تعالى سُؤْلَه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن رأى الحق حقا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلحاء مصلحين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.
والصلاة والسلام على نبي الرحمة، وهادي الأمة إلى صراط العزيز الحميد بإذن ربهم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم في اليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة ١٤٠٤ هـ.
بقلم مؤلفه الفقير إلى الله محمد بن صالح العثيمين
стр. 105
نص الكلمة التي نشرناها في مجلة الدعوة في عدد: (٩١١) ، الصادر يوم الاثنين، الموافق: ٤/١/١٤٠٤ هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد:
فقد كنا تكلمنا في بعض مجالسنا على معنى معية الله تعالى لخلقه، ففهم بعض الناس من ذلك ما ليس بمقصود لنا ولا معتقد لنا، فكثر سؤال الناس وتساؤلهم ماذا يقال في معية الله لخلقه؟.
وإننا:
أ- لئلا يعتقد مخطئ أو خاطئ في معية الله ما لا يليق به.
ب- ولئلا يتقول علينا متقول ما لم نقله أو يتوهم واهم فيما نقوله ما لم نقصده.
ج- ولبيان معنى هذه الصفة العظيمة التي وصف الله بها نفسه في عدة
стр. 106
آيات من القرآن ووصفه بها نبيه محمدصلى الله عليه وسلم.
نقرر ما يأتي:
أولاً: معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، وقال تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، وقال عن رسوله محمد ﷺ : ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، وقال النبي ﷺ : "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" حسّنه شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية، وضعفه بعض أهل العلم، وسبق قريبا ما قاله الله تعالى عن نبيه ﷺ من إثبات المعية له.
وقد أجمع السلف على إثبات معية الله تعالى لخلقه.
ثانيا: هذه المعية حق على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله تعالى، ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق، لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وكسائر صفاته الثابتة له حقيقة على وجه يليق به ولا تشبه صفات المخلوقين.
قال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الصفات الواردة كلها في
стр. 107
القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محدودة"اه. نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيميه في "الفتوى الحموية" (ص ٨٧) من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم.
وقال شيخ الإسلام في هذه الفتوى (ص ١٠٢) من المجلد المذكور:
"ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يعني مما جاء في الكتاب والسنة يناقض بعضه بعضا البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر، من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه" ونحو ذلك، فإن هذا غلط، وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأخبر أنه فوق العرش، يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه".
وذلك أن كلمة "مع" في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا والقمر معنا، أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان
стр. 108
فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة" اه كلامه.
ثالثا: هذه المعية تقتضي الإحاطة بالخلق علما وقدرةً وسمعا وبصرًا وسلطانا وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته إن كانت المعية عامة لم تخص بشخص أو وصف، كقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ .
فإن خصت بشخص أو وصف اقتضت مع ذلك النصر والتأييد والتوفيق والتسديد.
مثال المخصوصة بشخص: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، وقوله عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
ومثال المخصوصة بوصف: قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وأمثالها في القرآن كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتوى الحموية (ص ١٠٣) من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم قال: "ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى
стр. 109
صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الإطلاع والنصر والتأييد، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد".
إلى أن قال: "ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف المواضع"اه.
وقال محمد بن الموصلي في كتاب "استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لابن القيم في المثال التاسع (ص ٤٠٩) ط الإمام:
"وغاية ما تدل عليه "مع" المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وهذا الاقتران في كل موضع بحسبه، ويلزمه لوازم بحسب متعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد والمعونة.
فمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة وخاصة. وقد اشتمل القرآن على النوعين، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي، بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة" اهـ.
وذكر ذلك ابن رجب في شرح الحديث التاسع والعشرين من الأربعين
стр. 110
النووية: "أن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وأن العامة تقتضي علمه وإطلاعه ومراقبته لأعمالهم".
وقال ابن كثير في تفسير آية المعية في سورة المجادلة:"ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه المعية معية علمه" قال: "ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء"اه.
رابعا: هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالاً في أمكنتهم، ولا تدل على ذلك بوجه من الوجوه، لأن هذا معنى باطل مستحيل على الله ، ولا يمكن أن يكون معنى كلام الله ورسوله ﷺ شيئا مستحيلاً باطلاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية (ص ١١٥) ط ثالثة، من شرح محمد خليل الهراس: (وليس معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان"اه.
ولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إلا الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.