المسألة الثانية: تلخيص ما يتعلق بهذه الآفات المهلكة (١) مع بعض التوسع في الكلام عنها بشكل عام.
أولاً: الرياء.
حكمه: الرياء من الشرك الأصغر، وهو أيضًا من الشرك الخفي؛ ولذا كان خطره عظيمًا، وشره مستطيرًا، فلا بد من الحذر منه، والانتباه له ولعظيم ضرره.
ومن الأدلة على ذلك:
أ - قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
ب - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
ت - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
والآيات تدل على عظيم خطر الرياء وأن من تلبس به وأنه من الشرك، ومن صفات المنافقين، وصاحبه الشيطان قرين له فساء قريناً.
ث - قال سفيان الثوري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]: "ويل لأهل الرياء! ويل لأهل الرياء! هذه آيتهم وقصتهم" (٢).
стр. 142
ج - وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (١).
• وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (٢).
• وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (٣).
ح - وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (٤).
خ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٥).
• وذكر الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه على التوحيد أن الرياء على درجتين:
الأولى: رياء المنافقين؛ بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ لأجل رؤية الخلق، وهذا مناف للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله، وقد وصف المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الرياء الأكبر الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
стр. 143
الثانية: وهو أن يرائي المسلم بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي ينافي كمال التوحيد (١).
صور من الرياء عند من ابتلي به (٢):
٢ - ينشط في العبادة إذا رآه الناس، ويحسنها ويتقنها من أجل شعوره برؤية الناس له، كما في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٣).
٣ - يحافظ على البعد عن محارم الله إذا كان الناس يرونه، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها؛ لأنه لا ينتهي عن المحارم إلا مخافة من الناس، ولهذا عقوبته عظيمة، كما في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا».
وهذا يحصل من البعض، تجده ينتهك محارم الله إذا خلا بجواله أو جهاز حاسبه أو بالقناة الفضائية التي تعرض ما حرم الله.
٤ - يطلب العلم وهمه أن يرى تعظيم الناس له، وقضاء حاجاته، وتقديمه في المجالس.
٥ - الرّياء بالقول، وهو أن يقوم بهذه الأعمال من أجل الناس، ويكون مهتمًّا بالوعظ والتّذكير والنّطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار؛ لإظهار غزارة العلم، ومن ذلك تحريك الشّفتين بالذّكر في محضر النّاس، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمامهم.
стр. 144
٦ - المراءاة بالأصحاب والزّائرين، كأن يطلب المرائي من عالم أن يزوره ليقال: إنّ فلانًا قد زار فلانًا، ومن ذلك كثرة ذكره للشّيوخ الذين قابلهم وزارهم، ويحرص على إظهار ذلك للناس من خلال الوسائل المتاحة له، لا لأجل الاقتداء ونشر الخير، وإنما لأجل أن يشعر الناس بمكانته.
خطر الرياء (١):
١ - نفور الناس منه.
٢ - خذلان الله له وقلة توفيقه.
٣ - تسلط الأعداء عليه من شياطين الإنس والجن.
٤ - يحبط أعماله وينزع الله منها البركة.
٥ - لا يسلم المرائي من أن يفضح الله أمره في الدّنيا، ويظهر عيوبه، فيسقط من أعين النّاس وتذهب هيبته، ناهيك عن حسرته يوم القيامة.
٦ - من يرائي بالأعمال الصالحة أول من تسعر به النار، كما في الحديث أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَ أَنَّ شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، قال فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ
ثانياً: السمعة.
والفرق بينها وبين الرياء: أن السمعة تتعلق بحاسة السمع (١)، والرياء يتعلق بحاسة البصر (٢). وكلاهما بمعنى متقارب في نتيجة الحكم عليهما كما سيأتي.
حكم السمعة:
السمعة حكمها كحكم الرياء، فكل ما ورد في الرياء من الأدلة يرد فيها، وقد جاء في السنة ما يبين عظيم خطرها، ومن ذلك:
قول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ».
عن جندب ﵁: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث (٣).
وكان عبد الله بن عمرو ﵄ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (٤).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» (٥).
وحكمها حكم الرياء، وبالذات حينما تقارن العمل.
قال ابن حجر ﵀: "والسمعة .. مشتقة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (٦).
стр. 147
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد أن ذكر تعريف الرياء: "ويدخل في ذلك من عمل العمل ليسْمَعَه الناس" (١).
ما يستثنى من السمعة:
ويستثنى من السمعة المحرمة ما يعمله الإنسان المقتدى به، فيظهر العمل ليقتدي به الناس، بشرط أن يحرص على سلامة نيته من مقصد السمعة المذمومة، وذلك بحبه لسماع ثناء الناس ومدحهم.
وقال ابن حجر ﵀: "وفي الحديث (٢) استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم (٣)، ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة: «لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (٤) قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إمامًا يستن بعمله عالمًا بما لله عليه قاهرًا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي؛ لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك، فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف، فمن الأول حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالذكر، فقال: "إِنَّهُ أَوَّابٌ" قال: فإذا هو المقداد بن الأسود أخرجه الطبري (٥).
стр. 148
ومن الثاني حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قام رجل يصلي، فجهر بالقراءة، فقال له النبي ﷺ : «لا تسمعني، وأسمع ربك» أخرجه أحمد (١)، وابن أبي خيثمة، وسنده حسن" (٢)
من مظاهر السمعة عند من ابتلي بها (٣):
١ - ما ورد من مظاهر في الرياء وما سيرد في العجب كلها متقاربة.
٢ - كثرة إطراء النفس والحديث عنها.
٣ - التمطيط بقراءة القرآن وإخراجها عن الحد المشروع في القراءة، حتى يخيل لك أنه لا يقرأ وإنما ينشد شعرًا، ويتفاعل مع جماهير السامعين ويردد الآية لا للتدبر، وإنما للتمطيط وزيادة التنغيم والدخول من مقام إلى مقام آخر، حتى يشبع رغبة في نفسه بحب ثناء الناس ومدحهم.
٤ - لا يحب الناصح، ويرى أنه ينزل من قدره.
٥ - إذا ألقى درسًا أو موعظة ولم يلق مدحًا ولا ثناء يغضب في داخل نفسه، وربما لا يواصل درسه أو مواعظه في نفس المكان.
٦ - كثير النقد والاعتراض على الآخرين.
٧ - يتصيد الأخطاء ويفرح بها، ويضخمها وهي صغيرة؛ ليشعر من يسمعه أنه عنده غيرة على الدين.
تنبيه:
أما ما يسمعه الإنسان عنه من ثناء حسن من غير قصد لذلك، وتطلع إليه، فلا يدخل في السمعة المذمومة؛ لأن هذا مما استثناه الحديث، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٤).
стр. 149
نقل النووي كلام العلماء في معنى قوله ﷺ : «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» فقال ﵀: "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث (١)، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (٢).
قال السيوطي ﵀: "قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» أي: هذه البشرى المعجلة دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة" (٣).
خطر السمعة:
يقال هنا ما قيل في خطر الرياء لتقارب الآفتين، ويضاف ما ورد في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث.
يَقُولُ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ الراوي: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ.
ففي هذين الحديثين بيان عقوبة من يقع في السمعة في الدنيا والآخرة.
وذكر أهل العلم (٤) في شرح هذا الحديث عدة معان تدل على خطورة السمعة، ودونك أهمها:
١ - أنه إذا عمل يريد سماع ثناء الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه.
٢ - يفضحه الله في الدنيا ويظهر ما كان يبطنه ويخفيه عن الناس.
٣ - وقيل: إذا أراد بالسمعة الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثًا عند الناس
стр. 150
٤ - الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة.
٥ - وقيل: المعنى: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه.
٦ - وقيل: المعنى: من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه، فإن الله يفضحه ويظهر كذبه.
стр. 151
ثالثاً: العُجْبُ.
من أقوال العلماء في معنى العجب:
قال عبد الله بن المبارك ﵀ عن العجب: "أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك" (١).
وقال الغزالي ﵀ عن العجب: "استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم" (٢).
وقال أبو العباس القرطبي: "إعجاب الرجل بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى" (٣).
وقال الجرجاني: "العجب: هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًّا لها" (٤).
ومن خلال ما سبق يتضح أن العجب مرتبط بالنفس، وهو أن يرى بأن عنده ما ليس عند غيره، وملاحظته لنفسه بعين الكمال والاستحسان، مع نسيان أن المنعم عليه هو الله تعالى.
حكم العجب:
دلت نصوص الكتاب والسنة على تحريم العجب، ومن ذلك:
قال تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس؛ تكبُّرًا عليهم وتعاظمًا. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: بطرًا، فخرًا
стр. 152
بالنعم، ناسيًا المنعم، معجبًا بنفسك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ في نفسه وهيئته وتعاظمه، ﴿فَخُورٍ﴾ بقوله" (١).
وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢).
وقال ﷺ من حديث أنس ﵁: «ثلاث مهلكات .. »، ثم قال ﷺ : «وأمّا المهلكاتُ: فَشُحٌّ مطاع، وهوًى متَّبع، إعجابُ المرءِ بنفِسِه".
وعَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ لمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ» (٣).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ- «إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (٤).
ودلت هذه النصوص على أن العجب محرم ومن كبائر الذنوب، بل عده شيخ الإسلام ﵀ من الشرك، فقال: "وكثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ
стр. 153
نَعْبُدُ﴾، والمعجب لا يحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فمن حقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرج عن الإعجاب" (١).
مما يدل على خطر العجب على الأمة، وأثره العظيم في حصول الهزيمة، ما ذكره الله في تعقيبه على غزوة حنين وهو يربي الأمة على الحذر من هذه المسالك، حينما حصل هزيمة في أول المعركة بسبب العجب بالكثرة وتعلق القلب بها، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، وكان من أسباب الخلل والهزيمة العجب الذي أدى إلى ركون القلب إلى الكثرة والاعتداد بها بأنهم لن يهزموا، وغفلوا عن أن النصر من الله، وليس بالكثرة ولا بالقوة المادية، فأصابهم الخذلان، ولم تغن عنهم الكثرة شيئًا، فحصلت الهزيمة والفرار في أول المعركة من هؤلاء، وثبّت الله نبيه ﷺ والمؤمنين معه، ونصرهم في نهاية المعركة، حيث قال : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
стр. 154
من أقوال السلف في التحذير من العجب:
- قال علي بن أبي طالب ﵁: "الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب" (١).
- وعن كعب ﵁ أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: "اتق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحدًا، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصانًا" (٢).
- وقال أبو الدرداء ﵁: "علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه" (٣).
- وعن مسروق ﵀ قال: "كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله" (٤).
- وقال أبو وهب المروزي ﵀: "سألت ابن المبارك: ما الكبر؟ قال: أن، تزدري الناس. فسألته عن العجب، قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئًا شرًّا من العجب" (٥).
- وعن خالد بن يزيد بن معاوية ﵀ قال: "إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا بنفسه، فقد تمت خسارته" (٦).
- وكان يحيى بن معاذ ﵀ يقول: "إياكم والعجب؛ فإن العجب مهلكة لأهله، وإن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" (٧).
стр. 155
وقيل لعبد الله بن المبارك: ما الذنب الذي لا يغفر؟ قال: "العجب" (١).
ويقصد ابن المبارك ﵀ أن العجب من الكبائر التي لا تغفر إلا بالتوبة.
صور من العجب عند المبتلى به (٢):
١ - كثرة الحديث عن نفسه ومنجزاته وأعماله إما تصريحًا أو تلميحًا.
٢ - حبه ونشاطه في الأعمال التي فيها ظهور أمام الجمهور، وفي المقابل البعد أو الكسل عن الأعمال التي لا يراه فيها الناس؛ لأن الظهور أمام الناس يلبي رغبة العجب التي في نفسه.
٣ - يحب من يقدمه ويثني عليه، وينفر من الذين لا يثنون عليه، ولا يحب النشاط في هذه الأماكن التي لا يثنى عليه فيها.
٤ - الضيق والتبرم من النصيحة، والبعد عن الناصحين.
٥ - حبه للتصدر وحرصه عليه قبل أن يتأهل لذلك.
٦ - الفرح بذكر أو سماع عيوب إخوانه؛ مما يؤدي به إلى البحث والتنقيب عن عيوبهم، ونسيان عيوب نفسه، وهو يظن أنه بذلك يظهر قدرته العلمية.
٧ - عدم استشارة أهل العلم، معتدًّا برأيه، ويظن أنه ليس بحاجة إلى استشارة أحد لكمال عقله.
стр. 156
خطر العجب:
العجب له خطر عظيم عليه في نفسه، وعلى ما يقوم به، ومن ذلك:
١ - نفور الناس منه.
٢ - سبب للكبر والغرور والتعالي على الناس.
٣ - سبب للرياء والسمعة.
٤ - نسيان الذنوب والتمادي في التقصير، ولا يوفق للتوبة.
٥ - الإصرار على الأخطاء، وعدم سماع العلماء الناصحين اعتدادًا برأيه.
٦ - سبب للخذلان وقلة التوفيق.
المسألة الثالثة: من مظاهر الرياء والسمعة والعجب لدى بعض الحجاج والمعتمرين.
مر في الكلام السابق الحديث عن هذه الآفات بشكل عام، ونأتي إلى بعض صور هذه الآفات فيمن ابتلي بها في حجه وعمرته، لأجل التنبه لذلك والحذر من الوقوع في مثل هذه الصور والمظاهر أو نحوها.
وهذه أمثلة على مظاهر هذه الأمراض القلبية الدالة على وجودها في القلب لدى بعض الحجاج والمعتمرين:
تنبيه مهم: وقبل عرض هذه الأمثلة لا بد من التنبيه على مسألة مهمة:
وهي الحذر من الحكم على الناس المعينين، لأن ذلك يحتاج إلى أن هؤلاء لا يجهلون الحكم وانما تعمدوا ذلك وأصروا عليه مع علمهم أن ذلك قد يبطل العمل أو ينقص أجر العمل، والأمر الآخر الذي يجعل المؤمن الصادق يخاف من الحكم على نوايا الناس ومقاصدهم؛ لأن هذا الأعمال خفية لا يعلمها إلا الله.
وهل أقيمت على هؤلاء الحجة وعلموا حكم الله في ذلك أم لم يحصل ذلك؟
فهم وقعوا في ذلك بسبب جهلهم وقلة الناصحين، وإنما الحكم هنا على العموم وعلى العمل لا على العامل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 157
ومن هذه المظاهر:
١ - ينشط في العبادة إذا أحس برؤية الناس له ويتمها، وإذا شعر أنه لا يراه أحد ربما نام عن العبادة أو أداها بكسل وفتور وعدم اتقان لها.
٢ - إذا أدى منسكاً من مناسك الحج أو العمرة ومعه أحد أتقنه وأتمه وحرص على تطبيق السنن، وإذا كان وحده لا يفعل ذلك بل يتساهل في أداء العبادة ولا يتقنها كما كان في المرة الأولى؛ لأنه هناك يراه أصحابه فلا يريد أن يظهر أمامهم بمظهر المتساهل المفرط، ولأنه يحب مدح الناس وثناؤهم عليه، فينشط من أجل رؤية الناس له ويريد أن يسمع ثناؤهم عليه.
وهذا من الشرك الخفي الذي حذر منه النبي ﷺ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (١).
٣ - ومن أخطر مظاهر الرياء والسمعة وعجب الإنسان بعمله ما يحدث في وسائل التواصل الحديثة من خلال النقل المباشر لما يقوم به الشخص من مناسك الحج والعمرة، فتجد هؤلاء قد أغرقوا انفسهم في بحر لجي يغشاه الموج من كل مكان بحر الرياء والعجب وحب ثناء الناس عليه انهم ينقل لهم بث مباشر أو مسجل وهو يرتدي ملابس الإحرام وهو يلبي وهو يطوف ويصلي وهو يسعى وفي عرفات ومزدلفة وعند رمي الجمار وهو يكبر ويقرأ القرآن وكأنها رحلة سياحية للترفيه عن النفس، ونسي أو فتن بأصحاب السوء الذين يشجعون على ذلك أن هذه عبادات لا تقبل عند الله إلا إذا أريد بها وجه وحده لا شريك له، اما ما يفعله هؤلاء بعمل ما يسمى ب (السّلْفِي) أمام الكعبة وهو يطوف وأنا في الشوط كذا أو هو خلف
المسألة الرابعة: كيف يحافظ الحاج والمعتمر على عبادته من أن تدخلها الشوائب التي قد تفسدها أو تنقص أجرها.
هذه العبادة كنز ثمين يحتاج المسلم للمحافظة عليه من اللصوص الذين يسرقون الأجر والثواب ويزينون له ما يفسد عبادته، ويقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ "، ومن فعل هذا كان حجه مبروراً الذي قال عنه النبي ﷺ : فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (١).
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَتَانِ أَوِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُكَفَّرُ مَا بَيْنَهُمَا " (٢).
وقال الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على صحيح الترغيب والترهيب: "و (الحج المبرور): هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب، ولا يكون كذلك إلا إذا صفا من البدع والأمور التي اعتادها الناس، وكان من كسب حلال أراد به صاحبه أداء الفريضة، وامتثال أوامر الرب ﵎. نسأل الله العافية" (٣).
ولا شك أن من أعظم المآثم الرياء والعجب والسمعة وقد سبق الكلام عن ذلك.
أما كيف يسلم الحاج والمعتمر على عبادته من عوادي الرياء والسمعة والعجب، فهذه بعض الوسائل المعينة على ذلك وفق النقاط الآتية:
стр. 160
أولاً: العلم ثم العلم ثم العلم، لأنه من أكبر العواصم من القواصم فبه يعرف دسائس الرياء وخفيا العجب والسمعة.
ثانياً: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته، وبالأخص أسماء الله السميع البصير العليم الخبير؛ فإن لها أثرًا عظيمًا في بعد القلب عن مزالق هذه الآفات؛ لأنه يستحي من الله أن يطلع على قلبه وفيه شيء من الآفات، فيمقته:
ودونك هذه الأدلة من كتاب الله تذكر القلوب باطلاع الله عليها وعلمه بها وسمعه وبصره المحيط بكل شيء، وإن المتدبر لهذه الآيات بقلبه، وهو يستحضر معناها وأثرها على قلبه، سيكون لذلك أعظم الأثر في محاسبة نفسه على التخلص من هذه الآفات.
قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
وقال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣].
стр. 161
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٤ - ٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
وقال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، والناظر في هذه الآيات بقلب حاضر يتدبر كلام الله ويؤمن بيقين أن الله مطلع عليه عالم بسره ونجواه يسمعه ويراه، فلا بد أن يحدث في قلبه خوفًا وحياء من الله، وحذرًا من الوقوع في هذه الآفات.
ثالثاً: من أعظم أسباب علاج هذه الآفات الاطلاع على آثارها في الدنيا والآخرة،
стр. 162
وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في خطر هذه الآفات.
رابعاُ: الدعاء والتضرع إلى الله مع الالحاح عليه ومواصلة الدعاء بأن يقيه الله الرياء وهذه الآفات.
خامساً: أن يصطحب في حجه وعمرته من يعينه على الطاعة وعلى اتباع السنة ويذكره إذا غفل وينصحه إذا قصر.
سادساً: أن يقرأ كثيراً ويسمع لأهل العلم في خطر هذه الآفات قبل حجه وعمرته حتى يعرف مخاطرها فيحذر منها أشد الحذر.
سابعاً: محاسبة النفس وتفقدها والمجاهدة لها عندما يجدها ترغب في هذه الأمور فيستغفر الله ويتوب إليه لأن النفس في طبعها تحب هذه الأمور فلا بد من مسايستها حتى تبعد عن مواطن الخطر.
ثامناً: الإكثار من هذا الاستعاذة كما في الحديث عن معقل بن يسار قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (١).
وصل الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.