← Акыда

Акыда · id 8905

المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (64 стр.). Показаны 36–64 · переход к 41.

стр. 36

ولا يُنكأ به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له:“أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف، أو كره الخذف، وأنت تخذف؟ لا أكلمك كذا وكذا”، وفي رواية مسلم “لا أكلمك أبداً” ١. قال ابن حجر:“وفي الحديث جواز هجران من خالف، وترك كلامه”٢. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :“لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد” فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا، قال: فما كلمه عبد الله حتى مات٣. فهذه أدلة صريحة تدل على هجر العاصي زجراً له وتأديباً، لعله يرتدع وينزجر عن فعله. قال القاضي أبو يعلى:“فأمروا بهجر العاصي تنفيراً عنه وإذلالاً له وكسراً لقلبه فربما ارتدع بذلك عن غيه ٤.

стр. 37

أما ما ورد في هجر المبتدعة فهو أمر مشتهر عن السلف أنهم هجروا المبتدعة وأمروا بهجرهم ونهوا عن مجالستهم والسلام عليهم وحضور جنازتهم. أما الفساق فإن الأدلة السابقة صريحة في هجرهم ويخصص بها عموم النصوص الواردة في تحريم هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام، فإن هذا الهجر المحرم هو فيما إذا كان الهجر لحظ النفس وهواها، أما إذا كان الهجر لله فإنه يجوز حتى يتوب المهجور ولو طال ذلك كما كان الأمر بالنسبة لكعب بن مالك ﵁ وصاحبيه، فقد هجرهم المسلمون بأمر النبي ﷺ خمسين ليلة، وهجر النبي ﷺ زوجه زينب ﵂ ثلاثة أشهر تقريباً ومدة الهجر مرتبطة بأن يظهر العاصي توبة صحيحة لما ورد عن الإمام أحمد أنه قال في عاص: يهجر حتى يظهر توبة صحيحة ١. ومما ينبغي التنبه له أن العاصي الذي يهجر هو من أظهر فسقه وجاهر بارتكابه للمحرم، أما المستتر بمعصيته فلا يهجر، وإنما ينصح سراً إذا اطلع إنسان على حاله لعله يتوب، ولا يجوز فضحه. قال الخلال: أبو عبد الله هجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الردية وكاشف بها، أما من سكر أو شرب أو فعل فعلاً من هذه الأشياء المحظورة ولم يكاشف بها فالكف عن أعراضهم ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:“من فعل شيئاً من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة، فإن كان الرجل مستتراً بذلك وليس معلناً له أنكر عليه سراً وستر عليه، إلا أن يتعدى ضرره، والمتعدي لا بد من كف عدوانه، وإذا نهاه المرء سراً فلم ينته فعل ما

стр. 38

ينكف به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين”. وقال أيضاً:“فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة ويهجر ويذم على ذلك، بخلاف من كان مستتراً بذنبه مستخفياً فإن هذا يستر عليه لكن ينصح سراً، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب”١. وقال الذهبي:“فإذا كان الجار صاحب كبيرة فلا يخلو: إما أن يكون مستتراً بها يغلق بابه عليه، فليعرض عنه، ويتغافل عنه، وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه فحسن. وإن كان متظاهراً بفسقه، مثل مكاس أو مرابي فهجره هجراً جميلاً، وكذا إن كان تاركاً للصلاة في كثير من الأوقات فمره بالمعروف وانهه عن المنكر مرة بعد أخرى، وإلا فاهجره في الله تعالى، لعله أن يرعوي ويحصل له انتفاع بالهجرة، من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك، فإن رأيته متمرداً عاتياً بعيداً عن الخير فأعرض عنه” ٢. كما يحسن التنبيه على أمر آخر مهم في هذا: وهو أن الهجر من العقوبات الشرعية التي ثبتت بالشرع، وهي من الزواجر عن ارتكاب الذنوب، إلا أن هذا الزاجر وهذه العقوبة تستخدم حيث تنفع ويتحقق المقصود الشرعي منها، وهو تقليل الشر وتكثير الخير، أما إذا كانت تؤدي إلى خلاف ذلك من تكثير الشر وتقليل الخير فإن الأولى أن يسعى المسلم إلى الوصول إلى المطلب الشرعي بأوصل الطرق إليه. قال ابن عبد البر ﵀:“ولا هجرة إلا لمن ترجو تأديبه بها أو تخاف من شره في بدعة أو غيرها” ٣.

стр. 39

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الهجر:“فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة” ١. وقال أيضاً:“الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى ترك المنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها ـ ثم قال عن الثاني ـ وهو: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كانوا أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدّين وتطهيرهم من الذنوب، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. وجواب الأئمة أحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة

стр. 40

والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه”١. وبه يتبين أهمية أن يستخدم المسلم الحكمة في أمر الهجر، لأن المسلم قد يخالط من هو مرتكب للمنكرات، إلا أنه حاكماً أو سيداً مطاعاً في قومه، أو من يكون تعلقت به مصالح العبد، فإن هجره له لا يؤثر فيه بالارتداع والانزجار بل قد يتمادى تكبراً وغطرسة، وقد يوصل إلى الهاجر الضرر، إما الجسدي، وإما المالي. وكذلك فإن من الأمور التي ابتلي بها أهل زماننا كثرة العصاة وتنوع عصيانهم، وظهور أنواع من المنكرات تواطأ الناس على فعلها فصارت من عادات بعض الناس، وأعرافهم التي لا يستنكرون فعلها كحلق اللحى وشرب الدخان ونحو ذلك، مما لو هجر المسلم بسببه لصرم الناس إلا قليلاً منهم، وفيهم أهله وأقرباؤه وذوي رحمه، وهؤلاء بهجره لهم لا يرتدعون ولا ينزجرون، فمن هنا أرى أن دعوتهم وتذكيرهم ووعظهم والإنكار عليهم بالرفق واللين واستعمال التأليف لهم بالهدية ونحوها مع القصد الصالح في دعوتهم ووعظهم، فلعل هذا يكون من الجنس الذي بين العلماء فيما نقلت عنهم كابن عبد البر، وشيخ الإسلام والذهبي أنه أنفع وأحرى في تحقق المقصود مع أنه في الحقيقة هو الأمر الممكن للإنسان في هذه الأزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أعلم وأحكم.

стр. 41

المبحث السادس: حكم الخروج على الحاكم الفاسق يشترط العلماء شروطاً عدة لا بد من توفرها في الحاكم أو الخليفة أو إمام المسلمين، منها العدالة وهي أن يكون مراعياً لجانب الدّين قائماً بأوامر الله متجنباً لنواهيه؛ لأن من أعظم المصالح المقصود تحقيقها بالولاية والإمامة إقامة الدّين بين الناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ورد المظالم وردع الظالم ونحو ذلك من المصالح الدينية والدنيوية ١. والفاسق كما يقول شارح الطحاوية ﵀:“وهو من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إمامًا للمسلمين فإنه يستحق التعزير فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً” ٢. فإذا كان فاقداً للعدالة في نفسه، فلن يقيم العدالة والحق في غيره، فلا يجوز عقد الولاية للفاسق ابتداءً ٣.ولكن إذا تغلب على الحكم فاسق قد صارع في الأمر وقاتل حتى استطاع أن يغلب الناس ويتولى عليهم بالقوة ٤، أو كان مستوراً حاله ثم ظهر فسقه وبان عن الدّين انحرافه فهل تسقط طاعته ويجوز

стр. 42

الخروج عليه؟ قد دلت الأدلة الشرعية على أنه تجب طاعته ويحرم الخروج عليه. فمن الأدلة التي توجب طاعة الإمام ما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” ١. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: “بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ـ وفي رواية ـ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان” ٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : “عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك، ومكرهك، وأثرة عليك” ٣. فهذه أحاديث صريحة في وجوب السمع والطاعة لمن تولى أمر المسلمين ما لم يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. ولا يعني ذلك لا سمع ولا طاعة مطلقاً، وإنما يعني لا سمع ولا طاعة في معصية الله، فلا يطيع المسلم أحداً من الخلق في معصية الله ﵎. ومن المعلوم أن وجوب السمع والطاعة على المسلم لمن ولاه الله أمر المسلمين، يعني تحريم الخروج عليه، لأن الخروج عليه هو أعظم العصيان له. ١ أخرجه. خ كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، انظر فتح الباري (١٣/١٢١) .و. م.كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣/١٤٦٩) . ٢ أخرجه. خ.كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس، انظر فتح الباري (١٣/١٩٢) م. كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٣/١٤٧٠) . ٣ أخرجه. م.كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣/١٤٦٧) .

стр. 43

ومع ذلك، فقد وردت أدلة خاصة، تبين تحريم الخروج على الحاكم إذا فسق وانحرف. منها: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: “من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات ميتته جاهلية ١، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه” ٢. وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “من رأى من أميره شيئاً فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً ٣ فمات فميتته جاهلية” ٤. وعن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله ﷺ يقول: “من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” ٥.

стр. 44

وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ”خيار أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة” ١. فهذه النصوص صريحة في تحريم الخروج على الإمام إذا فسق أو جار. وقد تكاثرت النصوص عن العلماء في ذلك، فمنها: قول الإمام أحمد: “والانقياد لمن ولاه الله أمركم لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان بل تسمع وتطيع، فإن أمرك السلطان بأمر هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقه، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله المعين”٢. وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله في عقيدتهما التي حكياها عن علماء الأمصار وجاء فيها: “ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ولا ننزع يداً من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة”٣. وقال ابن بطة ﵀: “وقد أجمعت العلماء من أهل الفقه والعلم

стр. 45

والنساك والعباد والزهاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة والعيدين ومنى وعرفات والغزو مع كل أمير بر وفاجر...والسمع والطاعة لمن ولوه وإن كان عبداً حبشياً إلا في معصية الله تعالى، فليس لمخلوق فيها طاعة”١. وقال النووي ﵀: “وأما الخروج عليهم _ يعني الولاة _ وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، ثم قال: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه”. ونقل عن القاضي عياض قوله: “وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك، وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا، بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيرمن الشرع وظاهر من الكفر٢.

стр. 46

وقيل: إن هذا الخلاف كان أولاً ثم حصل الإجماع على منع الخروج١. وقال الطحاوي ﵀: “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة” ٢. فهذه نصوص العلماء صريحة في تحريم الخروج على الحاكم الظالم أو الفاسق وليس هذا إكراماً له، أو رضا بفعله أو تخفيفاً من شأن معصيته؛ لأن العصيان والفسق هو العصيان والفسق من كل أحد، وإنما الشارع الحكيم لاحظ ما يتحقق للناس فيه الخير ويندفع عنهم به الشر، أو يقل فمنع من الخروج على الوالي الفاسق؛ لأن الخروج عليه فتح لباب الشر على مصراعيه، ولا يتحقق للناس من وراء الخروج عليه ما يريدون، وإذا تحقق لهم ما يريدون فإنه لا يتحقق إلا بأضعاف مضاعفة من الشر الذي كانوا فيه قبل قيامهم على الوالي، والله أعلم.

стр. 47

المبحث السابع: التوبة أولاَ: معنى التوبة لغة واصطلاحاً ... المبحث السابع: التوبة إن الذنوب والمعاصي لا يسلم أحد منها إلا أن يكون نبياً يعصمه الله . إلا أن الله ﵎ كما جعل اللقاحات الواقية من الذنوب جعل أيضاً الأدوية الناجعة للشفاء من المرض لمن وقع فيه وهي التوبة، فمن أذنب وعصى فلا يعني ذلك هلاكه، بل عليه أن يعلم أن له رباً كما يأخذ بالذنب ويعاقب به، فإنه يغفر الذنب ويقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عن السيئات، بل من كرمه أنه يبدلها حسنات. قال تعالى ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ الفرقان: ٧٠. وقد فتح الله ﵎ باباً للتوبة لا يغلق إلى أن تطلع الشمس من مغربها كما ورد عن النبي ﷺ . ١ وقد كان سيد الخلق ﷺ وهو المعصوم يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”. ٢ ومن لم يتب إلى الله من ذنوبه فهو الظالم لنفسه كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الحجرات٤٩. وهو معرض لسائر الشرور المترتبة على الذنوب. والله قد ربط الفلاح بالتوبة النصوح فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التحريم: ٨.

стр. 48

وقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣١. والتوبة وظيفة العمر بمعنى أن الإنسان يجب عليه عند كل معصية توبة، وعند كل تقصير توبة حتى يمحو الله عنه خطيئته، ويكفر عنه سيئته، ويضمن بذلك إن شاء الله رحمة الله ومن لم يلازم التوبة لازمه الذنب، ومن لازمه الذنب أهلكه، وذلك أن بني آدم كما روي “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”. ١ وعلى المسلم أن يحذر من التسويف في التوبة بأن يقول سأتوب إذا كبرت “فإن سوف جند من جند إبليس”٢، يغرر به الإنسان ويؤمله مع أن الموت والأجل مغيبان عن الإنسان ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ لقمان ٣٤. فعلى المسلم أن يتجنب الذنوب كلها صغيرها وكبيرها فإنها أشأم شيء عليه، وأشر أمر يبتلى به، ولا نجاة له من شرها وبلائها إلا أن يرجع إلى ربه بالتوبة الصادقة، ويسأله غفران ذنبه والتجاوز عن سيئاته، وربنا ﵎ كريم غفور رحيم، يغفر الذنب العظيم، قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر٣٩. وعلى المسلم أن يعلم أن للطاعة لذة وحلاوة، وللعودة إلى الله تعالى لذة وحلاوة لا تعادلها لذة المعصية ولا حلاوتها، مع ما فيها من الأجر العظيم، فإن كثيراً من الناس يظن أنه يجد لذة وحلاوة في المعصية التي يفعلها، وحقيقة الحال

стр. 49

أنها لذة فيها تنغيص ونشوة كاذبة كنشوة السكران، ومتعاطي المخدرات، إن كان فيهما نشوة وهي عما قليل تنقشع ويعقبها في القلب حسرة، وفي الوجه ظلمة، وفي النفس ذلة ومهانة، هي كافية في بيان قبح المعصية ومن وراء ذلك بعد عن الرحمن، وتسلط للشيطان وعذاب أليم في الدنيا والآخرة إن لم يتب إلى الله ، ويغفر الله له ذنبه. فعلى المسلم أن يعزم على توبة صادقة يبتدئها من ساعته، فكم من إنسان نام وما أصبح إلا في الآخرة وكم من إنسان أصبح ولم يأته الليل إلا وهو ملاقي ربه ومعاين جزاء ذنبه. وللمسلم العاقل عبرة في حوادث كثيرة يسمعها، وأمور كثيرة يعلمها وأناس كثيرين حيل بينهم وبين ما يشتهون يعرفهم اخترمهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وأوقفهم من غير رأي منهم ولا مشورة على أعمالهم صغيرها وكبيرها، وعاينوا تفريطهم وتقصيرهم فعضوا لذلك أصابع الندم ولا ينفع الندم قال تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ . الكهف ٤٩. لهذا على المسلم أن يلازم التوبة والإنابة إلى الله ليسلم من شرور الذنوب وبلائها، وسنبين في النقاط التالية ما يتعلق بالتوبة من مسائل: أولاً: معنى التوبة لغة واصطلاحاً: التوبة في اللغة: الرجوع عن المعصية ١. أما في الشرع: فالعلماء متفقون على أنها: الإنابة إلى الله والأوبة إلى طاعته مما يكره من معصيته.

стр. 50

أو هي: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحبّ وترك ما يكره ١. وقد يضيف بعض العلماء الشروط الواجب توفرها في التوبة ومنهم من يقتصر على نحو ما ذكرت.

стр. 51

ثانيا: حكم التوبة: التوبة واجبة على كل مكلف٢. فالكافر يجب عليه أن يتوب من كفره والمسلم يتوب من سيئاته وتقصيره، والمحسن يتوب مما قد يكون من غفلة وتقصير. قال تعالى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هود:١-٣. وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ التحريم:٨. وقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣١. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: “يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة” ٣. وعن الأغر المزني ﵁ وكان له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : “إنه ليُغَان ٤

стр. 52

على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” ١. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه” ٢. وعن أبي أيوب ﵁ قال حين حضرته الوفاة: “كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم”. في رواية أبي هريرة مرفوعاً: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم” ٣. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: “إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها” ٤. فهذه جملة من الأدلة تدل على وجوب التوبة على كل أحد من الناس، فأما الكافر فيتوب من كفره وأما المؤمن فيتوب من تقصيره وما يكون قد اقترف من السيئات، وكذلك الأنبياء ﵈ فإنهم يتوبون إلى الله ، لأن التوبة إليه عبادة من العبادات يحبها الله ويرضى بها عن عباده فهذا نبينا محمد ﷺ أفضل البشر، ومع ذلك فإنه يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، وإنما تكون توبته ﵊ مما يكون ألم بقلبه ﵊ من سهو أو غفلة عن دوام الذكر ونحو ذلك مما هو من طبيعة البشر.

стр. 53

ثالثا: شروط التوبة: التوبة الصحيحة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط عامة ١. أولها: الندم: وهو الأسف على وقوع الفعل منه وكرهه بعدما فعله ٢. وحقيقته أن المذنب يدرك أن ما فعله، أو فرط فيه مما لا يجوز له أن يقع منه، فيتحسر على ذلك ويندم أن كان فعل ذلك، ويتمنى أنه لو لم يفعل ذلك، أما إذا لم يندم فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وهذا ذنب آخر عليه أن يتوب منه، فإن الندم شرط لصحة التوبة، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “الندم توبة” ٣. قال السفاريني: “ومعنى قول النبي ﷺ “الندم توبة”، يعني أن أعظم أركانها الندم ٤، وهو كقوله ﵊ “الحج عرفة”. قال في الزواجر: “ولا بد في الندم أن يكون من حيث المعصية وقبحها وخوف عقابها” ٥. وقال المناوي: “وإنما كان الندم أعظم أركانها، لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب، انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.

стр. 54

ونقل عن الغزالي قوله: أن الندم لتعظيم الله وخوف عقابه، مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث، وهي قبح الذنوب وشدة عقوبة الله، وأليم غضبه، وضعف العبد، وقلة حيلته، يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرع، ويجزم بعدم العودة إليه، وبذلك تتم شروط التوبة” ١. ثانيها: الإقلاع عن الذنب: الإقلاع عن الذنب والتوقف عن إتيانه هو أظهر معاني التوبة ولا تتضح ولا تصح إلا بالإقلاع عن الذنب أما التوبة مع الإقامة على الذنب والاستمرار فيه فهي كما قال المنذري: هذه توبة الكذابين٢. ومما يدل على وجوب الإقلاع عن الذنب، وأن عدم الإقلاع عن الذنب فيه خطورة عظيمة على دين المسلم ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣. فالمصر على الذنب والمقيم عليه إذا لم يكن له توبة صحيحة فيخشى عليه أن يطبع على قلبه فتتعسر عليه ـ نسأل الله العافية ـ، التوبة ويستمر في الانحراف والعصيان حتى يهلك على ذلك. ثالثها: العزم على أن لا يعود: هذا من دلالة صحة التوبة وصدقها أن يعزم المذنب على ألا يعود في

стр. 55

ذلك الذنب الذي أذنبه وتاب منه. رابعها: أن يؤدي الحق إلى أصحابه: إذا كان الذنب فيه مظلمة لآدمي فإن توبته منه أن يؤدي ذلك الحق لصاحبه أو يتحلله منه، كما قال ﵊: “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”١. وكذلك حديث عبد الله بن أنيس ﵁ عن النبي ﷺ : “يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً، قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلاً بهما، قال: بالحسنات والسيآت” ٢. فتدل هذه الأدلة على أن من كان ذنبه فيه اعتداء على أحد من الناس فإن عليه أن يتحلله، فإذا كان مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان عرضاً فيتحلله منه ويطلب مسامحته في الدنيا، وإلا فإن القصاص باق في حقه، وذلك يدل على خطورة الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين. واختلف العلماء فيما لو كانت المظلمة قدحاً بغيبة أو نميمة هل يشترط في

стр. 56

توبته إعلامه بذلك أو لا يشترط. القول الأول: أنه يشترط إعلامه بذلك وتحلله منه وعزا ابن القيم هذا القول إلى أحمد في رواية عنه، وهو عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك. والقول الثاني: أنه لا يشترط الإعلام، بل يكفي توبته فيما بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، ويبدل قذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وذلك لأن إعلامه فيه مفسدة ظاهرة من ناحية أنها تزيده حنقاً، وربما كانت سبباً في العداوة الدائمة بينهما، وينقلب الأمر إلى بغضاء وعداوة بدل أن يكون تآلف وتراحم، وذلك خلاف مقصود الشارع. واستدلوا بما أثر عن الحسن البصري أنه قال في الغيبة: “كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”. وهذا القول رواية عن أحمد وقال به شيخ الإسلام ورجحه ابن القيم رحمه الله١.

стр. 57

رابعاً: هل يجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره: أكثر العلماء على أنه تجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره. وعزا النووي هذا القول إلى أهل السنة٢. واستدلوا لذلك بأن التوبة فرض واجب من كل ذنب، فإذا تاب من ذنب فقد أدى واجباً وبقي عليه التوبة من الذنب الآخر، كمن صام أياماً من

стр. 58

رمضان وأفطر بعضاً منها فإن ما أفطره لا يفسد ولا يبطل ما صامه، أو كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة. وروي عن الإمام أحمد ﵀: أنها لا تصح توبته، وذلك لأن التوبة رجوع إلى الله تعالى عن معصيته، فمن تاب من ذنب مع إصراره على غيره لم يرجع عن معصية الله. ويرى ابن القيم ﵀ أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره من نوعه، كمن تاب من ربا الفضل مع الإصرار على ربا النسيئة أو تاب من الزنا بامرأة معينة مع الإصرار على الزنا بغيرها، أما التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ليس من نوعه، كمن تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر، أو تاب من ترك الصلاة أو التهاون فيها ولم يتب عن الربا، فتوبته في الذي تاب عنه صحيحة١. والقول الأخير قول له اعتبار واضح، وذلك أن الذنوب أنواع، وقد يجد الإنسان قوة في ترك بعضها، وتغلبه نفسه وشيطانه على بعضها الآخر، فلو اشترط لذلك التوبة من جميع الذنوب، لتعسرت التوبة على كثير من الناس. فأما إن تاب من ذنب، مع الإصرار على ذنب آخر من نوعه، فحقيقته لم يتب من الذنب، وإنما هو مصر عليه ولكن بطريقة أخرى. والله أعلم.

стр. 59

خامساً: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبداً: عزا النووي ﵀ إلى أهل السنة أن المذنب إذا تاب توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك الذنب كتب عليه ذلك الذنب الثاني ولم تبطل توبته٢.

стр. 60

وقال الطحاوي عمن تاب عن ذنب ثم عاد فيه: فإذا قالوا ذلك ـ يقصد التوبة ـ بقلوبهم كانوا في ذلك مأجورين مثابين، فمن عاد منهم بعد ذلك في شيء من تلك الذنوب كان ذلك ذنباً أصابه لم يحبط ذلك أجره المكتوب له بقوله الذي تقدم منه واعتقاده ما اعتقد١. وعزا ابن القيم هذا القول إلى الأكثرين من أهل العلم، وذكر قولاً آخر وهو أن بعض العلماء اشترط لصحة التوبة من الذنب عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تيقنا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة. ورجح ابن القيم ﵀ القول الأول لدلالة الأدلة عليه ٢. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه قال: “أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباًّ يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك” ٣.

стр. 61

سادساً: مم يتوب المذنب: اتفق العلماء على أن التوبة واجبة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الحجرات٤٩.وقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ

стр. 62

جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ..﴾ النور ٢٤. ١ وكما تكون التوبة من الذنوب كذلك تجب التوبة من ترك المأمور أو التقصير فيه قال شيخ الإسلام: “وليست التوبة من فعل السيآت فقط كما يظن كثير من الجهال، لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيآت المنهى عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيراً مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله” ٢. وكلام شيخ الإسلام ظاهر في أن تقصير العباد في جناب الله وحقه ودينه، كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الحق ونصر المظلوم ونحوها، فكثير من هذه الأعمال الواجبة على من كان مقتدراً عليها يغفل كثير من المسلمين عن أنها ترك لواجب يكون المسلم بذلك مقصراً تقصيراً يذم عليه فيجب عليه التوبة منه، نسأل الله أن يتجاوز عن سيآتنا وتقصيرنا ويغفر لنا جميع ذنوبنا.

стр. 63

الخاتمة الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد الداعي إلى المكرمات، ورضي الله عن أصحابه أولي العزم على الطاعات، وبعد: فقد جمعت فيما سبق من كلام أهل العلم ما يتعلق بالكبيرة والمسائل المتعلقة بمرتكبيها في الدنيا مما يذكرونه ويدرجونه في أبواب الاعتقاد ويتلخص ما سبق في النقاط الآتية: أولاً: أن أهل العلم اختلفوا في التعبير عن تعريف الكبيرة مع اتفاق أكثرهم على المضمون وأن أرجح التعريفات، هو أن يقال: إنها كل ذنب ختمه الله أو رسوله بوعيد أو عذاب في الدنيا أو الآخرة أو لعن أو غضب ونحو ذلك. ثانياً: أن أهل العلم لم يتفقوا على عدد محدد للكبائر، والراجح في ذلك أن عددها غير محصور وإنما يمكن معرفتها وتمييزها بالوصف ومن التعريف السابق لها. ثالثاً: أن السلف أجمعوا على أن مرتكب الكبيرة ينقص إيمانه على قدر ذنوبه. رابعاً: أن السلف اتفقوا على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، وإن كانوا اختلفوا في مسماه فمنهم من يرى جواز تسميته مؤمناً على اعتبار دخوله فيه ابتداءً وإن لم يكن استكمله. ومنهم من يرى عدم جواز ذلك وإنما يسمى مسلماً أو مؤمناً ناقص الإيمان. خامساً: اختلفوا في لعن مرتكب الكبيرة فأجازه بعضهم ومنع من ذلك الأكثر. سادساً: اتفقوا على جواز هجر العاصي ولو طال الهجر إلى وفاة المهجور ما لم يتب. سابعاً: دلت الأدلة الصريحة وهو قول الجمهور الأكبر من أهل السنة على تحريم الخروج على الحاكم الفاسق، وأن الواجب في ذلك الصبر عليه حتى

стр. 64

يقضي الله فيه أمره. ثامناً: أن التوبة واجبة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها وقد اشترط العلماء لصحة التوبة شروطاً، كما ذكروا أنه يجوز أن يتوب الإنسان من ذنب مع إصراره على غيره، كما لا يشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبداً وأن من عاد إلى الذنب لم تبطل توبته السابقة إذا كان صادقاً فيها. كما بين العلماء أن التوبة تكون من ارتكاب المحظور ومن التقصير في المأمور. هذه أهم النتائج التي ظهرت لي في هذا البحث، وفي الختام أحمد الله أولاً وآخراً على ما أعان ووفق وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.